← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 37063

خطط الشام

محمد كرد علي

Полный текст (1 453 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

ويعادل ثمن هذا الصنف ثمن العنب الزيني. والفضي من أجود أعناب وادي التيم ثمرته مستديرة متوسطة الجرم قشرتها رقيقة صفراء ولبها يكاد يكون مائياً وبزورها متوسطة. أما القاصوفي فثمرته أسطوانية منتفخة قليلاً في وسطها نصف لحمية بيضاء إلى خضرة وهي أصغر قليلاً من ثمرة العنب الزيني. البرتقال والليمون الحامض: ذكر علماء النبات أن موطن هاتين الشجرتين الأصلية في شرق آسيا، وأن الفضل يعود إلى العرب في نقلهما إلى سواحل بحر الروم. وهما ينجبان في الغور وسواحل الشام ولا بد من إسقائهما. أما في مناطق السهول المرتفعة والجبال كالغوطة وحوران وحلب والزبداني مثلاً فإن هبوط الحرارة في الشتاء إلى بضع درجات تحت الصفر يودي بحياتهما، ولهذا لا يزرعان في تلك الأرجاء إلا في حدائق البيوت حيث يكونان بين جدران تقيهما تأثير الرياح الباردة فيهما. وأوسع بساتين البرتقال والليمون اليوم في يافا نحو ٢٠٠٠ هكتار ثم في طرابلس نحو ١٢٠٠ هكتار ويليهما منطقة الإسكندرونة درت يول وبياس وبيروت وصيدا وصور وعكا الخ. وأجود أصناف البرتقال اليافاوي أو اليافوني شموطي ثمرته ضخمة بيضية ذات قشرة غليظة ولب قاسٍ لذيذ، لكنه قليل العصارة لا سيما بعد تمام نضجه. وهو ينقل بسهولة إلى القاصية مثل إنكلترا حيث يرجح على كثير من الأصناف. ومما يستملح فيه سهولة تقشيره دون تلويث اليدين. ومن أكثر الأصناف انتشاراً البرتقال البلدي وهو ذو ثمرة كروية أصغر من ثمرة اليافاوي قشرتها رقيقة ولبها كثير العصارة. وهذا الصنف لا يصلح للأسفار مثل اليافاوي. ومن أصناف البرتقال الماوردي وهو يعرف بقشرة رقيقة حمراء ملتصقة باللب ولبٍ أحمر كثير العصارة. وهذا الصنف لا يألف الأسفار الطويلة وتقشيره صعب. كان يقدر محصول البرتقال في يافا في سنة ١٩١٤ أي في بدء الحرب الكبرى بنحو ١٨٥٠٠٠٠ صندوق، أما بعد الحرب فقد هبط المحصول إلى ١٤٠٠٠٠٠ صندوق تقريباً. وقد زاد في العهد محصول البرتقال اليافاوي وبعبارة أصح

стр. 1017

الفلسطيني أربعة أو خمسة أضعاف ما كان عليه ربع قرن. وكان محصول طرابلس قبل الحرب ٨٠٠٠٠٠ صندوق من البرتقال و ٢٤٠٠٠٠ صندوق من الليمون الحامض على وجه التقريب يحتوي الصندوق على ١٥٠ برتقالة أو ٣٠٠ ليمونة. أما بعد الحرب فهبطت هذه المقادير إلأى نصفها. ويشحن معظم محصول يافا إلى إنكلترا ومصر، أما محصول طرابلس فإلى أوديسا وبلغاريا والقسطنطينية ومصر. وكذا محاصيل صيدا والإسكندرونة. المشمش: يمكن غرس المشمش في جميع أقاليم الشام الزراعية وليس فيها ولا يصلح له سوى الجبال العالية حيث يخشى على أزهاره وفراخه من تأثير الصقيع فيها في الربيع. وهو لا ينجب في غير الأرض التي يمكن إسقاؤها. وأعظم مغروساته في الغوطة والمرج ووادي العجم ووادي بردى وحول صيدا وبيروت وبعلبك وأنطاكية وأرسوس. ومنه قليل في كثير من البلدان التي يمكن فيها إسقاؤه. وأشهر أصنافه اليوم الحموي والبلدي والسندياني والوزري والعجمي والكلابي في دمشق ثم اللوزي في الساحل. وللحموي ثمرة متوسطة الحجم صفراء ذهبية لامعة تذوب في الفم وتهضم بسهولة وداخلها بزرة حلوة. وهي أجمل ثمار المشمش منظراً وألذها طعماً وأعطرها رائحة وأغلاها ثمناً تؤكل رخصة ولا يصنع منها قمر الدين. أما ثمار المشمش البلدي فكبيرة ضاربة إلى حمرة ضمنها بزور حلوة وتجيء في اللذة بعد الحموي، تؤكل رخصة ويصنع منها ألذّ المفلقات النقوع. وتبلغ أشجار هذا الصنف عشرين في المائة من مجموع

стр. 1018

شجر المشمش في الغوطة والمرج. أما الحموي فلا يزيد على خمسة في المائة. ويشبه المشمش السندياني الحموي بشكل ثماره وشتان بين الثمرتين في اللذة لأن السندياني هو تقليد الحموي كما يقول الدمشقيون. ونسبة البلدي إلى الوزري من هذه الوجهة كنسبة السندياني إلى الحموي أما المشمش العجمي فثماره كبيرة جميلة المنظر صفراء أي خضرة لبها قاسٍ وطعمها سكري لكنه مجرد عن طعم المشمش الخصوصي بل هو يشبه طعم الدراق، ولهذا لا نستملح هذا الصنف وهو غير شائع. وثمار المشمش الكلابي أصغر الثمار حجماً وأردؤها طعماً وهي صفراء إلى حمرة بزورها مرة، وهذا الصنف أشهر الأصناف في الغوطتين إذ تبلغ نسبته نحو ٧٠ في المائة من مجموع شجر المشمش، ومنه يصنع قمر الدين المشهور. وهو يولد من بزوره ولا يطعم فهو إذن أقرب الأصناف إلى المشمش البري. وثمرة المشمش اللوزي فس الساحل شبيهة بثمرة الحموي بدمشق ولعلهما صنف واحد. دمشق مركز تجارة المشمش وما يصنع منه، ومنها يصدر قمر الدين والنقوع وبزر المشمش إلى مصر والأناضول وإلى أميركا الشمالية ويقدر اليوم متوسط حاصلات المشمش في الغوطة والمرج بنحو اثني عشر مليوناً من الكيلو غرامات سنوياً منها نحو ٨٠ في المئة من المشمش الكلابي الذي يصنع منه قمر الدين، ويظهر أن مستغلاته قبل الحرب الكبرى كانت أعظم منها اليوم. الفستق: إن غابات البطم في البلعاس وبقية أشجار الفستق الهرمة في قرية عين التينة تحمل على دعوى أن الشام من البلاد التي تعد بلاد الفستق الأصلية. وتكاد زراعة الفستق لا تتجاوز اليوم حلب حيث تأتي أجود ثماره وألذّها وأغلاها ومن أصنافه في تلك المدينة الأبيض المراوحي والعاشوري والعليمي والباتوري وناب الجمل والعينتابي، ويقدر ما ينتج من أثماره حوالي حلب بنيف ومائة وألف كيلو في السنة. الحيوانات الدواجن في الشام: الخيل: الخيل في الشام ثلاثة أصناف العراب أو الأصيلة، والبراذين أو ما تعرف اليوم بالكدش، والمولدة وهي التي تولد من أُم عربية وأب أعجمي أو على العكس. ففي الحالة الأولى يسمى المولّد هجيناً، وفي الثانية مقرفاً. تجلب الكدش من الأناضول خاصةً وهي بشعة المنظر إذا قيست بالخيل العراب، لا تركب بل تصلح لحمل الأثقال أو جرها أو درس الحصائد وعددها عظيم يبلغ نحو سبعين في المائة من مجموع خيل الشام. أما الخيل المولّدة فأجمل من البراذين وأقوى وهي تركب أكثر ما تستعمل في جر المركبات في المدن ونسبتها للمجموع نحو ٢٠ في المائة. وأجمل الخيل في العالم هي العراب وتحليتها علمياً كما يلي: مستقيمة الرأس متوسطة الجثة طول أعضائها متوسط لها رأس مربع وجبهة مسطحة ومقدم مستقيم ووجه متوسط الطول، وفكان متباعدتان ومنخران جامدان ومرنان معاً، وأذنان

стр. 1019

حساستان وعينان كبيرتان تنمان عن ذكاء، وعنق رشيق شديد العضل، وظهر مستقيم وردف أُفقي مكتنز، وعجزان مستديران وصدر واسع وبطن صغير، وقوائم رشيقة قوية العضل عمودية لا عيب فيها، وأوتار جلية ومفاصل عريضة وجلد رقيق مرن وشعر لامع قصير وعرف وسيب طويلان ناعمان متموجان. ومجموع الجواد العربي آية في انتظام تكوينه فهو جميل قوي شهم، ولا ريب أنه أكمل جواد على وجه الأرض. ويختلف لون الخيل العراب وقد استفاضت شهرة الشُهْب والشُقْرِ والكُمْتِ. وأجملها الشهب المدنرة أي التي يخالط الشهبة فيها نكَتٌ سودٌ أبيض مبقج أو أزرق مبقج. وزن الجياد العراب بين ٤٠٠ و ٤٥٠ كيلو غراماً ارتفاعها ١. ٤٢ إلى ١. ٥٥ متر، ودورة صدرها ١. ٧٢ إلى ١. ٧٨ متر، وتصلح الخيل العربية للركوب والسباق خاصةً وإن من إسفاد ذكورها على إناث إنكليزية غير كريمة منذ بضعة قرون تولدت الجياد الإنكليزية الصافية السبّاقة الشهيرة التي يقصر اليوم عن إدراكها كل جواد في حلبة السباق. وأجمل الخيل العراب ما كان في دمشق وحمص وحماة ولدى بعض الأسر والعشائر القديمة كالدنادشة في تل كلخ والموالي في شمال الشام. ولا تزيد نسبتها على عشرة في المائة من مجموع عدد الخيل لدى أهل الحضر من الشاميين. الحمير: في الشام ثلاثة عروق من الحمير: الآسيوي والمصري والقبرصي أو الأوربي. فالصنف الأسيوي هو الأشهر تبلغ نسبته ٩٥ في المائة من مجموع حُمر الشام لونه إلى سواد وارتفاعه متر إلى متر وربع، وهو حيوان الفقراء، يصلح للركوب والحمل ولا يوازيه حيوان بصبره وقناعته وفوائده الجمة إذا قيست بالعلف القليل الذي يُعلفه. أما الحمر المصرية فبيضاء اللون ارتفاعها أكبر من ارتفاع الحمر الأسيوية ولا تستخدم إلا للركوب وهي جميلة المنظر سباقة في نوعها وثمن الجيد منها غالٍ لا سيما في المدن. أما الحمر القبرصية فتعرف من كبر قدها إذ يبلغ ارتفاعها ١. ٣٠ إلى ١. ٤٠ متر وهي تستعمل في سفاد إناث الخيل للحصول على بغالٍ عظيمة القد قوية البنية. البغال: تحصل من إسفاد الحمر القبرصية على البراذين كدش وهي

стр. 1020

ذات قَدّ يقرب من قد البراذين فهي إذا صغيرة القد وفائدتها بقناعتها وقوتها وتحملها الأتعاب وقيامها بأعمال تشق على كل حيوان غيرها. فهي تستخدم مثلاً في الحرث بمحاريث حديثة لأن بقر الشام صغير الجثة لا يقوى على إثارة الأرض بها. وتحمّل أثقالاً في المناطق الجبلية الوعرة المسالك كوادي التيم والقرى الجبلية من أقليم البلان وتجر المركبات الضخمة المحملة بضاعات ومؤناً على الطرقات المعبدة في لبنان وبين دمشق وبيروت. ومَن منا لم ير في لبنان وبيروت المركبات الشهيرة التي تسمى كارات يجرها أربعة بغال مصفوفة بعضها أمام بعض على سطر واحد. ولقد ترك الجيش الإنكليزي في الشام عقب الحرب الكبرى عدداً عظيماً من البغال الكبيرة القد لا تبرح بقاياها في دمشق إلى يومنا هذا. وهي تتطلب عنايات كثيرة وعلفاً زائداً ولا تتحمل المشاق بقدر البغال الشامية. البقر: بقر الشام من العرق الآسيوي القصير الرأس ذي الجبهة المستقيمة العريضة وهو على ثلاثة أصناف: البلدي والعكش والجولاني أو الخميسي فالبقر البلدي شائع في الغوطة وفي أرجاء العاصي ويسميه الحمصيون البقر الحلبي والحمويون البقر الشامي وهو كبير طويل القامة متر وربع إلى متر ونصف صلب العود قصير الرأس والقرون ناعم الجلد تغلب الشقرة على لونه وقد يكون كميتاً أو إلى سواد أحياناً. ووزنه ٣٠٠ - ٥٠٠ كيلو غرام وهو بالنظر إلى كِبَر قده أقرب الأصناف إلى البقر الأوربية ولذا يصلح للحرث حرثاً عميقاً إذا علفت أنثاه علفاً غزيراً تحلب في الغوطة طول السنة تقريباً. ويُحسب أنها تدر عندئذ ١٢ - ١٥ كيلو في اليوم خلال ستة أشهر عقب الوضع و ٨ - ١٠ كيلو في اليوم في الثلاثة أشهر التي تليها ثم ٤ - ٥ كيلو في اليوم خلال شهرين آخرين. فيكون الوزن المتوسط لما تدرّه من اللبن في السنة ٢٥٠٠ - ٢٧٠٠ كيلو. ولا يألف البقر البلدي أقاليم الشام بأسرها بل يتطلب إقليماً معتدلاً ورطباً، ولهذا يندر أن تراه في غير البساتين وهو لا يقاوم الحر في السهول التي لا ماء للري فيها كحوران والبلقاء وسهول حمص وحماة وغيرها. وعدده ليس عظيماً ولا يزيد على ١٠ أو ١٢ في المائة من مجموع بقر الشام. ويسمى البقر الجولاني بأسماء مختلفة فيقال له الخميسي في النبك والزبداني والبزري في حماة. ويغلب

стр. 1021

على الظن أنه حصل من إسفاد الثور البلدي على البقرة العكش ولذا جاء قدره ووزنه وتكوينه وطباعه بين بين. فإن له رأساً قصيراً وجبهة عريضة وقرنين متجهين إلى الأمام وثوباً أسود في الغالب وقد يكون أشقر أحياناً. وطوله نحو ١. ١٥ إلى ١. ٣٠ متر ووزنه نحو ٢٥٠ كيلو. وهو يعد في العوامل وتعطي أُنثاه قليلاً من اللبن. وليس له رقة البقر البلدي وهو أكثر منه تحملاً للحر والقُر والجوع والتعب. ونسبته للمجموع ١٥ في المائة تقريباً. وأشهر البقر اليوم هو الذي يدعى البقر العكش في أكثر أنحاء الشام. ويسميه الحمويون القليطي والحمصيون الأناضولي. ولا تختلف تحليته من حيث تكوينه عما ذكر. وله جرم صغير ولا يزيد ارتفاعه على متر وعشرة سنتيمترات إلى متر وربع ووزنه نحو ٢٠٠ كيلو وقد يكون أقل من ذلك فهو إذن لا يصلح للحرث بمحاريث حديثة تغور في التراب كثيراً. ويغلب عليه اللون الأسود وقليلاً ما يكون أبرش أو أشقر. ويحتمل هذا الصنف من البقر الجوع والتعب والحر واليبوسة ولهذا تبلغ نسبته نحو ٧٥ في المائة من مجموع بقر الشام. ودَرّ أُنثاه قليل ويسهل علفه وتسمينه بالغذاء. الضأن: ينتسب للضأن في الشام إلى العرق الشامي أو الآسيوي وهاك تحليته فنياً: رأسه طويل قليلاً وجبهته تكاد تكون مستقيمة، وقرناه معقوفان متجهان إلى الوراء، وقد يتفرعان، ووجهه مستطيل، وعظام منخره طويلة، ومنظر رأسه ووجهه ينم عن احديداب قليل، وذنبه عظيم فيه مقدار كبير من الدهن. ووزنه المتوسط نحو ٤٠ كيلو غراماً وطوله ٦٥ - ٧٥ سنتيمتراً. وهو يسمن بسهولة أما مقدار الدَرّ في النعاج فمتوسط. وفي الشام أصناف للضأن أشهرها المسمى عَوَاس أو ضأن الموصل وهو شائع في حمص وحماة والبقاع ودمشق ولبنان وغيرها. صوفه أبيض يبلغ كيلو غراماً ونصفاً إلى كيلو غرامين وقد يزيد على ذلك. وينقص نحو نصفه إذا غسل ويبلغ وزن إليته ٥ إلى ٦ كيلو غرامات وطول الشعرة من صوفه ١٥ - ١٨ سنتيمتراً. وما ذكر من الأرقام هو الحد الأوسط، وربّ كبش سمن في لبنان بورق التوت والكرمة فبلغ وزنه ضعفى ما ذكر، وبلغ طول الشعرة من صوفه ٣٠ سنتيمتراً

стр. 1022

وزاد وزن إليته على ثمانية كيلو غرامات، ورقّ صوفه ومَرِن. ويرد إلى الشام أصناف أُخرى للضأن كالحمراء والبرازية والشقراء والنجدية ثم ضأن أرزنجان أو المور في حلب وهو ذو صوف أحمر أو إلى سواد. وتدر النعجة لبنها ٤ - ٥ أشهر فتعطي في اليوم نحو ٥٠٠ غرام. وإذا علفت كما تعلف في حمص والبقاع تعطي ٧٥٠ غراماً إلى كيلو غرام من الحليب في كل يوم. ويبدأ جز الصوف في آذار وينتهي في أيار في المناطق الباردة، وأكثر ما يكون في نيسان. ويزيد عدد الضأن في الشام على مليوني رأس وتربيته شائعة لدى العشائر البدوية الضاربة في الشرق ومنها الجزيرة. وقد اشتهرت عشيرة الحديديين بحسن تربية الكباش والنعاج الصالحة للسفاد. واشتهر السمن الحديدي نسبة إلى تلك العشيرة التي تقطن منطقة الحمراء ومعرة النعمان في الصيف. وينقل في كل سنة قطعان عظيمة من الغنم من الروم والعراق إلى الشام حيث يستهلك بعضها ويرسل الآخر إلى مصر وجزر يونان وغيرها. المعز: معز الشام من العرق الإفريقي وتحت العرق النوبي نسبة إلى النوبة وهي تعرف برأس طويل ووجه قصير على شكل مثلث قاعدته ضيقة، وجبهته محدبة كثيراً. وهي على صنفين البلدية والجبلية، فالمعز البلدية يبلغ ارتفاعها ٧٠ - ٧٥ سنتيمتراً ووزنها ٣٠ - ٣٥ كيلو غراماً، ولها ثوب أحمر أو أحمر ملمع ببياض. وقد تكون شهباء أو سوداء أحياناً وقد تجمع ثلاثة ألوان متفرقة: بياض وحمرة وسواد. وإذا كان لونها أحمر وجبهتها بيضاء سميت صبحاء بدمشق، أما إذا جمعت البياض والحمرة فتسمى عجمية، وهي جمّاء في الغالب. وإذا نجمت لها قرون تظل صغيرة وكثيراً ما تقطع، وينمو لكل منها زَنَمتان طويلتان فتسمى الشاة قرطاء وهي شية حسنة تزيد ثمنها وأُذناها طويلتان ومتدليتان وكثيراً ما ينيف طول واحدتهما على شبر ويقطعهما الأكارون إذا أفرطتا في الطول. والبلدية من أجود المعزى الحلوبة فهي إذا صادفت عناية تدر في اليوم ليتين إلى ثلاثة من الحليب مدة سنة أشهر وتدر نصف هذا المقدار تقريباً خلال شهرين آخرين. وهي ترعى في الغوطة العشب النامي حول القني ومجاري الماء وترعى أيضاً الفصفصة والبيقية الخضراء، وكثيراً ما تعلف نحو كيلو غرام من حب الجلبان

стр. 1023

صباح كل يوم قبل تسريحها وهذا خاص بالحلوبة منها. والماعز الجبلية تشبه البلدية بصفاتها الفنية لكنها أقصر منها، ولها ثوب أكثر ما يكون أسود، وهي ليست دروراً بقدر البلدية. والمعزى الجبلية منترة في أنحاء الشام لا تخلو منها قرية وعى العكس في البلدية التي تكاد لا تخرج عن المدن والمناطق التي يكثر فيها الكلأ في فصول السنة. الإبل: إبل الشام من ذوات السنام الواحد. أما ذوات السنامين فتوجد في جبال فارس والأناضول وبلاد الكرد وتنقل إليها من آسيا الوسطى. ولما كانت تحتمل البرد والسير في المسالك الوعرة فقد فكر الشاميون في إسفاد فحولها على النوق الشامية فحصلوا على هجن لها سنام واجد كأمهاتها وذات جَلَد على السير في الجبال والأوعار كآبائها. وهذه الهجن شائعة في الجزيرة ولبنان وعجلون وغيرها وهي تعرف بقصر القامة وصغر الرأس. والركائب من إبل الشام أصناف وأشهرها اليوم إبل الحرة لدى عشيرتي بني صخر والشرارات وغيرهما في البلقاء. وينتقي الجيش ركائبه من هذه الإبل غالباً. ومنها الإبل العُمانيات أصلها من عُمان وهي ذات رأس نحيف وقدّ أهيف ومزاج عصبي. وجيش الهند يبتاع منها ما يلزمه من الإبل، ومنها الإبل التيهية أصلها من السودان وترد إلى فلسطين والبلقاء مع القوافل الآتية من مصر. وقد كانت إبل الجيش الإنكليزي من هذا الصنف خلال الحرب الكبرى. ويطلق الأوربيون كلمة مهري على الإبل السباقة عموماً أو على عرق معلوم منها. ويُظن أن هذا الاسم مشتق من الإبل المَهْرِيّة المنسوبة إلى مَهْرَةَ بن حَيْدانَ وهي مشهورة بالسبق. والبعير صديق البدوي الحميم ولولاه لزالت البدواة، فهو يحمل الخيام والماء في المراحل الخالية من الماء ومؤناً تكفي لستة أشهر يقضيها البدوي مع عشيرته في صحراء الشام، ويحمل البدوي نفسه وعياله وسلاحه وتحلب الناقة بعد الوضع في كل يوم خمسة ليترات إلى عشرة في مدة سنة أو أكثر، وحليب النوق لذيذ ملين، وليس لحم الجمل أردأ من لحم البقر الذي يأكله الأوربيون ووبر الجمل ألين من صوف الضأن ومنه تصنع عباءات الوبر العراقية الشهيرة، وتصنع من جلده قرب عظام منها ما يسع ٢٠٠ لتر من الماء وتعمل أيضاً نعال

стр. 1024

قوية لا تفنى من جلد ركبتيه وغيرهما من أعضائه التي تحتك بالأرض بينما يكون الجمل جالساً. الصناعات الزراعية في الشام: ليس في الشام اليوم معامل عظيمة المصنوعات الزراعية كما في أوربا، لكن لبعض هذه المصنوعات وإن كانت تصنع على الطرائق القديمة شأناً كبيراً في الحياة الاقتصادية. وأهم هذه المصنوعات قمر الدين والنَقوع والزبيب والدبس والصابون والزيت والسمن والعرق والخمر والجبن والطحين والنشاء. قمر الدين: يصنع أشهر قمر الدين في الغوطة والمرج وقليلاً في وادي العجم والزبداني وبعلبك وفي كل مكان فيه مقدار من شجر المشمش ويلزم أربعة أرطال إلى أربعة ونصف من المشمش للحصول على رطل من قمر الدين، وهو يصنع من المشمش الكلابي ويندر صنعه من المشمش البلدي، واشتهر منه في دمشق ما يرد من قريتي زملكا وعربيل من قرى الغوطة، وليس صنعه أمراً عسراً فالمشمش يسحق بالأيدي في غربال موضوع فوق بناء يسمى تيغاراً مفروشة أرضه بالأسمنت ثم يفرغ العصير بكيلة من خشب ويفرش بمهارة على لوح من خشب بعد أن يطلى اللوح بقليل من الزيت، وبعدها يوضع اللوح في الشمس يوماً ونصف يوم فيجف العصير ويصير شرائح وزن كل منها رطل تقريباً وهي لفات قمر الدين المعروفة. ومعظم القمر الدين المعروفة الذي يصنع حوالي دمشق يشحن اليوم إلى مصر وشمال الشام، ويقدر ما يصنع منه سنوياً بنحو ٤٠. ٠٠٠ قنطار دمشقي وهو المقدار المتوسط، يساوي القنطار الدمشقي ٢٥٦ كيلو غرام. النقوع: هي ثمار المشمش المجففة وتسمى بالعربية المُفَلّق، تصنع من المشمش البلدي وذلك بأن يوضع المشمش في الشمس على مسطح من القش مدة أربعة أيام، ثم تكبش الثما بين الكفين وتترك يومين آخرين، ثم ترقق أطرافها بالأصابع ثم تترك يومين أو أكثر فتجف، ويلزم خمسة أرطال من المشمش للحصول على رطل من النقوع، ويدل إحصاء المكس في بيروت على أنه صدر منها وحدها سنة، ١٩١١ ٦٨٠. ٠٠٠ كيلو غرام من النقوع ومليون ونيف كيلو غرام

стр. 1025

من بزور المشمش وهي تصلح لاستخراج زيت منها. الزبيب والدبس: أجود زبيب في الشام ما يحصل من زبيب العنب الدربلي في جيرود والرحيبة والريحان ودومة، ويليه زبيب الصلت. ويصنع الزبيب في كل القرى التي فيها أعناب، وليس في صنعه صعوبة، فالعنب يغطس بماء فيه شيء من القلي والزيت ثم يفرش على مسطاح مدة ثمانية أيام فيجف. ويحسب أن كل أربعة أرطال من العنب ينتج منه رطل من الزبيب. وللثمار المجففة شأن كبير إذا صحت العزيمة على الاعتناء بصفها وبقطفها وشحنها إلى الديار الأجنبية كما يفعل الزراع حول مدينة أزمير بزبيبهم وتينهم المجفف. ويصنع الدبس من الزبيب أو العنب، ففي الحالة الأولى يدرس الزبيب في المعصرة بمدرس من حجر حتى يصير كتلة لزجة، ثم يوضع في قدور كبيرة ويغمر بالماء مدة ٢٤ ساعة، ثم يؤخذ ماء الزبيب جلاب أو صليبة ويوضع في مرجل وتضرم النار تحته حتى يتحصل الدبس. ويلزم مائة رطل من الزبيب للحصول على ٦٠ إلى ٨٠ رطل من الدبس. واشتهر دباسو قرى معربا ودومة وعربيل بصنع دبس لذيذ يعطرونه بعطر الورد أحيانا. الصابون: أشهر مصابن الشام في طرابلس ونابلس ودمشق وحلب وكلز، ويبلغ المقدار المتوسط للصابون الذي يصنع سنوياً في الشام نحو ١٣. ٠٠٠ طن. وصناعته على الأصول القديمة. أشهر الزيوت ما يصنع في معاصر لبنان وفلسطين وأشهرها جميعاً زيت الرامة، واعتاد أرباب الزيتون في دمشق أن يتركوه مدة طويلة في المعصرة، فيختمر ويتعفن ويحصل له طعم كريه، حتى أنه ليشق تصريفه خارج الشام. والداعي إلى ذلك قلة المعاصر بدمشق وخصوصاً اعتقاد الزراع بأنه بقدر ما تطول المدة بين قطف الزيتون وعصره تزداد نسبة الزيت المتحصل بالعصر. واعتقادهم هذا صحيح إلا أن زيادة نسبة الزيت لا توازي هبوط سعره المنبعث عن رداءة طعمه. ويتوقف استخراج الزيت على الأعمال الآتية: أولاً سحق الزيتون بأسطوانة من حجر يديرها بغل داخل وعاء مستدير من حجر. ثانياً كبس الزيتون المسحوق لتفريق الزيت عن الثفل وذلك بمكبس عادي أو مكبس مائي.

стр. 1026

ثالثاً تفريق الزيت عن الماء والعناصر الأجنبية المختلطة به وذلك بترك العصير يروق فيفترق الزيت الصافي لأنه يطفو على وجه العصير. أما الثفل فهو يسحق ويكبس فيخرج منه زيت أسود يسميه الدمشقيون زيت الجفت يستعمل في صنع الصابون. وفي الشام اليوم أكثر من ٤٠٠ مكبس منها نحو ٢٠٠ مكبس مائي، ويستدل من عدد المكابس على عدد المعاصر، وإذا استثنينا فلسطين وشرقي الأردن فإن متوسط ما يستخرج من الزيت في باقي أنحاء الشام يقدر بنحو ١٠. ٥٠٠ طن نصفها اليوم في لبنان. السمن: هو المادة التي يطبخ بها الشاميون أكثر أغذيتهم على العكس من الفرنج فهم يطبخونها بالزبدة ولا يعرفون السمن، ويصنع السمن بمخض اللبن في مماخض من جلد الغنم، تعلق بحبلين يُشدان إلى دعائم ويدوم المخض نحو ساعتين ونصف فيلتصق السمن بداخل الممخضة ويقشط بعد تفريغ اللبن. ويقدر أنه يحصل أربعة أرطال من السمن من مائة رطل من اللبن. والسمن من صناعات البدو، وأجود السمون ما يصنعه عشيرة الحديديين بلبن الضأن. العرق والخمر: العرق ألذّ المسكرات وأرجحها لدى الشاميين، ويصنع منه ما لا يقل عن ١٥. ٠٠٠ هيكتوليتر في كل سنة في دمشق والنبك وحمص وزحلة وكثير من قرى فلسطين ولبنان ووادي التيم. يوضع عصير العنب في دنان عظيمة حتى إذا اختمر يضاف إليه الأنيسون بحيث يكون حظ كل مائة كيلو غرام من العصير ثلاثمائة غرام من الأنيسون، وبعدها يقطر العرق بالانبيق فيكون مقداره ربع العصير تقريباً، وإذا أُريد الحصول على عرق نسبة الكحول فيه أكبر عرق مثلث يعمد إلى العرق الأول فيضاف إليه مقدار من الأنيسون ويقطر منه عرق ثقيل. وليس شرب الخمر شائعاً في الشام شيوعه في أوربا حيث يقوم مقام الماء أثناء الطعام. وأكبر المعامل لصنع الخمرة هو معمل ريشون في عيون قارة في فلسطين وهو معدود من أكبر معامل العالم ويشحن نبيذه إلى مصر والعراق وإلى أوربا ولا يستهلك من نبيذه في الشام إلا مقدار قليل، ويليه معمل كسارة ومعمل شتورة في البقاع.

стр. 1027

النشاء: يصنع في الشام لا سيما في دمشق وحلب مقدار من النشاء لاستهلاكه وقاعات النشاء في دمشق معروفة، وهو يستخرج فيها من الحنطة على طريقة قديمة بسيطة لا شأن للآلات الحديثة فيها. تنقع الحنطة في الماء نحو عشرة أيام ثم تسحق بحجر الرحى وتمرس بضع مرات في الماء حتى يخالط النشاء الماء وبعدها يترك المائع فيرسب النشاء في قعر الوعاء، ويحسب أن القنطار من الحنطة يعطي ٦٥ - ٧٠ رطلاً من النشاء بهذه الطريقة، أما الثفل فتعلفه الجمال. المطاحن: كانت مطاحن الشام إلى عهد قريب عبارة عن أحجار رحى يديرها الماء بقوة انحداره، أما اليوم فيشاهد المرء عشرات من المطاحن البخارية في الأماكن التي لا ماء فيها عدا بضع مطاحن على آخر طراز من الفن أي أن أرحيتها أسطوانات تدار بالكهرباء وهي في دمشق وحيفا ويافا. الجبن والقشطة: تعزل القشطة عن الحليب فتؤكل وحدها وتضاف إلى بعض الحلواء، وتصنع جبنة لا لذة لها بالحليب الذي فرزت قشطته، وأشهر أنواع الجبن المصنوع في الشام الأبيض والحالوم الحلبي، وقد أخذ الشاميون يصنعون جبن البلقان المسمى قشقوان ولم يتوصلوا إلى تخميره كما في مواطنه الأصلية وجميع أنواع الجبن المذكورة بعيدة عن أن تساوي أنواع الجبن الأوربية بلذتها وتعدد أنواعها. زراعة الشام من الوجهتين المالية والاقتصادية: نذكر في هذا البحث أقسام الأرض والضرائب الزراعية وطرائق استثمار الأرض وإقراض الزراع. أقسام الأرض: تقسم الأرض في الشام من الوجهة القانونية إلى خمسة أقسام وهي الأرض المملوكة والأميرية والموقوفة والمتروكة والموات، ولكل قسم من هذه الأقسام نظام خاص في دفع الضرائب الزراعية. فالأرض المملوكة هي التي يملكها صاحبها ملكاً صحيحاً تاماً بحيث يستطيع وقفها وعدم زرعها مدة طويلة، ومثالها الحدائق المتصلة بالبيوت وما يسمى الأرض العشرية والخراجية بعض بساتين محيطة بمدينة دمشق الخ. والأرض الأميرية هي التي يعود تملكها رقبتها لبيت المال، وهو يخول الأهلين استثمارها أي حق التصرف بها بصك يسمى

стр. 1028

سند التصرف. ومعظم الأرض في الشام من هذا القسم. وليس من فرق كبير في الأمور الجوهرية بين المتصرف بالأرض الأميرية وبين مالك الأرض المملوكة، لأن الأول ولم لم يملك الأرض قانونياً فإن له سلطة كافية في استثمارها والنزول عنها حسب إرادته، وهي تنتقل لورثته بعد وفاته، إلا أنه لا يستطيع وقفها إى بإذن وهو إن لم يستثمرها ثلاث سنين بلا عذر مقبول يضطر إلى دفع قيمتها على شكل معلوم، حتى إاذ استنكف من الدفع عدت الأرض محلولة ووجب بيعها بالمزاد العلني. وثمة فرق بين الأرض المملوكة والأرض الأميرية، وهو أن للورثاء من الدرجة الواحدة حصصاً يتساوى فيها الذكر والأنثى في الأرض الأميرية، أما في الأرض المملوكة فللذكر مثل حظ الأنثيين. ولا يسمح للمتصرف بالأرض الأميرية أن يوصي بها بعد مماته وعلى العكس في رب الأرض المملوكة. والأرض الموقوفة هي التي حبست في سبيل البر وليس من شأننا البحث فيها، والأرض المتروكة هي التي تركت للنفع العام كالطرق والساحات والبيادر والمحتطبات ومراعي القرى. وهي لا يملكها أحد ورقبتها لبيت المال والتصرف بها للجماعة. والأرض الموات هي الأرض البعيدة عن العمران التي لا يتصرف بها أحد. والحكومة تعطي رخصاً بإحياء الأرض الموات فبالتصرف بها على شروط موضحة في قانون الأرض. الضرائب الزراعية: على الأرض الأميرية في يومنا هذا نوعان من الضرائب، ضريبة تابعة لقانون ٧ رمضان سنة ١٢٧٤هـ وقدرها ٤ في الألف من ثمن الأرض، وضريبة أعظم شأناً وأكبر تأثيراً في الزراعة وهي العشر أي استيفاء عشرة في المائة من محاصيل الأرض غير الصافية يضاف إليها اثنان ونصف باسم المعارف والمصرف الزراعي أما الأرض المملوكة وهي كما قلنا قليلة في الشام إلا في لبنان الصغير حيث كل الأرض تعد مملوكة فصاحبها لا يدفع العشر من غلاتها بل يدفع عشرة في الألف من ثمنها في كل سنة. والعشر من المصائب المزمنة في هذا القطر لأن ١٢. ٥٠ في المائة من المنتوجات

стр. 1029

غير الصافية هي نسبة كبيرة في ذاتها، ولأنه يصعب جداً تخمين الغلات عل وجه الضبط لأخذ هذا المقدار منها. فقد حارت حكومات الشام في طريقة استيفاء العشر أو ثمنه ولا تزال حائرة، لأنها خمنت الغلات تخميناً فقد يضل المخمنون أو يتعمدون الخطأ أحياناً فيُظلم الفلاح إذا جاء التخمين زائداً عن الحقيقة، وإلا فيخسر بيت المال. وإذا باعت العشر بالمزاودة العلنية من ملتزمين فهم لا يُقدمون على سوى قرى الفلاحين فيظلمونهم بطرق شتى دون أن يجسروا على المزاودة في عُشْر قرى الوجهاء، فيكون الضرر مزدوجاً على الفلاح وعلى بيت المال معاً. وقد رأت الحكومة أخيراً أن تعمد إلى معدل عُشر أربع سنين ماضية فتقره وتستوفي ضريبة محدودة مساوية له سواء زرع الفلاحون الأراضي أو لم يزرعوها. وهذه الطريقة في استيفاء العشر وإن كانت أصلح من الطريقتين السابقتين إلا أنها ليست عادلة إذا قلّ المطر في إحدى الناطق بعض السنين هذا عدا أن أساسها فاسد، لأن متوسط عُشر سنين أربع في قرى الفلاحين يكون قريباً من العشر الحقيقي غالباً. أما في قرى الوجهاء فيكون أنقص لأن الأعيان لا يدعون الحكومة تصل إلى حقها. والخلاصة أن مسألة العشر في الشام من أعقد المسائل وكثيراً ما اقترح أرباب الفلاحة على الحكومة أن تمسح الأرض كما في بلاد الفرنج وتضع على الأرض وما تنتجه ضريبة واحدة لا تتبدل تخلصاً من العشر كما يجري العمل به في أرض مصر. وإن هذا الاقتراح في غير محله أو هو مما يتعذر اتباعه في كل أنحاء الشام على السواء، لأن الأمطار في الشام متفاوتة التهاطل. فقد يهطل في سنة ثلاثة أضعاف ما يهطل في السنة التالية، لا سيما في سهول الشام الشرقية، ولهذا يختلف محصول الأرض اختلافاً عظيماً كل سنة. وقد تمحل منطقة واسعة في إحدى السنين ولذلك لا يجوز أن يستوفى منها في تلك السنة ضريبة كالتي تستوفى في سني الخصب. أما إذا كانت الأرض تسقى بماء نهر أو قناة فعندها يمكن وضع ضريبة ثابتة عليها كما في الغوطة مثلاً. طرائق استثمار الأرض: إذا قلنا إن أكثر من ستين في المائة من سكان الشام يعملون في الفلاحة رأساً

стр. 1030

أو بالواسطة فلا نكون مغالين في قولنا لأن سكان المدن الكبيرة والمتوسطة وإن كان عددهم يقرب من نصف مجموع السكان في الشام فكثير منهم لا عمل له غير الفلاحة. ويتصرف الشاميون اليوم بالأرض على نسبة غير عادلة، ومعنى هذا أن أرباب الوجاهة والثروة على قلتهم يتصرفون بمساحات واسعة جداً في كثير من المناطق، بينا الفلاح يعمل في الأرض دون أن يكون له في تملكها نصيب ففي أطراف حماة مثلاً ١٢٤ قرية منها ثمانون في المائة لأرباب الوجاهة من عيال لا تتجاوز عدد الأصابع، والباقي وهو عشرون في المائة يتصرف به الفلاحون ورجال الطبقة المتوسطة من الشعب. وفي أرجاء حمص ١٧٦ قرية منها ثمانون في المائة للوجهاء دون غيرهم وعشرون في المائة مشاع بين هؤلاء الوجهاء والفلاحين إلا بضع قرى لم تمتد إليها أيدي المتغلبين فلبثت للفلاحين وحدهم. وهكذا قل عن كثير من مناطق الشام كقرى معرة النعمان وغيرها في حلب. وليست الحالة كذلك في حوران حيث ترى ٩٥ بالمائة من الأرض موزعة بين سكانه على نسبة عادلة، وكلهم أرباب فلاحة وكذا في جبل حوران وعجلون والبلقاء والكرك ووادي التيم وإقليم البلان، وما من بيت من بيوت دمشق الكبيرة إلا ويملك مساحات واسعة في الغوطة بل نصف الأرض فيها بيد متوسطي الزراع والربع بيد صغارهم والربع الأخير يخص أرباب الوجاهة بدمشق. وبعد، فقد كان السلطان عبد الحميد العثماني من أقدر السلاطين على تملك الأرضين وجمع الثروة، فقد تملك لشخصه شرقيّ حمص وسلمية نحو ملين هكتار من الأرض تشتمل على جبل البلعاس والشومرية وتمتد إلى مقربة من تدمر، وعمّر فيها نحو مائة وعشرين قرية ومزرعة تستثمر نحو مائة ألف هكتار. وتملّك في أنحاء حلب نحو ٥٠٠. ٠٠٠ هكتار فيها اليوم ٥٦٧ قرية ومزرعة عامرة حوالي منبج والباب وعلى الشاطئ الغربي من الفرات من مصب الساجور إلى مسكنة ويشمل معظم جبل الحاص ومساحات واسعة جنوبي حلب عند مصب نهر قويق واقتنى أيضاً سبع قرى في حوران منها قرية المسمية كما اقتنى بَيسان وبضع قرى بالقرب منها. وكان يوطد الأمن في هذه المملكة الخاصة الواسعة ويعفي الزراع المستأجرين من الجندية ويحميهم من تعدي أرباب الوجاهة ويسلفهم المال بلا ربا

стр. 1031

حتى عمرت تلك الأنحاء بعد أن كانت منازل للعربان يعيثون فيها فساداً. ولما حصل الانقلاب العثماني سنة ١٩٠٨ اضطر السلطان المشار إليه إلى التنازل عن هذه المعمورات إلى بيت المال، فأصبحت ملكاً له وأصبح فلاحوها مستأجرين لدى المالك الجديد، وهو بيت المال أو الحكومة. ويدفع الفلاحون إلى الحكومة عشرين في المائة من المستغلات في بعض الأماكن و٢٢. ٥٠ في المائة في أماكن أخرى عشر وأجرة أرض معاً. وهم وإن كانوا مستأجرين لا يملكون الأرض رسمياً فهم يتوارثونها كأنهم مالكون لها والحكومة لا تُخرِج فلاحاً من قريته إلا إذا أتى عملاً منكراً من إحداث فتنةٍ أو التمادي على الأضرار بالناس. ولما كانت الحكومة تسلف هؤلاء الفلاحين أموالاً بلا ربا وكانت تستوفي من غلات الأرض نسبة أقل منها في قرى الوجهاء، رجحت حالة الفلاح في أملاك الدولة من كل وجه على حالة الفلاح المسكين الذي يستعبده المتغلبون في قراهم ومع هذا اقتُرح على الحكومة منذ نحو سنتين أن تبيع هذه الأملاك من الفلاحين أنفسهم دون سواهم على أن يدفعوا الثمن أقساطاً خلال خمس عشرة سنة، وعلى أن يضمن عدم مد المتغلبة أيديهم لهذه الأرضين، فأقرت الحكومة البيع مبدئياً. وقد أثبتتْ لنا الأيام أنه لا يستطيع أن يزيد في غلات الأرض سوى الذين يملكون فيها مساحات متوسطة أو صغيرة. ولنرجع إلى طريق استثمار الأرض المتبعة اليوم في الشام فنقول: إذا استثنينا الغوطة والمرج وبعض ما يسقي وما حوالي المدن من المزارع، حيث يستغل بعض أرباب الزراعة أرضهم مباشرةً ويدفعون إلى الفلاحين المشتغلين بها أجوراً مقطوعة سنوية أو شهرية، فإن الأرض في سائر الأنحاء تستغل على طريق المزارعة بشرائط مختلفة بالقسم. ففي حمص وحماة يأخذ صاحب الأرض ربع المحصول فيدفع منه العشر وتبقى الثلاثة الأرباع للفلاح. وفي هذه الحال يُلزم الفلاح بجميع النفقات والأعمال، ولكن صاحب الأرض قد يقرضه البذار بربا في الغالب على أن يستوفيها من البيدر. ويأخذ أصحاب الأرض ربع المحاصيل في بعض قرى حوران ويدفعون منه العشر وضريبة الأرض ويكون الباقي للفلاح مقابل النفقات والأتعاب. لكن الطريقة الشائعة في حوران هي إيجار الأرض بمقدار معلوم من الحب كأن تؤجر الربعة بنحو ٥٠ - ٦٠ مداً

стр. 1032

من الحنطة، ولما كان يزرع في الربعة أرض تستوعب ٥٠ - ٦٠ مداً من البذار، فإذا أغل المد أربعة أمثاله أو خمسة أمثاله تكون الأجرة التي استوفاها صاحب الأرض معادلة لربع المحصول أو خمسه. وكلما كانت القرية في منطقة سكانها كثار وأرضها ضيقة، يزداد المقدار الذي يستوفيه صاحب الأرض من المحصول والعكس بالعكس. ففي البقاع مثلاً يأخذ صاحب الأرض نصف المحصول ويؤدي العشر منه إلى الحكومة. وفي الحولة حيث الأرض تروى تكون حصة صاحب الأرض ثلث المحصول ويكون عشر المحصول عليه. أما في الغوطة والمرج فحصة صاحب الأرض الثلث لكنه لا يدفع إلى الحكومة سوى عشر هذا الثلث، وعلى الفلاح أن يدفع العشر عن ثلثيه. هذه بعض طرائق استثمار الأرض وتعود فيها جميع النفقات والأتعاب على الفلاح. أما إذا أحب صاحب الأرض أن يكون رأس مال الاستثمار منه فالفلاح الذي يشتغل في أرضه يسمى مرابعاً وهو مطالب بأعمال فدان من البقر زرع نحو ثمانية هكتارات حبوباُ وتجهيز مثلها للسنة القادمة. ويأخذ ربع المحصول أو خمسة بعد رفع العشر من المجموع في الغالب. إقراض الزراع: يعوز الفلاحين في الشام النقود الكافية لاستثمار أرضهم عل مقتضى قواعد الفن. وهم كثيراً ما يستدينون المال من المرابين بفوائد فاحشة لا يبعد أن تبلغ ١٠٠ في المائة أحياناً. ولهذا ترى غلة أرضهم تكاد لا تكفيهم للإنفاق على حاجياتهم الضرورية وقلما ترى فلاحاً في سعة، يكدحون كلهم طول السنة لتحصيل بُلغة من القوت، وسبب ذلك ضيق ذات يد الفلاح، فهو لا يستطيع أن يحرث الأرض حرثاً عميقاً بأبقاره الصغيرة المهزولة التي لا تُعلف غير التبن، ولا يستطيع أن يبتاع آلات زراعية حديثة أو أسمدة معدنية، ويستحيل عليه أن يخزن محصوله بقصد بيعه عندما يغلو ثمنه، لأنه في حاجة دائمة إلى المال. والسعيد من الفلاحين من لم يثقل الدين كاهله ومن كان مفلتاً من براثن المتغلبين والمرابين. اتضح للحكومة العثمانية أن الأكارين وأصحاب الأرض في حاجة كبيرة

стр. 1033

إلى مصرف زراعي يقرضهم المال بفائدة محدودة إلى مدة طويلة فأسست المصرف الزراعي وجمعت له رأس مال صغير بأن أضافت إلى العشر الذي تستوفيه من حاصلات الأرض ٥٠. . في المائة من الريع باسم هذا المصرف، وأنشأت له فروعاً في الأطراف وسنت له قانوناً محكماً بعد درس واختبار فأقبل الفلاحون عليه أيما إقبال. ولما كان رأس ماله قليلاً فقد لبثت فائدته محدودة، فعسى أن تهتم الحكومة الحاضرة بتزييد رأس ماله وهومن أنفع أعمالها ولعلها لا تسمح لبراثن الأجنبي أن يناله أذاها. الخلاصة: الشام فقير جداً بمعادنه المفيدة من الوجهة الاقتصادية. ومعناه أن عدد هذه المعادن وإن كان عظيماً وكذا أنواعها فهي لا كبير فائدة منها اللهم إلا معدن الحمر في حاصبيا. والأرجاء التي ليس فيها معادن ذات شأن لا سيما الفحم الحجري الخالص لا اللينيت لا يمكن أن يكون فيها صناعات كبيرة. ولهذا لا نرى في الشام إلا صناعات يدوية كنسج الملبوسات الأهلية في دمشق وحمص وحماة وكالمصنوعات الخشبية والنحاسية وغيرها. فالشام إذن لا يمكن أن يكون له عظيم شأن في المعادن والصناعة، وليس له اليوم شأن يذكر في التجارة لكن له مستقبل حسن في قضية الاتجار بالسيارات مع العراق وبلاد العجم عن طريق بادية الشام. ونستنتج من بحثنا عن الفلاحة أن لها في الشام شأناً غير شأن الصناعة والتجارة. فإذا أحصينا بالمكس مثلاً أنواع الأشياء الأهلية التي تصدر من الشام إلى البلدان الأجنبية نجد أن أكثر من ٩٠ في المائة من هذه الصادرات هي غلات أو مصنوعات زراعية نباتية أو حيوانية. ثم إذا أمعنا النظر في أنواع واردات الحكومة في الشام نرى أن نحو ٥٠ في المائة منها هي واردات زراعية مثل عشر المستغلات والضريبة على الأرض والماشية وواردات أملاك الدولة وواردات الحراج وغيرها. فزراعة القطر الشامي إذن وإن كانت لا تساوي زراعة الأقطار الغزيرة الأمطار أو التي منحتها الطبيعة أنهاراً كبيرة هي الركن الأعظم في حياة هذا القطر الاقتصادية اه.

стр. 1034

الصناعات الشامية مواد الصناعات: تتوقف الصناعات في بلد على وجود المواد الأولية فيه، وكان ذلك في القديم أقوى عامل في قيام الصناعات، والمواد الأولية في الشام على حصة موفورة لا ينقصها اليوم إلا الفحم الحجري وبعض الأصباغ. وكانت الشام منذ عرف تاريخها مشهورة بصناعاتها لتوفر موادها المستخرجة من سطح أرضها وبطنها. وتسلسلت الثقافة بها تسلسلاً عجيباً في البيوت الصناعية، وكانت الأمة الخالفة تأخذ عن الأمة السالفة هذه الثقافة والدربة على نحو ما يعلم الصناع أبناءهم. والصنائع كما قال ابن خلدون لا بد فيها من العلم، وإنك لتجدها في الأمصار الصغيرة ناقصة ولا يوجد منها إلا البسيط، فإذا تزايدت حضارتها ودعت أمور الترف فيها إلى استعمال الصنائع خرجت من القوة إلى الفعل، وعلى نسبة رسوخ الحضارة وطول أمدها تكون جودة الصنائع في الأمصار. إن قطراً هو معدن الحرير والصوف والوبر والمِرعِزّي والقطن والكتان والقنب يفيض عن حاجياتها وكمالياتها. وفيها الحديد والنحاس والقصدير وغيرها من المعادن، وتجود في سهولها وجبالها الأخشاب على أنواعها، وتكثر في أرجائها الحيوانات الداجنة والمفترسة، وفيها المياه الدافقة والشلالات البديعة. إن قطراً يحوي هذه الخيرات لا يحتاج إلى أيدٍ صناع لصنعها، وعيون عُوّدت النظر إلى الجميل واقتباس النافع منه، ونفوس طبعت على حب التقليد والاحتذاء، حتى تخرج ما به تفاخر، وتعيش من عملها عيشاً غضاً نضراً.

стр. 1035

الغزل والحياكة والنساجة: كانت النساجة والحياكة والغزل راقية في معظم ما عرف من أدوار الارتقاء وقلما أخرجت الشام رُذالة المتاع ورديئه، بل كانت تخرج جيده ونفيسه، وكان أهلها ولا يزالون يحسنون غسلها ونفشها ومشطها وحلجها وفتلها ومشقها وحياكتها ونسجها. واشتهر القطر منذ القديم ببزه وقماشه وديباجه وخزه وبروده وكان للدباجين صناع الديباج والأكسية والمسوح صناعة رابحة، وإلى اليوم لم يبرح حلاجو القطن، ومنهم من يستعمل لها الآلات الإفرنجية الحديثة، ومنهم من اقتصر على القوس والنداف على الطريقة القديمة في الحلج والغزل في مغازل أولية تدار بالأيدي يخرجون بها كل ما يقوم بالحاجة. أخذت معظم المدن والبلدان حظها من هذه الصناعات، فاشتهرت في غابر الدهر مدينة أعناك في حوران بأكسيتها الجيدة اشتهارها ببسطها، وعرفت بعلبك بثيابها المنسوبة إليها من الأحزام والمشّات وثوبها المعروف بالبعلبكي. وتأفقت شهرة الثياب البلعسية نسبة إلى كورة البلعاس من عمل حمص على الأرجح. وعرفت منبج بالأكسية التي كانت تعمل فيها وتنسب إليها فيقال الأنبجاني والأنبجاني كساء صوف له خمل ولا علَم له وهي من أدون الثياب. ومن ثيابهم الخميصة الشامية وهي بَرْنكانٌ أسود مُعْلَم من المرعزّي والصوف ونحوه أو كساء أسود مربع له علمان، وقد تكرر في الحديث الشريف ذكر الأنبجاني والخميصة. والخميصة قد تكون من الحرير والبَرَنكان والبرّكان والبرَّكاني والبَرَنكاني الكساء الأسود وجمعه برانك. وكان يعمل في صفد من الثياب ما يقال له الصفدية. وتعمل الثياب الحفية نسبة لكورة الحفة غربي حلب. وكان لأهل رصافة هشام بن عبد الملك في غربي الرقة حذق في عمل الأكسية وكل رجل فيها غنيهم وفقيرهم يغزل الصوف والنساء ينسجن. وكانت تعمل في الشام الأكسية المرنبانية قال ابن سيده: يقال كساء مرنباني ومؤرنب فالمرنباني لأنه لون الأرنب والمؤَرنب ما قد خلط في غزله وبر الأرانب، ويقال بل هو كالمرنباني. وكانت تصنع فيخا القطيفة المخملة أي ذات الخمل وهي المخمل. واشتهرت حمص بمصنوعاتها من ثياب وفوط وغيرها وقيل: إن حمص تتلو

стр. 1036

إسكندرية مصر فيما يعمل فيها من الثياب الفائقة على اختلاف الأنواع، وحسن الأوضاع، لولا قلة مائه، وقحولة جسمه، مع أنه يبلغ الغاية في الثمن، وإن لم تلحق بالإسكندرية فإنها تفوق صنعاء اليمن. وقال الأدريسي في صور: إنه يعمل فيها من الثياب البيض المحمولة إلى الآفاق، كل شيء حسن عالي الصفة والصنعة، ثمين القيمة، وقليلاً ما يصنع مثله في سائر البلاد المحيطة بها. وكذلك حماة وطرابلس وحلب. ولكل بلد ومدينة خاصية تحتفظ بها في نوع من الصناعة تبرع فيها، وأهم ما كان منها في مدينة دمشق. فقد ذكر الإدريسي أنها كانت في عصره جامعة لصنوف من المحاسن وضروب من الصناعات وأنواع من الثياب الحرير كالخز والديباج النفيس الثمن العجيب الصنعة، والعديم المثال، الذي يحمل منها إلى كل بلد، ويتجهز به منها إلى كل الآفاق والأمصار المصاقبة لها، والمتباعدة عنها. ومصانعها في كل ذلك عجيبة، تضاهي ديباجتها بديع ديباجة الروم، وتقارب ثياب دستوا، وتنافس أعمال أصبهان، وتشف على أعمال طُرز نيسابور، من جليل ثياب الحرير المصمتة، وبدائع ثاب تنيس، وقد احتوت طرزها على أفانين من أعمال الثياب النفيسة، ومحاسن جمة، فلا يعادلها جنس ولا يقاومها مثال. وقيل: إن اسم الدمقس مشتق من اسم مدينة دمشق. ونقل الشاميون إلى الأندلس صنعة الثياب المزركشة بالرسوم من الحرير والكتان من دمشق فنسبت إليها عندهم وقالوا في فعلها أي عمل ثياباً على النمط الدمشقي. قال البدري: ومن محاسن دمشق ما يصنع فيها من القماش، وهو النسج على تعداد نقوشه وضروبه ورسومه، ومنها عمل القماش الأطلس بكل جنسه وأنواعه ومنها عمل القماش السابوري بجميع ألوانه وحسن لمعانه، ومنها عمل القماش الهرمزي على اختلاف أشكاله، وتباين أوصاله، ومنها عمل القماش الأبيض القطني. وكان من أنواع الثياب في القديم ما أُنسيناه وأُنسينا أسماءه ومنها المنيّر والمعيّن والمسيّر والمفوف والمسهم والمعمد والمعرّج والمهلهل والمكعب والمطيّر والمخيّل. ولاشتهار دمشق بالحرائر والمنسوجات الغزلية الفائقة بوشيها وحسن طرازها، عرفت هذه الصناعات باسم المدينة فيقال لها الداماسكو والداماسكو ثوب غليظ برسوم جعلت في جسم الثوب ويتفننون في ذلك تفنناً غريباً ويعملون كل

стр. 1037

ما يجمع إلى المتانة الإبداع في الصناعة. قال ابن عربشاه: إن الحريريين في دمشق نسجوا لتيمورلنك قباء بالحرير والذهب ليس له دِرز فإذا هو شيء عجيب. ولما نجحت الصنائع الإفرنجية - وكانت صنائع الحرائر والطرائف تروج زمناً ثم تنحمق وتكسد - واخترع أحد صناع الإنكليز نسيج الشيت اليمني كاد يقضى على صناعاتنا هذه، لولا رجل دمشقي اسمه عبد المجيد الأصفر من أهل هذه الصناعة، فاخترع القماش المعروف بالديما فحال دون النساجة والبوار دفعة واحدة. ثم إن رجلاً اسمه الروماني من أهل دمشق أيضاً، تفنن في المنسوجات الحريرية تفنناً عجيباً، فلما مات كادت هذه الصناعة تموت معه، وتغلبت المنسوجات الأوربية على منسوجات حلب وطرابلس وحماة وحمص ودمشق لرخص ثمنها، وكثرة تفننهم في تلوينها، وتغيير أشكالها وطرازها، وإن كان البلى يسرع إليها، وعلى الرغم مما تقدم لم تنفك هذه الصناعة متماسكة أحوالها. على ما أصاب القطر من الأزمات الاقتصادية. ويزعمون أن ما يتعلق بها من الصنائع حتى تصلح وتصير أثواباً، يقرب من سبعين صنعة. تصرف مصنوعاتها في الشام ومصر والجزيرة، وكانت قبل الحرب العامة تصرف منها كميات وافرة في آسيا الصغرى والروم ايلي فلما وضعت في العهد الأخير الحواجز الجمركية في وجهها في تركيا عادت إلى الكساد. ومع هذا لا يزال بعض أهل هذه الصناعة يصنعون الديما وأنواع الحرير والحبر والشال البديع والأعبئة الحريرية للنساء، ما يتفاخر سياح الإفرنج باقتنائه في بيوتهم، وإلباس أُسرهم منه في السهريات وأوقات السمر، على حين كان الناس هنا ولا سيما في المدن يزهدون فيها على متانتها وجمالها، لأنهم بلوا بداء التقليد يقبلون على كل ما تأتيهم به أوربا ولو كان فيه بوارهم. وأهل معامل الحرير والقطن اليوم في المجدل من عمل غزة وبيروت وبكفيا وزوق مكايل ودير القمر وبيت شباب والكفير وحمص وحماة وحلب وأنطاكية ودمشق، تعمل فيها الأعبئة والكوفيات والزنانير والملاءات والشراشف والديما والألاجة والنمارق والأرائك والسجوف والشفوف واللحف والبرانس والطيالسة والميازر والبراقع والأزر والجلابيب والقطائف المخمل.

стр. 1038

ومن الصناعات التي كانت الشام وما برحت تفتخر بها صناعة الشقق الحريرية والقطنية، وهي عبارة عن قماش محوك طوله تسعة أذرع في عرض ذراع. ولصناعه تفنن في نقشه وصبغه، يدل على رسوخ قدم في الصناعة، وذوق جميل فيها، واشتهرت مدن الشام بإتقان تلك الصناعة، ومنها دمشق وحلب وحمص وحماة وطرابلس، وأشهرها المسماة بالمصرية والحامدية والحموية والحمصية والحلبية. وتفصيل تلك الشقق على الطراز العربي وهي قطنيها وحريريها على غاية من المتانة والجمال. وكانت قديماً لباساً عاماً للأهلين فقيرهم وغنيهم رجالهم ونسائهم وقل المنفق منها الآن لاعتياد الناس اللباس الإفرنجي، ولا تزال مع هذا لباس أكثرية الأهالي يعملون منها القفاطين القنابيز وتدر تلك الصناعة عليهم أرباحاً وفيرة، وتصدر إلى الأناضول ومصر والحجاز والعراق، ويعد تجار تلك الصناعة من الأغنياء غالباً. ومن الصناعات الدقيقة الصنع أيضاً الشال القطني والحريري والزنانير والشملات، وأتقنها ما عمل في طرابلس وبيروت وحلب ودمشق، ومن صناعات الشام الكوفيات الحريرية على اختلاف ألوانها ووشيها بالقصب الفضي بنقوش ورسوم غاية في الإبداع وسلامة الذوق والمتانة، وما فتئت هذه الصناعات إلى الآن زاهرة رغم مزاحمة الأوربيين بكل ما عندهم من قوة تجارية وصناعية وتفنن وإبداع. ومن الصناعات التي كانت من متممات اللباس لكنها ضعفت للغاية صناعة المشدات المعروفة بالكمار وهي تنسج بالصوف والغزل ذات طاقين طويلين تشد على الخصور، ولا تزال لباس الوطنيين الذين لم يتأوربوا أي لم يتشبهوا بالأوربيين فضعفت صناعتها. وقد أحدث السادة كسم وقباني معملاً لحياكة الحرير في دمشق ضاهيا به ما يصنع من نوعه في فرنسا، وكذلك أحدث السادة توفيق وكامل وسعيد الكحالة معملاً لصنع ثياب الكتان والشراشف ينافس مصنوعات أوربا، وأحدث السيد أنطون مزنر في دمشق معملاً لصنع الشال الحرير غاية الغايات إتقاناً وجمالاً. وفي دمشق ثلاثون آلة لغسل الحرير على الطرز الحديث. ومما تمتاز به حماة عن سائر المدن الصناعية نسج المآزر للنساء مما يستعملنه في الحمام وتسمى المناشف، وما تغطى به الفرش ويسمى الشراشف

стр. 1039

وينسج بالكتان ويوشى بالحرير من كل الألوان وهو غاية الغايات في دقة الصنعة والمتانة يصدر إلى كثير من جهات العالم. وتصنع حلب من هذه المآزر أنواعاً كانت تضاهي بها المآزر التي ترد من العجم إلى أن بذتها وقامت مقامها. ومن المنسوجات الرائجة أيضاً صناعة الأعبثة فهي من أهم الصناعات على اختلاف أنواعها ومنها الخشنة التي يلبسها الفلاحون، وحياكتها غاية في المتانة ولها ألوف من الأنوال في دمشق وحمص وحلب وقرى القلمون، وذلك لتوفر مادتها الأولية ولأنها لباس عامة الفلاحين، ويوجد أيضاً ألوف الأنوال في دمشق وقرية جرمانا وحمص وهي تصنع أعبئة من الصوف النحيف والوبر برسم الأمراء والكبراء ويصدر منها إلى الخارج ولا سيما إلى فارس ويبتاع الحجاج أيام الموسم من دمشق خاصة من تلك الأعبئة ألوفاً وهي مشهورة بحسن صناعتها وعلى غاية المتانة، مع أنها من النسج النحيف الناعم، ومما يدل على ذوق صناعها تفننهم في ألوانها على اختلاف ضروبها، وفي دمشق وبيروت ولبنان وحمص وحلب من الأنوال لعمل الأعبئة من الحرير وهي على غاية الرواء والجمال والمتانة وفي النهاية من سلامة الذوق بوشيها وألوانها. وتصدر إلى أوربا وأميركا ومصر وإيران. ومما يؤسف له الآن دخول الحرير النباتي إلى الديار الشامية وصنع العباءة منه مؤثرين له لرخص ثمنه مما يكون منه بعد بضع سنوات القضاء على صناعة العباءة الحريرية في الشام إن لم تتدارك بما يحفظ وراءها. واشتهرت حلب بالمناديل الحريرية والمقصبة المعروفة بالبوشية وفيها ٥٣ معملاً كما فيها ١٢٤ للخام و ٢٤٧ لمنسوجات الغزل و ١٥٩ للحرير و١١٧ للأغباني أو تقليد الزنار الهندي، وصناعة الأغباني في دمشق رائجة كل الرواج وهي عبارة عن قطعة ثوب مربعة طولها ذراعان في مثلهما، تعمل من الحرير الدقيق، لونها أبيض وأدكن، وتطرز بألوان الحرير الجميلة، وبأنواع الرسوم التي قد تعجز عنها ريشة المتفننين من المصورين، وكانت تلك الصنعة مختصة أولاً بالهند تصدر منها إلى أطراف العالم، وكان قليل منها يطرز في حلب ويستعمل للعمائم فقط على قماش قطني وبعض الحرير. وأما الآن فقد تناولتها أيدي جميع الشاميين أذكياء وأكثر من يصنعها النساء يطرزن منها أثواباً

стр. 1040

طول الثوب تسعة أذرع وعرضه ذراع واحد، وتعمل منها القفاطين، وهي الألبسة الوطنية في الشام، وفيه اليوم ألوف من الآلات تصنع هذا النوع من القماش، وتسمى القطعة منه أي ما طوله ذراعان وعرضه كذلك سُلْك أغباني وهو يستعمل في الشام غطاء للرأس أي كوفية، وزناراً، وملفاً للأولاد الرضع، وعمامة، ويصدر منه إلى الخارج كميات وافرة، وله تجار كثار أخصائيون في دمشق وحلب وبيروت وحماة وحمص وطرابلس وفلسطين وجميع المدن الصغيرة ويصدر إلى الهند وفارس وتركيا والحجاز والعراق ومصر والسودان والصين. واشتهرت الشهباء بصناعة الأشغال الحريرية المعمولة بالقصب وأقمشة الجوخ المعمولة بالسيم والثياب المفصصة بالجوهر والزّبرج أي الزينة من وشيٍ وذهب ويقال لهذه الصناعة صنعة القصبجية والألتونية فهي ممتازة بعمل الفضي ومشهورة بالزركشة والتطريز، وعرفت زوق مكايل بصناعة الوشي وزركشة القصب والنسيج أيضاً، واهتدى صناعها منذ تسعين سنة إلى رسم الأشكال التي يريدونها على المنوال بالمحواك، واصطنعوا من الأثاث والأكيسة والطنافس ما يأخذ بمجامع القلوب إتقاناً، وعملوا نسائج هذا القز فأبدعوا فيه وأظهروا الصور الشمسية على النسيج فجاءت كأنها لم تمس بيد، صنعوا بها صور العظماء والملوك والأمراء مجسمة، فكانت من أنفس أعلاق القصور. وصناعة زركشة القصب هذه كانت راقية جداً في دمشق، وصفها أحد سياح القرن الحادي عشر بقوله: وبباب جيرون على يسار الخارج منه حارة الذهبيين، وهي أماكن يمد فيها خيوط الذهب غلاظاً أولاً، ثم لا يزالون يعالجونها بالإدخال خرقاً بعد خرق، وكل ثان أضيق من قبله، حتى تنتهي إلى الرقة، إلى أن تصير كالشعر ثم يطرقونها بمطارق لطيفة وصناعة محكمة، ثم يلفون ذلك المطروق على خيوط الحرير فيتركب منه القصب المعلوم ونحو ذلك عملهم للفضة اه. وسمى هذه الصناعة البدري صناعة الذهب المسبوك والمضروب والمجرور والمرفوع والممدود والمرصوع وكان القوم يغالون في لبس الأردية والأكسية والمعاطف والسراويلات التي تعمل من هذا القصب على الجوخ ويلبسه المترفون

стр. 1041

والعُرُس وأرباب النعيم، وبقاياها اليوم يلبسها الآذنون عند قناصل الدول والرؤساء الروحيين. الدباغة وصناعات الجلود: كان للدباغة شأن مهم في هذا القطر تعمل من الجلود الأحذية والسروج والمطارح والمقاعد والقرب والروايا والمحافظ والمطاهر والركوات والأدوات وما أشبهها، وكانت أهم معامله في حلب وفيها اليوم ٤٠ مدبغة على الطريقة القديمة وفي حماة ودمشق وزحلة ومشغرة والخليل. وتدبغ جلود الثعلب وبنات آوى التي تصلح للفراء في جوار طرابلس وبيروت. ويقدرون عدد ما يدبغ من الجلود في الشام بمليون ومائتي ألف جلد منها مليون من المعزى والغنم. وقد أنشأ في دمشق السادة رومية وعمري معملاً لدبغ الجلود وعمل الشراك والشسوع للأحذية، فجاءت مصنوعاتها كمصنوعات أوربا من كل وجه وزادت عليها رخص أثمانها، فأصبحت تباع حتى في الغرب، ومعظم معدات هذا المعمل الكبير من صنع دمشق ولم يجلب له غير أدوات قليلة، والصناع كلهم من أرباب هذه الصناعة القدماء، وفي دمشق نحو ٣٠ دباغة على الطراز القديم ودباغات الخليل مشهورة وأشهر منها صناعة القرَب في تلك المدينة، تعمل من جلد الماعز وهي صناعة خاصة بها. وفي عكا معمل جيد للدباغة. وصناعة الأحذية والسروج والكنابيش والبرادع والرباطات والرشمات من أهم صناعات دمشق وحلب. وصناعة السروج من الصنائع المشتركة في الشام، ومما يعد في جملتها لوازم الحيوانات كالعذر والهمايين الخراج والبرادع المراشحط ويعمل كل ذلك على غاية من الإتقان. ومن السروج ما يصنع وجهه من الجوخ، ويطرز أحسن تطريز بالحرير والقصب. والجلد الذي تعمل منه السروج هو غالباً من دباغة الشام. ومن صناعة السروجيين ايضاً أحزمة الجلد ويسمونه قشاطا وجعاب رصاص البنادق ويسمونها جناداً وأرسان للخيلن وصناديق للسفر من الجلد وغير ذلك من الحاجيات المحلية، ويصدر ذلك إلى الداخلية فقط وهو يضاهي أعمال الأوربيين أنفسهم من ذلك النوع. وتعمل الأحذية في جميع المدن ومنها ما تستخدم فيه الجلود الإفرنجية

стр. 1042

المعروفة بلمعانها ومتانتها وحذاءو الشام مشهورون منذ القدم، وأهل الرفاهية والبذخ اليوم يأتون بأحذيتهم من الغرب جاهزة وخصوصاً النساء يرينها ألطف شكلاً وأدق صنعة ويقبلن عليها وإن كانت أغلى قيمة وأقل متانة مما يعمل هنا. ويلحق بصناعة الدباغة أو القرظية صناعة عمل الأوتار من المصير والمري وهي نافقة يبعثون بها بعد تحضير قليل إلى معامل الغرب فتعمل منها أوتار الأعواد والقيثارات وغيرها. تربية دود الحرير: ومن أهم الصناعات تربية دود الحرير الفيالج أو الشرانق وهو عمل خاص باللبنانيين وبسكان أرجاء إنطاكية. وكانت مساحة الأراضي التي تغرس التوت الصالح لتربية دود الحرير واسعة أكثر من الآن في أرجائنا. فقد ثبت أن عمالتي وادي التيم والبقاع كانتا كلتاهما مغروستين بشجر التوت. واقتبس أصحاب تربية الدود في العهد الأخير طريقة باستور في تربية دود القز فزادوه إتقاناً. وتصدر منه كميات وافرة إلى معامل ليون في فرنسا وهناك يصلح الإصلاح المطلوب حتى يكون منه الحرير المعهود في نسج الثياب والطرائف. ومن تربية دود الحرير يعيش عشرات الألوف من الناس في هذه الديار. والغالب أن مناخ لبنان وإنطاكية وما إليها وبعض الأرجاء المعتدلة القريبة من الساحل تصلح فقط لتربيته ومنذ القديم لم يحظّ الحظ سائر الأرجاء أن تشترك في صنعه. وقد أسس في الزبداني في العهد الأخير معمل لحل الحرير على الطرز الحديث وتصدر مصنوعاته إلى إيطاليا وفرنسا. النجارة: لم يكتف الصناع في منجوزاتهم بأخشاب الشام على كثرتها، بل أخذوا يجلبونها من قلقية ورومانيا وغيرهما، ومنهم من يجلبونه من أميركا وهو الجوز الأميركاني. يعتمدون عليه وعلى خشب الحور والجوز والزيتون والشربين والتنوب والميس والعرعر والدردار، وكان اعتمادهم يكثر في القديم على الصندل والصنوبر والسرو. وخشب السرو والصنوبر كما قال قسطا بن لوقا

стр. 1043

من أشرف الأشجار التي تستعمل أخشابها في البناء يتخذ منها مصاريع الأبواب والدعائم والسفن ويستعان بها في كثير من الأمور. ينشرون الخشب اليوم بمناشير ميكانيكية بالبخار أو بالكهرباء أو بالطرق القديمة فيعمدون إلى أيدي العملة في إحضارها، يصنعون منها مناضد وأصونة للثياب وإطارات ومقاعد وكراسي ومغاسل وصناديق وتوابيت ورحالاً وألواحاً لدرس الغلة وأعواد الطرب. وهذه الصناعة صناعة الأعواد قديمة جداً في دمشق ودخلت حلب منذ نحو سبعين سنة. وقد اشتهرت دمشق بصناديقها التي كانت تعمل من خشب الجوز وتبقى القرون لا تتشقق ولا يسرع إليها البلى ولا تتآكل، وعليها من النقوش ما يدل على ذوق جميل، كما اشتهرت إلى اليوم بمصنوعاتها الخشبية. وفي حلب معملان للنجارة بأنواعها، وكذلك مدينة بيروت فغن معامل هاته المدن الثلاث كادت تستأثر بتجهيز الدور والقصور والفنادق ومنها ما لا تقل جودته عن أدق ما يعمل من نوعه في الغرب مع الرخص والجودة والمتانة. وإن ما يسمى بالحلقات في القصور والقاعات القديمة دليل كافٍ على رقي فن النجارة. فإن القصر أو القاعة يبلغ طوله على الاعتدال ستة أمتار في مثلها عرضاً وارتفاعه أيضاً يتسامى إلى الستة أمتار، فجهاتها الأربع وسقفها مما يشهد للمتقدمين من النجارين بسلامة الذوق وإتقان الصنع، ويباع منجور بعض هذه القصور إذا كانت سليمة من الأوربيين بأثمان باهظة، وهو عبارة عن أخشاب فقط. وصناعة الدهان المدهون به ذلك الخشب هو من أبرع الصناعات يشهد بذلك من له أقل إلمام أو ذوق من الناظرين في المحلات الخصوصية عدا ما كان من نوعه في المساجد وغيرها من المحال العامة وكله يشهد للمتقدمين من النجارين الشاميين بالبراعة والحذق. والنجارون في الشام اليوم من أشهر نجاري العالم باعتنائهم بصنعتهم، والنجار بطبيعته ينبغي له أن يكون ذكياً، لما يقتضي لصنعته من الإلمام بالهندسة والمساحة وضبط المقاييس والحساب وأن يكون على جانب من سلامة الذوق في الوضع والصنع. فالنجار الذي يخلو من هذه الصفات لا يحق له أن يصير نجاراً. إن هذا النجار الشامي الموصوف آنفاً يعمل بيده وتدل عليه آثاره في البناء الخشبي في دور دمشق وحلب وغيرهما

стр. 1044

وما يسمونه الصلب وغيره من أبواب ونوافذ غاية في الإتقان. ومن صنع النجارين أيضاً قديماً الصناديق الخشبية ومنها ما هو مغشى بالصدف ومنه ما يسمونه بالحفر. ومنذ نحو أربعين سنة دخلت بيروت ودمشق آلات النجارة الحديثة التي تدار بالكهرباء فاستطاع مديرو المعامل أن يقاولوا على بنايات كبيرة لصنع أبوابها ونوافذها بغاية السرعة. وظهرت صناعة جديدة على الطراز الغربي تسمى صناعة الموبيليا أي فرش الدور وتنضيدها ويتناول اسم الموبيليا جميع أسماء الخزائن والمغاسل والمقاعد الخشبية المغلفة بالنسيج الحريري ولوازم غرف النوم وغرف الطعام وغرف الاستقبال، وكل ذلك يصنع في دمشق وحلب وطرابلس وبيروت، وهي تضاهي المصنوعات الأوربية جمالاً وإتقاناً ومتانةً، وتعد هذه المعامل بالمئات، ومما يدل على الذكاء في الصناعة أن تلميذات المدارس الصغيرات يشتغلن اليوم من جملة الأشغال اليدوية على اختلاف أنواعها وأوضاعها ما تقر به العيون ويبشر بمستقبل مجيد. وقلما تجد واحدة من النساء إلا وتجيد أكثر من صنعة يدوية. ومن الصناعات التي تمتاز بها دمشق خاصة، صناعة خشبية تسمى اليوم بالمصري، وهي بواقي خشب الجوز اليابس تفصل حسب المطلوب، وتصقل صقلاً تاماً، ويرسم عليها بالقلم عروق غاية في الإبداع، ويحفر على حسب رسم القلم، وينزل به الغراء وفوقه الصدف. وتقسم قسمين فما كان دقيق الرسم يسمى بالمصري، وما كان رسم عرقه ظاهراً كل الظهور يسمى في عرف الصناع بالعِرق. ويصنعون منع أنواعاً، فمنها ما يسمى بالجاردينيه وهي أثاثة يوضع فيها قحف زهور صناعية، بعرض مترين أو ثلاثة أذرع، ويجعل فوقها إطار من تلك الصناعة النفيسة طوله متران وعرضه متر. وفي داخل ذلك الإطار مرآة وبجانبه من الطرفين جناحان لطيفان لهما رفوف توضع عليها التحف المنوعة، وفوقها تاج على علو متر أيضاً. وكل ذلك محلى بتلك الصناعة الصدفية يتخلله صباغ أسود قليل يزيد في لمعان الصدف. ويصنع من تلك الصناعة أشكال وأنواع متعددة منها الأصونة خزائن

стр. 1045

الثياب ومنها ما يسمى بالعرف بالبيرو مكتب وهو عبارة عن أربعة دروج كبيرة فوقها درجان صغيران ويصنع منه إطار للمرآة، وإطارات للصور ومناضد، وجميع ما يصنع من الخشب البسيط. ومنذ خمسين أو ستين سنة كثر طلب هذا الصنف إلى أوربا. ولكن الحكومة والبلدية لم تأخذا تلك الصناعة تحت رعايتهما فكثر الغش فيها، وصارت لى البوار وانقطع عنها الطلب إلى الخارج بتاتاً، وهي لا تروج الآن إلا في دمشق وضواحيها تقريباً، ولو عُنيت البلدية بمراقبة صناعها، وجعت لهم رئيساً مسؤولاً لدرت تلك الصناعة على دمشق أرباحاً هائلة ولأصبحت أجرة الصانع يومياً نصف دينار وراجت في أقطار العالم أجمع لجمالها ودقة صنعها. ومن أهم معامل النجارة والفرش معامل الياس جرجي السيوفي في بيروت زرتها في سنة ١٣٣٠هـ ١٩١٢م ومما قلته فيها: رأيت صورة مصغرة من صورة الغرب في الشرق، وتمثل لي فضل الذكاء العربي، وأنه وإن لم يفق الغربي فليس دونه، وأن يد أبنائنا صَناع في الأعمال لا يفوقها ابن فرنسا وإيطاليا وإنكلترا وألمانيا وسويسرا وبلجيكا إلا بأن الإفرنج يرجعون إلى أساليب في العمل تنقصنا، أو تكاد فغي أكثر الأصقاع لا تجد لها أثراً بيننا، وهي ترجع إلى أسباب رئيسة مهمة، أولها الصبر على العمل، وثانيها تجويد العمل، وثالثها القدر اللازم للعمل من المال والمعرفة، ورابعها الاقتصاد في الوقت والأيدي العاملة، وخامسها تنشيط الأهلين والحكومات للمصنوعات الوطنية وحماية التجارة الداخلية بقوانين تنفذ على الصادر والوارد، وسادسها وجود المواد الأولية التي يمكن بها الاستغناء عن المواد الخارجية في الجملة. دلت معامل السيوفي على أن الشرقي بمفرده أُمة، وأن الأمة بمجموعها ضعيفة، بمعنى أن الشرقي يعمل مفرداً أحسن من عمله مجتمعاً، وذلك لفقد التربية المشتركة بين المشارقة يرجعون إليها وتضم عراهم. فلو كان معمل الغزل في دمشق لفرد واحد منذ إنشائه له خيره وعليه شره، لما اضمحل هذا الاضمحلال الذي نراه عليه، ولو كانت معامل السيوفي في بيروت لشركة لما رأينا فيها هذا النظام والنجاح، وبذلك صح لنا إثبات ما قدمناه من أن الشرقي أثمة بمفرده والأمة ضعيفة بمجموعها، وأن لا سبيل إلى قيام الأعمال الكبرى وأن نقدر لها النجاح المطلوب إلا إذا اتحدت مناحينا

стр. 1046

وتعلمنا تعليماً وطنياً اقتصادياً واحداً. على هضبة من هضاب بيروت الجميلة في حي الأشرفية، في مكان بعيد عن مركز حركة هذا الثغر، يطل على سفوح لبنان وبيروت وعلى البحر الرومي من أُخرى، قامت هذه المعامل البديعة في بقعة فسيحة من الأرض تدخلها فتخال نفسك في إحدى معامل الغرب الكبرى، وأول ما يبدؤك بعد الدخول من التاج ساعتان عن اليمين والشمال بجانبهما صندوقان معلقان مقسومان إلى بيوت صغيرة، وفي كل بيت مقواة كتب عليها اسم أحد العملة وطبعت عليها ساعات الغدو والغداء والرواح، فمتى وصل العامل بعد الفجر وقبل إشراق في الشتاء مثلاً يضع مقواته في بيتها، فلا تلبث أن تكتب عليها ساعة مجيئه والدقيقة التي جاء فيها بحروف عربية، وفي آخر اليوم أو الأسبوع يرجع إليها مدير المعمل، ويحسب المتأخر من المتقدم، ويعدون ذلك بموجب نظام خاص لهم جروا فيه على مثال نظام العمال في سويسرا والبلجيك والنمسا وألمانيا. ومن قوانين العملة في هذه الممالك اختار مؤسس المعمل أحسن ما يلائم هذه الديار وينفع في نجاح عملته ويعود عليه وعليهم بالربح واقتصاد الوقت. وهذه الساعة من نفع ما يجب استخدامه في معاملنا ومطابعنا ودواوين أعمالنا وبيوتنا التجارية والمالية ودوائرنا العسكرية والملكية ليتعلم قومنا مراعاة الوقت والتدقيق في حسابه حتى يبارك لهم بساعات العمل وأيام الحياة، ويتعلموا أن التدقيق في المواعيد أحد دعائم التنظيم في فروع الأعمال، ومن أهم أساليب النجاح الذي غفل عنه معظم سكان هذه الديار وعدوا من ينظم أوقاته ويدقق في وعوده واستقبال خاصته ومن لهم علاقة به في ساعات محدودة متكبراً أو مهوساً. يباكر العملة في معامل السيوفي في الصيف والشتاء والخريف والربيع على السواء وينقطعون ساعةً وقت الظهر ثم يعاودون العمل إلى قبيل الغروب أو إلى بعده بقليل بحيث لا يتجاوز معدل ساعات العمل في اليوم تسعاً بخلاف عملة أوربا فإنهم يعملون في بعض الممالك كبلجيكا مثلاً زهاء اثنتي عشرة ساعة، ولكثرة الأيدي العاملة وللعادة والإقليم دخل كبير في هذا الاصطلاح.

стр. 1047

وفي معامل السيوفي اليوم ٢٨٠ عاملاً مع أن الأدوات التي اقتناها صاحبها تشغل ضعفي هذا العدد فيستفيدون ويفيدون. أكثر ما يعمل في هذه المعامل منجورات الدور الخشبية وأنواع الفرش وأثاث البيوت تعمل كما تعمل في الغرب وتتأنق الأيدي والعيون في تجويدها وتساعدها الأدوات التي تدار بالفحم الحجري وتبلغ نحو الستين آلة ومنها لقطع الخشب وصقله وحفره وتقويره ونقشه وتنشيفه، فترى خشب الجوز والزان من واردات الروم الأناضول والاكاجو من كوبا وشوح النمسا وسنديان أميركا والخشب البياسي من قلقية تُعمل في تلك الأدوات وتحركها تلك المحركات والآلات كأنها العجين في يد خبازه أو الملاط بيد البناء الحاذق. قال لنا صاحب المعمل: إن الآلة الكبرى المحركة في معمله هي بقوة مئة حصان تنفق في النهار ١٣ فرنكاً من الفحم وكانت الآلات التي هي أصغر منها تصرف من قبل أكثر من ذلك، وبهذا يستدل أيضاً أن نفقات المعامل الكبيرة أدنى إلى الاقتصاد وأعمالها أقرب إلى الجودة من مصنوعات المعامل الصغيرة لا سيما والمعامل الكبرى تتجلى فيها قاعدة تقسيم العمال فتجد العملة في معامل السيوفي مقسومين إلى عدة أقسام قسم الأدوات وقسم النجارة وقسم الحفر وقسم البرداخ، وللمحل رسام خاص وكلهم من أبناء العرب ليس بينهم إفرنجي. وتختلف أجرة العامل في اليوم من ستين بارة إلى ستين قرشاً ويحاسب عن أجرته كل يوم سبت من كل أسبوعين في الشتاء ويحاسب في الصيف كل سبت قبل الظهر ليتيسر له الخروج إن أحب إلى الجبل يصرف ليل الأحد وليل الاثنين فيه للنزهة، ويقضى على كل عامل أن يعمل ستة أشهر تحت التجربة أولاً ثم تحسم من مياومته أجرة أسبوعين تجعل في صندوق المحل حتى لا تحدثه نفسه بالخروج من العمل كل يوم أو كل أسبوع كما يفعل بعض العملة في المعامل ويتركون أصحابها معطلين. ومن جملة ما شهدته من النظام داخل المعمل قاعة كبرى وموائد يتناول عليها العملة طعام الظهر، وآلة تضغط النشارة عندما توضع فيها، وهي من اختراع أحد العمال هنا، وتلقي بها إلى مكان بعيد خارج بناية المعمل ومن هناك يبتاعها أرباب القمامين. ومما رأيته خارج المعمل من النظام رصف الطريق الموصلة إليه على نفقة صاحب المعمل وغرس

стр. 1048

بعض الأشجار على جانبيها ويبلغ طولها نحو كيلو مترين. هذا ما رأيته في معامل السيوفي من النظام الذي لا أبالغ بأني قلما رأيته في معمل يرأسه شرقي، ولذلك يصفق لصاحبه لأنه بدأ به صغيراً سنة ١٨٨٨ في مدينة بيروت وكبره في سنة ١٩٠٨ في حي الأشرفية على الصورة التي رأيناها اليوم ونفقة عمارته وأرضه وأدواته تساوي خمسة وعشرين ألف ليرة، ولكن لا يتيسر لمن معه مائة ألف ليرة أن يقيم مثله بأدواته ونظامه إذا لم تسبق له معرفة كمعرفة السيوفي ولم يقض سنين مثله في النجارة ويحيط بما جل وقل من أساليب العمل وتجويده. فليت كل أعمالنا تجري على هذا المثال من النظام البليغ والنجاح الأكيد اه. ومما يصح أن يلحق بالنجارة صناعة تنزيل الخشب وتنزيل الصدف أو خشب الليمون فيه، وهذه الصناعات كانت رائجة جداً ثم عمدت وجدد شبابها صناع دمشق منذ نحو سبعين سنة حتى أصبح ما يعمل منها مما يتنافس في اقتنائه. ونسبت هذه الصناعة لدمشق فيقال لها بالإفرنجية داماسكينه. القيانة والحدادة والنحاسة: كانت العرب تطرق المعادن في دمشق بإتقان أكثر من إتقان الغرب على ما قال ميشو، واشتهرت كثير من مدن الشام بهذه الصناعة منذ عرف تاريخ القيانة أو القردحة أي صناعة عمل السلاح. وذلك لأن الحديد كان يكثر في الجبال ولا سيما في لبنان وحلب. وقد اشتهرت في الجاهلية سيوف مشارف الشام في أقصى تخوم الجنوب، وكانت تطبع بها السيوف وتنسب إليها فيقال السيوف المشرفية، وكانت حاضرة المشارف مدينة مؤتة قال كثير: إذ الناس ساموكم من الأمر خطة ... لها خطة فيها السهام الممثل أبى الله للشم الأنوف كأنهم ... صوارم يجلوها بمؤتة صيقل والصيقل هو الذي يجلو السيوف. ونسبت السيوف إلى دياف وإلى بصرى وكلتاهما في أرض حوران فيقولون للسيوف البُصرية قال الحصين بن الحمام المرّي: صفائح بُصرى أخلصتها قيونها ... ومطرداً من نسج داود محكما والقيون جمع قين صانع السلاح. وسيوف دمشق لا تزال يفاخر بها لتفنن

стр. 1049

الصياقلة في صنعها، وقد عرفت بصفاء مائها، واخضرار لونها، وإرهاف حدها، ولطف فرندها، وكانت تكتب عليها آيات وأشعار بماء الذهب، وكذلك على الخناجر والرماح، عرفها الصليبيون في القرون الوسطى ونسبوها إلى دمشق وغدوا يفاخرون بتقلدها ولا مفاخرة العرب بالسيوف اليمانية والرماح السمهرية. وصناعة تنزيل الذهب على السيوف والخناجر والمدى والبنادق كانت من أهم الصناعات الدمشقية ويحسب أربابها من أهل اليسار ويعدون اليوم على الأصابع ولا يسع المنصف إلا أن ينحني إعجاباً أمام جمال هذه الصناعة. وقد نقل الفاتحون من العرب إلى الأندلس صناعة صقل السيوف وهي الصناعة التي نسبت إلى دمشق حتى اليوم فقيل لها بالإفرنجية أو أي تنزيل الذهب والفضة في الفولاذ وقد اشتق منه الفعل عندهم وكانت تعمل السيوف في زحلة والشوير ودومة من عمل لبنان وتعمل النبال الفائقة في عمتا من بلاد الغور. وكانت الدروع تسرّد بيد الدارعين والخوذ والسابرية تصنع في دمشق خاصة. ويعمل من الحديد كل ما يلزم من الطبر والخناجر والمرادن والمغازل والصنارات والأسياخ والعقافات والقيود والزرد والمباضع والمبازغ والمشارط والآنية، يطرق كل ذلك في كيرة الحدادين وسنداناتهم ويضرب بمطارقهم، وكانت وافية بالغرض. ومن أهم أعمال صناعة النحاس في دمشق حلقة باب المدرسة الخضيرية في حي الخضيرية وكذلك الحلقتان اللتان على بابي المستشفى النوري. والأولى من القرن الثامن والحلقتان الأخريان من القرن السادس وهي آية الإبداع والمتانة وفي هذا البيمارستان أبواب من خشب من عصر صلاح الدين عليها مرايا المفاتيح على طرز الغرب إذ ذاك. وفي مستودع الجامع الأموي بقايا النحاس الذي كان على باب جيرون من أبواب الجامع تصور للمرء نموذجاً من إتقان النحاسين والحدادين لصناعتهم في القديم. وفي بعض مدارس حلب حلقات قديمة من هذا القبيل تدل على مبلغ صناعها من الحذق وفيها أبواب من الحديد صنعت لبعض البيوت والمدارس القديمة آية الجمال الصناعي. ومن صناعة الحديد أمثلة كثيرة مثل أبواب بعض خانات دمشق كخان الحرير وخان أسعد باشا

стр. 1050

وخان الزيت وأبواب التكية السليمانية وشبابيكها. وشبابيك المدارس والديارات والجوامع والكنائس القديمة وأبوابها ودرفاتها في دمشق وحلب والقدس والناصرة وبيت لحم ولبنان وغيرها وكلها تدل على ترقي الحدادة والنحاسة دلالة عظيمة مثل أبواب القلاع كقلعة عكا وحصن الأكراد وغيرهما. ولكثرة الحديد في أرباض حلب عمل كثير من أبواب حلب القديمة من الحديد. وكذلك قل عن سائر صناعات الحديد والنحاس وكانت تعمل منها السرج والمصابيح والمواقد والشمعدانات والشبابيك والكؤوس والصحاف والزهريات والمباخر والقماقم وأوعية القهوة الدلاّت والألبان والطسوت والموائد والصواني والصحون والمصافي والمغارف والملاعق والقدور، والقدر الشامية كانت مشهورة بكونها لا تنش، والسطول والمساخن والهواوين والمدقات والمناشير والجرار والحقاق والأجراس والنعال والمسامير والمعاول والمساحي والمناجل والمطارق والأقفال والمفاتيح والمغالق والمناصب والملاقط والسكاكين والمدى والمقال والمواسي والمبارد والقيود والجواشن والدروع والصنجات والجُرُز العمد والحسك والدرابزون والمناجيق والدبابات. ومن الصناعات النفيسة صنعة الأجراس أجراس الكنائس فإنها تصنع في بيت شباب، واستأثر بهذه الصنعة لبنان من دون أقطار الشرق الأقرب، وقد دخلت صنعتها أرضنا مع الصليبيين على الأكثر، وكانت البيع قبل ذلك تستعمل أجراساً من الخشب، وما زالت هذه الصناعة محصورة ككثير من الصناعات في أُسرة واحدة. ولما جاء حديد الغرب الرخيص السهل على التطريق كثرت أدوات الحديد وتفنن صناعه في صنعه ومنهم من عمد إلى اتخاذ الأدوات الحديثة كمعامل بيروت، ومنهم من اعتمد على الطرق القديمة في تطريقه، وكثير من الأدوات الزراعية كالفؤوس والقُدُم جمع قدوم والسكك الزراعية والمقاريض وأدوات السيارات تعمل في حلب ودمشق وبيروت والقدس وسائر المدن الشامية. ولا يزال الحدادون على تفننهم حتى يساووا معمولات الغرب. والحاجة أُمّ الاختراع. وقد قامت دمشق في الحرب العامة بصنع أعمال نفيسة من حاجيات الجيش كالقدوم والمنشار والكلاّب واللولب والفأس والرفش والقدر والمركن والمرجل

стр. 1051

والدلو والبرميل وعجلة النقل والركوب ومحفة الجرحى والمرضى، كنت إذا رأيتها تظنها لجمالها ومتانتها من صنع الغرب. وقد جلب كثير مما يستعمل في هذه الصناعة من حلب ولبنان وبيروت، ويستعمل فيها الحديد والنحاس والصفيح التنك وتوفر الجيش التركي في تلك الأيام على ملء الخراطيش وصنع القذائف والمدمرات واستجادة أحسنها طرازاً وأفعلها في وقت الحاجة وإصلاح البنادق والمدافع ما دل على ذكاء ابن هذه الديار إذا عُلّم التعليم العملي المنظم بنظام المعامل الغربية. ولقد صنع أحد مهرة الصناعة مدة الحرب بندقية من الخشب أخف من الماوزر فنال استحسان أهل هذا الشأن في الدولة. ويصح أن تلحق صناعة النحاسين والصفارين بالحدادة، وكانت في القديم ذات شأن، ولم يبرح في المتاحف والبيوت القديمة في المدن والقرى نموذجات منه صبرت على ممر الأيام بحالها، وما عمل منذ ستة أو سبعة قرون كثير جداً، والقديم أقل منه، وكان ما يصنع منه في دمشق يقال له الظاهري نسبة للملك الظاهر فيما زعموا ولا ندري أي ظاهر هو، لأنه كان من المنشطين لصناعته فنسب إليه تحبباُ، وما فتئت هذه الصناعة رائجة تعمل من النحاس الثريات والمصابيح والفوانيس والتعاليق والجفان والكؤوس والباخر والقماقم والصحاف والصواني والطسوت والأباريق والصنجات، مصنوعة من النحاس الأصفر منقوشة في العهد الحديث حروفاً لا تقرأ إذ تعاور صناعتها أُناس أُميون على الأكثر، وكان يطرز ويرقش في القديم بكل معنى جميل. وفي حلب ودمشق وزحلة وبسكنتا وبتغرين ودومة لبنان مسابك حديد، يقينون فيها الحديد قيناً جيداً، والنحاس يعمل في كل بلد للآنية وامتهانات البيوت، وأجَلُّه ما صنعه صَنَعوا الأيدي في دمشق وحلب. ومن أوسع معامل النحاس الأصفر معمل السادة النعسان في دمشق فقد تفنن بصنع الزهريات والكؤوس والثريات وغيرها والسياح يتنافسون في اقتناء مصنوعاته وكثير من أرباب الثراء في مصر وأميركا وأوربا يزينون ردهاتهم بقطع منه ولا يقل العاملون والعاملات فيه عن مائتي نفس. وصناعة النحاس المنقوش من الصناعات القديمة في الشام، وكل ما كانت تستعمله قديماً في بيوتها وحوانيتها هو من صنعها، من صحاف كبيرة وصغيرة

стр. 1052

وبواطٍ على غاية من دقة الصنعة والقديم منها يباع الآن بأثمان باهظة، وبيع من مدة من أحد تجار الآثار القديمة صحنان من النحاس بسبعين ليرة عثمانية ذهباً ويشتري الأوربيون ذلك تقديراً للفن وخدمة للتاريخ، وفي الشام معامل كثيرة لصنع النحاس المنقوش وله رواج عظيم وهو أنواع كثيرة منها ثريات للتعليق في قصور الملوك والعظماء تزين برسوم جميلة، ومنها ما ينار بالكهرباء ومنها ما ينار بالشموع وصحاف كبيرة وصغيرة وما يلزم للاستعمال والزينة في البيوت وهو أنواع. والمعقول أن يدوم تصدير هذه الأنواع وتزداد، لما في نقوشها من الإتقان ودقة الصنعة والاعتدال في الأثمان. الزجاجة: من أهم الصناعات التي اختصت بها الشام من القديم الزجاجة؛ صناعة الزجاج. وعدها الثعالبي من خصائص الشام وقال: إنه يضرب به المثل في الرقة والصفاء فيقال أرق من زجاج الشام وقال بعض الحكماء: وارفق بالعدو كما برفق بزجاج الشام، إلى أن تجد الفرصة فإما أن يضربه الحجر فيفضه، وإما أن تضربه بالحجر فترضه وربما كانت تعمل من هذا الزجاج المناظير للعيون قال أحمد بن محمد الدنيسري القاهري المتوفى سنة ٧٩٤. أتى بعد الصبا شيبي وظهري ... رمي بعد اعتدال باعوجاج كفى أن كان لي بصر حديد ... وقد صارت عيوني من زجاج وقد اشتهرت صور منذ القديم بزجاجها، وكان الرمل الذي يعثر عليه في جوارها يزيد الزجاج بهجة ليست له في غيرها من البلدان. وكانت معامل الزجاج في حلب وأرمناز مشهورة تصدر منه إلى العراق ويتباهى به في قصور الخلفاء. واشتهرت معامل الزجاج في عكا إلى القرن الرابع عشر، وعرفت دمشق بزجاجها كما اشتهرت الخليل فكانت الزجاجة من صناعتها وهي مشهورة بعمل المصابيح التي تعمل فيها اشتهارها بأساور النساء. وكان الزجاج معروفاً بالدمشقي يتخذ للزخرفة والزينة ومنه والأكواب والآنية على اختلاف ضروبها ويفهم مما وصفه الشعراء مبلغ تفنن الزجاجين بزجاجهم. واشتهرت الرقة بصنع الزجاج. وفي دار المتحف بدمشق مجموعة من الزجاج الملون المنقوش

стр. 1053

المرقوش، وهي أثمن المجموعات التي عرفت حتى الآن من نوعها. ومن أجمل النموذجات في هذه الطرائف البديعة، ومنها الأكواب والأباريق والجامات والسكرجات والمضخات والأقداح والقوارير والكيزان والبواطي وكانت معاملها في دمشق وحلب والرصافة والخليل وصور وعكا على ما يظهر. وقد انحطت هذه الصناعة حتى انحصرت في دمشق وأرمناز والخليل بأناس فقراء يعملون من الزجاج القناني والبواطي العادية فقط. ن صنع الزجاج النفيس الذي تعمله البنادقة من معاملنا في الحروب الصليبية وتلقنوه عن معامل صور وانتشر صنعه في أرجاء أوربا بعد أن كانوا يستبضعونه من ديارنا قد نافس هذه الصناعة فقضى عليها أو كاد. وكانت معامل الزجاج ممتدة على طول الجامع الأموي في دمشق رآها الرحالة بوجيبوجي سنة ١٣٤٦م وبعد أن كانت معامل عكا وصور مما يضرب بمصنوعاته المثل فقدت أسرار الجمال في هذه الصناعة. وقبيل الحرب العامة ١٩٠٨ أنشأ في دمشق السد مسلم العمري معملاً لصنع الزجاج، أنفق عليه عشرين ألف ليرة عثمانية ذهباً، وجرّب عمله بواسطة صناع غربيين فجاء كالزجاج الذي يجلب من الغرب، ووافق الرمل الذي استعمل لكن المعمل لا يزال معطلاً، وكانت الشركة الوطنية بنته على آخر طرز في شرقي المدينة. وفي الحرب العامة الأخيرة قل الزجاج المجلوب من معامل الغرب فهب أرباب معامل الزجاج في دمشق وبيروت وأخذوا يصنعون الأكواب والصحون والأقداح من كسرات الزجاجات القديمة فسدت بعض حاجة الناس. الدهان: ومن الصنائع الدهان، وكانت مما تمتاز به بعلبك. قال في مسالك الأبصار: ويعمل في بعلبك الدهان الفائق من الماعون وغيره، ولكن دمشق وحلب وغيرهما من المدن حيث كان للرفاهية أسواق نافقة، لم تكن دون بعلبك في هذه الصناعة، فكان يدهن الخشب والحجر ويبقى بحاله القرون الطويلة. ومن يدخل قاعة من قاعات دمشق وحلب مثلاً يرَ الألوان زاهية باهرة كأنها نقشت الآن، وفي دمشق اليوم قاعات وأبهاء وأواوين مضى عليها زهاء مائتي سنة ولا تزال

стр. 1054

برونقها تدهشك كما يدهش الداخل إلى متاحف الآثار المصرية من نقوش بيبان الملوك وبني حسن وسقارة وكتاباتها ورسومها، وقد مضى عليها قرابة أربعة آلف سنة، على حين تنصل الألوان المستعملة لعهدنا وتكمد في سنين قليلة. والسبب في نصول الدهان الجديد، ومواده تأتي من الغرب، أن الدهانات القديمة كانت من صنع القطر ترجع إلى أصل ثابت ويحافظ عليها من المطر والشمس لأن الأقدمين لم يكونوا يعنون بفتح الطيقان والنوافذ وتوسيع الأبواب مثل المحدثين، ولذلك صبرت الأصباغ على الأيام، زد إلى ذلك عنايتهم في تخير الأخشاب وأكثرها من الدف الرومي أو الجوز أو السرو وهذه مما يصعب تطرق التشقق والبلى إليه كالكريش والشوح وفيه مواد قطرانية أو غيرها، وكانت لهم في دمشق صناعة من الدهان تعمل من الحفر والتنزيل ويقال لها الأبلق وهي أن يرسم الدهان الحجر مما يريد من الأشكال والنقوش ويحفرها النقاش والحفار ثم يدفعها إلى الدهان فيدهنها بصب الأصباغ في الشقوق التي يريدها ثم تجلى وتصقل فيجيء صبغها كأنه من أصل الحجر ثابتاً براقاً، ولا يعما منه شيء اليوم. وفي دمشق أُسرة عرفت بأسرة الدهان اختصت بصناعة الدهان الذي يقال له العجمي كما اختصت بصنع هذا الأبلق. وتصنع هذه الأسرة مناضد وخزائن واسكملات بهذا الدهان المعروف بالعجمي من النوع المقرنص تكون آية الإبداع وحسن الذوق ويتنافس في اقتنائها العظماء لتزيين قصورهم وتبقى السنين الطويلة زاهية زاهرة. وقد دهنت عدة قاعات فجاءت آية الإبداع. وذكر الغزي أن أحد شبان حلب تعلم في أميركا صناعة الدهان على الأصول الحديثة فجاء عمله غاية في الرونق والإتقان. والمنتظر تعميم هذه الصنعة على هذا المنوال مع مراعاة المعرفة القديمة فيها. هذا في دهان الغرف والأبهاء والقاعات، وأما صبغ الثياب والحرير والقطن والغزل، فكان الاعتماد فيها على أصباغ لهم جميلة يعرفونها، ربما كان أكثرها من تركيبهم أو من معادن القطر. وكان للصباغ الدمشقي صيت بعيد في الأقطار، لثبوت ألوانه ولطافة لمعانه، وكانت أصباغه معدنية ونباتية لا غش فيها فلما تغلبت الأصباغ الغربية بطل استعمال القديم منها بل نُسي

стр. 1055

أمره واعتيض عنه بالحديد. وجودة الأصباغ القديمة كانت السر في اشتهار الديباج الدمشقي قديماً حتى أوشكت لطافته أن تجري مجرى المثل. وفي حلب اليوم نحو ٣٠ مصبغة بالنيل و٥٦ مصبغة للغزل والحرير وفي دمشق مثلها ونحوها وكذلك في كل بلد بحسب حجمه وأرباضه. وكان من أصباغهم الأصفران أي الزعفران والورس، والبرفير أو الفرفير وهو الأرجوان أحمر وأزرق وكان ولم يزل للنيل الذي يخرج من الحولة أو يؤتى به من الهند، شأن في صبغ ثياب العملة والفلاحين. وانحطت هذه الصناعة تبعاً لانحطاط أكثر الصناعات، لما جاءت الأصباغ الألمانية الحديثة حتى إن بعض معامل ثياب الحرير ترسل حريرها إلى الغرب ليصبغ ويعاد إليها، فتعمل منه الشقق والثياب وتوشى على ما يشاءون، والوشي في الثوب كالرقش في القرطاس والنقش في الحائط، ويحاولون أن تكون ألوانها ثابتة لا تنصل. الفخارة والقيشاني: وصناعة الفخارين اشتهرت بها الشام أيضاً وكان في صور الخزافون المبدعون في الأعصر القديمة، وكذلك في كفر طاب، وكانت تعمل فيها قدور الخزف وتجلب إلى غيرها ومنها نموذجات لطيفة حفظت في داري الآثار في دمشق وبيروت، وكان ولا يزال يعمل من الخزف القلل والخوابي والأجانات والدوارق وأصاصي الزهور وغيرها، يصنع ذلك في حلب ودمشق وطرابلس وبيتشباب وصيدا وبيروت وغزة وعيتا وراشيا ويقال لهاتين البلدتين عينا الفخار وراشيا الفخار وصناعة الفخار على كثرة منافسة الخزف الغربي لها لا تزال متماسكة، لأنه يتيسر جلب كل شيء من الخارج. وأجمل الخزف اليوم ما عمل في حلب من الصيني الجميل. ومن الصناعات التي كانت تجود في دمشق وحلب من دون سائر البلدان على ما علمنا، صناعة القيشاني التي دثرت وكانت مورد ربح، وعنوان فخر ومباهاة. ترصف بها الجدران والمحاريب والفساقي والسلسبيلات والباذهنجات والقماقم والزهريات والقلل وغير ذلك. وكان يصنع على ما يظهر من الرمل
следующие страницы →