جميع أهل الأديان من الشاميين، ولم يلبث نطاق الهجرة أن توسع، وما نراه في اللبنانيين الشرقي والغربي، وما إليهما من الجبال من الدور والقصور عمر أكثره بدراهم أميركا، ويقدّر اليوم المهاجرون إلى أميركا الشمالية والجنوبية واستراليا وغيرها من البلاد التي ترحب بالأيدي العاملة بزهاء سبعمائة ألف مهاجر شامي.
وقد ساعد على دوام الهجرة اختلال المجاري الاقتصادية في السلطنة العثمانية، ثم استرسال الحكومات العثمانية ثم المنتدبة في إهمال الحركة الاقتصادية وإلقاء الحبل على الغارب. وقد كان عمال العثمانيين يودون لو هاجر جميع المسيحيين من الشام، لينجوا من دعوى أوربا في حماية الأقلية ولكن بهرتهم ضعفت التجارة، وكيف تنجح التجارة في أُمة والحكام هم التجار، وقد رأينا من ذلك أمثلة خلال الحرب العامة، فكان عمال الأتراك لا فرق بين الكبير والصغير منهم يحتكرون
معظم الحاجيات دع الكماليات، فكنت تراهم كلهم تجاراً يؤخرون الأرزاق عن الجند في ساحة الحرب ويقطعون مواد الحياة عن الرعية، حتى يشحنوا بضائعهم ويغنموا فرصة ارتفاع أسعارها، فاغتنى بذلك كثير من عمالهم ثم افتقروا بعد حين.
على أن بعض البلدان استفادت كثيراً من الحرب العامة ومعظم المدن التي استفادت حلب ودمشق وبيروت والقدس. قال الغزي: إن التجارة في حلب آخذة بالتقدم منذ ثلاثين سنة ولذا كثر عدد التجار زيادة عظيمة بحيث بلغ ثلاثة أضعاف ما كانوا عليه قبل هذه المدة، وكان معظم هذه الزيادة في أيام الحرب العالمية فإن أرباح التجارة التي كانت في غضونها جرّت العدد الكثير من ذوي الصنائع اليدوية من صنائعهم إلى الاسترزاق بالتجارة فنجحوا وربحوا أرباحاً طائلة، ونشأ من بينهم أصحاب ثروة تستحق الذكر. إلى أن قال: وفي سنة ١٣٤١ بدأ دولاب التجارة يدور ببطءٍ فأخذت الثروة العامة في حلب بالانحطاط لإغلاق الأناضول أبوابه في وجه تجارة البضائع المعدودة من الكماليات وغلاء أُجور النقل في السكة الحديدية وتلاعب الصيارفة والمحتكرين بالأوراق النقدية والنقود الذهبية إلى غير ذلك من الأسباب.
стр. 1087
ومن أهم الفوائد التي نتجت للشاميين من تعلم اللغات الأجنبية كالفرنسية والإنكليزية، أن كان من هؤلاء المتعلمين وأكثرهم من غير المسلمين عمال لتجارة الواردات من الغرب. واستأثر المسلمون بتجارة الصادرات فكان منهم تجار شاميون في الإسكندرية وطنطا والقاهرة والسودان والآستانة وإزمير، وكل بلد في الأرض مهما بعدت الشقة إليه ترى فيه تجاراً شاميين وأنجح تجارهم في مصر والأميركتين وأوستراليا. ولنا تجار في العراق والحجاز وفارس والهند ويابان وجنوبي إفريقية وأواسطها على نحو ما وصفنا شاعر النيل حافظ إبراهيم:
ورجال الشام في كرة الأرض ... يبارن في المسير الغماما
ركبوا البحر جاوزوا القطب فاتوا ... موقع النيرين خاضوا الظلاما
يمتطون الخطوب في طلب العي ... ش ويبرون للنضال سهاما
ومن أهم المواسم التي كانت في فصل مخصوص من السنة تدب فيه روح الحركة في التجارة موسم السياح، فكان سياح الغرب يأتون أوائل الربيع لزيارة الأماكن المقدسة والمصانع التاريخية في فلسطين وبعلبك وتدمر ودمشق وغيرها ويقدرون بخمسة آلاف سائح كل سنة عل الأكثر إلى المدن الوسطى والشمالية وبأكثر من ذلك إلى فلسطين فقط، والموسم الآخر موسم حجاج إفريقية وآسيا وأوربا وكانوا يقدرون بخمسين ألف حاج، والفضل في ذلك يرجع لسهولة المواصلات البرية في السكة الحجازية، ولرخص أجور البواخر في البحر. وموسم الحج بطل بالحرب فنزل معدل من يزورون الشام ويتجرون ويبتاعون. أما موسم فلسطين فإن كثيراً من تجارها أصبح رزقهم موقوفاً على ما يربحونه في موسم الزوار في القدس وبيت لحم والخليل والناصرة وغيرها، وبدأ الشرق العربي يربح كثيراً من السياح الذين يختلفون إلى ذاك الصقع لزيارة جرش وعمان والبتراء وقر المشتى وغيرها، كما تربح سورية ولبنان من القاصدين إلى زيارة بعلبك وتدمر وغيرهما، وصار لموسم الاصطياف في لبنان الغربي والشرقي مكانة اقتصادية ذات شأن كبير في تنشيط الصناعة والتجارة. ومتى انتشر الأمن في القطر، وكثرت الخطوط الحديدية في البر، والسفن التجارية في البحر، وحمت الحكومة التجارة بقوانينها
стр. 1088
وأحكامها العادلة، ومعاهداتها مع الأمم المجاورة، انتبه التجار إلى التجدد في متاجرهم. ولا نعد تاجراً من يحرق مخزنه أو ما فيه ليربح ضمانه من الشركة الضامنة، أو يتلكأ في أداء الذمم التي عليه، أو يضارب في الأسواق فيؤذي الفقير. أو يعامل صاحب المعمل في الغرب بقليل من الذمة فيتلاعب في الأسعار
والصوافي، فإن هذا مما يؤخر الصادر عنا والوارد علينا، وفي كل ذلك ما يزيد الغبن ويورث الخسارة في العاجلة والآجلة لا محالة.
ولقد ثبت في العهد الأخير، وخصوصاً لما أخذ المسلمون يجارون مواطنيهم المسيحيين في تعلم اللغات الغربية، ويتقنون أصول التجارة على أساليب أُمم الحضارة، ويتعرفون إلى أوضاعهم الجديدة في استثمار أموالهم في مصارف خاصة بهم، أن الغربيين يتعذر عليهم أن يتوسعوا بعد في الاتجار في القطر، وفتح بيوت تجارية على المثال الذي كان لهم وحدهم في القرن الماضي، وقطع أرزاق الشاميين في عقر دارهم. ذلك لأن التاجر الوطني أقل من التاجر الغربي في مطالبه، يكتفي بالربح القليل، ويصبر في الأزمات، وهو في بلده يعرف ما يصلح له ويروج فيه، ونفقاته إجمالاً أقل من نفقات الغريب. وإذا تساوى الوطني والدخيل من كل وجه، فالوطني يؤثر معاملة مواطنه لا محالة.
وإذا جارى التاجر العربيّ التاجر الغربيّ أو كاد، تجلت في ابن الشام أخلاق التجارة، والنفوذ في قاعدة العرض والطلب، وبدا في هذا الميدان ذاك الشرف المغيب الذي كان كامناً في نفسه، وورثه مع الدم المتسلسل فيه من آبائه الأقدمين، عرباً كانوا أو روماً أو فينيقيين، وبذلك أصبح الرجاء معقوداً بأن يستأثر الشاميون بتجارة ديارهم. فإن تعلموا باختلاطهم بالأمم الحية ما ينقصهم من ضبط ونظام، وساعدهم على ذلك قلة من يأتي من الغرب من أرباب الطبقات الأولى في التجارة، وكان التاجر المتوسط الحال بماله ومعرفته منهم أقل حظاً ممن يماثله من الشاميين في أسواق المتاجرات، وإذ كان من البعيد على النوابغ من كل صنف في الغرب أن يَغْشوا بلادنا كان في ذلك كله النفع العظيم لنا في تجارتنا، ومتى حللنا روح الشامي وما انطوى عليه من مراعاة الشرف والاحتفاظ بالثقة، والبعد عن التدليس
стр. 1089
والمؤالسة، وإرادة النصح في الجملة، كان التاجر كل التاجر، الذاهب في
الأرض بجماع المفاخر، باستقامة تاجرنا في معاملته، يدفع عن وطنه كثيراً من الغوائل الاجتماعية، ولا يهنأُ العيش ويطيب، إلا إذا قلّ توافد الغريب من الجنس الذي قال فيه حافظ:
يُقتّلنا بلا وقَوَدٍ ... ولا دِيةٍ ولا رَهَب
ويمشي نحو رايته ... فتحميه من العطب
التجارة والاقتصاديات في العهد الحديث:
نشبت الحرب العامة سنة ١٩١٤ ولم تكن الشام على استعداد للدخول في غمارها، ولم تأخذ الأهبة الكافية لمقاومة طوارئها، وما لبثت الدولة العثمانية والبلاد الشامية التابعة لها أن دخلت في صفوف المحاربين إلى جانب الدولة الألمانية وحلفائها، فحصرت مواني الشام، وبدأت أسعار البضائع ترتفع تدريجياً، وذلك في أصناف الملبوسات كأنواع منسوجات القطن والصوف على اختلاف أنواعها، أو في المأكولات كأنواع السكر والقهوة والأرز، أو في سائر الحاجيات والكماليات كالبترول الكاز والكحول السبيرتو وأنواع المواد القرطاسية والزجاجية والأصباغ والمواد الكيمياوية على اختلاف أنواعها، وشعر الناس بالحاجة إلى الاقتصاد والتفكر في استجلاب هذه الأصناف من البلاد المجاورة بقدر الإمكان.
وقد اشتدت الأزمة الاقتصادية بفقدان الأيدي العاملة أيضاً من المدن والقرى، بسبب النفير العام والتجنيد في جميع أصقاع الشام، وكان من تخلصوا من التجنيد الإجباري هم الذين لم يتدربوا على التعليم العسكري فدفعوا بدلات نقدية مرات خلال أعوام الحرب. وكانت هذه البدلات تكلف مبالغ طائلة في السنين الأخيرة، وأعلنت الدولة العثمانية بعد دخولها الحرب قانون تأجيل الديون بقواعد مخصوصة أقرتها.
ولم يلبث الضيق أن عمّ والنقد أن قلّ وخصوصاً بعد أن وضعت السلطة العسكرية يدها على جميع وسائط النقل في البلاد مثل السكك الحديدية ودواب
стр. 1090
النقل والمركبات والسيارات، فكانت أسعار الحاجيات تختلف اختلافاً بيناً في بلاد الشام القريب بعضها من الآخر، وذلك بالنسبة للتشدد أو التساهل الذي كانت تبديه الإدارة العسكرية في استخدام أسباب نقل البضائع. انقضت السنة الأولى للحرب فأصبحت دمشق مركزاً للجيش الرابع الزاحف على ترعة السويس. وأنشأ يعقد البيوع العظيمة والالتزامات الكبيرة سد لحاجات الجيش المذكور، فبدأت هذه
الأزمة الشديدة بالانفراج، وأخذت إدارة الجيش تتساهل باستخدام المجندين في إدارات المتعهدين والملتزمين، ونشطت الحركة التجارية والصناعية في الشام. ولا ينكر أن الجيش الرابع صرف مبالغ طائلة في أسواق التجارة لضمان حاجاته الكثيرة التي لم يتمكن من تأمينها بطرق الإكراه أو بواسطة الضرائب الحربية التي رأى أنها عقيمة لا تفي بالحاجة، وبعدئذ فكر بعض التجار باستجلاب بعض الحاجات الضرورية التي غلت أسعارها وعزّ وجودها من بلاد نجد التي كانت تستورد بضائعها من الهند وفارس على أيسر وجه وطمأنينة، لأن أمير نجد عبد العزيز ابن سعود كان موالياً لإنكلترا لا يجد ضيقاً ولا رهقاً في استجلاب البضائع ومواد الغذاء على اختلاف أنواعها.
ولقد كانت هذه الطريقة من أهم الوسائط لسد حاجات البلاد والجيش، ولإيجاد حركة تجارية جيدة كانت تدرّ ذهباً وهاجاً على المتاجرين والمستوردين، كما أن كثيراً من التجار اتخذوا وسائط عديدة لاستجلاب بعض البضائع الألمانية والنمساوية بواسطة رجال الجيش واستخدام وسائطهم لنقل هذه البضائع بالاتفاق معهم، وبتبادل المنفعة بينهم، وبذلك انفرجت الأزمة الاقتصادية التي بدأت في السنتين الأوليين من الحرب، واغتنى كثير من التجار والعاملين والوسطاء من رجال الإدارة والجندية باستخدام هذه الوسائط في النقل ونقل أصناف التجارة، والبلاد محصورة لم يرد إليها شيء قط من طرقها البحرية العديدة. وكثرت النقود الذهبية في التعامل بما أنفق من إدارات الجيش، وما ورد البلاد من طرق البر من البضائع، وما كانت بريطانيا العظمى تنفقه في أنحاء البلاد المجاورة عن سعة من الذهب الوهاج لتأييد الثورة العربية، حتى أصبحت البلاد في أواخر الحرب على أحسن حالات اليسر والرخاء.
стр. 1091
فارتفعت أسعار العقارات والمزارع، وشعر الناس بكثرة النقد الذهب في أيديهم
حتى كان المشتري لا يجد من يبيع عقاراً أو أرضاً إلا بثمن فاحش، إلى أن دخلت الجيوش الإنكليزية والعربية هذا القطر تحمل معها الذهب وتنفقه بلا حساب، ويقدر ما أنفقه الجيش الإنكليزي في سنة ١٩١٩ والأشهر الأولى من سنة ١٩٢٠ في أرض الشام بما يقارب الثلاثة ملايين من الجنيهات المصرية.
الورق النقدي والعوامل في تدني الاقتصاديات:
وحدث خلال الحرب أن اتجر كثير من الماليين بأوراق النقد الدولي على اختلاف أنواعه، وأصبح بعضهم يستورده من طريق ألمانيا والنمسا وسويسرا إلى الآستانة، ومنها توزع في أنحاء بلاد العرب مثل الكورون النمساوي والمارك الألماني والشلن الإنكليزي والفرنك الفرنساوي والروبل الروسي وأوراق النقد التركية والأسهم اليابانية والعقارية المصرية والأرجنتينية على اختلاف أنواعها، وأصبحت تباع بقيم تنحط أحياناً عن قيمتها الحقيقية ٢٥ إلى ٥٠ في المائة. وتدنى سعر الروبل الروسي إلى ١٠ و١٥ في المائة وكذلك المارك والكرون، فأقبل عدد كبير من التجار وأرباب الأملاك حتى والنساء على مقتناها وذلك على أمل أن تعود إلى أسعارها الأولى بعد أن تضع الحرب العامة أوزارها. ويُقدر الخبيرون أن الشام أدت قيمة ما ادخرته من أوراق النقد هذه ما يربو على خمسة ملايين ليرة عثمانية ذهباً، كان القوم يأمل بيعها بما يقارب أسعارها الأولى، وبذلك يربحون ربحاً عظيماً من أيسر الطريق
ثم أُعلنت الهدنة عام ١٩١٨ وبدأ تجار الشام يستوردون البضائع المنوعة التي اشتدت حاجاتها إليها من البلاد المصرية أولاً ثم عقدوا المبيعات المختلفة من أوربا بأسعار عالية، وقد اضطر أرباب المصانع والمعامل إلى رفع أسعار بضائعهم لعوامل عديدة، ومنها قلة الأيدي العاملة بعد الحرب العامة، وغلاء المواد الأولية للصناعات المنوعة، وارتفاع أسعار الفحم وأجور المواصلات، وراح الكثيرون
بالنظر للحاجة الماسة إلى عقد مبيعات عظيمة من أنواع البضائع المنسوجة والمغزولة على كثرة أنواعها، ومن الأصناف
стр. 1092
الأخرى كمواد الزجاج والقرطاس والكيمياء وغيرها فأدت الشام أثماناً باهظة وقيماً فاحشةً جداً في ابتياع البضائع المستوردة في سنتي ١٩١٩ و ١٩٢٠ حتى غصت المخازن والمستودعات بهذه الأصناف وضاقت بها الأسواق، وكان لهذا الاندفاع الكلي الذي لا نسبة بينه وبين حاجة البلاد بسبب الأرباح التي كانت تدر أولاً، فعل عنيف وصدمة قوية أُصيبت بها الأسواق فكانت من بوادر الضيق وحدوث الأزمات الاقتصادية للأسباب التالية:
أولاً: إن الشام ولا سيما دمشق كانت تكنز كميات عظيمة من ورق النقد المختلف الضروب فطرأ عليها النزول العظيم وأصبح قسم منها في حكم المعدوم مثل الروبل الروسي والكرون النمساوي والمارك الألماني وغيرها، وكانت خسارة بلاد الشام بها عظيمة ولم تعوض منها شيئاً.
ثانياً: نزول أسعار البضائع المتوالي منذ عام ١٩٢٠ إلى ١٩٢٢ وورود كميات كبيرة من البضائع المتنوعة التي ما زالت مخزونة على التوالي عند أصحابها فطرأ النزول التدريجي عليها، وذهب بقسم كبير من ثروة كبار الأغنياء والتجار.
ثالثاً: حدث بعد أن دخلت الجيوش الفرنسية إلى المنطقة الداخلية في أواخر عام ١٩٢١ أن وضعت الحواجز الجمركية بين جنوب البلاد وشمالها وشرقها، وكانت من قبل وخصوصاً دمشق مركزاً عظيماً لتصدير البضائع والمصنوعات الوطنية إلى الحجاز وفلسطين وشرقي الأردن والعراق والأناضول فأصبحت بمعزل عن هذه البلاد المجاورة، بالنظر للتبدل السياسي الذي حدث بعد الحرب العامة، وصارت مصنوعات الشام التي كانت تصدر إلى هذه الأقطار حرة لا مراقبة عليها ولا قيد من القيود الثقيلة والحواجز الجمركية فكاد يقضى على هذا
الصناعات وعلى تجارها وعمالها.
الحواجز الجمركية:
عقدت المفوضية الفرنسية العليا في الشام اتفاقاً مع المفوضية الإنكليزية العليا في فلسطين يوم ٢٢ أيلول سنة ١٩٢١م لتأسيس جباية الجمارك على
стр. 1093
البضائع التي تتبادل هاتان المنطقتان التجارة بها، وإحداث دوائر مكس على الحدود وداخل البلاد لما تقتضيه هذه الجباية، وعلى أثر ذلك اجتمع عدد كبير من تجار دمشق وتفاوضوا قضية هذه الحواجز وأضرارها على التجارة والصناعة، وقر رأيهم على انتخاب لجنة من كبار تجار البلاد مؤلفة من عشرة أشخاص للعمل في هذه القضية، فبدأت اللجنة عملها بأن قدمت تقريراً مطولاً للمراجع الرسمية بينت فيه مقدار الأضرار التي تنتاب الشام من وضع هذه الحواجز الجمركية بين جنوبها وشرقها وشمالها خصوصاً الصناعات الوطنية المنوعة وضمنته إحصاءً دقيقاً في أنواع هذه الصناعات ومقدار النفوس والأموال والقيم المقدرة للأنواع المصدرة خلاصته أن في مدينتي دمشق وحمص نحو ١٠٢٦٠ نولاً يشتغل بها ٤٦٢٦٠ عاملاً، وهذه الأنواع تخرج مقدار ٤٥٦٨٥٠٠ قطعة قماش قيمتها ثلاثة ملايين ليرة عثمانية ذهباً، وذلك للأصناف الآتية فقط: الألاجه الحريرية والقطنية التركية، الديما، الحامدية الملاءات الحريرية والقطنية، العباءات، الستور على اختلاف أنواعها، السلوكات الأغباني، الشال الحريري والصوفي، والكمر والمضربات، وفي مدينتي حماة وحلب مثل هذا المقدار من الأنوال والعمال لمختلف الصناعات الوطنية التي هي برسم التصدير إلى الجهات المجاورة. وتابعت بياناتها في الأضرار التي تعود على البلاد وقدمت احتجاجاً مطولاً بينت فيه الضرار السياسية والإدارية والاقتصادية التي تنتج من موضع هذه الحواجز الجمركية وخلاصته.
أولاً: إنه ليس من مصلحة سورية وفلسطين إلغاء الاتحاد الاقتصادي وفصل
إحداهما عن الأخرى هذا الفصل المضر لأنه يقلل العلائق التجارية ومبادلات الأعمال بين المنطقتين، وهذا يُفضي بالتدريج إلى انقسام هذه الأمة الواحدة إلى أُمتين ويؤدي إلى تباعد المشارب وتباين الأطوار وانحلال الروابط بينهما تدريجياً إلى أن يصبح البون عظيماً وتضعف عرى الألفة والاتحاد المستقرة الآن، والصلات التجارية والمعاملات المدنية هي العروة الوثقى التي تربط بين الشعوب وتقارب بين القلوب، والحواجز الجمركية هي الضربة القاضية على هذه المعاملات والصلات، ولما كان السوريون لا يختلفون في شيء
стр. 1094
عن الفلسطينيين كما أن الفلسطينيين يحسبون أنفسهم قسماً من الشعب السوري العربي فجميعهم لا يرضون بوجه من الوجوه أن تفتح بينهم هذه الهوة العميقة التي تقوض أركان وحدتهم القومية والعنصرية، وتقضي على آمالهم الوطنية ويرجون من الدولتين المحتلتين أن لا تعاونا الدهر على تفريقهم والإيقاع بينهم.
ثانياً: سلطت السياسية على إخواننا في الجنوب مناظراً شديداً وخصماً لدوداً، ونعني بهم الصهيونيين الذين لا يفتأُون يدسون الدسائس لإضعاف الوطنيين وإذلالهم ليتمكنوا من الاستعلاء عليهم واستلاب أموالهم والأخذ بمخنق أوطانهم. وأي وسيلة أنجح لهؤلاء الصهيونيين من تفريق أهالي فلسطين عن إخوانهم في سورية وقطع العلائق بينهم تدريجياً!.
ثالثاً: ما زالت جمارك البر الموضوعة في داخلية البلاد عرضةً لصعوبات عظمى في ضبطها وجبايتها حتى عند أرقى الدول وأقدرها، والقيام بهذا العمل بين سورية وفلسطين شاق جداً لا يستطاع إتقانه ولا تُرجى سلامته، ولذلك أسباب كثيرة لا تسهل إزالتها، منها أن الوسائط النقلية بالقطر الحديدية بين المنطقتين محدودة جداً، والطرق الأخرى مفتحة على طول الحدود تجتازها الجمال والبغال وسائر حيوانات النقل في الليل والنهار، ولا سبيل لمنع التهريب منها، وقد يكون
المهرب من التجارات أكثر مما يمر بإدارة الجمرك فتكون النتيجة أن الذي يتمكن من تهريب بضائعه بدون جمرك يزاحم التجار الأمين الذي يؤدي جمركها المفروض عليها، ويتعذر بيع البضائع المدفوع رسومها فتضطر الحكومة إلى مراقبة جميع الطرق وإقامة الخفراء على الحدود، وإنفاق الأموال الطائلة في هذا السبيل، وينتج عن ذلك أشياء منها: القتال بين المحافظين والمهربين كما هي الحال في مسائل تهريب الدخان وإفساد ألاق الناس بفتح السبيل أمامهم لمخالفة القانون وارتكاب جريمة التهريب التي تحملهم أحياناً على ارتكاب جرائم أُخرى للفرار بأموالهم، إفساد أخلاق المأمورين الذين يتولون أمر المحافظة بفتح سبيل جديد أمامهم لأخذ الرشوة، والاشتراك مع المهربين كما هو المألوف المعروف في الأعمال التي هي من هذا القبيل.
стр. 1095
العامل الاقتصادي:
ويقال على وجه الإجمال: إن الحاجز الجمركي بين القسم الشمالي والقسم الجنوبي من سورية يكون سبباً لبقاء عشرات الألوف من الخلق بدون عمل وتتعطل تجارة البلاد وصناعاتها، لأن القسم الأعظم من الغزول والمنسوجات الأوربية التي ترد إلى دمشق وحمص وحماة وحلب ينسج ويفصل ويخاط ويصبغ ويحوّل إلى سلع تجارية من ألبسة وغيرها وأنسجة منوعة وتصدر إلى الجنوب، فإذا وضع عليها ضريبة جديدة بمعدل أحد عشر بالمائة رسماً جمركياً يتعذر تصريفها ويضطر المشتغلون بها إلى ترك هذه الصناعة والتجارة وعددهم عظيم جداً وهذه الصناعات القديمة في سورية هي المورد الوحيد لرزق الكثيرين من السكان، كما أن هذا الضرر يلحق أيضاً سكان فلسطين بحرمانهم من إصدار معمولاتهم ومصنوعاتهم إلينا وكساد العمل عندهم وعندنا في آن واحد.
ويناقض هذا الاتفاق الجمركي نصوص الحقوق الدولية ولا يأتلف مع العادات
المعمول بها ويضر بمصلحة الشاميين الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ويهدم عمران البلاد، ويودي بالتجارة والصناعة الوطنية، ويضعف العلائق التجارية مع أوربا ويرجع بالصناعة السورية القهقرى.
فأُلغي هذا الاتفاق وحل محله اتفاق آخر عقد بين المفوضيتين في سورية وفلسطين وجعلت فيه الصادرات والواردات بين هاتين المنطقتين حرة غير تابعة لتقاضي الرسوم الجمركية إلا ما كان من استيفاء واحد في المائة على قيمة البضائع الصادرة والواردة رسوماً للبلديات، وعلى التجار أن يقدموا قوائم صحيحة بقيمة البضائع الصادرة والواردة، وعلى أساسها يجري الحساب بين إدارة الجمارك في المنطقتين بنسبة ما يوجد في البضائع من المواد الأولية المؤدى عنها رسوم جمركية، حين دخولها إلى ثغور الشام وهو ما يجعلونه على قاعدة الجمارك المشتركة، وعلى قاعدة الجمارك المشتركة عقد اتفاق مع الشرق العربي أي حكومة شرقي الأردن.
ولما كانت قد حصرت جباية الرسوم الجمركية بجميع الواردات الأجنبية إلى البلاد السورية في الثغور البحرية نشأ خلاف كبير بين حكومتي الاتحاد
стр. 1096
السوري التي كانت مؤلفة من ولايتي حلب ودمشق والإسكندرونة وإنطاكية ومنطقة العلويين وبين لبنان الكبير، ومع ن هذه البلاد تستهلك القسم الأعظم من الواردات الأجنبية، كانت حصة الجمارك التي تدفعها الإدارة العامة إلى حكومة الاتحاد السوري لا تتجاوز ٣٢ في المائة وهي أقل بكثير مما كانت تدفعه إلى حكومة لبنان الكبير وذلك استناداً على طريقة الإحصاء التي كانت متخذة لمعرفة أنواع البضائع التي ترد إلى بلاد الاتحاد السوري. وبعد أخذ ورد أصدر المفوض السامي للجمهورية الفرنسية في سورية ولبنان حكمه في أن تأخذ سورية اثنين وخمسين في المائة والباقي يخصص بلبنان الكبير، كما أنه قرر فساد طريقة لإحصاء المتخذة قبلاً
وإلغاءها.
الواردات والصادرات:
تستورد البلاد السورية البضائع المنوعة اللازمة لأسواقها من الخارج، وأهم وارداتها أنسجة القطن والحرير على اختلاف أنواعها، والأجواخ والأواني البلورية والأدوات القرطاسية والأدوات والآلات من الحديد والكاز ومواد البناء كالخشب والأسمنت المسلح والمواد الكيمياوية وحاجيات الصيدليات وغير ذلك. وتصدر إلى الخارج ما يزيد عن حاجتها من حاصلات الزراعة وبعض المنسوجات من القطن والحرير المعروف بجودة صنعه وإتقانه وجماله في بلاد الشرق، وكذلك بعض المصنوعات من الخشب والنحاس الممتاز بدقة الصنع والسكاكر ومرببات الفواكه والحرير والصوف والجلود والتبغ والصابون وغير ذلك.
ويجري أكثر التصدير والتوريد في أسواق المدن الآتي ذكرها مرتبة حسب مكانتها وهي: بيروت، طرابلس الشام، الإسكندرونة، اللاذقية، صيدا من الثغور البحرية، وحلب ودمشق من المدن الداخلية، ويجب أن لا يفهم أن ما يستهلك في هذه المدن يتبع التصدير والتوريد، بل بالعكس فإن شأن الاستهلاك غالباً في الحواضر الداخلية وما يتبعها من القرى وكثرة السكان كما تقدم في بحث تعيين الحصة الجمركية بين سورية ولبنان، ولكن المعمول في حركة التوريد والتصدير على الثغور البحرية كما لا يخفى وهي واسطة النقل والشحن.
стр. 1097
وقد تبين أن فرنسا وإنكلترا هما في الدرجة الأولى بالنسبة للصادرات إلى الشام ويأتي بعدهما من إيطاليا وبلجيكا والولايات المتحدة. وكذلك يظهر أن المقايضات في التجارة بين الشام ومصر في تقدم مستمر، وأن حركة التصدير من سورية إلى البلاد المجاورة كفلسطين وشرقي الأردن حسنة جداً وعليها المعول في كثير من المصنوعات الوطنية بالنظر للرغبة فيها والحاجة إليها في تلك البلاد المجاورة،
وكذلك حركة النقل الترانسيت بين الشام والعراق والبلاد الإيرانية فإنها قد ارتفعت وتحسنت، وذلك بعد فتح طريق السيارات بين سورية والعراق.
وقد بلغ محصول الشام من الصوف في سنة ١٩٢٥ ٤٦٠٠ طن، ومن مجموع هذا المحصول الذي كان ينقص ٢٠ في المائة عن محصول سنة ١٩٢٤ نتج ٢٣٠٠ طن من الصوف المغسول، وكانت الولايات المتحدة هي التي تستورد صوف البلاد الشامية بالدرجة الأولى.
وبلغ الوارد من الحيوانات إلى هذه البلاد خلال سنة ١٩٢٤ عدد ٣٠١٦٤٣ رأس حيوان والوارد في سنة ١٩٢٥ ١٨٤٧٣٨ رأساً. وأما الصادر في سنة ١٩٢٤ فكان ٢٠١٧٢٦ حيواناً وفي سنة ١٩٢٥ كان ٢٨٤٣٨٩ حيواناً. وهذه الحيوانات تشمل أجناس الخيل والبغال والحمير والبقر والجمال والخنازير.
صناعة البلاد في سنة ١٩٢٥:
ولاية حلب: إن التدابير التي اتخذتها الحكومة التركية بشأن تغيير لباس الرأس الوطني قد أثرت تأثيراً سيئاً في نشاط الصناعة الحلبية. فقد اشتغل في حلب ٢٤٠٠ نول في شهر كانون الأول يقابلها ٢٧٠٠ نول في شهر تشرين الثاني، وبلغ معدل ما يحصل منها ٧٥٠٠ ثوب قطني مغزول بطول ستة أمتار و ١٢٠٠ ثوب بطول خمسة أمتار و ١٠٧٥٠ سلكاً أغبانياً كوفيات ومناديل. ويصنع في ديرغطا وأبو الظهور الكتان الأهلي والقماش المستعمل لصنع الخيم الوبر. وقد بلغ محصول الصابون في حلب ١٢٦٠٠٠ كيلو غرام ومحصول الزيت ١٨٢٥٠٠ كيلو غرام والدباغات قد حضرت ٧٥٠٠
стр. 1098
من جلود الخرفان و ١٩٠٠ جلد ماعز و ٢٠٥٠ جلد حملان و ٣٠ جلد ثور يكون مجموعها ١١٤٨٠ وطحنت المطاحن في حلب ما يقدر ب ٢٥٥٠ طناً من الطحين وأنواعه. وقد شوهد نقص محسوس في تحضير أدوات التعمير في هذه النسبة بالنظر للأزمة الاقتصادية التي بدأت
فيه.
لواء الإسكندرونة: لا يزال النشاط الصناعي عظيماً في حلالات الحرير في السويدية وجبل موسى وفي معامل الصابون في إنطاكية وفي المطاحن.
حكومة العلويين: قد خطط إنشاء معملين لحلج القطن أحدهما في اللاذقية والثاني في جبلة كما أن المعاصر تعمل عملاً جيداً. وقد أخذت أنوال القطن الخامي في قرى اللاذقية وصهيون تعمل بجد ونشاط وكذلك مدابغ اللاذقية.
ويظهر للناظر الفرق الكبير بين الصادرات والواردات في البلاد الشامية فيحكم بأنها سائرة في طريق الإفلاس، والحقيقة أن الفرق أقل مما يظهر لأول وهلة، لأن للبلاد الشامية موارد أُخرى غير صادراتها وإن كانت لا تسد هذا العجز، ولولا هذه الموارد لوقعت البلاد في هوة الإفلاس منذ زمن طويل، وهي تنحصر فيما يلي:
أولاً: الأموال المرسلة من المهاجرين الشاميين المنتشرين في أنحاء الأرض ولا سيما في البلاد الأميركية حيث أصبح الشاميون يملكون ثروة كبيرة فيعاونوا أهلهم في الشام وتقدر هذه الأموال بمليون ليرة إنكليزية وبحسب إحصاء سنة ١٩٢٢.
ثانياً: واردات الاصطياف والسياحة وهي تقدر بخمسة عشر مليوناً من الفرنكات.
ثالثاً: فوائد الأموال والأسهم والقطع المالية الموجودة في أيدي السكان وهي تقدر بثلاثمائة وخمسين ألف ليرة إنكليزية. إلى غير ذلك من الموارد الأخرى الضئيلة.
ما يجب للنجاح في الاقتصاديات:
لنجاح تجارتنا ورقي صناعتنا لا بدّ لنا:
стр. 1099
أولاً: تأليف الشركات الصناعية لتأسيسها على الأصول الميكانيكية الحديثة، ومتى تم لنا الظفر للقيام بمثل هذه المعاهد نعتقد أننا بدأنا نقاوم تيار الصناعات الغربية لتحل محلها صناعتنا الجميلة، الممتازة بقوتها ومتانتها، خصوصاً وإن رخص اليد
العاملة ورخص المواد الأولية كفيلان بنجاح كثير من صناعتنا بالنظر لتوفر هذين الشرطين الأساسيين.
ثانياً: وضع الرسوم الجمركية على قاعدة حماية الصناعة الوطنية.
ثالثاً: العناية الفائقة بتحسين زراعتنا وعلى الأخص منها القطن والقنب والفاكهة والعناية بتصديرها إلى الخارج. وكذلك القول في زراعة التبغ.
وعلى ذكر هذا الصنف العظيم لا بد من القول إن بقاء شركة حصر الدخان أضر بزراعة الدخان ضرراً بليغاً حال دون الاستفادة منه فائدة تعود بالخير والنماء، إذا كانت حرة طليقة من قيود هذه الشركة واستبداد رجالها. ومن المحقق أن تنشيط زراعة الدخان على أنواعه وتشجيعه يقلل من هجرة المهاجرين وتخفيف قوة تيارها الجارف ويقتصد للبلاد مبالغ طائلة تدفعها ثمناً للدخان الأجنبي.
رابعاً: جعل عملة البلاد على قاعدة الذهب، ذلك لأن وضع عملة البلاد الشامية على قاعدة الفرنك الفرنسي واستصدار الأوراق النقدية السورية على هذا الأساس قد أضر الأسواق التجارية ضرراً بليغاً، وسبب لها خسائر كبيرة بسبب صعوده وهبوطه المتوالي.
خامساً: الإقلال من استعمال الكماليات وأدوات الزينة والترف وبذل الغيرة في استعمال المصنوعات الوطنية بقدر الإمكان لا سيما الحلويات والسكاكر الإفرنجية فإن مصنوعات البلاد من هذه الأنواع تفوقها جمالاً وإتقاناً ولذة، وقد ارتقت هذه الصناعة في البلاد رقياً حسناً كان من أثره تصدير كميات كبيرة منها إلى البلاد الغربية أيضاً وخصوصاً أصناف مرببات الفاكهة على اختلاف أنواعها، والاختصار على مصنوعات البلاد من هذه الأنواع يوفر مبالغ طائلة تقدر بمئات الألوف من الدنانير الذهبية.
سادساً: تخفيف الضرائب على عاتق الأهلين فقد أصبحوا لا يطيقون
стр. 1100
حملها بالنظر
لكثرتها وتعددها وزيادتها بالإضافات التي طرأت عليها، مع قلة أسباب الرزق وضعف موارد الاقتصاد.
تجارة فلسطين في الدور الجديد:
كانت تجارة فلسطين في العهد الأخير في صعود وهبوط وصادراتها أقل من وارداتها لكن التحسن مطرد في حالتها ويؤخذ من تقري إدارة الجمارك والمكوس والتجارة أن مجموع واردات الجمارك والمكوس والمواني كان سنة ١٩٢٥ ١١٠٩٩٥٥ جنيهاً مصرياً يقابله ٦٥٦٨٨٠ ج. م في سنة ١٩٢٤ وقد زاد الدخل من مكوس التبغ على ١٠٠ ألف جنيه. وأُعفيت من الرسوم الجمركية الفحم والكاز والوسخ وزيت ديزل وسدلر والمازوت والبراميل والمواد الأولية التي تدخل في الصابون وكسر بزر الزيت والدباغة والنسج. وأُعفيت أيضاً بضائع قيمتها ٥٩٢٤٤ ج لما تقضي به حقوق المعاهدات الدولية. وبلغ مجموع قيمة الواردات ٧٣٣٨٤٩١ ج مقابل ٥٢٦٦٣٤٩ في سنة ١٩٢٤ ومجموع قيمة الصادرات من نواتج فلسطين ١٢٩٧٥٥٩ مقابل ١٢٠٠٨١٢ في السنة التي قبلها وكانت أهم الزيادة في الواردات الحبوب والدقيق ومواد البناء والبضائع القطنية والأدوات والسيارات وأنواع الكاز. وبلغ ما بيع من الملح ٤٧٩٤ طناً مقابل ٣٤٥٧ طناً في سنة ١٩٢٤.
إن انتعاش التجارة من أزمة سنة ١٩٢٣ الذي ابتدأ منذ سنة ١٩٢٤ قد ظلّ مستمراً بتأثير النازحين الجدد وما جلبوه معهم من رؤوس الأموال التي أودعوها المصارف فسهلوا بذلك إعطاء السلفات وقد هبط معدل الفائدة إلى أدنى رقم منذ الاحتلال، ولكن المشتريات المبنية على المضاربة توقعاً لزيادة الطلب وعلى الخصوص فيما يتعلق بتجارة المباني واستثمار الأموال في أبنية واسعة النطاق مع مشترى الأرض أدت إلى قلة النقد فنتج عن ذلك قبض المصارف يدها عن
التسليف. وقد زاد معدل المعيشة بنسبة ٤. ٤ بالمائة عن سنة ١٩٢٤ وارتفعت أسعار الجملة ٧. ٢ بالمائة.
وبلغت صادرات البرتقال ١٨٦٨٢٩١ صندوقاً مقابل ١٨٨٠٧٨٣ في سنة ١٩٢٤ وكانت الأسعار عالية وكان معدل المبيعات الأولى ١٢ - ١٥ شلناً
стр. 1101
الصندوق. وكسدت تجارة الخمور الصادرة وقل الوارد منها ٧٨٥٠ ج م وصدر من الصابون ٥٨٥٥ طناً قيمتها ٢٤٧٧٢٥ وأُدخل تحسين على صناعته فصار يعمل منه الصابون المطيب. وفي فلسطين سبعة معامل للتبغ واللفائف وسبعة معامل للتنباك وكان ناتجها من أول أيار ٢١٩٨٠٠ كيلو غرام من اللفائف و ١٢٠٠٠ من التبغ المفروم و ٤٠ في المائة من التبغ المصنوع في المعامل وهو من ناتج فلسطين والمساحة المزروعة تبغاً وتنباكاً في فلسطين هي ثلاثة آلاف آكر الآكر ٥٢ آراً والآر مائة متر مربع وما زال تهريب التبغ مستمراً على درجة واسعة.
وقسمت الواردات المستهلكة في فلسطين في سنة ١٩٢٥ أربعة أقسام منها ١٩٨٧١١٠ ج ثمن مأكولات ومشروبات وتبغ و ٦٢٧٥١٨ مواد خام وبضائع أكثرها غير مصنوع و ٣٩٦٧٥١٨ بضائع مصنوعة كلها أو معظمها و ٧٥٦٣٤٤ صادرات شتى. وأهم مصادر الواردات ونسبتها إلى المجموع بريطانيا العظمى ٣٠٨٣١٥٦ ج أي ١٤. ٥ بالمائة وسورية ١٠١٧٩٠٣ أي ١٤. ٥ في المائة وألمانيا ٩٣٠٤٣٩ أي ١٢. ٠ في المائة وأميركا ١٦٦٩٩٩ أي ٩. ٥ وبلدان بريطانية أخرى ٥٨٣٥٥٠ أي ٧. ٥ وفرنسا ٥٦٣٦٨٩ أي ٧. ٥ ومصر ٣٧٥١٦٩ أي ٥. ٥.
وتقسم الصادرات إلى مأكولات ومشروبات وتبغ وقيمتها سنة ١٩٢٥ ٨٨٢٢٣٤ ومواد خام وبضائع أكثرها غير مصنوع ٦٦٨٠٨ بضائع مصنوعة كلها أو معظمها ٣٠٠١٢٨ وأشياء أُخرى ٤٨٣٣٩ وأهم موارد الصادرات مصر ويصدر
إليها بما قيمته ٥٧٧٢٧٧ ج أي ٤٤. ٥ في المائة وبريطانيا العظمى ٤٤٣٧٧٤ ج أي ٣٠ في المائة وسورية ١٥٨١٠٢ أي ١٢. ٥ وأميركا ٢٥٦٠٠ وفرنسا ٢٢٩٣٢ وألمانيا ٢٠١٩٠ وإيطاليا ١١٩٦٨ وأهم الزيادة في لصادرات التي كانت في البرتقال وصابون الغسيل فزادت صادرات الأول ٩١١١٥ والثاني ٤٣٨٣٤ ج.
ويعرف مركز البلاد الحقيقي ويقدر ما لها وما عليها من ميزان تجارة البلاد لسنة ١٩٢٣ وهو ميزان صحيح في الجملة مأخوذ من قلم إحصائي دائرة التجارة ومن بعض ذوي الخبرة والاختصاص.
стр. 1102
ومن الأسباب العديدة التي تحول دون الإنتاج في الوقت الحاضر وفي فلسطين قلة الأيدي العاملة من بشر وحيوان وقلة العمال الفنيين في سبيل الإنتاج المختلفة ومشكلة الأرض وخصوصاً المشاع وقلة رؤوس الأموال اللازمة للقيام بالمشاريع الكبرى.
تجارات الأمم المختلفة في الشام:
يقدر الخبيرون الواردات إلى سورية ولبنان من القارات الخمس بثمانية
стр. 1103
ملايين دينار ذهبي مسانهةً وغالب ذلك من الأشياء الكمالية التي تقتضيها حالة الحضارة والترف، فمن أهم ما تستورده الشام من فرنسا الكتب المدرسية والمطبوعات العلمية والأدبية والسياسية وأدوات الكتابة من أقلام ومحابر وورق وأنوال النسيج الإفرنجية ومواد الصيدلة والعقاقير والمستحضرات الطبية وآلات الجراحة ومعدات موائد الطعام من سكاكين وملاعق ومتممات اخونة الطعام ولوازم القاطرات الحديدية والشاحنات، ومن مواد البناء الترابة الكلسية والطوب والقرميد والبلاط الصناعي وآلات النجارة ومعدات الأبواب والنوافذ الحديدية والآلات الكاتبة من عربية وإفرنجية وأسلحة الصيد والمسدسات مع ما يلزمها من القذائف والبارود،
والأجواخ الصيفية على اختلاف أنواعها، وثياب النساء حريرية وقطنية، وأوان خزفية وبلورية وروائح عطرية على اختلاف أنواعها، والخمور والدقيق والمطابع وما يقتضي لها عن حروف وآلات طابعة والمواد الكيماوية وغير ذلك.
ومن أهم ما نستورد من إنكلترا القصدير والمعادن والأجواخ الشتوية الغالية الثمن، والمنسوجات القطنية وهي أنواع كثيرة والغزل بأنواعه والموسى والسكاكين المعروفة بالإنكليزية وسرر النوم على اختلاف أنواعها المعمولة من الحديد والنحاس وسرر السفر وبعض مطبوعات علمية وأدبية وأسلحة الصيد والمسدسات وما يتبعها وكثير من العقاقير والمستحضرات الطبية وآلات الجراحة والأسلاك النحاسية والمركبات ولوازمها. وأهم ما يرد على الشام من إيطاليا ألبسة الصوف على اختلاف أنواعها وأكسية القطن كالمدام واليمني والأجواخ الرخيصة الثمن والرخام المرمر الملون وبعض مطبوعات علمية وأدبية وقسم من السيارات والمركبات. وأهم ما يردنا من ألمانيا المطبوعات العلمية والأدبية وورق الكتابة وأدوات النجارة على تعدد أنواعها وأشكالها من مناشير ومطارق وأدوات الأبواب والنوافذ الحديدية وسرر النوم من النيكل والحديد والنحاس وسرر السفر والمسامير وأسلحة الصيد والمسدسات وتوابعها والرصاص والقصدير والأواني الخزفية وآلات الجراحة والعقاقير والمستحضرات الطبية والأواني النحاسية من طسوت وأباريق وأواني الحديد المدهون المستعمل في المطابخ والأصباغ على أنواعها والأدوات الكهربائية
стр. 1104
على تنوع ضروبها والآلات الرافعة للماء وأدوات الزراعة الحديثة والجوخ.
وأهم ما يرد من النمسا صناديق الحديد والمقاعد والكراسي الخشبية المعروفة الخيزران والورق. ومن المجر الكبريت والفاصوليا. ومن روسيا سخانات بشاي الفاخرة السماورات منها الأبيض ومنها الأصفر، وخيطان الفضة المموهة وتدخل
في الصناعة الشامية لوشي الحرير، والبترول والطنافس والبسط الغاليا الثمن، والفراء الفاخرة والأحذية المطاطة. وأهم ما تصدر إلينا بلجيكة بلور المرايا وزجاج النوافذ وأسلحة الصيد والمسدسات وحديد البناء وحديد الصناعة ولوازم حافلات الكهرباء وآلات الزراعة. وثياب وأجواخ كثيرة والصودا والسلك والورق. ومن بولونيا الخشب والمسامير. ومن أسبانيا القمصان والجوارب والفلين والزئبق وبعض الأدهان. ومن سويسرا الساعات الذهبية والفضية للنساء والرجال والمطرزات الصيفية من الأكسية والدنتلا والشوكولاته والجبن واللبن المعقم والزبدة وأدوات النسيج والأحذية. ومن هولاندة الجبن والغليسرين والسبيرتو والجعة والشمع والملبس دروبس والبسكوت والدهان والأواني الخزفية والحليب المعقم والكتب العربية الجيدة.
وأهم ما يردنا من السويد الكبريت والمقوّى. ومن النروج زيت السمك والقطران وزيت النفط التربنتين. ومن الدانيمارك الحليب المعقم والسمك المقدد والمغموس بالزيت والجعة. ومن البرتقال سمك السردين. ومن التشيكو سلوفاكيا السكر والبلور والمالقي والجوخ العربي والجوخ العادي والأزرار والطرابيش والحرامات الصوف والأواني الزجاجية. ومن بلغاريا الجبن البلغاري ومن رومانيا الأخشاب وتعرف بالقطراني والشوح وقليل من البترول. ومن اليونان التبغ والزيوت والكونياك. ومن أميركا الشمالية والجنوبية آلات الخياطة والسيارات وما ينبغي لها والدراجات والمركبات والزيوت المعدنية والبترول والألكحول والبنزين والأحذية والقهوة والخشب المعروف بالأميركاني والساعات الأميركانية وآلات الهاتف والبرق والمطاط وأدوات الكتابة. ومن أوستراليا الدقيق الأسترالي وغير ذلك.
وأهم ما يرد علينا من اليابان والصين الخزف الصيني والياباني وهو أشكال متعددة والحصر المنقوشة والحرير الياباني والصيني والغزل والشاي الصيني
стр. 1105
والخام من اليابان والصين والحرير من شنغاي. ومن جاوة بطريق الحجاز الشاي والقهوة وثياب الحرير الصفيق المعروفة بالاستكروزة. ومن طرابلس الغرب وتونس والجزائر والغرب الأقصى نسيج صوف فاخر يعرف بالحرام وهو دثار الشتاء وحرير للصناعة هو أحسن أنواع الحرير. ومن الجزائر النبيذ الفاخر. ومن السودان الفول السوداني وبعض البهارات والصمغ والريش والعاج. ومن الحبشة القهوة. ومن مصر الثياب الصوفية يخيطونها عباءات في فلسطين والشال الحريري والأرز والسكر والمطبوعات العربية في مختلف العلوم والفنون.
ويردنا من تركيا الأحجار الكريمة وبعض مصنوعات الصياغ من الأواني الفضية الدقيقة الصنع، والبسط الأورفلية نسبة إلى أورفة والطنافس وغالبها تعرف بأسماء البلدان التي تعمل فيها فيقال لها الرشواني والقيصري والكرداسي وتستورد الشام من بلاد الكرد الغنم والخيل المعروفة بالجلب وهي لحمل الأثقال والحرث والبسط والطنافس واللبد المعروفة بالكردية. وأكثر ما تبعث العراق البسط المعروفة بالبغدادي والعباءات المعروفة بالجيلانية نسبةً إلى جيلان والملاءات الحريرية وتعرف بالبغدادية يتخذها نساء القرى الشامية غطاءً. وأهم ما نتناوله من اليمن والحجاز البن أو القهوة المعروفة بالعدنية، ومن المدينة المنورة بعض الطيوب والمراوح والتمر والحناء. ومن نجد الإبل والخيول العربية المشهورة.
وأهم ما يرد من بخارى الطنافس والبسط المفتخرة وتعرف بأسماء حواضرها. ويرد من الأفغان الطنافس والبسط الجيدة وتعرف بالأفغاني. ومن الخليج الفارسي اللؤلؤ ومصنوعات يدوية من بسط وطنافس وخراج وأعبئة. ومن فارس الشال الثمين والبسط والطنافس وعباءات الوبر وتعرف بأسماء حواضرها فيقال الشيرازي، التبريزي، الهمداني، الخراساني من حواضر فارس، ومن أهم مجلوباتنا التنباك الأصبهاني وهو كثير المقطوعية في الديار الشامية والأسلحة البيضاء من
مدى وخناجر وسيوف وتعرف بالعجمية، والخاويار يجلب الآن من بحر الخزر.
وأهم الوارد من بلاد الهند الطيوب من مسك وعنبر وعود وكافور
стр. 1106
والنيل والشاي على اختلاف أنواعه ومصنوعات النحاس من أباريق وطسوت وطاسات وأقداح صغيرة وكبيرة وصحاف تعرف بالهندي والبهارات والأفاويه بأنواعها. والشال البديع من صناعة كشمير ولاهور، ويساوي الثوب منه وطوله ثلاثة أمتار بعرض متر ونصف من أربعين إلى خمسين ديناراً.
هذا مجمل ما يأتينا من الأرجاء المختلفة من ضرو بالحاجيات والكماليات، عدا أصناف المأكولات من شوكولاته وثمار محفوظة وبقول وحبوب ودقيق وفاكهة ولحوم مقددة وأنواع السكاكر الإفرنجية، مما يصدر إلينا بحسب اللزوم ورواج سوقه إذا أُصيب القطر بآفة في نواتجه، وهذه الأصناف المجلوبة تدل على دقة نظر تجارها وحسن انتقائهم، وضربهم في طول الأرض وعرضها، حتى لا تكاد ترى فيما نعلم بلداً في الأرض لم ينزله شامي يبيع أو يشتري. ويقال في الأمثال العامة: أعرج الشام وصل الهند، وإذا تأملت هذه المجلوبات الصناعية وجدتها مثال الجمال والمتانة مما يدل على ذكاء مستهلكيها ورسوخ قدومهم في الحضارة والترف. وقطر كهذا بينه وبين الغرب صلات مستحكمة في التجارة منذ أكثر من ألفي عام وبينه وبين الشرق صلات مثلها منذ عرف التاريخ هو عميل قديم أمين جدير بأن ينظر إليه بعين العطف ويهتم بشأنه أهل الغرب اه.
رأي في ازدياد الثروة والتجارة:
بعد أن عرفنا بالفصول السالفة تاريخ التجارة في هذا القطر، وعلائقة مع الأمم في القديم، ووقفنا على حالة تجارته اليوم، وصلاته الاقتصادية مع الشرق والغرب، ورأينا العجز الظاهر في موازنته واختلال مجاريه الاقتصادية وأن دخله أقل من خرجه في الجملة، يجدر بنا أن نلفت نظر أرباب الشأن في الأمة، إلى أن
الشام باعتدال أهويته وجميل طبيعته، وتوسطه بين أقطار الشرق والغرب، وما في تاريخه وآثاره من البدائع والروائع، يستطيع أهله أن يجعلوه محط رحال معظم المسلمين في آسيا وإفريقية، وأقرب السبل إلى ذلك في نظر المفكرين، أن يصلح ما تخرب في الثورة العربية من خط السكة الحجازية الممتد من دمشق إلى المدينة المنورة، ويتم مد الخط الحديدي
стр. 1107
إلى مكة المكرمة وجدّة، وعندها يستطيع حجاج العراق وفارس وأفغانستان وبلوجستان والهند والصين وغيرها أن يسلكوا إلى الأرض الطاهرة عن طريق الشام من العراق على السيارات ريثما يمد خط حديدي عريض، وتكون دمشق المحطة المهمة للصادرين والواردين، ودمشق هي المدينة الإسلامية الرابعة بقدسيتها، بين أكثر أقطار الشرق الإسلامي وبين الحجاز، فإذا تم ذلك لا يقل عدد الحجاج الذين يؤمون دمشق عن ثلاثمائة ألف كل سنة، فإذا صرف الفرد عشرة دنانير، واصطاف في الشام من العراقيين والمصريين عشرون ألفاً كل سنة على أقل تعديل، وزارها عشرون ألفاً من سياح الإفرنج، لا يقل ربح الشاميين كل سنة عن أربعة إلى خمسة ملايين دينار من هذه الطرق التجارية. ومما يسهل الوصول إليه عقد معاهدة بين حكومة الشام والحكومات المجاورة. حينئذ يعمر الحجاز وتتم للشام سعادتها لأنها بالسكة الحجازية كانت تمون الحجاز قبل الحرب الكبرى فيسافر كل يوم من دمشق سبع مركبات تحمل من الطعام والبضائع ما لا يقل وزنه عن مئة ألف كيلو، وناهيك بذلك من تبادل المنافع بين هذه الأقطار والممالك، وما في ذلك من تيسير سبل الحج على شعوب لا تقل عن مائة وثلاثين مليوناً في العدّ، كانت ترحل الأشهر لتحج واليوم تكفيها الأسابيع القليلة مهما بعُدت عليها الشقة إذا امتطت هذه السيارات وهذه القطارات، ثم إذا تم إنشاء الخط الحديدي بين طرابلس وحيفا تتصل كالة في فرنسا بالقاهرة عن طريق أوربا وتركيا وتصبح الشام نقطة الاتصال بين أوربا وآسيا وإفريقية
وفي ذلك من الفوائد لتجارة الشام ما لا ينكر.
انتهى الجزء الرابع من خطط الشام
ويليه الجزء الخامس وأوله التاريخ المدني - الجيش.
стр. 1108
التاريخ المدني
стр. 1109
البيع والكنائس والأديرة
بيوت العبادة عند الأقدمين:
لم يخلف التاريخ الصحيح مستنداً يركن إليه في وصف بيوت العبادة عند قدماء سكان أيام كانوا يعبدون الأصنام والأوثان ثم بعد أن أصبحوا يعبدون النيران. فلا نعرف إذاً شيئاً يعتد به عن هياكل الفينيقيين في صور وصيدا وبيروت وجبيل ولا عن هياكل مشارف الشام الجنوبية ولا عن بيوت النيران في حلب ولا عن بيوت العبادة عند الحثيين والبابليين والآشوريين ولا عن هيكل الرب مرناس الذي كان يعبد في غزة، ويحجون إلى هيكله من الأقطار ولا عن معبد المشتري جوبيتر الذي أنشأه أدريانوس الرومان الذي وجد جبل جرزيم فوق نابلس، ولا عن هياكل المشتري معبود الرومان الذي وجد في السخنة بين تدمر ودير الزور، ولا عن هيكل اليونان في أنطاكية، ولا عن هيكل بزبزة بالغرب من كوسبة في لبنان، ولا عن بعل مرقد في أطلال دير القلعة قرب بيت مري بلبنان، ولا عن هيكل الزهرة في أفقة في جبل كسروان. والهيكل الباقي من هياكل القدماء هو هيكل بعلبك وقليل أمثاله جداً مما صبر على ضربات الدهر.
أما كنائس اليهود فقد تبين أنهم شرعوا بإنشاء كنيس لهم في سبي بابل
стр. 1110
يجتمعون فيه ويتعبدون. وأهم ما كان من كنائسهم كنيسهم في القدس بنوه بعد رجوعهم من بابل بجانب المعبد وقسموه قسمين قسم للرجال وقسم للنساء، ثم كثرت الكنائس في المدن الصغرى والكبرى في كل بلد كان فيها لليهودية معتقدون وأنصار. ولكل كنيس خزانة مقدسة تقام في داخل البناء على خشب وتجمعل متجهة نحو القدس وهي مغشاة بالكتان وفيها الطوامير المقدسة وأمام الخزانة ستار يذكر بستار المعبد وفي وسطه أمام الخرانة شيء أشبه بمنبر.
هذا غاية ما يقال في هياكل القدماء وبيوت عباداتهم، وكيف السبيل إلى وصف المعابد القديمة والتاريخ لا يعرف شيئاً يعتد به عن العالم الإسرائيلي بل ولا عن نصارى القرون الأولى، وكل ما يعرف عن موسى وعن قضاة إسرائيل وداود أو المسيح والحواريين لا يكاد يملأ سوى صفحات قليلة والنصرانية نفسها لم تنتشر في الشام إلا في اقرن الرابع للميلاد على يد قسطنطين أو أم قسطنطين بن
قسطنطين باني القسطنطينية وهو الذي بني كنائس كثيرة بدمشق وغيرها حتى يقال إنه بني في زمانه اثني عشر ألف كنيسة.
ولا بد لنا قبل وصف الكنائس والبيع والأديار أن نعرفها تعريفاً يقربها من جميع الأذهان ولا يوقع فيها لبساً. فالدير كما قالوا في تعريفه بيت يتعبد فيه الرهبان ولا يكاد يكون في المصر الأعظم إنما يكون في الصحاري ورؤوس الجبال فان كان في المصر كانت كنيسة أو بيعة.
وربما فرق بينهما فجعلوا الكنيسة لليهود. والبيعة للنصارى. وقال بعضهم: البيعة متعبد النصارى وقيل: كنيسة اليهود. والأولى أن تطلق الكنيسة على متعبد النصارى والكنيس على متعبد اليهود. وجاءت لفظة الدير من الدار والجمع أديار والديراني صاحب الدير والذي يسكنه ويعمره. ويقال له ديار. ويقال دير وديرة وأيار وديران ودارة ودارات وديرة ودير ودور ودوران وأدوار ودوار وأدورة.
منشأ الأديار والبيع:
أنشئت الأديار الأولى في الشام، فهي نوطنها الأول، ذلك أن من
стр. 1111
المسيحيين من أخذوا يألفون العزلة لأول ظهورهم في صعيد مصر وجبال إنطاكية ينقطعون للنسك. ولما زاد عدد هؤلاء الناسكين دعت الضرورة إلى إنشاء أكواخ منفردة أشبه بعمرات جعلت برئاسة رئيس.
وأنشئت دور عظيمة يعيش فيها أولئك الزهاد عيشة مشتركة يجمعهم سقف واحد وتسيرهم إدارة رئيس واحد. ثم اتحدت تلك الأكواخ والبيوت. وأنشئت أديار في المدن تولاها الأساقفة وانتقل ذلك إلى الغرب. وكما كانت الشام منشأ الأديار كذلك كانت أول من وضع هندسة الكنائس ذات القباب، فقد جرت في هندستها لأول مرة على مثال المعابد القديمة، فالشام إذاً أول من أنشأ الأدبار والكنائس كملا قامت فيها النصرانية واليهودية.
قلنا: إنه يرد إنشاء الكنائس إلى عهد قسطنطين أن ثيودوسيوس الكبير حول بعض هياكل الوثنيين في بعلبك إلى كنائس فبنى كنيستين في القلعة إحداهما في وسط البهو الكبير القائم أمام هيكل الشمس. وقال المسعودي: إن هيلاني بنت بإيليا الكنيسة المعروفة بالقيامة في هذا الوقت الذي يظهر منها النار في يوم السبت الكبير الذي صبحه الفصح وكنيسة قسطنطين وديارات كثيرة للنساء والرجال على الجبل المطل على مدينة بيت المقدس المعروف بالطور وهو بإزاء قبة اليهود وعمرت مدينة إيليا عمارة لم يكن قبلها مثلها ولم يزل ذلك عامراً إلى أن أخربته الفرس حين غلبت على مصر والشام.
تكاثرت الكنائس والأديار في الشام فلم يمض على انتشار النصرانية قرنان حتى زاد عدد الأدبار والبيع على صورة مستغربة حتى إن الغسانيين ولعوا أيضاً بعمارة الأديار في الجزء الذي ارتفع سلطانهم عليه في الجنوب على عهد ملوك الروم فشادوا دير حالي ودير أيوب ودير الدهناء ودير ضخم ودير النبوة. واشتهر الغساسنة بإقامة الديرة والبيع وكانوا كما قبل يعتمدون ببنائهم الموضع الكثيرة الشجر والرياض والمياه ويجعلون في حيطانها وسقوفها الفسافس والذهب ومثلهم كان شأن آل المنذر بالحيرة وبني الحارث بن كعب بنجران من بيوتات العرب.
стр. 1112
أعظم الكنائس وأقدمها:
ويظهر أن كنيسة القبر المقدس في القدس هي أقدم كنيسة في الشام قامت في مكان نظر إليه في كل وقت بأنه مقدس. وذكر الأسقف أو سابيوس القيصري ٣١٤ - ٣٤٠ وهو والد تاريخ الكنيسة أن في الحفريات التي جرت على عهد الملك قسطيطين اكتشفت مغارة المخلص المقدسة. وزاد المؤرخون المحدثون أن الملكة هيلانة والدة قسطنين المتوفاة نحو سنة ٣٢٦م زارت القدس واكتشفت القبر المقدس وصليب يسوع، فالبنات التي أقيمت في ذاك المكان سنة ٣٣٦م هي من
البناء المدور قد دعي كنيسة القيامة ومؤرخو المسلمين يسمونها كنيسة القمامة كما كان هناك كنيسة كاتدرائية خاصة برمز الصليب وقد أحرق الفرس هذين المكانين سنة ٦١٤م. وأعاد هرقل بناء ما كان خرب كسرى من الكنائس في مصر والشام، وذكر المؤرخون أن الفرس خربوا كنتئس القدس بمعاونة اليهود ومما خربوا كنيسة الجسمانية وكنيسة المنية وظلتا خراباً إلى القرن الرابع من الهجرة، ولما انصرفوا عمر النصارى كنيسة القيامة والمقبرة والاكرانيون وما قسطنطين وأحدث الراهب مودست رئيس دير تيودوس في سنة ٦١٦ و٦٢٦ كنيسة القيامة وكنيسة الصليب وكنيسة الجللجة وأضيفت سنة ٦٧٠ إلى الجنوب كنيسة للعذراء.
ولما فتحت القدس وجاء الخليفة عمر بن الخطاب أدركته الصلاة فلم يرض أن يصلي في كنيسة القيامة لئلا يكون بعده للمسلمين حجة في أخذها وبني مقابلها جامعاً ومصلى. ولما تنصر الروم على رواية ابن بطريق وبنت هيلانة أم قسطنطين الكنائس في بيت المقدس كان موضع الصخرة وحولها خراب فترك، ورموا على الصخرة التراب وهذه التي بني عليها المسجد الأقصى، ثم ذهب الخليفة إلى بيت لحم فحضرته الصلاة فصلى داخل الكنيسة عند الحنية القبلية، وكانت الحنية كلها منقوشة بالفسيفساء، وكتب عمر للبطرك سجلاً أن لا يصلي في الموضع من المسلمين إلا رجل واحد بعد واحد ولا يجمع فيه صلاة ولا يؤذن فيه ولا يغير فيه شيء. وكنيسة بيت
стр. 1113
لحم من الكنائس القديمة المشهورة أنشأها قسطنطين سنة٣٣٠ فكانت كاتدرائية كبرى وأنشأ يوستنيانوس حيطانها وأقيمت فيها أديار وكنائس كثيرة حتى أطلق عليها سنة ستمائة للميلاد اسم المكان الزاهر.
ومن أشهر كنائس الشام كنيسة دمشق المعروفة بكيسة مار يوحنا مكان الجامع الأموي اليوم، صالح المسلمون على نصفها الشرقي لأنهم اعتبروا دمشق بما فتح صلحاً وعنوة، فكان النصف من هذه الكنيسة العظمى، التي كانت أكبر معابدهم
على رواية ابن كثير، في النصف الذي فتحه خالد بن الوليد بالسيف. وكان بدمشق خميس عشرة كنيسة كتب بها عمر بن الخطاب كتاب أمان وأقر ما بأيدي النصارى أربع عشرة كنيسة، فجعل أبو عبيدة من الكنيسة الكبرى مسجداً. فكان المسلمون والنصارى يدخلون من باب واحد وهو باب المعبد الأصلي في القبلة؟ جرجس بن العميد: وقيل إن الوليد بذل للنصارى في كنيسة مار يوحنا أربعين ألف دينار فلم يريدوا أن يأخذوا المال فأخذها فأخربها ولم يعطهم شيئاً. وفي تواريخ دمشق أن النصارى رفعوا إلى عمر بن عبد العزيز في خلافته ما بيدهم من عهد أبي عبيدة بن الجراح من أن كنائسهم لا تهدم ولا تسكن وان الوليد أخذ كنيسنهم بغير حق قهراً، فلما رأى عمر ذلك منهم دفع لهم مالاً يرضيهم به حتى بلغ مائة ألف فأبوا، فكتب إلى محمد بن سويد الفهري أن يدفع إليهم كنيستهم أو يرضيهم في ذلك. فلما وصل كتاب عمر إلى دمشق أعظم الناس ذلك وفيهم يومئذ بقية من أهل الفقة، فشاورهم محمد بن سويد فقالوا: هذا أمر عظيم ندفع إليهم مسجدنا وقد أذنا فيه بالصلاة وجمعنا فيه يهدم ويعاد كنيسة. فقال رجل منهم: هنا مسألة فإن لهم كنائس عظاماً حول مدينتنا وهي دير مران والكنيسة بباب توما وغيرها من الكنائس أن أحبوا أن نعطيهم كنيستهم فلا يبقوا حول مدينة دمشق ولا بالغوطة كنيسة إلا هدمت أو نبقي لهم جميع كنائسهم ويتركوا هذه ونسجل لهم بذلك سجلاً، فرضي النصارى على أن يسجل لهم الخليفة سجلاً منشوراً بأمان على ما بدمشق والغوطة من كنيسة أن تهدم أو تسكن. وهكذا استحالت كنيسة مار يوحنا إلى مسجد جامع للمسلمين أخذوه بحكم الفتح
стр. 1114
وأرضوا أنباء ذمتهم على كل حال. وما ندري كيف آل إلى هؤلاء من اليهود أو إلى النصارى من الصابئة وغيرهم. ولعل التقليد القائل بأن في الجامع رأس يحيى بن زكريا ﵉ أتي من كون الكنيسة كانت على اسم مار يوحنا هو يحيى والله أعلم.
وخاصم النصارى حساناً بن مالك الكلبي إلى عمر بن عبد العزيز في كنيسة بدمشق فقال له عمر: إن كانت من الخمس عشرة كنيسة التي في عهدهم فلا سبيل لك إليها. وقال غيره: خاصمت العرب في كنيسة بدمشق يقال لها كنيسة ابن نضر كان معاوية أقطعهم إياها فأخرجهم عمر بن عبد العزيز منها فدفعها إلى النصارى فلما ولي يزيد ردها إلى بني نضر. وفي كتاب سجل يحيى بن حمزة أن النصارى ذكروا لعمر بن عبد العزيز أن عتقاء العرب قد سخروا بهم وبرئيسهم وبدينهم وجماعتهم من أهل القرى وأن أولئك العتقاء أحلاف وفرق وأنهم غلبوا على كنائسهم وسألوا الوفاء لهم بما في عهدهم وبما في الكتاب الذي كتبه لهم خالد بن الوليد عند فتح مدينتهم فأمرهم أن يأتوا بحجتهم فأتوا بكتاب خالد بن الوليد فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أعطى خالد بن الوليد أهل دمشق يوم فتحها أعطاهم أماناً لأنفسهم ولأموالهم وكنائسهم لا تهدم ولا تسكن لهم على ذلك ذمة الله وذمة الرسول ﵊ وذمة الخلفاء وذمة المؤمنين لا يعرض لهم أحد إلا بخير إذا أعطوا الذي عليهم من الجزية شهد بهذا الكتاب يوم كتب عمرو بن العاص وعياض بن غنم ويزيد بن أبي سفيان وأبو عبيدة بن الجراح ومعمر بن غياث عتاب وشرحبيل بن حسنة وعمير بن سعد ويزيد بن نبيشة وعبد الله بن الحارث وقضاعي بن عمر وكتب في شهر ربيع الأول سنة خمس عشرة.
قال يحيى بن حمزة فنظرت في كتابهم فوجدته خاصة لهم، وفحصت عن أمرهم فوجدت فتحها بعد حصار، ووجدت ما وراء حائطها آثاراً وضعت لدفع الخيل ومراكز الرماح، ونظرت في جزيتهم فوجدتها وظيفة عليها خاصة دون غيرهم، ووجدت أهلها عند فتحها رجلين رجلاً رومياً قتلته الحرب أو نفته، ومساكنهم قسمة بين المسلمين
стр. 1115
معروفة لا تخفى، ورجلاً من أهلها حقن دمه هذا العهد، فمساكنهم وكنائسهم مع دمائهم لهم لم تسكن، ولم تقسم معروفة ليس تخفى،
فقضيت لهم بكنائسهم حين وجدتهم أهل هذا العهد وأبناء البلد، ووجدت من نازعهم لفيفاً طرأ وذلك لو أنهم أسلموا بعد فتحها كان لهم صرفها مساجد ومساكن. فلهم في آخر الدهر ما لهم في أوله وأثبت في الأصول قبل وأشهد الله عليه وصالح المؤمنين، وفاء بهذا العهد الذي عهده لهم السابقون الأخيار فلم يكن بينهم خاصة في ذلك اختلاف نظر لهم. . وقضيت لمن نازعهم بما كان لهم فيها من حيلة أو آنية أو كسوة أو عرضة أضافوا ذلك إليها أن يدفع ذلك إليهم بأعيانها إن قدروا عليه وسهل قبضه، أو قيمة عدل يوم ينظر فيه شهد الله على ذلك اه.
هذا ما كان من المسلمين مع أبناء ذمتهم ومراعاة العهود التي قطعوها على أنفسهم. ولم تزل سيرة خلفاء بني أمية وبعض بني العباس مع النصارى وكنائسهم سيرة الخليفة الثاني والفاتحين من الصحابة الكرام. فقد بنى أبو جعفر المنصور كنيسة في دمشق لبني قطيطاني الغوريق، ذكر ذلك ابن عساكر. ولما وقع حريق في كنيسة مريم بدمشق أيام أحمد بن طولون أمر أن تفرق على أهل الحريق سبعون ألف دينار ففضل عنهم أربعة عشر ألف دينار فأمر أن تفرق عليهم على قدر سهامهم ثم أمر ففرق على أهل دمشق وغوطتها مال عظيم فأقل من أصابه من ذلك دينار.
مبدأ هدم الكنائس:
أول حادث وقع في تخريب الكنائس قبل الإسلام كان لما ثار بفلسطين أهل السامرة وهدموا في سنة إحدى وعشرين وخمسمائة الكنائس كلها وأحرقوها من بيسان إلى بيت لحم وقتلوا النصارى وعذبوهم عذاباً شديداً فأعاد يوستنيانوس الكنائس وكتب إلى عامله في فلسطين أن يعفي أهلها من الخراج ويعمر بها الكنائس والديارات وبني بيمارستاناً للغرباء في القدس.
وبقدر ما رأى النصارى من عدل المسلمين معهم أيام عزهم أخذ بعض ملوكهم
بعد القرن الثالث يحكمون العواطف بدل العقل في الكنائس
стр. 1116
والبيع، وكان من أثر ذلك أن نالت السياسة من بيوت العبادة فكان إذا أحس القائم بأمر المسلمين أن قومه في شدة في ديار الحرب انتقم من أهل ذمته في ديار الإسلام، وسلط العامة من طرف خفي ليخرجوا كنائس النصارى وبيعهم.
قال القلقشندي: وفي السنة الأخيرة من رياسة البطريرك قسيما وهي سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة أحرق المسلمون كنيسة مريم بدمشق ونهبوا ما فيها وتتبعوا كنائس اليعاقبة والنساطرة. وقال ابن بطريق: إن هذه الحادثة وقعت في رجب سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة وذلك أن المسلمين في دمشق ثاروا فهدموا كنيسة مرتمريم الكاتوليقية، وكانت عظيمة كبيرة حسنة أنفق فيها مائتا ألف دينار، ونهبوا ما كان فيها من آنية وغير ذلك من حلي وستور، ونهبت ديارات وخاصة دير النساء الذي كان في جانب الكنيسة وشعثوا كنائس كثيرة للملكية، وهدموا كنيسة النسطورية. وثار المسلمون بالرملة وهدموا للملكية فيها كنيستين كنيسة مار قزماس وكنيسة مار كورقس وهدموا كنيسة عسقلان وقيسارية وذلك سنة ٣١١. وثار المسلمون بكنيسة بيت المقدس وأحرقوا أبواب كنيسة قسطنطين القبلية سنة ٣٢٥.
وكان الداعي إلى ذلك ما وقع من اضطهاد المسلمين في الروم على الغالب فلم يجد ملوك الإسلام واسطة لتخفيف الشر الواقع على رعاياهم من أهل الإسلام إلا بالضغط على النصارى في ديارهم والتأثير في ملوك النصارى بضربهم في أكبادهم في كنائس هي مهوى قلوب أبنائهم في بيت المقدس وما إليها بدليل أن ابن بطريق نفسه قال بعد إيراد تلك الحوادث: وقع بين الروم والمسلمين هدنة مرضية في سنة ست وعشرين وثلاثمائة وقال في حوادث السنة التالية: إن المسلمين ثاروا في عسقلان فهدموا كنيسة كبيرة تعرف بكنيسة مريم الخضراء ونهبوا جميع ما
فيها وأحرقت وعاضد المسلمين اليهود في هدمها. وكان اليهود يشعلون النار في الحطب ويجرونه بالبكر إلى أعلا السقوف حتى يحرقوها وينحل رصاصها وتقع عمدها وخرجت الكنيسة وبقيت خربة. وروى أيضاً أن الصناحي والي القدس
стр. 1117
اضطهد بطريرك القدس فاستعدى عليه ملك مصر فأعداه فلم يستمع الوالي لذلك واختبأ البطريرك في كنيسة القيامة فهاجمها الوالي وأحرقوا أبوابها وسقطت القبة، وتوجه الرعية إلى كنيسة صهيون وأحرقوها ونهبوها. وهدم اليهود وأخربوا أكثر من المسلمين. وأهم ما نال الكنائس في الشام من الأذى، كان على عهد الحاكم بأمر الله الفاطمي فإنه لم يبق في مملكته ديراً ولا كنيسة إلا هدمها. ففي سنة ٣٩٨ كتب الحاكم إلى دمشق بهدم كنيسة السيدة القاتوليكية فهدمت، وكتب إلى والي بهدم كنيسة القيامة في القدس وإزالة معالمها والقضاء على آثارها، وهدم الاقرانيون كنيسة ماري قسطنطين وسائر ما اشتملت عليه حدودها واستقصوا في إزالة الآثار المقدسة، وكان في جوار المقبرة دير للنساء يعرف بدير السري فهدم أيضاً. وكان ابتداء نقضها سنة أربعمائة ووضعت اليد على الأملاك والأوقاف وجميع ما في تلك الكنائس من آلاتها وحلاها.
وعاد الحاكم بعد أن ضرب النصارى في كنائسهم في جميع أرجاء مملكته فأعطاهم عهداً كما كان يعطي الخلفاء العادلون ومنها هذا المنشور الذي أورده ابن بطريق:
بسم الله الرحمن الرحيم أمر أمير المؤمنين بكتب هذا المنشور لنيقيفور بطريرك بيت المقدس بما رآه من إجابة رغبته، وأطلق بغيته، من صيانته وحياطته، والذب عنه وعن أهبل الذمة من نحلته، وتمكينهم من صلواتهم على رسومهم في افتراقهم واجتماعهم، وترك الاعتراض لمن يصلي منهم في عرصة الكنيسة المعروفة بالقيامة وخربتها، على اختلاف رأيه ومذهبه، ومفارقته في دينه وعقيدته، وإقامة
ما يلزمه في حدود ديانته، وحفظ المواضع الباقية في قبضته، داخل البلد وخارجه والديارات وبيت لحم ولدّ، وما برسم هذه المواضع من الدور المنضوية إليها، والمنع من نقض المصلبات بها، والاعتراض لأحباسها المطلقة لها، ومن هدم جداراتها وسائر أبنيتها، إحساناً من أمير المؤمنين إليهم، ودفع الأذى عنهم وعن كافتهم، وحفظاً لذمة الإسلام فيهم، فمن قرأه أو قرئ عليه من الأولياء
стр. 1118
والولاة، ومتولي هذه النواحي وكافة الحماة، وسائر المتصوفين في الأعمال، والمستخدمين على سائر منازلهم، وتفاوت درجاتهم، واستمرار خدمتهم، أو تعاقب نظرهم، في هذا الوقت وما يليه، فليعلم ذلك من أمير المؤمنين ورسمه، ويعمل عليه وبحسبه، وليحذر من تعدى وحده ومخالفة حكمه، ويتجنب مباينة نصه ومجانبة شرحه، ولقرّ هذا المنشور في يده حجة لمودعه، يستعين بها على نيل طلبه، وإدراك بغيته، إن شاء الله تعالى. وكتب في جمادى الأخرى سنة إحدى عشرة وأربعمائة. وفي أعلاه بخط الحاكم توقيع: الحمد لله رب العالمين.
قال ابن بطريق، وانفتح حينئذ باب رجعة الكنائس ورد أوقافها عليها، وأطلق عمارة جميع الكنائس والديارات التي يستدعي منه الإذن فيها وفي عمارتها بمصر وفي سائر بلاد مملكته، وكتب لكل منهم سجلاً لإعادة أوقافها إليها، إلا ما كان من الأوقاف والكنائس قد بيع في وقت القبض عليها في دمشق وفي جميع بلاد الساحل، وصرف ثمنه في النفقات السلطانية، لضيق الأموال وقلتها، أو ما كان منها قد حصل لمن يتوقون شره من المسلمين. ولما تسامح الحاكم بعمارة الكنائس وتجديدها ورد أوقافها عاد الذين أسلموا من النصارى وقت الاضطهاد إلى دينهم لأمره وتسامحه. ولما هلك الحاكم وبويع لابنه الظاهر واستولت عمته على الملك بالفعل تقدمت بمسير نيقيفور بطريرك بيت المقدس إلى حضرة الملك ليطلبه بعودة الكنائس وتجديد كنيسة القيامة ببيت المقدس وسائر البيع في جميع بلاد مصر
والشام ورجوع أوقافها إليها.
وكان البطاركة أشبه بسفراء سلام بين ملوك الإسلام وملوك الروم. إذا وقع حيف على المسلمين في ديار أعدائهم يندبهم ولاة الإسلام إلى مطالعة الروم الواقعين في أسرهم، أو الراحلين إليهم في التجارة. ومما اشترط ملك الروم على الظاهر العبيدي في عقد الهدنة ثلاثة شروط منها أن يعمر الملك الظاهر كنيسة القيامة ببيت المقدس ويجددها من ماله، ويصيّر بطريركاً على بيت المقدس، وأن تعمر النصارى جميع الكنائس الخراب
стр. 1119
التي في بلاد الظاهر. فقبل الظاهر ما شرطه الملك من بناء كنيسة القيامة ومن إقامة بطريرك ومن تجديد النصارى بقية الكنائس سوى ما كان منها قد عمل مسجداً.
وقد علل مجير الدين الحنبلي عمل الحاكم في هدم البيع تعليلاً غير مقبول كثيراً قال: إنه بسبب ما أنهي إلى الحاكم من الفعل الذي يتعاطاه النصارى يوم الفصح من النار يوقدونها في سبت النور يوهمون أنها تنزل من السماء وقال: إن المستنصر بالله أبا تميم معداً، هادن ملك الروم على أن يطلق خمسة آلاف أسير ليمكن من عمارة القيامة التي كان خربها جده الحاكم فأطلق الأسرى. قال: والذي يظهر أن تخريبها لم يكن تخريباً كلياً بل كان في غالبها.
وقد وقع في العصور التالية بعض حوادث من تخريب كنيسة أو بيعة كان السبب فيه داخلياً كأن يميل أهلها إلى عدو خارجي يداهم القطر، فقد استطالوا سنة ٦٥٨هـ على المسلمين كما يقول المؤرخون فنهبهم المسلمون وخربوا كنيسة مريم بدمشق وكما وقع لهبة الله النصراني متولي خزانة السلطان فإنه كان تمكن من المسلمين وآذاهم، ورفع منار النصارى وتسلطوا بجاهه على المسلمين، وجدد لهم بناء كنيسة مريم وشيد بنيانها، ورفع بابها، وحسن عمارتها، ثم هدم ما زاده، وأعيدت الكنيسة إلى ما كانت عليه، وتولى النصارى هدم ذلك بأنفسهم.
وكل تخريب وقع كان عن دواع كلية في الغالب يرجع في جملته إلى اعتداء النصارى في غير ديار الإسلام على المسلمين. فإن نيقيفور دومستيقس صاحب الروم لما غزا جزيرة اقريطش كريت في أسطول ونازلها في النصف من المحرم سنة خمسين وثلاثمائة وحاصرها ثمانية أشهر وفتحها وخرب ما فيها من المساجد وسبى من أهلها خلقاً كثيراً قام المصريون فخربوا بعض ما عندهم من الكنائس انتقاماً من الروم على فعلتهم وهكذا دواليك في تلك العصور المظلمة.
وفي سنة ٨٥٦ صدر مرسوم الملك بالكشف على الأديار وبهدم ما استجد بدير صهيون في القدس وانتزاع قبر داود من أيدي النصارى فهدم البناء
стр. 1120
المستجد، وفيها أخرج المسجد من دير السريان وصار زاوية وهدم البناء المستجد ببيت لحم وفي كنيسة القيامة وكشفت جميع الأديار وهدم جميع ما استجد بها. وفي سنة ٨٩٥ هدمت القبة التي أحدثها النصارى في دير صهيون. والسبب في ذلك على ما يبدو للنظر أن الدولة في تلك الأيام حاذرت من أن يكون من بعض الأديار والكنائس أماكن يعتصم فيها تساعد في الأيام العصيبة على أن تكون ثكناً وقلاعاً لمن يداهم الشام من غير أهل الإسلام.
ومع هذا لم يخل زمن من ظهور حكام استعملوا العدل في تلك الأعصار مع أبناء ذمتهم فقد ذكروا أن المفرج بن الجراح لما تغلب على أرجاء فلسطين ألزم النصارى ببناء كنيسة القيامة ببيت المقدس، قال ابن بطريق: إنه عاون على بناء كنيسة القيامة وأعاد فيها مواضع بحسب إمكانه وقدرته.
كنائس دمشق:
ولم يحدثنا التاريخ بما كان من أنواع الكنائس بعد القرن الثامن ومعظم الكنائس والأديار في الشام اليوم بعد كنائس القدس وبيت لحم ودمشق هي مما أنشئ في القرون الأخيرة. فالكنائس في دمشق جددت بعد سنة ١٨٦٠ أي بعد أن خربت في حوادث تلك السنة. فالطائفة الروم الأرثوذكس ثلاث كنائس أكبرها المريمية وهي أعظمها، ومن أقدم كنائس هذه الديار وفيها مقام البطريرك الأنطاكي خربت في أدوار كثيرة وآخر خرابها في وقعة تيمور يبلغ طولها نحو ٧٠ ذراعاً وعرضها نحو أربعين. والثانية كنيسة مار يوحنا الدمشقي أنشئت بعد سنة ١٨٦٠ وفي جوارها مدرسة الروم. والثالثة كنيسة الميدان في محلة القرشي تم بناؤها سنة ١٨٦٢. ولطائفة الروم الكاثوليك ثلاث كنائس أيضاً كانت الكبرى كنيساً لليهود القرائين فاشتراها الكاثوليك وأسست أيام الحكومة المصرية تم بناؤها سنة ١٨٤٠ على اسم السيدة وهي في حارة زيتون قرب سور البلد القديم وحرقت في حادثة سنة ١٨٦٠ أيضاً وهي متينة راسخة البنيان وفيها مقام البطريرك الأنطاكي لتلك الطائفة. والكنيسة الثانية في باب المصلى على اسم القديس جاورجيوس.
стр. 1121
والثالثة في القرشي على اسم سيدة النياح. وللسريان الكاثوليك كنيسة على اسم مار موسى الحبشي في حي المسيحيين على الطريق العامة وفيها دار البطريركية ولها مدرسة متصلة بها حرقت في سنة ١٨٦٠ أيضاً ثم جددت. وللأرمن القدماء كنيسة قرب السور وهي قديمة احترقت في حوادث سنة١٨٦٠ واسمها مار سركيس ولها مدرسة جدد بناؤها بعد الحوادث. وللسريان اليعاقبة كنيسة بالقرب من الباب الشرقي في محلة حنانيا جددت سنة ١٨٦٠ باسم جاورجيوس. وللأرمن الكاثوليك كنيسة أمام دير اللعازاريين أنشئت بعد سنة ١٨٦٠ على اسم القديس غريغوريوس. وللبروتستانت كنيستان بنت إحداهما مسز موط الإنكليزية سنة ١٨٦٨ والثانية ١٨٦٤ بناها القس يوحنا كرفورد الأميركاني.
وقد أنشئت عدة كنائس وأديار في دمشق أهمها دير اللعازاريين كان شرع ببنائه قبل حوادث ١٨٦٠ ثم أحرق وجدد بعد ذلك وفيه مدرستان إحداهما للذكور والثانية للإناث. ولليسوعيين مدرسة للبنات وفيها كنيسة صغيرة. وهناك دير الفرنسيسكان بالقرب من دير اللعازارية قيل: إنه من نحو ٣٥٠ سنة عقيب حوادث ١٨٦٠ وفيه مدرسة للصبيان. ولطائفة الموارنة دير على اسم مار أنطونيوس الباردواني حرق ١٨٦٠ وفيه دار البطريركية. وفي سفح الصالحية كنيسة صغرى للسريان الكاثوليك. وأنشئت في العهد الأخير كنيسة في المدرسة الإيطالية بطريق الصالحية وأخرى وراء المستشفى العسكري لراهبات الفرنسيسكان وغيرها من الكنائس الصغرى.
كنائس حلب:
وليس في الشهباء كنائس قديمة وأقدمها لا يرد عهده إلى قبل منتصف القرن الماضي فمنها كنيسة الأربعين للأرمن الغريغوريين في الصليبة وهي من الكنائس القديمة جددت ١٨٦٩ وكنيسة السيدة للأرمن الغريغوريين ١٨٥٠ وكنيسة مار أنطونيوس البادوي للآباء الفرنسيسيين أنشئت ١٦٦٠ جددت وكنيسة انتقال السيدة للسريان الكاثوليك في حارة الصليبية جددت
стр. 1122
١٨٥٠ بعد حريق وقع لها. وكنيسة أم المعونات للأرمن الكاثوليك تم بناؤها ١٨٤٠ ومنها كنيسة بشارة الإنجيل للبرتستانت في محلة جقور القسطل جعلت كنيسة ١٨٦٧. وكنيسة مار فرنسيس للآباء الفرنسيسيين في حي جلوم تم بناؤها ١٨٧٨. وكنيسة السيدة للروم الأرثوذكس في الصليبة جدد بناؤها ١٨٥١. وسيدة الانتقال للروم الكاثوليك جددت بعد حريقها ١٨٥١. ومار جرجس للروم الكاثوليك في ثرعسوس تم بناؤها ١٨٥١. وكنيسة قلب يسوع للآباء اليسوعيين في حي تراب الغربا تمت سنة١٨٨١. وكنيسة مار بطرس للكلدان في العزيزية ١٨٨٢. وكنيسة مار
جرجس للسريان الأرثوذكس في جقور قسطل وهي من الكنائس القديمة اختص بها السريان بعد أن كانت مشتركة بينهم وبين الأرمن في سنة ١٨٩٣ وكنيسة للموارنة باسم مار الياس الحي في الصليبة تمت سنة ١٨٩١، وكنيسة القديس بوناونتورا للآباء الفرنسيين تم بناؤها في حي الرام سنة ١٩٠٧ وكنيسة للموارنة باسم الياس الحي في الصليبة تمت سنة ١٨٩١، وكنيسة الأنفس المطهربة في الحميدية تم بناؤها سنة ١٩١٠.
الكنائس والبيع في القدس:
وفي القدس أديار وكنائس كثيرة بحيث يصح أن تدعي بلد الكنائس ولطائفة كاثوليك الرومانيين كنيسة اسمها كنيسة البطريركية ودير المخلص للفرنسيكان وله كنيسة وميتم وصيدلية ومطبعة، وكنيسة القديسة حنة وكنيسة الاكسي هومو أي إيتيان، وكنيسة الاغوني وأديار كنيسة القيامة ودي لا فلاجلاسيون والدومنيكيين وإخوان البعثة الإفريقية واللعازاريين والآباء الباسيونيست والبندكتييين. ودير البندكتيين وأديار الكلرمليين وسيدات صهيون وأخوات القديس يوسف وأخوات الوردية والكلاريس وأخوات ربباراتريس والبندكتيات. ولهم كنائس في المدارس. منها في المدرسة الاكليريكية البطريركية وميتم الأطفال في دير المخلص والمدرسة الصناعية في الدير نفيه ومدرسة الذكور للفرنسيكان والمدرسة الصناعية
стр. 1123
للذكور لرهبان سيدة صهيون ومدرسة الذكور لإخوان المدارس المسيحية ومدرسة وميتم بنات أخوات القديس يوسف وميتم البنات لأخوات الفرنيسكانيات ومدرسة للبنات لراهبات الوردية ومدرسة وميتم لبنات سيدات راتسبون، ومدرسة البنين والبنات لجمعية الأرض المقدسة الألمانية. ومن المستشفيات مستشفى سان لويس، تعاون فيه راهبات القديس يوسف وملجأ اللقطاء والعجزة والمرض لأخوات الإحسان، وملاجئ الحجاج مثل كازانوفا للفرنسيكان. والملجأ الكبير
الفريس لسيدة فرنسا وملجأ الاغسطينيين والملجأ الكاثوليكي الألماني والملجأ النمساوي والروم المجتمعين أو الروم الكاثوليك كنيسة في البطريركية وبيعة في سانت فيرونيك ومدرسة اكليركية كبرى لرهبان القديسة حنة لإخوان البعثة الإفريقية الآباء البيض ومتيم للبندكتيات وواحد للسوريين المتحدين وله مدرسة اكليركية يديرها الآباء البنديكتيون وقليل من الأرمن المتحدين مع كنيسة سيدة السباسم وبيعة وملجأ ومدرسة متصلة بالكنيسة اللاتينية.
وللطوائف البروتستانتية الألمانية كنيسة المخلص الألمانية وملاجئ فرسان القديس يوحنا ومستشفى الدياكونيس قيصر ورت ودار للبرص للإخوان المورافيين وميتم للفتيات وميتم سوري للأولاد العرب في القديس. وللطائفة البروتستانتية الإنكليزية مدرسة وكنيسة أسقفية وجمعية التبشير الكنائسي لدعوة أبناء العرب من المسلمين واليهود للمذهب ولها كنيسة القديس بولس ومتيم للذكور أسسه أسقف كوبا ومدرسة للذكور والنبات ومدرسة عالية وكنيسة يسوع لجمعية يهود لندرا، وهذه الإرسالية تقوم بنفقة مستشفى كبير وصيدليتين ومدارس للذكور والإناث ومدرسة صناعية ومطبعة. ولرهبتة فرسان القديس يوحنا الإنكليزية مستوصف للرمد وبعض الأدبار والمدارس تنفق عليها جمعية تبرعات فلسطين وجمعية مبرات إرسالية الشرق الإنكليزية. ولطائفة الروم الأرثوذكس عدة أديار وكنائس منها دير هيلانة وقسطنطين ودير إبراهيم ودير جيتسماني والقديس باسيليوس والقديس تيودوروس والقديس
стр. 1124
جورج والقديس ميشل والقديسة كاترينا واوتيم وسيدة النجا واسبيريدون وكارالومبوس وديمتريوس ونيقولاوس وروح القدس ومدرسة للبنات وأخرى للذكور ومستشفى وغير ذلك. وللبعثة الروسية مدرسة كبرى في حي يافا والبنايات على جبل الزيتون. وكان للجمعية الروسية الفلسطينية ملجأ كبير للحجاج بالقرب من المعهد الروسي، وملجأ للراهبات بالقرب من البيمارستان.
وللأرمن من دير بالقرب من باب صهيون ولهم مدرسة اكليريكية ومدرستان للذكور وللإناث وكنيسة القديس يعقوب ودير للنساء اسنه دير الزيتوني ودير وبيعة جبل صهيون ولهم ملجأ. وللأقباط دير يقيم فيه أسقفهم ودير أخر يقال له دير القديس جورج. وللسريان اليعقوبيين كنيسة صغرى يقيم فيها أسقف لهم. وللحبش دير وكنيسة في الشمال اغربي من المدينة وللإسرائيليين زهاء ٧٠ كنيساً. وكثير من معاهد الخير والإحسان وملاجئ للزوار ومعاهد للفقراء أسس معظمها مونتفيور وروتشيلد وجمعية الاتحاد الإسرائيلي وغيرهم ولهم أربعة مستشفيات ودار للمعتوهين ومدرسة للعميان وملجأ للشيوخ ومدرسة ابتدائية وصناعية تقيم عليها جمعية الاتحاد الإسرائيلي ومدرسة إنكليزية للبنات ومدرسة ألمانية للبنين وملاجئ منها الألماني والإسباني وفي القدس مدرسة البنات لاسوج. ولما زار الإمبراطور غليوم الثاني ملك ألمانيا مدينة القدس أمر بإنشاء كنائس وكلها واقعة في أهم بقعة في المدينة ثلاث منها مشرفة عليها من الخارج والرابعة داخل المدينة أي السور.
وقبل الحرب العامة كان في القدس ٨ أديار للذكور و٩ أديار للإناث من اللاتين وكنيستان للروم الكاثوليك وواحدة للأرمن الكاثوليك و١٤ ديراً للروم الذكور و٤ أديرة للإناث من الروم و٤ أديار للروس و٥ للأرمن و٣ للأقباط و٣ للحبش و٢ للبروتستانت الاسقفيين و١ للإنجيليين وللهيكليين من الطواف البروتستانتية و٤٠ كنيساً للإسرائيليين وربما زادت بعض الطواف أماكن أخرى للعبادة.
وكنائس القدس وأديارها وبيعها على غاية من الفخامة لأنها من إنشاء
стр. 1125
دول كبرى ومكانة القدس في هذا الباب لا تنازعها فيه غير رومية العظمى، وأهم تلك الكنائس في القدس كنيسة القيامة وهي ليست بالكبرى كثيراً بالنسبة لكنائس الغرب المهمة بل هي متوسطة الحجم استأثر أهل كل مذهب من مذاهب النصرانية ببقعة
صغيرة منها لا يتعدونها يسكنونها ويوقدون سرجها ويتعهدونها بما يصلحها. والسدانة للمسلمين حتى لا يقع بين أهل تلك المذاهب شيء من التحاسد الذي أدى في الأزمان السالفة إلى فتن وحوادث، ولكل قطعة من قطع كنيسة القيامة وجدار من جدرانها وعمود من عمدها حادثة تاريخية يذكرونها في تاريخهم الديني.
ولو كان عني بعمران كل بلد على مثل ما عني بإنشاء الأديار والكنائس في القدس وما إليها من الأرض المقدسة لكانت الشام أعمر أقطار العالم بكنائسها وأديارها فقد قدر بعضهم ما أنفق على هذه المعاهد الدينية الكبرى بخمسة عشر مليون جنيه قبل أن يحاول اليهود أن يجعلوا لهم من فلسطين وطناً قومياً، وقبل أن ينشئوا فيها كنائسهم ومعابدهم ويشترك يهود العالم في إتمام مشاريعهم في فلسطين. ولا يدخل في هذا التقدير ما في معابد القدس من العاديات والآثار والتحف والطرف فإن ذلك لا يقوم بثمن. كل هذا بسائق المنافسة السياسية والدينية بين الطواف المسيحية بعضها مع بعض وبين المسيحيين من جهة والموسويين من أخرى.
كنائس فلسطين:
ولو جئنا نستقصي كنائس فلسطين لطال بنا المجال فمن كنائسها كنيسة روسية في يافا مطلة على سهل سارون وكنائس صغيرة ثابتة للفرنسيين والروم الأرثوذكس والكاثوليك والموارنة، وكنيس لليهود. ولهم مدرسة مهمة في تل أبيب وأهم الأديار فيها دير اللاتين وفيها كنيسة للبروتستانت الألمان من طائفة الهيكليين واسمها أحباب القدس وقد كثرت الكنائس في المدن والقرى والغالب أن كنائس القرى سبقت بإنشائها كنائس المدن لأن النصرانية انتشرت أولاً في القرى وعصى أهل المدن على التدين بها لغلبة التعصب عليهم. ومن رأي بعض الواقفين أن النصرانية انتشرت أولاً في المدن