Полный текст (1 453 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
العرب الرحل في أرجاء البتراء في الجنوب كان من المحظور عليهم أن يزرعوا الحنطة ويغرسوا الأشجار المثمرة ويبنوا البيوت إذا كانوا يعتبرون أن الاحتفاظ بهذه الخيرات يحتاج إلى أن يفادي المرء بحريته. وعرفنا أن الفينيقيين كانوا لا يُعنون بالزراعة عنايتهم بالتجارة، فكانوا يجلبون من الداخل ومن السواحل القريبة منهم ما يلزمهم في غذائهم. حتى إذا جاء العرب وأبدوا ما أبدوا من حب التحضر كان قانونهم من أحيا أرضاً مواتاً فهي له واطرد ذلك منذ الفتح. واغتبط العرب بما وجدوه من الخصب في هذه الربوع بعد قحولة الحجاز وبواديه المحرقة فقال زياد بن حنظلة في فتح عمر مدينة إيليا من قصيدة:
وألقت إليه الشام أفلاذ بطنها ... وعيشاً خصيباً ما تعد مآكله
حتى إذا تربعت أُمية في دست الخلافة وأخذ آلهم ورجالهم يقتنون المزارع، ويبالغون في اتخاذ الغروس والزروع المثمرة المغلة، جعلوا القرى مستغلات لهم ونزازها وعُنوا بعمرانها، وتنافسوا في ذلك. فقد ذكر المنبجي أن هشام بن عبد الملك اتخذ المستغلات الكبيرة في أكثر المدن التي في سلطانه، والخانات والحوانيت والحجر والضياع والمزارع، وهو أول من اتخذ الضياع لنفسه من العرب، واشتق أنهاراً كثيرة غزيرة، وهو الذي استخرج النهر الذي فوق الرقة، وغرس غرساً كثيراً بالجزيرة والشامات، فبلغت غلته أكثر من خراج مملكته.
ولطالما عُني الخلفاء بأن لا تبقى أرض شاغرة لا تستغل، فقد أنزل معاوية قوماً من الفرس في طرابلس، وكان الرشيد لما انتشر ذاك الطاعون الجارف في فلسطين على عهده وكان ربما أتى على جميع أهل البيت فتخرب أرضوهم وتعطل، قد وكل بهذه الأرضين من عمرها فكان يتألف الأكرة والمزارعين إليها فصارت ضياعاً للخلافة.
وما زالت العناية بتعهد الأرض متوفرة حتى اغتنى العرب الذين استغلوا هذه الديار بذكائهم وبعد نظرهم. والعرب كما - قال أحد علماء الإفرنج - عمال زراعة ورجال براعة، برعوا في سقي الجنائن واخترعوا النواعير العجيبة بل ووطنوا النباتات والأشجار الإفريقية والآسيوية في أوربا كالنخل والبرتقال والتوت والقطن وقصب السكر والذرة والأرز والحنطة السوداء والزعفران والهندباء
стр. 982
والخرشوف والسبانخ والباذنجان والطرخون والبصل والياسمين الخ وينسب إليهم اختراع طواحين الهواء ونواعير الماء. وقال ميشو: ما من دار في أوربا إلا وتعرف اليوم البصل الذي جاء اسمه وأصله من عسقلان. ومعلوم أن الأندلس ابنة الشام فتحها الشاميون ونقلوا إليها مدنيتهم. وهذه الصنوف من الزراعة التي انتشرت في الأندلس ثم في سائر أوربا تكاد تكون خاصة بأرض الشام في تلك القرون.
لا جرم أن الحضارة التي أوجدها العرب كان من أول دعائمها الزراعة فاحتاجت الدول والأمة إلى الاستكثار من الغروس واستجادة الزروع من وراء الغاية. قيل لإسحاق بن يحيى الختلي من ولاة دمشق ٢٣٥ لٍمَ سكنت دمشق وفلحت أرضها، وأكثرت فيها من الغروس من أصناف الفاكهة، وأجريت المياه إلى الضياع وغيرها؟ فقال: لا يطيق نزولها إلا الملوك قيل له: وكيف ذلك؟ قال: ما ظنكم ببلدة يأكل فيها الأطفال ما يأكله في غيرها الكبار!. ولطالما دهش العرب بغوطة
دمشق لأنها كانت أول ما يقع عليه نظرهم من عمران الشام فيعجبون للأشجار والزروع المنوعة التي لا يُعرف أكثرها في شبه جزيرة العرب ويدهشون للخصب والمياه الدافقة من كل جهة.
أصناف الزروع والأشجار:
ذكر المهلبي أنه من كور حلب وضياعها ما يجمع جميع الغلات النفيسة فإن بلدة معرة مصرين وجبل السماق بلد التين والزيتون والزبيب والفستق والسماق والحبة الخضراء. وقال ابن شداد: وفي بعض ضياع حلب ما يجمع عشرين صنفاً من الغلات. وقال ياقوت: ويزرع في أراضيها القطن والسمسم والبطيخ والخيار والدخن والكروم والذرة والمشمش والتين والتفاح عذياً لا يسقى إلا بماء المطر، ويجيء مع ذلك رَخصاً غضاً روياً، يفوق ما يسقى بالمياه والسيح وقال: إن أكثر مستغل ضياع الغور السكر ومنها يحمل إلى الآفاق، وفي عسقلان نخل كثير وصنوف من التمور والرمان يحمل إلى كل بلد بحبسه، وإنها معدن الجميز كثيرة المحارس والفواكه. واشتهرت نواز في جبل السماق بتفاحها الكبير المليح. وتل أعرن في حلب بعنبها الأحمر المدور. وقال ابن جبير: في بلاد المعرة وهي سواد كلها بشجر الزيتون والتين والفستق وأنواع الفواكه ويتصل
стр. 983
التفاف بساتينها وانتظام قراها مسيرة يومين. وقال ابن حوقل: وما حول معرة نسرين من القرى أعذاء ليس بجميع نواحيها ماء جار ولا عين، وكذلك أكثر ما بجميع جند قنسرين أعذاء ومياههم من السماء. وقالوا: اشتهرت الفرزل في البقاع بزبيبها الجوزاني، وكان يعنل به الملبن المسمى بجلد الفرس وهو من خصائصها، وأن بعلبك معدن الأعناب والحولة معدن الأقطان والأزهار، واشتهرت بَيسان بالنخيل الكثير كما اشتهرت بيروت وآبل بقصب السكر، يطبخ بها السكر الفائق، وعراق الأمير بسفرجلها، والناعمة بخرنوبها الفائق. وقال المقدسي: إن عسقلان معدن الجميز وأريحا معدن النيل والنخيل كثيرة الموز والأرطاب والريحان. ومعان معدن الحبوب والأنعام، ويُبنى معدن التين الفائق الدمشقي. وأن أشجار جبال فلسطين زيتون وتين وجميز وسائر الفواكه أقل من ذلك. وقال: خير العسل ما رعى السعتر بإيليا وجبل عاملة وأجود المري ما عمل بأريحا، وأن عنب القدس خطير
وليس لمعنقتها نظير.
وذكر ابن حوقل أن أهل زُغر يلقحون كرومهم وكروم فلسطين كما يلقح النخل بالطلع الذكر وكما يلقح أهل المغرب تينهم بأذكارهم. وقالوا: إن لبنان كثير الأشجار والثمار المباحة يتعبد فيه أقوام قد بنوا لأنفسهم بيوتاً من القش يأكلون من تلك المباحات، ويرتفقون بما يحملون منها إلى المدن من القصب الفارسي والمرسين وغير ذلك.
وقال شيخ الربوة: ولجبل لبنان ولا سيما بقضيبه وأذياله نحو من تسعين عقاراً ونباتاً نافعاً مباحاً بلا ثمن وله قيمة جيدة وثمن يكتفي به الجابي الجامع طول سنته له ولأهله، ومن ذلك الكثيراء والريباس والبرباريس والقاوينا وهو عود الصليب والقيسه والبقس والقبقب الذي يعملون منه المرامل والملاعق والآلات المموهة بالذهب والفضة ويحمل إلى سائر البلاد والأقاليم، وليس عملاً ألطف منه ولا أحسن، ومن النباتات أيضاً شجر المحمودة والاشتوان والزراوند والحماما التي لا توجد إلا في إقليم دمشق وهو معلق في شقيف عالٍ ما يقدرون على جنيه إلا أن يدلوا جانبه بحبال من رأس جبل عالٍ، كما يدلى الدلو في البئر، وهي لأجل الترياق الفاروق والراوندان واللوز المر والحلو والأبهل والقراصيا والزيزفون، وأما الفواكه فكثيرة جداً بلبنان اه.
стр. 984
وذكر الثعالبي أن التفاح اللبناني موصوف بحسن اللون وطيب الرائحة ولذاذة الطعم يحمل منه في القرابات إلى الآفاق، وكان يحمل إلى الخلفاء في بغداد منه من خراج أجناد الشام ثلاثون ألف تفاحة. وقال المقدسي في الرملة: إنه ليس أطيب من حواري الرملة ولا ألذ من فواكهها، أطعمة نظيفة وأدمات كثيرة وأنها جمعت التين والنخل وأنبتت الزروع على البعل وحوت الخيرات والفضل. وقال: إن ماء فلسطين من الأمطار والطل وأشجارها أعذاء وزروعها كذلك لا تسقى إلا
نابلس فإن فيها مياهاً جارية. وقال ياقوت: إن ياسوف من قرى نابلس توصف بكثرة الرمان.
وقال أبو الفدا: إن جبال فلسطين وسهلها زيتون وتين وخرنوب وسائر الفواكه أقل من ذلك. وذكر المقدسي أن على نحو نصف مرحلة من كل جانب من حبرون قرى وكروم وأعناب وتفاح يسمى جيل نضرة لا يرى مثله ولا أحسن من فواكهه عامتها تحمل إلى مصر وتنشر. وقال ابن حوقل في زغر: إن بها بسراً يقال له الانقلاء لم ير بالعراق ولا بمكان أغرب ولا أحسن منظراً منه لونه كالزعفران ولم يغادر منه شيئاً ويكون في أربع منه رطل، وبها النيل الكثير المقصر عن صباغ نيل كابل، وفيه لهم تجارة كبيرة واسعة ومقصد كبير. وقال الظاهري: إن غزة كثيرة الفواكه. وقال ابن بطلان في إنطاكية: إن أرضها تزرع الحنطة والشعير تحت شجر الزيتون. وقال ياقوت: وبدمشق فواكه جيدة فائقة طيبة تحمل إلى جميع ما حولها من البلاد من مصر إلى حَرّان وما يقارب ذلك فتعم الكل. ولقد ذكروا في باب خصب أريحا أن الجفنة التي عمرها ٤٢ سنة تكون استدارتها على سطح الأرض مترين وثلاثين سنتيمتراً وتحمل في السنة ١٥٠٠ كيلو من العنب وأنه يضرب المثل بورودها وأزاهيرها ويخرج منها الزقوم والسدر وهو أشبه بالزيتون الكبير يستخرجون منه زيتاً للجروح. وكذلك النبق وهو بمقام الصبار والزيزفون في بلاد أُخرى يستعمل حيطاناً للحوائط أي للبساتين.
وذكر الثعالبي أن زيت الشام يضرب به المثل في الجودة والنظافة وإنما قيل له زيت الركابي لأنه كان يحمل على الإبل من الشام وهي أكثر بلاد الله زيتوناً
стр. 985
وفيه ما فيه من البركة والمنفعة. وقال شيخ الربوة في نابلس: وقد خصها الله ﵎ بالشجرة المباركة وهي الزيتون ويحمل زيتها إلى الديار المصرية والشامية وإلى الحجاز والبراري مع العربان ويحمل إلى جامع بني أمية منه في كل سنة
ألف قنطار بالدمشقي، ويعمل منه الصابون الرقي يحمل إلى سائر البلاد التي ذكرناها وإلى جزائر البحر الرومي، وبها البطيخ الأصفر الزائد الحلاوة على جميع بطيخ الأرض. والظاهر أن هذه الشجرة المباركة شجرة الزيتون آخذة بالاضمحلال قياساً مع حالهم في القديم، فقد قلّ عدده في فلسطين بعد الحرب العامة واستعيض عن بعضه بما بذلته الحكومة هنا من الجهد لغرس الزيتون والكرمة، أما في أرباض دمشق فهو آخذ بالقلة منذ اشتهرت الفواكه وهي هينة العمل سريعة الغلة، وكان في حمص على ما تبين من الحفريات التي أُجريت زيتون كثير بدليل ما وجد من معاصره التي لم يبقى لها زيتون تعصر منه ولا تجد الزيتون اليوم في أرجاء حمص إلا في بقعة أو بقعتين. واشتهر في القديم زيتون الطفيلة والشوبك اشتهارهما بمشمشهما وكمثراهما ورمانهما. سألنا أحد شيوخ الصلت عن السبب في إحجام القوم هناك عن غرس شجر الزيتون مع أنه يجود كل الجودة فقال: لا تذكرنا بغباوتنا فقد حملنا سعيد باشا شمدين أحد متصرفي البلقاء على أن نغرس في هذه الأدوية التي تراها مائة ألف زيتونة فوقع في أنفسنا أن في الأمر دسيسة من الحكومة تريد بها وضع الضرائب الفاحشة على أملاكنا وتسجيل أراضينا على صورة لا نعود معها ملاكها الحقيقيين فصدعنا بالأمر بالظاهر، وغرسنا أُلوفاً من شجر الزيتون، ولكن أتدري كيف تخلصنا منه بعد؟ كان أحدنا يجيء إلى الغرسة فيحركها حتى لا يطلع جذعها وهكذا لم يبق من كل ما غرسه الصلتيون إلا ما تشاهده اليوم في جوار القصبة وقليل ما هو. قلنا: وعجيب تبدل تصورات الناس فرجال الحكومة بالأمس كانوا يحملون الناس على زرع الأشجار. ويزينون لهم اقتناء الأراضي للزراعة، واليوم يطلب الأهلون في هذا العمل وفي غيره الأرض الموات ليحيوها ولا يعطون طلبتهم! هكذا رأينا أهل الشراة والطفيلة ومعان، على حين يقضي قانون الأراضي بان كل من يحيي
أرضاً مواتاً تبعد عن القرى والدساكر مقدار ما يسمع الصوت فيها من أقصى العامر فهي له. ولقد رأينا كثيراً من
стр. 986
أهل القرى استأصلت أشجار التين والكرمة وغيرها لأن العشارين كانوا يتقاضون منهم عشرها فاحشاً أثمرت أم لم تثمر، فعدمت بعض القرى شجرها المثمر بهذا الظلم!.
وما قيل في كثرة الزيتون يقال في كثرة الأعناب واشتهرت بلدان كثيرة بذلك، وقد أكثر شعراء العرب من ذكر خمر بيت رأس ولبنان وغزة وجدر وصرخد وأذرعات والأندرين وبنات مَشايع وبَيسان ولدّ ومآب والخمر المقَدَيّة وخمر الأحصّ وقاصرين في أرجاء حمص وحلب وكان يقال لجبل بيت المقدس جبل الخمر لكثرة كرومه. واشتهرت حلبون في جبل سنير بخمرها وكثرة كرومها. ويظهر أن الزعفران كان كثيراً ما يجود في الشام لأنه كان يدخل في الأطعمة والأشربة كثيراً، ومزارع الزعفران التي كان يطلّ عليها من يدر مرّان في السفح الغربي من قاسيون جبل دمشق مشهورة، والغالب أنها كانت في أرض النيرب، وكان الزعفران يجود في جادية في قرى البلقاء والجادي هو الزعفران. ولم تكن عنايتهم بالنخيل أقل من عنايتهم بالزيتون والكرم مثلاً ولا سيما في جنوب الشام وشرقه.
ولا أثر اليوم لبعض الثمار مثل القراصيا والكستانة والبندق والبيسيم المشمولة وكانت كثيرة مبذولة هي والكراز حتى القرن الحادي عشر وكان القطن يجود في ضواحي دمشق وحماة وحلب. ذكر القلقشندي زروع الشام وفواكهه وريحاينه فقال: إن غالب زروعه على المطر قال في مسالك الأبصار: ومنها ما هو على سقي الأنهار وهو قليل وفيه من الحبوب من كل ما يوجد في مصر من البُرّ. الشعير. الأرز. الباقلاء. البِسِلّة. الجلبان. اللوبياء. الحلبة. السمسم. القرطم. ولا يوجد فيه الكتان والبرسيم. وبه من أنواع البطيخ والقثاء ما يستطاب ويستحسن.
وكذلك غيرها من المزروعات كالقلقاس. الملوخيا. الباذنجان. اللفت. الجزر. الهليون. القُنّبيط. الرّجلة. البقلة اليمانية، وغير ذلك من أنواع الخضراوات المأكولة، وقصب السكر في أغواره إلا أنه لم يبلغ في الكثرة حد مصر.
وأما فواكهه ففيه من كل ما يوجد في مصر كالتين. العنب. الرمان. القراصيا. البرقوق. المشمش. الخوخ - وهو المسمى بالدراقن - والتوت.
стр. 987
والفرصاد، ويكثر بها التفاح والكمثرى والسفرجل مع كونها أكثر أنواعاً وأبهج منظراً، ويزيد عليه فواكه أخر لا توجد بمصر، وربما وجد بعضها في مصر على الندور الذي لا يعتد به كالجوز. البندق. الأجاص. العُنّاب. الزعرور، والزيتون فيه الغاية في الكثرة، ومنه يعتصر الزيت وينقل إلى أكثر البلدان وغير ذلك. وبأغوارها أنواع المحمضات كالأترج. اللّيمون. الكباد. النارنج. ولكنه لا يبلغ في ذلك حد مصر. وكذلك الموز ولا يوجد البلح والرّطب فيه أصلاً. قال في مسالك الأبصار: وفيه فواكه تأتي في الخريف وتبقى في الربيع كالسفرجل والتفاح والعنب.
وأما رياحينه ففيه كل ما في مصر من الآس والورد والنرجس والبنفسج والياسمين والنسرين، ويزيد على مصر في ذلك خصوصاً الورد حتى إنه يستقطر منه ماء الورد وينقل منه إلى سائر البلدان. قال في مسالك الأبصار: وقد نسي به ما كان يذكر من ماء ورد جُور ونصيبين.
وبعد فقد دخلت الشام في العهد الحديث عدة ضروب من الزروع والغراس لم تكن فيه من قبل مثل الشوح. الأوكالبتس. الأكاسيا. المشمش الهندي. البندورة الطماطم أو القوطة والبطاطا فكان منهما فائدة جلى وأصبحت البندورة والبطاطا من أهم أنواع التغذية، وسرعان ما انتشر الغرام بهما وعمت القاصية والدانية زراعتهما.
الأشجار غير المثمرة:
كانت الشام مشهورة بسروها وصنوبرها وأرزها، ويقول الشجارون: إنه كان في
غوطة دمشق ألوف من أشجار السرو انقرضت، وأدرك الغزي في حلب من شجر السرو الهرمي والصيواني أشجاراً قليلة ثم فقد عن آخره، وكان يوجد منها بكثرة، وأحسن الجبال في الشام التي احتفظت بغاباتها بعض الشيء جبل لبنان، فإن الصنوبر والرز فيه كثير. وقد أكثر القدماء والمحدثون من الكلام على تاريخ الأرز لورود ذكره في الكتاب المقدس مرات، ولأن من خشبه بني قصر داود وهيكل سليمان والهيكل الثاني الذي جدد في أيام زربايل وسقف الهيكل المجدد في عهد هيرودوس وقبة القبر المقدس وسقف الكنيسة
стр. 988
في بيت لحم، وقالوا: إن الأشوريين والبابليين والفرس والمصريين استعملوه في قصورهم وبناء هياكلهم واستعمله الأسكندر المقدوني في السد الذي أقامه بين الجزيرة والشاطئ من مدينة صور وكذلك السلاقسة أدخلوه في بناء دورهم. وكانت أخشابه تحمل إلى طرابلس وصيدا وصور وبيروت وتعمل منها السفن وفيها عمل معاوية أساطيله لغزو الروم. وما برح كثير من المتدينين بالنصرانية يتبركون بشجر الأرز ويحملون من غصونه قطعاً ينقلونها من مملكة إلى أُخرى. وهو عطر الرائحة إذا وضع في النار ويحسن في المشم إذا مسسته بيدك، ولونه اصفر فاقع مشرب بخطوط حمراء لا تعبث به الأرضة ولا يفعل فيه السوس. والغالب أن الحكومات السالفة في لبنان كانت تحتكر أربعة أشكال من الشجر تستثمرها لخزينتها وهي السرو والعرعر والأرز والصنوبر وتسمح باحتكار غيره وبدأ النقص في هذه الأشجار منذ خمسة قرون وقد احتاج اللبنانيون إلى الاحتطاب للدفء والعمارة، وكانوا يسمون رزق الرجل أشجاره، وإذا غضب الحاكم على أحدهم يقطع شجره فيقولون في أمثالهم الدارجة الله يقطع رزقه أي شجره كما يقولون الله يخرب زوقه أي بيته، وربما أسرع اللبنانيون في احتطاب شجر الأرز وغيره لئلا تصدعهم الدولة العثمانية كما أن كثيراً من القرى في القاصية كانت أيام الأعشار تقطع التين والكرم وغيره من
مثمر الشجر لتخلص من ظلم العشارين الذين يتقاضون العشر من الشجر أثمر أم لم يثمر على ما تقدم.
ولم يبرح شجر الرز مشاهداً في عدة أماكن من لبنان على كثرة ما انتابه من البوائق فبالقرب من معاصر الفخار على مقربة من بيت الدين غابة منه فيها نحو ٢٥٠ شجرة يسمونها الأبهل، وأُخرى فوق قرية الباروك غير ملتفة وضعيفة النمو، لكثرة المطار والثلوج والعواصف في تلك الأرجاء، ومنها ما غرس حديثاً، وثالثة فوق قرية عين زحلتا، وكان أُحرق أكثرها لاستخراج القطران منه، ورابعة بين أفقا والعاقورة في جرد جبيل من جبل كسروان، وخامسة بين قرية تنورين وبشرّي صغيرة الشجر وعدد شجيراتها نحو عشرة آلاف، وسادسة بالقرب من بشري على علو ١٩٢٥ متراً على سطح البحر وهي مقصد السياح وفيها أضخم أشجار الأرز ويبلغ عددها ٣٩٧ وقيل ٦٨٠ شجرة منها ١٢ كبرى
стр. 989
وأكبرها شجرتان دائرة جذع كل منهما نحو خمسة عشرة متراً وارتفاع طولهما خمسة وعشرون متراً وقدروا عمرهما بثلاثة آلاف سنة. وفي تسريح الأبصار أنه لا أثر اليوم في الشام لشجر الأرز إلا في أعالي سير بالضنية في وادي النجاص ففيه كثير من شجر الأرز على ارتفاع ١٩٠٠ متر عن سطح البحر. وبين سير ونبع السكر وفي الغابة الواقعة خلف وادي جهنم ويسمى عند أهله تنوب على أن في جبال قره مورط إحدى شعاب جبل اللكام من عمل إنطاكية غابات من الأرز وغيره من فصيلته. ولو توفرت العناية بأمثال هذه الأشجار وقضت الحكومة على كل فلاح ان يغرس ويتعهد عشر شجرات منها، إذاً لما مضى خمسون سنة حتى تصبح الشام كسويسرا بأشجارها الغضة الملتفة، تحسن المناظر والمناخ ويكون منها عموم النفع، كلما وقع القطع منها في ثلاثين سنة كما تجري فرنسا في غابة فونتينبلو وغيرها من غاباتها البديعة المشهورة. ولا تكون في جمالها أقل من
شجر الأرز الذي يكسو نجاد جبال طوروس الدروب ووهادها فترى فيها تلعة مستطيلة إلى جانبها تلعة هرمية وأُخرى ذات شكل بيضوي وغيرها المحدودب والمربع أو قائم الزوايا ومنفرجها وكلها مزينة بالأشجار.
يقول كاتب جلبي من أهل القرن الحادي عشر: إن غابات الشام كثيرة اشهرها غابة عسقلان وهو حرج كبير يمتد إلى نواحي الرملة. ومن الغابات غابة أرسوف بالقرب من نهر العوجا تمتد إلى عكا وكان يقال له غاب قلنسوة وهذا الحرج يمتد من قاقون إلى عيون التجار، ومن الحراج حرج القنيطرة، وفي أطراف حلب عدة غابات وخصوصاً الغاب الكبير ويقال له الزور واكثر شجره التوت اه. ولقد ثبت أن الغابات كانت في القرون السالفة أكثر من اليوم وان معظم جبالنا التي نراها اليوم جرداء كانت خضراء وأن التجريد من الغابات وقع في أدوار مختلفة فقد ذكر ابن حوقل أن جبل قلمون وجبل المانع وجبل الشيخ المحيطة بدمشق كانت منذ القرن الرابع مجردة من أشجارها قال: إنك إذا كنت في دمشق ترى بعينك على فرسخ وأقل جبالاً قرعاء من النبات والشجر وأمكنة خالية من العمارة.
وتجريد الشام من غاباته دعا إلى زيادة مساحة عدد البطائح والمستنقعات وتاليف صحار من الرمال فقد قالوا: إن الظلال كانت تمتد شرقي قيسارية على ستة أو
стр. 990
ثمانية كيلو مترات فأصبحت اليوم عبارة عن كثبان من الرمل. وهكذا سواحل فلسطين بل معظم سواحل الشام طمت عليها مياه البحر فأبقت فيها الرمال وألّفت منها بطائح ومغايض وأفسدت الأراضي العامرة. ولهذا النظر قلّ ولا شك مساحة المزروع من ارض الشام سنة عن سنة والمستنقعات معروف ضررها بحياة الفلاح وإن كانت أقلّ من الكثبان والحرار. وضرر المستنقعات يتناول الأنفس لما ينبعث عنها من الحميات التي كثيراً ما رأيناها تقفر قرى برمتها من سكانها. وقد قال الزراعي أرنزون: إن أهم الآفات التي ابتليت بها الغابات ثلاث: الرعي
المتبادل وحق المرعى في الأراضي الخالية والحيوانات الصغيرة ولا سيما الماعز وفأس الحطابين. ونسب خراب الغابات في فلسطين - وسائر الشام تتصرف عليها - إلى إصدار الخشب والتبن والسماد إلى الخارج، وقال: إن الربح من إصدارها لا يوازي خراب الغابات وقلة غذاء الحيوانات وبوار الأراضي بقلة السماد والسباخ.
الأشجار المثمرة وغيرها:
وكانوا يتفننون بتسمية الفواكه والبقول والورود. قال البدري: والعنب في دمشق فقط أصناف: البلدي. خناصري. عاصمي. زيني. بيتموني. قناديلي. إفرنجي. مكاحلي. بيض الحمام. حلواني. بوارشي. جبلي. قصيف. ابزاز. الكلبة. قشلميش. كوتاني. عبيدي. شحماني. جوزاني. دراقني. مخ العصفور. عرايشي. رومي. شبيهي. ينطاني. عصيري. رناطي. ورق الطير. سماقي. حرصي. مجزع. شعراوي. دربلي. قاري. علوي. عينوني. مورق. مشعر. مسمط. مرصص. محضر. مقوس. حمادي. تفاحي. رهباني. زردي. مبرد. مخصل. مغاربي. شحمة القرط. وقسم المشمش إلى أحد وعشرين صنفاً وهي: حموي. سندياني. أويسي. عربيلي. خراساني. كافوري. بعلبكي. لقيس. لوزي. دغمشي. وزيري. كلابي. سلطاني. حازمي. أيدمري. سنيني. برديّ. مُلَوّح. قرط البخاتي. جلاجل القلوع. الخ. ووصف العماد الكاتب المشمش الدمشقي فقال: طلعت في أبراج الأطباق كأنها كرات من التبر مصوغة، وبالورس مصبوغة، صفر كأنها ثمر الرايات الناصرية، حلا
стр. 991
منظراً وذوقاً، ولو نظم جوهره لكان طوقاً، كأنما خرط من الصندل، وخلط بالمندل، وجمد من الثلج والعسل، وتصاحب هو والسلطان في الركوب والجلوس، والتناجي بما في النفوس.
وقال البدري: ومن خصوصيات دمشق الطرخون من بقول المائدة وكان يخرج
فيخا السذاب والرشاد وبقلة الحمقاء والماش والهندباء والكراويا والتوت الأسود والشامي. وكان يكثر فيها الكراز والوشنة وهو فيها سبعة أنواع. وذكر أن الورد جنس تحته ستة أنواع بدمشق ومنه الجوري والنسريني، والنرجس جنس تحته أنواع منها اليعفوري والبري، والمضعف وذكر منثورها وزنبقها وآذريونها وآسها وحبه وريحانها ونيلوفرها وبانها وحيلانها وزنزلختها وتمر حنائها وقراصياها وكمثراها ثلاثة وعشرون صنفاً وتفاحها ودراقها ستة عشر صنفاً وخوخها ثلاثة عشر صنفاً إلى غير ذلك مما كان غي القرن التاسع.
الصناعات الزراعية القديمة:
وكانت الزهور والورود من أهم فروع الزراعة، وللطيوب والعطور ومستقطرات الزهور، شأن وأي شأن منذ الأزمان المتطاولة. وكان للأقدمين على ما يظهر غرام شديد بالملاب العطر المائع والكباد اليابس، ويستعملون المسك والعنبر والزعفران كثيراً، ويولعون بالعَرف والأريجة، وكان لهم طيب يقال له الغالية وهي مسك وعنبر يعجنان بالبان قال ابن سيده: ويقال إن الذي سماها غالية معاوية بن أبى سفيان وذلك أنه شمها من عبد الله بن جعفر بن أبي طالب فاستطابها فسأله عنها فوصفها له فقال: هذه غالية. وقد حفظ لنا شيخ الربوة من أهل القرن الثامن شيئاً من الإشارة إلى كثرة الورد والزهر في دمشق فقال: إن العطر وغيره كان يستخرج في المزة من ضواحي دمشق من زهورها وورودها حتى إن حراقته تلقى على الطرقات وفي دروبها وأزقتها كالمزابل فلا يكون لرائحته نظير ويكون الذّ من المسك إلى مدة انقضاء الورد. وذكر صفة إخراجه في الكركات والأنابيق ورسم صورها والقرع والنبيق آلتان لصنع ماء الورد السفلى هي القرع والعليا على هيئة المحجمة هي الأنبيق قال: وغير هذه الكركة كركة أُخرى يستخرج منها الماورد وغيره من المياه بلا ماء بوقود الحطب وذلك
стр. 992
بعد حشو القرع بالورد وبلسان الثور وبزهر النوفر أو البان أو زهر النارنج والشقيق والهندباء أو بورق القرنفل المزروع بدمشق.
قال: ويحمل الورد المستخرج بالمزة إلى سائر البلاد الجنوبية كالحجاز وما وراء ذلك وكذلك يحمل زهر الورد المزي إلى الهند وإلى السند وإلى الصين وإلى ما وراء ذلك ويسمى هناك الزهر. ومما أرخوه أنه كان لقاضي القضاة الحنفية ولأخيه الحريري قطعة بأرض تسمى شُور الزهر طولها مائة وعشر خطوات وعرضها خمس وسبعون خطوة باع منها عشرين قنطاراً باثنين وعشرين ألف درهم وذلك سنة خمس وستين وستمائة وهذا لم يسمع بمثله اه.
وكانت حلب في القديم مختصة بماء الورد النصيبي الذي يستخرج بالباب من أعمالها قال ابن الشحنة: إنه لا يقاربه شيء مما يجلب إلى الديار المصرية من الشام ولا يدانيه مع أن المجلوب من دمشق عند المصريين في غاية العظمة بحيث يصفه أطباؤهم للمرضى فيقولون ماء ورد شامي. وينبت في أرض حلب زهر القرنفل وكان يستقطر ماؤه. واشتهرت في القديم زهور لبنان وما إليه من الجبال كجبل الشيخ فإنها كثيرة مبذولة في الربيع شأنها في مراعي الجولان والعمق والبقاع والبقيعة كما اشتهرت طيوب البلقاء وصموغه وكانت تحمل إلى مصر. وقلّ اليوم من يلتفت إلى هذه الصناعات الزراعية.
ومن صناعاتهم الزراعية في القديم السكّر وكان يعمل في القديم على ضفاف الأردن ولا تزال معامله في جنوبي الغور تدعى إلى اليوم مطاحن السكر، وكان السكر أكثر مستغل تلك الناحية يحمل إلى الشرق والغرب. وكان يصنع السكر في إنطاكية وطرابلس وعكا ويافا ويحمل منها إلى الآفاق. قال القلقشندي من أهل القرن التاسع: في الشام يعمل السكر الوسط والمكرر. وكانت زيوت الشام كخمورها تصدر إلى القاصية. ويعصر السليط أي دهن السمسم في دياف من
حوران وبه اشتهرت. وكان الصابون الحلبي والنابلسي وغيره مما يفيض عن حاجة القطر يباع منه في الأقطار الأخرى. وكان الجبن الكركي مشهوراً يصدر إلى مصر. وقد قامت الحكومة العثمانية إبان الحرب العامة بعمل بعض المحفوظات والمربيات في دمشق فتعمل الحساء ذروراً ثم يذاب في ماء حار وقت الاستعمال فيأتي كأنه طبخ الساعة واستخرجوا من العظام مرقاً معقماً. وأخذوا يعملون
стр. 993
من الثمار والبقول مجففات ومحضرات على طريقة لا تنقص من تغذيتها وتكون عند الاستعمال كأنها طرية حديثة عهد بالقطف من الشجرة أو المسكبة. وبلغ عدد البقول المرببة عشرة أنواع كان يتناولها الجندي في كل وقت كأنه على مقربة من الحدائق والمقاتي. واستخرجوا في معامل الفيلق بدمشق أشربة كثيرة من ماء الزهر وماء الورد وشراب قشر الليمون وقشر البرتقال تجعل أرواحها في زجاجات وتكفي القطرة منها كأس ماء لتكون حلوة ذات نكهة تستعمل في أشربة الجيش ولا سيما في مستشفيات البادية. وبالجملة فقد كان لتعقيم السوائل واستخراج الأشربة وتجفيف الثمار والبقول وخبز الأخباز بالآلات الكهربائية الصحية شأن لم يعهد في الشام ثم تنوسي بعدهم.
ومن صناعاتهم العسل وكانوا يغالون بأكله كثيراً واشتهر عسل سنير وجبل الثلج كما اشتهر دبس بعلبك وجبنها وزيتها ولبنها، قال ياقوت: ليس في الدنيا مثلها يضرب بها المثل. وكانت بيسان توصف بكثرة النخل، والنخيل مما يجود غي الأغوار وكان كثيراً في القديم والشاميون يعنون بتعهده من وراء الغاية. ويظهر أن العسل والزعفران والدبس والقنود والتمور كانت مما يعول عليه في الأطعمة والحلواء أكثر من اليوم. ولدينا وثيقة في بعض المأكولات ذكرها أبو القاسم الواساني من شعراء اليتيمة الدمشقيين نظمها منذ نحو ألف سنة في وصف جماعة زاروه في قرية جمرايا على مقربة من الهامة في غربي دمشق، ومما جاء فيها ما
أكلوه من الأطعمة وفيه إشارة إلى كثرة أنواع التمر:
أكلوا لي من الجرادق ألفي ... ن ببنّ تشتاقه العارضان
أكلوا لي أضعافها غير مشطو ... ومالوا إلى سميذ الفران
أكلوا لي من الجداء ثلاثي ... ن قُرَيْصاً بالخل والزعفران
أكلوا ضعفها شواءً وضعفي ... ها طبيخاً من سائر الألوان
أكلوا لي تبالة تبلت عق ... لي بعشرٍ من الدجاج السمان
стр. 994
أكلوا لي مضيرة ضاعفت ض ... ري بروس الجداء والعقبان
أكلوا لي كشكية قرحت قل ... بي وهاجت لفقدها أشجاني
أكلوا لي سبعين حوتاً من النه ... ر طرياً من أعظم الحيتان
أكلوا لي عدلاً من المالح المش ... ويّ ملقى في الخل والأنجدان
أكلوا لي من القريشاء والبر ... نيّ والمعقلي والصرفان
ألف عدل سوى المصقر والبر ... دي واللؤلؤي والصيحاني
أكلوا لي من الكوامخ والجو ... ز معاً والخلاط والأجبان
ومن البيض والمخلل ما تع ... جز عن جمعه قرى حوران
ومن صناعتهم الزراعية صناعة الصابون وكانت من أنجح الصناعات القديمة ومصابنه في حلب وكلز وإدلب وإنطاكية ودمشق ونابلس وطرابلس واللاذقية وحيفا ورام الله وبعض قرى لبنان. وخير الصابون وأشهره اليوم الصابون النابلسي فيه على ما يظهر خاصية ليست بغيره أو أن السر في جودته إتقانه بدون غش. ومنذ أفلتت الصناعات من رؤساء لها تشرف على أعمال أهلها انحطت في دمشق صناعة الصابون فقد كانت له أماكن خاصة لتجفيفه وكانوا لا يبيعونه إلا بعد ثلاث سنين من صنعه ويصدر إلى أقطار العالم وثمنه يزيد خمسين في المائة على سائر أنواع الصابون وكنت إذا غسلت به الثياب تجد من رائحتها ما ينعش
قلبك
стр. 995
من الروائح الذكية، والآن يبيعون الصابون الدمشقي اخضر بدون تجفيف ويزاحمه في عقر داره الصابون الغربي لرخصه وهو مركب من زيوت صناعية على الغالب ليس من الزيت الخالص، وعسى أن يرسل صناع الصابون في نابلس وطرابلس ودمشق وحلب وعكا وحيفا إلى أوربا من يدرسون المادة التي تدخل الصابون الغربي فتزيد رغوته أخضر كان أو يابساً، يعيدون إلى الصابون البلدي رونقه السالف ويخلصون من النكهة الخبيثة في الصابون الغريب.
-
معادن الشام وحمّاتها:
وخليق بنا وقد انتهى بنا نفس الكلام على ما حوى سطح الرض من الخيرات الطبيعية إلى هذا الحد، أن لا نغفل الكلام على ما حوى بطنها من المعادن والأمواه النافعة. فقد أجمع المتقدمون لأنه كان فيها معادن حديد في لبنان كان قدماء المصريين يحملونها إلى قطرهم، وأجمع المتحدثون الذي بحثوا عن طبقات الأرض وتركيبها على أن الشام خالية من الفحم الحجري وما وجد منه لا يوازي ثمنه ما يصرف في تعدينه، وفي لبنان طبقات القضّة فيها فحم خشبي متحجر لنيت يمكن استثمارها وفي قرطبا وميروبا والمنيطرة مناجم من هذا الحجر الخشبي وأشهر طباقاتها الفحم الخشبي المتحجر في قرنايل، وقد صار الاعتناء باستخراجه من سنة ١٨٣٥م إلى ١٨٣٨م، ومن مناجم هذا الحجر منجم مارشينا وفالوغا وبزبدين وجزين وزحلتا وعين التغرا وحيطورة ويجوز استخدام هذه المناجم للمعامل الصناعية الصغيرة والحاجات البيتية للوقود.
والفحم الحجري ونظنه من نوع الفحم الخشبي في جبل البشر وأبي فياض شرقي حلب وذكر ياقوت أن في جبل البشر ويمتد إلى الفرات من أرض الشام من جهة البادية أربعة معادن: القار، والمغرة، والطين الذي يعمل منه بواتق لسبك الحديد،
والرمل الذي يعمل منه في حلب الزجاج وهو رمل أبيض كالاسفيداج. وللحُمَّر مناجم في عينبل وحُريقة في جبل عامل وفي أرجاء مرجعيون، وأشهرها منجم حاصبيا، كان يستخرج منه في اليوم ٨٠ صندوقاً وزن كل واحد منها ١٠٠ كيلو وكان السلطان عبد الحميد الثاني يستثمره لنفسه، وبعد انحلال دولته أهملته الحكومة لقلة اليد العاملة واضطرت أن تهمل معدن سحمر
стр. 996
في البقاع وغيره من المعادن في الشام. فأضر إهمال الحُمّر بأرباب الكروم فتصاعدت أثمانه وهو يستعمل كل سنة عند تأبيرها فلحقته الدودة من أجل ذلك وقلت مداخيله. وفي التاس بين حمص وتدمر معدن للحمر يكاد يوازي معدن حاصبيا بصفائه. وفي المقارن بين درعا وسمخ مناجم كلس ممزوج بحمر، وكذلك في أرباض تدمر وفي الصلت ووادي اليرموك. قال المقدسي: إن في الشام جبال حمر يسمى ترابها الصنغة وهو تراب رخو وجبال بيض تسمى الحوارة فيه أدنى صلابة يبيض به السقوف ويطين به السطوح. ومعدن الحديد كثير في قضض لبنان واتربته، وعلى سطح الجبال وبطون الأودية، لا سيما في ارجاء البترون وكسروان والمتن وفي قرية دومة وبيت شباب وفي عكار ومشغرة والفرزل ومجاري الأنهار مثل نهر الكلب ونهر إبراهيم. ومن هنا كانت تؤخذ مواد المسابك لمعامل الحديد التي كانت في تلك الأرجاء، والمانع من استثمارها اليوم قلة الوقود أي الفحم الحجري، والحطب لا يفي بهذا الغرض على نحو ما كان الحال إلى عهد قريب.
وأهم مناجم الحديد في برمانا وبحمدون ووادي النهر الكبير حجر الصفار الكروم وفي جبال اللاذقية معادن حديد كثيرة وفيها رصاص ممزوج بالفضة وخشب فحمي ونيكل وكان في القديم في ناحيتي باير وبوجاق معدن حجر الصفار يستخرج منه في السنة ٢٥٠٠ طن ولم يبق له أثر، ويوجد حجر الصفار على شواطئ بحرية طبرية ومن نوع البيريت واللنيت في برتي وكفر سلوان ومرجبا
وفي راشيا وسفح جبل الشيخ الغربي وجنوبي حاصبيا وفي عين اللبوة وعين عطا وشوايا وعين قني والروج والكفير.
والنحاس في قرية اهمج في كسروان وفي الجنوب الغربي من حلب وكان منه في عين جر فأكدى لكثرة ما استخرج منه، وكان النحاس الأحمر يحمل من جبل جوشن على قيد غلوة من حلب. وذكر كاتب جلبي أن في بيت حبرون معدن زجاج يستخرج منه فيحمل إلى الأطراف فيباع ويحمل إلى السودان والحبشة من أسورته ويقايض عليها بالتبر.
واستثمر معدن الفحم الحجري في مرجيليا في لبنان أثناء الحرب الكبرى
стр. 997
لوقود السكك الحديدية واستخرج منه ١٩١٦ ما يقارب ١٣٠٠ طن. وذكروا أن الطبقات الفحمية في لبنان وجدت في نيحا، المراح، كركبا، زحلتا، عبيه، عرمون، جمهور، عين تراز، بحمدون، القرية، رأس الحرف، مرجيليا، بتبيات، مارحنا، الكنيسة، عين موفق، قرنايل، جورة أرصون، بزبدين، رأس المتن، ترشيش، جوار الجوز، حيطورا، عين تدجورا، عين زحلتا، صيدنايا، قيتولة، بكاسين، جزين، حمصية، مشغرة، قرطبا، حدث الجبة، مزرعة بيت ابن صعب، الديمان، القنيات. ومنه الرديء الذي لا بال له. وفي جهات أبو فياض على ٨٠ كيلو متراً من حلب فحم حجري رديء من اللنيت كما أنه منه في جهات حوران وفي قرية عرنة من إقليم البلان معدن الفحم الحجري قيل: إنه لم ينضج وفي حضر من إقليم البلان معادن أُخرى براقة. وفي جبال الكرك كثير من أنواع المعادن قصدها مؤخراً كثيراً من معدّني الإنكليز لتحليلها ومعرفة أنواعها. والبترول زيت الكاز حول البحر الميت. وفي أرسوس على عشرين كيلو متراً من الإسكندرونة وفي وادي صقلاب من أعمال الكورة في شرقي الأردن وفي المزيريب من عمل حوران وفي أرجاء الإسكندرونة معدن غاز سائل جرى تعدينه فلم يأت بفائدة.
وفي أرجاء طرابلس معدن المغرة ونوع من الصبغ الأصفر
ويوجد الكبريت بكثرة في جهات الباروك وفي قرية عنجرة من جبل عجلون وفي أرجاء البحر الميت وبالقرب من حمة عفرة في الطفيلة معادن الكبريت والقصدير والبترول والنحاس وفي رأس العين من عمل الزور وفي أماكن جبلية عديدة ولا يصلح للاستعمال لامتزاجه بمواد غريبة فحمية وحديدية. ويوجد الزاج في حارم، والنيكل ومنه الفاخر في جبل الأقرع، والفوسفات في جبال السرو بين الصلت وعمان حسبت نفقات استثماره فرأوا أنها لا تفي بها وارداته فترك وشأنه. والفوسفات موجود في شمالي يبرود وبعض جهات فلسطين. والبوتاس حول البحر الميت والإسفلت في جبل الأكراد على ثلاثين كيلو متراً من اللاذقية في قرى كفرية وقصاب وخربة السولاس ويقال: إنه أغنى منجم عُرف من نوعه. وكان في مقاطعة جرش في ارض تسمى تلول الذهب معدن ذهب جاء في الكتاب المقدس أن سليمان ﵇ كان يستخرج الذهب منها. وفي
стр. 998
الجنوب الشرقي من تدمر وفي أرجاء إنطاكية معادن ذهب ولكنها شحيحة. وتكثر الفضة في جبال اللاذقية وشمالي بعلبك ومصياف وعلى ضفاف العاصي فيما يلي إنطاكية معدن ذهب ومعدن رصاص فضي ومعدن إثمد وحجر الكحل ومعدن فحم ومعدن الطفال المعروف بالبيلون في أرجاء كلز وإنطاكية، وفي جبال قره موط إحدى نواحي أنطاكية عدة معادن تستعمل للصبغ وفي جبل بارسال من أعمال كلز معدن مرمر أصفر.
وكان في قرية يعفور من عمل دمشق معدن فضة قاله شيخ الربوة، وبأرض حدث من جبل لبنان جوسية فوق كرك نوح يلتقط حجارة زلطية تكسر مرقشيشا وكل معدن مائل باللونية إلى لون ما هو قسمه، وعد الخوارزمي المارقشيشا من عقاقيرهم فقال: ومنها مربع ومدور وقطع كبيرة غير محدودة الشكل وهي
ضروب فمنها أصفر يسمى الذهبي وأبيض يسمى الفضي وآخر يسمى النحاسي.
ويوجد الملح في مواضع كثيرة ولاسيما في جهات تدمر وجيرود وحماة والخليل وحوالي البحر الميت. وملح جيرود فيه مرارة وأجوده ملح الجبول. وفي حلب عدة ملاحات وأعظمها ما كان في جوار قرية جبول على شكل مخروطي عظيم لا تطاف أطرافها في أقل من ثماني عشرة ساعة ويجمد ماؤها في شهر أيار إلى تشرين الثاني فيكون في هذه الفترة ملحاً، ويسمى هذا النهر نهر الذهب يجري من ناحية باب بزاعا إلى أن ينتهي إلى سبخة الجبول في مساكب يعملها أهل الجبول والقرى المجاورة لها، وكانوا يقولون إن هذا النهر سمي نهر الذهب لأن أوله بالقبان وآخره بالكيل، أي أنه تزرع في أوله الحبوب كالحبة السوداء والأنيسون والكروايا وأنواع الفواكه مما يباع بالرطل، وآخره الملح الذي يباع بالكيل.
ويوجد الزئبق في أرض إنطاكية وغيرها، قال شيخ الربوة: إن معدن الملح الأندراني كان يستخرج من أرض سدوم عند بحيرة لوط وكيف ما تكسرت حجارته ما تكسرت إلا فصوصاً مربعات الزاويا. ويوجد النحاس في ناحية الصور على نهر الخابور ومعدن السوديوم في البصيرة والصور والشدادي والقصبي ويعرف باسم بارود القصبي. والرصاص في إنطاكية والمغرة في جهات حلب وعمان والجبص الجبسين في جهات جيرود وصافيتا وعكار وطرابلس.
стр. 999
والرخام الأصفر في جبل الجرمق من عمل صفد وعلى ساعتين من مادبا جبلان أصفر وأحمر والحجارة الكلسية على كثرة في جميع الأرجاء، وأهم أنواع الحجارة الكلسية الرملية الحواري والرخام السماقي والجنس المدعو شحم بلحم وأجمل المقالع ما كان في جوار حلب وفي جبل باريشا من عمل حارم وهو رخام أصفر ومن أجملها الحجر المزي وهو يضرب إلى الصفرة يستخرج من مقلع المزة قرب دمشق والحجر المعرباني وهو أحمر يستخرج من مقلع معربا في
قلمون كما يستخرج من مقالع تلفتا حجر هش وهوشديد البياض يعتمدون عليه اليوم في البناء بدمشق لسهولة نحته وتكثر مقالع الحجر الرملي في منحدرات لبنان السفلي وعلى الشواطئ البحرية ولونه أصفر. وجميع البنيان من صور إلى طرابلس مبنية بحجره وهو سريع التفتت سهل النحت لدى خروجه من المقلع ويتصلب في الهواء ويصلح للملاط اكثر من الحجارة الكلسية الجميلة. والحجارة الكلسية ذات تقاطيع زجاجية في المواضع المنحوتة حديثاً ولونها أبيض كامد تتحول بمرور الزمان بفعل أشعة الشمس إلى شيء من الصفرة الذهبية ولذلك كانت أبنية حلب وبيروت بهذا الحجر الجميل من أجمل أبنية الشام، واشتهرت الداروم في القديم برخامها قال الرحالة ناصر خسرو: والرخام كثير جداً في الرملة وجدران معظم الأبنية والدور مغشاة بصفائح من الرخام مرصعة بإتقان ومغشاة بنقوش ورسوم ويقطع الرخام بمنشار لا أسنان له وبرمل تلك الديار، وبالمنشار تقطع قطع من الرخام بقدر طول السواري والعمد كما تقطع الدفوف من شجره. ولقد رأيت في الرملة رخاماً من كل جنس ومنه المجزع المبقع والأخضر والأحمر والأسود والأبيض وبالجملة من مختلف الألوان اه.
هذا أهم ما في بطن الشام من المعادن ومهما كانت حالها فهي وافية بحاجة أهلها ولكنها لا تمون أُمماً غيرنا كالمعادن المشهورة في العالم بذهبها وفحمها وغير ذلك، ومعادننا تجزئنا إذا استثمرناها بعض الشيء.
الحمّات الشامية:
الحمة بفتح الحاء وتشديد الميم العين الحارة يستشفي بها الأعلاء والمرضى،
стр. 1000
وفي الحديث: العالم كالحمة يأتيها البعداء ويتركها القرباء، فبينما هي كذلك إذ غار ماؤها، وقد انتفع بها قوم وبقي أقوام يتفكّنون أي يتندمون. فالحمة هي ما يعرف اليوم بالحمامات المعدنية تكثر في أرض الشام البعيدة عن الساحل، وأهمها حمامات طبرية على شاطئ البحيرة، تنفع النساء في الأمراض التناسلية وتشفي الأوجاع الحادة المزمنة وأمراض الرثية والنقرس والبول السكري وأمراض أعضاء التناسل والمرة والسوداء والتهاب قصبة الرئة المزمن وبعض الأمراض الجلدية وغيرها. قال أبو القاسم في وصف حمة طبرية: وفيها عيون ملحة حارة وقد بنيت عليها حمامات فهي لا تحتاج إلى الوقود تجري ليلاً ونهاراً حارة وبقربها حمة يغتمس فيها الجُرب اه. ويجري الماء إلى الحمامات من أربع عيون حارة وأهمها ما بناه إبراهيم باشا المصري وهو في الشمال ويعرف باسمه وهو عبارة عن حوض كبير تحيط به عمد قديمة من الرخام وعليه قبة عظمى، وهي مثقوبة بثقوب أسطوانية يخرج منها البخار ودرجة حرارة الماء ٦٢ بالميزان المئوي وهو صاف براق في الجملة ملح الطعم مرّ مهوّع وتنبعث منه رائحة شديدة من حامض الكبريت أو رائحة بيض فاسد، وهذه الحمامات ملك الحكومة تؤجرها وموسم الاستحمام فيها من أول كانون الثاني إلى آخر حزيران.
ومنها الحمة حمة جَدَر في وادي اليرموك على الخط الحديدي عند الكيلو متر ٩٣ و٩٥ تنفع في أمراض الجلد وغيرها وهي مياه معدنية حارة تنبجس غزيرة وتجري إلى نهر الشريعة وهي ثلاث حمامات يبعد بعضها عن بعض بضع دقائق يدعى أحدها المقلى أو حمام سليم درجة حرارته ١١٩ والآخران حمام الجرب وحرارته ١٠٨، أو حمام الريح وحرارته ٨٢ بميزان فارنهيت وعندها آثار الحمامات الرومانية وبقربها ملعب عظيم وهو ملعب جدر المشهورة في الجاهلية
والإسلام قال أحد واصفيها: ولا أُبالغ إذا قلت إ، معدل قاصديها في شهر نيسان لا يقل عن عشرين ألفاً يقيمون أياماً تحت حر الشمس وهبوب الريح لا بيت يؤويهم ولا نزل يكنهم، فإن كان قاصدوها يبلغون هذا العدد وهي قفراء خربة في شهر واحد فكم يكون عددهم لو تهيأت لهم حمامات منتظمة وأبنية وفنادق وما به تستتب لهم الراحة فيه أأُبالغ إذا قلت إنهم يزيدون على المائتي ألف؟.
стр. 1001
وحمة زرقا معين في شرقي الأردن تبلغ درجة حرارتها ١٤٢ بميزان فارنهيت والمالح في قرية تياسير في غور الأردن من أرجاء نابلس درجة حرارته ٩٨ ف وحمة أبي ذابلة بجانب فحل وحمة أبي سليم في المهد من أرض صنمة، بقرية سحم الكفارات وحميمة بزور النيص من أرض صنمة أيضاً ودرجة حرارتها فوق ١٠٠ ف أما حمامات طبرية فدرجة حرارتها ١٤٤ ف وماء حمة جَدَر عذب جيد الطعم يشرب سخناً وبارداً بخلاف طبرية.
وحمة أبي رباح من عمل ناحية القريتين في حمص تنفع في الأمراض العصبية وتصلب الأعضاء والتشنج خاصة. وحمة ضمير في جبل قلمون كبريتية، وحمة أرك في جهات تدمر، وحمة أنطاكية وهي كبريتية وفيها مغنيزيا أيضاً. وحمة إسكندرونة بين حلب وإسكندرونة على الطريق. وحمة جسر الشغر وحمة زرقا معين في الكرك وهي ثلاثة حمامات يستحم المستحمون ببخارها ويقصدها السياح من الفرنج كما يقصدون حمة عفرة من بحيرة لوط. وحمام النبي داود في وادي الحسا. وذكر ابن الشحنة أن في السخنة من أعمال قنسرين خمسة حمامات ينتفعون بها من البلغم والريح والجرب. وبناحية العمق حمة أُخرى. وبكورة الجومة من أعمال قنسرين عيون كبريتية تجري إلى الحمة والحمة قرية يقال لها جندراس يأتيها الناس من الآفاق فيسبحون بها للعلل التي تصيبهم. قال الغزي: إن في أطراف حمام العمق عدة عيون كبريتية حارة لو جمعت إلى حوض لكانت
حماماً عظيماً. وفي سنة ١٣٠٠ بنت بلدية حلب على بعض هذه العيون خلوة وصارت تؤجرها.
وذكر شيخ الربوة أن بين حمص وسلمية كهفاً في جبل يخرج منه بخار أشد من الضباب المتراكم فإذا دخل الإنسان ذلك الكهف خُيل أليه أنه في الحمام لشدة الوهج وكثرة قطر الماء من البخار المتصاعد من البئر الذي في وسط الكهف ويسمع غليان الماء بقعر البئر ولا يمكن النظر فيه لشدة البخار الصاعد من البئر ومن نظر فيه يشيط من الحرارة. ولعله يقصد بذلك حمام أبي رباح. وظهر مؤخراً على كيلو مترين من قرقخان من عمل إسكندرونة نبع ماء معدني درجة حرارته ٤٣ فتهافت الناس على الاستحمام به.
стр. 1002
هذه أهم حمّات أو حمامات الشام المعدنية وأكثرها كما رأيت لا ينتفع بها الانتفاع المطلوب، وحالتها كما عرفت منذ القديم لا نظام فيها ولا أبنية للمستحمين حواليها. وقد عرف من تاريخ الرومان أنهم كانوا يُعنون من وراء الغاية بالحمامات المعدنية، فكانوا يبنون عليها أبنية بحسب مصطلحهم، ولكن لم نر أن العرب في هذه الديار عنوا بشيء من هذا القبيل اللهم إلا إذا كان ضاع عنا خبره لقلة التدوين. ولو أنها وقعت العناية اليوم بحماتنا على النحو الذي ينتفع به بعض الأصقاع التي تنبجس فيها مياه معدنية من إقامة المستحمات والمنازل لنزول طلاب الاستحمام وتدبيرها تدبيراً جديداً مرفهاً صحياً لكان منها منافع كثيرة لأبناء السام ومورد أرباح لها تأتي من ألوف من الغرباء والقرباء يقصدونها للانتفاع بها ويصرفون في جوارها أياماً وشهوراً يجعلون عليها مقاصير للتغميز والتمسيد، وأُخرى للتعريق، وغيرها للتبريد، وفنادق فيها شروط المدنية الحديثة، وحدائق وغابات تغرس بالقرب منها تحسن المناخ وتجمل المناظر الطبيعية
نظرة في الفلاحة الشامية الحديثة
أقاليم الشام:
أولاً: لا تقل حرارة غور الأردن عن مثلها في بعض الممالك العربية الحارة كالعراق ومصر. ففي إحدى السنين كان معدل الحرارة السنوي في طبرية ٧٠ - ٢١ درجة وهو لا ينقص عن ٥ - ٢١ درجة وقد يبلغ أكثر من ٢٢ درجة لا سيما في مناطق الغور الجنوبية. ولما كانوا يحسبون معدل الحرارة السنوي في القاهرة ٥ - ٢١ درجة وفي بغداد ٨ - ٢٢ درجة كانت حرارة الغور كافية لنمو كثير من الزروع والأشجار التي أغنت مصر وستغني العراق وأعظمها شأناً القطن. ويفضل إقليم الغور أقاليم مصر والعراق في أن أمطاره قلما ينقص ارتفاعها في السنة عن ٣٠٠ ميليمتر ولهذا يمكن زرع الحبوب الشتوية فيه عذياً، على حين لا يستطاع ذلك في مصر وفي معظم العراق لقلة الأمطار فيهما.
стр. 1003
ثانياً: ليست سواحل الشام أنقص شأناً من الغور من الوجهة المذكورة فمعدل الحرارة في حيفا ويافا وبيروت قلما يقل عن ٢٠٥٠ درجة ولهذا يجود في الساحل كثير من النباتات التي تتطلب حرارة عظيمة كالقطن مثلاً لكنه لا بد من إسقائه في كلا الإقليمين.
أما السهول ففي بعضها من الحرارة ما يكفي لنجاح القطن وهي التي لا تعلو كثيراً عن سطح البحر مثل مرج ابن عامر وسهل الغاب شمالي حماة وسهل العمق وإدلب، ويجب الري إلا في إدلب والعمق. أما في السهول المرتفعة كالغوطة وحوران والبقاع فالقطن ينتج محصولاً متوسطاً إلا أنه لا يجد من الحرارة ما يكفي لتفتح كل ثماره. ولهذا قد لا يأتي زرعه فيها بفائدة من الوجهة الاقتصادية والواجب أن لا يحل القطن مكان القنب في الغوطة مطلقاً. هذا ومن العبث البحث في زرع الأقطان في إقليم الجبال كسهل الزبداني وسفوح سنير وغيرها لأن
نصف ثماره لا يتفتح هنالك لقلة الحرارة. هذا ومن العبث أيضاً البحث في تعميم زرعه في سهول البلقاء وحوران ووادي العجم وحمص وحماة وحلب الشرقية في البعل من الأراضي، لقلة الأمطار السنوية واختلاف مجموعها بين سنة وأُخرى وإن نجحت زراعته بلا ري في بعض قرى حوران كقرية الحراك في وادي الزيدي ضربت مثلاً بها لأنها مجتمع مياه أرضية وحالة كهذه لا تصلح للقياس.
ثالثاً: ليست مقادير الأمطار واحدة في مختلف مناطق الشام. فأغزرها في السواحل دائماً. فقد دلتنا قوائم رصد الجو في مرصد الجامعة الأميركية في بيروت على أن ارتفاع الأمطار السنوية فيها لا يقل عن ٧٠٠ ميليمتر في أكثر السنين وأنه يبلغ ٩٠٠ ميليمتر أحياناً وهو رقم كبير. وتثبت أن ارتفاع الأمطار في حيفا ويافا يزيد على ٥٥٠ ميليمتر في أكثر السنين. وهكذا في باقي سواحل الشام، وفي المناطق القريبة من الساحل. أما السهول الداخلية وهي أعظم المناطق شأناً وأغناها تربة وأوسعها مساحة، فارتفاع أمطارها يختلف بين ٢٠٠ و٥٠٠ ميليمتر في السنين العادية. ولما كان ارتفاع المطر الضروري لتكوين محصول متوسط من الحبوب الشتوية لا يقل عن ٢٥٠ ميليمتر اتضح أن منتوجات الحبوب في تلك السهول تختلف اختلافاً كبيراً من سنة إلى أُخرى، تبعاً لمقادير المطر المنهمر ولتواريخ هطله في خلال السنة. وأمطار غوطة دمشق قليلة، فقد قستها
стр. 1004
بنفسي خلال عشر سنين متتابعة فرأيت أنها لا يبلغ ارتفاعها ٢٥٠ ميليمتراً في أكثر هذه السنين، وكان ارتفاعها دون مائتي ميليمتر في ثلاث سنين. فالغوطة إذن كالواحة كادت تكون صحراء لا تصلح للزرع، لولا بردى والأعوج ومشتقاتهما التي قلبتها جنةً ناضرة.
رابعاً: لا يسقط الثلج في إقليم الغور ولا تهبط الحرارة إلى الصفر. ويندر هبوطها إلى الصفر في السواحل. أما في السهول الداخلية فلا تهبط لأوطأ من عشر
درجات تحت الصفر في السنين الاعتيادية ويندر هبوطها إلى هذا الحد. لكن لكل قاعدة شواذّ ففي شتاء سنة ١٩٢٤١٩٢٥ وكانت سنة قرّ شديد هبطت الحرارة إلى ١٥ درجة تحت الصفر في دمشق و٢٠ درجة تحت الصفر في سلمية. ودام الصقيع عدة أيام فأتلف الأسباناخ والملفوف والسلق والمقدونس والبيقية والحلبة والفول وغيرها من البقول كما أتلف براعم التين والرمان وأغصان الليمون والبرتقال وبعض ورق الزيتون. وباد كثير من الأزهار والرياحين وأشجار التزيين كالمنثور والكافور والسنط والفلفل الكاذب والخروع والكزورينا وغيرها. أما الحنطة والشعير والمشمش والتفاح والكمثرى والدراق والخوخ والصنوبر والسرو والازدارخت والصفصاف والزيزفون والورد فقد قاومت فلم يمسها الصقيع بأذاه.
وأضر مما ذكر هبوط درجات الحرارة إلى ما تحت الصفر بضعة أيام في أوائل نيسان من سنة ١٩٢٥ فتلف أكثر من نصف محصول المشمش في الغوطة، واسودت أفنان الجوز، وبادت نباتات الخيار والكوسى والبنادورى البكيرة، فعاد الزراع إلى بذر بذورها ثانيةً. ولقد ذكرتُ هذه الأحداث لأن الطاعنين في السن من أرباب الفلاحة لم يرو شبيهاً لها منذ ثلاثين سنة ونيف.
خامساً: ليس لبناء التربة في الشام كبير تأثير في إمكان غرس الشجر أو عدمه في إحدى المناطق، بل العامل الأقوى هو الإقليم وذلك أن الأمطار تهطل في الشام خلال شهور معلومة ثم يعقب المطر يبوسة تدوم بضعة شهور. وتكون الرياح شديدة، والحرارة زائدة، في شهور اليبوسة، ومهما كان ارتفاع المطر السنوي كبيراً حتى في سواحل الشام فكثير من أشجار الفاكهة لا يعيش بهناء عذياً، بل لا بد من إسقائه كالبرتقال والليمون والتفاح والكمثرى والمشمش
стр. 1005
والخوخ، وليس السبب في ذلك قلة مجموع الأمطار السنوية بل انحباسها منذ أواخر الربيع وطول فصل الصيف وأوائل الخريف. فأمطار باريز مثلاً لا تزيد في السنة على أمطار
بيروت أو أمطار طرابلس لكن المطر في باريز يهطل في كل شهور السنة تقريباً فتنمو الأشجار المذكورة دون ري على العكس من حالتها في الشام.
ومن الشجر ما يعيش بلا إسقاء في جميع مناطق الشام الغربية كالزيتون والكرمة واللوز والرمان والفستق والآس والزعرور والعناب. أما مناطقها الشرقية فمنها ما يصلح دون ري للكرمة واللوز والزيتون كشرقي العاصي إلى جبال الشومرية وكالجولان وحوران وجبل حوران وعجلون والبلقاءز ومنها ما أمطاره من القلة بحيث أن الأشجار عموماً لا تنجب بلا ري، كالغوطة والمرج وشرقي سنير منطقة القريتين وبادية الشام. وينمو الكرم واللوز بلا ري بعد أن يكبر في القرى الشرقية من منطقة سلمية والحمراء. أي أن المطر في تلك المنطقة وحالة المياه الأرضية هما بحيث لو سقي الكرم سنتين أو ثلاثاً حتى تضرب جذوره في التراب، لأمكن بعدها أن يعيش بلا ري.
واختلاف الأقاليم في الشام يجعل هذا القطر صالحاً لزرع زروع متنوعة، وغرس أشجار شتى، فالغور والساحل للقطن والنخل والموز والقشطة والبرتقال والليمون والزيتون. والسهول للحبوب والزيتون واللوز والمشمش والخوخ والكرمة. والجبال للتفاح والكمثرى والكرز. وتقل الأصقاع التي تحوي كالشام أقاليم عديدة في مساحات ضيقة. وليس في العالم بلد غيرها يستطيع فيه الإنسان أن يصعد إلى ارتفاع ٢٨٠٠ متر فوق سطح البحر بعد أن يكون في أعمق من مائتي متر من هذه السوية وذلك بقطع مسافة لا تزيد على ٦٥ كيلو متر، هذا شأن الذي يكون في البطيحة أو التابغة على شواطئ بحيرة طبرية مثلاً ويريد الصعود إلى قمة جبل الشيخ فهو يعتلي ثلاثة آلف متر بقطع تلك المسافة الصغيرة.
أتربة الشام:
كثيراً ما نسمع أن الشام قطر زراعي محض وأن تربتها من أخصب الأتربة
стр. 1006
فما
معنى ذلك وما هو مبلغه من الصحة؟ أما كون الشام محض أرض زراعية فلأنها لا كبير منتوج فيها سوى منتوجات الأرض فهي إذا لم تقس بغيرها تعد قطراً زراعياً ذا شأن كبير. أما إذا قسناها ببعض الممالك الأوربية حيث الأرض خضراء دائماً، والمحاصيل كبيرة بسبب كثرة الأمطار في كل فصول السنة، أو لو قيسنا بينها وبين بعض الأقطار التي فيها أنهار عظيمة تسقي بمياهها ملايين من الهكتارات كمصر اليوم وعراق الغد، إذن لوجدنا أن الشام ليس لها شأن عظيم حتى من وجهة الزراعة لأنها ما برحت ولن تبرح أرض حبوب شتوية كالحنطة والشعير تنتج بالقليل من المطر الذي يهطل فيها. أما الأشجار المثمرة والأقطان والخضر فمقامها في الدرجة الثانية لما تتطلبه من الري على حين لا تروي أنهار الشام مساحات واسعة على ما سيجيء ذكره. ونقول لمن جعلوا ديدنهم التنويه بأن الشام من أعظم الأقطار التي تنتج أقطانا أنهم مدفوعون إلى دعايتهم هذه بعوامل سياسية، لأن القطن في الشام لا يمكن أن يكون له المقام الأول بين الزروع ما دامت معظم سهول هذا القطر لا تروى إلا بما تجود به السماء من المطر القليل الذي يكاد لا يكفي لحياة الحنطة والشعير. ويجب أن لا يتخذ القطن الإدلبي مثلاً لأن صنفه من أردإ الأصناف، ولأن منطقة إدلب وأشباهها ليست سوى جزء صغير من سهول الشام الواسعة الأرجاء. وقولي هذا لا ينفي كون زرع القطن مفيداً اقتصادياً في كل مكان يستطيع أن ينجب فيه. فمما تعنينا معرفته أن الأمكنة التي يستطيع أن ينجب فيها صغيرة إذا قيست بمجموع أراضي الشام الزراعية.
ولئن لم تجعل الطبيعة للشام حظاً كبيراً من المطر والأنهار التي تستطيع أن تروي مساحات واسعة، فلقد جادت عليه بتربة من أجود الأتربة. وهاك خلاصة ما تجب معرفته:
أولاً: تراب أهم سهول الشام طيني كلسي أكثر قرى حوران والغوطة وسهول
سلمية وحمص وحماة وبساتين حارم الخ. . . وتراب بعضها طيني رملي بعض قرى الغور والبقاع الخ. وتراب بعض آخر رملي طيني بعض قرى الساحل والسهول الشرقية القريبة من البادية. ومن المعلوم أن بناء هذه الأنواع الثلاثة يعد جيداً لا سيما الأول منها.
стр. 1007
أما من حيث غنى أتربة الشام بالعناصر الغذائية. فقد كشف التحليل عن أن معظمها غني بالحامض الفصفوريك والبوطاس. أما الآزوت نيتروجين فمقداره كبير في بعض المناطق كالغور مثلاً، وكاف في أكثرها، وقليل في بعض المناطق التي أنهكها الزرع المتتابع دون مدِّ الأرض بالسماد.
ويفيد أن أذكر كلمتين في الطبقات والأدوار الجيولوجية التي تنتسب إليها أهم المناطق الزراعية فأقول:
الأرض البركانية: إن أتربة حوران وجبل حوران واللجاة والجولان والبطيحة وجبل المانع والصفا وغربي العاصي بين حمص وحماة الخ هي أرض بركانية بزالتية متكوّنة من اندفاعات البراكين.
الأرض الطباشيرية: هي أوسع الأرضين في الشام وإليها تنتسب معظم جبال لبنان وسنير وحرمون وعجلون والكرك والصلت وسهول البلقاء وجبل نابلس وتدمر الخ.
الأراضي المنسوبة للدور الثلاثي: منها معظم جبل العلا الواقع بين حماة وسلمية، ومنها جنوب البقاع بدءاً من مجدل عنجر وسهل متسع حوالي حلب وسواحل فلسطين وقمة جبل قاسيون في دمشق مع امتداده نحو قرية القطيفة، وقسم كبير من قلمون وقسم من الجبل الأبيض بالقرب من تدمر، ومساحة واسعة حول شواطئ الفرات بعد الراسبات الرباعية الخ.
الأراضي المنسوبة للدور الرباعي: في الشام كثير من الطبقات الأساسية سترت
براسبات من الدور الرباعي وأكثر ما تكون الرواسب في السهول كالبقاع والغوطة والمرج ومرج ابن عامر وسهل الرملة ولدّ وسهل عكار وعلى طول الفرات الخ.
حراج الشام:
إذا رجع المرء إلى كتب الأقدمين يرى أنه كان للحراج في الشام شأن وأي شأن. وأهم أشجار هذه الحراج ومواقعها ومساحتها لعهدنا هذا، على وجه التقريب:
أشجار الحراج: أعظمها شأناً أشجار البلوط وهي على قسمين قسم يظل
стр. 1008
مكتسياً أوراقه في الشتاء وآخر تسقط أوراقه فيه. فمن الأول السنديان والبلوط الأخضر وهي أشجار صعبة المراس جبارة تعيش في الساحل وتعلو مع مختلف المناطق إلى ألف متر عن سطح البحر. ومن الثاني الملول والبلوط المسمى عفصاً. ولأشجار الصنوبر شأن لا يفوقه سوى شأن البلوط. وأهمها الصنوبر المثمر وهو يشاهد في الساحل وفي المناطق التي لا يزيد علوها على ألف متر عن سطح البحر. ويغرس في لبنان حمانا، برمانا، بيت مري، بكفيا الخ لأن خشبه وثماره مرغوب فيها. ويليه الصنوبر الحلبي وهو الأكثر شيوعاً يعيش في كافة الأقاليم الزراعية حتى في ارتفاع ١٥٠٠ متر عن سطح البحر. ومنه حراج ملتفة في عكار والضّنّية وقزل طاغ ويستخرج منه القطران ويستعمل في الدباغة.
ومن أشجار الفصيلة الصنوبرية التي تشاهد في غابات الشام السرو والتنوب أو الشوح وهو يكثر في الجبال الشامخة حيث يختلط بالأرز ثم العرعر والدفران والأرز وجميعها تعيش في الجبال العالية.
وكثيراً ما يعثر المرء في غابات الشام على أشجار مثمرة برية مثل الكمثرى والزعرور والخوخ والسدر والزيتون والخروب وغيرها. كما يشاهد أشجاراً مختلفة كالبطم في البلعاس والدلب على شواطئ الأنهار واللبنة أو الأبهر في لبنان ووادي التيم والعجرم وهو مبذول والغار في غور الأردن الخ.
مواقع الحراج: إذا سرنا اليوم من شمال الشام إلى جنوبها نرى الغابات الآتية:
أحراج السفح الممتد بين سلسلتي جبال اللكام مساحتها نحو ١٠٠٠٠ هكتار الهكتار عشرة آلاف متر مربع وأهم أشجارها البلوط والصنوبر الحلبي ويليهما الأبهر والأشجار المثمرة البرية. وفي منحدرات الجبال مثل هذه المساحة تقريباً مكسوة بالشجر لكن حالة شجرها سيئة.
ب حراج كرد طاغ وتمتد من راجو إلى الحمام، ومساحة الشجر الملتف فيها ألف هكتار تقريباً وأشجارها السنديان والصنوبر الحلبي. ويلحظ أن فأس المحتطبين لا تكفّ عن العمل بها، وأن أضعاف هذه المساحة كانت فيما مضى حراجاً جميلة.
ج حراج رأس الخنزير قزل طاغ. أهم شجرها الصنوبر الحلبي وأنواع البلوط. تبلغ مساحة ما تلتف أشجاره منها نحو ١٥٠٠٠ هكتار إلا أن
стр. 1009
ضعفي هذه المساحة كانت غابات ملتفة فإذا هي اليوم جرداء أو فيها أشجار حقيرة متفرقة. ويصنع القطران من صنوبر هذه الحراج في أرسوس وأنطاكية.
د حراج الأردو والباير والبسيط: مساحة القسم المكتسي بالشجر اليوم ١٠٠٠٠ هكتار تقريباً. وأهم شجرها الصنوبر الحلبي وأنواع البلوط ويليها الدلب فيما انخفض من الأرض. ويجب الاحتفاظ بهذه الغابات من عيث الماشية لأن بعض أشجارها بدأت تتلف.
هـ حراج العمرانية: شجرها السنديان والملول وقليل من الصنوبر الحلبي ومساحتها ٢٠٠٠٠ هكتار تقريباً، ويلاحظ أن أكثر أشجارها الباسقة قطعت إلا في الماقع الكبيرة الانحدار التي يشق الوصول إليها، فأن أشجارها لا تزال باسقة. ومن المؤسف أن القطع لا يزال متواصلاً في هذه الحراج لنقل الحطب أو لصنع الفحم ونقله إلى حماة وحمص.
وحراج عكار والضنية: هي من أجمل الغابات وأهم شجرها السنديان والملول
ويليهما الصنوبر الحلبي والسرو والعرعر والأرز. ومساحتها ١٠٠٠٠ هكتار على وجه التقريب.
ز حراج الهرمل وإهدن وتنورين. تبلغ مساحتها نحو ٥٠٠٠ هكتار.
ح حراج الصنوبر في لبنان: زرع اللبنانيون كثيراً من بزور الصنوبر المثمر وغرسوا كثيراً من غراسه فتكوّن منها حراج جميلة تشاهد في كثير من قرى لبنان. أما حراج الأرز القديمة فقد أتت عليها أيدي الجهل وبعض بقاياها في الباروك.
ط حراج البلعاس: يقع جبل البلعاس على نحو خمسين كيلو متراً شرقي سليمة وفيه أشجار قديمة من البطم. لعبت بها أيدي البدو والمحتطبين الذين يأتون بمركباتهم كل يوم من سلمية إلى البلعاس فيقطعون الشجر ويبيعون الحطب في سلمية وحمص وحماة على بعد المسافة. وقد أكد بعضهم من بدو وحضر وبعض الضباط الذين اخترقوا البلعاس مراراً أن مساحته تبلغ ٣٠٠٠٠ هكتار تقريباً، وأن الشجر متفرق في أكثر أقسامه لكنه يلتف في بعض المواقع.
ي حراج عجلون: هي من أوسع حراج الشام وأجملها. أشجارها السنديان والملول والصنوبر والحلبي وغيرها. وفيها مواضع أشجارها ملتفة وأُخرى أنهكها القطع.
стр. 1010
هذه هي أهم غابات الشام وثمة غابات ومحتطبات لا كبير شأن لها اليوم لما لحقها من الأذى بسبب انكباب الإنسان على قطعها أو عيث الماشية بها، مثل غابات بعلبك وسنير وجبل الشيخ والقنيطرة وصفد والناصرة والكرمل والصلت وغزة وغيرها. وكانت الحكومة التركية خلال الحرب الكبرى ١٩١٤ - ١٩١٨ تأمر بقطع الشجر بلا روية لاستعماله بدلاً من الفحم الحجري الذي كان يعزوها.
الري في الشام:
يروى اليوم في الشام عدا فلسطين وشرقي الأردن مساحة تقدر بنحو ٧٧٠٠٠
هكتار على وجه التقريب وأهم المناطق التي تروى هي الغوطة والمرج اللذان يسقيان من بردى والفيجة والأعوج ومشتقاتهما ومن قُني موضعية. وتقدر المساحة التي تروى من هذا السهل الواسع بنحو ٢٥٠٠٠ هكتار ويسقى في وادي العجم من نهر الأعوج نحو ٥٠٠٠ هكتار. ويسقى في حمص بمياه القناة التي تشتق من بحيرة حمص بساتين واسعة. وفي الزبداني سهل يبلغ ١٢٠٠ هكتار يروى من أنهار صغيرة وينابيع. ويسقى في القنيطرة والزوية نحو ٢٠٠٠ هكتار لا سيما في البطيحة وشمالي بحيرة الحولة إلى الشرق. وفي حماة نواعير لا يقل عددها اليوم عن ثمانين ناعورة تبدأ بين حمص وحماة وتمتد شمالاً إلى العشارنة وتسقي نحو ١٥٠٠ هكتار. وفي سلمية والقرى التي في تلك المنطقة قنوات عديدة قديمة داثرة أخذ الأكارون منذ بضع سنوات يكرزنها ويعيدونها إلى سالف عهدها وزفي جيرود والنبك ويبرود ودير عطية والقرى المجاورة لها قنوات وينابيع تسقي ٢٥٠٠ هكتار تقريباً.
وفي لبنان نحو عشرة آلاف هكتار من الأرض التي تروي، أهمها ١٢٠٠ هكتار تقريباً فيها من شجر الليمون والبرتقال في طرابلس. ويتلوها بساتين واسعة حول بيروت وصيدا وصور ورأس العين والهرمل وبعلبك وبعض قرى البقاع الخ.
ومما يسقى سهل عكار والبقيعة وحول اللاذقية وبعض أرض العمق وأرباض
стр. 1011
أنطاكية ومدينة حلب والإسكندرونة. أما في جنوب الشام فلسطين فأعظم الأرض شأناً ما يسقى شمالي بحيرة الحولة حيث نهر الحاصباني والبانياسي واللَّدان أي أصل الأردن. ثم الغوير ومجدل طبرية ثم بيسان وما حولها مما يسقى من نهر الجالوت ثم سهل عكا ثم ضواحي مدينة يافا حيث يسقى نحو ٢٠٠٠ هكتار من شجر البرتقال والليمون بواسطة آبار ترفع مياهها بالمحركات.
ومما يستطاع إسقاؤه من الأرض في المستقبل إذا وجد رأس المال الكافي للقيام
بأعمال عظيمة للري. حتى لتبلغ مساحته ضعفي المساحة التي تسقى اليوم وربما إلى ثلاثة أضعافها، الأراضي الواقعة حول النهر الأسود عند مصبه وحول نهر عفرين وسهل العمق نحو ٢٠٠٠٠٠ هكتار وسهل الغاب الممتد شمالي قلعة شيزر سيجر نحو ٦٠٠٠٠ هكتار والسهل الواقع شرقي جسر الشُّغُر والسهل الممتد بين صيدا وصور وحول بحيرة الحولة وأرض واسعة في الغور بين بحيرة طبرية وبحيرة لوط الخ.
زروع الشام وأشجارها:
نذكر هنا بإيجاز أهم ما يزرع في الشام من الحبوب والبقول والنباتات الصناعية وما يغرس من الشجر المثمر، ثم ما ينبت لنفسه من النباتات الطبيعية المفيدة.
الحبوب: أهمها الحنطة فالشعير فالذرة الصفراء والبيضاء فالأرز فذرة المكانس.
الحنطة: أعظم الزروع شأناً وأغزرها محصولاً وأعمها انتشاراً. يقدر ما نتج منها في سنة ٩٢٢ ب ٣٤٥٨٠٠ طن الطن أربعة قناطير في الشام عدا فلسطين وشرقي الأردن وأشهر أصنافها الحورانية والبياضية واليبرودية والبقاعية والحمارية والنورسية وحنطة عين غرة والدوشانية والشلمونية والهيتية. فالحورانية تعرف بساق متوسطة وسنبلة غليظة كثيفة مربعة ذات سفا لونها إلى سمرة وحب سمين قاس إلى حمرة. وهي أجود الأصناف وأعمها. تزرع في حوران ووادي العجم وفلسطين والبلقاء وحلب، وبالاختصار في كل أنحاء الشام على درجات متفاوتة. أما موطنها الأصلي فحوران. وللحنطة البياضية سنبلة بيضاء
стр. 1012
طويلة وَبِرة نصف فَرِقة ذات سفا، وحب أبيض سمين مكسره نصف دقيقي وهذا الصنف يزرع في الغوطة والمرج ووادي العجم خاصةً.
وللقمح اليبرودي ساق طويلة صلبة ثخينة نصف فارغة، وسنبلة مستطيلة كثيفة ذات سفا، وحبات ضاربة إلى البياض مكسرها قرني. وهذا الصنف يزرع في
دومة وقلمون. وللحنطة البقاعية سنبلة دكناء إلى سواد، وحب إلى سمرة وهي تزرع في البقاع. أما القمح الحماري فهو يزرع في جمص وحماة وما جاورهما. وأما النورسي فيزرع في فلسطين وهو يعرف بسنبلة مستطيلة ذات سفا، وحبات مستطيلة حنطية إلى حمرة.
وقمح عين غرة أشهر الأنواع في الغوطة، وله ساق طويلة فارغة. وسنبلة سمراء متوسطة الكثافة ذات سفا إلى سواد، وحب سمين طحيني اللون. أما الدوشاني فله سنبلة فرقة طويلة لا سفا لها، وحب أبيض ثخين، وهويزرع في البقاع وبعلبك وفي الغوطة على الندور. ويزرع السلموني في الأمكنة الجبلية ويعرف بسنبلة مستطيلة فرقة ذات سفا، وحب مستطيل ذي مكسر دقيقي. والقمح الهيتي من الأصناف التي تزرع في الكرك والبلقاء، وسنبلته ذات سفا، وحبه حنطي إلى حمرة. وقد جرب على القمح الطلياني في الغوطة فأتى بأحسن محصول.
الشعير: هو في الشام أشهر الزروع بعد الحنطة وأكثرها منتوجاً، وقد قدرت غلاته في سنة ١٩٢٢ بنحو ١٨٢٥٠٠ طن في الشام عدا فلسطين وعبر الأردن. وهوعلى صنفين العربي والرومي. فالعربي ساقه قصيرة فارغة وسنبلته على صفين وهي مستطيلة ذات سفا طويل. وحباته أقل غلظة من حبات الشعير الرومي. ينضج قبل الرومي وهو أشهر منه ولا يتطلب مثله أرضاً غنية. أما الشعير الرومي فسوقه غليظة فارغة يتخللها عقد ملآنة وسنبلته على ستة صفوف، وهي متوسطة الطول كثيفة ذات سفا. يكثر هذا الصنف في الغوطة والمرج وهو يتطلب أرضاً غنية مسمدة.
وتزرع الذرة الصفراء في أنحاء الشام في الأرض التي تسقى، أما الذرة البيضاء فتزرع عذياً في أنحاء فلسطين وفي عجلون ولا سيما في مرج ابن عامر. وأما الأرز
стр. 1013
فيزرع في الحولة وهو قليل الشأن. ومن حبوب الفصيلة القرنية الشائعة ما
تُعلفه الماشية كالبيقية والجلبان والكرسنة والحلبة. ومن الكلإ الفصفصة وهي ذائعة في الأماكن التي تسقى.
البقول: لا تعيش أكثر الخضر والأبازير بلا ري في أقاليم الشام كافةً ولهذا يستدل من وجودها في أرض على كونها مما يمكن إسقاؤه. وأنواع الخضر التي تزرع كثيرة جداً وكلها تستهلك في القطر.
الزروع الصناعية: أشهرها القنب والقطن والسمسم. أما الكتان والنيلة والحناء والخشخاش والخروع فليست ذات بال في الشام. فالقنب يزرع في الغوطة وفي حلب، لكنه في الغوطة أعظم شأناً، إذ تقدر فيها مساحة الأرض التي تزرع قنباً بنحو ألف هكتار في كل سنة، أما في حلب فقلما تزيد على مائتي هكتار. وزراعة القنب رابحة لأسباب شتى أهمها كون هذا النبات لا يتطلب عنايات غير التعطين بعد قلعه، وكونه في مأمن من الأمراض والحشرات حتى إن الماشية لا تأكل ورقه. وقد ألف إقليم الغوطة الوسطى وصار من زروعها الأساسية التي لا يرجح عليها سوى أشجار الفولكه. ومن الغلط الفاحش أن يقوم بعضهم فيبحث في استبدال القطن به، لأن للقطن أقاليم غير إقليم الغوطة، ولأنه تصيبه عاهات لا تصيب القنب. هذا عدا العنايات التي تستلزمها زراعة القطن مما لا لزوم له في زرع القنب.
القطن: يمكن زرع القطن بلا ري في الشمال كمنطقة إدلب ودانة وريحا حيث قدر ما ينتج منه سنة ١٩٢٣ بنحو ١٣٠٠٠ بالة. وقد علمت أنه نتج هنالك وفي باقي المناطق التي يزرع القطن فيها نحو ١٥٠٠٠ بالة في سنة ١٩٢٥. ولكن للقطن الذي ينتج في البعل من أرض منطقة إدلب شعر غليظ مجعد وهو لا يصلح إلا للمنسوجات الغليظة، ولهذا لا يباع إلا بنحو نصف ثمن القطن المصري عادة. أما الأقطان المصرية فلا تنجب إلا في الأرض التي تسقى.
السمسم: زرع السمسم شائع في فلسطين وعجلون ولا سيما مرج ابن عامر حيث ينجب في ألأرض البعل كالذرة البيضاء. ويزرع منه قليل في الغوطة ووادي العجم وهناك يكون زرعاً مسقياً. والغاية من زرعه استخراج زيت الشيرج المعروف من بزوره وتتكون أثناء عصر هذه البزور مادة الطحينة المعلومة.
стр. 1014
المنتوجات الطبيعية: تُنبت الطبيعة في بعض الأرجاء نباتات طبيعية لها شأن في اقتصاديات البلاد مثل السوس والكمأة. فالسوس ينبت في سهل العمق وجسر الشغر حيث أجود عروقه، ثم في إنطاكية والباب ومنبج ودير الزور والسويدية وكلها في الشمال. وينبت أيضاً في الغوطة والمرج. ويقدر ما يقتلع من عروق السوس في الشمال بنحو عشرة آلاف طن كل سنة، وكلها تنقل إلى إسكندرونة حيث تسحق وتشحن إلى أميركا خاصة. أما في الغوطة والمرج فيقتلع نحو ألف طن سنوياً. وفوائد عرق السوس عظيمة وهو يضاف إلى عدد كبير من الأدوية ويصنعون منه في دمشق شراباً سكرياً لذيذاً يزيد الإدرار.
وليس للكمأة مكانة السوس وهي لا تكثر إلا في السنين الغزيرة الأمطار. وتنبت في قلمون وجيرود وكثير من القرى الشرقية القريبة من البادية. ويختلف مقدار ما يرد منها إلى المدن باختلاف السنين.
الأشجار المثمرة:
أسماها مكانةً الزيتون فالكرم فالبرتقال فالليمون فالمشمش فالتين فالفستق فالحوز. أما باقي الأشجار فتأتي في الدرجة الثانية وأنواعها كثيرة مثل التفاح والكمثرى والخوخ واللوز والرمان والدراق والسفرجل والموز والنخل والآس والصبار والتوت والعناب والخروب الخ.
الزيتون: أفضل الشجر وأعمه في مختلف المناطق. وهو يكثر في جزين والمختارة والشويفات وزغرتة والكورة، وفي الغوطة والمرج، وضواحي طرابلس
وفي طرطوس وصافيتا وجبلة واللاذقية والباير وفي أرباض أنطاكية، وفي السويدية والقصير وكردطاغ، ويقل حول حلب والباب وسلقين وإدلب. وقد اشتهر في الجنوب زيت الرامة كما اشتهر زيتون جبال نابلس والقدس وسهول لدّ والرملة. وينجب الزيتون في البعل من الأرض ولا يسقى إلا في الغوطة والمرج وفي القرى القريبة من البادية. وأصنافه كثار أشهرها في دمشق الدان والأخضر أو المصعبي والجلط والتفاحي. وأشهرها في لبنان الصوري والشامي والمصري والشتوي والعيروني وبيض الحمام والبلدي. وأعمها في اللاذقية الخضيري والطمراني وقلب الطير. وفي الإسكندرونة القرماني والخلخالي والرماني والتفاحي الخ.
стр. 1015
فالدان أنفع الأصناف بدمشق وأغناها زيتاً ١٨ - ٢٠ في المئة يستخرج الزيت منه وقلما يؤكل أخضر أو مكبوساً. يبلغ طول ثمرته ٢٠ ميليمتراً وعرضها ١٣ ميليمتراً وهي تسودّ بعد أن تنضج. وشجرة الزيتون الأخضر أو المصعبي كبيرة أحد طرفيها حاد يبلغ طولها ٣٢ ميليمتراً وعرضها ٢٤ ميليمتراً، وهي تقطف خضراء وتكبس ولا تعصر لاستخراج زيتها. وثمرة الجلط كبيرة مستطيلة سوداء تشبه ثمرة البلح شكلاً طولها ٣٥ ميليمتراً وعرضها ٢٥ ميليمتراً وهذا الصنف أغلى الأصناف وأجودها مكبوساً ويندر عصره لاستخراج زيته منه.
الكرم: الكرم شائع كثير في الشام، وتقدر مساحة الكروم بنحو ستين ألف هكتار عدا فلسطين وشرقي الأردن. وأوسع الكروم اليوم في الصلت ودومة وداريا بالقرب من دمشق وفي زحلة وبحمدون وحمص وتلبيسة بالقرب من حمص وفي حلب الخ. ولا تخلو قرية من قرى لبنان ووادي التيم وجبال النصيرية وقلمون من قليل من الكروم. والكرمة تعيش في البعل من الأرض لا يسقى من الكروم إلا ما كان منها في الغوطة والمرج وفي أرجاء سلمية. وتؤكل الأعناب أو تصنع زبيباً أو دبساً أو خلاً أو عرقاً أو نبيذاً. والكرم أصناف عديدة، أشهرها الزيني والبلدي
والأحمر والأحمر الداراني والدربلي والحلواني والأسود في دمشق والغوطة، والفضي والقاصوفي والشقيفي والقمحاني والمريمي والخانقي وبيض الحمام والزحلاوي في وادي التيم والبقاع، والجحافي والبياضي في سلمية. وعنب الشيخ واصبع الست في الإسكندرونة الخ.
وقضبان الزيني طوال سلاميتها متوسطة وعناقيده ضخمة نصف كثيفة وورقه كبار مشرحة بشقوق عميقة حافاتها مسننة وثمرته مستطيلة قشرتها بيضاء غليظة ولبها مائع. تؤكل ثمار هذا الصنف ولا يصنع منها زبيب أو خمر وهي من أجود الأعناب.
وعناقيد البلدي رَهِلة وثمرته أسطوانية طويلة بيضاء إلى خضرة، ذات قشرة ملتصقة باللب واللب لحمي قاسٍ لذيذ. وثمار هذا الصنف كالسابق تؤكل ولا يصنع منها شيء. وليس العنب الأحمر من الأعناب اللذيذة ويصنع منه زبيب ودبس وخمر وعرق. أما الأحمر الداراني فثمرته قليلة الحمرة مستديرة مع شيء من الاستطالة لبها نصف لحمي لذيذ وهي تؤكل ويصنع منها زبيب ومسكرات
стр. 1016
ويعادل ثمن هذا الصنف ثمن العنب الزيني.
والفضي من أجود أعناب وادي التيم ثمرته مستديرة متوسطة الجرم قشرتها رقيقة صفراء ولبها يكاد يكون مائياً وبزورها متوسطة. أما القاصوفي فثمرته أسطوانية منتفخة قليلاً في وسطها نصف لحمية بيضاء إلى خضرة وهي أصغر قليلاً من ثمرة العنب الزيني.
البرتقال والليمون الحامض: ذكر علماء النبات أن موطن هاتين الشجرتين الأصلية في شرق آسيا، وأن الفضل يعود إلى العرب في نقلهما إلى سواحل بحر الروم. وهما ينجبان في الغور وسواحل الشام ولا بد من إسقائهما. أما في مناطق السهول المرتفعة والجبال كالغوطة وحوران وحلب والزبداني مثلاً فإن هبوط الحرارة في
الشتاء إلى بضع درجات تحت الصفر يودي بحياتهما، ولهذا لا يزرعان في تلك الأرجاء إلا في حدائق البيوت حيث يكونان بين جدران تقيهما تأثير الرياح الباردة فيهما.
وأوسع بساتين البرتقال والليمون اليوم في يافا نحو ٢٠٠٠ هكتار ثم في طرابلس نحو ١٢٠٠ هكتار ويليهما منطقة الإسكندرونة درت يول وبياس وبيروت وصيدا وصور وعكا الخ.
وأجود أصناف البرتقال اليافاوي أو اليافوني شموطي ثمرته ضخمة بيضية ذات قشرة غليظة ولب قاسٍ لذيذ، لكنه قليل العصارة لا سيما بعد تمام نضجه. وهو ينقل بسهولة إلى القاصية مثل إنكلترا حيث يرجح على كثير من الأصناف. ومما يستملح فيه سهولة تقشيره دون تلويث اليدين.
ومن أكثر الأصناف انتشاراً البرتقال البلدي وهو ذو ثمرة كروية أصغر من ثمرة اليافاوي قشرتها رقيقة ولبها كثير العصارة. وهذا الصنف لا يصلح للأسفار مثل اليافاوي. ومن أصناف البرتقال الماوردي وهو يعرف بقشرة رقيقة حمراء ملتصقة باللب ولبٍ أحمر كثير العصارة. وهذا الصنف لا يألف الأسفار الطويلة وتقشيره صعب.
كان يقدر محصول البرتقال في يافا في سنة ١٩١٤ أي في بدء الحرب الكبرى بنحو ١٨٥٠٠٠٠ صندوق، أما بعد الحرب فقد هبط المحصول إلى ١٤٠٠٠٠٠ صندوق تقريباً. وقد زاد في العهد محصول البرتقال اليافاوي وبعبارة أصح
стр. 1017
الفلسطيني أربعة أو خمسة أضعاف ما كان عليه ربع قرن. وكان محصول طرابلس قبل الحرب ٨٠٠٠٠٠ صندوق من البرتقال و ٢٤٠٠٠٠ صندوق من الليمون الحامض على وجه التقريب يحتوي الصندوق على ١٥٠ برتقالة أو ٣٠٠ ليمونة. أما بعد الحرب فهبطت هذه المقادير إلأى نصفها. ويشحن معظم محصول
يافا إلى إنكلترا ومصر، أما محصول طرابلس فإلى أوديسا وبلغاريا والقسطنطينية ومصر. وكذا محاصيل صيدا والإسكندرونة.
المشمش: يمكن غرس المشمش في جميع أقاليم الشام الزراعية وليس فيها ولا يصلح له سوى الجبال العالية حيث يخشى على أزهاره وفراخه من تأثير الصقيع فيها في الربيع. وهو لا ينجب في غير الأرض التي يمكن إسقاؤها. وأعظم مغروساته في الغوطة والمرج ووادي العجم ووادي بردى وحول صيدا وبيروت وبعلبك وأنطاكية وأرسوس. ومنه قليل في كثير من البلدان التي يمكن فيها إسقاؤه. وأشهر أصنافه اليوم الحموي والبلدي والسندياني والوزري والعجمي والكلابي في دمشق ثم اللوزي في الساحل.
وللحموي ثمرة متوسطة الحجم صفراء ذهبية لامعة تذوب في الفم وتهضم بسهولة وداخلها بزرة حلوة. وهي أجمل ثمار المشمش منظراً وألذها طعماً وأعطرها رائحة وأغلاها ثمناً تؤكل رخصة ولا يصنع منها قمر الدين. أما ثمار المشمش البلدي فكبيرة ضاربة إلى حمرة ضمنها بزور حلوة وتجيء في اللذة بعد الحموي، تؤكل رخصة ويصنع منها ألذّ المفلقات النقوع. وتبلغ أشجار هذا الصنف عشرين في المائة من مجموع
стр. 1018
شجر المشمش في الغوطة والمرج. أما الحموي فلا يزيد على خمسة في المائة. ويشبه المشمش السندياني الحموي بشكل ثماره وشتان بين الثمرتين في اللذة لأن السندياني هو تقليد الحموي كما يقول الدمشقيون. ونسبة البلدي إلى الوزري من هذه الوجهة كنسبة السندياني إلى الحموي أما المشمش العجمي فثماره كبيرة جميلة المنظر صفراء أي خضرة لبها قاسٍ وطعمها سكري لكنه مجرد عن طعم المشمش الخصوصي بل هو يشبه طعم الدراق، ولهذا لا نستملح هذا الصنف وهو غير شائع. وثمار المشمش الكلابي أصغر الثمار حجماً وأردؤها طعماً وهي صفراء إلى حمرة بزورها مرة، وهذا الصنف أشهر
الأصناف في الغوطتين إذ تبلغ نسبته نحو ٧٠ في المائة من مجموع شجر المشمش، ومنه يصنع قمر الدين المشهور. وهو يولد من بزوره ولا يطعم فهو إذن أقرب الأصناف إلى المشمش البري. وثمرة المشمش اللوزي فس الساحل شبيهة بثمرة الحموي بدمشق ولعلهما صنف واحد.
دمشق مركز تجارة المشمش وما يصنع منه، ومنها يصدر قمر الدين والنقوع وبزر المشمش إلى مصر والأناضول وإلى أميركا الشمالية ويقدر اليوم متوسط حاصلات المشمش في الغوطة والمرج بنحو اثني عشر مليوناً من الكيلو غرامات سنوياً منها نحو ٨٠ في المئة من المشمش الكلابي الذي يصنع منه قمر الدين، ويظهر أن مستغلاته قبل الحرب الكبرى كانت أعظم منها اليوم.
الفستق: إن غابات البطم في البلعاس وبقية أشجار الفستق الهرمة في قرية عين التينة تحمل على دعوى أن الشام من البلاد التي تعد بلاد الفستق الأصلية. وتكاد زراعة الفستق لا تتجاوز اليوم حلب حيث تأتي أجود ثماره وألذّها وأغلاها ومن أصنافه في تلك المدينة الأبيض المراوحي والعاشوري والعليمي والباتوري وناب الجمل والعينتابي، ويقدر ما ينتج من أثماره حوالي حلب بنيف ومائة وألف كيلو في السنة.
الحيوانات الدواجن في الشام:
الخيل: الخيل في الشام ثلاثة أصناف العراب أو الأصيلة، والبراذين أو ما تعرف اليوم بالكدش، والمولدة وهي التي تولد من أُم عربية وأب أعجمي أو على العكس. ففي الحالة الأولى يسمى المولّد هجيناً، وفي الثانية مقرفاً.
تجلب الكدش من الأناضول خاصةً وهي بشعة المنظر إذا قيست بالخيل العراب، لا تركب بل تصلح لحمل الأثقال أو جرها أو درس الحصائد وعددها عظيم يبلغ نحو سبعين في المائة من مجموع خيل الشام. أما الخيل المولّدة فأجمل من البراذين وأقوى وهي تركب أكثر ما تستعمل في جر المركبات في المدن ونسبتها للمجموع نحو ٢٠ في المائة.
وأجمل الخيل في العالم هي العراب وتحليتها علمياً كما يلي: مستقيمة الرأس متوسطة الجثة طول أعضائها متوسط لها رأس مربع وجبهة مسطحة ومقدم مستقيم ووجه متوسط الطول، وفكان متباعدتان ومنخران جامدان ومرنان معاً، وأذنان
стр. 1019
حساستان وعينان كبيرتان تنمان عن ذكاء، وعنق رشيق شديد العضل، وظهر مستقيم وردف أُفقي مكتنز، وعجزان مستديران وصدر واسع وبطن صغير، وقوائم رشيقة قوية العضل عمودية لا عيب فيها، وأوتار جلية ومفاصل عريضة وجلد رقيق مرن وشعر لامع قصير وعرف وسيب طويلان ناعمان متموجان. ومجموع الجواد العربي آية في انتظام تكوينه فهو جميل قوي شهم، ولا ريب أنه أكمل جواد على وجه الأرض.
ويختلف لون الخيل العراب وقد استفاضت شهرة الشُهْب والشُقْرِ والكُمْتِ. وأجملها الشهب المدنرة أي التي يخالط الشهبة فيها نكَتٌ سودٌ أبيض مبقج أو أزرق مبقج.
وزن الجياد العراب بين ٤٠٠ و ٤٥٠ كيلو غراماً ارتفاعها ١. ٤٢ إلى ١. ٥٥ متر، ودورة صدرها ١. ٧٢ إلى ١. ٧٨ متر، وتصلح الخيل العربية للركوب والسباق خاصةً وإن من إسفاد ذكورها على إناث إنكليزية غير كريمة منذ بضعة
قرون تولدت الجياد الإنكليزية الصافية السبّاقة الشهيرة التي يقصر اليوم عن إدراكها كل جواد في حلبة السباق.
وأجمل الخيل العراب ما كان في دمشق وحمص وحماة ولدى بعض الأسر والعشائر القديمة كالدنادشة في تل كلخ والموالي في شمال الشام. ولا تزيد نسبتها على عشرة في المائة من مجموع عدد الخيل لدى أهل الحضر من الشاميين.
الحمير: في الشام ثلاثة عروق من الحمير: الآسيوي والمصري والقبرصي أو الأوربي. فالصنف الأسيوي هو الأشهر تبلغ نسبته ٩٥ في المائة من مجموع حُمر الشام لونه إلى سواد وارتفاعه متر إلى متر وربع، وهو حيوان الفقراء، يصلح للركوب والحمل ولا يوازيه حيوان بصبره وقناعته وفوائده الجمة إذا قيست بالعلف القليل الذي يُعلفه. أما الحمر المصرية فبيضاء اللون ارتفاعها أكبر من ارتفاع الحمر الأسيوية ولا تستخدم إلا للركوب وهي جميلة المنظر سباقة في نوعها وثمن الجيد منها غالٍ لا سيما في المدن. أما الحمر القبرصية فتعرف من كبر قدها إذ يبلغ ارتفاعها ١. ٣٠ إلى ١. ٤٠ متر وهي تستعمل في سفاد إناث الخيل للحصول على بغالٍ عظيمة القد قوية البنية.
البغال: تحصل من إسفاد الحمر القبرصية على البراذين كدش وهي
стр. 1020
ذات قَدّ يقرب من قد البراذين فهي إذا صغيرة القد وفائدتها بقناعتها وقوتها وتحملها الأتعاب وقيامها بأعمال تشق على كل حيوان غيرها. فهي تستخدم مثلاً في الحرث بمحاريث حديثة لأن بقر الشام صغير الجثة لا يقوى على إثارة الأرض بها. وتحمّل أثقالاً في المناطق الجبلية الوعرة المسالك كوادي التيم والقرى الجبلية من أقليم البلان وتجر المركبات الضخمة المحملة بضاعات ومؤناً على الطرقات المعبدة في لبنان وبين دمشق وبيروت. ومَن منا لم ير في لبنان وبيروت المركبات الشهيرة التي تسمى كارات يجرها أربعة بغال مصفوفة بعضها أمام
بعض على سطر واحد. ولقد ترك الجيش الإنكليزي في الشام عقب الحرب الكبرى عدداً عظيماً من البغال الكبيرة القد لا تبرح بقاياها في دمشق إلى يومنا هذا. وهي تتطلب عنايات كثيرة وعلفاً زائداً ولا تتحمل المشاق بقدر البغال الشامية.
البقر: بقر الشام من العرق الآسيوي القصير الرأس ذي الجبهة المستقيمة العريضة وهو على ثلاثة أصناف: البلدي والعكش والجولاني أو الخميسي فالبقر البلدي شائع في الغوطة وفي أرجاء العاصي ويسميه الحمصيون البقر الحلبي والحمويون البقر الشامي وهو كبير طويل القامة متر وربع إلى متر ونصف صلب العود قصير الرأس والقرون ناعم الجلد تغلب الشقرة على لونه وقد يكون كميتاً أو إلى سواد أحياناً. ووزنه ٣٠٠ - ٥٠٠ كيلو غرام وهو بالنظر إلى كِبَر قده أقرب الأصناف إلى البقر الأوربية ولذا يصلح للحرث حرثاً عميقاً إذا علفت أنثاه علفاً غزيراً تحلب في الغوطة طول السنة تقريباً. ويُحسب أنها تدر عندئذ ١٢ - ١٥ كيلو في اليوم خلال ستة أشهر عقب الوضع و ٨ - ١٠ كيلو في اليوم في الثلاثة أشهر التي تليها ثم ٤ - ٥ كيلو في اليوم خلال شهرين آخرين. فيكون الوزن المتوسط لما تدرّه من اللبن في السنة ٢٥٠٠ - ٢٧٠٠ كيلو.
ولا يألف البقر البلدي أقاليم الشام بأسرها بل يتطلب إقليماً معتدلاً ورطباً، ولهذا يندر أن تراه في غير البساتين وهو لا يقاوم الحر في السهول التي لا ماء للري فيها كحوران والبلقاء وسهول حمص وحماة وغيرها. وعدده ليس عظيماً ولا يزيد على ١٠ أو ١٢ في المائة من مجموع بقر الشام. ويسمى البقر الجولاني بأسماء مختلفة فيقال له الخميسي في النبك والزبداني والبزري في حماة. ويغلب
следующие страницы →