← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 37063

خطط الشام

محمد كرد علي

Полный текст (1 453 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

والدلو والبرميل وعجلة النقل والركوب ومحفة الجرحى والمرضى، كنت إذا رأيتها تظنها لجمالها ومتانتها من صنع الغرب. وقد جلب كثير مما يستعمل في هذه الصناعة من حلب ولبنان وبيروت، ويستعمل فيها الحديد والنحاس والصفيح التنك وتوفر الجيش التركي في تلك الأيام على ملء الخراطيش وصنع القذائف والمدمرات واستجادة أحسنها طرازاً وأفعلها في وقت الحاجة وإصلاح البنادق والمدافع ما دل على ذكاء ابن هذه الديار إذا عُلّم التعليم العملي المنظم بنظام المعامل الغربية. ولقد صنع أحد مهرة الصناعة مدة الحرب بندقية من الخشب أخف من الماوزر فنال استحسان أهل هذا الشأن في الدولة. ويصح أن تلحق صناعة النحاسين والصفارين بالحدادة، وكانت في القديم ذات شأن، ولم يبرح في المتاحف والبيوت القديمة في المدن والقرى نموذجات منه صبرت على ممر الأيام بحالها، وما عمل منذ ستة أو سبعة قرون كثير جداً، والقديم أقل منه، وكان ما يصنع منه في دمشق يقال له الظاهري نسبة للملك الظاهر فيما زعموا ولا ندري أي ظاهر هو، لأنه كان من المنشطين لصناعته فنسب إليه تحبباُ، وما فتئت هذه الصناعة رائجة تعمل من النحاس الثريات والمصابيح والفوانيس والتعاليق والجفان والكؤوس والباخر والقماقم والصحاف والصواني والطسوت والأباريق والصنجات، مصنوعة من النحاس الأصفر منقوشة في العهد الحديث حروفاً لا تقرأ إذ تعاور صناعتها أُناس أُميون على الأكثر، وكان يطرز ويرقش في القديم بكل معنى جميل. وفي حلب ودمشق وزحلة وبسكنتا وبتغرين ودومة لبنان مسابك حديد، يقينون فيها الحديد قيناً جيداً، والنحاس يعمل في كل بلد للآنية وامتهانات البيوت، وأجَلُّه ما صنعه صَنَعوا الأيدي في دمشق وحلب. ومن أوسع معامل النحاس الأصفر معمل السادة النعسان في دمشق فقد تفنن بصنع الزهريات والكؤوس والثريات وغيرها والسياح يتنافسون في اقتناء مصنوعاته وكثير من أرباب الثراء في مصر وأميركا وأوربا يزينون ردهاتهم بقطع منه ولا يقل العاملون والعاملات فيه عن مائتي نفس. وصناعة النحاس المنقوش من الصناعات القديمة في الشام، وكل ما كانت تستعمله قديماً في بيوتها وحوانيتها هو من صنعها، من صحاف كبيرة وصغيرة

стр. 1052

وبواطٍ على غاية من دقة الصنعة والقديم منها يباع الآن بأثمان باهظة، وبيع من مدة من أحد تجار الآثار القديمة صحنان من النحاس بسبعين ليرة عثمانية ذهباً ويشتري الأوربيون ذلك تقديراً للفن وخدمة للتاريخ، وفي الشام معامل كثيرة لصنع النحاس المنقوش وله رواج عظيم وهو أنواع كثيرة منها ثريات للتعليق في قصور الملوك والعظماء تزين برسوم جميلة، ومنها ما ينار بالكهرباء ومنها ما ينار بالشموع وصحاف كبيرة وصغيرة وما يلزم للاستعمال والزينة في البيوت وهو أنواع. والمعقول أن يدوم تصدير هذه الأنواع وتزداد، لما في نقوشها من الإتقان ودقة الصنعة والاعتدال في الأثمان. الزجاجة: من أهم الصناعات التي اختصت بها الشام من القديم الزجاجة؛ صناعة الزجاج. وعدها الثعالبي من خصائص الشام وقال: إنه يضرب به المثل في الرقة والصفاء فيقال أرق من زجاج الشام وقال بعض الحكماء: وارفق بالعدو كما برفق بزجاج الشام، إلى أن تجد الفرصة فإما أن يضربه الحجر فيفضه، وإما أن تضربه بالحجر فترضه وربما كانت تعمل من هذا الزجاج المناظير للعيون قال أحمد بن محمد الدنيسري القاهري المتوفى سنة ٧٩٤. أتى بعد الصبا شيبي وظهري ... رمي بعد اعتدال باعوجاج كفى أن كان لي بصر حديد ... وقد صارت عيوني من زجاج وقد اشتهرت صور منذ القديم بزجاجها، وكان الرمل الذي يعثر عليه في جوارها يزيد الزجاج بهجة ليست له في غيرها من البلدان. وكانت معامل الزجاج في حلب وأرمناز مشهورة تصدر منه إلى العراق ويتباهى به في قصور الخلفاء. واشتهرت معامل الزجاج في عكا إلى القرن الرابع عشر، وعرفت دمشق بزجاجها كما اشتهرت الخليل فكانت الزجاجة من صناعتها وهي مشهورة بعمل المصابيح التي تعمل فيها اشتهارها بأساور النساء. وكان الزجاج معروفاً بالدمشقي يتخذ للزخرفة والزينة ومنه والأكواب والآنية على اختلاف ضروبها ويفهم مما وصفه الشعراء مبلغ تفنن الزجاجين بزجاجهم. واشتهرت الرقة بصنع الزجاج. وفي دار المتحف بدمشق مجموعة من الزجاج الملون المنقوش

стр. 1053

المرقوش، وهي أثمن المجموعات التي عرفت حتى الآن من نوعها. ومن أجمل النموذجات في هذه الطرائف البديعة، ومنها الأكواب والأباريق والجامات والسكرجات والمضخات والأقداح والقوارير والكيزان والبواطي وكانت معاملها في دمشق وحلب والرصافة والخليل وصور وعكا على ما يظهر. وقد انحطت هذه الصناعة حتى انحصرت في دمشق وأرمناز والخليل بأناس فقراء يعملون من الزجاج القناني والبواطي العادية فقط. ن صنع الزجاج النفيس الذي تعمله البنادقة من معاملنا في الحروب الصليبية وتلقنوه عن معامل صور وانتشر صنعه في أرجاء أوربا بعد أن كانوا يستبضعونه من ديارنا قد نافس هذه الصناعة فقضى عليها أو كاد. وكانت معامل الزجاج ممتدة على طول الجامع الأموي في دمشق رآها الرحالة بوجيبوجي سنة ١٣٤٦م وبعد أن كانت معامل عكا وصور مما يضرب بمصنوعاته المثل فقدت أسرار الجمال في هذه الصناعة. وقبيل الحرب العامة ١٩٠٨ أنشأ في دمشق السد مسلم العمري معملاً لصنع الزجاج، أنفق عليه عشرين ألف ليرة عثمانية ذهباً، وجرّب عمله بواسطة صناع غربيين فجاء كالزجاج الذي يجلب من الغرب، ووافق الرمل الذي استعمل لكن المعمل لا يزال معطلاً، وكانت الشركة الوطنية بنته على آخر طرز في شرقي المدينة. وفي الحرب العامة الأخيرة قل الزجاج المجلوب من معامل الغرب فهب أرباب معامل الزجاج في دمشق وبيروت وأخذوا يصنعون الأكواب والصحون والأقداح من كسرات الزجاجات القديمة فسدت بعض حاجة الناس. الدهان: ومن الصنائع الدهان، وكانت مما تمتاز به بعلبك. قال في مسالك الأبصار: ويعمل في بعلبك الدهان الفائق من الماعون وغيره، ولكن دمشق وحلب وغيرهما من المدن حيث كان للرفاهية أسواق نافقة، لم تكن دون بعلبك في هذه الصناعة، فكان يدهن الخشب والحجر ويبقى بحاله القرون الطويلة. ومن يدخل قاعة من قاعات دمشق وحلب مثلاً يرَ الألوان زاهية باهرة كأنها نقشت الآن، وفي دمشق اليوم قاعات وأبهاء وأواوين مضى عليها زهاء مائتي سنة ولا تزال

стр. 1054

برونقها تدهشك كما يدهش الداخل إلى متاحف الآثار المصرية من نقوش بيبان الملوك وبني حسن وسقارة وكتاباتها ورسومها، وقد مضى عليها قرابة أربعة آلف سنة، على حين تنصل الألوان المستعملة لعهدنا وتكمد في سنين قليلة. والسبب في نصول الدهان الجديد، ومواده تأتي من الغرب، أن الدهانات القديمة كانت من صنع القطر ترجع إلى أصل ثابت ويحافظ عليها من المطر والشمس لأن الأقدمين لم يكونوا يعنون بفتح الطيقان والنوافذ وتوسيع الأبواب مثل المحدثين، ولذلك صبرت الأصباغ على الأيام، زد إلى ذلك عنايتهم في تخير الأخشاب وأكثرها من الدف الرومي أو الجوز أو السرو وهذه مما يصعب تطرق التشقق والبلى إليه كالكريش والشوح وفيه مواد قطرانية أو غيرها، وكانت لهم في دمشق صناعة من الدهان تعمل من الحفر والتنزيل ويقال لها الأبلق وهي أن يرسم الدهان الحجر مما يريد من الأشكال والنقوش ويحفرها النقاش والحفار ثم يدفعها إلى الدهان فيدهنها بصب الأصباغ في الشقوق التي يريدها ثم تجلى وتصقل فيجيء صبغها كأنه من أصل الحجر ثابتاً براقاً، ولا يعما منه شيء اليوم. وفي دمشق أُسرة عرفت بأسرة الدهان اختصت بصناعة الدهان الذي يقال له العجمي كما اختصت بصنع هذا الأبلق. وتصنع هذه الأسرة مناضد وخزائن واسكملات بهذا الدهان المعروف بالعجمي من النوع المقرنص تكون آية الإبداع وحسن الذوق ويتنافس في اقتنائها العظماء لتزيين قصورهم وتبقى السنين الطويلة زاهية زاهرة. وقد دهنت عدة قاعات فجاءت آية الإبداع. وذكر الغزي أن أحد شبان حلب تعلم في أميركا صناعة الدهان على الأصول الحديثة فجاء عمله غاية في الرونق والإتقان. والمنتظر تعميم هذه الصنعة على هذا المنوال مع مراعاة المعرفة القديمة فيها. هذا في دهان الغرف والأبهاء والقاعات، وأما صبغ الثياب والحرير والقطن والغزل، فكان الاعتماد فيها على أصباغ لهم جميلة يعرفونها، ربما كان أكثرها من تركيبهم أو من معادن القطر. وكان للصباغ الدمشقي صيت بعيد في الأقطار، لثبوت ألوانه ولطافة لمعانه، وكانت أصباغه معدنية ونباتية لا غش فيها فلما تغلبت الأصباغ الغربية بطل استعمال القديم منها بل نُسي

стр. 1055

أمره واعتيض عنه بالحديد. وجودة الأصباغ القديمة كانت السر في اشتهار الديباج الدمشقي قديماً حتى أوشكت لطافته أن تجري مجرى المثل. وفي حلب اليوم نحو ٣٠ مصبغة بالنيل و٥٦ مصبغة للغزل والحرير وفي دمشق مثلها ونحوها وكذلك في كل بلد بحسب حجمه وأرباضه. وكان من أصباغهم الأصفران أي الزعفران والورس، والبرفير أو الفرفير وهو الأرجوان أحمر وأزرق وكان ولم يزل للنيل الذي يخرج من الحولة أو يؤتى به من الهند، شأن في صبغ ثياب العملة والفلاحين. وانحطت هذه الصناعة تبعاً لانحطاط أكثر الصناعات، لما جاءت الأصباغ الألمانية الحديثة حتى إن بعض معامل ثياب الحرير ترسل حريرها إلى الغرب ليصبغ ويعاد إليها، فتعمل منه الشقق والثياب وتوشى على ما يشاءون، والوشي في الثوب كالرقش في القرطاس والنقش في الحائط، ويحاولون أن تكون ألوانها ثابتة لا تنصل. الفخارة والقيشاني: وصناعة الفخارين اشتهرت بها الشام أيضاً وكان في صور الخزافون المبدعون في الأعصر القديمة، وكذلك في كفر طاب، وكانت تعمل فيها قدور الخزف وتجلب إلى غيرها ومنها نموذجات لطيفة حفظت في داري الآثار في دمشق وبيروت، وكان ولا يزال يعمل من الخزف القلل والخوابي والأجانات والدوارق وأصاصي الزهور وغيرها، يصنع ذلك في حلب ودمشق وطرابلس وبيتشباب وصيدا وبيروت وغزة وعيتا وراشيا ويقال لهاتين البلدتين عينا الفخار وراشيا الفخار وصناعة الفخار على كثرة منافسة الخزف الغربي لها لا تزال متماسكة، لأنه يتيسر جلب كل شيء من الخارج. وأجمل الخزف اليوم ما عمل في حلب من الصيني الجميل. ومن الصناعات التي كانت تجود في دمشق وحلب من دون سائر البلدان على ما علمنا، صناعة القيشاني التي دثرت وكانت مورد ربح، وعنوان فخر ومباهاة. ترصف بها الجدران والمحاريب والفساقي والسلسبيلات والباذهنجات والقماقم والزهريات والقلل وغير ذلك. وكان يصنع على ما يظهر من الرمل

стр. 1056

الأبيض والجبس يجبلان معاً ويفرغان في قوالب على الشكل المطلوب، وتكتب على سطوحها آيات وأحاديث أو أشعار، أو ترسم عليها نقوش مختلفة بمواد ثابتة، ويذر عليها مسحوق الزجاج، أو تطلى به ممدوداً بسائل غروي، وتشوى في تنور معدّ لذلك، فيسيل الزجاج ويكسوها قشرة رقيقة تقيها من الغوائل والمؤثرات زمناً طويلاً، وتظهر النقوش والكتابات زاهية بألوانها الطبيعية. وفي سلسبيل جامع الدرويشية بدمشق نموذج منه أُرخ بسنة ٩٨٢، وقطعة أُخرى كانت على قبر لطفي باشا أُرخت بسنة ٩٩٨ وهي محفوظة بدار الآثار بدمشق وقد كتبت عليها الآية الكريمة (كل هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون) بخط تعليق مشرق وفي أعلاها رحمة المولى عليه كل حين. ولا تزال في بعض الجوامع والمدارس من هذه القيشاني العجيب نموذجات تأخذ الأبصار. وكان في المسجد الأقصى مصنع للقاشاني له كامل الأدوات وذلك في عهد سليمان القانوني العثماني وهو أول من استعمل القاشاني في زخرفة خارج قبة الصخرة، ولا تزال بعض قطعه محفوظة في المسجد. ويوجد الآن مصنعان فيها لرجلين أرمنيين أتيا القدس من كوتاهيه، وكانت هذه من أشهر معامل القاشاني في الدولة العثمانية، ويشتغل المصنعان بالصنف من القاشاني الذي يرغب الفرنج في اقتنائه وهي جيدة بعض الشيء لكنها لا تحاكي الأنواع القديمة. ويؤخذ تراب هذا النوع من مطحون حجر الصوان يسح بآلة بخارية قوية. ومن أجمل النماذج من القيشاني بدمشق عمودان منه على طول متر في محراب جامع التبان في المناخلية جوار باب الفرج، ومنه نموذج كثير ويظن أنه حديث في تربة جامع المرادية، وفي مدخل السويقة في مدرسة أقوش النجيبي كتبت عليه آية الكرسي بالقيشاني البديع. وفي تكيتي السلطان سليمان وسليم وفي قبر في زقاق القرشي بالميدان كتب عليه هذا قبر الجنينين الطفلين يونس وفرج، محفوظ في إدارة الأوقاف، والقيشاني في جامع تنكز مكتوب عليه آية التوحيد وفي مدفن بلال الحبشي الصحابي ١٤٦ قطعة من القيشاني المعمول في كوتاهية.

стр. 1057

ولا يعلم تاريخ اندراس هذه الصناعة، والمشهور أنها كانت خاصة بأهل بيت يتوارثون صنعها خلفاً عن سلف، فدثروا ودثرت معهم منذ أكثر من قرنين. أخبرني أحد أساطين العلم أنه رأى القيشاني في جامع الدرويشية بدمشق مصبوباً على الأحجار طبقة لطيفة وهو في غاية الحسن. ويظهر أن المادة القيشانية كانت تمدّ على الحجر كما تصنع صفائح وألواحاً. وقد قام في العهد الأخير في كثير من المدن أناس لعمل الخزف الملوّن لتبليط البيوت دعوه بالقيشاني وهو لا يشبه القيشاني إلا بالاسم فقط. وانتشر وعم استعماله في الشام كلها ونقل إلى الأصقاع المجاورة. الوراقة: فقدت الشام عدة صناعات كادت تكون خاصة بها، وتعد في جملة موارد عيشها، ومنها الوراقة صناعة عمل الورق. فقد كانت من الصناعات التي تعدها من حاجياتها. وكانت العرب تكتب أولاً في أكتاف الإبل والحجارة الرقيقة البيض وعسيب النخل، بعدما كانت الكتابة في الأديم والرقوق على ما قاله المقريزي. وفي أيام بني أُمية عمل الورق من الكتان وسمي بالخراساني. والغالب أن الشام أخذت في صنع الورق في دمشق وطبرية وطرابلس وحماة ومنبج قبل هذا التاريخ. وعامة المؤرخين من الفرنج على أن الورق من اختراع أهل الصين سنة ١٢٣ ق. م ونقل صنعه أسرى من الصين إلى سمرقند في سنة ٧٥١ وفي سنة ٧٩٤م أُسس معمل للورق في بغداد ثم في دمشق ويظهر من بيت طرفة في معلقته أن القرطاس ينسب للشام والبيت: وخد كقرطاس الشآمي ومشفر ... كسبت اليماني قده لم يجرد وأن القرطاس كان يعمل في الشام على عهده أو قبله خلافاً لما قاله مؤرخو الفرنج، وأن الورق من صناعات الجاهلية. وكان يرتفع منه كميات من دمشق ومن طبرية على ما ذكر ذلك المقدسي. وقد تعلم صنع الورق في دمشق أسيران فرنسيان على عهد الحروب الصليبية فلما عادا إلى ديارهما نشرا صناعته في

стр. 1058

فرنسا، ومنها انتقل إلى جميع أوربا، فلدمشق على فرنسا بل على المدنية بأسرها الفضل الأول في تعليم هذه الصناعة للغربيين، وناهيك بأنها أهم صناعة نشرت العلم والأفكار في العالم. وقد حمل الشاميون الوراقة إلى الأندلس وصقلية في جملة ما حملوه من صناعتهم، على نحو ما حملوها إلى شمالي إفريقية. وكانت شاطبة من مدن الأندلس تصدر منذ سنة ١٠٠٩م الورق بكثرة ويحمل منها إلى سائر أرض الأندلس. وكان الورق يصنع أشكالاً في مكابس صغيرة، ويعمل من الخروق البالية أو الحرير واستبدل ورق القطن الذي منه الورق الدمشقي بالحرير في سنة ٧٠٦م رجل اسمه يوسف بن عمرو، ولا يزال في خزانة دار الكتب العربية بدمشق كتاب كتب سنة ٢٦٦ هـ على ورق يظن أنه من الورق الشامي وهو أقدم مخطوط عرف بالشام ولا يزال على متانته. وقال الرحالة ناصر خسرو: إن الكاغد الجيد الذي كان يصنع في طرابلس يشبه ورق سمر قند إلا أنه أحسن صنعاً. وذكر القلقشندي أن الورق المعروف بورق الطير، أي الورق الذي تكتب به البطائق وتعلق في أجنحة حمام الزاجل، وهو صنف من الورق الشامي رقيق للغاية وفيه تكتب ملطفات الكتب وبطائق الحمام. وهذا هو الورق الرقيق، والورق القديم أشبه بالبُردي أو الرقوق بمتانته. ولا نعلم في أي زمن انقرضت هذه الصناعة. وحدثني أحد علماء حلب أن الورق كان يصنع في الشهباء وأن حياً من أحيائها لا يزال اسمه الوَرّاقة حيث كانت معامل الورق. والورق الحلبي الصقيل المتين مشهور إلى عهدنا. وقد قام في أوائل هذا القرن رجل بيروتي من بيت الباحوط، فأسس معملاً مهماً في أنطلياس على ساحل البحر، وأصدر ورقاً جيداً كورق النمسا وفرنسا، لكن معامل الورق في الغرب أرخصت صادراتها من الورق إلى الشام فاضطر هو أن يُنزل أيضاً ثم خفضت السعر ولم تزل تخفضه، حتى قضت على هذا المعمل النافع في زمن أصبح المجلوب من الورق كل سنة يساوي عشرات الألوف من الدنانير إلى الشام وأصبح الورق حاجة من حاجات المدنية.

стр. 1059

المرايا: المرآة بكسر الميم ما تراءيت فيه أو رأيت فيه صور الأشياء وجمعه المرائي والكثير المرايا وصنعها من صناعات هذا القطر كانت تصنع في صيدا على ما قال بلينوس وتصدر إلى الخارج، وقد وجدت في خرائب بومبي ألواح كبيرة من الزجاج وكانت مرايا الأقدمين من صفائح المعدن وهي المعروفة عند العرب بالوذائل واحدتها وذيلة، اتخذوها بادئ بدء من مزيج القصدير والنحاس ثم من الفضة خالصة أو ممزوجة بمعدن أدنى، ومنها مرايا من الذهب، وقد اطلعنا على مرايا من الشَبَه والفضة استخرجت من أرض حمص. وهذه الصناعة مما تعلمه البنادقة على ما يظهر من الشاميين وانتقل إلى الغرب ثم تنوسي عمله عندنا. وكان يرتفع من فلسطين خلال القرون الوسطى المرايا وقدور القناديل في جملة ما يحمل منها من أنواع الصناعات. الصياغة: ومن أهم الصناعات القديمة التي لم تبرح على شيء من العناية الصياغة صياغة الذهب والفضة والتفنن في تصويرها ووضع الأحجار الكريمة عليها، وكانت تعمل هنا أكلة الجوهر وأقرطة الذهب المزينة بالدر والياقوت والشنوف والخواتيم والدمالج والقلائد والأطواق والخلاخيل على أشكال ورسوم جميلة. والغالب أن المصنوعات المزيفة من الصياغات الأجنبية نازعت هذه الصناعة وزاد كسادها اختلاف شروط الحياة في هذا العصر عما كانت عليه في الأعصر السالفة، وصارت رفاهية القرون الخالية مما يتعذر على ابن هذا الجيل إلا قليلاً. فصياغة الحلي كما لا يخفى من الصناعات اليدوية الدقيقة جداً، وهي تحتاج إلى ذكاء ومهارة لتغير أوضاعها وأشكالها بحسب ذوق كل عصر ورغبة أهله، وهي تقسم كما أكد العارفون إلى سبعة أقسام رئيسة. الأول ما يحلى به الرأس وأعظمها شأناً ورواء ما يسمى بالتاج، وهو عبارة عن دائرة من الذهب الرقيق، يختلف شكلها بحسب الزمان مرصعة بأحجار الماس المختلفة حجومها، وهي إجمالاً من أحسن ما صنع لتزيين رؤوس السيدات، ويوجد اليوم أسماء كثيرة وأنواع عديدة لما يزين به الرأس، منها ما يسمى بالمشط،

стр. 1060

والبرش، والقمر، وكثير من أشكال الطيور والحشرات كل ذلك من أبدع الأشكال والصور مرصع بالجواهر الكريمة ومما تزدان به الصدور من الحلي أنواع متعددة أيضاً منها ما يدعى بحسب صوره وأشكاله مثل قلب، حبة، فراشة زنبقة، غزال، دبوس، كردان، ضفدع كل ذلك جميل في صنع ذهبه وترصيعه، وتناسب تركيب أحجاره يدل على رسوخ قدم في تلك الصناعة، وغالب ما تزين به النحور عقود اللآلئ ومما تحلى به الزنود أساور الذهب الدقيق الصنع ويرصع غالباً بفَصّ واحد كبير الحجم ورسمه على الأكثر حية أو أفعى، ومما تحلى به المعاصم ويسمى أساور ترسم على أشكال متعددة من الذهب، وترصع بأحجار ماس، ولها بحسب أشكالها أسماء متعددة منها حبة، برغي، ماس، سحب، عصافير وغير ذلك. وكلها بما فيها من دقة صنع تدل على سلامة ذوق صناعها. وحلي الأنامل وهو ما يسمى بالخواتم، وعامتها من الذهب ويركب عليها غالباً فص كبير الحجم من الماس أو الياقوت أو الزمرد أو الفيروزج أو فصوص صغيرة متناسبة الوضع، ولها أسماء متعددة منها مركيز، زيتونة، فريشة، ذو الثلاثة أحجار ومن أكثر أنواع الحلي الأقراط حلي الآذان وهو أشكال متعددة أيضاً منه ما يسمى قرط كف ماس قفل، طارة، خروسة، عصافير، تركي، بغدادي، حرية، وقرط الطويل، وهو عبارة عن قطعة واحدة من ماس كبير الحجم، معلقة بسلسلة من الذهب، بطول ثلاثة سانتيمات تقريباً لها خفقان على الجيد جميل. ويجيد فوقه القرط يلوح ... شبه نجم خافق خلف القمر وفي الشام ألوف من صناع الحلي وتجار الأحجار الكريمة، وليس من بلد في القطر إلا وفيه عدد من أرباب هذه الصناعة النفيسة. ومن غريب الأمر فيها أنك لا تجد شكلاً راج في بلد إلا تجده قد راج في الشام من أقصاها إلى أقصاها خلافاً للباسهم وبقية أزيائهم. ولا بد من الإشارة إلى سبب ترقي هذه الصناعة، ذلك أن الشام مدينة الفتح العربي بها، فن هذا القطر كما يعلم الباحثون ليس فيه مناجم ماس ولا ذهب

стр. 1061

ولكن الفاتحين من العرب بعد فتحهم أغلب آسيا وإفريقية وعاصمتهم دمشق هادتهم الملوك، وأغلب هداياهم هي الجواهر الكريمة والذهب حتى امتلأت منها خزائنهم، وكان الخلفاء منهم يهدون منها القواد والأمراء والأطباء والشعراء والعلماء والفقهاء فكثرت في أيديهم وزادت بطبيعة الحال في أيدي الصاغة، وتنافسوا في إتقان تلك الصناعة حتى صارت كما ترى اليوم في أعلى درجات الارتقاء. ويمكن ن يعد في جملة الصياغة طبع الدراهم وضرب الدنانير من النقرة المذابة من الذهب والفضة، فإن الشام كانت من أول الأقطار التي طبعت فيها السكة الإسلامية، وكانت الدنانير تضرب في الجاهلية بأيلة على البحر الأحمر، وفي متاحف دمشق وأوربا نقود ضربت في دمشق وحمص وإيليا وإنطاكية وبعلبك وطبرية أيام عمر سنة ١٧ وعليها كلها رسم ملوك الروم ثم اسم المدينة بالعربية واليونانية. وكان لهم مهارة في معرفة البهرج والزيوف من النقود الصحيحة ويذهب بعضهم إلى أن الإكسير إذا أُضيف مثقال منه على ألف قنطار من الحديد يستحيل ذهباً خالصاً، ولم يثبت ذلك من طريق الكيمياء وما برح الأحمران الذهب والفضة معدنين خاصين، ويمكن أن يعد في جملة هذه الصناعة صناعة لصق المينا بالمعدن ومنها نموذج في دار الآثار بدمشق. وفي التاريخ العام أن معامل الشام كانت تصنع الخرز والآنية الذهبية ذات الميناء، أما صناعة الجواهر والصياغة فإن ما بقي منها يدل دلالة كافية على رقي العرب في صنعها. وكانت العرب تحسن قطع الأحجار الدقيقة ونقشها بالرسوم وزبرها بالصور. صناعة الصدف والرخام: واشتهرت بيت لحم والقدس بصناعة الصدف يعملون منه الصناديق الصغيرة لوضع أدوات الزينة، والمسابح والصلبان والدبابيس والدويّ والمقاطع ورسوماً وطيوراً وحيوانات الفيل والأرنب، وما يصنع من خشب الزيتون أشكالاً دليل على رسوخ الصناعة، وتباع في الغرب كميات كثيرة منها، لما فيها من دقة الصنعة وجمال الأسلوب والتفنن في الوضع والشكل، ويتنافس الغربيون في

стр. 1062

اقتناء هذه المصنوعات ويحببها إليهم كونها من الأرض المقدسة. وتفرد أهل بيت لحم منذ قرون بصنع أدوات التقوى كالسبح والصلبان وبعض مشاهد التوراة، يصنعونها من عرق اللؤلؤ كما يعملون المرجان وحجر الخنزير أو الحجر المنتن، وهو مؤلف من الطباشير والحمر المستخرج من بحيرة لوط. وكانت عكا في الدهر السالف تعمل صنوفاً من حاجيات الكنائس. ولبعض صناع الرخام صنائع دقيقة في دمشق فمنهم من يعمل أحواض الماء من قطع صغيرة، فيها أنواع الرخام الملون، وقد عمل أحدهم خزانة للكتب من أنواع الرخام الملون لا تتجاوز القطعة الواحدة السنتمتر الواحد فكانت طرفة من الطرائف التي آثروا بها القصر السلطاني في فروق. وهذه الصناعات من الكماليات قلما يرغب فيها حتى الأغنياء أرباب القصور، ولذلك رغب عن صنعها أربابها فكادت تدثر. ولبعض الصناع مهارة في تقليد العاديات القديمة وغيرها من الأعلاق، لا تكاد تختلف عما صنع من نوعها منذ قرون، يقتنيها بعض السياح على أنها من القديم. وتقليد العاديات مما عمت به البلوى في الغرب اليوم وهي مورد من موارد ربح الفقراء من الأغنياء وهي تحتاج إلى معرفة زائدة ومهارة غريبة. السجاد والحصير: ومن أهم الصناعات صناعة نسج البسط، يقلدون فيه السجاد العجمي والتركي. وهو أحط من العجمي لأن هذا السجاد الشيرازي والأصفهاني يصعب أن يدانيه سجاد في العالم لا يكاد يفنى حتى بعد استعماله قروناً، كالأعبئة الشامية تلبس عشرين سنة وهي برونقها ومتانتها. وبحق ما يقولون إن السجادات والأعبثة أُجلاء دائمون بلا أُجرة. واشتهرت البسط الشوبكية وبسط أعناك في البلقاء وحوران وسجاد دمشق، ومنها المصور بأشخاص ورسوم. وفي دمشق وحوران وجبل قلمون ولا سيما في جيرود وفي حمص وحلب ألوف من الأنوال، تحيك البسط من الصوف الخالص وكانت تصبغ بالأصباغ النباتية الثابتة من استحضار القطر، فتحتفظ بألوانها بعد عشرات من السنين

стр. 1063

وتصبغ الآن بأصباغ أوربية قليلة الثبات وهي على غاية من دقة الصنعة وتناسب النقوش ومتانة الحياكة بحيث تضاهي أحسن ما يعمل من نوعها في الأقطار الأخرى. ويأتي بعدها صناعة السجاد والطنافس، وتعمل في قرى حمص وحماة وهي المسماة بالحزوري والعدموني، نسبة لقريتي حزور وعدمون، وهي على غاية الجودة والمتانة تعمل من الصوف الخالص، ومما يعاب عليها أنها لم تزل تعمل من لون واحد وهو الأحمر القاني، ونقوشه متشابهة لا تفنن فيها. ودخلت صناعة الطنافس على طريقة أحدث من الطريقة القديمة في حلب وبيروت ودمشق وذلك بدخول جاليات من آسيا الصغرى في السنين العشر الأخيرة، يحسنون صنعه جدّ الإحسان، لكن النفوس لا تزال ترغب في سجاد فارس، فإنه لا يعادله بمتانته وثبات ألوانه وتصويره ورقشه. وفي بعض قرى قلمون يصنعون من الوبر بسطاً غليظة متينة تستعمل في الضياع والبوادي، وتوضع على الأدراج في المدن. ويعملون الجُوالق الشوالات والعدول على شيء من الجودة والمتانة وكذلك البلاس والمسوح. وكان نسج الحصير والباري من أفضل الصناعات تقوم بالحاجة. واشتهر أنه كان إلى جانب طبرية غابة حلفاء ورفقهم منها، أكثرهم ينسجون الحصر ويفتلون الحبال وقد رأى ناصر خسرو في القرن الخامس حصراً من هذه الحصر الطبرانية تستعمل للصلاة وتساوي الواحدة منها خمسة دنانير مغربية. وقد ضعفت هذه الصناعة بانهيال البسط الإفرنجية والحصر اليابانية الرخيصة، ولكن القرى وكثيراً من المدن ما زالت تعتمد على المصنوع منها في أرض الوطن والحصر البيروتية مشهورة بحسن نسجها ولطافة ألوانها ومتانتها التي تفوق البسط الإفرنجية كثيراً. الصناعات المحدثة: ومن أهم الصناعات المحدثة صناعة القرميد وهو صنو الآجر القديم تقرمد به السطوح، وفي لبنان واللاذقية ويافا معامل منه وفي سنة ١٩١٨ أسس رجل فرنسي في اللاذقية معملاً لعمل القرميد، والقرميد الآجرة العظيمة. ويعمل في هذا المعمل الفخار الصيني وبلاط الملاط لجودة التراب الخزفي في تلك الأرجاء

стр. 1064

وفي القدس معمل للقيشاني أو البلاط الملون. ومن الصناعات الجديدة صنعة لفائف التبغ تصنع منها كميات مهمة في حمانا وبكفيا وزحلة وبعض قرى بيروت الساحلية وتعمل منها كميات عظيمة في فلسطين ودمشق وحلب. وقد استفادت فلسطين في الأيام الأخيرة من الإكثار من زرع الدخان استفادة عظيمة وأخذت تصنع من اللفائف ما يقوم بحاجتها وتبيع منه إلى الخارج. ومنها صناعة الطباعة وصنع الصور والحفر على النحاس والزنك وفي بيروت أحسن مصانعها ودمشق تقلدها. ومن الصناعات المحدثة صنع الجليد وأهم معامله في بيروت وحلب وطرابلس وصيدا واللاذقية ودمشق وحيفا ويافا والقدس وهو يقوم مقام الثلج الطبيعي في التبريد. وكان الثلج السماوي يدخر إلى آخر أشهر الصيف بحاله وكان هذا ينقل في القرون الوسطى على البغال من صيدا وطرابلس إلى قلعة الجبل بالقاهرة في ثلاثة أيام لتبريد المياه في قصر الملك وعظماء الدولة هناك. وفي حيفا معمل للإسمنت المسلح يستخرج من حجر الجبل المتاخم لها ومعمل للبنزين والسبيرتو. وقد أنشئ معملان للإسمنت أحدهما في شقة قرب طرابلس والآخر في دمر قرب دمشق ونجحا نجاحاً باهراً. وفي كل من عكا ويافا معمل للثقاب الكبريت ومثله في دمشق. وأهم ما دخل مجدداً من الصناعات صناعة الجوخ في دمشق أنشئ لصنعه معملان أحدهما شرقي المدينة والآخر غربيها، وأنشئ فيها معمل لحفظ الفواكه والثمار والبقول نجح نجاحاً كبيراً، وأُسس في حلب معمل عظيم للنسيج أتى بأعظم الأرباح وسد حاجة البلاد في الحرب الأخيرة. هذه أهم الصنائع الشامية وغالب الصناعات تتبدل عليها أيدي الصناع من الواحد بعد الواحد إلى أن ينيف على عشرة صناع حتى يتم وقد أفاض صاحب قاموس الصناعات الشامية بتعداد هذه الصنائع والحرف في دمشق خاصة على اختلاف اسمائها وضروبها فبلغت نحو ٣٤٠ حرفة وصناعة. ولابن الصائغ الدمشقي منظومة في ثلاثة آلاف بيت في الصنائع قال ابن جماعة: واعلم أن هذه الصنائع استخرجها الحكماء بحكمتهم ثم تعلم الناس منهم بعضها وصارت وراثة من الحكماء للعلماء، ومن العلماء للمتعلمين، ومن الأستاذين للتلامذة، ومن التلامذة للصناع. وكان ولا يزال لكل حرفة زعيم أو نقيب أو شيخ أو

стр. 1065

عريف، ويسمى شيخ الحرف كلها بسلطان الحرافيش ثم كني عنه احتشاماً بشيخ مشايخ الحرف والصنائع. وكان لأرباب الصنائع ترتيبات أشبه بالنقابات الصناعية في الغرب ولذلك دام رواجها طويلاً. في العهد الأخير نقبت الصناعات النقابات على مثال النقابات الصناعية في الغرب وأصبحت أصوات العمال تسمع ويزيد صداها رنة كلما كثر الصناع. تأثير الصناعات في الماديات والأخلاق: قلت من خطاب في الصناعات يوم الاحتفال بافتتاح الدباغة الوطنية الفنية ٥ كانون الأول ١٩٢٤م - ١٣٤٣هـ لقد فقدت معظم الصناعات ويا للأسف وآخر ما سيفقد منها صناعة النسيج الضرورية النافعة، فقد كانت صادراته من حلب وحماة وحمص وطرابلس ودمشق تسد جانباً عظيماً مم الموازنة بما تأتي به من الأموال كل سنة، فأصبحت الآن إلى انحطاط ونازعتها الأقمشة الإفرنجية البراقة الدقيقة. قيل: إنه كان في دمشق وحدها ثلاثون ألف نول للنسج قبل الحرب فأصبح عددها اليوم نحو ثلاثة الآف، ولا تلبث إذا دامت الحال على هذا المنوال أن تضمحل كما اضمحل غيرها من الصناعات، ويفتقر أربابها ويهاجرون أو يهلكون. وفي كل ذلك خسارة وفجيعة، وأي فجيعة أعظم من الفجيعة بالمال أو الرجال أو بهما معاً. ومما يجنيه القطر من اجتماع الناس على مثل هذه الأعمال الصناعية تربية الروح القومي فيهم وإصلاح ما أمكن من شؤونهم الاجتماعية. وإليكم مثالاً جرى في هذا المعمل يتخذ منه العاقل عبرة. ذكر لي مدير مدبغتنا هذه منذ مدة أن مستشار الأمور الاقتصادية في المفوضية العليا زار المعمل وسر بنجاحه كل السرور ونشطه بالقول والفعل، إلا أنه بدت منه حركة استغربها، وذلك أنه سأل كثيراً من العملة عن مذهبهم، وبالطبع فيهم من أهل الأديان السماوية الثلاثة ومن غير الشاميين أيضاً. فاستغربت مع صاحبي هذا السؤال منه ولم أهتد لتعليله. ولم يلبث المستشار أن زارني من الغد وذكر لي في جملة حديثه سروره بالمدبغة الجديدة، وقال: إنكم معاشر الدمشقيين قد حللتم مسألة من أعضل المسائل في بلدكم لم نتمكن نحن في بيروت من حلها. وذلك أننا أردنا

стр. 1066

مرة أن نقوم بمشروع صناعي فيها فجاءنا أهل كل مذهب يريدون أن يستأثروا بأكثر المنافع لأبناء طائفتهم. ونحن كنا بالطبع نريد أن ينتفع به من يعمل ويعرف. وهكذا ضاع الوقت في المجادلة على غير طائل ولم نتقدم شبراً واحداً في الموضوع الأصلي، وسقط المشروع وهو جنين لأن الناس هناك يريدون أن يقوم بذلك الروح. ولقد سررت أن رأيت في معملكم المسلم والمسيحي والإسرائيلي على اختلاف مذاهبهم. وكل فرد يعيش مع أخيه متسانداً متعاطفاً قلت له: ولذلك ستغرَب بعض عملة المدبغة سؤالكم ول أمس عن دين من رأيتموه فيه. فقال: ليس في العالم عمل اقتصادي قام على أساس الدين، ولبنان الكبير غريب في حالته هذه فقلت له: هذه قاعدة قديمة سارت عليها دمشق منذ الفتح الإسلامي فكل من يحسن عملاً يوسد إليه مهما كانت نحلته. فسرّ لقولي وسررت لتوفيقنا. بقيت هناك مسألة لا بد من الإشارة إليها وأعني بها تأثير الصناعات في الأخلاق. فقد ثبت أن الأقطار التي تكثر فيها الأعمال الصناعية والزراعية أحسن أخلاقاً من غيرها، ويقل فيها المتشردون والثرثارون، لأن من طبع العاملين الأخذ بالنافع وترك الفضول على الجملة. ولذلك يضعف الشغب في أرباب الصنائع، وتقل الموبقات المهلكات، لأنها لا تبقي للعامل إلا الوقت الكافي لراحته ونومه، وهو على ثقة من أنه إذا لم يحصر ذهنه في عمله يخرجه صاحب المعمل أو الحقل من خدمته. فالحكومة التي تحب أن يقل الشغب بين من وسد إليها أمرهم يجب عليها أن تفكر ليلها ونهارها في إيجاد أعمال رابحة لهم، وبذلك يقل المتشائمون والمشاغبون والمرجفون والناقمون. وليس أحسن ولا أنجح من هذه السياسة. لا جرم أن اشتراك أهل البلد الواحد بل القطر الواحد والمملكة الواحدة في عمل اقتصادي مما يرفع مستوى القومية أيضاً ويلقن الناس معاني التكافل الوطني. فقد رأينا في الدهر السالف سكان الجنوب وسكان الشمال من فرنسا يقتتلون ويتحاربون ولم تنقطع شأفة الفتن من بينهم إلا عندما اشترك الجنوبي مع الشمالي في الأعمال الاقتصادية، فأصبحت مصلحتهما واحدة وارتفع النزاع من بينهما وأحسا أنهما أبناء أمة واحدة. لذلك نرى إلى اليوم من بقايا تلك الأخلاق

стр. 1067

أن ابن الشمال يهزأ بابن الجنوب على حين كلهم سواء في مناحيهم ومنازعهم، بل أن أهل شمالي فرنسا لا يعنون بغير صناعاتهم وتجاراتهم على الأكثر ويقلّ فيهم السياسيون والشعراء الأدباء وهم كثار جداً في أهل الجنوب كثرة فاضت عن الحاجة. فيا حبذا اليوم الذي يشترك فيه قاصينا ودانينا، فقيرنا وغنينا، في إقامة الشركات على أنواعها، إحياء لصناعاتنا واستبقاء للبقية التي صبرت على الأيام من ثروتنا. فالزراعة عشر الثروة العامة في العادة، والباقي من أسباب السعادة والنماء ثمرة الأعمال الصناعية. وما السكك الحديدية والبواخر والسيارات والقصور والمصانع الفخمة وكل ما في المدينة من ضروب الراحة والرفاهية مما يلذ وينفع، إلا نتيجة عمل العملة في المعامل، وكل ما نشاهده وندهش به من أنواع الصناعات في أميركا وأوربا وفي اليابان والصين والهند هو ثمرة التعاون والعلم العملي. ولذلك ساغ لنا أن نقول: إن كل ما يدفعنا ولو خطوة واحدة إلى الأمام لنقترب بسفينتنا الفقيرة من ساحل السلامة يستحق ثناء الأمة جمعاء ولا رجاء لنا في الحصول على الحاجيات ثم التطلع إلى الكماليات، إلا بتأليف شركات صغيرة بادئ بدء تقوم برؤوس أموال وطنية، وتستعمل من الأدوات الجديدة ما لا غنية عنه، تنمو بنمونا في مظاهر الحياة والانبعاث. فنحن لا نقل عن الغربي ذكاء ونشاطاً وإنما ينقصنا التنظيم والتدريب. وفي أرجائنا أكثر المواد الأولية اللازمة في الصناعات لا تحتاج إلا إلى معرفة قليلة للانتفاع بها والله الموفق والملهم.

стр. 1068

التجارة الشامية موقع الشام من التجارة وتجارة القدماء: كان من وقوع الشام في طرف آسيا وإفريقية، وقربها من الساحل المقابل لبحرها من أوربا، أعظم مركز تجاري في القديم، ومن أهم ما حمل أبناءها على الرحيل بتجاراتهم، منذ عرف التاريخ امتداد سواحلهم. وكثرة الأخشاب التي تجود ف غاباتهم، تساعدهم على صنع السفن المتينة الكثيرة، ثم ن مرونة أخلاقهم تدعوهم إلى الاختلاط بغيرهم، وتقليده وتعلم لغته ومماثلته في عاداته وبهذا كانت شهرة الفينيقيين الذين استولوا على جزء مهم من تجارة شمالي إفريقية وجنوبي أوربا، وبلغوا جزائر وبريطانيا، وأقاموا لهم مكاتب تجارية في كثير من سواحل هذا البحر المتوسط وبحر الظلمات، وما زال الفينيقيون أعظم أُمة تجارية بحرية في الدهر السالف، ينقلون إلى الغرب حاصلات الشرق وإلى الشرق بعض ما كان يعمل في الغرب، إلى أن قامت دولتا الرومان واليونان. عاش الفينيقيون بالتجارة لازدحام أقدامهم في بقعة ضيقة من الأرض. ولم يكن لسائر شعوب الشرق من مصريين وكلدانيين وآشوريين، ولا قبائل الغرب البربرية الأسبان والغاليون والطليان، عهد بركوب البحار وشق العباب. والفينيقيون وحدهم جرءوا في تلك الأيام على تجشم البحر ومعاركة العباب. فصح أن يُدعوا من أجل هذا عملاء تجارة العالم القديم وقادة البيع والشراء، يبتاعون من كل شعب سلعه ويقايضونه على غلات البلاد الأخرى. تجارة كانت مستحكمة الصلات مع الشرق براً والغرب بحراً. واعتاد الفينيقيون أن يرسلوا في البر قوافل تتجه وجهات ثلاثاً. إحداها

стр. 1069

إلى أرض العرب لتأتي منها بالذهب والعقيق اليماني والبخور والصبر والعطور العربية واللؤلؤ والأبازير والعاج والآبنوس وريش النعام وقرود الهند. والثانية ترحل إلى بلاد أشور لتعود منها بأنسجة القطن والكتان والحمر والأحجار الكريمة والماء العطر وحرير الصين. وتقصد القافلة الثالثة إلى أنحاء البحر الأسود لتستجلب منها الخيل والرقيق والأواني النحاسية من مصنوعات سكان جبال القوقاز. وكانوا يبتاعون محاصيل صناعات الشعوب المتمدنة، ويبحثون في الأصقاع المتوحشة عما يقل الظفر به في المشرق من المحاصيل. يصطادون الصدف من شاطئ اليونان، ومنه يستخرجون صباغاً أحمر وهو الأرجوان. وكانت الأنسجة تستعمل عند الأقدمين كافةً ملابس للملوك والأمراء، ويجلبون الفضة التي يستخرجها أهل إسبانيا وسردانية من مناجمهم. وكان القصدير من ضرورياتهم يستعملونه في صنع النحاس الأصفر، وهو مركب من نحاس وقصدير ولا أثر له في أرض الشرق، يرحل الفينيقيون في طلبه، وينشدونه حتى في شواطئ إنكلترا في جزائر القصدير وحيثما حلوا يتخذون الرقيق يبتاعونه تارة كما كان يبتاع النَّخاس العبيد في ساحل إفريقية. وينزلون طوراً في إحدى السواحل فجأةً فيختطفون النساء والأطفال وينقلبون بهم إلى أهلهم ويبيعونهم في القاصية. وإذا واتتهم الحال ينقلبون قرصاناً، ولا يتحامون طالة أيدي التعدي على غيرهم. وقد أنشأ الفينيقيون مكاتب تجارية في الأرجاء التي اتجروا فيها، وهي مراكز للبرد حصينة، واقعة على مرفأ طبيعي يخرجون إليها بضائعهم من البحر وهي في العادة أنسجة وفخار وحلي وأصنام، فيأتي أهل تلك الأقطار بغلاتهم يقايضونهم عليها كما يقايض اليوم تجار الأوربيين زنوج إفريقية. وتقام أمثال هذه الأسواق في قبرس ومصر وجميع بلدان البحر الرومي مثل إقريطش ويونان وصقلية وإفريقية ومالطة وسردلنية ومالقة وقادس وربما أقاموها في موناكو من بلاد الغول قاله المؤرخ سنيوبوس. وكانت الشام في الزمن القديم كثيرة السكان زاهرة على ما يظهر، وهي مدينة بوفرة سكانها واستبحار عمرانها، لمركزها الطبيعي وتجارتها العجيبة ورباعها الخصيبة. وكان في وسع مصر أن تنازع الشام مكانتها التجارية، بيد

стр. 1070

أن الحسد المتأصل في الطبقات الدينية والسياسية كان يمزقها ويحول بين المصريين القدماء وبين كل صلة بالشام. فكانت الشام إذاً المستودع الوحيد للعالم المعروف تأتي حاصلات آسيا وإفريقية مع القوافل إلى موانئ الشام حيث تحمل على سفن فينيقية، وأتت أزمان على الشام كانت تخرب بأيدي الفاتحين، وتخرب أيضاً بالحروب المتواصلة بين الممالك الصغرى التي كانت تنازع هذا القطر. فأضاع بها مكانته، خصوصاً منذ تخلصت مصر من نفوذ كهنتها، وغدت منافسة لها بأن جعلت من مركزها الواقع على بحرين مستودعاً سهل التجارة بين أنحاء العالم. وكان السبب في كثير من الحروب التي نشبت بين الشاميين والآشوريين والبابليين والمصريين ثم مع ممالك الروم في الغرب، مسائل التجارة على الأغلب وإرادة الشاميين أن يفتحوا صدر أرضهم لتنفذ إليها تجارات جيرانهم أو غيرهم من الشعوب. ومن أهم المدن التي استأثرت بالتجارة في القديم البتراء ثم تدمر ثم حلب ودمشق. وكانت مدن فينيقية لولعها بالتجارة تترك الزراعة حتى بلغت الحال بأهل صور أن أغفلوا تعهد الأرض وكانوا يشترون مؤونتهم من الجليل والسامرة واليهودية، ولما حاصر الإسكندر صور اضطر أن يستجلب أزودة جيشه من هذه الحال. وذكر ديودروس أن ثروة الأنباط أصحاب البتراء كانت من الاتجار بالطيوب والمر وغيرهما من العطريات، يحملونها من اليمن وغيرها إلى مصر وشواطئ البحر المتوسط، ولم تكن تجارة تمر في أيامهم بين الشرق والغرب إلا على أيديهم، وكانوا يحملون إلى مصر خاصة القار لأجل التحنيط. ولما استولى الرومان على القطر انتقلت التجارة إلى تدمر وفارس. ووفق الفرس إلى تحويل التجارة عن مصارفها القديمة إلى أصقاع الفرات والخليج الفارسي. وأخذ الرومان يعنون بإنشاء الطرق المعبدة في الشام، والوصل بين الشام وأقطار الأخرى كالجزيرة والعراق والحجاز ومصر وآسيا الصغرى، ولا تزال إلى اليوم بعض هذه الطرق ماثلة للعيان في صرخد والشراة والكرك وأيلة وجرش، وهذه كانت طرق البتراء إلى داخل الشام، وكانت أنطاكية ترسل إلى رومية الأصواف والأنسجة والحنطة، والشرق يبعث إليها بأدوات الزينة والرفاهية

стр. 1071

كالعطور والأبازير الفلفل وجوز الطيب والزنجبيل والنيلة والعاج والأحجار الكريمة وثياب الصوف والحرير والعبيد السود والحيوانات النادرة ولا سيما القرود فكانت تجلب إلى الإسكندرية من طريق البحر الأحمر أو في النيل وتأتي إلى إنطاكية من طريق الخليج الفارسي وبادية الشام مع القوافل. يقول بيرين المؤرخ البلجيكي في كتابه محمد وشارلمان: لقد عظم نفوذ الشاميين من وراء الغاية في رومية جاءوها بكثرة وكان عدة من الباباوات من الشاميين كما كان بعض أباطرة رومية من أصل شامي وإلى الشام تصل قوافل الهند والصين وبلاد العرب وكان الشاميون يومئذ رجال البحر على نحو ما صار الهولنديون في القرن السابع عشر وبواسطتهم تصدر الأبازير وأعمال الصناعة من المدن الكبرى في الشرق كإنطاكية ودمشق والإسكندرية الخ وكنت تراهم في كل الفرض البحرية كما كنت تجد منهم جاليات في داخل البلاد. وكان لهم على عهد ملوك الرومان منازل في إسكندرية ورومية وإسبانيا وغاليا وبريطانيا العظمى حتى مدينة كارنونتوم على نهر الدانوب. ثبت ذلك بنصوص العاديات التي عثر عليها. وفي القرن السادس كثر المشارقة في جنوبي غاليا وكان منهم من يستوطنها ولا سيما في الجنوب من أرجائها وكان سكان أربونة في سنة ٥٨٩ من القرط والرومان واليهود واليونان والشاميين. وكثر سواد الشاميين في نابل وفي جوار باريز. قال: وكانت الميناء التي نعرفها أكثر من غيرها مرسيلية ويظهر أنها كانت فرصة كبرى منوعة السكان ويبين عن مكانتها تنافس الملوك في الاستيلاء عليها عند تقسيم الإمبراطورية الرومانية وقد كثر فيها اليهود والشاميون والروم والقوط. فالتدمريون ومن قبلهم النبطيون عُنوا بالتجارة جد العناية، لأنها مورد معاشهم وعلة حياتهم، لضعف الزراعة في كُوَرهم، فكانت القوافل على عهد ارتقاء تدمر تحمل إليها من جزائر العرب الذهب والجَزْع واليشب واللبان والصمغ والصبر وعود الند، ومن العراع اللؤلؤ، ومن الهند أنواع المنسوجات والقرنفل والبهار والحرير الصيني والنيل والضجاج والفولاذ والعاج والآبنوس. كل هذا يأتيهم من طريق القوافل في البوادي والقفار فيحملونه إلى رومية عاصمة الرومان. أما الأرفاق التي تأتيهم من البحر فكانت دون ذلك قاله رنزفال.

стр. 1072

وقد اكتشف أمير روسي في سنة ١٨٨٢ كتابة رسمية كتبت بالتدمرية واليونانية يرتقي عهدها إلى سنة ١٣٧ للمسيح فهمت منها أحوال التجارة القديمة ومضمونها تعريف جمركي مطول أصدره مجلس شيوخ تدمر حسماً لفتن وقعت بين التجار وعمال الخزانة، وفيها بيان ما يضرب من المكوس على البضائع والمعاملات التجارية إجمالاً وإفراداً وهي باهظة فكان كل حمل جمل أو حمار يرد أو يصدر تُضرب عليه أولاً ثلاثة دنانير رومانية وكان الدينار الروماني يساوي نحواً من ٧٢ سنتيماً ثم فريضة أُخرى تختلف باختلاف جنس البضائع. والبضائع التي ورد ذكرها في هذه الجريدة كثيرة فمنها الرقيق والجِزَر والأرجوانية والزيوت العطرية المجعولة في قماقم من الرخام الأبيض أو في ظروف من جلد المعز، ثم زيت الزيتون والشحم والملوحات المتنوعة والجلود والثياب والأنسجة والغلال المختلفة والأفاويه والأثمار اليابسة كحب الصنوبر والجوز واللوز والعقاقير والملح إلى غير ذلك. وينقسم كل حمل إلى ثلاثة أقسام حمل الحمار وحمل الجمل وحمل العجلة، وكان ثقل الأول نحو مائة كيلو والثاني أثقل منه بثلاثة أضعاف والثالث يبلغ نحو ألف كيلو. قال دي فوكيه: وكانت القوافل التي تحمل إلى تدمر خيرات المشرق تستخدم من الدواب الإبل والحمير وإذا وصل التجار إلى حاضرة زينب تدمر أنزلوا عن ظهر الدواب الجوالق والأثقال المختلفة وحملوها على العجلات ليوصلوها إلى جميع أنحاء المملكة على السكك والشوارع الرومانية، فإذا بحثت عن أسباب تقدم تدمر وبلوغها ذروة العمران وجدت لذلك سببين: الأول مرور البضائع بها وإقامتها فيها مدة ودفع المكوس إلى خزانة المدينة، والثاني شهرة أهالي تدمر دون سواهم بقيادة القوافل في المفاوز والصحاري، فلذلك صارت هذه الحاضرة في القرن الثاني للمسيح أشبه بمرفأ عظيم على بحر البراري ترسو عند ساحلها تجارة الأمم فتغني خزائنها كما جرى في القرون الوسطى لمدينة البندقية سلطانة بحر الروم. وقد اكتشف علماء العاديات عمودين نصبا للدلالة على مسافة الطريق ميلاً ميلا عليها اسم زينب واسم ابنها وهبلات. وأول هذين العمودين قريب الجبيل والجسر الواقع على وادي العذار والثاني برج الريحان شمالي الجبيل. وكانت الشام أهم محال الحرير ولا سيما صور وبيروت، والشام من

стр. 1073

أهم ولايات الإمبراطورية الرومانية. وذكر بروكوب عند كلامه عن إنطاكية أنها أول مدينة رومانية مهمة في الشرق لغناها واتساعها ووفرة نفوسها وجمالها وعادياتها. وتعجب أنطونين الشهيد من الترف الذي كان على أتمه في إنطاكية ومن عظمة أفامية وبيروت وغزة. وقد اضمحل ذلك على عهد يوستنيانوس لأنه أراد أن يضع سعراً وسطاً للحرير فهلك تجاره وصانعوه وخربت معامله. ويرد تاريخ زراعة الحرير إلى القرن الأول للحكم اليوناني على الشام ولا سيما في ضواحي بيروت. قال هيد بعد أن ذكر ذلك: وقد حدا حب الربح تجاراً مسيحيين على أن يبيعوا أبناء دينهم بيع الرقيق لغرب إسبانيا وإفريقية والشام، فاتخذ شارلمان والبابا زكريا وأدريانوس الأول الأسباب لمنع ذلك. وقد وجدت في غاليا وغيرها من المدن التجارية في الغرب كتابات فيها أسماء الشاميين الذين كانوا يسكنونها للتجارة منذ الزمن الأطول، ومنها ما وجد في جناي على مقربة من مدينة تريفو ذكر فيها شامي اسمه تَيْم من قرية عتيل من أهل مدينة قنوات في جبل حوران كان يتجر مع غاليا بما يحمله إليه مواطنوه إلى أرل على سفنهم ومنها إلى ليون فما فوقها من مدن فرنسا. ولم يكن تجار الغرب يهتمون بالسفر إلى الساحل الشامي لأخذ البضائع اللازمة لهم، بل يحمل الشاميون أنفسهم بنشاطهم المعهود تلك البضائع، مع أن حاصلات آسيا كانت مما يلفت نظر الغربيين. واشتهر خمر غزة في فرنسا على عهد الملك كونتران في القرن السادس للميلاد، وحرير الشرق وأحجاره الكريمة تتألف منها زينة العظماء والسادات. قال هيد: إن الشاميين كانوا يرحلون إلى فرنسا على عهد حكومة الميروفنجيين ونزلوا في جنوبي فرنسا مثل ناربون وبوردو بل في أواسطها مثل أورليان وتور وكانت تحمل إلى فرنسا أكياس الأدم من فلسطين. والظاهر أن الشام كان يفوق غيره بأعماله الصناعية والتجارية، وصلات الشاميين محكوة مع الشرق والغرب، وكانت بلادهم على عهد الروم محط رحال قوافل الخليج العربي والخليج الفارسي وأواسط آسيا وهي أهم ولاية تجارية للروم. وفي الحق أن صلاتنا بالغرب زادت لما توطدت أقدام النصرانية، في أوربا، وأصبح زوار بيت المقدس يأتون إلى فلسطين أفواجاً أفواجا ويحملون معهم شيئاً من تجارتهم ويأخذون ما عندنا مما يروج في أسواقهم.

стр. 1074

تجارة العرب: العرب أهل تجارة لضعف زراعتهم، وكانوا يوغلون في الشرق والغرب لغرض الربح، وقد كان لهم أسواق يقيمونها في شهور السنة وينتقلون من بعضها إلى بعض ويحضرها عامة قبائل العرب ممن قرب منهم أو بعد، فكانوا ينزلون دومة الجندل على سيف بادية الشام أول يوم من ربيع الأول فيقيمون أسواقها بالبيع والشراء والأخذ والعطاء، وكان يعشرهم فيها أُكيدر دومة - وهو ملكها - وربما غلب على السوق كلها فيعشرهم بعض رؤساء كلب، فيقوم سوقهم هناك إلى آخر الشهر ثم ينقلون إلى سوق هجر قاله القلقشندي. وما زال يقام في الشام إلى اليوم في أماكن مختلفة أسواق لبيع المصنوعات والحاصلات أشبه بمعارض هذه الأيام في الغرب. وكانت تقام في دمشق في كانون الأول سوق تعرف بسوق قضيب البان، رواه البيروني، وروى القالي أن قريشاً كانت تجاراً، وكانت تجارتهم لا تعدو مكة، أي تقدم عليهم الأعاجم بالسلع فيشترونها منهم، ثم يتبايعونها بينهم ويبيعونها على من حولهم من العرب، فكانوا كذلك حتى ركب هاشم بن عبد مناف إلى الشام فنزل بقيصر وتمكن عنده وقال له: إن قومي تجار العرب فإن رأيت أن تكتب لي كتاباً تؤمّن تجارتهم، فيقدَموا عليك بما يُستطرف من أدم الحجاز وثيابه، فتباع عندكم فهو أرخص عليكم، فكتب له كتاب أمان لمن يقدم منهم، فأقبل هاشم بذلك الكتاب. فجعل كلما مرّ بحّيٍ من العرب بطريق الشام أخذ من أشرافهم إيلافاً. والإيلاف أن يأمنوا عندهم في أرضهم من غير حِلف، إنما هو أمان الطريق، وعلى أن قريشاً تحمل إليهم بضائع فيكفونهم حُملانها ويؤدون إليهم رؤوس أموالهم وربحهم، فأصلح هاشم ذلك الإيلاف بينهم وبين أهل الشام، حتى قدم مكة فأتاهم بأعظم شيء أُتوا به بركةً، فخرجوا بتجارة عظيمة، وخرج هاشم معهم يجوّزهم، يوفيهم إيلافهم الذي أخذه لهم من العرب حتى أوردهم الشام وأحلهم قراها، فاتسعت قريش في التجارة في الجاهلية. وهاشم هذا هو جد الرسول مات بغزة فنسبت إليه فقيل لها غزة هاشم لأن الروم كانوا يقيمون لهم سوقاً في غزة في موسم معلوم وكانت قريش في الجاهلية تحضره وتمتار منه.

стр. 1075

وكانت لهاشمبن عبد مناف رحلتان رحلة في الشتاء نحو العباهلة من ملوك اليمن ونحو اليكسوم من ملوك الحبشة، ورحلة في الصيف نحو الشام وبلاد الروم. قال الثعالبي: وكان يأخذ الإيلاف من رؤساء القبائل وسادات العشائر لخصلتين، إحداهما أن ذؤبان العرب، وصعاليك الأعراب، وأصحاب الغارات، وطلاب الطوائل، كانوا لا يؤمنون على أهل الحرم ولا غيرهم، والخصلة الأخرى أن أُناساً من العرب كانوا لا يرون للحرم حرمة، ولا للشهر الحرام قدراً، كبني طيء وخثعم وقضاعة. وسائر العرب يحجون البيت ويدينون بالحرمة له. ومعنى الإيلاف إنما هو شيء كان يجعله هاشم لرؤساء القبائل من الربح، ويحمل لهم متاعاً مع متاعه، ويسوق إليهم إبلاً مع إبله، ليكفيهم مؤونة الأسفار، ويكفي قريشاً مؤونة الأعداء. فكان ذلك صلاحاً للفريقين، إذ كان المقيم رابحاً والمسافر محفوظاً. وفي غزة استغنى عمر بن الخطاب في الجاهلية لأنها كانت متجراً لأهل الحجاز. وخصبت قريش وتاها خير الشام واليمن والحبشة، وحسنت حالها وطاب عيشها، ولما مات هاشم قام بذلك عبد المطلب، فلما مات عبد المطلب قام بذلك عبد شمس، فلما مات عبد شمس قام به نوفل وكان أصغرهم. وذكر اللغويون من جملة التخريجات في اسم قريش التي كانت سادة العرب جاهلية وإسلاماً، أنها سميت بذلك لتجرها وتكسبها وضربها في البلاد تبتغي الرزق، وقيل: لأنهم كانوا أهل تجارة ولم يكونوا أصحاب زرع وضرع من قولهم فلان يتقرش المال أي يجمعه. وكان ساداتهم على حبهم للتجارة إذا تولوا أمراً من أمور الأمة تخلوا عنها. ففي التذكرة الحمدونية أنه كان لعمر بن عبد العزيز سفينة يحمل فيها الطعام من مصر إلى المدينة فيبيعه وهو واليها، فحدثه محمد بن كعب القرظي عن النبي صلى الله عليه وسلم أيما عامل أتجر في رعيته هلكت رعيته فأمر بما في السفينة فتصدق به، وفكها وتصدق بخشبها على المساكين. وكان الأنباط يحملون من الشام إلى الحجاز الزيت والدّرمك دقيق الحوّارى ويعودون إلى هذا القطر بحاصلات الحجاز. وفي السنة الثانية للهجرة أقبل أبو سفيان بن حرب والد يزيد ومعاوية من الشام في قريب من

стр. 1076

سبعين راكباً من قبائل قريش كلهم كانوا تجاراً بالشام. وكانت تجارة أبي سفيان بيع الزبيب والأدم كما كان الصديق وعثمان وطلحة بزازين. وخافت قريش لما اسلموا من انقطاع السفر إلى الشام للتجارات لمخالفتهم أهل الشام بالإسلام فقال ﵊: إذا هلك قيصر فلا قيصر، وإذا هلك كسرى فلا كسرى بعده معناه لا قيصر ولا كسرى بعدهما في الشام والعراق، ولا ضرر عليكم، فقويت نفوس العرب على الاتجار مع هذين القطرين وكانوا من قبل يملكون المزارع في الشام ويقيمون وينعمون. واتجر الرسول في الجاهلية وكذلك بعض أصحابه كأبي بكر وعمر وعثمان، ولما رفرف علم الإسلام على الشام اتسعت الدنيا على الصحابة حتى إن عبد الرحمن بن عوف الزهري أحد الثمانية الذين سبقوا الخلق إلى الإسلام كان تاجراً كثير الأموال بعد أن كان فقيراً، باع مرة أرضاً له بأربعين ألف دينار فتصدق بها كلها وتصدق مرة بسبعمائة جمل بأحمالها قدمت من الشام، وأعان في سبيل الله بخمسمائة فرس عربية، وكان الزبير بن العوام ابن عمة النبي ﷺ وأحد العشرة كثير المتاجر والأموال قيل: كان له ألف مملوك يؤدون إليه الخراج فربما تصدق بذلك في مجلسه، وقدخلف أملاكاً بيعت بنحو أربعين ألف ألف درهم وهذا لم يسمع بمثله قط قاله الذهبي. وكانت مراكب صور وطرابلس تقلع من هاتين الفرضتين بالتجارة إلى سواحل خليج القسطنطينية بحر إيجه وخليج البنادقة الأدرياتيك وبحر بنطس الأسود وجزائر قبرس ورودس واقريطش، وكل ما قام به خلفاء المسلمين ووزراؤهم لتسهيل الحج على المسلمين من إنشاء الطرق وإنباط المياه على طول الطريق إلى أم القرى، وإقامة معالم الأمن والراحة فيها للحجاج قد أفاد التجارة. وكانوا قسموا أرض الشام إلى مراحل وبرد وفراسخ وعُنوا بالأمن من وراء الغاية حتى يتجر الناس. وكانت طريق القوافل إلى مصر على الكرك أو على غزة ورفح. قال ريسون: وكانت دمشق مدينة الصناعة الجميلة

стр. 1077

مركز تجارة شبه جزيرة العرب ومصر والشام، وإن العرب رقوا الصناعة البحرية ووضعوا قوانين لحقوق الملاحة واستعاروا بيت الإبرة من الصينيين، وضبطوا التجارة بفن مسك الدفاتر أيَّ ضبط وشرحوا الكفالة وأنشئوا المصارف للفقراء ووضعوا السفاتج المألوفة وردود التمسك وبعثوا روح الحركة في مصارفنا الحديثة وكنت تراهم حيثما سكنوا مهدوا السبيل وأمنوها، وعمروا المرافئ والفرض، وأصلحوا وأنشئوا الفنادق والرباطات ورتبوا سير القوافل الاقتصادية ولم تكن المدن الكبرى غير أوساط تجارية كبرى. وكان الفرات بن حيان أهدى الناس بالطرق وأعرفهم بها وكان يخرج مع عيرات قريش إلى الشام وله يقول حسان: إذا هبطت حوران من رمل عالج ... فقولا لها ليس الطريق هنالك فإنك نلق في تطوافنا وانبعاثنا ... فرات بن حيان يكن وهنَ هالك ويقول بيكولوتي: إن أربع موانٍ: عكا وبيروت وطرابلس واللاذقية، وخمس مدن داخلية الرملة ودمشق وحماة وإنطاكية وحلب استفادت من التجارة مع اللاتين ولا سيما مع البيزيين والجنوبيين والطسقانيين والبنادقة وكلهم إيطاليون وهذه الجمهوريات الأربع، بيزة وجنوة وطسقانة والبندقية التي كانت تقتسم إيطاليا هي أول من اتجر مع الشام من أُمم الغرب وجاراهم بعض تجار من أهل بلجيكا وإنكلترا ثم عدلوا لبعد ديارهم. وكان لهؤلاء الطليان ولتجار أمالفي ومارسيليا مكاتب تجارة في الإسكندرية وفي المدن الساحلية والداخلية في الشام، يقايضون بواسطتها حاصلات الشرق مع حاصلات الغرب، ولما فتح الجنويون ثم البنادقة جزيرة قبرس زادت صلات الشام مع هذه الجزيرة التي هي على ٩٣ كيلومتراً من ساحل الشام في طرف جون الإسكندرونة وتعد من الشام. وجعل ملوك فرنسا لهم تاجراً إسرائيلياً يذهب كل سنة إلى الشرق يبتاع منه حاصلات آسيا. وكثيراً ما كان اليهود سفراء في المفاوضات مع أمراء آسيا. وذكر ابن خرداذبة أن التجار اليهود الراذائية، وكانوا يتكلمون بالعربية والفارسية والرومية والإفرنجية الفرنسية والأندلسية الإسبانية أو البرتقالية والصقلبية السلافية يسافرون من المشرق إلى المغرب ومن المغرب إلى

стр. 1078

المشرق براً وبحراً، ويجلبون من الغرب الخدم والجواري والغلمان والديباج وجلود الخز والفراء والسمور والسيوف يركبون من فرنجة فرنسا في البحر الغربي فيخرجون بالفَرَما على ساحل مصر إلى القُلزم البحر الأحمر وإن شاؤوا حملوا تجاراتهم من فرنجة في البحر الغربي فيخرجون بإنطاكية ويسيرون على الأرض ثلاث مراحل إلى الجابية في حوران، وأما تجار الروس وهم من جنس الصقالبة فإنهم يحملون جلود الخز وجلود الثعالب السود، والسيوف من أقصى صقلبة بلاد الروس إلى البحر الرومي والخارج منهم في البر يخرج من الأندلس أو من فرنجة، فيعبر إلى السوس الأقصى فيصير إلى طنجة ثم إلى إفريقية تونس ثم إلى مصر ثم إلى الرملة ثم إلى دمشق ثم إلى الكوفة ثم إلى بغداد. وكان يرتفع من فلسطين الزيت والقطين والزبيب والخروب والملاحم والصابون والفوط والجبن والقطن والتفاح والقريش والمرايا وقدور القناديل والإبر والنيل والتمور والحبوب والخرفان والعسل وشقاق المطارح والسُّبَح والكاغد والبز والأرز، ومن قدَس حمص وحماة الثياب المنيرة والبلعسية والحبال، ومن صور السكر والخرز والزجاج المخروط والمعمولات، ومن مآب قلوب اللوز، ومن دمشق المعصور والبلعيس والديباج ودهن البنفسج والصفريّات والكاغد والجوز والقطين والزبيب، ومن حلب القطن والثياب والأشنان والمغرة، ومن بعلبك الملابن. واختصت حلب أيضاً كما قال ابن الشحنة بالصابون الذي يجلب منها إلى ممالك الروم والعراق وديار بكر وهو أفخر صابون، ويباع منه في حلب في اليوم الواحد ما لا يباع في غيرها في الأشهر، ومن خصائصها نفاق ما يجلب إليها من البضائع كالحرير والصوف واليزري والقماش العجمي وأنواع الفراء من السمور والوشق والفُنك والسنجاب والثعلب وسائر الوبر والبضائع الهندية، فإذا حضر إليها مائة حمل حرير فإنه يباع في يوم واحد ويقبض ثمنه اه. وذكر ابن بُطلان من أهل القرن الرابع من عجائب حلب أن في قَيْسارية البز عشرين دكاناً للوكلاء يبيعون فيها كل يوم متاعاً قدره عشرون ألف دينار مستمر ذلك منذ عشرين سنة وإلى الآن اه. وكانت تجارة الشام في هذا القرن والذي يليه

стр. 1079

زاهرة جداً وقد قسم جعفر بن علي الدمشقي التجار إلى ثلاثة أصناف وهم الخزان والركاض والمجهز. التجارة في القرون الوسطى: كانت مراكب باري تسافر إلى مواني الشام قبل الحرب الصليبية وقد عقد أمراء سالرن ونابل وجايت وأمالفي في سنة ٨٧٥م معاهدة مع العرب كما عقد صلاح الدين يوسف وجمهورية بيزا معاهدة مؤرخة في ١٥ صفر سنة ٥٦٩هـ ١١٧٢م منح بها البيزانيين عدة امتيازات خاصة بالتقاضي والمملكة. وحصل الفلورنتيون أهل فلورنسه من قايتباي سلطان مصر والشام على عدة امتيازات وكانت هاتان المعاهدتان من أوائل ما وضع من الامتيازات الأجنبية للأوربيين في الشرق وكان المقصد منها ترويج التجارة الصادرة والواردة. قال أحد كتاب الإنكليز: إن عكا بقيت بخليجها الجون الطبيعي الوحيد على طول ذلك الساحل، وكانت مرسى السفن في العصور الوسطى، ولما كثر اعتماد سكان الشام في طعامهم على الأرز عظم شأن عكا، لأنها كانت الميناء الوحيد لتوريده. وكان الناس يقولون إذا أراد باشا عكا تضرب المجاعة أطنابها في الشام. ولذلك صار امتلاك عكا ضرورياً لكل فاتح يريد امتلاك القطر، فحوصرت أكثر من سائر مدن الشام وكان اتصال أوربا بها أكثر من اتصالها بسواها. كانت التجارة من أعظم العوامل في الحروب الصليبية، وأكثر أمم أوربا انتفاعاً منها الإيطاليون أهل جنوة وطسقانة والبندقية وبيزا، وهؤلاء كانت لهم قصور في الشام تدل على غنىً، وسفن الطليان هي أهم الأساطيل التجارية في القرون الوسطى. واعتاد الأوربيون بعد الحروب الصليبية حاصلات الشرق، فلم يعد لهم طاقة على الاستغناء عنها، وملك أزمة التجارة في البحر مع الطليان الكاتالانيون والبروفانسيون والقبرسيون والرودسيون، وأصبحت جزيرة رودس بمثابة مالطة وجبل طارق اليوم، وكانت قبرس تهدد شواطئ الشام ومنافذ النيل.

стр. 1080

قال صالح بن يحيى: إن مراكب الإفرنج أخذت تتردد إلى بيروت بعد الحروب الصليبية بالمتاجر قليلاً قليلا. وكانت مراكب البنادقة تحضر إلى قبرس فيرسل صاحب قبرس بضائعهم في شونتين كانتا له إلى بيروت نقلةً بعد أُخرى، وكان للقبارسة جماعة من التجار يسكنون فيها أي في بيروت، ولهم خانات وحمامات وكنائس ثم بطل ذلك. وتكاثر حضور مراكب طوائف الإفرنج وكانت ضرائب الواردات والصادرات تؤخذ في بيروت، وهي تبلغ جملة مستكثرة، وكان على باب الميناء دواوين وعامل وناظر ومشارف وشادّ يوليهم نائب دمشق والمتوفر من المرتبات يحمل إلى دمشق. وذكر لامنس أنه في نحو سنة ١١٣٦م جاءت مراكب فرنسية عليها تجار إفرنسيون من مرسيليا ثم أخذت بعض مرافئ جنوبي فرنسا كمونبلية وارل تبعث سفنها، وبذلت جنوة جهدها لتبقى لها الأفضلية في التجارة مع الشام، وكانت عكا المرفأ الأعظم بين المواني وقاعدة التجارة ومركز القناصل العاملين، ثم مرافئ صور وطرابلس والسويدية التي كانت تسمى ميناء مارسمعان ثم بيروت. ومنذ القرن الخامس عشر تقدمت بيروت سائر مواني الشام، وكان تجار الإفرنج يستبضعون من ديارنا الحرير والقطن بكميات وافرة والكتان والخام والأنسجة الكتانية والحريرية، وكانت صور لا تزال تتجر بالأرجوان واشتهرت بآنيتها الصينية وزجاجها الفاخر، ويُقبل الأوربيون على حرير إنطاكية وزجاجها، ويبتاعون السكر بالكميات الكبرى من صزر وطرابلس وغيرهما من مدن الساحل، إلى غير ذلك من ضروب الثمار والعقاقير والحشائش الطيبة والأفاويه العطرية، وكان البنادقة يجلبون من حلب مقادير عظيمة من القطن والشب والبهار، وخيرات الهند والعجم تتدفق إليها. ومبدأُ اشتداد صلات الشام مع الغرب منذ الحروب الصليبية. وقد أخذ تجار الإفرنج أنفسهم بفضل صلاح الدين ثم أخلافه من بعده يغدون ويروحون في هذا القطر، والحرب ناشبة بين الفريقين لا يمس أحدهم بأذىً، ولا يعتدي على حقوقه، حتى اضطر الصليبيون أن يعاملوا تجار العرب على هذه الصورة في الأرض التي بقيت في أيديهم إلى آخر مدة الحرب مثل صور وعكا وإنطاكية لا ينال التجار منهم كبير

стр. 1081

أذى، وللنصارى على المسلمين ضريبة يؤدونها في أرضهم، وتجار النصارى أيضاً يؤدون في أرض المسلمين على سلعهم. وقد تعقد المعاهدات مع الملوك الإفرنج وتذكر فيها أنواع المتاجر التي يحملونها إلى مواني هذا القطر ومنها الخشب والحديد. ولم تكن جمهوريات إيطاليا في حرب الصليبيين دولاً بحرية من الطراز الأول بل كانت منظمة بأحسن النظم الجمهورية، ومع هذا فكثيراً ما كانت تشب الحرب بينها حتى تستأثر إحداها بالتجارة في الشام، فكان الجنويون أعداء البنادقة، وكذلك كان الكتلانيون، واضطر البروفانسيون أن يدخلوا تجارتهم إلى هذه الديار بواسطتهم، وهم يريدون أن يستأثروا بنقل زوار بيت المقدس وأن تمر تجار ما وراء جبال الألب من مثل جوخ الفلاندر في مواني إيطاليا، وتنقل عن سفنهم وتستوفى عنها رسوماً خاصة. ولما احتل الجنويون الماغوسة في قبرس بدأ اللاتين بزيارة دمشق وبقية الشام، وكانت حال التجارة في الدور الثالث من أدوار القرون الوسطى في دمشق على أحسن ما يكون، فكان التجار الأوربيون إذا انتهوا إليها رأوا فيها عدة زملاء لهم من ممالك مختلفة مثل البندقية وجنوة وفلورنسة وبرشلونة وغيرها، فيبيعون ويبتاعون، وكان اجتماعهم في خان برقوق وقد أقام بعض البنادقة في حماة ومنها كانوا يبتاعون القطن. وكان للأوربيين قناصل في الشام منذ الزمن الأطول وأول قنصل كان للبنادقة في مدينة دمشق سنة ١٣٨٤م واسمه فرنسسكو داندللو وكانت دمشق مستقر القناصل، إلا أن لامنس يقول: إن أول ما ورد اسم القنصل في جملة النزالة الجنوية التي كانت في عكا أواسط القرن الثاني عشر ودعوه أولاً بنائب القمص - ثم انتشرت هذه الرتبة في أماكن شتى في النصف الثاني من ذلك القرن وعرف أصحابها بالقناصل وأُطلق أولاً على الإيطاليين، وبعد زمن طويل صار للفرنسيس قنصل. التجارة في القرون الحديثة: كانت حلب في هذا الدور من أول المدن التي اتجرت مع الطليان،

стр. 1082

وقد أقام لهم البنادقة فيها منذ عهد المماليك قناصل من الدرجة الأولى وكان البنادقة يتاجرون من مليونين إلى ثلاثة ملايين دوكا مع حلب كل سنة، وقد احتفظت الشهباء بمركزها التجاري المهم فكانت نقطة الاتصال بين الخليج الفارسي والبحر المتوسط. ثم انتشر فيها الفرنسيون ولكنهم اضطروا أن يغادروها للاضطرابات السياسية إلى إنطاكية، كما اضطر تجار الإفرنج في دمشق إلى مبارحتها إلى صيدا وبيروت وعكا. وفي سنة ١٥٠٧م عقدت الدولة العثمانية مع فرنسا معاهدة تجارية فكانت سفن فرنسا تأتي إلى مواني الشام ولا سيما طرابلس وصيدا وتأخذ منها حاصلات وتجلب إليها بضائع. وكثُر عديد الإفرنج في حلب أكثر من دمشق، لأنها أقرب منفذ لاتصال الشرق بالغرب، فكان تجارهم يأتونها من ثغر السويدية يتجرون مع أهلها ويقايضون محصولاتهم بمحصولاتها ومحصولات الشرق، ولا سيما الهند وفارس والعراق، وكانت فرنسا والبندقية أول الممالك الأوربية التي اتجرت مع حلب وعقدت معها الصلات التجارية وأقامت المكاتب، ثم جاء الإنكليز في القرن السادس عشر وتلاهم الهولنديون، وقد تناسل بعض الإفرنج في حلب وارتاشوا وتأثلوا وعدوا كأنهم من أهلها، وكان البنادقة يتجرون بالبهار يأخذونه من حلب بمقادير وافرة كما كانوا يجلبون منها الشب والقطن. وكان في حلب وكلاء لتجار الهند وبلاد الكرج والفرس والأرمن وغيرهم، وللبنادقة بين أُمم البحر المتوسط موقع ممتاز، ولئن أفقد حلب فتح الطريق البحري إلى الهند الشرقية بعض مكانتها التجارية، فقد كانت في القرنين السابع عشر والثامن عشر زاهرة بتجارتها. وكان في حلب سنة ١٧٧٥ ثمانون وكالة تجارية لبيوت تجارية أوربية، وأكثر اعتماد الأوربيين على سماسرة من اليهود يتجرون بالصادر والوارد، وكثر تجار افنكليز فيها منذ عهد ملكهم جاك الأول ١٦١٣ - ١٦٢٥. ونما عدد تجار الأوربيين في عكا وصيدا وبيروت ولا سيما في هذا الثغر، فأصبح على ما روى لامنس في القرن الخامس عشر ولا سيما بعد عهد تيمورلنك ملتقى شعوب البحر المتوسط. وكنت تشاهد في بيروت مزيجاً يصعب وصفه

стр. 1083

من العمائم والطرابيش والكوفيات الحرير وأكيسة وبرانس وقفاطين. وفي القرن الثامن عشر اقترح الفرنج أن تعمر ميناء اللاذقية مبينين للحكومة حسن مستقبلها، فلم يقبل المتصرف هذا الاقتراح وقال: ربما أكون غداً في جدة فلماذا أتخلى عن الموجود وأتطلب مستقبلاً مجهولاً. وممن كان لهم اليد الطولى في تنشيط التجارة في هذه الديار فخر الدين المعني الثاني في أوائل القرن الحادي عشر للهجرة. وكثيراً ما كانت مراكب الإفرنج تأتي لمشترى الحنطة إلى موانئ عكا وصور والرملة وطنطورة وربما بلغت السفن الصغيرة البرش اراسية في عكا نحو ١٥٠. ولقد توسع فخر الدين في الامتيازات الأجنبية فسمح للفرنسيين أن يبنوا خاناً عظيماً في صيدا، ولأهل فلورنسة أن يفتحوا قنصلية، فأصبحت صيدا وميناؤها أوائل القرن السابع عشر أهمّ موانئ الشام. وفي عصر فخر الدين كان يحمل من دمشق إلى الديار المصرية عشرة قافات كما قال صاحب محاسن الشام: وهي قصب الذهب. قبع. قرضية. قرطاس. قوس. قبقاب. قراصيا. قمر الدين. قريشة. قنبريس. ونقل الغزي عن معجم التجارة العام المطبوع سنة ١٧٢٣ ١١٣٦ أن حلب لا تضاهيها بلد بتجارتها الذين يقصدونها من أقطار الدنيا، فإن خاناتها التي لا تقل عن أربعين خاناً لا تزال غاصة بالهنود والفرس والترك والفرنج وغيرهم بحيث لا تقوم بكفايتهم. قال: ومن خصائصها التجارية وجود الحمام الذي يأتي تجارها بالأخبار من إسكندرونة بثلاث ساعات بسبب تربيته بحلب وحمله إلى إسكندرونة بأقفاص، فإذا طرأ خعلقت البطاقة في رقبة الطير وسرح، فيصير إلى حلب طالباً لفراخه. وفي كتاب الشام على عهد محمد علي: ما زالت حلب ودمشق المركزين العظيمين للتجارة في الشام، وما برحت حيفا وبيروت وطرابلس وإنطاكية وإسكندرونة هي الموانئ التي يكثر اختلاف السفن الأوربية إليها، وهي المحطات الرئيسة لتجارة الشرق، فتأتي قوافل بغداد إلى دمشق وحلب حاملة من العجم التنباك والسجاد، ومن غيرها اللؤلؤ والأحجار الكريمة، ومن الهند الطيب والعقاقير والأفاويه، وفي عودتها تحمل جوخاً وثياباً من

стр. 1084

عمل أوربة، وألبسة حريرية من صنع دمشق وحلب، وبضائع منوعة ومصنوعات خشبية وصدفية ونحاسية، وبسوء السياسة المخالفة لما هو جار في أوربا، إذ كان ينشط التجار الغرباء دون التجار الوطنيين، أصبحت معظم التجارة العربية في الشام تجري تحت اسم أوربي. وقبل أن يفتح إبراهيم باشا الشام كان التجار الوطنيون يدفعون إلى الإفرنج ثلاثة ونصفاً أو أربعة في المائة ليتأتى لهم أن يتجروا بأسمائهم، لأن الإفرنج لا يدفعون على الأكثر زيادة على أربعة في المائة من كل ما يطلب من المكوس والضرائب، على حين كانت العرب خاضعة لأداء ١٨ أو ٢٠ وربما ٢١ في المائة. وقال: إن عمال إبراهيم باشا كانوا يتجرون ويحتكرون أصنافاً من التجارة. ولما قلّ الأمن في البحر على عهد نابليون وبسوء الإدارة العثمانية وبثورات الإنكشارية سنة ١٨١٤ و ١٨٢٦ وبزلزال سنة ١٨٢٢ و٢٧ و٣٢ ووباء سنة ١٨٣٢ وطاعون سنة ١٨٣٧ خربت تجارة حلب ودمشق، وكثرت البضائع الإنكليزية التي كانت تباع بأثمان بخسة تجيء من طريق ليفورنا في إيطاليا. وكانت الحاصلات الخام التي تعود إلى الشام معمولةً، سبب خراب هذا القطر، مثل حرائر ليون التي أخذت تسحق حرائر دمشق وحلب، وبمنافسة حرائر ليون التي تقلد حرائر دمشق احسن تقليد وتباع بأثمان بخسة، قضي على صنائع دمشق بعد أن كانت تعمل أكثر من ٤٠٠ ألف قطعة من الحرير والثياب الحريرية الممزوجة بالقطن. وكانت تجارة الحاصلات التي تبتاع بالسلف والسلم، خراب الفلاح الشامي البائس. وكان كثير من تجار الأوربيين يستحسنون هذا من التجارة، ومنهم من كان يمقتها وقد يربح المتجر بها خمسة وعشرين في المئة، ويعدها صاحب الذمة غبناً، وكان يصل إلى بيروت كل سنة ١٣٤٠ سفينة تحمل ٧٨٤٨ طناً ويخرج ٨٠٥ سفن تحمل ٥٠٠٥ يخرج منها القطن والحرير والتبغ والإسفنج والفوّة والزيت والصابون بمقدار وافر والسمسم والكمون والعفص. وتجارة الواردات تبلغ ٤٤٣٦٦٦٧٠ منها نحو ١٥ مليوناً من مصر وتجارة الصادرات ٢٦٨٧٤٢٧٠ منها نحو ١٣ مليوناً لمصر، فكانت الشام تخسر مسانهة نحو ١٨ مليون قرش تسدها سبائك ذهب أو نقوداً، وهذا على عهد الحكومة

стр. 1085

المصرية. وبعض هذه الصادرات قد بطل إصداره اليوم من الشام. ولقد تضررت حلب ودمشق بفتح البرتقاليين طريق رأس الرجاء الصالح في جنوبي إفريقية سنة ١٤٩٧م، وكان أول من اكتشفه من البيض الفينيقيون نحو القرن السابع قبل المسيح، وتأذت تجارة حلب ودمشق بفتح الفرنسيين ترعة السويس سنة ١٨٦٨، وكان من نكبة الشام بفتح هذه الترعة أن انتقل كثير من تجار دمشق وحلب إلى بيروت والإسكندرونة والقاهرة وطنطا وإزمير وسلانيك والآستانة ومانشستر ومارسيليا وميلانو وغيرها من المدن الأوربية والإفريقية والآسياوية، وقد تحولت تجارة الصين والهند إلى البحر، وبطل عمل القوافل التي كانت تغدو وتروح بين الشرق الأدنى والأقصى، وقل عدد الذين يمرون بدمشق من الروم وغربي آسيا للذهاب إلى الحجاز، وأصبح معظمهم يركب البحر إلى البقاع الطاهرة تخفيفاً من عناء الأسفار في القفار وانحصرت التجارة الداخلية في حدود ضيقة، وأصبحت لا تتعدى حد المستهلكات، وصار لها مواسم قلما تروج في غيرها، ولما انتظم سير السفن البخارية، وكثر اختلافها إلى مواني الشام، وكانت رحلاتها من قبل متقطعة مختلفة المواعيد، تجرأ الناس على الاتجار وتضاعفت الصلات التجارية بين الشام والأصقاع الإفرنجية. يقول بعض الكتاب: إن التجارة البحرية لم تنقطع في البحر الرومي في القرن الأول للإسلام إلا بما كان يبدو من حركة الأسطول اليوناني، ولكن تجارة الشام أصيبت بالتأخر مع أوربا لما أصبح للشام منافس كالبصرة التي كانت لقربها من الهند أكثر منافسة للشام. وظهرت ظاهرة مهمة في الشام منذ نحو ثمانين سنة أثرت فيه تأثيراً كبيراً وذلك أن جماعةً من تجار بيت لحم في فلسطين حملوا مصنوعاتهم الخشبية والصدفية إلى معرض فلادلفيا سنة ١٨٧٦م فربحوا كثيراً ولما عادوا كثر المقتفون لآثارهم من التجار وغيرهم من أهل الشام وبدأ الناس بالهجرة طلباً للربح، وكانت الهجرة مقصورة أولاً على سكان الجبال من لبنان وعامل واللكام ثم تعدت إلى سكان السهول، وكان المستأثر بها سكان القرى فتعدت إلى سكان المدن، وكان التجار على الأغلب مسيحيين فأصبحوا بعدُ من

стр. 1086

جميع أهل الأديان من الشاميين، ولم يلبث نطاق الهجرة أن توسع، وما نراه في اللبنانيين الشرقي والغربي، وما إليهما من الجبال من الدور والقصور عمر أكثره بدراهم أميركا، ويقدّر اليوم المهاجرون إلى أميركا الشمالية والجنوبية واستراليا وغيرها من البلاد التي ترحب بالأيدي العاملة بزهاء سبعمائة ألف مهاجر شامي. وقد ساعد على دوام الهجرة اختلال المجاري الاقتصادية في السلطنة العثمانية، ثم استرسال الحكومات العثمانية ثم المنتدبة في إهمال الحركة الاقتصادية وإلقاء الحبل على الغارب. وقد كان عمال العثمانيين يودون لو هاجر جميع المسيحيين من الشام، لينجوا من دعوى أوربا في حماية الأقلية ولكن بهرتهم ضعفت التجارة، وكيف تنجح التجارة في أُمة والحكام هم التجار، وقد رأينا من ذلك أمثلة خلال الحرب العامة، فكان عمال الأتراك لا فرق بين الكبير والصغير منهم يحتكرون معظم الحاجيات دع الكماليات، فكنت تراهم كلهم تجاراً يؤخرون الأرزاق عن الجند في ساحة الحرب ويقطعون مواد الحياة عن الرعية، حتى يشحنوا بضائعهم ويغنموا فرصة ارتفاع أسعارها، فاغتنى بذلك كثير من عمالهم ثم افتقروا بعد حين. على أن بعض البلدان استفادت كثيراً من الحرب العامة ومعظم المدن التي استفادت حلب ودمشق وبيروت والقدس. قال الغزي: إن التجارة في حلب آخذة بالتقدم منذ ثلاثين سنة ولذا كثر عدد التجار زيادة عظيمة بحيث بلغ ثلاثة أضعاف ما كانوا عليه قبل هذه المدة، وكان معظم هذه الزيادة في أيام الحرب العالمية فإن أرباح التجارة التي كانت في غضونها جرّت العدد الكثير من ذوي الصنائع اليدوية من صنائعهم إلى الاسترزاق بالتجارة فنجحوا وربحوا أرباحاً طائلة، ونشأ من بينهم أصحاب ثروة تستحق الذكر. إلى أن قال: وفي سنة ١٣٤١ بدأ دولاب التجارة يدور ببطءٍ فأخذت الثروة العامة في حلب بالانحطاط لإغلاق الأناضول أبوابه في وجه تجارة البضائع المعدودة من الكماليات وغلاء أُجور النقل في السكة الحديدية وتلاعب الصيارفة والمحتكرين بالأوراق النقدية والنقود الذهبية إلى غير ذلك من الأسباب.

стр. 1087

ومن أهم الفوائد التي نتجت للشاميين من تعلم اللغات الأجنبية كالفرنسية والإنكليزية، أن كان من هؤلاء المتعلمين وأكثرهم من غير المسلمين عمال لتجارة الواردات من الغرب. واستأثر المسلمون بتجارة الصادرات فكان منهم تجار شاميون في الإسكندرية وطنطا والقاهرة والسودان والآستانة وإزمير، وكل بلد في الأرض مهما بعدت الشقة إليه ترى فيه تجاراً شاميين وأنجح تجارهم في مصر والأميركتين وأوستراليا. ولنا تجار في العراق والحجاز وفارس والهند ويابان وجنوبي إفريقية وأواسطها على نحو ما وصفنا شاعر النيل حافظ إبراهيم: ورجال الشام في كرة الأرض ... يبارن في المسير الغماما ركبوا البحر جاوزوا القطب فاتوا ... موقع النيرين خاضوا الظلاما يمتطون الخطوب في طلب العي ... ش ويبرون للنضال سهاما ومن أهم المواسم التي كانت في فصل مخصوص من السنة تدب فيه روح الحركة في التجارة موسم السياح، فكان سياح الغرب يأتون أوائل الربيع لزيارة الأماكن المقدسة والمصانع التاريخية في فلسطين وبعلبك وتدمر ودمشق وغيرها ويقدرون بخمسة آلاف سائح كل سنة عل الأكثر إلى المدن الوسطى والشمالية وبأكثر من ذلك إلى فلسطين فقط، والموسم الآخر موسم حجاج إفريقية وآسيا وأوربا وكانوا يقدرون بخمسين ألف حاج، والفضل في ذلك يرجع لسهولة المواصلات البرية في السكة الحجازية، ولرخص أجور البواخر في البحر. وموسم الحج بطل بالحرب فنزل معدل من يزورون الشام ويتجرون ويبتاعون. أما موسم فلسطين فإن كثيراً من تجارها أصبح رزقهم موقوفاً على ما يربحونه في موسم الزوار في القدس وبيت لحم والخليل والناصرة وغيرها، وبدأ الشرق العربي يربح كثيراً من السياح الذين يختلفون إلى ذاك الصقع لزيارة جرش وعمان والبتراء وقر المشتى وغيرها، كما تربح سورية ولبنان من القاصدين إلى زيارة بعلبك وتدمر وغيرهما، وصار لموسم الاصطياف في لبنان الغربي والشرقي مكانة اقتصادية ذات شأن كبير في تنشيط الصناعة والتجارة. ومتى انتشر الأمن في القطر، وكثرت الخطوط الحديدية في البر، والسفن التجارية في البحر، وحمت الحكومة التجارة بقوانينها

стр. 1088

وأحكامها العادلة، ومعاهداتها مع الأمم المجاورة، انتبه التجار إلى التجدد في متاجرهم. ولا نعد تاجراً من يحرق مخزنه أو ما فيه ليربح ضمانه من الشركة الضامنة، أو يتلكأ في أداء الذمم التي عليه، أو يضارب في الأسواق فيؤذي الفقير. أو يعامل صاحب المعمل في الغرب بقليل من الذمة فيتلاعب في الأسعار والصوافي، فإن هذا مما يؤخر الصادر عنا والوارد علينا، وفي كل ذلك ما يزيد الغبن ويورث الخسارة في العاجلة والآجلة لا محالة. ولقد ثبت في العهد الأخير، وخصوصاً لما أخذ المسلمون يجارون مواطنيهم المسيحيين في تعلم اللغات الغربية، ويتقنون أصول التجارة على أساليب أُمم الحضارة، ويتعرفون إلى أوضاعهم الجديدة في استثمار أموالهم في مصارف خاصة بهم، أن الغربيين يتعذر عليهم أن يتوسعوا بعد في الاتجار في القطر، وفتح بيوت تجارية على المثال الذي كان لهم وحدهم في القرن الماضي، وقطع أرزاق الشاميين في عقر دارهم. ذلك لأن التاجر الوطني أقل من التاجر الغربي في مطالبه، يكتفي بالربح القليل، ويصبر في الأزمات، وهو في بلده يعرف ما يصلح له ويروج فيه، ونفقاته إجمالاً أقل من نفقات الغريب. وإذا تساوى الوطني والدخيل من كل وجه، فالوطني يؤثر معاملة مواطنه لا محالة. وإذا جارى التاجر العربيّ التاجر الغربيّ أو كاد، تجلت في ابن الشام أخلاق التجارة، والنفوذ في قاعدة العرض والطلب، وبدا في هذا الميدان ذاك الشرف المغيب الذي كان كامناً في نفسه، وورثه مع الدم المتسلسل فيه من آبائه الأقدمين، عرباً كانوا أو روماً أو فينيقيين، وبذلك أصبح الرجاء معقوداً بأن يستأثر الشاميون بتجارة ديارهم. فإن تعلموا باختلاطهم بالأمم الحية ما ينقصهم من ضبط ونظام، وساعدهم على ذلك قلة من يأتي من الغرب من أرباب الطبقات الأولى في التجارة، وكان التاجر المتوسط الحال بماله ومعرفته منهم أقل حظاً ممن يماثله من الشاميين في أسواق المتاجرات، وإذ كان من البعيد على النوابغ من كل صنف في الغرب أن يَغْشوا بلادنا كان في ذلك كله النفع العظيم لنا في تجارتنا، ومتى حللنا روح الشامي وما انطوى عليه من مراعاة الشرف والاحتفاظ بالثقة، والبعد عن التدليس

стр. 1089

والمؤالسة، وإرادة النصح في الجملة، كان التاجر كل التاجر، الذاهب في الأرض بجماع المفاخر، باستقامة تاجرنا في معاملته، يدفع عن وطنه كثيراً من الغوائل الاجتماعية، ولا يهنأُ العيش ويطيب، إلا إذا قلّ توافد الغريب من الجنس الذي قال فيه حافظ: يُقتّلنا بلا وقَوَدٍ ... ولا دِيةٍ ولا رَهَب ويمشي نحو رايته ... فتحميه من العطب التجارة والاقتصاديات في العهد الحديث: نشبت الحرب العامة سنة ١٩١٤ ولم تكن الشام على استعداد للدخول في غمارها، ولم تأخذ الأهبة الكافية لمقاومة طوارئها، وما لبثت الدولة العثمانية والبلاد الشامية التابعة لها أن دخلت في صفوف المحاربين إلى جانب الدولة الألمانية وحلفائها، فحصرت مواني الشام، وبدأت أسعار البضائع ترتفع تدريجياً، وذلك في أصناف الملبوسات كأنواع منسوجات القطن والصوف على اختلاف أنواعها، أو في المأكولات كأنواع السكر والقهوة والأرز، أو في سائر الحاجيات والكماليات كالبترول الكاز والكحول السبيرتو وأنواع المواد القرطاسية والزجاجية والأصباغ والمواد الكيمياوية على اختلاف أنواعها، وشعر الناس بالحاجة إلى الاقتصاد والتفكر في استجلاب هذه الأصناف من البلاد المجاورة بقدر الإمكان. وقد اشتدت الأزمة الاقتصادية بفقدان الأيدي العاملة أيضاً من المدن والقرى، بسبب النفير العام والتجنيد في جميع أصقاع الشام، وكان من تخلصوا من التجنيد الإجباري هم الذين لم يتدربوا على التعليم العسكري فدفعوا بدلات نقدية مرات خلال أعوام الحرب. وكانت هذه البدلات تكلف مبالغ طائلة في السنين الأخيرة، وأعلنت الدولة العثمانية بعد دخولها الحرب قانون تأجيل الديون بقواعد مخصوصة أقرتها. ولم يلبث الضيق أن عمّ والنقد أن قلّ وخصوصاً بعد أن وضعت السلطة العسكرية يدها على جميع وسائط النقل في البلاد مثل السكك الحديدية ودواب

стр. 1090

النقل والمركبات والسيارات، فكانت أسعار الحاجيات تختلف اختلافاً بيناً في بلاد الشام القريب بعضها من الآخر، وذلك بالنسبة للتشدد أو التساهل الذي كانت تبديه الإدارة العسكرية في استخدام أسباب نقل البضائع. انقضت السنة الأولى للحرب فأصبحت دمشق مركزاً للجيش الرابع الزاحف على ترعة السويس. وأنشأ يعقد البيوع العظيمة والالتزامات الكبيرة سد لحاجات الجيش المذكور، فبدأت هذه الأزمة الشديدة بالانفراج، وأخذت إدارة الجيش تتساهل باستخدام المجندين في إدارات المتعهدين والملتزمين، ونشطت الحركة التجارية والصناعية في الشام. ولا ينكر أن الجيش الرابع صرف مبالغ طائلة في أسواق التجارة لضمان حاجاته الكثيرة التي لم يتمكن من تأمينها بطرق الإكراه أو بواسطة الضرائب الحربية التي رأى أنها عقيمة لا تفي بالحاجة، وبعدئذ فكر بعض التجار باستجلاب بعض الحاجات الضرورية التي غلت أسعارها وعزّ وجودها من بلاد نجد التي كانت تستورد بضائعها من الهند وفارس على أيسر وجه وطمأنينة، لأن أمير نجد عبد العزيز ابن سعود كان موالياً لإنكلترا لا يجد ضيقاً ولا رهقاً في استجلاب البضائع ومواد الغذاء على اختلاف أنواعها. ولقد كانت هذه الطريقة من أهم الوسائط لسد حاجات البلاد والجيش، ولإيجاد حركة تجارية جيدة كانت تدرّ ذهباً وهاجاً على المتاجرين والمستوردين، كما أن كثيراً من التجار اتخذوا وسائط عديدة لاستجلاب بعض البضائع الألمانية والنمساوية بواسطة رجال الجيش واستخدام وسائطهم لنقل هذه البضائع بالاتفاق معهم، وبتبادل المنفعة بينهم، وبذلك انفرجت الأزمة الاقتصادية التي بدأت في السنتين الأوليين من الحرب، واغتنى كثير من التجار والعاملين والوسطاء من رجال الإدارة والجندية باستخدام هذه الوسائط في النقل ونقل أصناف التجارة، والبلاد محصورة لم يرد إليها شيء قط من طرقها البحرية العديدة. وكثرت النقود الذهبية في التعامل بما أنفق من إدارات الجيش، وما ورد البلاد من طرق البر من البضائع، وما كانت بريطانيا العظمى تنفقه في أنحاء البلاد المجاورة عن سعة من الذهب الوهاج لتأييد الثورة العربية، حتى أصبحت البلاد في أواخر الحرب على أحسن حالات اليسر والرخاء.
следующие страницы →