Полный текст (1 453 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.
стр. 1121
والثالثة في القرشي على اسم سيدة النياح. وللسريان الكاثوليك كنيسة على اسم مار موسى الحبشي في حي المسيحيين على الطريق العامة وفيها دار البطريركية ولها مدرسة متصلة بها حرقت في سنة ١٨٦٠ أيضاً ثم جددت. وللأرمن القدماء كنيسة قرب السور وهي قديمة احترقت في حوادث سنة١٨٦٠ واسمها مار سركيس ولها مدرسة جدد بناؤها بعد الحوادث. وللسريان اليعاقبة كنيسة بالقرب من الباب الشرقي في محلة حنانيا جددت سنة ١٨٦٠ باسم جاورجيوس. وللأرمن الكاثوليك كنيسة أمام دير اللعازاريين أنشئت بعد سنة ١٨٦٠ على اسم القديس غريغوريوس. وللبروتستانت كنيستان بنت إحداهما مسز موط الإنكليزية سنة ١٨٦٨ والثانية ١٨٦٤ بناها القس يوحنا كرفورد الأميركاني.
وقد أنشئت عدة كنائس وأديار في دمشق أهمها دير اللعازاريين كان شرع ببنائه قبل حوادث ١٨٦٠ ثم أحرق وجدد بعد ذلك وفيه مدرستان إحداهما للذكور والثانية للإناث. ولليسوعيين مدرسة للبنات وفيها كنيسة صغيرة. وهناك دير الفرنسيسكان بالقرب من دير اللعازارية قيل: إنه من نحو ٣٥٠ سنة عقيب حوادث ١٨٦٠ وفيه مدرسة للصبيان. ولطائفة الموارنة دير على اسم مار أنطونيوس الباردواني حرق ١٨٦٠ وفيه دار البطريركية. وفي سفح الصالحية كنيسة صغرى للسريان الكاثوليك. وأنشئت في العهد الأخير كنيسة في المدرسة الإيطالية بطريق الصالحية وأخرى وراء المستشفى العسكري لراهبات الفرنسيسكان وغيرها من الكنائس الصغرى.
كنائس حلب:
وليس في الشهباء كنائس قديمة وأقدمها لا يرد عهده إلى قبل منتصف القرن الماضي فمنها كنيسة الأربعين للأرمن الغريغوريين في الصليبة وهي من الكنائس القديمة جددت ١٨٦٩ وكنيسة السيدة للأرمن الغريغوريين ١٨٥٠ وكنيسة مار أنطونيوس البادوي للآباء الفرنسيسيين أنشئت ١٦٦٠ جددت وكنيسة انتقال السيدة للسريان الكاثوليك في حارة الصليبية جددت
стр. 1122
١٨٥٠ بعد حريق وقع لها. وكنيسة أم المعونات للأرمن الكاثوليك تم بناؤها ١٨٤٠ ومنها كنيسة بشارة الإنجيل للبرتستانت في محلة جقور القسطل جعلت كنيسة ١٨٦٧. وكنيسة مار فرنسيس للآباء الفرنسيسيين في حي جلوم تم بناؤها ١٨٧٨. وكنيسة السيدة للروم الأرثوذكس في الصليبة جدد بناؤها ١٨٥١. وسيدة الانتقال للروم الكاثوليك جددت بعد حريقها ١٨٥١. ومار جرجس للروم الكاثوليك في ثرعسوس تم بناؤها ١٨٥١. وكنيسة قلب يسوع للآباء اليسوعيين في حي تراب الغربا تمت سنة١٨٨١. وكنيسة مار بطرس للكلدان في العزيزية ١٨٨٢. وكنيسة مار
جرجس للسريان الأرثوذكس في جقور قسطل وهي من الكنائس القديمة اختص بها السريان بعد أن كانت مشتركة بينهم وبين الأرمن في سنة ١٨٩٣ وكنيسة للموارنة باسم مار الياس الحي في الصليبة تمت سنة ١٨٩١، وكنيسة القديس بوناونتورا للآباء الفرنسيين تم بناؤها في حي الرام سنة ١٩٠٧ وكنيسة للموارنة باسم الياس الحي في الصليبة تمت سنة ١٨٩١، وكنيسة الأنفس المطهربة في الحميدية تم بناؤها سنة ١٩١٠.
الكنائس والبيع في القدس:
وفي القدس أديار وكنائس كثيرة بحيث يصح أن تدعي بلد الكنائس ولطائفة كاثوليك الرومانيين كنيسة اسمها كنيسة البطريركية ودير المخلص للفرنسيكان وله كنيسة وميتم وصيدلية ومطبعة، وكنيسة القديسة حنة وكنيسة الاكسي هومو أي إيتيان، وكنيسة الاغوني وأديار كنيسة القيامة ودي لا فلاجلاسيون والدومنيكيين وإخوان البعثة الإفريقية واللعازاريين والآباء الباسيونيست والبندكتييين. ودير البندكتيين وأديار الكلرمليين وسيدات صهيون وأخوات القديس يوسف وأخوات الوردية والكلاريس وأخوات ربباراتريس والبندكتيات. ولهم كنائس في المدارس. منها في المدرسة الاكليريكية البطريركية وميتم الأطفال في دير المخلص والمدرسة الصناعية في الدير نفيه ومدرسة الذكور للفرنسيكان والمدرسة الصناعية
стр. 1123
للذكور لرهبان سيدة صهيون ومدرسة الذكور لإخوان المدارس المسيحية ومدرسة وميتم بنات أخوات القديس يوسف وميتم البنات لأخوات الفرنيسكانيات ومدرسة للبنات لراهبات الوردية ومدرسة وميتم لبنات سيدات راتسبون، ومدرسة البنين والبنات لجمعية الأرض المقدسة الألمانية. ومن المستشفيات مستشفى سان لويس، تعاون فيه راهبات القديس يوسف وملجأ اللقطاء والعجزة والمرض لأخوات الإحسان، وملاجئ الحجاج مثل كازانوفا للفرنسيكان. والملجأ الكبير
الفريس لسيدة فرنسا وملجأ الاغسطينيين والملجأ الكاثوليكي الألماني والملجأ النمساوي والروم المجتمعين أو الروم الكاثوليك كنيسة في البطريركية وبيعة في سانت فيرونيك ومدرسة اكليركية كبرى لرهبان القديسة حنة لإخوان البعثة الإفريقية الآباء البيض ومتيم للبندكتيات وواحد للسوريين المتحدين وله مدرسة اكليركية يديرها الآباء البنديكتيون وقليل من الأرمن المتحدين مع كنيسة سيدة السباسم وبيعة وملجأ ومدرسة متصلة بالكنيسة اللاتينية.
وللطوائف البروتستانتية الألمانية كنيسة المخلص الألمانية وملاجئ فرسان القديس يوحنا ومستشفى الدياكونيس قيصر ورت ودار للبرص للإخوان المورافيين وميتم للفتيات وميتم سوري للأولاد العرب في القديس. وللطائفة البروتستانتية الإنكليزية مدرسة وكنيسة أسقفية وجمعية التبشير الكنائسي لدعوة أبناء العرب من المسلمين واليهود للمذهب ولها كنيسة القديس بولس ومتيم للذكور أسسه أسقف كوبا ومدرسة للذكور والنبات ومدرسة عالية وكنيسة يسوع لجمعية يهود لندرا، وهذه الإرسالية تقوم بنفقة مستشفى كبير وصيدليتين ومدارس للذكور والإناث ومدرسة صناعية ومطبعة. ولرهبتة فرسان القديس يوحنا الإنكليزية مستوصف للرمد وبعض الأدبار والمدارس تنفق عليها جمعية تبرعات فلسطين وجمعية مبرات إرسالية الشرق الإنكليزية. ولطائفة الروم الأرثوذكس عدة أديار وكنائس منها دير هيلانة وقسطنطين ودير إبراهيم ودير جيتسماني والقديس باسيليوس والقديس تيودوروس والقديس
стр. 1124
جورج والقديس ميشل والقديسة كاترينا واوتيم وسيدة النجا واسبيريدون وكارالومبوس وديمتريوس ونيقولاوس وروح القدس ومدرسة للبنات وأخرى للذكور ومستشفى وغير ذلك. وللبعثة الروسية مدرسة كبرى في حي يافا والبنايات على جبل الزيتون. وكان للجمعية الروسية الفلسطينية ملجأ كبير للحجاج بالقرب من المعهد الروسي، وملجأ للراهبات بالقرب من البيمارستان.
وللأرمن من دير بالقرب من باب صهيون ولهم مدرسة اكليريكية ومدرستان للذكور وللإناث وكنيسة القديس يعقوب ودير للنساء اسنه دير الزيتوني ودير وبيعة جبل صهيون ولهم ملجأ. وللأقباط دير يقيم فيه أسقفهم ودير أخر يقال له دير القديس جورج. وللسريان اليعقوبيين كنيسة صغرى يقيم فيها أسقف لهم. وللحبش دير وكنيسة في الشمال اغربي من المدينة وللإسرائيليين زهاء ٧٠ كنيساً. وكثير من معاهد الخير والإحسان وملاجئ للزوار ومعاهد للفقراء أسس معظمها مونتفيور وروتشيلد وجمعية الاتحاد الإسرائيلي وغيرهم ولهم أربعة مستشفيات ودار للمعتوهين ومدرسة للعميان وملجأ للشيوخ ومدرسة ابتدائية وصناعية تقيم عليها جمعية الاتحاد الإسرائيلي ومدرسة إنكليزية للبنات ومدرسة ألمانية للبنين وملاجئ منها الألماني والإسباني وفي القدس مدرسة البنات لاسوج. ولما زار الإمبراطور غليوم الثاني ملك ألمانيا مدينة القدس أمر بإنشاء كنائس وكلها واقعة في أهم بقعة في المدينة ثلاث منها مشرفة عليها من الخارج والرابعة داخل المدينة أي السور.
وقبل الحرب العامة كان في القدس ٨ أديار للذكور و٩ أديار للإناث من اللاتين وكنيستان للروم الكاثوليك وواحدة للأرمن الكاثوليك و١٤ ديراً للروم الذكور و٤ أديرة للإناث من الروم و٤ أديار للروس و٥ للأرمن و٣ للأقباط و٣ للحبش و٢ للبروتستانت الاسقفيين و١ للإنجيليين وللهيكليين من الطواف البروتستانتية و٤٠ كنيساً للإسرائيليين وربما زادت بعض الطواف أماكن أخرى للعبادة.
وكنائس القدس وأديارها وبيعها على غاية من الفخامة لأنها من إنشاء
стр. 1125
دول كبرى ومكانة القدس في هذا الباب لا تنازعها فيه غير رومية العظمى، وأهم تلك الكنائس في القدس كنيسة القيامة وهي ليست بالكبرى كثيراً بالنسبة لكنائس الغرب المهمة بل هي متوسطة الحجم استأثر أهل كل مذهب من مذاهب النصرانية ببقعة
صغيرة منها لا يتعدونها يسكنونها ويوقدون سرجها ويتعهدونها بما يصلحها. والسدانة للمسلمين حتى لا يقع بين أهل تلك المذاهب شيء من التحاسد الذي أدى في الأزمان السالفة إلى فتن وحوادث، ولكل قطعة من قطع كنيسة القيامة وجدار من جدرانها وعمود من عمدها حادثة تاريخية يذكرونها في تاريخهم الديني.
ولو كان عني بعمران كل بلد على مثل ما عني بإنشاء الأديار والكنائس في القدس وما إليها من الأرض المقدسة لكانت الشام أعمر أقطار العالم بكنائسها وأديارها فقد قدر بعضهم ما أنفق على هذه المعاهد الدينية الكبرى بخمسة عشر مليون جنيه قبل أن يحاول اليهود أن يجعلوا لهم من فلسطين وطناً قومياً، وقبل أن ينشئوا فيها كنائسهم ومعابدهم ويشترك يهود العالم في إتمام مشاريعهم في فلسطين. ولا يدخل في هذا التقدير ما في معابد القدس من العاديات والآثار والتحف والطرف فإن ذلك لا يقوم بثمن. كل هذا بسائق المنافسة السياسية والدينية بين الطواف المسيحية بعضها مع بعض وبين المسيحيين من جهة والموسويين من أخرى.
كنائس فلسطين:
ولو جئنا نستقصي كنائس فلسطين لطال بنا المجال فمن كنائسها كنيسة روسية في يافا مطلة على سهل سارون وكنائس صغيرة ثابتة للفرنسيين والروم الأرثوذكس والكاثوليك والموارنة، وكنيس لليهود. ولهم مدرسة مهمة في تل أبيب وأهم الأديار فيها دير اللاتين وفيها كنيسة للبروتستانت الألمان من طائفة الهيكليين واسمها أحباب القدس وقد كثرت الكنائس في المدن والقرى والغالب أن كنائس القرى سبقت بإنشائها كنائس المدن لأن النصرانية انتشرت أولاً في القرى وعصى أهل المدن على التدين بها لغلبة التعصب عليهم. ومن رأي بعض الواقفين أن النصرانية انتشرت أولاً في المدن
стр. 1126
كالقدس وإنطاكية والإسكندرية حتى وصلت إلى داخل بلاط القياصرة.
وفي نابلس دير للاتين وكنيسة للروم وكنيس وكتاب للسامرة ومدرسة للإنكليز ومدرسة للراهبات ولها بيع صغير وفي أريحا كنيسة للروم وأخرى للاتين. وكنيسة بيت لحم من أقدم الكاتدرائيات الباقية لم تخرب في جملة ما خربه الحاكم، وقد رممت في أوقات مختلفة وزينت ولا سيما في عهد الصليبيين، وفي بيت لحم عدة أديار وكنائس منها دير للفرنسيسكان مع دار ضيافة ومدرسة للذكور وصيدلية وكنيسة جميلة ولأخوات القديس يوسف دير وميتم ومدرسة للبنات ودير للكرمليات عمر على مثال قصر سانت آنج في رومية وله كنيسة ومدرسة اكليركية لجمعية آباء القلب المقدس وجمعية الأب بيلوني وفيه مدرستان إحداهما صناعية وكنيسة. ولراهبات المحبة مستشفى ولإخوان المدارس المسيحية مدرسة عظمى وللروم دير الولادة وكنيستان إحداهما باسم القديسة هيلانة والثانية باسم القديس جورج ومدرسة للذكور وأخرى للإناث. وللأرمن دير عظيم وهو دير الفرنسيسكان ودير الروم أشبه بقلاع. وللبروتستانت الألمان مدرستان وميتم، وللإنكليز مدرسة للفتيات يضاف إليها دار للمعلمات وكلها تحوي كنائس وبيعاً. وفي الناصرة أربع عشرة بيعة وكنيسة ومعظمها من ضخامة البناء ما يذكر بقصور الملوك، ودير الفرنسيسكان يزار لبعض الآثار التاريخية فيه وهو أثر من آثار القرون الوسطى. وفي صفد كنيسة ومدرسة للروم الكاثوليك وخمس كنائس للإسرائيليين وخمس مدارس ابتدائية دينية ومدرسة عالية للاتحاد الإسرائيلي وكنيسة ومستشفى للبروتستانت. وفي طبريا كنيسة للروم وأخرى للكاثوليك وخمس كنائس لليهود. وللكاثوليك كنائس في حيفا والبصة وشفا عمرو وترشيحة والمقار. وفي الطور دير وكنيسة لكل من الفرنسيين والروم الأرثوذكس، وكنيسة الفرنسيين من أبدع كنائس العالم.
وفي الرملة دير للآباء الفرنسيسكانيين أسس سنة ١٤٠٠ على يد الأمير فيليب
الأسباني ثم خرب سنة ١٧٠٠ ثم أعيد بناؤه. وخرب صلاح الدين
стр. 1127
كنيسة لد التي أنشئت في النصف الثاني من القرن الثاني عشر، كما خرب كثيراً من الكنائس في عهده وخرب بعضها في الحروب وخرب الآخر قصداً لأسباب سياسية وحربية حافزة. وفي جنين دير ومدرسة للذكور وللروم كنيسة وللبروتستانت وللكاثوليك ولكل كنيسة مدرسة تابعة لها.
وبالجملة فكل بلد في فلسطين لا يخلو من دير أو كنيسة أو كنيس مهما بلغ من قلة ساكنيه من المسيحيين والإسرائيليين.
والفضل في إنشاء هذه الكنائس لجماعة الرهبان والمبشرين فهم الذين استوكفوا أكف المحسنين في الغرب وصرفوا عقولهم وأوقاتهم في إقامة تلك المعاهد المهمة، وقد جاء منهم نوابغ في كل قرن خلدوا اسمهم بقدر ما بذلوا من العناية بنشر دينهم وإقامة شعائره ومعابده فاستفاد العمران من عملهم فوائد لا ينكرها منصف. كتب إيليا بطريرك بيت المقدس إلى أنسطاس ملك الروم: قد بعثت إليك بجماعة عبيد الله ورؤساء رهبان بريتنا وفيهم سابا الفاضل الذي قد صير بريتنا مدائن وأعمرها وهو نجم فلسطين.
كنائس الأردن:
وفي عبر الأردن كنائس أهمها كنيسة مادبا أو ميدبا وقد تقدم الكلام عليها في المصانع ونزيد الآن أن ميدبا عن مجلة المسرة فاقت أخواتها بكنائسها الفخمة العشر وأن سرجيوس مشيد الكنائس شيد كنيسة على اسم الرسل القديسين. ومن الكنائس التي بقي ذكرها إلى اليوم كنيسة البتول التي يرجع عهدها إلى أيام القيصر يوستنيانوس. ولما فاضت جيوش الأعاجم على هذه الديار حرقت الكنائس والأديرة وذبحت الألوف من الرهبان والنصارى ثم وطئتها أقدام الفاتحين من المسلمين فدثرت تلك الأسقفية وعادت أخربة ينعق فيها البوم عصوراً طويلة.
وكان في أكثر أمهات قرى حوران كنائس مهمة في الإسلام خربت بطول الزمن حتى قبل إنه كان في إقليم حوران فقط أربع وثلاثون أسقفية وناهيك بما يقتضي لها من الكنائس. واشتهرت اليوم كنائس تبنة وبصير وخبب. وفي جبل عجلون عدة كنائس منها ثلاث في الحصن أكبرها كنيسة اللاتين. وفي عجلون عدة كنائس صغرى جعل بجانبها مدارس.
стр. 1128
وفي الكرك ثلاث كنائس للروم والكاثوليك والبروتستانت. وقد بلغ الغرام برجال المذاهب المسيحية أن أهل كل مذهب إذا وجدوا خمس عيال في قرية من رعاياهم أنشئوا لهم كنيسة فالكنائس الصغيرة كثيرة جداً في كل بلد وكل قرية أنشأ فيها اللاتين كنيسة أنشأ فيها البروتستانت أيضاً والعكس بالعكس.
كنائس لبنان:
أما كنائس ابنان فكثيرة جداً لا تكاد تخلو قرية من كنيسة أو كنيستين وربما أكثر، وليست كلها على جانب عظيم من العظمة ولا يرد عهدها إلى زمن قديم، فإن معظم ما كان منها في كسروان وما إليه إلى جنوبي الجبل ليس له من العمر أكثر من مائتي سنة، ذلك لأن الموارنة لم شمالي لبنان قبل ذلك. ولقد ترى في بعض المدن اللبنانية كزحلة وهي أكثر القرى سكاناً في الجبل كثيراً من الكنائس التي لم تقم على ما يظهر إلا بسائق المنافسة ففيها ١٢كنيسة للكاثوليك وكنيستان للأرثوذكس وكنيستان للموارنة وكنيسة ودير لليسوعيين وكنيسة للسريان الكاثوليك وكنيسة للأميركان، وفي زحلة أيضاً دير القديس الياس الطوق للرهبنة الباسيلية وفيها كنيسة في المدرسة الشرقية وغير ذلك من الكنائس الملحقة بالمدارس ولا تقل عن ست وعشرين كنيسة. وفي مدينة بيروت وطرابلس واللاذقية وصور وصيدا كنائس كثيرة لكل طائفة ولكل طائفة ولكل جمعية تبشيرية وأهمها ما كان في بيروت فللروم الأرثوذكس وللروم الكاثوليك وللبروتستانت الأميركيان ولغيرهم
من الطوائف كنائس وبيع مهمة، وأهمها ما كان لليسوعيين أو المرسلين الأميركيان.
وفي الهدنة التي عقدت بين المنصور قلاوون وولده الملك الصالح مبين حكام الفرنج بعكا سنة ٦٨٢ أن تكون كنيسة الناصرة وأربع بيوت من أقرب البيوت إليها لزيارة الحجاج وغيرهم من دين الصلب كبيرهم وصغيرهم على اختلاف أجناسهم وأنفارهم من عكا والبلاد الساحلية ويصلي
стр. 1129
بالكنيسة الأقسام والرهبان وتكون البيوت المذكورة لزوار كنيسة الناصرة خاصة، وإذا نقبت الحجارة التي بالكنيسة المذكورة ترمى براً ولا يحط حجر منها على حجر لأجل بنايته ولا يتعرض إلى الأقسام والرهبان وذلك على وجه الهبة لأجل زوار دير الصليب.
ومن كنائس لبنان وما إليه كنيسة معاد وكنيسة رشكيدا وكنيسة حدنون وكنائس أهدن عبدلة وبحديدات وصربا وكفر شليمان وقنوبين وبكفيا واده وبشري وبكركي والديمان وزحلة ودير القمر والشرفة وبرمانا وغزير وبيت خشبو وبزمار وبعبدات والقرية وحريصا وأميون وجزين وجبيل وأفقة والكورة والزاوية وبحنس ودير مار الياس والشوير وبسكنتا وكفتين ودير مار يعقوب المقطع ودير سيدة الرأس ودير حماطورة ودير مار جرجس ودير مار الياس النهر ودير ناطور ودير سيدة النورية عند وجه الحجر ودير كفتون ودير جبرائيل ودير ميخائيل المعظمة في برج صافيتا ودير مار جرجس الحميرا ودير الأحمر. ودير مار شربين ودير مار توما قرب صيدنايا.
وكان الصليبيون أنشئوا عدة كنائس في أرواد وطرطوس وصيدا وبيروت وغيرها من الساحل فهدمت، ثم بنيت مساجد ولأن بعضها كان بمثابة حصون في أيدي الراهبنات المتجندة مثل الهيكليين والاسبتاريين والتوتونيين. وفي أمهات المدن الصغيرة كنائس مهمة مثل بعلبك وعكار والحصن وحمص وحماة ويبرود
والقبيات والإسكندرونة وإنطاكية. وفي هذه فقط تسع كنائس وفيها أنشئت أول كنيسة في الشام وكانت في جميع أدوارها موضع إعجاب المؤرخين والسائحين ومنها ما هو في القرى مثل صدد ومعلولا وصيدنايا وهذه أليق بأن تذكر في باب الأديار لأنها بعيدة عن المدن والدير في الحقيقة كنيسة وزيادة. واليهود في حلب ودمشق عدة كنائس ولكنها ليست من المكانة على شيء ولهم في تادف وجوبر وغيرهما كنائس قديمة ينتابونها ومن عادة الإسرائيليين أن يكون في دار كل غني كنيس وهو عبارة عن غرفة في حلب كنائس مهمة وكذلك في بيروت.
стр. 1130
عمل الرهبان والراهبات العظيم:
يتصور القارئ مبلغ عناية الرهبان والراهبات بدينهم من إلقاء نظرة على الفصل التالي: للراهبات الألمانيات مدرسة ودار للأيتام في القدس ومستشفى في حيفا ومستشفى ومدرسة ليلية ونهارية للإناث في بيروت ومعهد في دمشق وآخر في حلب وقد جئن القدس سنة ١٨٨٧. وجاء راهبات السجود القدس سنة ١٨٨٨ وأسسن فيها ديراً كبيراً ثم جئن بيروت وأنشأن داراً للعبادة. وللعازاريين محال مهمة وهم يقسمون قسمين قسم الرهبان العازريين الألمان جاءوا سورية عام ١٨٩٠ وأنشئوا في القدس مدرسة، والقسم الثاني رهبان فرنسيون جاءوا سورية منذ نحو قرنين وأخذوا الأديار التي كانت لليسوعيين ولهم مدرسة في بيروت وأخرى في عينطورة وأهدن في لبنان ورابعة في دمشق وخامسة في ريفون.
وجاء الآباء الساليزيون القدس سنة ١٨٩١ ولهم دار للأيتام في بيت لحم ودار للأيتام زراعية في بيت جمال وثالثة في الناصرة ومدرسة ابتدائية في بيت لحم. وجاء الراهبات الساليزيات القدس سنة ١٨٩١ وهن يشتغلن مع الراهبان الساليزيين. وأتى راهبات صهيون القدس عام١٨٥٦ وأنشأن معهداً في كنيستهن المسماة اكس هومو. وقدم الآباء البيض القدس عام ١٨٧٨ وأنشئوا كنيستين فيها.
ونزل آباء القلب المقدس القدس عام ١٨٧٩ وأنشئوا مدرسة في بيت لحم. ولراهبات الوردية عمل ديني مثل بنات جنسهن. وجاء القدس آباء سيدة صهيون عام ١٨٨٤. والدومنيكان أو رهبان مار عبد الأحد وردوا على القدس عام ١٨٨٢ وأسس الرهبان الصعوديون مأواهم في القدس عام ١٨٨٧ وأسس الآباء الترابيون ديراً في الأطرون وهم معروفون بفن الأبان والزراعة. وجاء الراهبات البند كيتات القدس عام ١٨٩٦ وراهبات هورتوس كونكلوز وهن أمريكانيات جئن القدس عام ١٩٠١.
ولراهبات الناصرة مدرسة في حيفا وأخرى في شفا عمرو وثالثة في عكا ودير الناصرة في بيروت وقد جئن سورية سنة ١٨٥٥. وقدم الراهبات
стр. 1131
الكرمليات الشام سنة ١٨٧٣ وأنشأن ديرهن المعروف في جبل الزيتون في القدس ولهن دير في بيت لحم وآخر في سفح جبل الكرمل قرب حيفا. وجاء رهبان الفرير الشام سنة ١٨٧٨ ولهم مدرسة في القدس وأخرى في حيفا وثالثة في الناصرة ورابعة في بيت لحم وخامسة في بيروت وسادسة في طرابلس وسابعة في إسكندرونة وثامنة في دمشق وتاسعة في يافا. وجاء رهبان مار يوحنا الإلهي القدس عام ١٨٧٩ فأسسوا مستشفى في طنطور على طريق بيت لحم ولهم مستشفى وموستوصف في الناصرة.
وجاء راهبات سانت كلير الشام عام ١٨٨٤ وأنشأن ديراً على طريق بيت لحم ولهن دير في الناصرة. ووردت الراهبات الفرنسيسيات البيض القدس عام ١٨٨٥ وأنشأن ميتماً ولهن ميتم في بيت لحم وأنشأن مدرسة في دمشق. وجاء راهبات المحبة القدس عام ١٨٨٦ ولهن مستشفى ودار للأيتام في بيت لحم ومستشفى ومدرسة في حيفا ومستشفى في الناصرة ولهن في بيروت مستشفى عظيم ودار للأيتام ودار للصناعة للذكور والإناث وثلاث مدارس صغرى في بيروت ومكتب
للصنائع في طرابلس ودور نقاهة في أهدن وبحنس من لبنان ومدرسة في برج البراجنة وفي كل معهد منها دار للعبادة يختلف إليها أهل المذهب الذي يبشرون به.
ولقد قالوا: إن عدد الجمعيات الأجنبية التي تسعى لتنوير أفكار النصارى في سورية تبلغ ثمانين جمعية، وأهمها جمعية اليسوعيين وردوا الشام قبل قرنين أو ثلاثة فأسسوا الأديار التي ينزلها اللعازريون ثم غادروا الديار فلم يعودوا إليها إلا عام ١٨٣١ فأنشئوا مدرستهم في غزير من لبنان وفي عام ١٨٧٦ افتتحوا كليتهم العظمى في بيروت ولهم الآن عدة أديار ومدارس في بكفيا والمعلقة وزحلة وغزير ودمشق وحلب وتعنايل وجزين وقد أنشئوا بعد الحرب العالمية مدارس صغرى كثيرة في ربوع جمهورية لبنان ويوشكون أن يتوسعوا في الداخلية كثيراً بمدارسهم وكنائسهم. أما الفرنسيسكان فلم يزالوا في الشام منذ الحروب الصليبية ولهم فيها ستة ملاجئ ولهم أديار وملاجئ في بيت لحم وعين كارم وطبريا وجبل الطور والناصرة وقانا وعكا وصور
стр. 1132
وصيدا وبيروت وحريصا وطرابلس واللاذقية ودمشق وحلب وإسكندرونة ولهم مدرسة في حلب.
وكان الكرمليون تركوا الشام مع القافلة الأخيرة من الصليبيين ثم عادوا إلى جبل الكرمل عام ١٦٣٦ وبنو ديراً ومحلاً للضيافة في الجبل ولهم أديار في حيفا وطرابلس والقبيات من إقليم عكار ومدرسة في بشري. وديرهم في الكرمل من أجمل أديار الشام ترى منه أجمل المناظر. وجاء راهبات القديس يوسف أو الراهبات اليوسفيات من مرسيليا إلى القدس عام ١٨٤٨ ولهن في فلسطين ١٣ معهداً و٣ مستشفيات أحدها في القدس والأخر في يافا والثالث في الناصرة. ولهن في هذه المدن ثلاث دور للأيتام ومدرستان نهاريتان وخمس مدارس دينية ومدرسة في بيروت ودير في صيدنايا ومدرسة فيها دير ومدرسة في دير القمر
وديران ومدرستان ليليتان ومستشفى في حلب ودير ومدرسة في إسكندرونة.
الأديار القديمة في الشام:
ديرإ سحاف كان بين حمص وسليمة في موضع حسن نزه على نهر جار وحوله كروم ومزارع إلى جانب ضيعة صغيرة يقال لها جدر، وهي التي ذكرها الأخطل في قوله:
كأنني شارب يوم استبد بهم ... من قرقف عتقتها حمص أو جدر
وقال فيه أبو عبد الرحمن الهاشمي السلماني من أهل سلمية:
وإذا مررت بدير إسحاق فقل ... جادتك غيث سحائب وبروق
دير يشبه ماؤه بهوائه ... وهواؤه بلطافة المعشوق
وليس لهذا الدير من أثر اليوم.
دير الباعفي كان قبلي بصري من أرض حوران وهو دير بحيرا الراهب كما زعموا ولا يعرف الآن. وبحيرا شخص خيالي.
دير باعنتل من جوسية على أقل من ميل وجوسية على مرحلة من حمص ولا يعرف اليوم هذا الدير.
دير البتراء كان في وادي موسى دير للراهبات وذكر البولنديون
стр. 1133
ديراً للراهبات في البتراء كان يرأسه القديس موسى أسقف البدو الرحالة يقال: إن بانيه أثينة جينوس أوائل القرن السابع للميلاد. وذكر الرحالة تيتمار أنه طاف تلك الفيافي سنة ١٢١٧ وعثر بين أخربة البتراء على كنيسة ودير لم يسكنه بعض الرهبان. وهناك الكنيسة الكاتدرائية المثلثة السواعد وقد كانت أماً لسائر الكنائس الملكية الكاثوليكية في هذه البلاد الشرقية عن مجلة المسرة.
دير البخت كان على فرسخين من دمشق ويسمى دير ميخائيل وكان عبد الملك بن مروان قد ارتبط عنده بختاً وهي جمال الترك فغلب عليها وكان لعلي بن عبد الله بن عباس قربه جنينة يتنزه فيها. وقرية دير البخت معروفة إلى اليوم في الجيدور. ووجه التسمية في هذا الدير بعيد لأنه عرف بهذا الاسم قبل الإسلام على
ما ظهر من رواية ابن عساكر في بعض وقائع عمر بن الخطاب في الجاهلية ومروره بدير البخت واجتماعه براهب أكرامه وتفرس فيه الخير فيما قال.
دير بصرى قيل هو الذي كان فيه بحيرا الراهب في حوران. مجهول محله.
دير بلاض من أعمال حلب مشرف على العمق فيه رهبان لهم مزارع وهو دير قديم مشهور لم يبلغنا أنه موجود.
دير البلمند من أديار الروم الأرثوذكس المشهورة على نشزعال قرب مدينة طرابلس في أقصى حدود جبل لبنان يقال: إنه من أديار الصليبيين وإن اسمه جاء من تركيب بل مونت أي الجبل الجميل وهو اليوم عامر.
دير بلودان مر به ابن فضل الله العمري ونزل إليه فقال فيه: إن بناءه قديم بديع الحسن وافر الغلة كثير الكروم والفواكه والماء الجاري، بقربه قرية بلودان وهي محاذية لكفر عامر تطل من مشترفها على جبة الزبداني وبه رهبان نظاف ونظم فيه أبياتاً ومنها:
حبذا الدير من بلودان دارا ... أي دير به وأي نصارى
فيهم كل أحور الطرف أحوى ... فائق الحسن في حسان العذارى
وقال محاسن الشوا الحلبي:
стр. 1134
حييا ساكني بلودان عني ... ورجالاً بدير قانون زهرا
ولا يعرف متى زال هذا الدير، ودير قانون من قرى الوادي لا دير فيه اليوم.
دير بولس كان بنواحي الرماة نزله الفضل بن إسماعيل وقال فيه شعراً لم يسمه في أوله:
عليك سلام الله يا دير من فتىً ... بمهجته شوق إليك طويل
ولا زال من جو السماكين وابل ... عليك لكي يروي ثراك هطول
قال البكري: ودير بولس آخر ودير بطرس أو نطرس.
وهما معروفان بظاهر دمشق في نواحي بني حنيفة في ناحية الغوطة وغياهما عني جرير بقوله:
لما تذكرت بالديرين أرقني ... صوت الدجاج وقرع بالنواقيس
فقلت للركب إذ جد الرحيل بنا ... يا بعد يبرين من باب الفراديس
ولا نعرف شيئاً عن هذا الدير.
دير البنات وهو دير أبيض البناء مشرف على أرض طرابلس كان للرواهب قال فيه الطيبي:
دير البنات الزاهر أنت المنى ... وأنت من دون الأماني المرام
لم أنس يوماً فيك أذهبته ... باللهو بل ذهبته بالمدام
ونحن في غرة أيامنا ... والعيش مثل الطيف حلو اللمام
والدوح ما جفت له زهرة ... والروض طفل ما جفاه الغمام
وبيننا خود كشمس الضحى ... وأغيد قد فاق بدر التمام
لولا نبات الشعر في خده ... لم تدر أي الأغيدين الغلام
ولا نعرف اليوم أي أديار البنات هذا.
دير يونا أي يوحنا وروى بالباء بدل الياء كان بجانب الغوطة بدمشق ليس بكبير ولا رهبانه بكثير ولكنه في رياض مشرقة وأنهار متدفقة ويقال بأنه من أقدم أديرة النصارى. اجتاز به الوليد بن يزيد فأقام فيه أياماً وقال فيه:
حبذا يومنا بدير يونا ... حيث نسقى براحه ونغنى
стр. 1135
واستهنا بالناس فيما يقول ... ن إذا خبروا بما قد فعلنا
قال ابن فضل الله وهذا الدير اليوم لا وجود له.
دير حمطورا هو في شرقي طرابلس في جانب الوادي الذي أسفل من طرزيه والحدث. وهو بناء في سفح الجبل من ذلك الجانب قبالة الطريق السالك إلى
طرابلس وهو حصين جداً لا يسلك إليه إلا من طريق واحد وظهر الجبل الذي له ممتنع - قاله ابن فضل الله -.
دير الحنابلة في تاريخ الصالحية لم يكن في الجبل أي قاسيون إلا بناية يسيرة من الناحية الغربية دير أبي العباس الكهفي ودار بيت الضيا وغيرها، ومن الناحية الشرقية دير يقال له دير الحنابله وكان أولاً لناس من الرهبان فاتفق أنهم أحدثوا شيئاً فأخرجوا منه ثم بنى الشيخ أبو عمر المدرسة.
دير حنيناء دير بالشام وهناك مات معاوية بن هشام بن عبد الملك فقال الكميت يرثيه:
فأي فتى دنيا ودين تلمست ... بدير حنيناء المنايا فدلت
تعطلت الدنيا به بعد موته ... وكانت له حيناً به قد تحلت
وقيل: إن الذي رثي بهذا الشعر البطال أحد قواد الأموية وفرسانهم مات بدير حنيناء قافلاً مع هشام من غزوة فأمر معاوية الشعراء برثائه. والرواية في شعر أبي تمام حبيناء بالباء المعجمة ولا عنه شيء في عصرنا.
دير الخمان كان هذا الدير بأرض أذرعات بني بالحجارة السود على نشز من الأرض يشرف على بركة الفوار وهو من البناء الرومي القديم. ولا يعرف اليوم عنه شيء.
دير خالد وهو دير صليبا بدمشق كان مقابل باب الفراديس نسب إلى خالد بن الوليد لنزوله فيه عند حصاره دمشق قال ابن الكلبي: وهو على ميل من الباب الشرقي ولا يعرف عنه شيء آخر وفي هذا الدير يقول محمد ابن علي المعروف بأبي البقاء:
جنة لقبت بدير صليبا ... مبدعاً حسنه كمالاً وطيبا
جئته للمقام يوماً فظلنا ... فيه شهراً وكان أمراً عجيبا
شجر محدق به ومياه ... جاريات والروض يبدو ضروبا
стр. 1136
من بديع الألوان يضحي به الثا ... كل مما يرى لديه طروبا
كم رأينا بدراً به فوق غصن ... نائس قد علا بشكل كثيبا
وشربنا به الحياة مداماً ... تطلع الشمس في الكؤوس غروبا
فكأن الظلام فيها نهار ... لسناها تسر منا القلوبا
لست أنسى ما مر فيه ولا أج ... عل ندحي إلا لدير صليبا
دير خناصرة ورد ذكره في شعر بني مازن في قول حاصب بن ذبيان المازني مازن بن تميم من عمرو بن تميم لعبد الملك بن مروان في جدب أصاب العرب قال:
وما أنا يوم دير خناصرات ... بمرتد الهموم ولا مليم
ولكني ألمت بحال قومي ... كما ألم الجريح من الكلوم
وخناصرة بلدة في قبلي حلب وليس للدير ذكر الآن.
دير الدواكيس شرقي القدس حسن البناء له سمعة وذكر وكان له وقف يعود منه على الرهبان السكان جليل فائدة ونفع ولابن فضل الله فيه وقد مر به غير مرة أبيات منها:
دير الدواكيس أم ريش الطواويس ... أم الشموس سنا تلك الشماميس
مأوى المياسير لكن بعد أوبتهم ... منه يعدون في حزب المفاليس
فانزل به وأقم فيما تريد وقل ... املأ كؤوسي وفرغ عندها كيسي
واقدح زناد سرور من مدامته ... فهذه النار من تلك المقابيس
دير رمانين جمع رمان بلفظ جمع السلامة يعرف أسضاً بدير السابان وهو بين حلب وإنطاكية مطل على بقعة تعرف بسرمن وهو دير حسن كبير خرب قبل القرن السابع وآثاره باقية كما قال ياقوت وفيه يقول الشاعر:
ألف المقام بدير رمانينا ... وتراه يجني الآس والنسربنا
قال ياقوت ودير السابان وهو دير رمانين وتفسيره بالسريانية دير الشيخ.
دير ساير كان من نواحي دمشق وهو من إقليم خولان سكنه عمر ابن محمد الأموي. كانت بقرب دمشق خربت بها قبر أبي مسلم
стр. 1137
الخولاني وبها آثار باقية ياقوت. وبيت سابر اليوم قرية في سفح جبل الشيخ من عمل وادي العجم.
دير سعد كان من أديرة الشام نزله عقيل بن علفة المري وكان يصهر إليه خلفاء بني أمية وهذا كل ما عرف عنه قديماً.
دير سليمان دير بجسر منبج وهو في جبل عال من جبال دلوك كطل على مرج العين وهو غاية في النزاهة قال أبو الفرج أخبرني جعفر بن قدامة قال: ولي إبراهيم بن المدبر عقيب نكبته وزوالها عنه الثغور الجزرية وكان أكثر مقامه بمنبج فخرج في بعض ولايته إلى نواحي دلوك برعبان وخلف بمنبج جارية كان يتحظاها يقال لها غادر فنزل بدلوك على جبل من جبالها بدير يعرف بدير سليمان من أحن بلاد الله وأنزهها ودعا بطعام خفيف فأكل وشرب ثم دعا بدواة وقرطاس فكتب:
أيا ساقيينا وسط دير سليمان ... أدير الكؤوس فانهلاني وعلاني
وخصا بصافيها أبا جعفر أخي ... فذا ثقتي دون الأنام وخلصاني
وميلا بها نحو ابن سلام الذي ... أود، وعودا بعد ذاك لنعمان
وعما بها النعمان والصحب إنني ... تنكر عيشي بعد صحبي وإخواني
ولا تتركا نفسي تمت بسقامها ... لذكرى حبيب قد سقاني وغناني
ترحلت عنه عن صدود وهجرة ... فأقيل نحوي وهو باك فأبكاني
وفارقته والله يجمع شملنا ... بلوعة محزون وغلة حران
وليلة عين المرج زار خياله ... فهيج لي شوقاً وجدد أحزاني
فأشرفت أعلى الدير أنظر طامحاً ... بألمح آماق وأنظر إنسان
لعلي أرى أبيات منبج رؤية ... تسكن من وجدي وتكشف أشجاني
فقصر طرفي واستهل بعبرة ... وفديت من لو كان يدري لفداني
ومثله شوقي إليه مقابلي ... وناجاه عني بالضمير وناجاني
دير سمعان بنواحي إنطاكية على البحر قال ابن بطلان وبظاهر إنطاكية دير سمعان وهو مثل نصف دار الخلافة ببغداد يضاف به المجتازون وله من الارتفاع كل سنة عدة قناطير من الذهب والفضة وقيل: إن دخله في السنة أربعمائة ألف دينار ومنه يصعد إلى جبل اللكام قال هذا في
стр. 1138
القرن الخامس للهجرة، وفي رواية أن دير سمعان بنواحي حلب بين جبل بني عليم والجبل الأعلى. ودير سمعان أيضاً في قرية تعرف بالبقرة من قبلي معرفة النعمان وبه قبر عمر بن عبد العزيز مشهور لا ينكر ذكره السيد الرضي في رثائه بقوله:
يا ابن عبد العزيز لو بكت العي ... ن فتى من أمية لبكيتك
أنت نزهنتا عن السبب والشت ... م فلو يمكن الجزا لجزيتك
دير سمعان لا عدتك الغوادي ... خير ميت من آل مروان ميتك
وقال أبو فراس بن أبي الفرج البزاعي وقد مر به فرآه خراباً فغمه:
يا دير سمعان قل لي أين سمعان ... وأين بانوك خبرني متى بانوا
وأين سكانك اليوم الألى سلفوا ... قد أصبحوا وهم في الترب سكان
أصبحت خراباً مثل ما خربوا ... بالموت ثم انقضى عمر وعمران
وقفت أساله جهلاً ليخبرني ... هيهات من صامت بالنطق تبيان
أجابني بلسان الحال إنهم ... كانوا ويكفيك قولي إنهم بانوا
دير السيق كان معروفاً قديماً ويقع قبلي البيت المقدس على نشز عظيم عال مشرف على الغور غور أريحاً يطل على تلك البسائط الخضر ومجرى الشريعة
وبه رهبان ظراف أكياس لا يأتيهم إلا قاصد لهم أو مار في مزارع الغور. تحتهم وفوقهم الطريق الآخذة إلى الكثيب الأحمر. ومشهد موسى ﵇ في القبة التي بناها عليه الملك الظاهر بيبرس وفي هذا الدير ومشترفه وأطلال قلاليه وغرفه قال ابن الفضل الله العمري:
أرى حسن دير السيق يزداد كلما ... نظرت إليه والفضاء به نضر
بنوه على نجد من الغور مشرف ... كتخت مليك تحته بسط خضر
وأشرف في سود الغمام كأنما ... تشق ليلا عن جلابيبه الفجر
وقام على طود علي كأنما ... مصابيحه تحت الدجى الأنجم الزهر
وزفت إليه الشمس من جنب خدرها ... وناغاه جنح الليل في أفقه البدر
وألقت إليه الريح فضل عنانها ... وأحنى عليها لا تبل له عذر
ولو كان كالنسرين هان ارتقاؤه ... ولكنه قد حط من دونه النسر
علا نهر ريحا والمجرة فوقه ... فمن فوقه نهر ومن تحته نهر
стр. 1139
دير شق معلولا وهو بباطن جبة عسال وهو بناء رومي بالحجر الأبيض مُعَلق بسقيف وبها صدع فيها ينقط نحو الذي بصيدنايا، ويأخذه النصارى للتبرك معتقدين فيه نحو اعتقادهم في الآخر وإنما الاسم للذي بصيدنايا - قاله في مسالك الأبصار والغالب أنه دير الروم الباقي إلى اليوم.
دير صليبا ويعرف بدير السائمة السائحة؟ وهو بدمشق مطل على الغوطة ويليه من أبوابها باب الفراديس نزل دونه خالد بن الوليد أيام محاصرة دمشق وهو في نزه كثير البساتين وبناؤه حسن عجيب وإلى جانبه دير النساء فيه رهبان ورواهب وإياه أراد جرير بقوله:
إذا تذكرت بالديرين أرقني ... صوت الدجاج وقرع بالنواقيس
فقلت للركب إذ جد النجاءُ بهم ... يا بعد يبرين من باب الفراديس
يا دير باب الفراديس المهيج لي ... بلابلاً بقلاليه وأشجاره
لو عشت تسعين عاماً فيك مصطحباً ... لما قضى منك قلبي بعض أوطاره
قال ابن فضل الله وهذا اليوم أي في الثامن لا عين له ولا أثر وإنما صار دوراً وأبنية ومساجد ومدافن وهي بناحية محلة حمام النحاس اه.
دير صيدنايا يؤخذ مما قاله صاحب مسالك الأبصار أنهما اثنان أحدهما يقصده النصارى بالزيادة وهو في دمنة القرية والآخر على بعد منها مشرف على الجبل شماليها بشرق وهو دير مار شربين ويقصد للتنزه من بناء الروم بالحجر الجليل الأبيض وهو دير كبير وفي ظاهره عين ماء سارحة وفيها ما يطلّ على بواطن ما وراء ثنية العقاب ويمتد النظر من طاقته الشمالية إلى ما أخذ مالاً عن بعلبك. وأما الذي في القرية فمن بناء الروم بالحجر الأبيض أيضاً ويعرف بدير السيدة وله بستان وبه ماء جارٍ بركة علمت به وعليه أوقاف كثيرة وله مغلات واسعة وتأتيه نذور وافرة وطوائف النصارى من الفرنج تقصد هذا الدير وتأتيه للزيارة. وكنت أراهم يسألون السلطان في أن يمكنهم من زيارته وإذا كتب لهم زيارة قمامة ولم يكتب معها صيدنايا يعاودون السؤال في كتابتها لهم، ولهم فيها معتقد. وقال جاءت مرة كتب ريد فرنس
стр. 1140
ملك فرنسا وكتب الاذفونش ملك إسبانيا على أيدي رسلهم ومما سألوا فيها تمكين رسلهم من التوجه إلى صيدنايا للتبرك بها فأجاب السلطان سؤالهم وحمل الرسل على خيل البريد إليها. وهذا الدير لم يزل عامراً إلى اليوم يزوره الناس وفيه راهبات أرثوذكسيات وفي عيد الصليب من كل سنة تجري فيه قربه اجتماعات وأفراح ويأتيه الناس من الإقليم المجاورة وغيرها.
دير الطور الطور في الأصل الجبل المشرف، والطور هاهنا جبل مستدير واسع الأسفل مستدير الرأس لا يتعلق بع شيء من الجبال وليس له إلا طريق واحد وهو ما بين طبرية واللّجون مشرف على الغور ومرج اللّجون وفيه عين تنبع بماء
غزير كثير والدير في نفس القلة مبنى بالحجر وحوله كروم يعتصرونها ويعرف عندهم بدير التجلي والناس يقصدونه من كل موضع فيقيمون به ويشربون فيه وموضعه حسن يشرف على طبرية والبحيرة وما والاها وعلى اللجون. وما زال هذا الدير عامراً وقد جدد في أدوار مختلفة وفيه يقول مهلهل بن يوسف المُزَرّع:
نهضت الى الطور في فتية ... سراع النهوض إلى ما أحب
كرام الجدودحسان الوجوه ... كهول العقول شباب اللعب
فأي زمان بهم لم يَسُرّ ... وأي مكان بهم لن يطب
أنخت الركاب على ديره ... وقضيت من حقه ما يجب
وأنزلتهم وسط أعتابه ... وأسقيتهم من عصير العنب
وأحضرتهم قمراً مشرقاً ... تميل الغصون به في الكُثب
نحث الكؤوس بأهزاجه ... ومرسوم أرماله بالعجب
وما بين ذاك حديث يروق ... وخوض لهم في فنون الأدب
فيا طيب ذا العيش لو لم يُزل ... ويا حسن ذا السعد لو لم يغَبِ
دير عَمان قال ياقوت: بنواحي حلب وتفسيره بالسريانية دير الجماعة قال فيه الحمدان بن عبد الرحيم الحلبي:
دير عمانٍ ودير سابان ... هجن غرامي وزدت أشجاني
إذا تذكرت منهما زمناً ... قضيته في عُرام ويعاني
стр. 1141
ومر به أبو فراس بن أبي الفرج البُزاعي فقال ارتجالاً:
ورأينا منازلاً وطلولاً ... دراسات ولم نًر السكانا
وأرتنا الآثار من كان فيها ... قبل تفنيهم الخطوب عيانا
فبكينا فيه وكان علينا ... لا عليه لما بكينا بُكانا
لست أنس يا دير وقفتنا في ... ك وإن أورثتني النسيانا
من أناس حَلوك دهراً فخلّو ... وأمسوا قد عطلوك الآنا
فَرقتهم يدُ الخطوب فأصبح ... ت خراباً من بهدهك أسيانا
وكذا شيمةُ الليالي تميت ال ... حيّ منا وتهدم البنايا
حَرَبا ما الذي لقينا من الده ... ر وماذا من خطبه قد دهانا
نحن في غفلة بها وغرور ... وورانا من الردى ما ورانا
ولا نعرف عنه شيئاً الآن.
دير فاخور وهو الموضع الذي تعمد فيه المسيح من يوحنا المعمدان كما في كتب الجغرافية.
دير فِيق هو في ظهر عقبة فيق - عقبة تنحدر إلى الغور من أرض الأردن ومن أعلاها طبرية وبحيرتها - وهذا الدير فيما بين العقبة وبين البحيرة في لحف جبل يتصل بالعقبة منقور في الحجر وكان عامراً بمن قيه من الرهبان ومن يطرقه من السيّار، والنصارى يعظمونه، واجتاز به أبو نُواس فقال في غلام نصراني فيه قصيدة منها:
بحجك قاصداً ما سرجسان ... فدير النوبهان قدير فيق
وبالمطران إذ يتلو زبوراً ... يعظمه ويبكي بالشهيق
وهذا الدير غير عامر الآن.
دير القاروس قال ابن فضل الله: إنه على جابن اللاذقية من شمالها وهو في أرض مستوية وبناؤه مربع وهو حسن البقعة. وقيه يقول أبو علي حسن بن علي الغزي:
لم أنس في القاروس يوماً أبيضاً ... مثل الجبين يزينه قرع الدجى
في ظل هيكله المَشيد وقد بدا ... للعين معقود السكينة أبلجا
стр. 1142
واللاذقية دونه في شاطئ ... بلوره قد زَيّن الفيروزجا
ولديّ من رهبانه متنمس ... أضحى لفرط جماله متبرجا
أحوى أغنّ إذا تردد صوته ... في مِسمع رد احتجاج ذوي الحجى
لا شيءَ ألطف من شمائله إذا حث الشمول ولفظه قد لجلجا
فله ولليوم الذي قضيته ... معه بكائي لا لربع قد شجا
دير القديس سابا إلى الجنوب الشرقي من أورشليم على بعد ثلاث ساعات ونصف عنها على الراجل وعلى انخفاض ٥٦٠ متراً عنها عند الطريق المؤدي منها إلى البحر الميت على مقربة من وادي الراهب النار وعلى عدوة وادي قدرون إلى شمال بيت ساحور الشرقي. وهو أشبه بقلعة منيعة غربية الأبنية. ومن الدير إلى هضم الوادي ٢٧٥ ذراعاً فيصعد من الوادي إلى الدير بسلالم بعضها منقور بالصخر والآخر مبنى على شكل أدراج ولا يدخل إليه إلا بإذن البطريك الأورشليمي. ورهبانه ستون راهباً يعيشون عشية تقشف منقطعين إلى الصلاة والصوم والعبادة وفي كل يوم جمعة يبعث لهم دير القبر المقدس في أورشليم طعامهم مرة واحدة ولا يسنح للنساء أن يدخلنه، وتلك عادة منذ تشييده إلى اليوم لم تدخله امرأة، وقربه برج مار سمعان وهو دير خرب فيه بيت كبير يشرف على الدير القديس سابا على بعد خمس دقائق فيسمح للنساء أن ينظرن الدير الكبير من بيت هذا البرج وقربه دير على قمة جبل تاودوسيوس وهو عامر الآن وفيه رهبان ويسميه العرب دير عبيد من مجلة النعمة.
دير قِنّسْري على الشاطئ الفرات من الجانب الشرقي من نواحي الجزيرة وديار مضر مقابل جرابلس في الأصل جرباس وجرابلس شامية، وبين هذا الدير ومنبج أربعة فراسخ وبينه وبين سروج سبعة فراسخ، فهو دير كبير كان فيه أيام عمارته ثلاثمائة وسبعون راهباً، ووجد في هيكله مكتوباً:
أيا دير قنّسري كفى بك نزهةَ ... لمن كان بالدنيا يَلَذ ويَطرَبُ
فلا زلت معموراً ولا زلت آهلاً ... ولا زلت مخضراً تُزار وتعجِب
دير كعب كان من أديار الشام وهو الذي جاء فيه المثل أطول من
стр. 1143
فراسخ دير كعب قال الشاعر:
ذهبت تمادياً وذهبت عرضاص ... كأنك من فراسخ دير كعب
دير كفتون ولعله المعروف اليوم بدير كفتين قال فيه ابن فضل الله: إنه ببلاد طرابلس مبني على جبل وهو دير كبير وبناؤه بالحجر والكلس في نهاية الجودة وبه ماء جارٍ وله حوض كبير مملوء من شجر النارنج يجمل نارنجه إلى طرابلس يباع فيها ويرتفق بثمنه الرهبان مستشرف مطل على البلاد والمزارع ومنه مكان يشرف على بعد على البحر، ولهذا صيت النذور ويقصده كثير من أهل البطالة واللهو للتفرج به والتنزه فيه، وفيه يقول الطيبي:
أدير كفتون تُكفي كل نائبةٍ ... من الهموم وتلقى كل سراءِ
من كل خضراء في الأشجار مائسةٍ ... وكل صهباء في الكاسات حراء
حللت في دير كفتون فلا عجب ... إذ مت سكراً بحمراء وخضراء
دير مارون قال المسعودي في التنبيه والإشراف: وفي أيام موريق من ملوك الروم ظهر رجل من أهل حماة من أعمال حمص يعرف بمارون إليه تنسب المارونية من النصارى. وأمرهم مشهور بالشام وغيرها أكثرهم بجبل لبنان وسنير وحمص وأعمالها كحماة وشيرز ومعرة النعمان وكان له دير عظيم يعرف به شرقي حماة ذو بميان عظيم حوله أكثر من ثلاثمائة صومعة فيعا الرهبان وكان فيه من آلات الذهب والفضة والجوهر شيء عظيم فخرب هذا الدير وما حوله من الصوامع بتواتر الفتن من الأعراب وحيف السلطان وهو بقرب نهر الأرنط العاصي نهر حمص وإنطاكية. وكان يقول: إن سيدنا المسيح طبيعتان ومشيئة واحدة وفعل واحد وأقنوم واحد وأكثر من تبعه على مقالته تلاميذه القائلون به أهل
مدينة حماة وقنسرين والعواصم وجماعة من أرض الروم فسموا الموازنة ولما مات مارون بنى أهل حماة بحماة وسموه دير مارون. قلنا ولعله دير آخر غير الدير الذي نشأ فيه مارون شرقي حماة وشيزر. وقد خرب دير مار مارون سنة ٧٥
стр. 1144
للهجرة لما غزا موريق وموريقان بلاد الشام وحملا على هذا الدير وقتلا منه خمسمائة راهب وهدما بنيانه ثم تحولا من هناك إلى قنسرين والعواصم فقتلا الأهلين ونهبا وخربا المساكن ولم يعفيا عن أحد من أتباع مار مارون. وقال الدويهي: كلان قرب دمشق فوق نهر يزيد دير على اسم القديس مارون. قال: ولقد استدللنا برسومه وأطلاله المائلة إلى اليوم على عظمه وشرفه ذكره ابن الحريري المؤرخ فيما كتبه عن الحاكم بأمر الله سنة ٣٨٦. ولا أثر اليوم لدير حماة ولا لدير دمشق.
دير مار مروثا وهو دير صغير بظاهر حلب في سفح جبل جوشن على نهر العرجان العوجان؟ وكان سيف الدولة محسناً إلى أهله وقلما مر به إلا نزله ووهب لأهله هبة كبيرة وكان يقول: رأيت أبي في النوم يوصيني به - وفي رواية والدته وله بساتين قليلة ومباقل وفيه نرجس وبنفس وزعفران ويعرف بالبيعتين لأنه فيه مسكنين للرجال والنساء. قال الخالدي وإياه عني الصنوبري بقوله:
كأنما اختيرت الفصوص له ... بين عقيق وبين فيروزج
أما ترى البيعتين أفردتا ... بمفرد الأقحوان والمزوج
أثوابه المزن كيف ما اتصلت ... وناره البرق كيف ما أجج
هذا ما رواه ابن فضل الله في هذا الدير، وفي رواية ياقوت أن هذا الدير ذهب ولا أثر له استجد في موضعه مشهد زعم الحلبيون أنهم رأوا الحسين أبى علي رضى الله عنه يصلي فيه فجمع له المتشيعون بيتهم مالاً وعمروه أحسن عمارة وأحكمها وفيه أيضاً يقول بعض الشاميين:
بدير مارت مروثا ال ... شريف ذي البيعتين
والراهب المتحلي ... والقس ذي الطمرين
إلا رثيت لصب ... مشارف للحين
قد شفه منك هجر ... من بعد لوعة بين
قال وفيه يقول الحسين بن علي التميمي:
يا دير مارت مروثا ... سقيت غيثاً مغيثا
стр. 1145
فأنت جنة حسن ... قد حزت روضاً أثيثا
دير مارت مريم قال الخالدي: وبالشام دير يقال له مارت مريم وهو من قديم الديرة ونزله الرشيد وفيه يقول الشاعر:
نعم المحل لمن يسعى للذته ... دير لمريم فوق الظهر معمور
ظل ظليل وماء غير ذي أسن ... وقاصرات كأمثال المها حور
دير الماطرون يروى لزيد بن معاوية فيه:
ولها بالماطرون إذا ... أكل النمل الذي جمعا
حرقة حتى إذا ربعت ... ذكرت من جلق بيعا
في قباب حول دسكرة ... بينها الزيتون قد ينعا
قال أبو محمد حمزة بن القاسم قرأت على الحائط من بستان الماطرون هذه الأبيات:
أرقت بدير المارطون كأنني ... لساري النجوم آخر الليل حارس
وأعرضت الشعرى العبور كأنها ... معلق قنديل عليها الكنائس
ولاح سهيل عن يميتي كأنه ... شهاب نجاة وجهه الريح قابس
ولم يبق في الوجود من هذا الدير غير اسمه:
دير المصلبة وهو بظاهر مدينة القدس الشريف في شامها بغرب وهو دير رومي
قديم البناء بالحجر والكلس محكم الصنعة مونق البقعة في بحيرة من أشجار الزيتون والكروم وشجر التين بإزاء قرية تجرى على الدير بمرسوم السلطان. قال في مسالك الأبصار بعدما تقدم: وهذا الدير دخلت إليه ورأيته وفيه صور يونانية في غاية من محاسن التصوير وتناسب المقادير وصعدت إلى سطحه فرأيت له حسن مُشترَف وسعة فضاء ورهبانه من الكرج. قال وكان أخذ وجعل مسجداً للمسلمين ثم أعيد ديراً للنصارى وتوصل إلى هذا بكتاب أخضر من ملك الكرج وأعان عليه قوم آخرون. قال: وحدثته رهبانه بأن على ديرهم وقوفاً في بلادهم منها خيول سائمة أثمان نتاجها إليهم وأنه يجيء منها في كل سنة قدر جليل وإنها تنفق في مصالح الدير وابن السبيل. وفيه يقول أبو علي حسن الغزي:
يا حسن أيام قطعت هنيئة ... بالدير حيث التين والزيتونُ
стр. 1146
دير المصلبة الرفيعُ بناؤه ... تَفدي عبير ترابه دَارين
في ظل هيكله وأسراب الدّمى ... مَجْلُوة والمرمرُ المسنونُ
ومزنرين إذا تلوا إنجيلهم ... وتعطفوا فحمائم وغصونُ
غزلانُ وجرةَ هم وبين جفونهم ... لأسود بيشة إن عَرَضنْ عرين
نزعوا القلانس والمسح فزحزحت ... منهن عن غرز الشموس دجون
وسعوا بكاسات المدام وما دروا ... أن للكؤوس الدائرات جنونُ
فقضيت بينهم زماناً لم يزل ... عندي إليه تشوق وحنينُ
تلك المنازل قد سفحن مدامعي ... لا مصرُ قاطبةً ولا جيرُونُ
ولا يزال هذا الدير عامراً وهو للروم الأرثوذكس.
دير مرقس الغالب أنه كان من النواحي حلب ورد في شعر حمدان بن عبد الرحيم في قوله:
أسكان عرشين القصور عليكم ... سلامي ما هبت صباً وقبول
ألا هل إلى حث المطّي إليكم ... وشم خزامي حربنوش سبيل
وهل غفلات العيش في دير مرقس ... تعود وظل اللهو فيه طليل
إذا ذكرت لذاتها النفس عندكم ... تلاقي عليها زفرة وعويل
بلاد بها أمسى الهوى غير أنني ... أميل مع الأقدار حيث تميل
دير مُرّان هذا اسم لديرين في الشام كان أحدهما على الجبل المشرف على كَفَرْ طاب قرب المعرة يزعمون أن فيه قبر عمر بن عبد العزيز رض وهو مشهور بذلك كان يزار في عصر ياقوت. والثاني بالقرب من دمشق على تل مشرف على مزارع الزعفران ورياض حسنة وبناؤه بالجص وأكثر فرشه بالبلاط الملون، وهو دير كبير رهبان كثيرة وفي هيكله صورة عجينة دقيقة المعاني والأشجار محيطة به. روى ذلك الخالدي أما محل الدير فمحل خلاف منذ القديم قال ابن فضل الله: والناس في اختلاف أين كان دير مران فمن قائل إنه كان بمشارق السفح نواحي برزة والأكثر على أنه كان بمغاربه وأن مكانه الآن القرن الثامن المدرسة المعظمية، وأما الذي كان بمشارق السفح فهو دير السائمة المسمى دير صليبا. وروى صاحب قضاة دمشق قال: لما وافى المأمون دمشق سنة خمس عشرة ومائتين نزل بدير مران
стр. 1147
ومكانه المعروف بالسهم إلى قرب النيرب خارج دمشق في سفح قاسيون فعمر المأمون هذا الدير وبنى القبة التي فوق الجبل وهي المعروفة الآن بقبة النصر ولم يعثر على أثر لهذا الدير العظيم. وكان هذا الدير لقربه من دمشق ولجمال موقعه مقصد الملوك والراغبين في النزهة والشراب. قال ابن بطريق: إن كنائس الغوطة ودير مران كان المسلمون ينزلونها ويسكنون فيها. وقد نزل يزيد بن معاوية دير مران ومات فيه الوليد واجتاز به الرشيد والمأمون وقد أكثر الشعراء من ذكره حتى نسب ليزيد قوله وقد أصاب المسلمين سباء بأرض الروم:
وما أبالي بما لاقت جموعهم ... بالغذقدونة من حمى ومن مُوم
إذا اتكأت على الأنماط مرتفقاً ... بدير مران عندي أم كلثوم
ومن جملة ما قيل في هذا الدير قول أبي بكر الصنوبري وهو:
أمر بدير مران فأحيا ... وأجعل بيت لهوي بيت لهيا
ويبرد غُلتي بردَى فسقياً ... لأيام على بردى ورعيا
ولي في باب جيرون ظباءُ ... أعاطيها الهوى ظبياً فظبيا
ونعم الدار داريا ففيها ... حلالي العيش حتى صار أريا
سقت دنيا دمشق ليصطفيها ... وليس يريد غير دمشق دنيا
تفيض جداول البلور فيها ... خلال حدائق يُنبتن وشيا
مظللة فواكهها بأبهى ال ... مناظر في نواظرها وأهيا
стр. 1148
فمن تفاحة لم تُعد خداً ... ومن رمانة لم تُخط ثديا
وله فيه:
متى الأرحل محطوطة ... وعير الشوق مربوطة
بأعلى دير مران ... فداريا إلى الغوطة
فشطي بردى في جن ... ب بسط الروض مبسوطة
رباع الأنهار من ... ها خير مهبوطة
وروض أحسنت تكتي ... به المزن وتنقيطه
وقال فيه الحسين بن الضحاك:
يا دير مران لا عريت من سكن ... قد هبطت لي حزناً يا دير مرانا
حث المدام فإن الكأس مترعة ... مما دواعي الشوق احيانا
وقال الببغا أبو الفرج عبد الواحد:
ويوم كأن الدهر سامحني به ... فصار اسمه ما بيننا هبة الدهر
جرت فيه أفراس الصبا بارتياضنا ... إلى دير مران المعظم والعمر
بحيث هواء الغوطتين معطر ال ... نسيم بأنفاس الرياحين والزهر
فمن روضة بالحسن ترفد روضة ... ومن نهر بالغيض يجري إلى نهر
وفي الهيكل المعمور منه انتزعتها ... وصبحي حلالاً بعد توفية المهر
ونزهت عن غير الدنانير قدرها ... فما زلت منها أشرب التبر بالتبر
وقال عون الدين الحلبي الكاتب المتوفى سنة ٦٥٦ وهو مما يستأنس به من أن هذا الدير كان عامراً إلى أواسط القرن السابع وفيه ذكر ديرين آخرين وهما دير متى ودير حنينا والأول ليس له ذكر في ديرة الشام بل هو من أديار الموصل ولما كانت القصيدة في التشوف إلى الشام استلزم ذلك أن يكون دير متى من جملة أديارها التي ضاع اسمها ورسمها قال:
يا سائقاً يقطع البيداء معتسفاً ... بضامر لم يكن في سيره واني
إن جزت بالشام شم تلك البروق ولا ... تعدل بلغت المنى عن دير مران
واقصد علالي قلاليه تلاق بها ... ما تشتهي النفس من حور وولدان
من كل بيضاء هيفاء القوام إذا ... ماست فيا خجلة المران والبان
وكل أسمر قد دان الجمال له ... وكمل الحسن فيه فرط إحسان
стр. 1149
ورب صدغ بدا في الخد مرسله ... في فترة فتنت من سحر أجفان
فليت ريقته وردي ووجنته ... وردي من صدغة أنسي وريحاني
وعج على دير متى ثم حي به ال ... ربان بالطرس فالربان رباني
فهمت منه إشارات فهمت بها ... وصنت منشورها في طي كتمان
واعبر بدير حنينا وانتهز فرص ال ... لمذات ما بين قسيس ومطران
واستجل راحاتها تحي النفوس إذا ... دارت براح شماميس ورهبان
دير المغان بحمص في خربة بني السمط تحت تلهم، وهو دير عظيم الشأن عندهم
كبير القدر فيه رهبان كثيرة وترابه يختم عليه للعقارب ويهدى إلى البلاد قاطبة وتتنافس النصارى في موضع مقبرته ياقوت.
دير ميامس نقلت من ياقوت: بين دمشق وحمص على نهر يقال له ميامس وإليه نسب، وهو في موضع نزه، وبه شاهد على زعمهم من حواريي عيسى ﵇ زعم رهبانه أنه يشفي المرضى. وكان البطين الشاعر قد مرض فجاءوا به إليه يستشفي فيه فقيل: إن أهله غفلوا عنه فبال قدام قبر الشاهد واتفق أن مات عقيب ذلك فشاع بين أهل حمص أن الشاهد قتله وقصدوا الدير ليهدموه وقالوا: نصراني يقتل مسلماً لا نرضى أو تسلموا لنا عظام الشاهد حتى نحرقها، فرشا النصارى أمير حمص حتى رفع عنهم العامة فقال شاعر يذكر ذلك:
يا رحمتا لبطين الشعر إن لعبت ... به شياطينه في دير ميماس
وافاه وهو عليل يرتجي فرجاً ... فرده ذاك في ظلمات أرماس
وقيل شاهد هذا الدير أتلفه ... حقاً مقالة وساوس وخنائس
أأعظم باليات ذات مقدرة ... على مضرة ذي بطش وذي باس
لكنهم أهل حمص لا عقول لهم ... بهائم غير معدودين في الناس
وحكي أن أبا نواس لما دخل حمص ماراً بها دعاة فتى من أدبائها إلى دير ميماس ودعا معه أشجع السلمي فجلسوا يشربون وأبو نواس ينشدهم له ولغيره فقال أشجع:
صبحت وجه الصباح بالكأس ... ولم تعقني مقالة الناس
ونحن عند المدام أربعة ... أكرم صحب وخير جلاس
ندير حمصية معتقةً ... على نسيم النسرين والآس
стр. 1150
ولم يزل مطرباً ومنشدنا ... أبو نواس في دير ميماس
دير نجران بأرض دمشق من نواحي حوران ببصرى وهو دير عظيم عجيب
العمارة ولهذا الدير ينادى في البلاد من نذر نذراً لنجران المبارك والمنادي راكب فرس يطوف عامة نهاره في كل مدينة مناد، وللسلطان على الدير قطيعة يأخذها من النذور التي تهدى إليه.
دير النقيرة في جبل قرب المعرة ولا نعرف عنه شيئاً.
دير هزقل قال الخالدي هو بالشام وذكره دعبل بن علي حين هجا أبا عباد كاتب المأمون فقال:
فكأنه من دير هزقل مفلت ... حنق يجر سلاسل الأقياد
قال لبن فضل الله: ولا أدري في قرب أي مدينة هو.
دير يونس ربما كان في جهات الرملة في فلسطين وقد قيلت فيه قصائد كثيرة وما ندري إن كان اختلط بدير في جهات الموصل على جانب دجلة الشرقي وموضعه يعرف بنينوى، ونينوى هي مدينة يونس.
هذا ما أمكن تلقفه عن الأديار في الإسلام وكان قبل الإسلام أديار مهمة ضاعت أخبارها ولا يستغرب ما قيل في هذه الأديار من الأشعار في سالف الأعصار. فقد كان المسلمون يختلفون إلى الديرة يجعلونها محال النزهة لأنها في أماكن نزهة على الغالب تخير بانوها مواقعها، وبالنظر لتحريج الحكومات الإسلامية في الخمور وإباحة شربها وبيعها لأهل الذمة كلن المولعون بالشراب من أهل الشأن وخلعاء الشعراء والأباء يغشون الأديار قيجدون صدوراً رحبة فيشربون ويطربون ولذلك خص الشعراء تلك الأديرة بأشعار لطيفة وقصائد ربما كان فيها شيء من المبالغة ومنها ما نبا عن طور الأدب اليوم ولكنه كان من المألوف في تلك العصور.
وفي ديار الشام اليوم ولا سيما في لبنان وبعض أنحاء فلسطين أديار عظيمة منها ما ورد ذكره في الجريدة التي كتبناها هنا ومنها ما هو من البناء الجديد وفيها
المهم بنيانه وهندسته أشبه بقلاع منه بطرابيل وصوامع للمنقطعين للعبادة والتبتل وقد ظهر في يوم ٢٧ أيار ١٩٤٥ وقد قذفت فرنسا مدينة دمشق بحمم مدافعها أن معظم كنائس دمشق للآتين كان فيها ورشاشات وسلاح قاتلوا به السكان وعلى رأسهم الراهبات والرهبان.
стр. 1151
المساجد والجوامع
في أول الفتح:
المسجد بكسر الجيم البيت الذي يسجد فيه وكل موضع يتعبد فيه فهو مسجد. ويقال مسجد الجامع والمسجد الجامع أي مسجد اليوم جامع. فالمسجد قد يكون صغير المساحة والحجم، والجامع مسجد عظيم يجمع المصلين أيام الجمع والأعياد. وأول المساجد التي بنيت في الشام على ما يظهر كانت في البلدان التي سبق فتحها غيرها من أمهات المدن مثل مؤتة والجرباء وأذرح وفحل وأجنادين وبصرى.
ولما كانت السذاجة في كل شيء قد غلبت على العرب لأول عهدهم بالإسلام كانت مصانعهم بحسب الحاجة، وإذا كان من الواجب إذا اجتمع بضعة أفراد منهم أن يقيموا الصلاة جماعة لم تلبث المساجد إن كثرت في الشام في المدن والقرى. وكان الفاتحون يصالحون الأهلين إما على النصف من كنائسهم أو على بعضها أو يكتفون بواحدة أو بنصف واحدة كما اكتفوا بكنيسة مار يوحنا من أصل خمس عشرة كنيسة في دمشق وضاحيتها. وأعطى أبو عبيدة أهل بعلبك وأهل الرستن الأمان على كنائسهم واستثنى عليهن ربع كنيسة يوحنا للمسجد في الرستن. وصالح الفاتح أهل حمص على ربع كنيستهم للمسجد وظلت كذلك إلى القرن الرابع وبعض بيعها المسجد الجامع وشطرها للنصارى وبيعتهم من أعظم بيع الشام. وترك الفاتحون لأهل اللاذقية كنيستهم وبنوا مسجداً جامعاً لصلاتهم ثم وسعوه.
بقيت المساجد على حالة ابتدائية حتى تولى معاوية أمر الشام، وكان بعيد
стр. 1152
النظر في العمران، فسمت به همته إلى أن يخرج المساجد من دور التأسيس ويدخلها في مظهر مدني فيه الجلال والجمال. ولم يزل بعثمان حتى أذن له أن يبني المساجد ويكبر ما كان ابتني منها قبل خلافته. وهكذا بدأ التوسع في المساجد والجوامع عقيب استقرار الفتح ورسوخ أقدام بني أمية.
واختط سليمان بن عبد الملك لما ولي جند فلسطين مدينة الرملة واختط المسجد وبناه فولي الخلافة قبل استتمامه ثم بني فيه بعد في خلافته ثم أتمه عمر بن عبد العزيز ونقص من الخطة وقال: أهل الرملة يكتفون بهذا المقدار الذي اقتصرت بهم عليه. ومعنى هذا أن جوامع القوم ومساجدهم كانت بحسب حاجة من ينزل في كل صقع من المسلمين والتوسع لم يبد إلا مع معاوية بن أبي سفيان وأخلافه.
عرضنا في فصل المصانع لوصف المسجدين الجامعين في هذه الديار المسجد الأقصى وجامع دمشق. ونحن الآن تعرض لغيرهما من المساجد نذكر المهم منها في الحواضر على الأكثر، ونقابل بين قديمها وحديثها، وبديهي أن المساجد لقيت من المصائب السماوية والأرضية ما لقي غيرها من المصانع والعاديات. فإن الزلازل قد نسفت في الإسلام مدناً برمتها فقد تقطع الجبل الأقرع فمات أهل اللاذقية سنة ٢٤٢هـ وخرجت طرابلس منه وفي هذا الزلزال خرب معظم الساحل وزلزلة سنة ٤٦٠ خربت فلسطين وزلزال سنة ٥٥٢ خربت به أمهات المدن الشامية وهكذا يقال في معظم الزلازل التي وقعت بعد إلى القرن الماضي ومن أهمها زلزال سنة ١١٧٣ حتى إن من المدن ما لم يبق فيه جدار قائم ولا إنسان سائر. ومساجد الساحل أصيبت في الحروب الصليبية بما نسفها أو غير معالمها فأصبحت كنائس ثم عادت البلاد لسلطان المسلمين أعيدت بعض البيع أيضاً مساجد.
ومن المتعذر أن نعرف ما قام في كل عصر ومصر في الشام من المساجد والجوامع. ومن القرى اليوم ما كان فيه بالأمس عشرة مساجد والعمران يكثر ويقل بحسب حاجة الناس. والغالب أن العناية ببناء المساجد كان لغرض شريف للغاية بادئ بدء يراد به وجه المولى وثواب الآخرة وخدمة الإسلام والمسلمين. فلما أوغل الناس في مضمار الحضارة كان من البانين من يجمعون
стр. 1153
بيم الدين
والدنيا إذا تعلقت هممهم أن ينشئوا لهم جوامع يقصدون بها تخليد ذكرهم ونيل الثواب والأجر. ثم أتت قرون وقد أخذ بعض الناس ولا سيما الحكام يعمرون المساجد ويقفون عليها حتى يحفظوا بحجتها بعض ثرواتهم لذراريهم، وفي هذه العصور الأخيرة وقع التخليط وكثرت المنافسة في إقامة المساجد والجوامع، حتى في الأماكن التي لا يحتاج فيها الناس إلى مساجد كثيرة إما لكثرتها أو لقلة المصلين في جوارها. وأشبهت دمشق القاهرة في عهد المماليك وبعدهم، فكانوا يعمرون الجامع قرب أخيه على أشبار قليلة منه. وما حدثت البانين أنفسهم أن يشترك في إقامة مسجد جامع بضعة من أهل الخير أو عشرات منهم، لأن المقصد الأول استحال في الآخر إلى إحراز شهرة وإذا عمر إنسان جامعاً بالاشتراك مع غيره يضيع اسمه، وغايته أن يقال بنى فلان مسجداً، وهذا مسجد فلان، أو أن ينتفع هو أو أولاده بمغل وقف الجامع.
وكان للملوك والأمراء في كثرة المساجد وقلتها يد طولي ومنها أن الملك أو الأمير أو غيره من طبقات الحكام والولاة إذا آنس منه قومه رغبة في الاستكثار من المساجد والقربات جاروه على أفكاره وتقربوا إليه بمثل هذه الأعمال الصالحة، وربما تقاضاهم هو ذلك سراً حتى يستخرج بذلك أموالهم وتوزع في الرعية فلا تجمد الثروة في يد واحدة. قال ابن تغري بردي في حوادث سنة ٨٤٤: لما كانت الملوك السالفة تهوى النزه والطرب عمرت في أيامهم بولاق وبركة الرطلي وغيرها من الأماكن، وقدم إلى القاهرة كل أستاذ صاحب آلة من المطربين وأمثالهم من المغاني والملاهي إلى أن تسلطن الملك الظاهر جقمق، وسار في سلطنته على قدم هائل من العبادة، والعفة عن المنكرات والفروج، وأخذ في مقت من يتعاطى مسكرات من أمرائه وأرباب دولته، فعند ذلك تاب أكثرهم وتصولح وتزهد، وصار كل واحد يتقرب إلى من تاب وأقلع عما كان فيه، ومنهم من بنى
المساجد، ولم يبق في دولته ممن استمر على ما كان عليه إلا جماعة يسيرة.
стр. 1154
مساجد حلب:
في حلب اليوم١٦٩ جامعاً و١٨٢ مسجداً ومنها الجيد بنيانه، وأعظمها المسجد الجامع مسجد زكريا في غربي القلعة. صالح المسلمون أهل حلب على موضع المسجد يوم الفتح، وكان محله حديقة كنيسة الروم القديمة التي بنتها هيلانة أم قسطنطين. قالوا: إنه كان يضاهي جامع دمشق بالزخرفة والرخام والفسيفساء، وإن سليمان بن عبد الملك هو الذي بناه وتأنق في بنائه ليضاهي به ما عمله أخوه الوليد في جامع دمشق. وقيل: إن بانيه الوليد نفسه، وإن بني العباس نقضوا ما كان فيه من الرخام والآلات ونقلوه إلى جامع الأنبار في جملة ما نقضوا من آثار بني أمية بالشام. ولما جاء الروم حلب سنة ٣٥١ أحرقوا الجامع والبلد فرم بعضه سيف الدولة ثم ابنه سعد الدولة، وأحرقته الإسماعيلية سنة ٥٦٤ مع الأسواق التي حوله فعمره نور الدين زنكني وقطع الأعمدة الصفر من بعادين ونقل إليه عمد مسجد قنسرين، وأحرقه من الأرمن سنة ٦٧٩ أيام كانوا محالفين للتتر. وعمره قراسنقر سنة ٦٨٤ وبنى فيه غيره بعض جهات منه مثل الأمير ألطون بغا الصالحي نائب حلب والأمير يشبك اليوسفي.
ويقول العارفون بالآثار: إن بناء الجامع الحالي قد قام على الصورة التي عملت عليه زمن سابق بن محمود من بني مرداس ٤٦٨ - ٤٧٢ على يد القاضي ابن الخشاب وإن في أسفل المنارة كتابة تاريخها سنة ٤٨٣ ذكر فيها اسم ملكشاه وابن الخشاب وفي جهة أخرى ذكر اسم تتش أخو ملك شاه ويستدل من مجموع البناء، وليس في جدرانه من كتابة مزبورة، أن هذا الطراز قديم صبر على الدهر. ومحرابه من عهد قلاوون والمنبر من عهد الناصر محمد، ويرد عهد الباب الأوسط للحرم إلى أوائل زمن المماليك وإن كانت فيه كتابات أحداث من عهد
السلطان مراد الثالث ٩٩٦. وأسس المنارة المربعة ذات الخمس طبقات القاضي ابن الخشاب سنة ٤٨٢ وهي منقوشة أبدع نقش وهي بما كتب عليها من الكتابات الكوفية والنسخية المثال الوحيد من الهندسة الإسلامية. قال أبو الفداء: وكان بحلب بين نار قديم ثم صار أتون حمام فأخذ ابن الخشاب حجارته وعمر منارة جامع حلب.
стр. 1155
وصف ابن جبير في القرن السادس جامع حلب بقوله: وهذا الجامع من أحسن الجوامع وأجملها وقد أطاف بصحنه الواسع بلاط كبير متسع مفتح كله أبواباً قصرية الحسن إلى الصحن عددها ينيف عن الخمسين باباً، فيستوقف الأبصار حسن منظرها، وفي صحنه بئران معينتان، والبلاط القبلي لا مقصورة فيه، فجاء ظاهر الاتساع رائق الانشراح. وقد استفرغت الصنعة القرنصية جهدها في منبره، فما أرى في بلد من البلاد منبراً على شكله، وغرابة صنعته، واتصلت الصنعة الخشبية منه إلى المحراب فتجللت صفحاته كلها حسناً على تلك الصنعة الغريبة، وارتفع كالتاج العظيم على المحراب، وعلا حتى اتصل بسمك السقف، وقد قوس أعلاه وشرف بالشرف الخشبية القرنصية، وهو مرصع كله بالعاج والآبنوس، واتصال الترصيع من المنبر إلى المحراب مع ما يليهما من جدار القبلة، دون أن يتبين بينهما انفصال، فتجتلي العيون منه أبدع منظر يكون في الدنيا، وحسن هذا الجامع المكرم أكثر من أن يوصف اه.
هذا وصف المسجد الجامع وما كان فيه وليس هو بالعظيم كمسجد دمشق أو المسجد الأقصى وقد رمم في أوقات مختلفة. وفي حلب جامع الصالحين جنوبي المدينة أنشئ سنة ٤٧٩ أنشأه أحمد بن ملكشاه ومحرابه مهم في بابه وأول جامع بني بحلب فيما قالوا بعد الجامع الكبير جامع ألطون بغا الصالحي تم سنة ٧٢٣ وفيه يقول ابن حبيب:
في حلب دار القرى جامع ... أنشأه ألطنبغا الصالحي
رحب الذرى يبدو لمن أمه ... لطف معاني حسنة الواضح
مرتفع الرايات يروي الظما ... من مائه السارب والسارح
يهدي المصلي في ظلام الدجى ... من نوره اللامع واللائح
من حوله روض يرى للورى ... من زهرة بالفائق الفائح
لله بانيه الذي خصه ... بالروح للغادي وللرائح
وعد ابن الشحنة من أحسن الجوامع التي بنيت على أجمل الوجوه جامع منكلي بغا الشمسي نائب حلب عمر ٧٧٨. وعد ابن شداد في باطن حلب مائتي مسجد وسبعة عشر مسجداً داخل سور البلد منها ما نسبه لمنشئه ومنها
стр. 1156
ما عرفه بالخطة التي هو فيها. وذكر المساجد التي بأرباض حلب وذكر منها ما هو بالحاضر السليماني مائة مسجد وعشرة مساجد، وذكر مساجد الرابية وجورة جغال فعدها مائة وثمانية وستين مسجداً وأتى على ذكر المساجد التي بالظاهرية فعدها تسعة وتسعين مسجداً وعد بالرمادة أربعة وثلاثين مسجداً. وعد ببانقوسا ثلاثة عشر مسجداً وبالفرافرة اثني عشر مسجداً وبالمضيق ستة عشر مسجداً وبالقلعة عشرة مساجد. قال ابن الشحنة وعنه لخصنا إحصاء ابن شداد لمساجد حلب: فجملة هذه المساجد التي داخل حلب وخارجها إلى حين تأليف ابن شداد كتابه سبعمائة وخمسة وعشرون مسجداً. وقد بنى بعض الولاة الأول في الدولة العثمانية جوامع في حلب منهم جامع خسرو باشا ٩٣٨ وجامع عادلي محمد باشا ٩٥٧ وجامع بهرام باشا ٩٨٨ وابشير مصطفى باشا ١٠٦١ وجامع عثمان باشا ١١٥٠. ومن جوامع حلب التي بقيت عليها بعض الكتابات الحثية جامع القيقان ومن جوامعها الأطروش واشتهر بكتاباته ونقوشه جامع البيادة في شمالي غربي القلعة.
جوامع عمالة حلب:
قامت في أنحاء حلب مساجد كثيرة ومنها مساجد قنسرين وهو البلد القديم الذي كان في الإسلام بمثابة حلب فخرّبه سيف الدولة سنة ٣٥١ أو ٣٥٥ وأحرق مساجده، لما نزل الروم حلب وقتلوا جميع من كان بربضها وذلك خوفاً من سقوطها في أيدي أعدائه. وأنشئت في إنطاكية عدة جوامع بقيت منها بقايا على ما انتابها من الزلازل وأهمها اليوم جامع حبيب النجّار والجامع الكبير والشيخ علي والذخرية. وفي إنطاكية لعهدنا ١٣ جامعاً و٢٧ مسجداً ومجموع ما في عملها ١٣٥ مسجداً وجامعاً وزاويةً وتكية. وأُنشئت منذ الفتح جوامع في مدينة المعرة وصف ناصر خسرو في أواخر منتصف القرن الخامس جامعها الأعظم فقال: إنه مبنى على أكمة قامت وسط المدينة ومن أي جهة اتجهت إلى هذا الجامع كان عليك أن ترتقي سلماً ذات ثلاث عشرة درجة. وقد خربت المعرة بدخول الصليبيين، ثم عاد إليها بعض حياتها وفيها اليوم ٢٣ جامعاً ومسجداً أهمها الجامع العمري الكبير تقام فيه الجمعة دون غيره
стр. 1157
من المساجد. ومجموع ما في عمل ٤١ مسجداً وجامعاً. وفي عمل جيل سمعان اليوم ١٨٣ جامعاً ومسجداً، وفي بيلان ٥ مساجد وجوامع. وفي قضاء إدلب ٣٧ مسجداً وجامعاً وجامعها في القصبة من عهد الفتح يسمونه العمري. وفي معرة مصرين وعملها ١١ جامعاً ومسجداً، وفي حارم جامع ومسجد وفي عملها عدة جوامع ومساجد وكذلك في أعزاز، وفي قضاء الباب ١٥ جامعاً ومسجداً وفي بزاعة وجسر الشغر ومعرة وصرين وسرمين وجبرين وسلقين وخناصرة والفوعة وأرمناز وديركوش والجبول والأثاب ودانيث وكلز وغيرها من البلدان القديمة مساجد وجوامع. ولا تكاد تخلو في يومنا هذا كل قرية من مسجد إلا كانت مزرعة حقيرة لأحد أرباب الأملاك. وفي الشغر اليوم ثلاثة جوامع وخمسة مساجد ولا تخلو المدينة التي كانت عامرة جداً ثم خربت عن آخرها مثل بالس مسكنة ومنبج مثلاً من مساجد لا بأس بها.
ولقد تقلبت الأيام بهذه المساجد والجوامع فكثرت في الأماكن التي اشتدت إليها الحاجة وقلت حيث قل العمران وابذَعَرّ السكان. فقد طانت سرمين مثلاً على طرف جبل السماق من المدن ولها مساجد كثيرة روى ابن شداد أن عددها كان ينيف على ثلاثمائة مسجد، قال: وليس بها الآن أي في عهده مسجد يصلي فيه غير الجامع وأكثر أهلها إسماعيلية ولهم بها دار دعوة. وسواء كان هذا العدد مبالغاً قيه أو غير مبالغ فالمحقق أن الجوامع والمساجد كثرت في الأعصر السالفة في هذه الأرجاء بكثرة السكان وتوفر خيرات الأرض ثم لما خربت المدن دع القرى تراجع أمر بيوت العبادة.
ومن الجوامع القديمة في هذا الصقع جامع اعزاز عرف بالجامع الكبير قال الغزي: وهو صحن واسع فسيح في شماليه رواق وفيه مئذنة ضخمة وفي وسطه حوض يهبط إليه بدركات تجري فيه قناة جرها إليه إسماعيل بن عبد الله العزازي المتوفى سنة ٧٤٨ وفي جنوبي صحن الجامع قبيلة يبلغ طولها نحو ٥٠ في عرض ١٥ ذراعاً سقفها قباب محمولة على أعمدة ضخمة وقد كتب على باب الجامع المتجه إلى الغرب: بسم الله الرحمن الرحيم في سنة ٦٤٤ أمر بعمله مولانا السلطان العالم العادل الملك الناصر صلاح الدنيا والدين يوسف بن الملك العزيز محمد بن عبد الملك الظاهر غازي ابن أيوب ناصر أمير المؤمنين خلد الله ملكه.
стр. 1158
مساجد الساحل وجوامعه:
لما كانت مدن الساحل معرضة لهجمات الأعداء كل حين، وكانت الزلازل قد نولت عليها كثيراً وظلت مرسحاً للجيوش الصليبية مدن قرنين أصاب الجوامع والمساجد فيها ما أصاب غيرها من العمائر، فليس في الإسكندرونة اليوم سوى جامعتين وفي عمالتها بعض المساجد الحقيرة، وكذلك الحال في السويدية واللاذقية والمرقب وطرطوس وجبلة وبانياس وطرابلس وجبيل وبيروت وصيدا وصور
وعكا وحيفا ويافا وغزة، خربت جوامعها ومساجدها وعمرت غير مرة في الإسلام. ففي اللاذقية اليوم عدة مساجد وفيها جامع جميل مطل عليها من الهضبة المطلة على الثغر ولها منارة جميلة. وأهم جوامع اللاذقية جامع المغربي ومن جوامعهم جامع جديد والكبير المنصوري وأرسلان باشا والصليبة وصوفان والشيخ ضاهر وجامع الاسكلة والشواف والصغير، وفي اللاذقية اثنا عسر مسجداً غير هذه الجوامع. وفي جبلة جامعان وهما جامع السيد إبراهيم والمنصوري ومن مساجدها القنطاري وبني علي أديب والغزالي والأكراد وجامع واحد في بانياس، وفي طرطوس جامع كان على عهد الصليبيين كنيسة كاتدرائية، وفي صافيتا جامع وثلاثة مساجد في جوارها.
وفي طرابلس عدة جوامع ومساجد ومعظمها من آثار المماليك البحرية والجراكسة، وما تجدد بعدهم فقليل جداً بالنسبة لآثارهم في هذه المدينة، وأكثرها لم يذكر عليه اسم بانيه. ولا ريب أن البواعث كانت دينية محضة ورغبة في ثواب الله بدار الآخرة فكان عدم ذكر الباني على البناء أبعد عن السمعة والرياء، وكان الأمير أو المتمول منهم إذا شيد مسجداً للصلاة جعل في أحد أطرافه مشهداً ليدفن فيه عند موته ولم يزل إلى الآن كثير من قبور المماليك الرخام محفوظاً في المساجد التي أقاموا على الطراز المخصوص بهم كأن يجعلوا في كل زاوية من زوايا القبر قاعدة بارتفاع ثلاثين سانتيماً وأعلاها كروي. وللمماليك من نوع هذه القبور في دمشق صنوف. وإن ما بقي إلى اليوم من الفسيفساء في محاريب تلك المساجد وجدرانها آية في الإبداع وحسن الصناعة.
стр. 1159
ومن أعظم جوامع هذا الثغر الجامع الكبير بناه السلطان صلاح الدين خليل الأشرفي على ما يرى في الكتابة المحفورة فوق باب الجامع الشمالي وذلك في سنة ٦٩٣هـ وكان متولي العمارة سالم الصهيوني ابن ناصر الدين العجمي وفي سنة ٧١٥ وعلى عهد ولاية السلطان
محمد بن قلاوون للمرة الثالثة بنيت بأمره الأروقة المحيطة بصحن المسجد أيام نيابة المقر السيفي كستاني الناصري وكان متولي العمارة أحمد بن حسن الحرلبعليلي وتسميه أهالي طرابلس الجامع المنصوري وهو غلط بين لأن الملك المنصور قلاوون هو أبو الأشرفي باني الجامع المذكور.
ومنها جامع طينال وتسميه العامة طيلان بناه سيف الدين طينال مملوك محمد الناصري وحاجبه وكان قد تولى ولاية طرابلس مرتين وبنى الجامع المذكور للمرة الثانية سنة ٧٣٦. وفي منارته هندسة لطيفة ولها من داخلها سلمان أحدهما سقف للآخر، فإذا أراد المؤذن الصعود للأذان من داره الملاصقة للمسجد دخل من باب المنارة صاعداً أعلاها وإذا أراد النزول للصلاة دخل من باب آخر يصل منه إلى داخل المسجد وعلى هذه الصورة فباب المنارة السفلي الخارجي أدنى من أرض المسجد بقدر قامة الإنسان.
ومن جوامعها جامع أرغون شاه وتسميه العامة الفنشا على الطريق الشرقية الآخذة لجبانة باب الرمل ولا يعلم تاريخ بناه وفوق بابه كتابة حفرت أيام قايتباي من الممليك الجراكسة سنة ٨٨٠ يأمر فيها بحماية زراع أراضي الوقف للجامع المذكور وتسليمها إلى محمود الأدهمي الحسيني وقد بني هذا الجامع حديثاً بعد سقوطه ووضعت له القساطل الحديدية لجر المياه.
ومن جوامعها جامع التوبة وهو ملاصق للجسر الجديد على نهر أبي علي ومن الثابت أنه بني أيام دولة المماليك وطراز هندسته يشبه الجامع الكبير من وجوه كثيرة وقد جدد بناءه بعدما تهدم من الفيضان الكبير الذي وقع في طرابلس سنة ١٠٢٠ أحمد بن محمد الشربداري الأنصاري كتخدامي حسين باشا السيفي، وتم بناءه في شهر ربيع الآخر سنة ١٠٢١ والكتابات الأثرية التي عليه يرجع تاريخها إلى سنة ٨١٧ أيام دولة المؤيد أبي النصر شيخ المحمودي من المماليك الجراكسة.
стр. 1160
ومن جوامعها جامع المعلق بناه محمود بن لطفي الزعيم سنة ٩٦٧ أيام سليمان القانوني وهو في محلة بوابة الحدادين. وجامع العطار وسط البلد بقرب محلة الملاحة والمشهور عند أهالي طرابلس أنه كان كنيسة في زمن الصليبيين ثم تحول إلى جامع بعد الفتح الإسلامي وكان قد تداعى بناؤه، فأقيم وفي أعلى بابه الشرقي مكتوب هذا التاريخ البسملة. هذا الباب المبارك والمنير من عمل المعلم محمد بن إبراهيم المهندس في سنة إحدى وخمسين وسبعمائة. وجامع البرطاسي في جانب الجسر العتيق على نهر أبي علي وفي الكتابة التي فوق بابه يقول: بني هذه المدرسة عيسى بن عمر البرطاسي ووقفها على المشتغلين بطلب العلم على مذهب الإمام الشافعي ولم يعلم الزمان الذي تحولت فيه إلى جامع وقد ذهب من أصل الكتابة التاريخية القسم الذي به زمن البناء غير أن أسلوب تلك الكتابة وطرز بنائه الفخم ودقة الفسيفساء التي على محاربه وفي أرضه تدل على أن بانيه من الأثرياء أيام دولة المماليك البحرية. وجامع الأويسية بني في دولة المماليك غير أنه لم يكن عليه كتابات تاريخية إلا ما كان في أعلى منارته وفيها ذكر أنه جَدد بناءها أيام السلطان سليمان القانوني سنة ٩٤١ رجل اسمه حيدرة في وقفية الجامع أن اسم بانيه محي الدين الأويسي.
وجامع عبد الواحد وراء سوق الصاغة بناه عبد الواحد المغربي المكناسي أيام السلطان محمد بن قلاوون للمرة الثالثة سنة ٧٠٥ وعليه زبرت كتابة تشعر بذلك. وجامع التفاحي يسمى اليوم بالحميدي لم يبق من بنائه الأصلي أثر وتجدد بناؤه حوالي سنة ١٣١٠ بمعاونة أهل الخير وإعانة السلطان عبد الحميد الثاني فنسب إليه. وجامع محمود بك السنجق وهذا بناه في طرف البلد تقريباً للجهة الشرقية بالمحلة المعروفة بباب التبانة سنة ١٠٢٠ في عهد السلطان أحمد من ملوك بني عثمان ووقف عليه أوقافاً كثيرة لم تزل قائمة إلى الآن. وجامع الطحام داخل البلد
ولم يعلم اسم بانيه ولا تاريخ بنائه وشكله وطرز منارته يدل على أنه بني زمن المماليك.
هذه جوامع طرابلس وقد وصف ناصر خسرو المسجد الأعظم فيها أواخر النصف الأول من القرن الخامس بقوله: والمسجد الأعظم قائم في وسط المدينة وهو جميل للغاية، مزدان بأحسن زينة، ومبني على غاية القوة
следующие страницы →