Полный текст (1 453 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
ببيت المقدس بعد قتل عثمان وحمل كل واحد منهما صاحبه الأمانة أن بيننا عهد الله على التناصر والتخالص والتناصح في أمر الله والإسلام، ولا يخذل أحدنا صاحبه بشيء ولا يتخذ من دونه وليجة ولا يحول بيننا ولد ولا والد أبداً ما حيينا فيما استطعنا.
وهكذا أخذ معاوية يحرك النفوس ويطالب بثأر عثمان ومما كتب به إلى علي: ولكنك أغريت بعثمان المهاجرين وخذلت عنه الأنصار فأطاعك الجاهل وقوي بك الضعيف وقد أبى أهل الشام إلا قتالك حتى تدفع إليهم قتلة عثمان. فأجابه عليّ: زعمت أنه إنما أفسد عليك بيعتي خطيئتي في عثمان، ولعمري ما كنت إلا رجلاً من المهاجرين أوردت كما أوردوا وأصدرت كما أصدروا، وما كان الله ليجمعهم على ضلال ولا ليضربهم بالعمى، وما أمرت فيلزمني خطيئته عثمان، ولا قتلت فيلزمني قصاص القاتل. . . وأما قولك تدفع إليك قتلة عثمان، فما أنت وعثمان؟ إنما أنت رجل من بني أُمية وبنو عثمان أولى بعثمان منك.
حرب صِفّين:
وما برحت الحزازات تشتد بين عليّ ومعاوية يريد الأول أن يبايع له الثاني، ويطالب الثاني بدم عثمان وهو مستقل بالشام، حتى التقيا سنة ٣٧ في صِفِيّن من أرض الشام بجيشيهما وكانت بينهما وقائع سالت فيها الدماء كالأنهار، فقتل من أهل الشام جيش معاوية خمسة وأربعون ألفاً، ومن أهل العراق والحجاز جيش عليّ خمسة وعشرون ألفاً، وكان معاوية في مائة وعشرين ألفاً، وعلي في تسعين ألفاً، وجسّر عليٌّ الجنود حتى قُتل من أبطال الإسلام في تلك المعارك ألوف ولم يكترث بقتلهم وإن علياً لينغمس في القوم فيضرب بسيفه حتى ينثني ثم يخرج متخضباً بالدم حتى يسوى له سيفه ثم يرجع فينغمس فيهم. ويقول الدينوري: كان أهل الشام أيام صفين إذا انصرفوا من الحرب يدخل كل فريق منهم في الفريق الآخر فلا يعرض أحد لصاحبه، وكانوا يطلبون قتلاهم فيخرجونهم من المعركة ويدفنونهم. وروى ابن سعد قال: اقتتل الناس بصفين قتالاً
стр. 107
شديداً لم يكن في هذه الأمة مثله قط حتى كره أهل الشام وأهل العراق القتال وملوه من طول تبادلهم السيف. فقال عمرو بن العاص وهو يومئذ على القتال لمعاوية: أنت مطيعي فتأمر رجلاً بنشر المصاحف، ثم يقولون: يا أهل العراق ندعوكم إلى القرآن والى ما في فاتحته إلى خاتمته، فإنك إن تفعل ذلك يختلف أهل العراق ولا يزيد ذلك أمر أهل الشام إلا استجماعاً، فأطاعه معاوية ففعل، وأمر عمرو رجالاً من أهل الشام فقرىء المصحف ثم نادى يا أهل العراق ندعوكم إلى القرآن، فاختلف أهل العراق فقالت طائفة: أولسنا على كتاب الله وبيعتنا؟ وقال آخرون كرهوا القتال: أجبنا إلى كتاب الله، فلما رأى علي ﵇ وهنهم وكراهتهم للقتال قارب معاوية فيما يدعوه إليه واختلف بينهم الرسل فقال علي ﵇: قد قبلنا كتاب الله فمن يحكم بكتاب الله بيننا وبينك، قال: تأخذ رجلاً منا نختاره ونأخذ منكم رجلاً
تختاره، فاختار معاوية عمرو بن العاص، واختار علي أبا موسى الأشعري. وجرت المهادنة بين علي ومعاوية على وضع الحرب بينهما ويكون لعلي العراق، ولمعاوية الشام، فلا يدخل أحدهما على صاحبه في عمله بجيش ولا غارة ولا غزو، فأقام معاوية بالشام يجبيها وكان ذلك سنة ٤٠.
كانت حرب صفّين من أشأم الحروب على الأمة، وهي في أول شبابها، التقى فيها المسلم بالمسلم بالسلاح، واقتتلا قتالاً شديداً، وهلكت من الفريقين نفوس زكية، فيهم الصحابة والقراء والعلماء، ولو لم يشغل بال معاوية بمقتل عثمان ثم بمدافعة عليّ لكان تفرغ للقضاء على الدولة البيزنطية آخر الدهر. خصوصاً وقد كان من أكبر همه أن يغادي الروم القتال ويراوحهم منذ استقل بإمارة الشام. يغزوهم براً وبحراً ويصيب منهم وقلما يصيبون منه، وربما توفق معاوية وآله لولا هذه الغائلة الأهلية إلى استصفاء معظم أقطار الأرض ونشر الدين واللغة فيها، واضطرت حوادث عليّ معاوية أن يهادن صاحب الروم ويرضيه بمال عظيم ريثما يتفرغ له. وقال عمرو بن العاص لمعاوية: كما بدأت الفتنة اكتب إلى قيصر الروم تعلمه أنك ترد عليه جميع من في يديك من أسارى الروم وتسأله المواءمة والمصالحة تجده سريعاً إلى ذلك راضياً بالعفو منك.
стр. 108
صلح الحسن مع معاوية:
ومن أهم الأحداث في زمن معاوية قيام الحسن بن علي في العراق عقيب مقتل أبيه علي بن أبي طالب، فسار معاوية إلى الموصل والتقى العسكران، فوجه معاوية إلى قيس بن سعد أمير جيش الحسن يبذل له ألف ألف درهم على أن يصير معه أو ينصرف فأبى، ويقال: إنه أرسل إلى عبد الله بن عباس وبذل له مثل هذا المال فصار إليه في ثمانية آلاف من أصحابه وهم من شيعة الحسن، وأقام قيس على محاربته حتى اضطر الحسن إلى صلح معاوية بعد أن رأى
أصحابه تفرقوا عنه وصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال: أيها الناس إن الله هداكم بأولنا وحقن دماءكم بآخرنا وقد سالمت معاوية وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين.
يقول الدينوري: لما رأى الحسن من أصحابه الفشل أرسل إلى عبد الله ابن عامر بشرائط اشترطها على معاوية على أن يسلم له الخلافة، وكانت الشرائط ألا يأخذ أحداً من أهل العراق بإحنة وأن يؤمن الأسود والأحمر ويحتمل ما يكون من هفواتهم، ويجعل له خراج الأهواز مسلماً في كل عام، ويحمل إلى أخيه الحسين بن علي في كل عام ألفي ألف درهم، ويفضل بني هاشم في العطاء والصلات على بني عبد شمس، فكتب عبد الله بن عامر بذلك إلى معاوية فكتب معاوية جميع ذلك بخطه وختمه بخاتمه وبذل له العهود المركبة والأيمان المغلظة وأشهد على ذلك جميع رؤساء أهل الشام، ووجه إلى عبد الله بن عامر فأوصله إلى الحسن رض فرضي به وكتب إلى قيس بن سعد بالصلح ويأمره بتسليم الأمر إلى معاوية والانصراف إلى أعدائه، فلما وصل الكتاب بذلك إلى قيس بن سعد قام في الناس فقال: أيها الناس اختاروا أحد أمرين: القتال بلا إمام أو الدخول في طاعة معاوية فاختاروا الدخول في طاعة معاوية. فسار حتى وافى المدائن وسار الحسن بالناس في المدائن حتى وافى الكوفة ووافاه معاوية بها فالتقيا فوكد عليه الحسن رض تلك الشروط والأيمان اه. قال الأحنف بن قيس وقد أتاه كتاب الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما يستنصره: قد بلونا الحسن
стр. 109
وآل الحسن فلم نجد عندهم إيالة الملك ولا صيانة المال ولا مكيدة الحرب. ولم يجبه إلى ما طلبه إليه.
ولما مات الحسن بعد شهرين وقيل أربعة أشهر من استيلائه على العراق صفا الجو لمعاوية وبايع له الناس فملك العراق والحجاز ومصر، وأجمعت القلوب على مبايعته طوعاً أو كرهاً. وكان ممن مالأ معاوية على تحقيق رغائبه عمرو بن
العاص عامله على مصر، والمغيرة بن شعبة عامله على الكوفة.
خلافة يزيد ورأي ابن خلدون:
أوعز معاوية سراً إلى ولاة الأمصار أن يوفدوا الوفود إليه يزينون له إعطاء العهد لابنه يزيد، حتى استوثق له أكثر الناس وبايعوه والسيوف مسلولة فيما قيل على رقاب الصحابة في مسجد الرسول. وبذلك أخرج معاوية الخلافة عن أصولها، وكانت بالعهد لأفضل الصحابة أو بالشورى بينهم لمن يقع اختيارهم عليه، وجعلها كالملك يورثها الأب ابنه أو من يراه أهلاً لها من خاصته، أو كسروية أو قيصرية على سنة كسرى وقيصر كما قالوا. وبذلك نقم على معاوية بعض الصحابة والتابعين من الأنصار والمهاجرين.
والذي دعا معاوية لإيثار ابنه يزيد بالعهد دون من سواه - كما قال ابن خلدون - إنما هو مراعاة المصلحة في اجتماع الناس واتفاق أهوائهم باتفاق أهل الحل والعقد عليه حينئذ من بني أمية، إذ بنو أمية يومئذ لا يرضون سواهم وهم عصابة قريش وأهل الملة أجمع وأهل الغلب منهم، فآثره بذلك دون غيره مما يظن أنه أولى بها وعدل عن الفاضل إلى المفضول حرصاً على الاتفاق واجتماع الأهواء الذي شأنه أهم عند الشارع، وإن كان لا يظن بمعاوية غير هذا فعدالته وصحبته مانعة من سوى ذلك، وحضور الأكابر لذلك وسكوتهم عنه دليل على انتفاء الريب فيه فليسوا ممن تأخذهم في الحق هوادة، وليس معاوية ممن تأخذه العزة في قبول الحق، فإنهم كلهم أجلّ من ذلك وعدالتهم مانعة منه، وفرار عبد الله ابن عمر من ذلك إنما هو محمول على تورعه من الدخول في شيء من
стр. 110
الأمور مباحاً كان أو محظوراً. كما هو معروف عنه، ولم يبق في المخالفة لهذا العهد الذي اتفق عليه الجمهور إلا ابن الزبير. وندور المخالف معروف.
ثم قال: إنه وقع مثل ذلك من بعد معاوية من الخلفاء الذين كانوا يتحرون الحق
ويعملون به مثل عبد الملك وسليمان من بني أمية، والسفاح والمنصور والمهدي والرشيد من بني العباس، وأمثالهم ممن عرفت عدالتهم وحسن رأيهم للمسلمين والنظر لهم، ولا يعاب عليهم إيثارهم أبناءهم وإخوانهم وخروجهم عن سنن الخلفاء الأربعة في ذلك فشأنهم غير شأن أولئك الخلفاء، فإنهم كانوا على حين لم تحدث طبيعة الملك. وكان الوازع دينياً فعند كل أحد وازع من نفسه، فعهدوا إلى من يرتضيه الدين فقط وآثروه على غيره. ووكلوا كل من يسمو ذلك إلى وازعه، وأما من بعدهم من لدن معاوية فكانت العصبية قد أشرفت على غايتها من الملك؛ والوازع الديني قد ضعف واحتيج إلى الوازع السلطاني والعصباني، فلو عهد إلى غير من ترتضيه العصبية لردت ذلك العهد وانتقض أمره سريعاً وصارت الجماعة إلى الفرقة والاختلاف.
ومن جملة وصايا معاوية لابنه يزيد في أهل الشام: أنظر أهل الشام فليكونوا بطانتك ورعيتك، فإن رابك من عدوك شيء فانتصر بهم، فإذا أصبتهم فاردد أهل الشام إلى بلادهم فإنهم إن أقاموا بغير بلادهم تغيرت أخلاقهم. ولما قدم مشيخة أهل الكوفة على معاوية كان فيما سألهم عنه رأيهم في أهل الأحداث من الأمصار فقال أحدهم: وأما أهل الشام فأطوع الناس لمرشدهم وأعصاهم لمغويهم.
غزوات معاوية وأعماله ووصيته:
ومما يجب أن يذكر لمعاوية أنه مع اشتغال ذهنه بالملك لم يغفل قط عن إنشاء أسطول عظيم غزا به الروم وغزا القسطنطينية غير مرة وأغزى الروم مراراً، وكان يغزو الصوائف والشواتي أي غزوات الصيف والشتاء، وخص قوماً من رجاله بتولي هذه الغزوات وبلغه أن الروم سنة ٤١ قد زحفت
стр. 111
في جموع كثيرة فخاف أن يشغلوه عما يحتاج إلى تدبيره وأحكامه خصوصاً بعد خروجه من وقعة صفين فوجه إليهم فصالحهم على مائة ألف دينار. وكان معاوية أول من صالح
الروم، فلما استقام له الأمر أغزى أمراء الشام على الصوائف فسبوا في الروم سنة بعد سنة، وطلب صاحب الروم الصلح على أن يضعف المال فلم يجبه، ورضي مرة بصلح ملك الروم على أن يكون عنده من أهل بيت ملكهم رهائن.
وحدث سنة ٣٤ أن معاوية كان يستعد لقصد القسطنطينية ويعد السفن الكثيرة بمدينة طرابلس ويحمل من السلاح أمراً عظيماً أن أخوين لرجل يقال له بقنطر، وكانا في خدمة العرب، فلما نظر ما أعده معاوية أخذتهما الغيرة فأتيا السجن ففتحاه وأخرجا من فيه من الروم وقتلوا عامل البلد وأحرقوا السفن والعدة وركبوا البحر. فلما بلغ معاوية ذلك جهز جيوشاً كثيرة إلى الروم فافتتح أرضاً كثيرة. وسبي من أهلها مائة ألف إنسان وبعث أخاه على البحر فانهزم الروم بحراً أيضاً، ثم تعددت وقائعه مع الروم. ومن وقائعه وقعة سنة ٣١. ولولا النار التي اخترعها الروم لإحراق السفن، وبها حرقت سفن كثيرة للعرب وهلك ألوف من رجال بحريتهم، لامتدت الفتوحات ولسهل على معاوية فتح القسطنطينية كما سهل عليه غزو الروم لتحصينه سواحل الشام وإقامته الصناعة في صور وعكا وغيرها من مدن الشام.
توفي معاوية سنة ٦٠ بعد أن وطأ أكناف الملك وابتكر في الدولة أشياء لم يسبقه أحد إليها، منها أنه أول من وضع الحشم للملوك ورفع الحراب بين أيديهم، ووضع المقصورة التي يصلي الملك أو الخليفة بها في الجامع منفرداً عن الناس، وهو أول من وضع البريد، واخترع ديوان الخاتم واستخدم النصارى في مصالح الدولة، فعهد بنظارة المالية إلى منصور وسرجون من نصارى العرب الشاميين. أوصى معاوية بني أمية فقال: إنه لما قرب مني ما كان بعيداً، وخفت إن يسبق الموت إليّ ويسبقكم بي سبقته إليكم بالموعظة لأبلغ عذراً، وإن لم أردَّ قدراً، إن الذي أخلفه لكم من دنياي أمر تشاركون فيه أو تقبلون عليه، وإن الذي أخلف لكم من
стр. 112
رأيي مقصور عليكم نفعه إن فعلتموه، مخوف عليكم ضرره إن ضيعتموه، فاجعلوا مكافأتي، قبول نصيحتي، وإن قريشاً شاركتكم في أنسابكم، وتفردتم دونها بأفعالكم، فقدمكم ما تقدمتم فيه إذا أخر غيركم ما تأخروا له، ولقد جُهر لي فعلمت، وفُهم لي ففهمت، حتى كأني أنظر إلى أولادكم بعدكم كنظري إلى آبائهم قبلهم، إن دولتكم ستطول، وكل طويل مملول، وكل مملول مخذول، فإذا انقضت مدتكم كان أول ذلك اختلافكم بينكم، واتفاق المختلفين عليكم، فيدبر الأمر بضد ما أقبل به، فلست أذكر عظيماً يُنال منكم، ولا حرمة تُنتهك لكم، إلا وما أكف عن ذكره أعظم منه، فلا معوّل عليه عند ذلك أفضل من الصبر، واحتساب الأجر، فيا لها دولةً أنست أهلها الدولَ في الدنيا والعقوبة في الآخرة، فيمادُّ كم القوم دولتكم تماد العنانين في عنق الجواد، فإذا بلغ الأمر مداه، وجاء الوقت الذي حده رسول الله ﷺ ، ضعفت الحيلة، وعزب الرأي، وصارت الأمور إلى مصايرها، فأوصيكم عندها بتقوى الله الذي يجعل لكم العاقبة إن كنتم متقين.
خلافة يزيد ومقتل الحسين ووقعة الحرة:
تولى يزيد بن معاوية الخلافة بعد أبيه ثلاث سنين وستة أشهر، وسار على خطته في جهاد الروم وكان جلدا صبورا، ولم تمنعه فتن ابن الزبير وشيعة العراق عن قتالهم، وأهم الأحداث في زمانه قتل الحسين بن علي ﵄ في كربلاء من العراق، وحمل رأسه الشريف إلى الشام، وإهانة أسرته الطاهرة، وقتل بعض رجالها. فارتكب ابن زياد
стр. 113
عامل العراق ليزيد من ذلك أمرا نكرا أكبره أهل الإسلام وزادت بذلك شيعة علي وآله حنقا وشدة. ولم يكن يزيد يريد قتل الحسين عملا بوصية والده له، فإن زحر بن قيس لما حمل من العراق إلى الشام أهل بيت الحسين ودخل على يزيد وبشره بذلك دمعت عينه وقال: قد كنت أرضى من
طاعتكم بدون قتل الحسين لعن الله ابن سمية يعني ابن زياد، أما والله لو أني صاحبه لعفوت عنه فرحم الله الحسين. ومن الأحداث في أيام يزيد تسييره بالجيش إلى نواحي حماة وتصدي أهل لبنان له وهزيمته. وغزا الروم في ولايته للعهد ثم غزاهم في خلافته وعد ذلك من مزاياه ومزايا أبيه.
واتفق أهل المدينة سنة ٦٢ على خلع يزيد فأخرجوا عماله وآله فجهز جيشا مع مسلم بن عقبة وأمره بقتال أهل المدينة فإذا ظفر بها أباحها للجند ثلاثة أيام، وأن يبايعهم على أنهم خول وعبيد ليزيد. فقاتل جند الشام أهل المدينة في الحرَّة واستباح مسلم المدينة، وكان قتلى الحرة سبعمائة من وجوه الناس من قريش والمهاجرين والأنصار وعشرة آلاف من وجوه الموالي، ثم بايع من بقي من الناس.
حنقت نفوس الأمة من وقعة الحرة لأن فتنتها التهمت بضع مئات من علية قريش، وكانت غلطة زياد في قتل الحسين وسبي آله الطاهرين ذريعة أكبر للنيل من يزيد وآل يزيد، فتقولوا عليه وحطوا من كرامته، مع أنه سار بسيرة أبيه في الملك من التوسع في الفتوح وقتال أعداء المملكة من الروم. أما وقعة الحرة فإن أهل المدينة استطالوا على يزيد وحاسنهم فخاشنوه وأحرجوه حتى أخرجوه.
عهد معاوية الصغير:
توفي يزيد بن معاوية سنة ٦٤ وبويع ابنه معاوية بن يزيد ثالث خلفاء بني أمية، ولما استخلف لبث شهرين وليالي محجوبا لا يرى، ثم خرج بعد ذلك فجمع الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إني نظرت فيما صار إليَّ من أمركم، وقلدته من إمارتكم، فوجدت ذلك لا يسعني فيما بيني وبين ربي أن أتقدم على قوم وفيهم من هو خير مني، وأحقهم بذلك وأقوى على ما قلدته، فاختاروا مني إحدى خصلتين إما أن أخرج منها وأستخلف عليكم من أراه لكم رضىً ومقنعا، ولكم الله
عليَّ لا آلوكم نصحا في الدين والدنيا، وإما أن تختاروا لأنفسكم وتخرجوني
стр. 114
منها، فأنف الناس من قوله، وأبوا من ذلك وخافت بنو أمية أن تزول الخلافة منهم وماج أمرهم واختلفوا.
وقيل: إنه خطب الناس وقال: ما كنت أتقلدكم حيا وميتا فو الله لئن كانت الدنيا مغنما فقد نلنا منها حظا، وإن تكن شرا فحسب آل أبي سفيان ما أصابوا منها. فقال له مروان بن الحكم: سنها فينا سيرة عمرية قال: ما كنت أتقلدكم حيا وميتا. ولما حضرته الوفاة بعد خلافته بأربعة أشهر وقيل أقل من ذلك، وله عشرون سنة وقيل إحدى وعشرون سنة، لم يرض أن يعهد بالأمر من بعده. وقال: أتفوز بنو أمية بحلاوتها، وأبوء بوزرها وأمنعها أهلها، كلا إني لبريء منها. قال المسعودي: إنه أراد أن يجعلها إلى نفر من أهل الشورى ينصبون من يرونه أهلا لها. وقيل: إن معاوية بن يزيد كان قدريا، لأن عمر المقصوص كان علمه ذلك، فدان به وتحققه، فلما بايعه الناس قال للمقصوص: ما ترى؟ قال: إما أن تعتدل أو تعتزل. فخطب الناس يستعفي من بيعتهم، فوثب بنو أمية على عمر المقصوص وقالوا: أنت أفسدته وعلمته فطمروه ودفنوه حيا. ويقول الطبري: وكان معاوية بن يزيد بن معاوية فيما بلغني أمر بعد ولايته فنودي الصلاة جامعة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإني قد نظرت في أمركم فضعفت عنه، فابتغيت لكم رجلا مثل عمر بن الخطاب رحمة الله عليه حين فزع إليه أبو بكر فلم أجده، فابتغيت لكم ستة في الشورى مثل ستة عمر فلم أجدها، فأنتم أولى بأمركم فاختاروا له من أحببتم. ثم دخل منزله ولم يخرج إلى الناس وتغيب حتى مات. فقال بعض الناس: دس إليه فسقي سماً وقال بعضهم: طعن.
قيام ابن الزبير وخلافة مروان بن الحكم ووقعة مرج
راهط:
وكان عبد الله بن الزبير قد تغلب على مكة وتسمى بأمير المؤمنين ومال إليه أكثر النواحي. ابتدأ أمره في أيام يزيد بن معاوية فلما توفي يزيد مال الناس إلى ابن الزبير. وكان بفلسطين ناتل بن قيس الجذامي، وبدمشق الضحاك بن قيس الفهري، وبحمص النعمان بن بشير الأنصاري،
стр. 115
وبقنسرين والعواصم زفر بن الحارث الكلابي، وثب على سعيد بن بدل الكلبي وأخرجه منها، ولم تبق ناحية إلا مالت إلى ابن الزبير خلا الأردن ورئيسها يومئذ حسان بن بحدل الكلبي بمعنى أن الناس افترقوا ثلاثا: فرقة بحدلية وهو اسم لبني حرب، وفرقة زبيرية، وفرقة لا يبالون لمن كان الأمر.
وقدم مروان بن الحكم، وأمر الشام مضطرب ومعظم أجنادها مبايعة لابن الزبير، فدعا مروان إلى نفسه وهو من أعظم رجال أمية عقلا ودهاء وسياسة وحنكة. واجتمع الناس بالجابية من أرض حوران فتناظروا في ابن الزبير وفيما تقدم من بني أمية عندهم، وتناظروا في خالد بن يزيد بن معاوية، وفي عمرو بن سعيد بن العاص بعده، فكان روح ابن زنباع الجذامي يميل مع مروان فقام خطيبا فقال: يا أهل الشام هذا مروان بن الحكم شيخ قريش، والمطالب بدم عثمان، والمقاتل لعلي بن أبي طالب يوم الجمل ويوم صفين، فبايعوا الكبير واستنيبوا للصغير. فلما عقدوا البيعة جمعوا من كان في ناحيتهم، ثم تناظروا في أي بلد يقصدون فقال: نقصد دمشق فإنها دار الملك ومنزل الخلفاء، وقد تغلب بها الضحاك بن قيس فلقوا الضحاك بمرج راهط، وكان مع الضحاك من أهل دمشق وفتيتهم جماعة، وقد أمده النعمان بن بشير عامل حمص بشرحبيل بن ذي الكلاع في أهل حمص، وأمده زفر بن الحارث الكلابي بقيس بن طريف بجيش من شمالي الشام، فكان في ثلاثين ألفا، ومروان في ثلاثة عشر ألفا أكثرهم رجالة، والتقوا بمرج راهط فاقتتلوا قتالا شديدا ودام القتال عشرين يوما فقتل الضحاك بن قيس وخلق من
أصحابه، وهرب من بقي من جيشه. وبلغ الخبر النعمان بن بشير وهو بحمص فخرج هاربا، فتبعه قوم من حمير وباهلة، وقيل من أهل حمص فقتلوه في البرية، وكان من أخطب أهل الدنيا، وهرب زفر بن الحارث الكلابي والخيل تتبعه حتى أتى قرقيسيا على الخابور.
وأقام مروان بن الحكم بالشام في أيام ابن الزبير واجتمعت إليه بنو أمية بعد وقعة مرج راهط التي انقسمت بها الشام فرقتين قيسية ويمانية،
стр. 116
وغلب اليمانية وكان بنو أمية يبغضون اليمانية. قال المسعودي: وكانت هذه الوقعة سبب رد ملك بني أمية، وقد كان زال عنهم إلى بني أسد ابن عبد العزَّى، ولذلك رأى قوم أن مروان أول من أخذ الخلافة بالسيف. وهذه الوقعة من الوقائع المشهورة التي تفتخر بها اليمانية على النزارية، وقد أكثرت شعراؤها الافتخار بذلك. ولما بويع لمروان بن الحكم اشترط حسان بن مالك، وكان رئيس قحطان وسيدها بالشام، على مروان ما كان لهم من الشروط على معاوية وابنه يزيد وابنه معاوية بن يزيد، منها أن يفرض لهم لألفي رجل، ألفين ألفين، وإن مات قام ابنه أو ابن عمه مكانه، وعلى أن يكون لهم الأمر والنهي وصدر المجلس، وكل ما كان من حل وعقد فعن رأي منهم ومشورة، فرضي مروان بذلك وانقاد إليه. وكان هذا أول قانون عربي وضع للتشريفات بروتوكول وضع أساسه القحطانية، وكانوا اصطلحوا على ذلك منذ عهد معاوية، أرضاهم بهذا التصدر فدخل مصطلحهم في طور الدساتير المعمول بها.
ولم يلبث مروان أن وجه جيشاً إلى الحجاز لمحاربة ابن الزبير ثم خرج يريد مصر، فلما سار إلى فلسطين وجد ناتل بن قيس متغلباً على البلد فحاربه، فهرب ولحق بابن الزبير، وسار مروان إلى مصر فصالحه أهلها. وأرسل عبيد الله بن زياد إلى العراق لقتال الشيعة، ولما صار مروان إلى الصِّنَبْرَة من أرض الأردن
منصرفاً من مصر بلغه أن حسان بن بحدل قد بايع عمرو بن سعيد بن العاص، فأحضره فأنكر وبايع لعبد الملك، ثم بعده لعبد العزيز بن مروان، وكانت ولاية مروان تسعة أشهر وقيل ثمانية وقيل ستة. وبايع أهل الشام بعده لابنه عبد الملك وكان مروان أول من أخذ الخلافة بالسيف كرهاً، على ما قيل بغير رضى من عصبة من الناس، بل كل خوّفه إلا عدد يسير حملوه على وثوبه عليها، وقد كان غيره ممن سلف أخذها بعدد وأعوان. لا جرم أن مروان سيد بني عبد مناف في عصره كان من الرجال العظام وكان مولعاً بالشورى في إمارته المدينة وكان يجمع في ولايته عليها أصحاب رسول الله يستشيرهم ويعمل بما يجمعون له عليه، ومثل هذا الرجل بطول تجربته وحنكته
стр. 117
وأخذه بالآراء السديدة ينجح ولا شك في عمله، فهو مفخرة من مفاخر الأمويين وبنو أمية مدينة بالخلافة له.
خلافة عبد الملك بن مروان:
كان عبد الملك بن مروان بعد مهلك أبيه بعيداً عن دمشق فأقبل مسرعاً خوفاً من وثوب عمرو بن سعيد، وكان عمرو بن سعيد من أحب الناس إلى أهل الشام يسمعون له ويطيعون. واجتمع الناس على عبد الملك فقال لهم: إني أخاف أن يكون في أنفسكم مني شيء فقام جماعة من شيعة مروان فقالوا: والله لتقومنَّ إلى المنبر أو لنضربن عنقك، فصعد المنبر وبايعوه.
وتفرغ عبد الملك لاستصفاء العراق من شيعة علي فاستخلصها منهم بعد أن قتل من الطرفين جمهور كبير، وقتل أشراف أهل الشام وكان جيشهم ثلاثين ألفاً. وذكر اليعقوبي وأكد روايته غير واحد من المؤرخين أن عبد الملك منع أهل الشام من الحج وذلك أن ابن الزبير كان يأخذهم إذا حجوا بالبيعة ووجه وجوه الناس إلى مسجد بيت المقدس فبنى على الصخرة قبة وعلق عليها ستور الديباج وأقام لها سَدَنة وأخذ الناس بالطواف حولها كما تطوف حول الكعبة. قلنا: وكذلك فعل بنو
أمية في الأندلس في الغرب، فإنهم منعوا الناس عن الحج مدة ملكهم أوائل عهد بني العباس مخافة أن يأخذهم العباسيون بالبيعة لهم.
ومن الأحداث في أيام عبد الملك تجهيز يوحنا أمير جبل لبنان اثني عشر ألف فارس وذهابه إلى البقاع ونزوله في قب الياس، وغزوة الجبل الشرقي وشنه الغارات على الحجاج حتى ضاقت به الرعية وقطعت الطرق وخربت المسالك. وكان أمير لبنان مرتبطاً مع صاحب الروم بعهود فسار قائد جيوشهم لاون سنة ٦٥ وضم إليه عساكر الجبل. وغزا أرض العرب واسترد منهم ما كانوا أخذوه، فاضطر عبد الملك بن مروان إلى تجديد الهدنة مع ملك الروم على أن يدفع له كل يوم ألف دينار وفرساً ومملوكاً
стр. 118
ويقاسمه على خراج قبرس وأرمينية على شرط أن يخرج اللبنانيين من جبلهم، فأجابه ملك الروم إلى ذلك.
الجراجمة والمردة في جبل لبنان:
ويؤخذ مما قاله ابن عساكر أن طاغية الروم لما رأى ما صنع الله للمسلمين من منعه مدائن الساحل، كاتب أنباط جبل لبنان واللكام فخرج الجراجمة وعسكروا بالجبل، ووجه ملك الروم قلقط البطريق في جماعة من الروم في البحر فسار بهم حتى أرسى بهم بوجه الحجر وخرج بمن معه حتى علا بهم على جبل لبنان، وبث قواده في أقصى الجبل حتى بلغ إنطاكية وغيرها من الجبل الأسود، فأعظم ذلك المسلمون بالساحل حتى لم يكن أحد يخرج في ناحية من رجال ولا غيرها إلا بالسلاح، فغلبت الجراجمة على الجبال كلها من لبنان وسنير وجبل الثلج وجبال الجولان، فكانت بالسبل مسلحة لنا، وفي الرقاد وعقربا الجولان مسلحة، حتى جعلوا ينادون عبد الملك بن مروان من جبل دير مران من الليل، وبعث إليهم عبد الملك بالأموال ليكفوا حتى يفرغ إليهم، وكان مشغولاً بقتال أهل العراق ومصعب بن الزبير وغيره. قال: ثم كتب عبد الملك إلى سحيم بن المهاجر في مدينة
طرابلس وكان أميرها يتواعده ويأمره بالخروج إليهم، فلم يزل سحيم ينتظر الفرصة منهم ويسأل عن أخبارهم وأمورهم حتى بلغه أن قلقط في جماعة من أصحابه، وتهيأ بهيئة الروم في لباسه وهيئته وشعره وسلاحه، متشبهاً ببطريق من بطارقة الروم قد بعثه ملك الروم إلى جبل اللكام في جماعة من الروم فغلب على ما هنالك، فلما دنا من القرية خلَّف أصحابه فقال: انتظروني إلى مطلع كوكب الصبح فدخل على قلقط وأصحابه وهم في كنيسة يأكلون ويشربون، فمضى إلى مقدم الكنيسة فصنع ما يصنعه النصارى من الصلاة والقول عند دخولهم كنائسها، ثم جلس إلى قلقط فقال له: من أنت فانتمى إلى الرجل الذي يشبه به فصدقه، وقال له: إنما جئتك لما بلغني عن جهاد سحيم وما اجتمع عنده من العساكر للخروج إليك، فأتيت لأخبرك به وأكفيك أمره، إياك أن
стр. 119
تتناول من طعامهم. ثم قال لقلقط وأصحابه: إنكم لم تأتوا هنا للطعام والشراب، ثم قال لقلقط: ابعث معي عشرة من هؤلاء من أهل النجدة والبأس حتى نحرسك الليلة، فإني كئيب أن تأتيك بلية، فبعث معه عشرة وأمرهم بطاعته، فخرج بهم إلى أقصى القرية وقام بهم على الطريق الذي يتخوفون أن يُدخل عليهم منه، فأقام حارساً منهم وأمر أصحابه فنانوا، فأمر الحارس إذا هو أراد النوم أن يوقظ حارساً منهم وينام هو، فحرس الأول ثم أقام الثاني ثم قام سحيم ثم قال: أنا أحرس فنم فلما ثقل نومهم قتلهم بذبابة سيفه رجلاً بعد رجل، فاضطرب التاسع، فأصاب العاشر برجله، فوثب إلى سحيم فأخذه وصرعه الرومي وجلس على صدره وأخرج سحيم سكيناً ومقلها في نحره فقتله، ثم أتى الكنيسة فقتل قلقط وأصحابه رجلاً بعد رجل، ثم خرج إلى أصحابه العشرين فجاء بهم وأراهم قتله وقتل الحرس وقلقط ومن في الكنيسة ووضعوا سيوفهم فيمن بقي فنذر بهم من بقي منهم، وخرجوا هراباً حتى أتوا سفنهم بوجه الحجر فركبوها، ولحقوا بأرض الروم ورجع أنباط جبل لبنان إلى
قراهم.
ورواية البلاذري في هذه الوقعة هكذا: وأقبل طاغية الروم يريد الشام وخرج أيضاً قائد قواد الضواحي في جبل اللكام فاتبعه خلق من الجراجمة والأنباط وأبّاق عبيد المسلمين وغيرهم، ثم صار إلى لبنان فأقبل عبد الملك مغذاً للسير حين أتاه كتاب ابن أم الحكم بذلك، فلما ورد دمشق وجه حميد بن خريث بن بحدل الكلبي بهدايا وألطاف إلى طاغية الروم وكتب إليه معه يسأله الموادعة على إتاوة وأعطاه إياها كما فعل معاوية حين أراد، إتيان العراق فقبل الطاغية الهدايا وما بذل له عبد الملك من الإتاوة وأعطاه رُهناء من أبناء الروم وصيرهم ببعبلك، ووادع عبد الملك الذين خرجوا بلبنان وجعل لهم في كل جمعة ألف دينار فركنوا إلى ذلك ولم يعيثوا بفساد، ثم دس إليهم سُحيم بن المهاجر فتلطف حتى وصل إلى رئيسهم متنكراً فأظهر ممالأته وتقرَّب إليه بذم عبد الملك وشتمه ووعده أن يدله على عوراته وما هو خير له من الصلح الذي بذل له، ثم عطف عليه وهو وأصحابه غارون غافلون بجيش من موالي عبد الملك وبني أمية وجند من
стр. 120
ثقات جنده وكماتهم كان أعدهم لمحاربته وأكمنهم في مكان بالقرب منه خفيّ فقتل أولئك الروم وبشراً من الجراجمة وغيرهم ثم أذن بالأمان فيمن بقي من الجراجمة ومن سواهم فتفرقوا في قراهم ومواضعهم، فلما أصلح عبد الملك أموره استخلف ابنه الوليد على دمشق ومعه سعيد بن مالك بن بحدل. قال: وأمر عبد الملك فنادى من أتانا من العبيد يعني الذين كانوا مع أولئك القوم فهو حر وله أن أثبته في الديوان، فانفض إليه خلق منهم كانوا ممن قاتل مع سحيم وقد وفى لهم وجعل لهم رَبْعاً على حدة فهم يسمون الفتيان إلى الآن.
ولما كانت سنة ٨٩ اجتمع الجراجمة إلى مدينتهم وأتاهم قوم من الروم من قبل الإسكندرونة ومرسين، فوجه الوليد بن عبد الملك إليهم مسلمة ابن عبد الملك فأناخ
عليهم في خلق فافتتحها، على أن ينزلوا بحيث أحبوا من الشام، ويجري على كل امريء منهم ثمانية دنانير وعلى عيالاتهم القوت من القمح والزيت وهو مدان من قمح، وقسطان من زيت، وعلى أن لا يكرهوا ولا أحد من أولادهم ونسائهم على ترك النصرانية، وعلى أن يلبسوا لباس المسلمين ولا يؤخذ منهم ولا من أولادهم ونسائهم جزية، وعلى أن يغزوا مع المسلمين فينفلوا أسلاب من يقتلونه مبارزة، وعلى أن يؤخذ من تجاراتهم وأموال موسريهم ما يؤخذ من أموال المسلمين، فأخرب مدينتهم وأنزلهم فأسكنهم جبل الحُوّار وسنح اللولون؟ وعمق تيزين وصار بعضهم إلى حمص ونزل بعضهم بطريق الجرجومة في جماعة معه من إنطاكية ثم هرب إلى الروم. قال ياقوت: واستعان المسلمون بالجراجمة في مواطن كثيرة في أيام بني أمية وبني العباس وأجروا عليهم الجرايات وعرفوا منهم المناصحة.
قتل ابن الزبير في مكة بعد أن كانت خلافته تسع سنين والفتنة بينه وبين عبد الملك سبع سنين، فبويع لعبد الملك بالحجاز واليمن وصفا له ملك مصر والشام والحجاز والعراق واليمن وغيرها. وفي سنة ٧٥ وصل موريق وموريقان من قواد الروم إلى الشام وحملا بجيوشهما على دير القديس مارون في جهات حماة وقتلا منه خمسمائة راهب وهدما بنيانه، ثم تحولا
стр. 121
من هناك إلى قنسرين والعواصم فقتلا الأهلين ونهبا وخربا المساكن ولم يعفيا أحداً من أتباع بطريرك الموارنة، ثم انتهى جيشهما إلى طرابلس فخضع لهم أهل الكورة، ثم قوي الجبليون على عسكر الروم ثم قتلوا أكثرهم وانهزم الباقون. دعا الروم إلى قتال الموارنة لقولهم بالطبيعتين والمشيئتين ثم وفد وفد منهم مع لاون القائد يبيح أن يحارب الجيش الموجه عليهم، فلما عرف الجبليون وأهل العواصم بهذا انهالوا على الأروام من أعالي الجبل فقاتلوهم حتى قتلوا أكثرهم وانهزم الباقون. قال الدويهي: وبسبب هذه
الحملة على يوحنا مارون ولا سيما بسبب الوقعة التي جرت بين أهل الكورة وجبة بشري كان بدء التفرقة بين الموارنة والملكية. لأن الذين اتبعوا جيش الروم وانقادوا لرأيهم سموا ملكية تبعاً للملك، والذين ثبتوا في الأمانة تحت طاعة البطريرك يوحنا مارون سموا موارنة.
وقال ابن القلاعي: إن الموارنة في دخول المسلمين إلى الشام كانوا يسكنون جبل لبنان، ويتولون الجبال والسواحل التي تجاورهم، وبلادهم من حدود الشوف إلى بلاد الدريب، وأميرهم يسكن قرية بسكنتا نزل إلى البقاع في رجاله ونهبها وقتل كثيرين ولبث أياماً في قب الياس، فلما انتهى خبره إلى عبد الملك بن مروان أرسل اليه هدية ولم يزل يمكر به حتى قتله وقتل كثيرين من عسكره، وأحرق القرى وأبعد الموارنة من البقاع، ولم تزل الحروب منذ ذلك الحين ثائرة بين المسلمين والموارنة إلى نحو ثلاثين سنة ثم ابتنى الموارنة حصناً فوق نهر الكلب جرت عنده موقعة هائلة.
عهد الوليد:
توفي عبد الملك في سنة ٨٦ بعد أن ولي الخلافة منذ قتل ابن الزبير ثلاث عشرة سنة وأربعة أشهر، وكان من الحزم وسعة الصدر وجمال العلم والأدب على جانب عظيم، ويعد من فقهاء المدينة وهو أول من حولت الدواوين في أيامه إلى العربية، وفي عهده نقشت الدنانير والدراهم بالعربية ٧٦ وكان قبل ذلك نقش الدنانير بالرومية ونقش الدراهم
стр. 122
بالفارسية، وهو أول من نهى عن الكلام بحضرة الخلفاء، وكان الناس قبل ذلك يراجعون ويعترضون عليهم.
وبويع للوليد بن عبد الملك. وكانت أيامه من أبرك أيام بني أمية عمّر الجوامع العظام، وكتب إلى الأمصار بهدم المساجد والزيادة فيها، وبث في الأمة روح العمران، فكان الناس إذا التقوا في زمانه، يسأل بعضهم بعضاً عن الأبنية
والعمارات في كل مكان، وكان أول من عمل أعمالاً جسيمة ابتدعها في الصدقات والقربات، هذا مع أن الخراج انكسر في أيامه فلم يحمل كثير شيء من العراق وغيره، فاضطر إلى إحصاء أهل الديوان، وألقى منهم بشراً كثيراً بلغت عدتهم عشرين ألفاً، وأجرى الوليد على زمني أهل الشام كالمجذّمين والعميان وكساهم وأمر لكل منهم بخادم، وأخرج لعيالات الناس الطيب والكسوة، وزاد الناس جميعاً في العطاء عشرة عشرة، ثم زاد أهل الشام بعد زيادة العشرات عشرة عشرة لأهل الشام خاصة، وزاد من وفد إليه من أهل بيته في جوائزهم الضعف، وكان وهو ولسّ عهد، يطعم من وفد إليه من أهل الصائفة قافلاً، ويطعم من صدر عن الحج بمنزل زيزاء في البلقاء ثلاثة أيام، ويعلف دوابهم، ولم يقل في شيء يسأله: لا. فقيل له: إن في قولك أنظر عدة ما، يقيم عليها الطالب فقال: لا أعوّد لساني شيئاً لم أعتده وقال:
ضمنت لكم إن لم تعقني عوائق ... بأن سماء الضر عنكم ستقلع
سيوشك إلحاق معاً وزيادة ... وأعطية مني عليكم تَبرّع
محرّمكم ديوانكم وعطاؤكم ... به يكتب الكتاب شهراً وتطبع
وقد بلغ بنو أمية في عهد الوليد أقصى درجات عزهم، واعتز بحكمه الإسلام والمسلمون، وفتحت الفتوح العظام وتغلغلت جيوشه في أرض الترك والروم والهند، وفتحت الأندلس وجاء فاتحها موسى بن نصير إلى دمشق يضع بين يدي الخليفة الأموال والجواهر، ويعرض أبناء ملوك البربر والجزائر والروم والأسبان والإفرنج يلبسون تيجانهم، ويقف أبناء ملوك أوروبا في باب الخليفة الأموي بحالة الأسر. وبعث الوليد أخاه مسلمة
стр. 123
لغزو الروم فقتل منهم أربعين ألف رجل، وغزا قلقية وفتح فيها حصوناً كثيرة بالأمان، وحمل أهلها إلى الشام وفتح أمسية وحصوناً كثيرة.
سليمان بن عبد الملك:
توفي الوليد سنة ٩٦ فبويع أخوه سليمان بن عبد الملك سابعهم، وكان حسن السيرة فصيحاً مفوّهاً، أتته بيعة الأجناد وهو بالبلقاء فأتى القدس وأتته الوفود بالبيعة، فلم ير الناس وفادة أحسن منها، جلس في قبة صحن المسجد، وقد بسطت البسط لديه والنمارق عليها والكراسي، فجلس وأذن للناس أن يجلسوا على الكراسي والوسائد، والى جانبه الأموال والكساوي وآنية الذهب والفضة والدواوين، فيدخل وفد الجند ويتقدم صاحبهم فيتكلم عنهم وعمن قدموا من عنده ويقول: إن من جندنا كذا ومن حاجتهم كذا وكذا ومما يصلحهم كذا، فيأمر سليمان بذلك كله.
ردّ المظالم وعزل عمال الحجاج، وأخرج من كان في سجن العراق، وأعتق سبعين ألف مملوك ومملوكة وكساهم، وكانت أيامه ذات فتوح متوالية، جاء الخبر إلى سليمان بن عبد الملك أن الروم خرجت على ساحل حمص، فسبت امرأة وجماعة، فغضب سليمان وقال: والله لأغزونهم غزوة افتتح بها القسطنطينية أو أموت دون ذلك، فأغزى جماعة أهل الشام والجزيرة والموصل في البر في نحو مائة وعشرين ألفاً، وأغزى أهل مصر وإفريقية في البحر في ألف مركب، وعلى جماعة الناس مسلمة بن عبد الملك، وأغزى داود بن سليمان في جماعة من أهل بيته، وقدم سليمان من القدس إلى دمشق، ومضى حتى نزل مرج دابق فأمضى البعث وأقام بالمرج. واتخذ ابن عمه عمر بن عبد العزيز وزيراً وأوصى له سليمان بالخلافة، فسمي سليمان مفتاح الخير لاستخلافه عمر بن عبد العزيز.
عهد عمر بن عبد العزيز وسيرته:
لما تولى الخلافة عمر بن عبد العزيز أوائل سنة تسع وتسعين أبطل سب علي ﵁ على المنابر، وكان من العادة سبه عقيب كل خطبة
стр. 124
منذ عهد
معاوية بن أبي سفيان الذي قدم الخطبة على صلاة الجمعة، لأن الناس كانوا يكرهون سماع اللعن، فكانوا إذا أدوا الصلاة خرجوا من المسجد. أراد معاوية من ذلك كما قال ابن أبي الحديد: تشييد الملك وتأكيد ما فعله الأسلاف، وأن يقرر في أنفس الناس أن بني هاشم لاحظ لهم في هذا الأمر، وأن سيدهم الذي به يصولون، وبفخره يفخرون، هذا حاله وهذا مقداره، فيكون من ينتمي إليه ويدلي به عن الأمر أبعد، وعن الوصول إليه أشحط وأنزح. على أن الطالبين كانوا يقنتون عقيب كل صلاة ويلعنون أيضاً بني أمية.
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى نوابه بإبطال السب وكانوا يقولون: لعن الله أبا تراب. ولما خطب يوم الجمعة، أبدل السب في الخطبة بقوله تعالى: (ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم). وقيل: بل جعل مكان ذلك قوله تعالى: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون). فاستمر الخطباء على قراءتها إلى هذا اليوم، وشكر سعيه كل عاقل. وردّ عمر بن عبد العزيز المظالم، وسار سيرة عمر بن الخطاب جده لأمه، واستعمل أصلح من قدر عليه، فسلك عماله طريقته، واستدعى الجيش الإسلامي من حصار القسطنطينية ساعة ولي الخلافة حقناً لدماء المسلمين، وكان قد بلغ منهم الجهد، ولم يغفل مع ذلك عن غزو الروم عند الاقتضاء الشديد. ولو طال أجله لأجلي المسلمين عن الأندلس لأنه رأى مقامهم فيها غير طبيعي لإحاطة الأعداء بهم، وردّ جيوش المسلمين من الشرق ومنعهم من التوغل فيه قائلاً: يكفي ما فتح الله على المسلمين من الفتوح.
ويرجع الفضل في العهد لعمر بن عبد العزيز إلى سليمان بن عبد الملك الذي عرف بحكمته أن ابن عبد العزيز أعدل رجل وأعقل رجل في بني أمية، فعهد إليه
بالخلافة فأحسن للأمة وأي إحسان، وحنق عليه بعض المتلاعبين من أهل بيته فسقوه السم فيما قيل فهلك سنة ١٠١، وخلافته
стр. 125
سنتان وخمسة اشهر. وكانت سيرة عمر بن عبد العزيز مضرب الأمثال في القاصية والدانية، وقدوة السلف للخلف في كل عصر ومصر. قال عمرو ابن ميمون: كانت العلماء مع عمر بن عبد العزيز تلامذة.
بعث عمر بن عبد العزيز وفداً إلى ملك الروم في أمر من مصالح المسلمين وحق يدعوه إليه، فلما دخلوا إذا ترجمان يفسر عليه، وهو جالس على سرير ملكه والتاج على رأسه، والبطارقة عن يمينه وشماله، والناس على مراتبهم بين يديه، فأدى إليه ما قصدوا له فتلقاهم بجميل وأجابهم بأحسن جواب وانصرفوا عنه في ذلك اليوم، فلما كان في غداة غدٍ أتاهم رسوله فدخلوا عليه، فإذا هو قد نزل عن سريره ووضع التاج على رأسه، وقد تغيرت صفاته التي شاهدوه عليها كأنه في مصيبة فقال: هل تريدون لماذا دعوتكم؟ قالوا لا: قال: إن صاحب مسلحتي التي تلي العرب جاءني كتابه في هذا الوقت أن ملك العرب الرجل الصالح قد مات، فما ملكوا أنفسهم أن بكوا فقال: لا تبكوا له وابكوا لأنفسكم ما بدا لكم. فإنه قد خرج إلى خير مما خلف. قد كان يخاف أن يدع طاعة الله فلم يكن الله ليجمع عليه مخافة الدنيا والآخرة لقد بلغني من بره وفضله وصدقته ما لو كان أحد بعد عيسى يحيي الموتى لظننت أنه يحيي الموتى، ولقد كانت تأتيني أخباره باطنا وظاهرا فلا أجد أمره مع ربه إلا واحدا، بل باطنه أشد حين خلوته بطاعة مولاه. ولم أعجب لهذا الراهب الذي قد ترك الدنيا وعبد ربه على رأس صومعة، ولكني عجبت لهذا الراهب الذي صارت الدنيا تحت قدمه فزهد فيها حتى صار مثل الراهب، إن أهل الخير لا يبقون مع أهل الشر إلا قليلا.
يزيد بن عبد الملك وهشام والوليد بن يزيد:
تولى الخلافة يزيد بن عبد الملك تاسع الأمويين، وقد لقب الوليد وسليمان ويزيد وهشام أبناء عبد الملك بالأكبش الأربعة، ولم يل الخلافة من بني أمية ولا من غيرهم أربعة اخوة إلا هؤلاء. فعزل يزيد عمال عمر بن عبد العزيز جميعا وأعاد سب علي على المنابر، ودام ذلك إلى
стр. 126
انقضاء أمر بني مروان، يربو عليها الصغير ويهرم الكبير. ولم يكن يزيد بن عبد الملك بالخليفة الذي تحمد سيرته كثيرا، وتوفي بعد أن تولى الخلافة أربع سنين وشهرا وعهد بها إلى أخيه هشام وهو عاشرهم، وكان هشام يحب جمع المال وعمارة الأرض واصطناع الرجال وتقوية الثغور وإقامة البرك والقني في طريق مكة وغير ذلك. وكان لا يدخل بيت ماله مال حتى يشهد أربعون قسامة لقد أخذ من حقه وأعطي لكل ذي حق حقه. وظهر في أيامه بخراسان سليمان بن كثير الخزاعي وأصحابه يدعون إلى بني هاشم سنة ١١١ فانتشرت دعوتهم وكثر من يجيبهم، وأرادوا خلع بني أمية وبيعة بني هاشم، فقاتلهم وقاتل الخوارج على ملكه في أقطار أخرى، وكان قد بلغ ملك بني أمية فارس والسند وشمالي إفريقية والأندلس.
وغزا هشام وهو من أحزم بني أمية الروم مرات وأسر قسطنطين ملكهم وحارب الترك كما حاربهم من قبله من الخلفاء وتوفي سنة ١٢٥ فبويع بعده للوليد بن يزيد فاضطربت المملكة في عهده، لأنه كان مهملا قليل العناية بأطرافه وقيل: إنه كان صاحب ملاهٍ وضم ذلك إلى ما ارتكبه من إغضاب أكابر أهله والإساءة إليهم وتنفيرهم فاجتمعوا عليه مع أعيان رعيته وهجموا عليه وقتلوه بعد سنة وخمسة أشهر من ولايته وكانت تتابعت منه فعال أنكرها الناس عليه فدب يزيد بن الوليد في الدعاء إلى خلعه فأجابته اليمن بأسرها وعاضدوه ووثبوا معه على عامل الوليد بدمشق فأجابوه وبايعوا يزيد ثم ساروا إلى الوليد فقتلوه.
وكان اجتمع من بأقطار الشام من اليمانية فخرج إليهم الوليد بمضر واقتتلوا،
وأثخنت اليمانية القتل في مضر فانهزمت مضر وأخذوا نحو دمشق، ودخل الوليد قصره فتحصن فيه فبايعوا يزيد بن الوليد وبايعه أشراف المضريين طوعا وكرها وخلعوا الوليد بن يزيد فلبث مخلوعا أياما كثيرة وهو خليع بني أمية ثم قتلوه.
وفي سنة ١٢٦ اضطرب أمر بني أمية وهاجت الفتنة، فكان من ذلك وثوب سليمان بن هشام بن عبد الملك بعد قتل الوليد بعمان، وكان قد حبسه الوليد بها، فخرج من الحبس وأخذ ما كان بها من الأموال وأقبل
стр. 127
إلى دمشق. وفي هذه السنة أمر الوليد بن يزيد على جيوش البحر، الأسود بن بلال المحاذي وسيره إلى قبرس ليخير أهلها بين المسير إلى الشام أو إلى الروم، فاختارت طائفة جوار المسلمين فسيرهم إلى الشام، واختار آخرون الروم فسيرهم إليهم وأسكنهم الماحوز على ساحل البحر بين صور وصيدا.
يزيد بن الوليد:
وكان من أمر يزيد بن الوليد وهو ثاني عشر خلفائهم أن نقص الناس من عطائهم فسمي يزيد الناقص، وكان الخليفة من بني أمية إذا مات وقام آخر زاد في أرزاقهم وعطاياهم عشرة دراهم فيقولون: عير بعير وزيادة عشرة.
اضطربت البلدان على يزيد ولما قتل خرج أهل حمص وأغلقوا أبواب المدينة وأقاموا النوائح والبواكي عليه وطالبوا بدمه، وقتلوا مروان بن عبد الله بن عبد الملك وكان عامل الوليد على حمص وهو من سادة بني مروان نبلا وكرما وعقلا وجمالا، ولما أجمع الحمصيون على محاربة يزيد بدمشق جهز جيشا قاتلهم قريبا من ثَنِيَّة العقاب فانهزم الحمصيون واستولى على المدينة وأخذ البيعة عليهم. قال الدينوري معللاً سر قيام الحمصيين: إن المضرية تلاومت فيما كان من غلبة اليمانية عليها، وقتلهم الخليفة الوليد بن يزيد فدب بعضهم إلى بعض، واجتمعوا من أقطار الأرض، وساروا حتى وافوا مدينة حمص وبها مروان بن محمد بن مروان
ابن الحكم وكان يومئذ شيخ بني أمية وكبيرهم وكان ذا أدب كامل، ورأي فاضل، فاستخرجوه من داره وبايعوه وقالوا له: أنت شيخ
стр. 128
قومك وسيدهم فاطلب بثأر ابن عمك الوليد بن يزيد. فاستعد مروان بجنوده في تميم وقيس وكنانة وسائر قبائل مضر وسار نحو مدينة دمشق.
ولما بويع يزيد بن الوليد خطب وذكر الوليد بن يزيد فقال على رواية ابن الطقطقي: إن سيرته كانت وكان خبيثة منتهكا لحرمات الله فقتلته ثم قال: أيها الناس إن لكم علي أن لا أضع حجرا فوق حجر، ولا لبنة على لبنة، ولا أكري نهرا، ولا أكنز مالا، ولا أنقل مالا من بلد إلى بلد حتى أسد ثغره، وخصاصة أهله بما يغنيهم، فما فضل منه نقلته إلى البلد الآخر الذي يليه، ولا أغلق بابي دونكم، ولكم أعطياتكم في كل سنة، وأرزاقكم كل شهر، حتى يكون أقصاكم كأدناكم، فإن وفيت لكم ما قلت فعليكم بالسمع والطاعة وحسن المؤازرة، وإن لم أف فلكم أن تخلعوني، إلا أن أتوب، وإن كنتم تعلمون أن أحدا ممن يعرف بالصلاح يعطيكم من نفسه ما قد بذلت لكم، وأردتم أن تبايعوه، فأنا أول من يبايعه معكم، إنه لا طاعة لمخلوق، في معصية الخالق.
وخرج على يزيد بن الوليد بشر بن الوليد بقنسرين وعمر بن الوليد ويزيد بن سليمان بفلسطين، ووجه إلى الأردن أخاه إبراهيم ولي عهده، وقد أمروا عليهم محمد بن عبد الملك فاستمال الثائرين بالمال فتفرقوا، وكانت ولايته خمسة أشهر والفتنة في جميع الملكة عامة، وقتل أهل حمص عاملهم عبد الله بن شجرة الكندي وكانوا انتخبوه واليا على جندهم، ولما توفي يزيد بن الوليد ملك إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك فامتنع أهل حمص من البيعة فجاءهم الجند من دمشق وحاصرهم.
مروان بن محمد:
وقدم مروان بن محمد بن مروان من أرمينية خالعا ليزيد بن الوليد، فلما صار
بحران دعا إلى نفسه فبايع له أهل الجزيرة سراً، وأقبل في جموع من أهل الجزيرة، فلقي بشرا ومسرورا ابني الوليد بن عبد الملك معسكرين بحلب فهزم عسكريهما وأسرهما، ثم مضى حتى أتى حمص، وبلغ إبراهيم الخبر فوجه إليه سليمان بن هشام، وكان سليمان في مائة وعشرين ألفا،
стр. 129
فلقي مروان وكان في ثمانين ألفا ومن معه من أهل الجزيرة وقنسرين وحمص فالتقوا بعين الجر فتناوشوا القتال ١٢٧ وانصرف بعضهم عن بعض، فلما كان من الغد انهزم سليمان بن هشام وأصحابه فلحقوا بإبراهيم وأقبل مروان فبايع له أهل دمشق ودخلها فخلع إبراهيم نفسه وبايع لمروان. وقد قتل في وقائع عين جر وما تقدمها وتأخر عنها ثمانية عشر ألف مقاتل. وروى الطبري أنه لما قيل قد دخلت خيل مروان دمشق هرب إبراهيم بن الوليد وتغيب، فأنهب سليمان ما كان في بيت المال وقسمه فيمن معه من الجند، وخرج من المدينة، وثار من فيها من موالي الوليد بن يزيد إلى دار عبد العزيز بن الحجاج فقتلوه، ونبشوا قبر يزيد بن الوليد وصلبوه على باب الجابية، ودخل مروان دمشق فنزل دير العالية من ضواحيها.
ولما ملك مروان بن محمد كتب إلى عمال البلدان فأتته كتبهم بالسمع والطاعة، ولم يلبث إلا ثلاثة أشهر حتى أتاه الخبر أن أهل حمص مقيمون على المعصية، فسار إليهم فحاصرهم حتى فتح المدينة، وقاتل الثائرين وقتل خمسمائة أو ستمائة صلبوا حول مدينة حمص، وهدم من حائطها نحواً من غلوة. وثار أهل الغوطة فولوا عليهم يزيد بن خالد القسري وحصروا دمشق وأميرها زامل بن عمرو، فوجه إليهم مروان من حمص أبا الورد بن الكوثر في عشرة آلاف، فلما دنوا من المدينة خرج عليهم من فيها فانهزموا واستباح أهل مروان عسكرهم وأحرقوا المزة وقرى من اليمانية، وأخذ يزيد بن خالد فقتل، وخرج ثابت بن نعيم الجذامي بناحية الأردن فوجه إليه جيشاً، وكان مروان عند دخوله دمشق ترك لأهل كل جند من
أجناد الشام أن يختاروا عمالهم فوقع اختيارهم على هؤلاء العمال الذين ثاروا بهم بعدُ على مروان، وممن ثار سليمان بن هشام في أهل حمص وقنسرين، وقصد حمص فحصنها فبايعه أصحابه بالخلافة، وخرجوا قاصدين مروان وكمنوا له في طريقه في قرية تعرف بتل مير من عمل معرة النعمان فالتقى العسكران وقتل منهما خلق كثير فانهزم سليمان إلى حمص. فجاء مروان
стр. 130
إليها وحاصرها ثانيةً عشرة أشهر ثم صالحها وتسلمها، وكان سليمان بن هشام في سبعين ألفاً وقتل زهاء ثلاثين ألفاً.
إدبار الأمويين:
وما زالت الحال على ذلك حتى استقامت لمروان الشام كلها، ثم قوي أمر أبي مسلم الخراساني صاحب الدعوة العباسية بخراسان، ودعا علناً لبني هاشم وقتل عسكر الأمويين. ولما بايعوا بالخلافة في الكوفة لأبي العباس سراً وجه عمه عبد الله بن علي لقتال مروان، وكان مع مروان مائة ألف مقاتل ولا يكون مع عبد الله بن علي إلا الأقل من ذلك، فلقيه بالزاب قرب الموصل، فحاربه عبد الله بن علي فهزمه، ثم لم يزل في إثره وهو منهزم لا يلوي على شيء حتى أخرجه إلى الجزيرة، ثم أخرجه من الجزيرة إلى الشام، فجعل مروان لا يمرًّ بجند من أجناد الشام إلا انتهبوه، فلما اجتاز بقنسرين وحاضر حلب أوقعت تنوخ القاطنة بقنسرين بساقته ووثب أهل حمص وقالوا: مرعوب منهزم، فاتبعوه بعدما رحل عنهم فلحقوه على أميال فناشدهم فأبوا إلا مكاثرته وقتاله، فنشب القتال وأثار كمينين من خلفهم وكان قد نصبهما فهزمهم وقتلتهم خيله.
وسار مروان إلى دمشق فوثب به الحارث بن عبد الرحمن الحرشي، ثم أتى الأردن فوثب به هاشم بن عمر العنسي والَمذْحِجيون أي اليمانيون جميعاً، ثم مرَّ بفلسطين فوثب به الحكم بن ضبعان بن روح بن زنباع لما رأوا من إدبار الأمر
عنه. قال الدينوري: جعل مروان يستقري مدن الشام فيستنهضهم فيروغون عنه ويهابون الحرب فلم يسر معه منهم إلا قليل. قالوا. ولما صار مروان إلى دمشق وهو مضمر أن يتحصن بها لولا ما انتهبه أهلها ووثب عليه من بها من قيس فدخلها عبد الله بن علي العباسي عنوة، ومضى مروان إلى فلسطين هارباً حتى جاء مصر، فقاتل مروان في قرية بوصير قرب القاهرة حتى قتل وذلك في ذي الحجة ١٣٢، وبموته انقرض ملك بني أمية في المشرق وهو الرابع عشر من خلفائهم. وكان من رأيه أن
стр. 131
يقطع الدرب وينزل بعض حصون الروم ويكاتب ملكها ويجمع عليه رجاله وشيعته إلى أن يرتئي في أمره، ولكن حُمَّ القضاء ولا رادَّ لحكمه.
دولة بني مروان وحسناتها:
انقضت دولة بني مروان، وكانت دولة عربية صرفة سارت مع المدنية أشواطاً مع انشغالها بالفتح وقيام الخارجين عليها، ولم يبطلوا في كل دور غزو الروم، وكانوا على الأكثر يَسْبُون ويقتلون ويغنمون ويخربون حصونهم، والروم يغزون الشام وآسيا الصغرى وقد يصلون إلى إنطاكية ودُلوك مرعش. وكان أكثر ملوك الأمويين من الحزم والعلم وحسن السياسة والإدارة على جانب عظيم، والسواس منهم معاوية وعبد الملك وهشام، وليس كالوليد في باب الاضطلاع بإقامة المصانع، ولا مثل عمر ابن عبد العزيز في تطهير المملكة من المظالم وإحياء سنن العدل والمراحم ولا كسليمان ببعد النظر، وما منهم إلا العالم والشاعر والخطيب والسياسي، وقد فتحت عليهم الأقطار فنشروا فيها اللغة والدين على أيسر سبيل، وهذا مما لم يوفق إلى مثله غيرهم، ووضعوا أسس النظام في الممالك التي دوخوها وعرفوا ما يصلحها، وكانت إرادتهم أشبه باللامركزية في عهدنا، يبعثون بالعامل فيحل المسائل باجتهاده على رأي أهل الشرف والمكانة في القطر
الذي يتولاه، ولا يفاوض مقر الخلافة إلا في عويص الأمور، وقد نصب علم الأمويين الأبيض في المشارق والمغارب، نصب في الصين كما نصب في بواتيه في فرنسا، هذا وقد كثر المخلصون لدولتهم إلى أواخر أيامهم وقل المنتقضون عليهم المتوثبون على خلافتهم.
للدول كما للأفراد أعمار طبيعية. وملك بني أمية لم يطل أكثر من ألف شهر كاملة لأنهم ملكوا تسعين سنة وأحد عشر شهراً وثلاثة عشر يوماً، يوضع من ذلك أيام الحسن بن علي وهي خمسة أشهر وعشرة أيام، وأيام عبد الله بن الزبير إلى الوقت الذي قتل فيه وهي سبع سنين وعشرة أشهر وثلاثة أيام. فيصير الباقي بعد ذلك ثلاثاً وثمانين سنة وأربعة أشهر.
ذهب بنو أمية بالفضل في جمع الشمل، ولولا قيامهم هذا القيام
стр. 132
المحمود يحدوه الانتباه لكل ما يعلي شأن دولتهم. لما ثبتت الدولة الإسلامية هذا الثبات الذي استغرب منه الخُبر والخبر. قال المقريزي: أظهر الرسول بني أمية لجميع الناس بتوليتهم أعماله مما فتح الله عليه من البلاد، فقوي ظنهم وانبسط رجاؤهم وامتد في الولاية أملهم، وضعف أمل بني هاشم وانقبض رجاؤهم وقصر أملهم. قال: وقد ظهر لي أن ولاية رسول الله بني أمية الأعمال كانت إشارة منه إلى أن الأمر سيصير إليهم. قال: إنه ﵇ توفي وثلاثة أرباع عماله منهم.
وطد مؤسس ملك الأمويين السلطان بالشام وبجند من أهله قاتل هو وأخلافه، واشتهر جند الشام بالطاعة حتى تمنى علي بن أبي طالب لو يقايض على عشرة من جنده بواحد من جند معاوية، فقال في إحدى خطبه: لوددت والله أن معاوية صارفني بكم صرف الدينار بالدرهم، فأخذ مني عشرة منكم وأعطاني رجلاً منهم. فتحت هذه الفتوح بنفس قوية وعقول راجحة وسياسة حازمة، وقاتل زعماؤهم وأبناؤهم بل بناتهم ونساؤهم حتى فتحوا الشام. وكان من جملة توفيق معاوية أنه
عرف طبائع هذا القطر وخصائصه من أبيه وآله وكانت لهم به علائق كثيرة في الجاهلية، ثم درس أحواله بنفسه فكان يعرف قوته معرفة حقيقية، ولذلك لم ينل منه علي بن أبي طالب منالاً لأنه كان أخذ لهذا الأمر عدته وتدبره ودبّره كان يأخذ بآراء أشراف القوم والنزول على حكم وفود الأرجاء، وكانت وفودهم تشبه ما يسميه الإفرنج بمجالس الولايات. وكان لمعاوية وآل بيته مجالس يعقدونها في المسجد الجامع تدور حول سياسة الأمة في الأكثر، وخطاب الخليفة يوم الجمعة بمثابة ما نسميه في عرف سياسة اليوم خطاب العرش، ومجالسهم أشبه بمجالس النواب والشيوخ والولايات، فلم يكونوا إلى الاستبداد بالرأي في معظم حالاتهم.
وفي الحق أن معاوية بن أبي سفيان أورث الإسلام مجداً، وأولى العرب عزَّة ومنعة، وكان العربي حيث نزل من الأرض محترماً، مرعي الجانب آمناً على نفسه وحقه، ولم يوفق إلى ذلك إلا بحسن السياسة وصائب التدبير. ذكر المسعودي، وهو من المنحرفين عن بني أُمية، أن
стр. 133
المسلمين غزوا في أيام معاوية فأسر جماعة منهم، فأوقفوا بين يدي الملك فتكلم بعض أسارى المسلمين، فدنا منه بعض البطارقة ممن كان واقفاً بين يدي الملك فلطم حرَّ وجهه فآلمه، وكان رجلاً من قريش فصاح: وا إسلاماه، أين أنت عنا يا معاوية إذ أهملتنا، وضيعت ثغورنا، وحكمت العدو في ديارنا ودمائنا وأعراضنا. فنمي الخبر إلى معاوية وغضب وأقام الفداء بين المسلمين والروم وفادى بذلك الرجل، فلما صار إلى دار الإسلام دعاه فبرَّه وأحسن إليه. وبعث إلى رجل من ساحل دمشق من مدينة صور وكان به عارفاً كثير الغزوات في البحر، صُمُلّ من الرجال مرطان بالرومية، وأعطاه كل ما طلب، وهيأ له مركباً وأوعز إليه أن يتظاهر بأنه يتاجر مع روم القسطنطينية، وما زال على ذلك سنين حتى أسر الصوريّ البطريق الرومي الذي كان لطم القرشي وأتى به إلى معاوية في قصة طويلة. فقال معاوية: عليَّ بالرجل
القرشي فأتى به وقد حضر خواص المسلمين وقال له: قم واقتص من هذا البطريق الذي لطم وجهك على بساط معظم الروم فإنا لم نضيعك ولا أبحنا دمك وعرضك، فقام القرشي ودنا من البطريق فقال له معاوية: انظر لا تتعدَّ ما جرى عليك منه. وانقلب القرشي على يدي معاوية وأطرافه يقبلها وقال: ما أضاعك من سوّدك، ولا خاب فيك أمل من أمَّلك، أنت ملك لا تستضام، تمنع حماك وتصون رعيتك. وأحسن معاوية إلى البطريق وحمل معه هدايا إلى الملك وقال له: ارجع إلى ملكك وقل له: تركت ملك العرب يقيم الحدود على بساطك، ويقتص لرعيته في دار مملكتك وسلطانك، فقال ملك الروم: هذا أمكر الملوك وأدهى العرب. ولهذا قدمته العرب عليها فساس أمورها والله لو همَّ بأخذي لتمت له الحيلة عليّ.
قواد الأمويين وأسباب انقراضهم:
نشأ للأمويين رجال عظام في الحرب والسياسة والحكم، مثل زياد بن
стр. 134
أبي سفيان وعتبة بن أبي سفيان وموسى بن نصير وطارق بن زياد وقتيبة بن مسلم وعقبة بن نافع الفهري وبُسْر بن أبي أرطأة وشرحبيل بن السمط وحبيب بن مسلمة ومسلمة بن عبد الملك وأسد بن عبد الله وعبد الرحمن بن أم الحكم الثقفي ومالك بن عبد الله الذي كان أميراً على الجيوش في غزوة الروم أربعين سنة أيام معاوية وقبلها وأيام يزيد وأيام عبد الملك بن مروان ولما مات كسر على قبره أربعون لواء لكل سنة غزاها لواء. وروح بن زنباع وزفر بن الحارث الكلابي والجراح بن عبد الله الحكمي وحُبَيْش بن دلجة القيني وحسان بن مالك بن بحدل الكلبي وميمون بن مهران وخالد ابن عبد الله بن خالد بن أسيد وعمر بن عبيد الله بن معمر وخالد بن عبد الله القسري وعثمان بن الوليد ويزيد بن المهلب والمهلب بن أبي صفرة وعمرو بن هبيرة الفزاري وعبد الله بن أبي بكرة والقاسم بن محمد الثقفي والعباس بن الوليد ومروان بن الوليد وخالد بن كيسان وعبد الله ابن عقبة
بن نافع ومعاوية بن هشام وعبد الرحمن بن معاوية بن خُدَيج وإسحاق بن مسلم العُقَيلي ونصر بن سيار وعبد الله بن سعد بن أبي سرح ومعاوية بن حُدَيج وعبد الرحمن بن حبيب وزهير بن قيس البهلوي وحسان بن النعمان وميسرة بن مسروق العبسي وعبد الله بن قيس ومالك ابن هبيرة السكوني وفضالة بن عبيد الأنصاري وسفيان بن عوف وعبد الله ابنمسعدة الفزاري وجنادة بن أُمية الأزدي ومحمد بن مالك وعمرو بن مرة الجهني وعلقمة بن يزيد الأنصاري والضحاك بن قيس ويزيد بن شجرة وعياض بن الحارث والمخارق بن الحارث الزُّبَيْدي وزامل بن عمر العذري وأبو الأعور السلمي عمرو بن سفيان وسبيع بن يزيد الأنصاري ويزيد بن الحر العبسي وعلقمة بن حكيم الكناني ويوسف بن عمر ومحمد بن القاسم الثقفي ومالك بن عبد الله الخثعمي وحمزة بن مالك الهمداني وغيرهم.
دوَّخ هؤلاء القواد الأقطار على بعد المواصلات مع مركز الخلافة وفتحوا الفتوح العظام بهمة لم تعرف الملل، وأدخلوا فيها نظامهم وعاداتهم وأداروها أي إدارة، فامتد ملك الأمويين كما قال أحد كتاب الإفرنج من أقاصي جبال هملايا في الشرق إلى أداني جبال الألب في الغرب. ثم انحلت هذه
стр. 135
المملكة المساوية تقريباً لمملكة قياصرة رومية على وجه غريب من السرعة.
وكان مروان بن محمد الجعدي الذي لقب بالحمار لصبره على الحرب من أمثل خلفائهم وكان سديد الرأي ميمون النقيبة حازماً، فلما ظهرت المسوِّدة ولقيهم كان ما يُدبّر أمراً إلا كان فيه خلل. فما السر يا ترى في انحلال هذا الملك الضخم والقوة تدعمه وفيه أفراد أفذاذ مثلوا النبوغ العربي أجمل تمثيل لا تستطيع دولة من دول الحضارة الحديثة أن تقوم بأحسن منه، مع اعتبار الفرق بين عصر الدولة الأموية وهذا العصر؟. نظن السر في ذلك أن بني العباس كانوا قد أجمعوا أمرهم وهيئوا أسباب قيام دولتهم على صورة متينة جداً، وكان منشؤها من خراسان
والعراق وهما القطران اللذان أفحش القتل فيهما الحجاج بن يوسف الثقفي حتى قتل من أهل العراق مائة وعشرين ألفاً مدة حكمه، واشمأز الناس من بني أمية بسببه وسبب من يستسهلون من قوادهم إهراق الدماء فكثرت الأحقاد والحفائظ ونغلت نيات الأمة، واختلف الأمويون بينهم وأصبحوا في هرج يقتل بعضهم بعضا.
وقد نسب الخضري أسباب سقوط دولة بني أمية إلى استيلائهم على الخلافة بالقهر والغلبة لا عن رضا ومشورة، فإن معاوية بن أبي سفيان استعان بأهل الشام الذين كانوا شيعته، على من خالفه من أهل العراق والحجاز حتى تم له الأمر ورضي الناس عنه، والقلوب منطوية على ما فيها من كراهية ولايته، وكان في الأمة فريقان لا يرضيان عنه: الخوارج وشيعة بني هاشم، واستعمل ضروب السياسة مع رؤساء العشائر وكبار الشيعة فألان شكيمتهم وأسكن ثورتهم. ومن رأيه أن معاوية زل زلة كبرى قللت من قيمة عمله وهي اهتمامه بالغض من علي بن أبي طالب على منابر الأمصار هو وأمراؤه حتى تأججت النيران في صدور شيعته وأن عدة عيوب كانت سبباً في القضاء عليهم. الأول: مسألة ولاية العهد، فإن بني مروان اعتادوا أن يولوا عهدهم اثنين يلي أحدهما الآخر، فانشق بيتهم على نفسه. الثاني: إحياء العصبية الجاهلية التي جاء الإسلام مشدداً النعيَّ عليها. الثالث: تحكيم بعض الخلفاء من بني أمية أهواءهم في أمر قوادهم
стр. 136
وذوي الأثر الصالح من شجعان دولتهم، ففسدت قلوب الناس، حتى كانوا ينتظرون من يجمع كلمتهم على الانتقام من بني أمية.
وعلل رفيق العظم سقوط الدولة الأموية بارتكاب الأمويين أغلاطا منها المبالغة باضطهاد العلويين، وتسميم أبي هاشم بأمر سليمان بن عبد الملك، ومنها أنهم فقدوا أعاظم الرجال الذين كانوا يخدمون بإخلاص، فأخرجوا خالد بن عبد الله
وقتيبة بن مسلم ويزيد بن المهلب وموسى بن نصير ففقدت الدولة بفقدهم وفقد أمثالهم جانبا لا يقدر من قيمتها وانحطت هيبتها، ومنها تباعد أطراف مملكتهم حتى تعذر ضبطها مع صعوبة المواصلات، وأن الأمويين حافظوا على خشونتهم إلى خلافة هشام، وأخذ الخلفاء بعد الوليد بن يزيد يميلون إلى الترف والراحة، يضاف إلى ذلك انقسام العرب في خراسان إلى مضرية ويمانية وتنازع رؤسائهم. قال: إن ما يقوله بعض المؤرخين من ظلم الدولة الأموية ويعزى إليه دمارها فمبالغ فيه وما كان منه صحيحا فهو في نظر المؤرخ ثانوي. والحقيقة أن الخلفاء الأمويين كانوا أشداء على خصومهم دون سائر الناس، وكانوا في منزلة من العناية بالرعية والاهتمام بالعدل بين الناس فوق منزلة كثير من الحكومات المطلقة.
سئل بعض شيوخ بني أمية عقيب زوال الملك عنهم، ما كان سبب زوال ملككم؟ فقال: جار عمالنا على رعيتنا فتمنوا الراحة منا، وتحومل على أهل خراجنا فجلوا عنا، وخربت ضياعنا فخربت بيوت أموالنا، ووثقنا بوزرائنا فآثروا مرافقتهم على منافعنا، وأمضوا أمورا دوننا أخفوا علمها عنا، وتأخر عطاء جندنا فزالت طاعتهم لنا، واستدعاهم عدونا فظاهروه على حربنا، وطلبنا أعداؤنا فعجزنا عنهم لقلة أنصارنا، وكان استتار الأخبار عنا من أوكد أسباب زوال ملكنا.
قد يغتر بعض من لم يساعدهم الوقت أن يمحصوا الحقائق ليصلوا إلى لباب التاريخ الصحيح، فيأخذون روايات بعض المؤرخين الذين كتبوا بعوامل المذاهب السياسية أو نقلوا الأخبار على علاتها كما رأوها في مصادر ضعيفة وأخذوها قضية مسلمة، من ذلك الطعن في أخلاق يزيد بن معاوية، فإن الروايات المنقولة في هذا الشأن لو نقدت نقدا صحيحا لرأينا أنها مدخولة
стр. 137
على الأكثر أملتها أهواء الخصماء، ولطالما رأينا الناس إذا أرادوا النيل من أحد العظماء ينخدعون بأقوال
يلفقها عليهم خصومهم، وربما نسبوا لبعضهم الفسق والفجور وأكل الأموال بالباطل، وهم من أكمل الناس أخلاقا وفضلا. إذا سلمنا أن معاوية أخطأ بحسب ما يقوله الفريق المعتدل بتوسيده الخلافة إلى يزيد وفي العرب يومئذ من هم أفضل منه فإنه كان يعتقد أن ابنه يصلح للخلافة وأن قوة الأمة مجتمعة على آل أبي سفيان. والدليل أنه كان إذا عرض لمعاوية مشكلة من المشكلات بعث إلى يزيد يستعين به على استيضاح شبهاتها واستسهال معضلاتها، فلم يكن يزيد إذاً بالصورة التي صورها بها أعداؤه. خطب معاوية فقال: اللهم إن كنت إنما عهدت ليزيد لما رأيت من فضله فبلغه ما أملت وأعنه، وإن كنت إنما حملني حب الوالد لوده وأنه ليس لما صنعت به أهلاً فاقبضه قبل أن يبلغ ذلك.
قال الطبري: إن يزيد كان صاحب رَسلة أي كسل وتهاون، وإنه كف عن كثير مما كان يصنع أي لما وسدت إليه الخلافة. وقال غيره: إن يزيد كان يحب الصيد ويربي القرود والكلاب مما عدوه عليه. وهذا لا يقدح في العدالة، بل ربما كان مما يعين على الجهاد لترويضه الجسم والذهن، أما الفسق والفجور فلم يثبت من طريق مؤتمن، فإذا فرضنا أن معاوية أخطأ في إعطائه ولاية العهد لابنه بطرق استعمل فيها بعض الشدة، وأن يزيد ارتكب عماله من قتل آل بيت الرسول أمراً نكراً فلا يجوز من ذلك الطعن بشخصيات كبيرة، والعقل يستبعد التصديق بما قاله خصوم بني أمية عنهم، ولو كان يزيد شريباً خميراً كما يزعمون أو يرتكب أموراً لا تسمح بها الشريعة ولا تليق بشأن الملك، والدين، وأصحاب أصحاب رسول الله أحياء، وأعداؤهم من العلويين بالمرصاد، لقتلته أسرته نفسها، كما فعلت بالوليد بن يزيد بعد ستين سنة من مهلك يزيد بن معاوية. والغالب أن يزيد أدخل في العادات كأبيه أشياء أنكرها بعضهم، ووجدوا السبيل إلى الطعن فيه، وكان تعلمها من عشرته بعض أبناء الروم في الشام.
стр. 138
سُئل عبد الله بن عباس عن معاوية فقال: سما بشيء أسرَّه واستظهر عليه بشيء أعلنه، فحاول ما أسر بما أعلن فناله، وكان حلمه قاهراً لغضبه، وجوده غالباً على منعه، يصل ولا يقطع، ويجمع ولا يفرق، فاستقام له أمره وجرى إلى مدته. قيل: فأخبرنا عن ابنه قال: كان في خير سبيله، وكان أبوه قد أحكمه وأمره ونهاه فتعلق بذلك وسلك طريقاً مذللاً له. وسئل علي رض عن بني أمية فقال: أشدنا حُجَزاً صبراً وأطلبنا للأمر لا ينال فينالونه.
الخلاف بين الأمويين وخصومهم من العلويين ما زال يقوى ويضعف، وما هو إلا خلاف سياسي نشأ من النزاع على الملك، وليس من الدين في شيء. فليس إذاً من العقل أن تتسلسل هذه الأحقاد في الأمة وتتفرق شيعاً، وتظهر بمظهر النصب أو التشيع، ويزكي فريق من يحبهم حتى يخرجهم عن طور البشر، ويطعن في آخرين حتى يسلخ عنهم كل ما يمتازون به من الصفات الكاملة ويخرجوهم عن الملة. أهل الإسلام يحبون الخليفة الرابع، ويعرفون له صفات غرّاً يفاخرون بها على غابر الدهر، ولكن من تحبه لا يجوز لك أن تغضي عن هفواته، أو أن تذكر لخصمه مزاياه.
أريد أن أقول: إن مسألة الخلافة بين علي ومعاوية قد مضى عليها الزمن، وكان لكل منهما اجتهاده، وهي من المسائل المؤلمة في تاريخنا ينبغي لنا أن ندرسها بإنصاف لا أن نقول مع القائلين ونسكت عما شجر بينهم، ولا أن نبالغ فيما وقع ونتعصب لفريق على آخر، فالأمة يجب عليها أن تعرف مواطن الضعف والقوة من جسمها، وتكشف حقائق ماضيها لأنها ابنة حوادث ماضية، والواجب في البحث أن لا يثير في النفوس أحقاداً، ولا ينشيء في أجزاء الأمة فرقة متلفة، ولا يُرتكب معه سوء أدب مع عظماء أسسوا مجد الأمة على أمتن الدعائم، ووضعوا بناءها على القومية العربية، وكانوا مثال التساهل مع أبناء الأديان الأخرى.
أهل الإسلام في الشرق جديرون بأن يكونوا كأهل النصرانية في الغرب، تحاربوا حروبا دينية سالت فيها الدماء أنهاراً بين البابوي والبرتستانتي، ثم
стр. 139
جاءت القرون الحديثة فقضت على التحزبات، وصاروا في المسائل الوطنية والقومية متلازمين تلازم اللام للألف، وإذا ذكروا ما ارتكبه أجدادهم في هذا الشأن خجلوا ووجموا. الأمويون كالعلويين بشر يخطئون ويصيبون، فلا يليق بنا أن نغض من الأمويين لأنهم لم يتنازلوا عن ملكهم للعلويين، ولا ننكر أن إصابتهم كانت كثيرة جداً في جنب خطيئاتهم، وأهل الشام قبل كل شعب عربي يجب عليهم أن يفاخروا بتاريخ الأمويين ويمعنوا النظر فيه طويلاً، ويعرفوا أن لكل دولة كما لكل فرد ما يعدُّ لها وعليها.
بنو أُمية أسسوا دولة عظيمة وفتحوا الفتوح ونشروا كلمة التوحيد وبثوا اللغة العربية في الممالك التي دوَّخوها فماذا عمل خصومهم لو أنصف المتشيعون لهم؟ لم يوفقوا من قبل ولا من بعد إلا أن يُدلوا على الأمة بشرفهم، وأنهم خير من أُمية في الجاهلية والإسلام، وأن الواجب على المسلمين أن يخضعوا لهم مهما كانت حالهم لشرف هذه النسبة فقط، ولقد قامت لهم عدة دول في أقطار مختلفة وكان مصيرها كلها الانحلال، ولذلك كان من المعقول أن لا يغض من قدر العاملين خصوصا من كانت حسناتهم تربو على سيئاتهم، إن كان هناك ما يتجوز في تسميته سيئات. الملك لا يقوم بالزهد والتقوى ولزوم المساجد والخطب والحماسة والإدلال بصفات طبيعية اتصف بها صاحبها. الملك يحتاج كما كان الأمويون إلى بذل وتسامح وتماسك وعمل نافع بعيد عن الدعوى. في الصفات الأولى تتمثل حالة العلويين، وفي الثانية تتمثل حالة الأمويين.
стр. 140
دور الدولة العباسية
إلى ظهور الدولة الطولونية من سنة ١٣٢ - ٢٥٤ه ـ
مبدأ الدعوة العباسية:
كانت دولة الأمويين الشرقية، كدولة الخلفاء الراشدين، عربية إسلامية صرفة، لم تنتشر كلمتها، ولم تتوزع سلطتها، أما الدولة العباسية فكانت دولة عناصر، والحاكم فيها العنصر العربي أو من دخل في خدمته وطاعته من الفرس والترك والديلم والموالي، ولقد قال المؤرخون: في دولة بني العباس افترقت كلمة الإسلام، وسقط اسم العرب من الديوان، واستولت الديلم ثم الأتراك، وصارت لهم دولة عظيمة، وانقسمت ممالك الأرض عدة أقسام، وصار بكل قطر قائم يأخذ الناس بالعسف، ويملكهم بالقهر.
كان أهل البيت بعد وفاة الرسول ﵊ يعتقدون أنهم أحق بالأمر، وأن الخلافة لرجالهم دون سواهم من قريش، فكانوا يرون في بني أُمية غاصبين حقهم في الخلافة، فبدأوا يدعون سراً لذلك منذ وقعت الحرب بين علي ومعاوية في صفين وتنازل الحسن بن علي لمعاوية بن أبي سفيان على الخلافة. فكان معاوية على ما رزق من صدر رحب يَرُوض من شماس أهل البيت، ويسامحهم في دعوى تقدمهم واستحقاقهم، ولا يهيج أحداً منهم بالتثريب عليه في ذلك. وكان
стр. 141
خلفاؤه من صلبه أو من بني مروان يعمدون إلى القسوة على القائمين بالدعوة لآل البيت تارة وإلى الإغضاء زمن العجز طوراً، وكان شيعة عليّ مقهورين، وأقاموا على شأنهم وانتظار أمرهم والدعاء لهم في النواحي، يدعون للرضا من آل محمد ولا يصرحون بمن يدعون له حذراً عليه من أهل الدولة.
وكان شيعة محمد بن الحنفية أكثر شيعة أهل البيت يرون أن الأمر بعده لابنه أبي هشام عبد الله وكان كثيراً ما يغدو على سليمان بن عبد الملك في الشام. فمرَّ في
بعض أسفاره بمحمد بن علي بن عبد الله بن عباس بمنزلة بالحُمَيْمَة فنزل عليه وأدركه المرض عنده فمات وأوصى له بالأمر. وقد كان أعلَم شيعته بالعراق وخراسان أن الأمر صائر إلى ولد محمد ابن علي هذا، فلما مات قصدت الشيعة محمد بن علي وبايعوه سراً وبعث الدعاة منهم إلى الآفاق فأجابه عامة أهل خراسان، وبعث عليهم النقباء وتداول أمرهم هنالك، وتوفي محمد سنة أربع وعشر ومائة وعهد لابنه إبراهيم وأوصى الدعاة بذلك، وكانوا يسمونه الإمام وهو الذي دعا إليه أبو مسلم الخراساني صاحب الدعوة.
عند تمام المائة سنة صحت نية بني العباس على تأليف جمعية سرية تدعو لهم، وبثت في الآفاق بغض بني مروان وبلفظ أعم بني أمية. وكانت الدعوة مقبولة في العراق وخراسان عند كل من تعرض عليه. ورأس الدعوة في أرض الشام مهد عصبية الأمويين وفروعها في خراسان. فانبثت دعوة العباسيين من قطر وسط بين الأقطار العربية وهو الشام لقرب اتصالها مع الأقطار الأخرى ولا سيما بالعراق ثم بخراسان، ولم تقم الدولة من الحجاز لأنه بعيد عن القاصية تحيط به من جهاته الثلاث صحارٍ وبوادٍ محرقة، والاستناد على أهل الحجاز كالاستناد على أهل العراق لا يخلو من أخطار. فقد أراد أهل المدينة أن لا يبايعوا يزيد بن معاوية بالخلافة، فضربهم ضربة قاضية، ولم يستطع أن ينجدهم أحد من العراق أو اليمن لبعد الشقة. وخذل أهل العراق علياً وابنه الحسين، فلم يتمكن أهل الحجاز واليمن أن ينجدوا آل البيت فوقع ما وقع.
стр. 142
كان دعاة آل البيت يغدون من الحميمة وقيل: من كرار من جبال الشراة في الشام وبنو أمية غافلون عنهم وخليفة المستقبل الذي يدعى له على أيام من دار ملكهم كبعض الرعية، والناس في خراسان يصدرون عن أمره ويقدسون خلافته، وكأن الأقدار خصت الشام بقيام دولتين عظيمتين فيه الأموية والعباسية، وكانت عصبية
الأمويين أهل الشام وعرب الحجاز واليمن، وعصبية العباسيين أهل خراسان والعراق وقيس، ومن أهم العوامل في نجاح بني هاشم في دعوتهم الجديدة، اتفاقهم مع الطالبيين على هذا المقصد، وهو نزع الخلافة من بني مروان، فكان البيتان لأول الأمر كأنهما بيت واحد، ولذلك أثمرت الدعوة سريعاً.
بعد نيف وثلاثين سنة من الدعوة لأبناء العباس وربما قبل ذلك بقليل انتبه الأمويون في الشام إلى مقاصد أعدائهم، وأنهم في صدد تأسيس دولة للقضاء على دولة الأمويين، وفي ذلك دليل ظاهر على ضعف أصحاب الأخبار في أيامهم، وعلى تساهلهم وعنايتهم بتدويخ الأقاصي والغفلة عن أحوال الدواني، أبلغ ذلك مروان بن محمد الجعدي آخر خلفاء بني أمية عامله على خراسان نصر بن سيار وقد كتب إليه:
أرى تحت الرماد وميضَ جمرٍ ... ويوشك أن يكون له ضرام
فإن النار بالعودين تُذكى ... وإن الشر مبدؤه الكلام
وقلت من التعجب ليت شعري ... أأيقاظ أُمية أم نيام
فإن يقظت فذاك بقاءُ ملك ... وإن رقدت فإني لا أُلام
فإن يك أصبحوا وثووا نياماً ... فقل قوموا فقد حان القيام
فكتب مروان إلى عامله بدمشق الوليد بن معاوية يأمره بتوجيه أحد ثقاته إلى الحميمة أو كرار ليأتيه بإبراهيم الإمام، فحمله إلى مروان فحبسه في المحرم من سنة ١٣٢ وقتل في محبسه بعد شهرين، وعهد بالأمر بعده إلى أخيه أبي العباس عبد الله بن محمد وهو ابن الحارثية أول خلفاء بني العباس نسبة إلى جده الأعلى علي أبو محمد السجاد بن عبد الله بن العباس عم النبي ﷺ . قتل إبراهيم الإمام فكان قتله داعياً إلى التعجل بالمناداة علناً بالخلافة العباسية. وذلك أن إبراهيم الإمام لما قبض
стр. 143
عليه مروان نعى إلى أهل بيته، وأمرهم بالسير إلى
أهل الكوفة مع أخيه السفاح وبالسمع له والطاعة، وأوصى بالخلافة إلى أخيه السفاح وأوصاه بالقيام بالدولة والجد والحركة، وأن لا يكون له بعده بالحميمة لبث ولا عرجة حتى يتوجه إلى الكوفة، فإن هذا الأمر صائر إليه لا محالة، وأنه بذلك أتتهم الرواية وأظهره على أمر الدعاة بخراسان والنقباء، رسم له في ذلك رسماً أوصاه أن يعمل عليه ولا يتعداه. فسار السفاح بأهل بيته منهم أخوه أبو جعفر المنصور وغيره إلى الكوفة فأقام فيها شهراً مستخفياً ثم ظهر وسلموا عليه بالخلافة وعزوه في أخيه إبراهيم الإمام ودخل دار الإمارة. وفي خلال ذلك زاد نفور المتطلعين إلى العباسيين من أهل خراسان والعراق، وذكر الناس شدة بني مروان في الضرب على أيدي كل من خالفهم، وكان الناس منذ أمد طويل يتمنون لو يديلهم الله بغيرهم وإن كانوا دونهم، فكيف ببني العباس ومنزلتهم من الشرف منزلتهم. والبشر ميال إلى التجدد ولكل جديد طلاوة.
ومن الغريب على ما قال الطقطقي أنه لما قدر انتقال الملك إلى بني العباس، هيئت لهم جميع الأسباب، فكان إبراهيم الإمام بالحجاز أو بالشام جالساً على مصلاه مشغولاً بنفسه وعبادته ومصالح عياله، وليس عنده من الدنيا طائل، وأهل خراسان يقاتلون عنه، ويبذلون نفوسهم وأموالهم دونه، وأكثرهم لا يعرفه، ولا يفرق بين اسمه وشخصه، لا ينفق عليهم مالاً، ولا يعطي أحدهم دابة ولا سلاحاً، بل يجبون إليه الأموال، ويحملون إليه الخراج كل سنة، ولما خذل مروان وأشرف ملك بني أمية على الانقراض، كان مروان خليفةً مبايعاً ومعه الجنود والأموال والسلاح، والدنيا بأجمعها عنده، والناس يتفرقون عنه، وأمره يضعف، وحبله يضطرب، فما زال يضمحل حتى هزم وقتل.
والثوب إن أنهج فيه البلى ... أعيى على ذي الحيلة الصانع
فتح العباسيين عاصمة الأمويين:
اضطرب نظام المملكة الأموية على عهد مروان بن محمد، وكانت
стр. 144
كلما عراها الضعف والانحلال، يزيد خصوم الأمويين شدة وقوة. ولما بويع بالخلافة لأبي العباس بالكوفة كانت جيوش خراسان تطارد جيوش الأمويين مطاردة، وينتثر سلك الملك على صورة مستغربة. ولم يكد العراق يدخل في طاعة العباسيين، حتى ولى أبو العباس عمه عبد الله بن علي الشام فسار من حران إلى منبج وقد سوّد أهلها، وبعث إليه أهل قنسرين ببيعتهم ثم سار حتى نزل حمص ثم سار إلى بعلبك ثم جاء عين جر، وكان مروان بن محمد آخر الأمويين لما انهزم على الزاب أتى من حرّان إلى حمص بأهله، فجاء عبد الله بن علي إلى حمص فرحل مروان عنها إلى دمشق، فتبعه فهرب إلى فلسطين في بقايا جيشه، وهناك جيش جيشاً آخر، وكان اجتمع للأمويين في دمشق جيش قدّر بخمسين ألف مقاتل. وكان جيش عبد الله بن علي لا يمر ببلد إلا ويخرج أهلها مسوّدين أي حاملين شعار العباسيين وهو السواد يبايعونهم عن رضىً، هذا وجيشه أقل من ثلث جيش مروان المنهزم وربما كان الربع. فلما جاء عبد الله بن علي دمشق من ناحية المزّة نزل بها يومين، ثم جاءه أخوه صالح بن علي في ثمانية آلاف مدداً من السفاح على طريق السماوة، فنزل صالح بمرج عذراء ثم نزل على باب الجابية، ونزل عبد الله بن علي على الباب الشرقي، ونزل أبو عون على باب كيسان، وبسام على الباب الصغير، وحميد بن قحطبة على باب توماء، وعبد الصمد ويحيى ابن صفوان والعباس بن يزيد على باب الفراديس، فحاصروها أياماً ثم افتتحها يوم الأربعاء لعشر خلون من رمضان ١٣٢، أي بعد ستة أشهر من مبايعة أبي العباس السفاح بالخلافة في مدينة الكوفة.
أباح الفاتح دمشق ثلاث ساعات، وقيل: أنهبها ثلاثة أيام، ووضع السيف في أهلها، ولم يزل جماعته يحزون الرؤوس في الطرق والمنازل، ويأخذون الأموال،
حتى جاء الظهر فأمر برفع السيف، وقتل والي المدينة فيمن قتل من الأمراء والعلماء في المسجد الجامع. وممن صلب عبد الله بن عبد الجبار. ودخلت أباعر العباسيين إلى صحن الجامع الأموي وظل إصطبلاً لدوابهم وجمالهم سبعين يوماً، وقتل يومئذ على رواية
стр. 145
المنبجي من النصارى واليهود خلق كثير، ونبشت قبور بني أمية في دمشق وغيرها وأحرقوهم بالنار، ولم يبقوا على غير قبر عمر بن عبد العزيز في دير سمعان، اعترافاً بفضله وتقواه، ونقضوا سور دمشق حجراً حجرا.
قيل: إن أهل دمشق لما حاصرهم عبد الله بن علي، اختلفوا فيما بينهم ما بين عباسي وأموي، وقيل: وقعت بينهم العصبية في فضل اليمن على نزار، ونزار على اليمن، حتى اقتتلوا، فقتل بعضهم بعضاً، وذكروا أنه قتل فيها في هذه المدة نحو من خمسين ألفاً. ولما جاءها عبد الله ابن علي وحاصرها فضيق حصارها، بلغ بالناس الجهد فاستغاثوا، ووجهوا إليه يحيى بن بحر يطلب لهم الأمان، فخرج إليه فسأله الأمان، فأجابه إليه فدخل فنادى في الناس بالأمان، ثم قال له يحيى بن بحر: اكتب لنا أيها الأمير كتاب الأمان، فدعا بدواة وقرطاس، ثم ضرب ببصره نحو المدينة، وإذا بالسور قد غشيه المسوّدة عسكر بني العباس فقال له: قد دخلتها قسراً. فقال يحيى: لا والله ولكن غدراً. فقال عبد الله: لولا ما أعرف من مودتك لنا أهل البيت لضربت عنقك، إذ استقبلتني بهذا، ثم ندم فقال: يا غلام خذ هذا العلم فأركزه في داره، وناد من دخل دار يحيى بن بحر فهو آمن، فانحشر الناس إليها، فما قتل فيها، ولا في الدور التي تليها أحد، ونادى المنادي بعد أن قتل خلق كثير: الناس آمنون إلا خمسة: الوليد بن معاوية، ويزيد بن معاوية، وأبان ابن عبد العزيز، وصالح بن محمد، ومحمد بن زكريا.
وصار عبد الله بن علي إلى المسجد فخطبهم خطبته المشهورة، التي يذكر فيها
بني أمية، وجورهم وعداوتهم، ويصف ما استحلوا من المحارم والمظالم والمآثم، قال ما يقوله العدو في عدوه. وأي عداوة أعظم من عداوة المتنازعين على الملك والسلطان، وبينهم الطوائل والأحقاد القديمة والجديدة؟ وهذه الخطبة أشبه بكلام العلويين في الأمويين، والأمويين في العلويين، يقصد بها إثارة النفوس، لينزع منها حب الدولة السالفة، ويفسح مجال الأماني للناس ويرغبوا في الدولة الخالفة.
следующие страницы →