Полный текст (303 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
القاضي عبد الحيّ ابن أخي حاجي جلبي المشار إليه، أفاض الله نعمه عليه، اجتمع بي وبوالدي بالشَّام عند قدومه إليها قاصداً بيت الله الحرام، فصار بيننا وبينه صُحبة ومودّة ومحبّة.
ومنهم الفاضل اللبيب، والعالم الأَريب، الباسق في شجرة كريمة الأعراق، ساطعة الإشراق، طيبة الأثمار والإيراق، محرزاً في ميدان طهارة الأردان قصب السباق، متميزاً في عنفوان الشباب بحُسن الخلق وإحسَان الأخلاق، ابن قاضي العسكر الإمام عبد الرَّحمن أخي حاجي جلبي أيضاً المسمّى هو بعبد الرَّزاق، انقصف غُضر أجله في ريعانه، وكبا جواد أمله في ميدانه، فلبّى داعي ربه إذ دعاه، وأجاب ندائه مسارعاً للقياه؛ فمات شهيداً بالطّاعُون في شهر صفر المذكور قبل ابن عمّه المُشار إليه بأيام ﵀، وكان قد اجتمع بي مُسَلّماً، وأخذ عني متفهّماً.
ومنهم المقرّ العالي الكريم، والجناب السامي الجسيم، المولوي الإمامي العالمي العلاّمي زين ممالك الإسلام، وحسنة الليالي والأيّام، ورجل الكمال والكلام، وحامل فخر الأقلام، ولواء الشرع المنيف والأحكام، ونجل الشراة الأعلام، غرّة الزمن البهيم، وبورد الآمال الهييم، الفائق بدرر علمه وكلمه على الدارين، قاضي قضاة العساكر المنصورة الرُّوم إيليه محيي الدِّين بن الفنّاري.
ومنهم المقرّ الكريم العالي، الجامع أشتات المعالي، حسنة الأيام والليالي، عَلاَّمة الزمان، ووحيد الأقران، والمشار إليه بالبنان والبيان، زين الأكابر والأماثل، ورأس الأعيان الأفاضل، ومقصد المتلمس والسائل، ومحطّ رِجْل أمل الآمل،
ومغيث الفقراء واليتامى والأرامل، ذو السيرة الحسنة المشكورة، قادري جلبي قاضي قضاة
стр. 247
العساكر الأناظولية المنصورة، أدام الله بهجة الدنيا ببهجة سُلطانه، ووالى تمهيد ربوعه وتشييد أركانه، وضاعف السعد في أمره وشأنه، قد اعتنى بأمري غاية العناية، وحصل منه كل تعظيم ورعاية، وقررني في تدريس حسن جليل نفيس، ابتداءً منه من غير سؤال، ولا طلب ولا التماس بحال، هذا مع نزر اجتماعي عليه وعدم ملازمتي له وقلّة ترددي إليه، وإنّما كان كلام الباشا معه بسببي وتحريضه عليه بما يتعلق بي بسبب كتابة براءات بتجديد ما بيدي من الجهات وشؤون أخرى لا تبرز، وقد انقضى كل منها بحمد الله وتنجز.
ومنهم قاضي قضاة المسلمين وأولى وُلاة الموحدين، وينبوع العلم واليقين، العادل العدل في أحكامِه، والجزل في إقدامه، والمراقب لله في فعله وكلامه، عين إنسان الزمان، وإنسان عين البيان، قاضي القُسْطَنْطِينيّة سَعْدي بن عيسى بن أمير خان، ما قُرن به فاضِل في الرُّوم إلاّ رجحه، ولا أُلقي إليه مُبهم من العلم إلاّ كشفه وأوضحه، له صادقات عزائم، لا تأخذه في الله لومة لائم، إلى عفّة ونزاهة وإيابة، وهمّة عليّة وصيانة، وطلاقة وجهٍ وبشرة، وناء جميل يتضوّع نشره، مع خَلق وضيّ وخُلق رضي:
يقابلني له خلق وضي ... لصدق بشره خلق رضي
مع إجلال وتعظيم، ومبالغة في التكريم، واعتراف بالفضل الجسيم، عامله الله بفضله ولطفه العميم.
стр. 248
ومنهم الشيخ العَلاَّمة والقدوة الفَهَّامة، والإمام الأوحد، والهُمام الأمجد، مولانا خجا جلبي بن مولانا محيي الدِّين محمد، أحد المدرسين الثمانية، ذو همّة عليّة، وفطنة ألمعيّة، ووقار ما مثله وقار، ومآثر كأنها عَلمٌ في رأسه نار، ومفاخر طوالعُها صبح ونهار، وسجايا عريقة المجد ماجد الأعراق، خليقة بالحمد حميدة الأخلاق،
قد سقته العلوم زلالها، ومدّت عليه ظلالها، وأحلّته الجلالة حِلالها، وسقته الأصَالة عذبها وسلسَالها، فعلا قدراً، ولاح في سماء السناء بدراً، وصار لأولئك الصدور صدراً، وقع بيني وبينه بحث في أنّ النعت في قوله تعالى (لا يُسمِنُ ولا يُغني مِن جُوع) متعلق بطعام أو بضريع فهو مال، وأنا قلت: متعلق بضريع، وذكرَ كل منّا حجته في ذلك، ثم أوردتُ عليه ظاهر الحصر منّا مع أنه طعامهم الزَّقُّوم، وهو غير الضريع، وشرابهم الحميم، فأجَابَ بأنّ ذلك يختلفُ بتعدد الأشخاص، واعترضت. . . في الصفوة فإنه جزم بها مكسورة الصَّاد لا غير، فقلتُ لهُ بل هي مثلثة الصَّاد، وبيننا وبينه محبّة وصُحبة، وهو يتأدَّب معي كثيراً، ويجلّني إجلالاً كبيراً، وهو صهر مولانا حاجي جلبي أخو زوجته الكبرى، وهي أم ولده الكبير.
ومنهم الإمام العَالم العَامِل، والهُمام الأمجد الكامل، القدوة الأمّة، وأحد أئمة الأمة، ذو المناقب الرضيّة المرضيّة، والأخلاق الزكية، الشيخ الإمام أبو عبد الله محمد شمس الدِّين شمسي جلبي أحد مدرسيّ الثمانية، بيننا وبينه محبّة وصُحبة، ومصَافاة وَمُوافاة، وذكر لي أنّ سنّهُ دون الخمسين سنة، مع أنّه نقي الشيبة ذو شيبة حسنة، وأنشدته بحضرة مولانا حاجي جلبي لشيخ الإسلام تقي الدِّين بن دقيق العيد بسندي إليه قوله:
стр. 249
وددتُ بأن الشيبَ عاجل المنى ... وقرَّب من عهد الشباب مزارَهُ
لأكسب من عصر الشباب نشاطَهُ ... وأكسب من عصر المشيب وقارهُ
فَسُرَّ بذلك وابتهج واستبشر، وحمد الله تعالى وشكر.
ومنهم الشيخ الصالح العَالم الأوحد الكامِل الخير الجيّد المقرئ المجود، الشيخ إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الحَلَبيّ الأصل، ثم القُسْطَنْطِينيّ الخطيب والإمام بجامع المرحوم السُّلطان محمد، اجتمع بي مرّات وتودّد، وصار بيننا وبينه أعظم
مودة وأوكد، وأعارني من كتبه عدّة أيّام تآليف ما ألفته ببلاد الرُّوم كتفسير آية الكرسي وشرح البُرْدَة، والله يعاملنا وإياه والمسلمين بلطفه الخفي وبره الحفيّ وجوده الوفي بمنه وكرمه آمين.
ومنهم الشيخ النبيل الوقور، المنسوب للعلم، والموسوم بالحلم، والمعدود من ذوي العقل والحصاة، والمشار إليه في أعيان القضاة، قاضي المنزلة ثم الخانكة، فتح الله صحِبَنَا من حَلَب إلى الرُّوم، وتكلمنا مَعَهُ في بعض العُلوم، وصار بيننا وبينه مواددة ومجاملة، ومصادقة ومخاللة، وممَّا سألني عنه لبس الوشق فأجبته بأنه كالسمور والقول بالحلّ هو المعتمد والذي عليه الجمهور، وبحثت معه في وجه ذلك بما لا يسع هذا الكتاب ذكره، وسأوضح الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى في الرسالة التي أفردتها للكلام في ذلك وشرعت في تأليفها، والله تعالى يقدر إتمامها والنفع بها.
стр. 250
ومنهم الشيخ الأوحد، والأصيل الأمجد، ذو البيت الذي طارت مناقب نزاهته كل مطار، وانتظمت أسلاك أصالته في أجيادِ الأسطار، وسَرَتْ نسمات فضيلته سرى نسمات باسمات الأزهار، وهمت سحاب سماحته كالغيث المدرار، فسما في سماء المجد علماً راسخ القواعد، مشار إليه من كل غائب وشاهد، حيناً للصلة وآونة للعابد، تصطفيه الرُّتب العلية السَّنية، وتتنافس فيه الخطط الشرعيّة السُّنِّية، فطوراً مقدماً في أندية الأمراء والأعيان، وتارة صدراً في قُضاة العدل والإحسان، القضائي الكمال التَّادفيّ قاضي حَلَب ثم مَكَّة. كان صحبني من حَلَب إلى البلاد الرُّوميّة، فأسفر عن أعذب أخلاق، وأكرم أعراق، وأحسن طوية، وأنشدني من نظمه قصيدة تائيّة، ومقامه أكبر من الشعر، وأعلى في القيمة وأغلى في السعر.
ومنهم الشيخ النبيل، والفاضل الأصيل، فخر النبلاء، وأوحد الفضلاء، القليل الأنظار والأشباه، قاضي أزنكميد محيي الدِّين محمد ابن قاضيها لطف الله، حضر
لدينا ببلده للسلام، ثم أرسل هدية من الدجاج والفاكهة والأغنام. وبعث إلينا ألغازاً فقهيّة وغيرها رآها في كتاب عنده ولم يدر ما هي فحللناها له وأجبناه عنها.
ومنهم الشاب النيّر، الديّن الخيّر، الصَّالح الذكي، الفاضل الزكي، اللطيف الذات والطِبَاع، المباين بحسن الأخلاق أهل تلك البقاع، عين الأزلام والأصحاب (الحاج مصلح الدِّين لطفي بن الحاج) محمد الأزنكميديّ الشهير بابن القَصَّاب من أعْيَان بلدة أزنكميد وكبارها وموسريها ورؤسائها وتجارها، أقمنا عنده
стр. 251
ببيته ببلدة أزنكميد في عيش رغيد، وإكرام ما عليه من مزيد، كما تقدّم ذكر ذلك مع ما اتفق لنا هنالك، وقد أخذ عني وسمع مني وقرأ عليَّ حديث رؤيا النبي ﷺ الملكين وإسرائهما به، ورؤيته لإبراهيم الخليل ﵇، ومالك خازن النار ﵇ وأصحاب التنور والسابح في البحر وما مع ذلك الحديث المشهور بطوله وبعض كتابي الزبدة في شرح البردة وبعض شرحي المنظوم على الألفية وغير ذلك، واستجازني بما يجوز لي وعني روايته له ولأولاده الثلاثة عبد الكريم المراهق وعبد اللطيف السداسي وعبد المطلب الثلاثي، ثم اجتمع بي في القسطنطينية عند رحلته إليها للملازمة، والله تعالى يرزقنا وإياه حسن الخاتمة بمنه وكرمه آمين.
ومنهم الشيخ الجليل الكبير النبيل المتخشع الخاضع المتواضع الشهير بالدين والخير السائر بين أمثاله أحسن سير، شيخ محمد المتولي بعمارة السلطان سليم خان تغمده الله بالرحمة والرضوان، وهو قرابة شيخ كمال ناظر النظَّار بالشام كان سلم مرات متواضعاً وملتمساً للبركة والدعاء، وأضافني إلى منزله واحتفل فيما هيئه من مأكله وأحضر ابنه وولديّ كمال وهما محمد وجمال للسلام عليَّ والمثول بين يدي، والله تعالى يُصلح الأحوال ويوفقنا لما يحب في الحال والمال بمنه وكرمه آمين.
ومنهم الشيخ العالم، المواظب على الخير والملازم، العَالِم الأريب، البليغ الأديب، الفصيح الخطيب، المتولي خطابة العمارة المذكورة، وخوجا باش الينكجرية المنصورة، رجل لطيف الذات، كامل الأذوات، مشتهر بعلمه وفضله، ذو رَغبة في الخير وأهله، وبيني وبينه أكدّ صحبة وأشد محبّة، والله تعالى يعاملنا وإياه والمسلمين بخفي لطفه ووفي كرمه آمين.
ومنهم الشيخ الأمجد، والفاضل الأوحد، والحافظ للقرآن المجيد، والمقرئ بالإتقان
стр. 252
والتجويد، يوسف سِنَان جلبي بن عبد الله، سار محْفِل بعمارة السُّلطان سليم شاه المشار إليها أعلاه. رجل مشتهر بالديانة والعفّة والأمانة والقراءة الحسنة والطريقة المستحسنة، محب لنا مصافي، مكافيء بالخير وموافي. في غاية اللطف والحسن والمروءة وعلو الهمّة، والله تعالى يغمرنا وإياه والمسلمين بالمغفرة والرحمة آمين.
ومنهم الشيخ العَلاَّمة، والقدوة الفَهَّامة المشهور بالفضل، والمشتهر بالعلم والعقل، البالغ في فضائله الثُريَّا، والراقي في فضائله مقاماً عليَّا، الشيخ شمس الدِّين محمد المصريّ الشهير بمهيَّا، حضر لديّ وسلم عليَّ وتودد في سلامه، وتلطف في مخاطبته وكلامه، والله تعالى يبلغنا وإياه والمسلمين الأمل، ويوفقنا للإخلاص في القول والعمل آمين.
ومنهم القاضي المشهور بالعدل، المنسوب للعلم والفضل، ذو الهمّة العليّة الرفيعة، والفكرة المطيعة والطبيعة، المشتهر بحسن الطوية، عبد الصمد قاضي الزاوية كان ثم شيخ الأشرفيّة، وقع بيننا وبينه مجالسات ومباحثات ومؤانسات وتذكرت هنا قول بعضهم:
ورقيع أراد أن يَعْرف النحو ... بزي العناد لا المستفتي
قال لي: لست تعرف النحو مثلي ... قلت: سلني عنه أجب في الوقتِ
قال: ما المبتدا وما الخبر المجرور ... أخبر، فقلت: تنقم يف وَعْذتِ
стр. 253
ومنهم الشيخ النبيل العريق الأصيل، محيي الدِّين (يحيى بن بركات بن المرجانيّ، المكّي الأصل، النيّر الوجه، الأسود الشاش المشهور بابن قايماز قراباش، رجل الكمال والكلام، وصاحب الحال والمقام، ذو الأذكار المأثورة والأوراد، الشائع بين الأرْوام في أعلى مقامات الاعتقاد، بيننا وبينه صحبة وخُلَّة ومحبّة، وتودد وتردد، والله تعالى يصلح أحوالنا، ويبلغنا والمسلمين آمالنا بمنه وكرمه).
ومنهم المقام العالي، ذو المفاخر والمآثر والمعالي، الأميري الكبيري العلائي علي ابن المرحوم السعيد الشهيد مولانا السُّلطان المؤيد أحمد بن مولانا المرحوم السعيد الشهيد السُّلطان الملك الأشرف إينال، سقى الله عهدهما شآبيب الرحمة والأفضال، وحرس سعده وثبت مجده، أحلته هنالك الأقدار، واطمأنت به في تلك المدينة الدار، منعزلاً عن مداخلة الناس إلاّ بالتودد والتلطف والإيناس، حضر مُسلّماً عليَّ ومتودّداً إليَّ. وبيننا وبينه مواددات لطيفة، ومنافثات ظريفة، والله تعالى يحرس من كل سوء ذاته الشريفة بمنه وكرمه آمين.
وليكن هو آخر سردهم، وخاتمة عدهم، وواسطة عقدهم، وأمّا من دون هؤلاء فجماعة لا يحصى لهم عددا، ولا يبلغ الضابط لهم أمدا، وهذا القدر كاف، وبحصول المقصود واف، ولنرجع إلى سياق الرحلة المباركة إن شاء الله تعالى فنقول:
فلمّا استقر بنا الركاب في مدينة قُسْطَنْطِينيّة في دار مولانا المشار إليه، بعد العود من الرحلة الأزنكميدية، على ما شرح من الأحوال المرضية، نرتع في رياض مجاورة ومحاورة، ونكرع في حياض مؤانسة ومذاكرة، وَفَدَ الشتاء بقوته حاشراً عساكره وجنوده، وناشراً راياته الدكن على الوجود وبنوده، فأرسلت الرياح نشراً بين يدي الرحمة، وتتابعت الأنواء والأنداء كقطع ليل مدلهمة، وتفتحت أبواب السماء بماء منهمر، وتفجرت الأرض عيوناً فالتقى الماء على أمر قد قدر، ووقع
الثلج، وغمر النهج، وامتلأ به الفج والمرج، وستر سواد الأرض ببيض المطارف وحاد على الربا والوهاد بتالدٍ من ذلك وطارف، كما قال السري الرفاء:
стр. 254
أما ترى الثّلْجَ قد خاطت أنامِلُهُ ... ثوباً يُزَرُّ على الدنيا بأزرارِ
نارٌ ولكنها ليست بمُبْديةٍ ... نُوراً وماء ولكن ليسَ بالجاري
فيصبح الناس وصباحهم أبيض، وجناحهم لا ينهض، والعروق لا تنبض، والبروق لا تومِض، والنيران مقرورة، وشياه الجليد مطرورة، والوجوه في عبوس، والوجود في بؤس، قد جمدت الأبدان حتى كأنها بلا نفوس، فأقمنا نكابد من ذلك الحال في تلك الأيّام عيشاً مريراً، واستمرينا أيّاماً عديدة نشابه أهل الجنّة بلا تشبيه في أنّا لا نرى فيها شمساً ولكن زمهريراً، ونشرب المياه من كأس كان مزاجها بالثلج كافورا، ونتخذ النار من البرد جُنَّة، ونرضى بها ونحن المؤمنين بأن تكون لنا جَنَّة، ولم يزل البرد مشتد الشكيمة، ماضي العزيمة، قد تهدد وتوعد، وأبرق وأرعد، والأنواء متواردة، والأنداء متوافدة، وإن لم تكن متتابعة، ولا كبقية السنين متزايدة، فإنّ هذا العام على ما شرح ولله الحمد أقلّ برداً من بقية الأعوام، كما أجمع عليه من سكن الرُّوم من العرب والعجم والأرْوام، واستمر جيش الغمام محاصراً ليالي وأيّام، يجرد بوارقه، ويخوف بصوت رعده صواعقه، ويفوق عن قوسه الممدود في الأفق نبل وبله، ويبعث تحت مدد قطره سرايا سيوله، فيستولي على الربى بخيله ورجله، والثلوج قد شابت منها قلوب الرجال، كما شابت بها مفارق الجبال، إلى أن هزمه الربيع بجنده، وغلبه بجيوش زهره وشوكة ورده،
стр. 255
وأراح النفس من روعة برده برائحة رائع عراره ورنده، وأصبحت السماء صاحية، والشّمس وإن تسترت أحياناً مسفرة ضاحية، وأركان الرفاهية غير واهية، ومعالم العافية غير عافية:
ووجوه هاتيك الرياض سوافر ... غيد تزان من المياه بأعين
والأرض تجلى في رداء أخضر ... والجو يبرز في قناع أدكن
والرُبى قد تعممت بمُلوَّنات الأزهار، وأراقم المذانب قد انسابت في مغائر الأنهار، والزمن قد استقبل آذاره، وخلع في بسيطة عذاره، وقد أشرق الجو بإشراق الخمائل والنبات، وتلك المدينة قد أحدقت بها الأنهار من سائر الجهات، ونحن نمرح في جهاتها، وتسرح العين في منتزهاتها، ونسير في مفترجات تلك الأقطار، إلى أن قضينا أكمل الأوطار، وتمتعنا من تلك المنازل الرفيعة بالحدائق الغضيّة والنسيم المعطار، بحيث تضاحك الوَرد والبهار، وتفاوح الرند والعرار، والطير قد تكلّم، والعود قد ترنم. وقد خيم السرور، وتضاعفت بتضاعيف البحر الحبور، ومضى لنا مع مولانا السيد فيه يوم حسن، وحسن يوم تممت حسنه البدور ووفيت بوفائه النذور:
يوم لنا بالبحر مختصر ... ولكل يوم مسرة فضرُ
стр. 256
والسفن تعدو في العباب بنا ... والماء مرتفع ومُنْحدرُ
فكأنما أمواجهُ عكن ... وكأنما داراته سررُ
ومضى لنا يوم آخر في البرّ قد غاب عذاله، وكملت أوصافه وخلاله، وتم حسنه وجماله:
في رياضٍ من الشقائق أضْحَتْ ... يتهَادى بها نسيمُ الرِّياحِ
زُرْتها والغمَامُ يجلدُ منها ... زهَراتٍ تفوقُ لونَ الرّاحِ
قلْتُ: ما ذَنبها؟ فقال مجيباً: ... سرَقَتْ حُمْرَة الخدودِ الملاحِ
فنزلنا بها تحت سرحات مؤنقة، ودوحات مورقة، متضوعة بعرف الزهر معبقة، في أرض سندسيّة اللباس، ذات مطارف متنوعة الأجناس، بين خامات زرع تموج يدافعها موج البحر، وتلوح طلائعها من كتائب الزهر، فماء الندى مسكوب، ورواق الظل مضروب، والريح يصفق والغصن يتثنى والقُبَّر يصرصر والبلبل
يتغنى والحمام ينوح ويندب، ويشكو من جوى دهره ويعتب، فتذكرتُ به نوح الغريب بفقد بلاده، وتأوهه لنأيه عن أهله وأولاده، واندفع لسان الحال قائلاً في إنشاده، حاكياً ما
стр. 257
توجع منه القلب وتألم ومضمنا لتضمين بيت أبي كَبِير الهُذَلي لعوف ابن مُحلَّم:
أفي كلِّ عامٍ غُربةٌ ونزُوحُ ... أما للنوى من وَنيةٍ فيريحُ
لقد طلَّحَ البينُ المشتُّ ركائبي ... فهل أرَينَّ البينَ وهو طليحُ
وأرَّقَني بالروح نوحُ حمامة ... فُنحتُ وذو البثِّ الغريبُ ينوحُ
على أنها ناحَتْ ولم تُذْر دمعةً ... ونحتُ وأسرابُ الدموع سُفُوحُ
وناحتْ وفَرْخَاها بحيثُ تراهما ... ومن دون أفْرَاخي مَهَامهُ فيحُ
ألا يا حَمامَ الأيْك الفُكَ حاضِرٌ ... وغُصْنُكَ مَيّادٌ ففيمَ تَنوحُ
لعلّ إلهي أن يمنّ بفضلهِ ... فتُلقى عصا التَّطواف وهي طَريحُ
ويسكن قلبٌ دائم خفقانه ... وينعم جفن بالبكاء قريحُ
стр. 258
فاستجاب الله ، وضاعف برّه وفضله ووالى، وهيَّأ أسباب العود إن شاء الله تعالى إلى الوطن، والرجوع إلى الأهل والسكن، وذلك أنّا لما خرجنا من الأوكار، وسرحنا في روضات الجنات بعد ملازمتنا موقد النار، وانتشرنا في تلك الأرض، وجمعنا في اجتماعنا بالأصحاب بين النافلة والفرض، اهتم الوزير بأمرنا غاية الاهتمام، وأظهر عزم الرجال وكذلك قاضي العسكر وغيره، الى أن نجح الأمر إن شاء الله تعالى بالتمام، وحَصَلَ المقصود إن شاء الله تعالى على الكمال، ولله الحمد على توافر نعمائه وتكاثر امتنانه كما ينبغي لجلال وجهه، وعظيم سُلطانه، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، يكافئ مزيد كَرَمِه ويوافيه.
ومما حدث في هذه الأيّام أن ورد عليَّ كتب من بلاد الشَّام من الأهل والأقارب والمعارف، يتضمن أنّ ابن إسرافيل قاضي دِمَشْق كتب عروضاً بغالب الوظائف،
وذلك من غير معرفة سابقة، توجب عَداوَة أو مُصَادقة، وإنما ذلك بإيحاء بعض المعاندين، من الأعداء والحاسدين، والعجب أن لا نكير من الأصحاب مع الكثرة، ولا إعانة منهم على المعادين ولا نصرة، مع سلامة أهل الشَّام من أذانا، وانتفاعهم بتعليمنا وفتوانا، ولعل ثَمَّ عذر من الإخوان اختفى علينا الآن، هذا كلّه مع اقامتي في كل جهة من النواب جماعة، والقيام بشعائرها ومصالحها حسب الاستطاعة، وغيبتى في باب السُّلطان، والاعتناء بأموري في بلاد الرُّوم من أركان الدولة والأعْيَان، فذكرت ذلك لهم فأنكروه وأعظموه جداً وأكبروه، ثم كُتِبَ لي بحمد الله بجميع جهاتي تجديد، وحكم سُلطاني جديد، وأُضيف الى ذلك ما كان أُخْرِجَ منها عنّا، ونُزِعَ بالعدوان والتدليس منّا، وازددنا من فضل الله تعالى جهات أخرى، فحصل بذلك للمحبين البشرى، وازداد الشانيؤن خسراً وقهراً، وكان ذلك بحمد الله تعالى من اللطف الخفي والمن الوفي، وبالله تعالى استعين واكتفي،
стр. 259
ومما جرى على الجنان فنطق به اللسان قولي:
حاولتُ من دَهري الأمانَ فراغا ... فأريتهُ عَمَّا طلبتُ فراغا
ويئْست من أهليه أجمعهم فما ... أرجو مراءً منهم حنى أو راغا
والصبر عنهم قد سلكتُ سبيلهُ ... وعلى الحَشا أفرغتهُ إفراغا
كم قد شَرِقت بغُصَّةٍ منهم وما ... لاقيتُ ممَّا قد غصصتُ مساغا
غصبوا الثعالب طبعهم فتراهمْ ... لا يسأمونَ عن المُرَادِ رَواغَا
وكأنهم صُبغوا بحالكِ لؤمهمْ ... طبعاً يزيد مدى الزمان صباغا
ولجأت للرحمن فيما أبتغى ... فبلغت مما أرتجيه بلاغا
وأنالني باللطفِ حَظاً وافرا ... وعليَّ أسبغ ظله إسبَاغَا
وأراحنى بعد العَناء بمنّه ... فضلاً وأبلغني المنى إبلاغا
فلهُ تعالى الحمدُ مني ما اهتدى ... قلبٌ الى سُبُل الهُدَى أو زَاغا
هدانا الله إلى سبُل الهدى ووقانا، وحمانا من الضلال والردى وكفانا (بمنه وكرمه كيد الحساد ومكر العدا آمين)
стр. 260
ذكر الرجوع الى الوطن
والأوبة بعد طول مدة هذه الغيبة
ثم لما انقضت بحمد الله تعالى جميع الأشغال، وانتظمت بعون الله سائر الأحوال، ومَنَّ الله تعالى بالظفر، شرعنا مسرعين في أهبّة السفر، وذلك السيد الكريم والولي الحميم في تعاطي حَاجَاتي بنفسه مهتم على أتم الأحوال وأكمل الأمور، وبمفارقتي له مغتم، وببلوغ أربي مسرور، إلى أن كمل الاستعداد وتهيأت الرفقة والزاد.
وأُسْرِجَ جواد الأوبة، وتقوضت خيام الغيبة، وحُم يوم الفراق، واحتدم ذلك التلاق، وأضرمت تلك الأعلاق، وأعدّت الركاب، وحضر للوداع جميع الأصحاب، وتحقّق السير عن ذلك الحمى، وأشأم حادٍ كان بالأمس أتهما، وأُجريت الدموع، وطلق الهجوع، وأضرمت نيران الزفرات الأكباد والضلوع:
ومدت أكفٌ للوداع فصافحت ... وكادَت عُيون للفراق تسيل
فيا لساعات التوديع ما أشدّ كربَها وأحدّ عزمَها، وأكثرها إلهاباً للخلد، وذهاباً بالجَلد، وذواباً للجِلد والجسَد، وممّا قلته:
يا قاتل الله قلبي كم أحملهُ ... ما لا يطيق لقد رثت علائقهُ
في كل يومٍ له خلٌ يودعهُ ... معَ الزّمان ومحبوبٌ يفارقهُ
وأنشدت ذلك السيد الحبيب، وأنا وهو منتحب ومفارق لجسماني ولقلبي مصطحب:
стр. 261
لك الإله أودعُ ... يا أيها المودّعُ
مؤملاً من فضله ... شملي بكم يجتمع
فالقلب قد أذابه ... حرّ الفراق الموجع
وماؤه ما قد جرى ... من أدمع لا تقلع
فما يُرى من زفرتي ... دخان المرتفع
فغلب علينا من الشجون ما نزع القلب من الصدر أو كاد، حتى قطع علينا ترادف
البكاء ذلك الإنشاد، ثم غيض كلٌ منّا دمعه المنهمل، وإن لم يستطع إطفاء ما بقلبه المشتعل، وأنشدني ما هو له يرتجل:
أستودع الله منك مجداً ... أصبَح بين الأنام فردا
أستودع الله منك ذاتاً ... بكل ما في الوجود تفدى
أستودع الله منك جوداً ... بجوده المعصرات أعدى
أستودع الله منك ركناً ... أضحى لمن يرتجيه رفدا
أستودع الله منك طبعاً ... صفا لمن ينتحيه وردَا
стр. 262
أستودع الله منك بشراً ... لنجح راجيه قد تصدَّى
أستودع الله منك ذاتاً ... أدلّ من شارقٍ وأهدى
يا سائراً والقلوب تسري ... بسيرٍ لايطيق بُعْدا
والصبر لم يبق منه إلاّ ... ما لم يطق للهيام ردا
لولا رجاء اللقاء كَادَت ... تُهد منَّا القلوب هَدّا
فهو لها كالغذاء يُحيي ... نفوسنا بالمُنَى ممدا
فسر قربنا لكل خير ... مصاحباً دولة وسعدَا
وصحة لا تزال تكسو ... ذاتك مما تحوك بُردا
لا تشتكي في النهار حراً ... ولا بجنح الظلام بَرْدا
لموطن السعد في أمانٍ ... تزداد عزاً به ومجدا
والوقت في غاية اعتدال ... وطالع السعد قد تبدى
أعظمْ بها سفرة وسيراً ... أكرم بها وجهةً وقصدا
стр. 263
صحبت براً وأنت بحر ... والجود والبر منك مُدَّا
فيا له من قران سعد ... حاسده بالردى تردا
لا عدمت مجدك المعالي ... ولا رأت من علاك فقدا
وسرت في دولة وأمن ... ما حمد الحَامِدون حمدا
ثم كررنا الوداع خارج المدينة، وعضدي بيده الكريمة، إلى أن أصعدني السفينة، ثم شمر ذيله ومضى، وأودع قلبي جمر الغضا، (ثم توركنا على المطية الدهماء، ونبطنا الولية الماشية على الماء)، ثم رُفع شراع السفينة ومرساها، وقلنا لأصحابنا (اركبوا فيها بِسمِ الله مَجْرَاها ومُرْسَاها)، ثم سارت بنا من تلك المرسى وسرت فيها وأنا أكفكف أمطار الدموع، وأخلب المدينة لأجل من فيها بالطرف الوامق والقلب الولوع، ولم أزل أتبعه ويتبعني بالبصر، الى أن غاب كل منّا عن النظر:
وقد علاني وعراني بعد حبي خَبَل
وكل من خاطبني قلت له قد رَحلوا
يقول من أبصرني وسوس هذا الرجل
(وتلك السفينة تهفوا بقوادم غربان، وتعطف بسوالف غزلان، وتنساب في
стр. 264
الجَنَابِ كالحُبَاب، وتحسبها جامدة وهي تمر مرّ السحاب) ولم تزل بنا تسير وتمور، وتنجدُ بين الأمواج وتغور، ونحن كما قال الشريف أبو القاسم شارحاً مقصورة حازم:
وغريبة الإنشاء سرنا فوقها ... والبحرُ يسكن تارةً ويموجُ
عُجنا نؤمُّ بها معاهدَ طَالمَا ... كرمَتْ فعاج الأنسُ حيث تعوجُ
وامتدَّ من شمس الشروق أمامنا ... نورٌ له مَرْأى هناكَ بَهيجُ
فكأنّ ماء البحر ذائبُ فضةٍ ... قد سالَ فيه من النضار خليجُ
وسرنا بعزم لا يُفكُ جدّه، ولا يتجاوز حدّه، وحزم لا يثنى رسنه، ولا يلم بعين وسنه، وجزم لا يبلغ مجتهد جدّه، ولا تعتري العجز والتواني جده، وتلك الجارية المنشيةُ تتبختر بنا على سبط البحر تبختر الجارية الناشية على بسط البرّ الى حين انتصاف ذلك النهار، فوصلنا إلى مرساة بلدة أُسْكُودار، ونزلنا في عمارة داخل البلد، وأقمنا بها إلى وقت صلاة الجمعة من الغد، فصلينا الجمعة بتلك البقعة، ثم
أسرعنا إلى التحميل مبادرين، وبادرنا إلى الرحيل مسرعين،
стр. 265
ولم نزل نَفْري أديم الثرى، ونجدب مطي الفيافي بجدب البرى، إلى أن هرم ذلك النهار، وكاد جرف اليوم ينهار، وما بطل السير ولا تعطل، حتى أشرفنا على قرية القَرْطَل، وبتنا بها ليلة السبت رابع عشرين شوال بمكان مشرف عال، مخضر الجنبات، طيب النفحات، مستحسن النبات، حسن للبيات، فحين تبدّى النور، وتكلم العصفور، أزمعنا على الترحال، وشددنا الخيل والأحْمَال، واستمر بنا السير متصل الأعمال، إلى أن وصلنا الى كيكثبزه وقت الزوال، ودائره البيضاء يتمنى مركز الزوال، فأقمنا بها ريثما نقيل، ونريح علل الرفاق ونزيل.
ثم رحلنا منه وسرنا نجدُّ في السير، ونسرع إسراع الطير، إلى أن جدّ المسير وحمى الهجير، فوصلنا إلى سَاحِل البحر إلى محل التعدي، وقد علمنا من تكرر صحبته ما هو منطوٍ عليه من الجور والتعدي، فاخترنا مِنَ الجواري المنشئات جارية حالكة السيات، واستخرنا الله في ركوبها، ودعوناه في تيسير مرامها ومطلوبها، ثم حللنا بها وأنِسْنَاها، وتأملنا من الله الرحمة وما آيسناها، وقلنا لأصحابنا (اركبوا فيها بِِسمِ اللهِ مَجْرَاها ومُرْسَاها)، ثم أسرعت في اندفاعها، وقد استذرينا تحت ظل شراعها:
فحسبته خوف العَواصِف طائراً ... مدّ الجنان على بنية جناحا
(ولم نزل نسير والبحور هْو (؟) والعيش صفو والزمان لهو)، حتى إذا كنا
стр. 266
بالمواسط أمر الله تعالى باجتماع الرياح المختلفة، وتفريق تلك الواحة المؤتلفة، فضربنا في البحر يمينا ويساراً، وسرنا إقبالاً وإدباراً، وتدفعت الأمواج وعظم الارتجاج، وعصفت الجَنُوب، وعسفت الجُنوب ومسي السفر ما كان، وجاءهم الموج من كل مكان، فرجفت القلوب وخرست الألسن، وجرت الرياح بما لم تشته السفن. وقد اشتدت علينا الرياح الغربيّة، وتحكمت فينا المياه البحريّة، ولم نزل في
تلك السفينة بين قوادمها وخوافيها، نلاحظ المنايا حينا وحينا نوافيها، قد تبدلنا من ظل عُلاً ومفاخر، بقفر بحر طامي اللجج زاخر، ومن صهوات الخيول المسرجة، بلهوات بحر امتطينا ثَبْجَه، ولم نزل نعاني أليم الوجد وعظيم التبريح، إلى أن أذن الله سبحانه بسكون الريح، ثم أرسينا بعد عناء طويل بمرساة القرية المعروفة بالديل، ثم ترحلّنا من تلك المرسى، وتبدلنا من تلك الوحشة أنسا، ونزلنا عند العشية بقرية هناك سكن ينكجرية، فبتنا جميعاً بها، ولم نفرق بين ظهر المطر وقبتها، فلمّا بدا من الفجر سفور، ونثر للصبح كافور، وأحرقت فحمة الليل عنبر الصباح، وخبا من النجوم الزهر كل مصباح، ترحلنا من ذلك المنزل، وتركنا الراحة عنّا بمعزل، وسرنا في دَرْبَنْدَات ووداة كثيرات الأشجار الملتفة والمياه، إلى أن تضاحى النهار، واستبان رونقه واستنار، فنزلنا بقرية تعرف بقرية الدَّرْوَند، بها مياه شديدة البرد، وأشجار طيبة النشر كالعرار والرند.
стр. 267
ثم أخذنا في أهبة الترحَال، ورحلنا منه بعد الزوال، وسرنا في فياف كثيرة التراب والعجاج، واسعة الشعوب والفجاج، شديدة الحرّ والسموم، (ماؤها بعد قوة محموم، ونسيمها بعد تنفسه مزكوم، وسحاب وخير مركوم، وثوب حميمه مَرقوم). ثم انتهينا إلى تلال وأوعار، وأشجار من شجر البادية صغار وكبار، إلى أن أشرفنا على بحرة أَزْنِيْق، ذات المنظر الأنيق، والوجه الشريق، وهبّ نسيم الروح منبعثاً بما به الروح تحيا بعد موتٍ وتبعث، وعاد إلى الأجسام رونق حسنها وكادت به تفنى حقيقاً وتجدث. (ثم مسينا ساحلها على بساطٍ أخضر، وأديمٍ أنضر) ثم لم نزل في طريقنا ذلك نتجول على تلك المنازل، ونتحول في هاتيك الخمائل. ودخلنا البلدة والشمس مرضى أصائلها، والربى معصفرة وصائلها، ونزلنا بها بعمارة منسوبة للوزير الأعظم الهُمَام إبراهيم باشا والد عيسى باشا نائب الشَّام، وبتنا بها ليلة الاثنين سادس عشرين شوال، ونحن في أحسن حَال وأيسر بال.
ثم رحلنا عندما اكتهل من الليل الشباب، وشمّر ذيله للهرب والذهاب، وأقبلت تباشير الصباح تترى، وأخفى الأفق زهراً وأظهر رهزا، وسرنا ساعة بجانب شاطيء بركتها، ثم ارتقينا على كاهل عقبتها، ثم أظلم الجو، وتراكم النو، وارتفع الصحو، وتبدّل بالكدر الصفو، وهما الغمام، وأرسلت شآبيب الأمطار كالسهام، وغلب اليأس على الأمل، وقلت: أنا الغريق فما خوفي من البَلل، ولم نزل في صعود وهبوط، ورجاء وقنوط، وبسط وقبض، ورفع وخفض، لا نرى مفعولاً إلاّ للفاعل المختار، ولا نشهد موصولاً إلاّ وقد انفصل عن صلته وعوائده بلا اختيار، والحال عن المكاره لا تتميَّز، وقد أحوج ابتداء السير فيها إلى خير انقاضئه وأعوز، فلا ترى إلاّ التعجب من هذا النعتْ، والتقلب بين العوج والأمت، والأكف مرتفعة
стр. 268
بأكيد الدُّعاء إلى (القريب المجيب) إله الأرض والسماء، عسى يحفّ بالعطف بالنقل إلى خير بَدل، وهو سامع للاستغاثة ، ثم انقلبت تلك القلبة عند انقلابنا من العقبة، ثم طلعت الشمس، ومدّت حبالها الشديدة المرس، وأفضا بنا السير إلى فضاء واسع، وقطر شاسع، وقرى كثيرة، ونعم غزيرة، وكان وصولنا ضحوة نهار الاثنين سادس عشرين الشهر، إلى مدينة الجديدة المعروفة بينكى شهر، ونزلنا بخارجها على شاطئ النهر، في مرج واسع ذي مرعى وزهر، ثم عزمنا على الترحَال وقت الظهر، وشددنا الأحمَال وامتطينا الظهر، وسرنا سيراً مجداً لم نأل فيه جهداً إلى أن تهدم من النهار بنيانه، وأقبل الليل ولاحت نيراته ونيرانه، وأطبق الظلام جفنه وأعرض، فوصلنا إلى قرية آق بيق ومعناه الشارب الأبيض، وبها حمام وخان، وخارجها أشجار كثيرة من السنديان، وبتنا بها ليلة الثلاثاء سابع عشرين الشهر المذكور، ثم رحلنا منها حين تقوضت خيام الدَّيْجُور، وجرد الفجر سيفه المشهور، ولم نزل نجوب تلك الفيافي والقفار إلى تعالي ذلك النهار، فوصلنا إلى القرية المعروفة بأرمنى بازار، ونزلنا خارجها
بذلك المقعد المار المركب على العين، وأقمنا هناك إلى ما بين الصلاتين، ثم سرنا منه والأبدان أيضاً تعب، والهاجرة ذات لهب، ولم نزل نجوب كل تنوفة، ونقتحم كل مخوفة، إلى أن قضى اليوم نحبه، وواصل قرص الشمس غربه، فانتهينا إلى قرية بُوزيُك ومعناه التل الأشهب، وبها عمارة لقاسم باشا الوزير أتقن وضعها ورتّب، وأبدع في عمارتها وأغْرَب، فنزلنا بظاهرها بمرج وسيع به أعين وربيع، وبتنا به ليلة الأربعاء إلى أن سلب الليل خضابه، وأماط الفجر نقابه، ثم أخذنا في السير والترحال، ولم نرثِ لتلك المطى من الكلال، ولم نزل نسير ذلك اليوم، إلى أن حلّ الفطر من الصوم، ثم شرعنا نشقّ جلابيب الليل شقا، ونحاسبه من عمره على ما تبقّى، إلى أن أفضى بنا السير
стр. 269
إلى قرية تعرف بالسقا، فنزلنا بها لنكسر سُلْطَان النوم، ونجبر برعي الأعين ساعة بعض ما نالها من الشؤم، ثم سرنا منه عندما تبدّى وجه الفجر في قندس الليل، وهزم أدهم الليل بأشهب من جياد الخيل، ثم ابتسم وجه الصباح بعد التعبيس، عن عشر من الشهر وهو نهار الخميس، ولم نزل نجوب كل بيداء، ونقتري كل شجر أو برداء، إلى أن وصلنا الضحى العالي إلى قرية تعرف بالقالاي وربما سميت أيضاً بالكامالي، فلبثنا ساعة بذلك المكان، ثم سرنا فوصلنا إلى قرية آق وران، واليوم قد ولّى شبابه، والمساء قد استحكمت أسبابه، وذلك ليلة الجمعة ذات الإتمام والكمال لثلاثين من شهر شوال، ثم رحلنا منه عندما درّ قرن الغزالة من المشرق، وانجلى وجه مرآتها المُشْرق، فما تضاحى ذلك النهار حتى حصلنا بمدينة قرا حصار، واتفق حصولنا في تلك البقعة ذهاباً وإياباً يوم الجمعة، فنزلنا بها بعمارتها منزلاً مرتضى أعقب بالرضى وأنس أنسى ما مضى، وطابت الروح وانبسطت النفس، وأنست راحة ذلك اليوم ما اعترانا من تعب الأمس، واجتمع بنا في ذلك المنزل رَجُلٌ من الأعيان يقال له الحاج شعبان بن الحاج رمضان، ثم عمنَا بخيره ومِيْره، وخدمنا بغسيل وغيره،
وسأل عمن رَمَى صيداً فأبان منه عضواً أيحل هو والعضو أم لا؟ فأجبت بأنه إن كان الجرح مدفقاً ومات في الحال حلّ العضو والبدن، وإن كان غير مدفق ومات منه بعد مدة حرما أو ذَبْحُهُ
стр. 270
حَلَّ هو دون العضو، فاستملا ذلك الجواب وكتبه، وابتهج به وأطربه، وسُرَّ به وأعجبه.
ثم أقمنا بتلك البلدة ذلك اليوم ليلة السبت مستهلّ شهر ذي القعدة إلى أن حان أول وقت الصوم، فلما نشر الصبح راياته وحيعل الدّاعي إلى صلاته أجبناه مثوبين، ثم ترّحلنا مؤنبين، ولم نزل نتابع السير ونواصِل، إلى أن مال المعتدل واعتدلَ المائل، (ولم نزل نحثّ في الرحيل، ونصل المساء بالصباح والغدو بالأصيل) فكان بلوغ الغاي في قرية عظيمة تعرف بالشاي حين هَرِمَ النهار وشاخ، وسكن حره وباخ، وقد أعيى الركب وباخ، فنزلنا بها بمرج أفيح، فيه للعيون مسرح، وللنواظر مسنح، وظل دوحات نتفيأ منها الظلال، عن اليمين تارة وأخرى عن الشمال، فبتنا به والزهر أنضر من الندى، في ظل أخضر بارد الأنداء:
والليل يخفي نفسه في نفسه ... والصبح كشاف كل غطاءِ
وكأنما الإصباح تنثر مهرقا ... أثر المداد به من الأمساءِ
فما صحت العيون من نشوة رقادها، إلاّ لتغريد الطيور في أعوادها، فبادرنا لأداء الفرض مسارعين فما منّا إلاّ متوضٍ أو مصل.
ثم رحلنا قاصدين قرية نسق لي، فوصلناها حين تضاحى النهار، وتصاحى بعد الإسكار، وتهلل وجهه واستنار، فما استقرّ بنا القرار، ولا ضمتنا أطراف تلك الدار
стр. 271
حتى عَنَّ لنا ما يقتضي المسارعة والبدار، إلى مدينة آق شهر وشهرتها عندهم أقشار، فوصلنا ذلك اليوم وهو الأحد ثاني الشهر آخر النهار. ونزلنا بعمارة حسين باشا بها، وهي عمارة بلغت في المحاسن النهى، قد كملت في صفاتها ونعوتها، وبها مياه تجري في مسجدها وبيوتها، وأقمنا بها بقية ذلك النهار، ثم ليلة
الاثنين ثالث الشهر إلى وقت الإسفار، ثم رحلنا منها حين أذكت ذُكاء قبتها علينا، وسفرت فكشفت عن صحبتها إلينا، وسرنا في ظل ظليل وزهر بليل وهواء صحيح ونسيم عليل إلى أن حان وقت المقيل، فنزلنا بمكان يقال له سكت لي أي موضع الصَّفْصَاف، وأقمنا إلى أن تجاوزَ النهار حَدَّ الانتصَاف، ثم أخذنا في التحميل والترحيل، ولم نزل بين وَخْد وذَمِيْل، وإجازة مِيل بعد مِيل، إلى أن وصلنا إلى قرية تلعى حين حان وقت الأصيل، وبدت الشمس بلون العليل، فنزلنا بشاطىء نهرها في ظل دوح ظليل:
تحسب النهر عنده تثنى ... وتخال الغصون فيه سيل
فبتنا بذلك المنزل بجانب النهر ليلة الثلاثاء رابع الشهر، فلمّا انفجر فجر ذلك
стр. 272
النهار، وهبينا من النوم هبوب نسيم الأسْحَار، أخذنا في الترحال، وشددنا الخيل والأحمال، وأخذنا نسير ونجدّ في المسير، إلى (أن رفل عطف اليوم في الثوب النضير، فوصلنا في) وقت العصر أو بعده بيسير إلى قرية تُعْرف بصلاح الدِّين، وربما عجمت الحاء في لغة الأعجمين، وأقمنا بها إلى أن عطس أنف الصباح، وحَيْعَل داعي الفلاح، وتبدّا علم الفجر ولاح، فسرنا سيراً مجدّاً، لم نأل فيه اجتهاد ولا جهداً، فما فتئنا كذلك ولم نزل، إلى أن حطّ الركاب بمدينة قُونِيَة ونزل، وذلك وقت الطَفَّل، حين أقبل العشاء وطَفَل، وتبختر النهار في الثوب القصير ورفل، ثم أقمنا بها يوم الأربعاء ويوم الخميس معاً، ثم من يوم الجمعة إلى وقت الصلاة في عمارة الوزير الأعظم بير باشا ﵀، وحضرنا في ذلك الوقت من النهار وقت الشيخ الصَّالح المشهور بمنلا خنكار.
ثم أخذنا في الترحال والمسير، وقد حَمى الحرّ واشتدّ الهجير، فسرنا غير بعيد نحو نصف أو ثلثي بريد، ينقص عن ذلك شيئاً أو يزيد، فأحسست بفتور في الحواس، وثقل شديد في الرأس. فلم أجد بدّاً من النِزُول على حيّ هناك نُزُول،
فأقمنا بذلك المكان في جوار أولئك التركمان إلى أن هتف داعي العُتْرُفَان، وحَيْعَل المثوب بالأذان، (نهار السبت ثامن أيام شهر ذي القعدة الحرام) فلم نجد
стр. 273
بُدّاً من الرحيل، واحتساب الصبر الجميل، فلمّا تعالى النهار وتصاحى، وتلألأ وجهه وتضاحى، نزلنا بشاطىء نهر يقال له سارسينا، قد فاق بعذوبته وخصره على مياه تلك البلدان وأربى:
وعليه الشمس قد ... ألقت شعاعاً كاللهب
شبه مس أخضر ... عليه حلى من ذهب
فنزلت في فنائه كي أزيح العلة، وأنفع ببرده الغُّلَة، فتضاعف حر الحُمَّى ولم يبرده ذلك الماء، ثم لم نجد بدّاً من الجدّ في المسير، وإن اجتمع هجير الحُمَّى والهجير، ولم نزل (نواصل السير ليلاً ونهاراً، ونتابع السُرَى إظلاماً وأقماراً)، ونجوب تلك الفيافي والقفار، أناء الليل وأطراف النهار، وكلّما تذكرت البلاد انقلب العذاب عذباً أو الأهل والأولاد وجدت سهلاً ما كان صعبا، وقد اشتدّ التعب والعناء، وتحكّم الألم والضنى، وكاد أن يستولي على الهيكل الفناء:
ولذّة جسمي بذاك الضَّنى ... ورَاحة قلبي ذاك الألمْ
ومدة هذا الهُيَام ثلاثة من الأيام إلى أن أدّت بنا الرحلة إلى البلدة المعروفة
стр. 274
بأرْكلي وتسّمى بِهرَقْلَة، وكان حلولنا بتلك البلدة يوم الاثنين عاشر ذي القعدة، وقد تضاعف السقم وترادف الألم، واشتدّ بي المرض، وغيَّر جوهر الجسم ذلك العرض، وعجزت عن الحركة والانتقال والتحوّل والارتحال مدّة ثلاث ليال، وأنا أتلهب من شدّة البعاد، وأتلهف وأتشوق إلى معاهد البلاد، وأتأسف وأتمثل بقول العبّاس بن الأحنف:
يا بَعيدَ الدَّارِ عن وَطَنِهْ ... مُفَرداً يَبكي على شَجَنِهْ
كلَّما جَدَّ الرَّحيلُ بِهِ ... زادَت الأسْقَامُ في بَدَنِهْ
ولقد زادَ الفؤادَ شجاً ... طائرٌ يبكي على فَنَنِهْ
شَفَّهُ ما شَفّني فبكى ... كلُّنا يَبكي على سَكَنِهْ
فحين طال المطال، واشتدّ ذلك الحال، لم نجد بدّاً من اكْتَرَاء جمال ومن شراء مَحْمل يحملنا، فحين تمّ الأمر وكمل، وحضر المحمل والجمل، وامتطينا مطاه وشرع في خُطاه، بل في خَطاه، ثم خرجنا من تلك البلدة وذلك يوم الأربعاء ثاني عشر القعدة، فلم يلبث ذلك الجمل المذكور حتى مرَّ على بعض ما على تلك الأنهار من
стр. 275
الجسور، فزلّت إحدى رجليه أو يديه، فسقط في النهر هو ومن عليه، فكان ذلك من أنْكَأ القَرْح، ومن الكي أثر الجرح، ولم يسعنا غير الصبر والاحتساب، والتبدّل بجميع الأثواب، ثم نزلنا تلك الليلة ببعض قُرَاها واستعملنا ما كنّا استصحبنا من قراها، ثم أصلحنا الأحوال، وعزمنا على الترحال، عندما غاص نَهْرُ المجرَّة، وهتمت أسنان الكواكب المفترّة، وضحك وَجْهُ الشرق بعد التعبيس، فأسفر عن ثالث عشرين الشهر يوم الخميس، وسرنا مجتهدين وأسرعنا مجدّين إلى أن نزلنا بقرية تعرف بشجاع الدِّين، ثم رحلنا منه وقت الإظهار، وانتصاف ذلك النهار، ولم نزل نقطع أديم الفلا ونَفْري، حتى أنخنا بالقرب من آق كبري، والعشية تخور بدمانها، وذُكاء تتسخط بدمائها، فبتنا بذلك المكان بالقرب من النهر ليلة الجمعة رابع عشرين الشهر إلى أن أنشد لسان الحال قول من قال:
لم نرَ الليلَ حيث رقَّ دُجاهُ ... وبدا طيلسانه يَنْجَابُ
وكأنَّ الصباحَ في الأفْقِ بَازٌ ... والدجى بين مخلبيه غرابُ
وكأن السماء لجة بحرٍ ... وكأن النجوم فيها حُبَابُ
وقد تشوقت الأبصار لسفور الأسفار، فحين أسفر النهار واستراحت أعين النظّار من ألم الانتظار، أخذنا في المسير بعد التحميل، وجمعنا بين طرفي البكر والأصيل، وغالب سيرنا ذلك النهار في مروج وأنهار، وعيون جارية، وأشجار
سامية، وجبال عالية، إلى أن وضعنا الرحال ليلة السبت بمرج أفيح حسن النبت، بالقرب من
стр. 276
عقبة الكولك المارةِ النعت، ذات العوج والأمت، ووعُورة المنهج وصعوبة السمت، فأقمنا به إلى أن رأيت الفجر والنسر خاضب جناحه ورشا عليّ بالعنبر الورد:
وحَلّت يد الجوزاء عقد وشاحها ... إزاء الثريا وهي مقطوعة العقد
ثم قطعنا تلك العقبة وسلكنا مسالكها المستصعبة، ولم نزل نرقى فيها إلى أن بلغنا مراقيها وإذا هناك قلعة قد عقدت الجبلُ حبْوَتَها، وأزْلَقت الغُرابَ أن يَطأ ذُرْوتَها، وعَصَمَ سِوارُ الوادي الملويِّ مِعْصَمها، وحَمَتْ غُرر دهمائها أَدْهَمَها، فالخيلُ تصعد إليها أنجما بين طالع كطالِعها وغارب كغاربها، والأرجل منها على كرة لا تستقر بأخمص راجلها، ولا بحافر فرس راكبها، تأوي الطيور الكواسر لأدنى حافاتها، وتبلغ النفوس نهايتها عند موافاتها، وتزِلّ أقدام الصاعدين عن أكثر صفاتها، وتعجز أوصاف الواصفين عن بعض صفاتها:
يأوي إليها كُلُّ أعورَ ناعبٍ ... وتَهُبُّ فيها كُلُّ ريحٍ صَرْصَرِ
ويكاد من يرقى إليها مرَّة ... من دهره يشكو انقطاع الأبْهَرِ
стр. 277
فما حصل منها الانفصال، ولا انقطع تتابع السير والاتصال، حتى آن وقت الزوال، وامتدّ الظلّ وَمَال، فنزلنا في مكان كالبستان، به أشجار صِنْوان وغير صِنْوان، وعيون باردة سارحة متطاردة، فارتمينا في ذلك المكان وأرحنا تعب الأبدان، ولكن لم يحصل لي راحة لاشتداد الحمى ولم يبرد حموها برد ذلك الماء، ولم نزل نحثّ السير والسرى، ونعاصي الراحة والكرى، والعلا يذوب من كدّنا خجلاً، والنجم يرعد من سرانا وجلا، والحرور تعجب من تجرينا عليه والسموم يتحول من أقدامنا لديه، ونحن نقاسي كرب الزمان ومحنه، وقد أمضى كل منّا راحلته وبدنه، وأضاق ذكرى وطنه وسكنه عَطَنه، إلى أن وصلنا ظهر يوم الأحد
سادس عشرة مدينة أدَنَة، فنزلنا بها في عمارةٍ لابن رمضان مستحسنة، وألقى كلٌّ منّا عصاه وخلع رسنه، وغشيه ممّا قاسى النعاس أمنه، واستمرينا ثلاثة أيام في تلك الأمكنة، ثم برزنا يوم الأربعاء تاسع عشر الشهر إلى ظاهر المدينة بشاطىء النهر، وقد صحبنا من تلك البلدة جماعات من الرفاق عدّة، فلمّا تكامل عدة النفر عزمنا بهم على السفر، ثم رحلنا بالقوم بعد الظهر في ذلك اليوم (وقد حضر سمومه وغاب نسيمه)، ثم سرنا نساير السبيل، ونقطع ميلاً بعد ميل، إلى أن تجاوزنا الأصيل، وأظلّنا ليل كظهر الفيل، فنزلنا حينئذٍ بالمَصِّيْصَة على شاطىء جَيْحَان، حين آن وقت العشاء وحان، فحين نزلنا عن ظهور الدواب وحللنا عنها، وقعنا وقعة لا أحلى عند المسافر منها، فلم نستفق إلاّ والليل قد شابت مفارقه، وأزهرت مغاربه ومشارقه، وقد تخلّق الشرق بدرعه المزعفر، وضرب في علياه رنكه
стр. 278
الأصفر، فأخذنا في أهبّة التّرحال وشددنا على الخيل الأحمال، وقد أُشيع أنّ الدرب مخوف، وأنّ اللُّصوص به تطوف، وسرنا في براري وقفار، ذات أشجار كبار، موحشة المسالك، كثيرة المهالك، قد لمع سرابها، وتوّقدت هضابها، وصرخ بومها، ونعق غرابها، وقد اشتدّ حرّ الشمس، وفاخر اليوم، في شدائده الأمس، فلم نزل سائرين سائر ذلك اليوم إلى أن حلّ من الفطر الصوم، وغشى الأعين النوم، وعمَّ الإعياء واللغوب جميع القوم، وسامهم ذلك الحرّ والسموم أشد سَوم، وعاموا في العرق كل عوم، وراموا الركون إلى الاستراحة أي روم، فنزلنا حينئذٍ بالنّاس بجانب البحر بالقرب من قلعة بَاياس وبتنا بذلك المقام ليلة الجمعة حادي عشرين القعدة الحرام، ثم سرنا منه ووجه المحجّة قد أماط النقاب ووضح بشعب الفجاج والشعاب. وحللنا في مروج وأزهار، ومياهٍ وأنهار، وجُزْنا بعقبة المركز وقطعناها وانتهينا إلى عقبة بَغْرَاص ووصلناها وقيلنا بأسفلها في روض نضير، به ماء عذبٌ نمير، وأشجار من آس، وفواكه مختلفة الأجناس، ثم أخذنا في عقبة
بَغْرَاص، ذات الالتواء والاعتياص، إلى أن سقطت الشمس للغروب، وقد أنضت الرواحل من الإعياء وضعفت الأنفس من اللغوب، فنزلنا بوسطها عند المسجد والخان، والمياه الجارية في مثل الشاذروان، فاستراحت الأجسام وارتاحت الأرواح، وانشرحت الأنفس غاية الانشراح، ونقعنا الغُلَّة من ذلك الماء وخفّف بعض ما كنت أجده من الحمى، ثم
стр. 279
رحلنا من ذلك المكان المذكور، وقد استنارت بالقمر ظلمة الدَّيْجُور، وسرنا في مسالك وعرة، وشعوب متشعبة مضجرة، وإهباط وإصعاد، وإغوار وإنجاد، ثمّ اكفهرَّ وجه السماء وتغيّر، ودمدم الرعد وزمجر، وأومض البرق من الغرب والشرق، وهبّت الرياح نشراً، وأقبلت السحب زمراً، فرجفت القلوب، وأحسَّت بملاقاة الكروب، واستمرّ ذلك التهديد، وتواتر من الرعد الوعيد، واختلفت آراء الريح، وجاد الغمام بماءه جود الشحيح، ثم أقشعَت السماء، وارتفعت تلك الأنواء، وتفرّق جمع السحاب، وتمزّق منه الجلباب، وأسفر وجه القمر من لثام الغمام، وأزهرت الزهر كالزهر تفتح عنه الكمام، فزالت تلك الكروب، واطمأنت بحمد الله القلوب، ولم نزل نسير إلى أن أظلّ التنوير، وَجَسُرَ الصبح المنير:
ولاحت الشمس تحكي عند مطلعِهَا ... مرآة تبر بدت في كف مرتعش
فانحدرنا من تلك العقبة، وسرنا في أرض مستوية مصطحبة بين أشجارٍ كثيرة الظلال، وأنهار تجري بماءٍ زلال، ثم تلقّانا بَرٌ واسع الفجاج والشعاب، كثير العجاج والتراب، طويل المساحة ممتد الساحة، لا يبلغ الطرف منتهاه، ويكلّ الطرف عن بلوغ مداه، فلم نزل نسير به من بكره، إلى أن أبدى النهار حرّه وأضطرم جمره، فقيلنا حينئذٍ بخان يغره، ثم رحلنا منه متوجهين إلى تلقاء بلدة
стр. 280
تيزين، فوصلناها عندما دخلت الشمس خدر الغروب، وتستّرت بسربها المحجوب، وأسبل الليل إزاره، وعمّ ظلامه الوجود وأقطاره. وهي بلدة قديمة، ذات عمائر عظيمة، وآثار معاهد مقيمة، فسيحة الأرجاء، صحيحة الهواء، ممتدة الغاية في الحسن والانتهاء، واسعة الرقعة، طيبة البقعة، سامية الارتفاع، مشرقة البقاع، مباركة الأغوار والتلاع، ممرّغة الجنبات، متنوعة النبات، ممدودة الظلال، مودودة الحِلال، مأمولة السعادة مسعودة الآمال، قد أخذت من كل المحاسن نَصيباً، وفوّقت إلى سهم الفضائل سهماً مُصيباً ومليت ظرفاً ونخباً، وأوتيت من كل شيء سبباً، فبتنا بها وقد عزمنا على الرحلة وأتينا صدقاتها نحلة.
ثم سرنا من ذلك المكان حين أبرز الأفق ذَنَب السِّرْحَان، وآن انبلاج الفجر وحان، (ليلة الأحد ثالث عشرين)، ثم أخذنا في المسير صباحاً إلى أن تعالى النهار وتضاحى، ودخلنا في معاملة الحلقة وقت الغداء، ونزلنا في قرية يقال لها تل عدا، فتلقانا أهلها بالسلام والترحيب والإكرام، وأنزلونا في بيوتهم، وأسهمونا في قوتهم، وتواردت علينا منهم الضيافات، وزالت عنّا بحمد الله تلك المخافات واطمأنت الأنفس وطابت الأرواح، وزال العناء وحصل الارتياح.
فأقمت بها إلى يوم الاثنين رابع عشرين القعدة وقت الصباح، فلمّا بدا بنوره ولاح، وملأ ضياؤه تلك البطاح، وكان ذلك المرض قد غلب، واشتدّ بأسه وخلب، وأذهب بالقوى وسلب، فاستخرت الله تعالى في المضي إلى حَلَب إذ لا تخلو
стр. 281
من حبيب، ومن دواء وطبيب، فعسى يحصل فيه الإبلال، ويزول ذلك النصب والكلال، وينحلّ برم الحُمَّى بتلك الحِلال، فسرنا قاصديها تلك الساعة، ومشى معنا من تلك القرية جماعة، باذلين السمع والطاعة، متقربين إلينا بحسب الاستطاعة، إلى أن حططنا بها رحال الألمام، وخلعنا على عطف الصلاة برد الإتمام، وكان استقرارنا بها بين الصلاتين (من اليوم المذكور وهو الاثنين) في زاوية البيريّ المعروف بالشيخ حسين، فتلقّانا ولده صاحبنا الشِّهابي أحمد، أحسن ملتقى وأحمد، وأخلى لنا ثلاثة أمكنة وأفرد، وكنّا ظنّنا أنّ الدموع نفدت، وأنّ نيران القلوب خمدت،
فتراكمت من العيون سُحبها، وتزايد من القلوب كربها، وأخذنا بعد السلام في شرح ما فعلت الأشواق، وإن كانت الإحاطة بوصفه تكليف بما لا يُطَاق، ثم تسارعت إلينا للسلام سائر الإخوان، من العلماء والرؤساء والأعيان، فألفيتهم لم ينقص الله لهم عددا، ولا أراهم بالفراق شملاً مبددا، فسُرَّ الجميع بالاجتماع، وأقمنا كما كنّا على المذاكرة والانتفاع، وكأني ما مددتُ إليهم يداً للوداع، فنثروا من درّ الثناء منثوراً ومنظوماً، ونشروا من برود الثناء مطوياً ومكتوماً، فأنشدتهم:
إني وإن شطّ المزار وبددت ... أيدي النوائب شملنا المنظوما
لم أخل من حسن الثناء عليكم ... مذ غبت عنكم ظاعنا ومقيما
ولم أزل بتلك الحضرة أجتلي أنوار المحاضرة، وأجتني نوّار المذاكرة، وأستأنف ما عرفته من ولاتها، وأجدد العهد بعلمائها وفضلائها، غير أنّ ذلك المرض يقصر بي
стр. 282
في الخطى، ويقعدني عن اعتلاء ذُرى المطى، ويرهبني بقوة السطى، ويمنحني ما أراد وما أغناني عن ذلك العطا، ولم يزل يتعالى ويتعاظم، ويتوالى (ويتفاقم، ويذهب في متجره مذهبا ويبلغ في سيله الزُّبى، ويرقى في سبيله على الرُّبى)، وحكماء تلك البلدة يترددون إليَّ كل مدّة، ويصفون من الأدوية عِدّة، فلم يزدد الأمر إلاّ شدّة، وأرادوا إبراد الحُمَّى فكان إبرادها رعدة، فاستخرت الله في ترك التطبب، والإبعاد عنهم والتجنب، والانقياد لحكم الله والاستسلام لديه، وتفويض الأمر إليه، والتوكّل في كل الأمور عليه، ثم قدم من الشَّام في تلك الأيام الحاج محمد المغربيّ البَوّاب وأقرأنا السلام من الأهل والأصحاب، وأخبر بما صنع القاضي قاتله الله في الجهات. وما احتوى عليه من التعصبات والتُرَّهات، فلم ننزعج لذلك لاعتمادنا على الله، ويقيننا الصَّادق أن لا فاعل إلاّ الله، (وحمدنا الله على سلامة الأصحاب والأهل، وعددنا ما عداه من الأمر السهل)، واستمرينا بتلك البلدة إلى أن انصرم شهر ذي القعدة، ثم دخل شهر ذي الحِجّة، وأقام بوفود
العيد الحُجّة، فصلينا بجامع الأطروش صلاة العيد، ثم أضافنا الشيخ عبد الرَّحمن الكُرديّ إلى منزله السعيد (وأخلى لنا خلوته بالجامع المذكور، وسعى في أنواع إكرامنا بالسعي مشكور، فجزاه الله عنّا الجزاء الموفور، فأقمنا
стр. 283
هناك أيام التشريق، وليالي البيض) ذات الوجه الشريق، وكنّا قد بعنا بعض الخيل والبغال، واستخرنا الله تعالى في السفر مع الجمال، وكان قد تهيأ في تلك الأيام قفل كبير إلى بلاد الشَّام، فرددت الاستخارة، وجددت الاستشارة في السفر معه في المَحَارة، فجاء أكابر القفل إلينا وقالوا: أنت المؤمّر علينا وألقوا إلينا مقاليد الأمور، وقالوا: مُر متى شئت بالمرور، فكلٌّ منَّا بطاعتك مأمور، فوقع الاتفاق مع تلك الرفاق، أن يكون يوم الأحد منتصف الشهر التبريز إلى الوطاق، وكنت قد سئمت من النوى والشتات، وأزعجني خبر الجنّة تحت أقدام الأُمهات، وهمْتُ بالوطن هيام ابن طالب بالحوض والعطن، وحننتُ إلى تلك البقاع حنينه إلى أثلاث القاع وأخذت في الإزماع، وفاجأت الأصحاب بالوداع، وعزمتُ عزماً أذن للدموع بالانسكاب وللقلوب بالانصداع:
ويومَ وقفنا للوداع وكلُّنا ... يَعُدُّ مطيعَ الشوق مَنْ كان أجزما
نُصرت بقلبٍ لا يعنفُ في الهَوى ... وعينٍ متى استطمرتها أمطرَتْ دَمَا
فيا له وداعاً ذابت له الأجساد، والتهبت به الأكباد، وكاد يتصدع منه الفؤاد، ثم أنشدت أولئك المودّعين ما قاله بعض المتأدّبين:
أودّعَكم وأودِعْكم لقلبي ... وعَون الله حسبكم وحسبي
стр. 284
وأرعى حبّكم ما دمت حياً ... وأرجو فضلكم في رعي حبي
ثم ركبت على المَحَارة، وخرج إلى وداعي غالب أهل الحارة، وكان النهار قد تحوّل، والليل قد عوَّل، وأسبل ذيله وأسدل، وأردف إعجازاً وناء بكَلْكَل، فوصلنا إلى خارج المدينة، وهم مشاة (بين يديّ) بسكينة، فجددنا هناك معهم الوداع، ثم
انقلبوا ما بين مثنٍ وداع، ونزلنا خارج المدينة في محل التبريز، في منزل عزيز، بديع التفويف والتطريز، ثم أقمنا في ذلك المحل يوم الأحد إلى أن تكامل السفر ولم يبق منهم بالمدينة أحد، فاتفقنا مع أولئك النفر أن يكون السير من ليلة الاثنين طلوع القمر، فحين كشف أدهم الليل، بأشقر من جياد الخيل، حمَّلنا الأحمال على تلك الأجمال، وأخذنا في التنقّل والارتحال.
ولمّا اتضح الصبح وبان، وبدا نوره للعيان، نزلنا بمنزل خان طومان، ونحن في غاية الدّعة والاطمئنان. وهو منزل فسيح الساحة، مستطيل المساحة، حاوٍ لأصناف النضارة والمَلاحة، فلما اكتهل شباب ذلك النهار، واعتراه بعد النضارة اصفرار، اخترنا عن ذلك المكان الرحلة، وصرمنا حبله وقطعنا وصله، وكان منتهى السير إلى سراقب، عند ظهور النجم الثاقب، وهجوم الظلام الواقب، من ليلة الثلاثاء سابع عشر الشهر، واستمرينا بذلك المكان يوم الثلاثاء إلى العصر، فلمّا حَيْعل داعي الصلاة، وأجابه إليها من دعاه، أخذنا في أهبّة الترحيل، وشرعنا في الشدّ والتحميل، وقطعنا بالسير عمر ذلك الأصيل، إلى أن وصلنا إلى مدينة المعرّة ثلث ليلة الأربعاء أو قبله بقليل، فنزلنا بظاهرها بمربع، فيه للخواطر منزع، وللدواب
стр. 285
مرتع، ولبرد العلة ألطف مشرع، فلم نزل به بقية تلك الليلة ثم من يومها إلى أن استوفى ميله، وأسرج للرحلة خيله، وشمّر للذهاب ذيله، فاقتفينا أثره في الرحيل، وشرعنا بين وَخْد وذَمِيْل، وقطع فرسخ بعد ميل، إلى أن أخذ منّا السهر، وشقّ جلباب الظلام سناء القمر، وصلنا إلى خان شيخون مستعيذين بالله من شر كل خؤون، فلمّا ابتسم وجه الشرق بعد التعبيس، وأسفر صبح يوم الخميس، نفس عنا تنفسه غاية التنفيس، فحصل لنا بنوره بعد الوحشة كل تأنيس، ثم استمرينا في ذلك المكان إلى أن حان وقت العصر وآن، ثم أخذنا نجوب تلك البراري، ونجول في هاتيك الصحاري، إلى أن احتجب النور وبرز الدَّيْجُور،
فارتعنا لإطلال الظلام وإقبال جيش حام، ثم اقتحمنا عساكره أي اقتحام، إلى أن أقبلت طليعة القمر من تلك الآكام، فحصل لجيش الظلام الانهزام، ودخلنا مدينة حَمَاة بسلام، وذلك ليلة الجمعة عشرين ذي الحجة الحرام، وكان منزلنا بظاهرها بالموقف، في مقعد عالٍ مشرف، إلى أن برز الفجر من خبائه، وملأ الخافقين بضيائه، فتلقّانا في ذلك المكان جماعة من الأعيان المنتسبين إلى الشيخ العارف علوان، وبلغونا سلام ولده الشيخ محمد واعتذروا عن عدم تلقّيه لنا بأنه أرْمَد، وقد تضاعف عليه الرَّمْد واشتدّ، لكنه قد صمّم وأكّد أن نحصل في مكان عَيَّنَهُ لنا وأفرد، وكانت الحُمَّى في ذلك الوقت قد اشتدّت، واحتدمت جداً واحتدّت، فلم يمكننا وقتئذٍ إجابة مرامهم، بل ولا جواب كلامهم، بل ولا ردّ سلامهم، فذهبوا ثم عادوا وقد كثروا وازدادوا،
следующие страницы →