← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 37063

خطط الشام

محمد كرد علي

Полный текст (1 453 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

خلفاؤه من صلبه أو من بني مروان يعمدون إلى القسوة على القائمين بالدعوة لآل البيت تارة وإلى الإغضاء زمن العجز طوراً، وكان شيعة عليّ مقهورين، وأقاموا على شأنهم وانتظار أمرهم والدعاء لهم في النواحي، يدعون للرضا من آل محمد ولا يصرحون بمن يدعون له حذراً عليه من أهل الدولة. وكان شيعة محمد بن الحنفية أكثر شيعة أهل البيت يرون أن الأمر بعده لابنه أبي هشام عبد الله وكان كثيراً ما يغدو على سليمان بن عبد الملك في الشام. فمرَّ في بعض أسفاره بمحمد بن علي بن عبد الله بن عباس بمنزلة بالحُمَيْمَة فنزل عليه وأدركه المرض عنده فمات وأوصى له بالأمر. وقد كان أعلَم شيعته بالعراق وخراسان أن الأمر صائر إلى ولد محمد ابن علي هذا، فلما مات قصدت الشيعة محمد بن علي وبايعوه سراً وبعث الدعاة منهم إلى الآفاق فأجابه عامة أهل خراسان، وبعث عليهم النقباء وتداول أمرهم هنالك، وتوفي محمد سنة أربع وعشر ومائة وعهد لابنه إبراهيم وأوصى الدعاة بذلك، وكانوا يسمونه الإمام وهو الذي دعا إليه أبو مسلم الخراساني صاحب الدعوة. عند تمام المائة سنة صحت نية بني العباس على تأليف جمعية سرية تدعو لهم، وبثت في الآفاق بغض بني مروان وبلفظ أعم بني أمية. وكانت الدعوة مقبولة في العراق وخراسان عند كل من تعرض عليه. ورأس الدعوة في أرض الشام مهد عصبية الأمويين وفروعها في خراسان. فانبثت دعوة العباسيين من قطر وسط بين الأقطار العربية وهو الشام لقرب اتصالها مع الأقطار الأخرى ولا سيما بالعراق ثم بخراسان، ولم تقم الدولة من الحجاز لأنه بعيد عن القاصية تحيط به من جهاته الثلاث صحارٍ وبوادٍ محرقة، والاستناد على أهل الحجاز كالاستناد على أهل العراق لا يخلو من أخطار. فقد أراد أهل المدينة أن لا يبايعوا يزيد بن معاوية بالخلافة، فضربهم ضربة قاضية، ولم يستطع أن ينجدهم أحد من العراق أو اليمن لبعد الشقة. وخذل أهل العراق علياً وابنه الحسين، فلم يتمكن أهل الحجاز واليمن أن ينجدوا آل البيت فوقع ما وقع.

стр. 142

كان دعاة آل البيت يغدون من الحميمة وقيل: من كرار من جبال الشراة في الشام وبنو أمية غافلون عنهم وخليفة المستقبل الذي يدعى له على أيام من دار ملكهم كبعض الرعية، والناس في خراسان يصدرون عن أمره ويقدسون خلافته، وكأن الأقدار خصت الشام بقيام دولتين عظيمتين فيه الأموية والعباسية، وكانت عصبية الأمويين أهل الشام وعرب الحجاز واليمن، وعصبية العباسيين أهل خراسان والعراق وقيس، ومن أهم العوامل في نجاح بني هاشم في دعوتهم الجديدة، اتفاقهم مع الطالبيين على هذا المقصد، وهو نزع الخلافة من بني مروان، فكان البيتان لأول الأمر كأنهما بيت واحد، ولذلك أثمرت الدعوة سريعاً. بعد نيف وثلاثين سنة من الدعوة لأبناء العباس وربما قبل ذلك بقليل انتبه الأمويون في الشام إلى مقاصد أعدائهم، وأنهم في صدد تأسيس دولة للقضاء على دولة الأمويين، وفي ذلك دليل ظاهر على ضعف أصحاب الأخبار في أيامهم، وعلى تساهلهم وعنايتهم بتدويخ الأقاصي والغفلة عن أحوال الدواني، أبلغ ذلك مروان بن محمد الجعدي آخر خلفاء بني أمية عامله على خراسان نصر بن سيار وقد كتب إليه: أرى تحت الرماد وميضَ جمرٍ ... ويوشك أن يكون له ضرام فإن النار بالعودين تُذكى ... وإن الشر مبدؤه الكلام وقلت من التعجب ليت شعري ... أأيقاظ أُمية أم نيام فإن يقظت فذاك بقاءُ ملك ... وإن رقدت فإني لا أُلام فإن يك أصبحوا وثووا نياماً ... فقل قوموا فقد حان القيام فكتب مروان إلى عامله بدمشق الوليد بن معاوية يأمره بتوجيه أحد ثقاته إلى الحميمة أو كرار ليأتيه بإبراهيم الإمام، فحمله إلى مروان فحبسه في المحرم من سنة ١٣٢ وقتل في محبسه بعد شهرين، وعهد بالأمر بعده إلى أخيه أبي العباس عبد الله بن محمد وهو ابن الحارثية أول خلفاء بني العباس نسبة إلى جده الأعلى علي أبو محمد السجاد بن عبد الله بن العباس عم النبي ﷺ . قتل إبراهيم الإمام فكان قتله داعياً إلى التعجل بالمناداة علناً بالخلافة العباسية. وذلك أن إبراهيم الإمام لما قبض

стр. 143

عليه مروان نعى إلى أهل بيته، وأمرهم بالسير إلى أهل الكوفة مع أخيه السفاح وبالسمع له والطاعة، وأوصى بالخلافة إلى أخيه السفاح وأوصاه بالقيام بالدولة والجد والحركة، وأن لا يكون له بعده بالحميمة لبث ولا عرجة حتى يتوجه إلى الكوفة، فإن هذا الأمر صائر إليه لا محالة، وأنه بذلك أتتهم الرواية وأظهره على أمر الدعاة بخراسان والنقباء، رسم له في ذلك رسماً أوصاه أن يعمل عليه ولا يتعداه. فسار السفاح بأهل بيته منهم أخوه أبو جعفر المنصور وغيره إلى الكوفة فأقام فيها شهراً مستخفياً ثم ظهر وسلموا عليه بالخلافة وعزوه في أخيه إبراهيم الإمام ودخل دار الإمارة. وفي خلال ذلك زاد نفور المتطلعين إلى العباسيين من أهل خراسان والعراق، وذكر الناس شدة بني مروان في الضرب على أيدي كل من خالفهم، وكان الناس منذ أمد طويل يتمنون لو يديلهم الله بغيرهم وإن كانوا دونهم، فكيف ببني العباس ومنزلتهم من الشرف منزلتهم. والبشر ميال إلى التجدد ولكل جديد طلاوة. ومن الغريب على ما قال الطقطقي أنه لما قدر انتقال الملك إلى بني العباس، هيئت لهم جميع الأسباب، فكان إبراهيم الإمام بالحجاز أو بالشام جالساً على مصلاه مشغولاً بنفسه وعبادته ومصالح عياله، وليس عنده من الدنيا طائل، وأهل خراسان يقاتلون عنه، ويبذلون نفوسهم وأموالهم دونه، وأكثرهم لا يعرفه، ولا يفرق بين اسمه وشخصه، لا ينفق عليهم مالاً، ولا يعطي أحدهم دابة ولا سلاحاً، بل يجبون إليه الأموال، ويحملون إليه الخراج كل سنة، ولما خذل مروان وأشرف ملك بني أمية على الانقراض، كان مروان خليفةً مبايعاً ومعه الجنود والأموال والسلاح، والدنيا بأجمعها عنده، والناس يتفرقون عنه، وأمره يضعف، وحبله يضطرب، فما زال يضمحل حتى هزم وقتل. والثوب إن أنهج فيه البلى ... أعيى على ذي الحيلة الصانع فتح العباسيين عاصمة الأمويين: اضطرب نظام المملكة الأموية على عهد مروان بن محمد، وكانت

стр. 144

كلما عراها الضعف والانحلال، يزيد خصوم الأمويين شدة وقوة. ولما بويع بالخلافة لأبي العباس بالكوفة كانت جيوش خراسان تطارد جيوش الأمويين مطاردة، وينتثر سلك الملك على صورة مستغربة. ولم يكد العراق يدخل في طاعة العباسيين، حتى ولى أبو العباس عمه عبد الله بن علي الشام فسار من حران إلى منبج وقد سوّد أهلها، وبعث إليه أهل قنسرين ببيعتهم ثم سار حتى نزل حمص ثم سار إلى بعلبك ثم جاء عين جر، وكان مروان بن محمد آخر الأمويين لما انهزم على الزاب أتى من حرّان إلى حمص بأهله، فجاء عبد الله بن علي إلى حمص فرحل مروان عنها إلى دمشق، فتبعه فهرب إلى فلسطين في بقايا جيشه، وهناك جيش جيشاً آخر، وكان اجتمع للأمويين في دمشق جيش قدّر بخمسين ألف مقاتل. وكان جيش عبد الله بن علي لا يمر ببلد إلا ويخرج أهلها مسوّدين أي حاملين شعار العباسيين وهو السواد يبايعونهم عن رضىً، هذا وجيشه أقل من ثلث جيش مروان المنهزم وربما كان الربع. فلما جاء عبد الله بن علي دمشق من ناحية المزّة نزل بها يومين، ثم جاءه أخوه صالح بن علي في ثمانية آلاف مدداً من السفاح على طريق السماوة، فنزل صالح بمرج عذراء ثم نزل على باب الجابية، ونزل عبد الله بن علي على الباب الشرقي، ونزل أبو عون على باب كيسان، وبسام على الباب الصغير، وحميد بن قحطبة على باب توماء، وعبد الصمد ويحيى ابن صفوان والعباس بن يزيد على باب الفراديس، فحاصروها أياماً ثم افتتحها يوم الأربعاء لعشر خلون من رمضان ١٣٢، أي بعد ستة أشهر من مبايعة أبي العباس السفاح بالخلافة في مدينة الكوفة. أباح الفاتح دمشق ثلاث ساعات، وقيل: أنهبها ثلاثة أيام، ووضع السيف في أهلها، ولم يزل جماعته يحزون الرؤوس في الطرق والمنازل، ويأخذون الأموال، حتى جاء الظهر فأمر برفع السيف، وقتل والي المدينة فيمن قتل من الأمراء والعلماء في المسجد الجامع. وممن صلب عبد الله بن عبد الجبار. ودخلت أباعر العباسيين إلى صحن الجامع الأموي وظل إصطبلاً لدوابهم وجمالهم سبعين يوماً، وقتل يومئذ على رواية

стр. 145

المنبجي من النصارى واليهود خلق كثير، ونبشت قبور بني أمية في دمشق وغيرها وأحرقوهم بالنار، ولم يبقوا على غير قبر عمر بن عبد العزيز في دير سمعان، اعترافاً بفضله وتقواه، ونقضوا سور دمشق حجراً حجرا. قيل: إن أهل دمشق لما حاصرهم عبد الله بن علي، اختلفوا فيما بينهم ما بين عباسي وأموي، وقيل: وقعت بينهم العصبية في فضل اليمن على نزار، ونزار على اليمن، حتى اقتتلوا، فقتل بعضهم بعضاً، وذكروا أنه قتل فيها في هذه المدة نحو من خمسين ألفاً. ولما جاءها عبد الله ابن علي وحاصرها فضيق حصارها، بلغ بالناس الجهد فاستغاثوا، ووجهوا إليه يحيى بن بحر يطلب لهم الأمان، فخرج إليه فسأله الأمان، فأجابه إليه فدخل فنادى في الناس بالأمان، ثم قال له يحيى بن بحر: اكتب لنا أيها الأمير كتاب الأمان، فدعا بدواة وقرطاس، ثم ضرب ببصره نحو المدينة، وإذا بالسور قد غشيه المسوّدة عسكر بني العباس فقال له: قد دخلتها قسراً. فقال يحيى: لا والله ولكن غدراً. فقال عبد الله: لولا ما أعرف من مودتك لنا أهل البيت لضربت عنقك، إذ استقبلتني بهذا، ثم ندم فقال: يا غلام خذ هذا العلم فأركزه في داره، وناد من دخل دار يحيى بن بحر فهو آمن، فانحشر الناس إليها، فما قتل فيها، ولا في الدور التي تليها أحد، ونادى المنادي بعد أن قتل خلق كثير: الناس آمنون إلا خمسة: الوليد بن معاوية، ويزيد بن معاوية، وأبان ابن عبد العزيز، وصالح بن محمد، ومحمد بن زكريا. وصار عبد الله بن علي إلى المسجد فخطبهم خطبته المشهورة، التي يذكر فيها بني أمية، وجورهم وعداوتهم، ويصف ما استحلوا من المحارم والمظالم والمآثم، قال ما يقوله العدو في عدوه. وأي عداوة أعظم من عداوة المتنازعين على الملك والسلطان، وبينهم الطوائل والأحقاد القديمة والجديدة؟ وهذه الخطبة أشبه بكلام العلويين في الأمويين، والأمويين في العلويين، يقصد بها إثارة النفوس، لينزع منها حب الدولة السالفة، ويفسح مجال الأماني للناس ويرغبوا في الدولة الخالفة.

стр. 146

فتح فلسطين وإهلاك رجال الأمويين: أقام عبد الله بن علي في دمشق خمسة عشر يوماً، رويت خلالها سيوفه من أعداء دولته، ثم سار وراء مروان بن محمد في خمسين ألف مقاتل، وأخذ الوليد بن معاوية بن عبد الملك وعبد الجبار بن يزيد بن عبد الملك، فحملهما إلى أبي العباس السفاح، فقتلهما وصلبهما بالحيرة، وأمر أبو العباس عمه عبد الله بن علي أن يجدّ السير نحوها، وهنأه بما أصاب من أموال بني أمية، فسار يريد فلسطين فنزل نهر الكسوة ووجه منها يحيى بن جعفر الهاشمي إلى المدينة، ثم ارتحل إلى الأردن فأتوه وقد سودوا، ثم نزل بيسان، ومنها سار إلى مرج الروم فنهر أبي فطرس، ولما قدم فلسطين أظهر للناس أن أمير المؤمنين وصاه ببني أمية، وأمره بصلتهم وإلحاقهم في ديوانه ورد أموالهم عليهم، فقدم عليه من أكابر بني أمية وخيارهم ثلاثة وثمانون رجلاً، وفي رواية الطبري أنهم كانوا اثنين وسبعين رجلاً وقد أعد لهم مجلساً على نهر العوجاء فيه أضعافهم من الرجال ومعهم السيوف والأجرزة، فأخرجهم عليهم فقتلهم وسحبوا، وطرحت عليهم البسط وجلس عليها، ودعا بالطعام فأكل وجماعته، وما زال بعض القتلى يئن، وقال: يوم كيوم الحسين بن علي ولا سواء. وكان في جملة قتلاه عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك، وكان قد بذّ العابدين في زمانه، وسبق المجتهدين في عصره، واتخذ أموالاً معجبة، تطرد فيها المياه والعيون، فقتله، ثم استقصى ماله ومال من قتل من سادات بني أمية وصناديدهم، ومنهم من قتلوا لأنهم أبوا أن يصيروا أموالهم إلى السفاح. وقد قتل في قلنسوة شمالي العوجاء بعض بني أمية. وقصارى القول أن فاتح الشام للعباسيين بطش في الأمويين ومن والاهم من أهل هذه الديار بطش الجبارين. وسار من الجور سيرة لم يسرها أحد قبله. تتبع العباسيون بني أمية في الحجاز والعراق فقتلوا منهم أناساً كثيرين ولم يفلت إلا أفراد، منهم عبد الرحمن بن معاوية الذي فر إلى الأندلس وهناك أقام الخلافة الأموية الغربية، فدامت مائتين وثماني وستين سنة،

стр. 147

ولم تطل إليه ولا إلى آله أيدي العباسيين حتى انقرضت دولتهم. ومنهم من فرّ إلى الحبشة، وبقي فيها هو وذريته إلى خلافة المهدي العباسي. وبعد مقتل بني أمية واشتداد خوفهم، وتشتت شملهم، واختفاء من قدر على الاستتار منهم، أصدر السفاح إلى سليمان بن علي كتاباً عاماً إلى البلدان يعطي فيه الأمان للأمويين. فكان هذا أول أمان بني أمية. وكان سليمان بن علي كتب إلى السفاح أنه وفد وافد من بني أمية علينا، وأنا إنما قتلناهم على عقوقهم لا على أرحامهم، فإننا يجمعنا وإياهم عبد مناف والرحم تبلّ توصل ولا تقطع، وترفع ولا توضع. انتقاض الجنوب والشمال والاعتقاد بالسفياني: لما أفنى بنو العباس بني أمية في فلسطين ندمت عرب الشام على ما فعلت لما ركبهم من العار، وتسليط العجم من أبناء خراسان عليهم، ينزلون منازلهم، ويأخذون أموالهم، فهاجت لذلك واضطربت، وامتنعوا من البيعة. وفي السنة التي دخل فيها العباسيون أرض الشام، بَيَّضَ حبيب ابن مرة المريُّ، وأها حوران والبَثَنّية، ومدينتها أذرعات، أي لبس شعار الأمويين وهو البياض، ونصب رجلاً من بني أمية، فقاتلهم عبد الله ابن علي بأرض البلقاء والبَثَنّية وحوران، وكان بينه وبينهم وقعات. وحبيب بن مرة من قواد مروان وفرسانه. وكان سبب تبييضه الخوف على نفسه وقومه، فبايعه قيس وغيرهم ممن يليهم من أهل تلك الكور، فلما بلغ عبد الله بن علي تبييضُ أهلِ قنسرين في الشمال، دعا حبيب بن مرة إلى الصلح وأمنه ومن معه. وكان الداعي إلى خلع قنسرين طاعة بني العباس، قائد من قواد مروان أيضاً اسمه أبو الورد الكلابي وكان دخل في طاعتهم، ثم نزع الطاعة لما قدم أحد قواد عبد الله بن علي إلى بالس والناعورة، وأتشأ يَعْبَث بولد مَسْلَمة بن عبد الملك ونسائهم، فشكا بعضهم ذلك إلى أبي الورد، وكان قد اجتمع معه جماعة من أهل قنسرين وكاتبوا من يليهم من أهل حمص وتدمر، فقدم منهم ألوف عليهم أبو محمد زياد بن عبد الله بن

стр. 148

خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان ودعوا إليه. وقالوا هذا السفياني الذي كان يذكر. والغالب أن أنصار الأمويين وضعوا بعد سقوط دولتهم ملحمة زعموا فيها أنهم يعرفون ما يحدث في المستقبل من الزمان والآتي من الأيام، من ظهور أمرهم ورجوع دولتهم، وظهور السفياني في الوادي اليابس من أرض الشام، في غسان وقضاعة ولخم وجُذام وغاراته وحروبه، ومسير الأمويين من بلاد الأندلس إلى الشام، وأنهم أصحاب الخيل الشهب والرايات الصفر، وما يكون لهم من الوقائع والحروب والغارات والزحوف، على ما نقله المسعودي. والاعتقاد بظهور السفياني كما قال صديقنا أحمد تيمور باشا يشبه الاعتقاد بظهور المهدي ويروون فيه أحاديث وأقاصيص الله أعلم بها. وفي البدء والتاريخ أن الروايات بشأن السفياني فيها حشو كثير ومحالات مردودة. ومسألة السفياني تدبير للأمويين حتى لا ينقطع الأمل من رجوع دولتهم ويخيفوا أعداءهم على الدوام. وربما كانت دعوى قرب ظهور السفياني أيضاً واسطة لفتك العباسيين بكل من توهموا فيه شيئاً من الرائحة السفيانية ولم تكد تنقطع هذه النغمة في الشام. وفي سنة ٢٩٤ زعم رجل أنه السفياني فحمل هو وجماعة معه من الشام إلى باب السلطان فقيل إنه موسوس. كان أتباع زياد في نحو أربعين ألفاً فعسكروا بمرج الأخرم بنواحي سَلَمْيَة ودنا منهم عبد الله بن علي ووجه إليهم أخاه عبد الصمد بن علي في عشرة آلاف. وكان أبو الورد هو المدبر لعسكر قنسرين وصاحب القتال. فناهضهم وكثر القتل في الفريقين، وانكشف عبد الصمد ومن معه وقتل منهم ألوف، ولحق بأخيه عبد الله فأقبل عبد الله معه وجماعته القواد، فالتقوا ثانية بمرج الأخرم فاقتتلوا قتالاً شديداً وثبت عبد الله فانهزم أصحاب أبي الورد وثبت هو في نحو من خمسمائة من قومه وأصحابه فقتلوا جميعاً، وهرب أبو محمد ومن معه حتى لحقوا بتدمر، وأمَّن عبد الله أهل قنسرين وسوَّدوا وبايعوه ودخلوا في طاعته، ثم رجع إلى دمشق وكان قد خرج من بها عن الطاعة أيضاً، ونهبوا أهل عبد الله بن علي، فلما

стр. 149

دنا عبد الله من دمشق هربوا ثم أمَّنهم، قال المؤرخون: إن العباسيين قتلوا من الشاميين ما لا يحصى، ثم أذكوا العيون على الأمويين يقتلون رجالهم ونساءهم، وينبشون عن قبورهم فيحرقونهم، فمن ثَم سمي عبد الله ابن محمد بن علي السفاح وفيه يقول الشاعر: وكانت أُمية في ملكها ... تجول وتظهر طغيانها فلما رأى الله أن قد طغت ... ولم تطق الأرض عدوانها رماها بسفاح آل الرسول ... فجزَّ بكفيه أذقانها انتقاض العباسيين على أنفسهم: هذا ما كان من أمر من خلعوا طاعة بني العباس من عصبية بني أمية في الجنوب والشمال، ولم يكن أثر تلك العصبية قد زال على شدة العباسيين في قطع شأفة الأمويين. ولما هلك أبو العباس السفاح، قام عمه عبد الله ابن علي عامل الشام، يدعو إلى نفسه بالخلافة، وقد استمال من معه من جنود خراسان فمالوا معه، وكان صالح بن علي بمصر على طاعة أبي جعفر، فلما بلغه أن عبد الله بن علي، قد خلع أبا جعفر وأنه قد عزم على حربه أقبل بمن معه من أهل خراسان، منكراً لفعل عبد الله بن علي، حتى لقي الحكم بن ضبعان الجذامي، ومع الحكم خلق كثير من أهل الشام في طاعة عبد الله بن علي، فهزمهم صالح باللجون وقتل منهم ناساً كثيراً وأفلت الحكم حتى أخذه بعدُ يزيد بن روح اللخمي بأرض بعلبك، وكان يزيد عاملاً لصالح بن علي ببعلبك، فضرب عنق الحكم وبعث برأسه إلى صالح بن علي، ونقل يزيد بن روح عند قتله الحكم بن ضبعان إلى ولاية دمشق. هذه رواية ابن عساكر، وقال غيره: إن صالح بن علي لما جاء فلسطين من مصر طلب أحياء العرب، وجعل يذبحهم حتى أتى على آخرهم وانتهب أموالهم ومواشيهم. وعلل صاحب البدء والتاريخ خروج عبد الله بن علي، على أبي جعفر بقوله: إنه لما مات أبو العباس، ادعى الخلافة عبد الله بن علي وبايعه أهل الشام والجزيرة، وذلك أن أبا العباس لما ظهر أمره، وضع سيفاً

стр. 150

وقال: من تقلد هذا السيف وسار إلى مروان فقاتله فله الخلافة بعدي، فتحاماه الناس وقام عبد الله بن علي فتقلده، وسار فقاتل مروان فقتله، فلما مات أبو العباس قام بالخلافة وبايعه الناس على ذلك، وكان أجلدهم وأشجعهم، فهال ذلك أبا جعفر واستشار أبا مسلم فقال: الرأي أن تعاجله ولا تتأنى به، وكان عبد الله بن علي في مائة ألف مقاتل ومائة ألف من الفعلة، وحفر الخندق من جبل نصيبين إلى نهرها، وجعل فيه ما يحتاج إليه من العدة والآلة، ونصب المجانيق والعرّادات وبث الحسك، وسد الطريق على من يقصده من العراق، وجعل الخصب والقرى وراءه. ولما وجه أبو جعفر المنصور أبا مسلم الخراساني قال له: أيها الرجل إنما هو أنا أو أنت. فإما أن تسير إلى الشام، فتصلح أمرها أو أسير أنا. قال أبو مسلم: بل أسير أنا. فاستعد في اثني عشر ألفا من أبطال جنود خراسان، حتى إذا وافى الشام انحاز إليه من كان بها من الجنود جميعهم، وبقي عبد الله بن علي وحده، فعفا أبو مسلم عنه، ولم يؤاخذه بما كان منه وقيل: بل أسيره وحمله إلى أبي جعفر، فخلده الحبس إلى أن مات، وهذا هو الأصح، وأبو مسلم من أقرب الناس إلى سفك الدماء، وقد قتل في دولته ستمائة ألف إنسان، ولكنه تحامى أن يقتل عم الخليفة، واكتفى من عقوبة الثائر بالاستيلاء على خزائنه، وكانت عظيمة، لأنه استولى كما تقدم على ذخائر خلفاء بني أمية ونعمتهم، وذلك بعد حروب كثيرة في أرجاء نصيبين في الموضع المعروف بدير الأعور، وصبر الفريقان شهورا على حروبها. ومع هذا تعاقب على حلب كثير من ولد عبد الله بن علي بن العباس نحو مائة سنة. وكان هوى أهل الشام مع عبد الله بن علي يوم قام على المنصور، فلما هزم عبد الله عفا المنصور عن الشاميين، وكان العباسيون كالأمويين يولون في مبدإ أمرهم الولايات لآل بيتهم وأولياء عهد الخلافة.

стр. 151

نزع اللبنانيين والفلسطينيين طاعة العباسيين: ومن كوائن هذا الدور ما وقع في سنة ١٣٥ من نهب المقدم الياس في لبنان البقاع ونهب قراها وأهلها، فأرسل والي الشام من قبل أبي العباس إليه رسلا لعقد الصلح، ثم هاجمه في قرية المرج وقتله، وبعد رجوع عسكر الشام، رجع أصحابه ودفنوه بقرب الجامع الذي في القرية. ثم أقيم مقدما على الجيش سمعان ابن أخت المقتول فسارت إليه عساكر الشام، وكانت الحرب بينهم في قرية الشوير، فانكسر العسكر الشامي وارتد راجعا، ودام القتال على ما في تواريخ الموارنة بين عساكر المسلمين ونصارى تلك الكورة مدة طويلة. ويقول البلاذري: إنه خرج قوم بجبل لبنان شكوا عامل خراج بعلبك، فوجه صالح بن علي من قتل مقاتلتهم وأقر من بقي منهم على دينهم، وردهم إلى قراهم، وأجلى قوما من أهل لبنان. وقد كتب الإمام الأوزاعي إلى صالح رسالة طويلة في تخطئته في طريقته التي سار عليها في مقاتلة اللبنانيين، حفظ منها ما يأتي: وقد كان من إجلاء أهل الذمة من جبل لبنان، ممن لم يكن لهم ممالئا لمن خرج على خروجه، ممن قتلت بعضهم ورددت باقيهم إلى قراهم، ما قد علمت، فكيف تؤخذ عامة بذنوب خاصة، حتى يخرجوا من ديارهم وأموالهم؟ وحكم الله تعالى أنْ لا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وهو أحق ما وقف عنده، واقتدي به وأحق الوصايا أن تحفظ وترعى وصية رسول الله ﷺ فإنه قال: من ظلم معاهدا وكلفه فوق طاقته فأنا حجيجه. ثم ذكر كلاما. روى ابن عساكر أن الروم دخلوا طرابلس في زمان واليها رباح بن عثمان لصالح بن علي أمير الشام ومصر، ثم ظهر رجل من أهل المنيطرة، وذلك في سنة اثنتين أو سنة ثلاث وأربعين ومائة، وسمى نفسه الملك، ولبس التاج وأظهر الصليب واجتمع عليه أنباط جبل لبنان وغيرهم، ثم استفحل أمرهم فسبوا بعض قرى البقاع، فقتلوا المسلمين وأخذوا ما وجدوا وكتب بندار

стр. 152

الملك إلى أهل بعلبك يعلمهم بمصيرهم ويأمرهم بقتالهم، فتأهبوا وقاتلوهم في أسفل جبل لبنان، ثم أظهروا الهزيمة فأمعنوا في الطلب، فلما بعدوا عن الجبل كرت عليهم خيل بعلبك، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وانهزم بقيتهم، ثم هاجموهم في قلعتهم فظهروا عليهم وامتلكوها منهم، وهرب بندار إلى ملك الروم، فكتب حينئذ صالح بن علي يأمر بإخراج من بقي في الجبل، وتفريقهم في كور الشام. وصالح بن علي من أعظم رجال العباسيين هو الذي كسر الروم في نوبة مرج دابق وكانوا في مائة ألف أو يزيدون. وبعد صالح بن علي وجه أبو جعفر المنصور محمد بن الأشعث إلى الشام، وكتب إليه أن يخرج عمال صالح بن علي، فجهزه وعقد له وضم إليه من قواده جماعة، وكتب أمير المؤمنين إلى صالح بن علي أن يسلم دمشق إلى محمد بن الأشعث، فأتاها فأقام بها مدة، ثم أتاه كتاب أمير المؤمنين يأمره أن يسير إلى الأردن ويخرج عمال صالح بن علي من الأردن والبلقاء وفلسطين فأخرجهم. قيس ويمن والفتن الداخلية والخارجية: وفي سنة ١٦٨ نقض الروم الصلح، فوجه علي بن سليمان وهو يومئذ على الجزيرة وقنسرين يزيد بن بدر في سرية إلى الروم، فغنموا وظفروا. ولم يغفل العباسيون عن غزو الروم الصوائف وغيرها على مثال بني أمية. وفي هذه السنة رد المهدي ديوان أهل بيته من دمشق إلى المدينة. ومن الفتن فتنة سنة ١٧٦ هاجت بدمشق بين المضريين واليمانيين، وكان على دمشق عبد الصمد، فسعى الرؤساء في الصلح فأجاب بنو القين، واستمهلت اليمانية ثم ساروا إلى بني القين وقتلوا نحو ستمائة، فاستنجدت بنو القين قضاعة وسليحا فأبوا، فاستنجدوا قيسا فساروا معهم إلى الصواليك، من أرض البلقاء، فقتلوا من اليمانية ثمانمائة، وكثر القتل منهم، ثم عزل الرشيد عبد الصمد عن دمشق، وولاها إبراهيم بن صالح، وكان هواه مع اليمانيين، واستخلف إبراهيم على دمشق ابنه إسحاق فحبس جماعة من قيس وضربهم، ثم وثبت غسان برجل من ولد قيس العبسي فقتلوه، واستنجد

стр. 153

أخوه بالزواقيل اللصوص من حوران فأنجدوه، وقتلوا من اليمانية نفرا. قال ابن كثير في حوادث سنة ١٧٦ إنه وقعت فتنة بين النزارية واليمانية، وهذا كان بدء العشران بحوران وهم قيس ويمن، أعادوا ما كانوا عليه في الجاهلية في هذا الأوان، فقتل منهم بشر كثير، فلما تفاقم الأمر بعث الرشيد من جهته موسى بن يحيى ومعه جماعة من القواد ورؤوس الكتاب، فأصلحوا بين الناس وهدأت الفتنة، واستقام أمر الشام، وحملوا جماعات من رؤساء الفتنة إلى مدينة السلام، فرد أمرهم الرشيد إلى عامله خالد فعفا عنهم وأطلقهم ففي ذلك يقول بعض الشعراء: قد هاجت الشام هيجاً ... يشيب رأس وليده وصبّ موسى عليها ... بخيله وجنوده فدانت الشام لما ... أتى نسيج وحيده دامت هذه الفتنة نحو سنتين، وسببها فيما قيل أن رجلا من بني القين قطع بطيخة من حائط بالبلقاء لرجل من لخم أو جذام. وفي رواية أن الفتنة لما هاجت بالشام بين النزارية واليمانية، وولى الرشيد سنة ١٧٦ موسى بن يحيى الشام جميعه، أقام به سنتين حتى أصلح بينهم. قال ابن الأثير: إن سبب هذه الفتنة بين المضرية واليمانية، ورأس المضرية أبو الهيذام عامر بن عمارة أحد فرسان العرب المشورين، أن عاملا للرشيد بسجستان قتل أخاً لأبي الهيذام فخرج أبو الهيذام بالشام وجمع جمعا عظيما. وهذا السبب أرجح إذ لا يعقل أن تنشب الفتنة بين قبيلين من أجل بطيخة قطعت من بستان. أما أبو الهيذام فاستولى على دمشق، وقاتل في قومه فهزم أكثر الجيوش التي قابلته، وكان معه فريق كبير من أعراب الشام. وفي سنة ١٨٠ تفاقم أمر هذه الفتن، فعقد الرشيد، أيام عصيبة أبي الهيذام، لجعفر بن يحيى البرمكي على الشام، فأتاهم وأصلح بينهم وقتل المتلصصة منهم، ولم يدع بها محاربا ولا فارسا، فعادوا إلى الأمن والطمأنينة وقال بعض الشعراء في ذلك:

стр. 154

لقد أوقدت بالشام نيرانُ فتنةٍ ... فهذا أوان الشام تخمد نارها إذا جاش موج البحر من آل جعفرٍ ... عليها جنت شهبانها وشرارها رماها أمير المؤمنين بجعفرٍ ... وفيه تلاقي صدعها وانجبارها رماها بميمون النقيبة ماجدٍ ... تراضى به قحطانها ونزارها وفي سنة ١٨٧ ثارت العصبية أيضاً بالشام بين المضرية والنزارية وجمعوا جموعاً كثيرة، وكانت بينهم في ذلك فتن قتل فيها من المضرية نحو من خمسمائة، والوالي على دمشق شعيب بن حازم، قال ابن عساكر: وذكروا منه تعصباً فوجه أمير المؤمنين الرشيد محمد بن منصور بن زياد إلى أهل دمشق، وأمره بدعاء الفريقين جميعاً إلى الرجوع عما هم عليه، على أن يحمل من بيت ماله ما كان بينهم من الدماء ويعفو عنهم ويولي من أحب الفريقان، فاطفئت الفتنة. وفي سنة ٨٨١ كان غزو إبراهيم بن جبريل الصائفة، أدرب من درب الصفصاف فيما ذكر أربعون ألفاً وسبعمائة. الحمصيون وفتنة السفياني: وفي سنة ١٩٠ وثب أهل حمص بواليهم فخرج الرشيد نحوهم، فلما صار بمنبج لقيه وفدهم يعطون بأيديهم فعفا عنهم. وفي سنة ١٩١ خرج أبو النداء بالشام، فوجه الرشيد في طلبه يحيى بن معاذ، وعقد له على الشام. وفيها نقض أهل قبرس العهد فغزاهم معيوف بن يحيى فسبى أهلها. وفي سنة ١٩٤ اختلف أهل حمص مع عاملهم إسحاق بن سليمان، فانتقل عنهم إلى سلمية فعزله الأمين، واستعمل مكانه عبد الله بن سعيد الحرشي، فقاتل أهل حمص حتى سألوا الأمان فأمنهم، ثم هاجوا فضرب أعناق عدة منهم. وفي سنة ١٩٥ أي في أيام الخليفة الأمين، ظهر بالشام السفياني علي بن عبد الله بن خالد بن يزيد بن معاوية الملقب بأبي العَمَيْطر كسفرجل لأنه زعم أنها كنية الحرذون فلقبوه به. وكان من بقايا بني أمية بالشام، ومن أهل العلم والرواية، فدعا إلى نفسه وسمي خليفة، وكان أصحابه يوم ادعى الخلافة يدورون في أسواق دمشق ويقولون للناس:

стр. 155

قوموا بايعوا مهدي الله. وكان يفتخر بقوله: أنا ابن شيخي صفين يعني عليّاً ومعاوية، لأنه كان ينتسب لبني أمية من جهة أبيه ولآل أبي طالب من جهة أمه، وكان أكثر أصحابه من كلب، وتعصب له اليمانية، وقاومه القيسية فنهب دورهم وأحرقها وقتلهم وفتك بأهل دمشق، وطرد منها سليمان بن أبي جعفر المنصور عاملها بعد حصره إياه، وكان عامل الأمين عليها، فلم يفلت منها إلا بعد اليأس، وأعانه الخطاب بن وجه الفُلس مولى بني أمية، وكان قد تغلب على صيدا، وقاومه محمد بن صالح بن بيهس الكلابي فخرج إلى قرية الحرجلة، فقتل من ظفر به من بني سليم ونهبها وأحرقها، وجعل يطلب من بدمشق من القيسية. وكان القرشيون وأصحابه من اليمن يمرون بالدار من دور دمشق فيقولون: ريح قيسي نشم من هذه الدار، فيضربونها بالنار، فهرب القيسية من دمشق، وكان من لم يبايعه سمَّر عليه بابه، وكان إذا خرج من الخضراء وهو راكب يمشي بين يديه خمسمائة رجل على رؤوسهم القلانس الشاميات وفي أيديهم المقارع. كتب أبو العَمَيْطر إلى ابن بَيهس الكلابي: بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد فالعجب كل العجب لتخلفك عن بيعة أمير المؤمنين، يعني نفسه وجحدانك نعم آبائه عليك، ولست ولا أحدٌ من سلفك إلا في نعمته، وأنت تعلم مكان حرمتك بقرية تلفياثا، وأن عشيرتك بالغوطة كرش منثورة، وأمير المؤمنين يحلف لك بالله لئن سمعت وأطعت، ليبلغن بك أقصى غاية الشرف، وليولينك ما خلف بابه، ولئن تخلفت وتأخرت ليبعثن إليك ما لا قبل لك به من الزحوف، التي تتلوها الحتوف، بشاهد السلاح المعدّ لأهل الخلاف والمعصية. وقد بعث إليك أمير المؤمنين شعراً فتدبره وكتب في أسفل كتابه: لئن كان هذا الجد منك لقد هوى ... بك الحَيْن في أهويّة غيرَ طائل أبعد اجتماع الشام سمعاً وطاعة ... إليَّ وإذلالي جميع القبائل وتوجيهيَ العمال في كل بلدةٍ ... وزحفي إليها بالقنا والقنابل رجوت خلافي أو تمنيت جاهلاً ... إزالة ملك ثابت غير زائل

стр. 156

فإن تعط سمعاً أو تعلقْ بطاعة ... تُقَلْ من ملمات شداد الزلزل وإن تعصِ لا تسلم وفي السيف واعظ ... لذي الجهل ما لم يتعظ بالرسائل فلم يجبه ابن بيهس على كتابه، وأقبل أبو العَمًيْطر على طلب القيسية فكتبوا إلى ابن بيهس، فاقبل إليهم في ثلاثمائة فارس من الضباب ومواليه، واتصل الخبر بأبي العميطر فوجه إليه يزيد بن هشام في اثني عشر ألفاً فاقتتلوا، فلم يزل القتل في أصحاب يزيد بن هشام حتى دخلوا أبواب دمشق، فبلغ القتلى ألفي رجل وأسر ثلاثة آلاف، فدعا بهم ابن بيهس فحلق رؤوسهم ولحاهم، وأحلفهم بأنهم يصيرون إلى باب أبي العَمَيْطَر فيصيحون نحن عتقاء ابن بيهس، فاشتدت شوكته وتوهن أمر أبي العميطر السفياني، فجعل ابن بيهس يغير كل يوم على ناحية فيقتل ويأسر. ولما فرغ ابن بيهس من حرب يزيد بن هشام، نزل قرية سكا، واجتمع إلى أبي العميطر وزراؤه فقالوا له: لا يهولنك محاصرة ابن بيهس إياك فإن الحرب سجال، فكتب أبو العميطر إلى السواحل والبقاع وبعلبك وحمص فأتاه خلق عظيم، واشتبكت الحرب بين شبعا وقرحتا وتقاتلوا قتالاً طويلاً. واجتمعت نمير على مسلمة بن يعقوب، وبذلوا له البيعة بالخلافة، فقبل منهم وجمع مواليه ودخل على السفياني أبي العميطر في الخضراء فقبض عليه وقيده، وقبض على رؤساء بني أمية فبايعوه وأدنى قيساً وجعلهم خاصته. وجمع ابن بيهس رؤساء بني نمير فقال لهم: قد كان من علتي ما ترون فارفقوا ببني مروان بن الحكم وألطفوا بهم، وعليكم بمسلمة بن يعقوب فبذل له بنو نمير البيعة. وبعث مسلمة إلى رؤساء بني أمية عن لسان أبي العَمَيْطر يأمرهم بالحضور فجعل كل من دخل يقال له: بايع، والسيف على رأسه فيبايع. وأدنى مسلمة القيسية، ولبس الثياب الحمر، وجعل أعلامه حمراء، وأقطع بني نمير ضياع المرج، وجعل لكل رجل من وجوه قيس بمدينة دمشق منزلاً وولاهم، ثم أقبل ابن بيهس حتى نزل قرية شبعا وأصبح منها غادياً إلى دمشق، وصاح الديدبان بالسلاح، وخرج مسلمة وخرجت معه القيسية، فتقاتلوا ذلك اليوم مع

стр. 157

مسلمة قتالاً شديداً وكثرت الجراحات في الفريقين، وانصرف ابن بيهس وخاف القيسية على أنفسهم، وذهبوا إلى ابن بيهس وأحكموا الأمر معه، وصبح دمشق بالخيل والرجالة والسلالم، ونشب القتال وصعد أصحاب ابن بيهس السور بناحية باب كيسان فلم يشعر بهم أصحاب مسلمة، واستولى ابن بيهس على دمشق لعشر خلون من المحرم سنة ثمان وتسعين ومائة، ولم يزل يحارب أهل المزة وداريا وبيت لهيا إلى أن صالحه أهل بيت لهيا، وأقام على حرب أهل المزة وداريا وهو مقيم بدمشق أميراً متغلباً عليها، إلى أن قدم عبد الله بن طاهر دمشق سنة ثمان ومائتين وخرج إلى مصر ورجع إلى دمشق سنة ست عشرة ومائتين، وحمل ابن بيهس معه إلى العراق. وولى الأمين ١٩٦ عبد الملك بن صالح بن علي على الشام، وأمره بالخروج إليها. وفرض له من رجالها جنوداً يقاتل بها طاهراً وهرثمة. وعبد الملك هذا هو الذي كان يقول في أهل الشام: قوم قد ضرستهم الحروب وأدبتهم الشدائد، وإن أهل الشام أجرأ من أهل العراق، وأعظم نكاية في العدو. ووقعت فتنة في عسكره بين الخراسانيين وأهل الشام وكثر القتل، وأظهر عبد الملك النصرة للشاميين، وانتصر الحسين بن علي للخراسانيين وتنادى الناس بالرجوع، فمضى أهل حمص وقبائل كلب فانهزم أهل الشام واتصلت الحروب ١٩٨ بين سكان الشام وجماعة العباسيين، وكان يعقوب بن صالح الهاشمي يحارب الحاضر حاضر حلب، فلم يبق منهم وافترقوا أيدي سبا، فصار أكثرهم إلى مدينة قِنَّسْرين، وضرب يعقوب الحاضر وكان فيه عشرون ألف مقاتل. وذكر المسعودي أن عبد الملك بن صالح توفي بالرقة سنة ١٩٧، وكان العامل على الجزيرة وجند قنسرين والعواصم والثغور، واضطربت البلدان بعد وفاته، وتغلب كل رئيس قوم عليهم، وصار الناس حزبين، حزب يظاهر بمحمد، وحزب يظاهر بالمأمون، فلم يبق بلد إلا وفيه قوم يتحاربون، لا سلطان يمنعهم ولا شيء يدفعهم. ولما أفضت الخلافة إلى المأمون كان بقورس وما والاها من كور العواصم العباس بن زفر الهلالي، وبالحيار وما والاها من كور قِنسرين عثمان بن عثامة العبسي،

стр. 158

وبالحاضر الذي إلى جانب حلب منيع التنوخي. وقد كان يعقوب بن صالح الهاشمي يحارب الحاضر، فهرب أهل قنسرين، وكان بمعرة النعمان وتل منس وما والاها من إقليم حمص الحواري بن خيطان التنوخي. وبحماة وما والاها حراق البهرائي، وبشيزر وما والاها بنو بسطام، وبمدينة حمص بنو السمط، وأقام بدمشق والأردن وفلسطين جماعة من رؤساء القبائل حتى ولى المأمون عبد الله بن طاهر. ولم تكد الشام تستريح من فتنة أبي العميطر حتى قام في أول عهد المأمون بدمشق رجل من بني أمية أيضاً، أسمه سعيد بن خالد الأموي العثماني الفدّيني، وادعى الخلافة، قام بعد أبي العميطر وأغار على ضياع بني شهيب شرنبث؟ السعديين، وتطلب القيسية وقتلهم، وتعصب ليمن، فجهز له محمد بن صالح ابن بيهس أخاه يحيى بن صالح، فلما صار بالقرب من حصنه المعروف بالفدّين هرب، فوقف يحيى حتى هدمه وخرب زيزاء، وتحصن سعيد في قرية ماسوح، ثم إنه جمع عليه جمعاً عظيماً زهاء عشرين ألفاً، فلم يجد محاربه إلى أن أجلاه عن مكانه وصار بعد ذلك إلى حسبان وفيه حصن حصين، فأقام به وتفرق عنه أصحابه. فتنة نصر بن شبث: وهكذا لم يخل عهد السفاح والمنصور والمهدي والهادي والرشيد والأمين والمأمون من خلفاء بني العباس من فتن في هذه الديار، وبقيت نار العصبيات تتأجج. واليمانيون مع الأمويين، والقيسيون مع العباسيين، والدعوة للسفياني الذي وعد بإرجاع ملك بني أمية تهب وتنام، وقد ابتدأت أوائل خلافة المأمون بشيء من هذا القبيل. فقد عصى عليه نصر بن شبث العقيلي، وكان يسكن كيسوم شمالي حلب، وكان في عنقه بيعة للأمين وله فيه هوى، فلما قتل الأمين أظهر نصر الغضب وتغلب على ما جاوره من الكور، وملك سميساط واجتمع عليه خلق كثير من الأعراب وأهل الطمع وقويت نفسه، وعبر الفرات إلى الجانب الشرقي،

стр. 159

وحدثته نفسه بالتغلب عليه. فلما رأى الناس ذلك منه كثرت جموعه وزادت عما كانت عليه وقوي أمره ١٩٩ بالجزيرة وأتاه نفر من شيعة الطالبيين فقالوا: قد وترت بني العباس وقتلت رجالهم، وأعلقت عنهم العرب فلو بايعت لخليفة كان أقوى لأمرك فقال: من أي الناس؟ قالوا: نبايع لبعض آل علي بن أبي طالب فقال: أبايع أولاد السوداوات، فيقول إنه خلقني ورزقني. قالوا: فنبايع لبعض بني أمية فقال: أولئك قد أدبر أمرهم والمدبر لا يقبل أبداً، ولو سلّم عليّ رجل مدبر لأعداني بإدباره، وإنما هواي في بني العباس، وإنما حاربتهم محاماة عن العرب لأنهم يقدّمون عليهم العجم. قوي أمر نصر فأرسل عليه المأمون أحد عظام قواده طاهر بن الحسين فلقيه نصر وكسره، فسير إليه المأمون عبد الله بن طاهر القائد العظيم ابن ذاك القائد العظيم، فحصره في كيسوم من مدن العواصم وأخذه بعد وقائع كثيرة، واحتوى على الشام جميعه وهدم عدة أسوار من المدن المجاورة لحلب ومنها كيسوم. وسار عبد الله بن طاهر يستقري الشام بلداً بلداً، لا يمر ببلد إلا أخذ من رؤساء القبائل والعشائر والصعاليك اللصوص، وهدم الحصون وحيطان المدن، وبسط الأمان للأسود والأبيض والأحمر وضمهم جميعاً، ونظر في مصالح البلدان، وحط عن بعضها الخراج، فلم يبق مخالف ولا عاص إلا خرج من قلعته وحصنه، وعاد عبد الله بن طاهر إلى مدينة السلام يحمل معه المتغلبين على الشام، أمثال ابن السرج وابن أبي الجمل وابن أبي الصقر، ودام عصيان نصر خمس سنين. المأمون وحكمه على قيس ويمن: لم يطفئ الفتنة التي أثارها نصر بن شبث في الشمال والتي أثارها غيره

стр. 160

في الوسط والجنوب غير أعاظم قواد بني العباس، أطفئوها بالعقل والتؤدة، وقد رأينا أن عصبية الأمويين لم تنقطع على شدة العباسيين في استئصالها، وكان كل حين يثور ثائر باسم السفياني، ويثور معه جماعته ولا سيما من أهل القرى والبوادي. وكانت الأحوال أخذت تهدأ على عهد الرشيد والمأمون، فتفرغا لإجراء الإصلاح. وكان الرشيد تولى شمال الشام أيام كونه ولياً للعهد، والمأمون زار الشام ثلاث مرات يقيم فيها نصاب العدل، ويوطد دعائم المدينة، وعدّ عهده أبيه من أجمل عصور التاريخ الإسلامي. المأمون الخليفة العادل، وممثل التسامح المحمدي العجيب، ومحكّم العقل في أحكامه ومعتقداته، وقلما اجتمعت صفات كصفاته وعقل كعقله وعلم كعلمه لخليفة من خلفاء الإسلام. وكأن ما وقع في أوائل عهد العباسيين من الغوائل التي غالت أهل البوادي والحواضر في هذه الديار كان عقوبة لأهلها عما قدمت أيديهم من خيانة عهد بني أمية ونفض أيديهم من مروان بن محمد لأول ظهور قوة خصمه وإدبار الأمر عنه، حتى قاتلوه وطاردوه، على مثل ما قاتله جيش خراسان العباسي وزيادة، فتعجلوا انقراض دولة الأمويين معلقين آمالهم على الدولة الفتية. ولذلك زعم بعضهم أن الملك في الشام لا يثبت، لعدم الثبات المغروس في فطرة أهله، ولتلون الطبائع فيه تلوّن أقاليمه وسمائه وهوائه. وكان من أثر العادة التي حملها العرب معهم من جزيرتهم، وهي عادة الغزو المتأصلة في غير سكان المدن، أن نشبت الثورات وكثر قتل الأنفس وغرست هذه الاضطرابات في أرض الشام فنمت، خصوصاً وجبالها أكثر من سهولها على الأكثر، وتصلح للدفاع والهزيمة والاستمرار على المشاكسة لصاحب القوة. بالغ العباسيون في إهراق الدماء لأول أمرهم، وقضوا على آثار بني أمية، وهي كثيرة جداً، ومع ذلك كان اسم الأموي والسفياني يرنّ في الآذان، والمستعدون للثورة يمتشقون الحسام عند أول داعية يسمعهم صوته، أو ثائر يستتبع الناس ويعدهم الوعود الخلابة. نعم إن التنازع بين القيسيين واليمانيين كان في هذا القرن على أشد حالاته، وهذه العداوة

стр. 161

بين الفريقين العظيمين من العرب أضرت ضرراً بالغاً. وكان القيسيون حزب العباسيين على الأغلب واليمانيون حزب الأمويين والمنافسة بينهما على الملك والسلطان. تعرض رجل للمأمون بالشام مراراً فقال له: يا أمير المؤمنين انظر لعرب الشام كما نظرت لعجم أهل خراسان فقال: أكثرت عليّ يا أخا أهل الشام، والله ما أنزلت قيساً من ظهور الخيل إلا وأرى أنه لم يبق من مالي درهم واحد، وأما اليمن فوالله ما أحببتها ولا أحبتني قط. وأما قضاعة فسادتها تنتظر السفياني وخروجه فتكون من أشياعه، وأما ربيعة فساخطة على الله منذ بعث نبيه من مضر، ولم يخرج اثنان إلا خرج أحدهما ثائراً، أعزب فعل الله بك. سبب تباغض النزارية واليمانية وحكمة حكيم: تأصلت البغضاء بين النزارية واليمانية منذ كان للعرب في الشام سلطان. وكثيراً ما تظهر بوادر هذه العداوة لسبب تافه. فقد ذكروا أن الكميت الشاعر المعروف، مدح النزارية فأفحش في مدحه، ففخروا بذلك على اليمانية، وأغدق بنو هاشم المال على الكميت مكافأة له، وقام دعبل الخزاعي يمدح اليمانيين ويعيب غيرهم، فكان هذا أول الشنآن بين النزارية واليمانية، ومنها تخرب الناس بالمناقب وثارت بينهم في البدو والحضر، إلى أن قام محمد الجعدي متعصباً لقومه، فانحرف الناس للدعوة العباسية وتقلقل الأمر إلى انتقال الدولة من بني أمية إلى بني هاشم، ولم يبق معهم إلا من فرّ بنفسه مستخفياً. وكان رجال الإدارة والسياسة إذا أحبوا نشر العدل بين هذين الحيين العظيمين من أحياء العرب يتعذر عليهم ذلك إلا بغمط حقوق الفريق الثاني، ولذلك عدّ من حسن سياسة إبراهيم بن محمد المهدي المنبوز بأبن شكلة الهاشمي أخي الخليفة الرشيد لما ولي دمشق، ما اتخذه أو ابتدعه من طريقة

стр. 162

جديدة أرضى بها قيساً ويمناً، فإنه لما جاء غوطة دمشق وافاه الحيان من مضر ويمن، فلقي كل من تلقاه بوجه واحد، فلما دخل المدينة أمر حاجبه بإحضار وجوه الحيين وأمره بتسمية أشرافهم، وأن يقدم من كل حي الأفضل فالأفضل منهم، وأن يأتيه بذلك، فلما أتاه به أمر بتصيير أعلى الناس من الجانب الأيمن مضرياً، وعن شماله يمانياً، ومن دون اليماني مضري، ومن دون المضري يماني، حتى لا يلتصق مضري بمضري، ولا يماني بيماني، فلما قدم الطعام قال قبل أن يطعم شيئاً: إن الله جعل قريشاً موازين بين العرب فجعل مضر عمومتها، وجعل يمن خؤولتها وافترض عليها حب العمومة والخؤولة، فليس يتعصب قرشي إلا للجهل بالمفترض عليه. ثم قال: يا معشر مضر كأني بكم وقد قلتم إذا خرجتم لإخوانكم من يمن: قد قدَّم أميرنا مضر على يمن، وكأني بكم يا يمن قد قلتم وكيف قدمكم علينا، وقد جعل بجانب اليماني مضريا، وبجانب المضري يمانيا، فقلتم: يا معشر مضر إن الجانب الأيمن أعلى من الجانب الأيسر، وقد جعلت الأيمن لمضر والأيسر ليمن، وهذا دليل على تقدمته إيانا عليكم. ألا إن مجلسك يا رئيس المضرية في غد من الجانب الأيسر ومجلسك يا رئيس اليمانية في غد من الجانب الأيمن. وهذان الجانبان يتناوبان بينكما يكون كل من كان في جهته متحولا عنه في غده إلى الجانب الآخر. فانصرف القوم وكلهم حامد. وهذا من ألطف أساليب السياسة واستمالة القلوب بدون خسارة. فافتخر إبراهيم بن المهدي بقوله: ما أعلم أحدا ولي جند دمشق فسلم من لقب يلقبه به أهل ذلك الجند غيري، وذلك أن كل ملقب ممن ولي إمرة الشام، لم يكن إلا ممن ينحرف عنه من اليمانية أو المضرية، فكان إن مال إلى المضرية لقبته اليمانية، وإن مال إلى اليمانية لقبته المضرية، فعاملهم إبراهيم معاملة واحدة في الاجتماع وقضاء المصالح. فكانت الحاجة تعرض لبعض الحيين فيسأل قبل أن يقضيها له، هل لأحد من الحي الآخر حاجة تشبه حاجة السائل، فإذا عرفها قضى الحاجتين في وقت واحد. قال: فكنت عند الحيين محمودا لا أستحق عند واحد منهم ذمّاً

стр. 163

ولا عيباً ولا نبزاً أنبز به. وقال إبراهيم: إنه ولي دمشق سنتين ثم أربع سنين بعدهما لم يقطع على أحد في عمله طريق. وأخبر أن الآفة كانت في قطع الطريق في عمل دمشق من ثلاثة نفر: دعامة والنعمان موليان لبني أمية، ويحيى بن أرميا من يهود البلقاء، وأنهم لم يضعوا أيديهم في يد عامل قط، فكاتبهم فارعوى الاثنان وأبى الثالث أداء الجزية فقتل في معركة، وساد الأمن في القطر. ولكن هذه السياسة لم يجر العمل بها دائما، فقد ذكروا أن إبراهيم ابن صالح والي دمشق في خلافة الرشيد لما خرج منها في الوفد الذي قدم به على الرشيد استخلف ابنه إسحاق على دمشق، وضم إليه رجلا من كندة يقال له الهيثم بن عوف. فغضب الناس وحبس رؤساء من قيس، وأخذ أربعين رجلا من محارب فضربهم وحلق رؤوسهم ولحاهم، وضرب كل رجل ثلاثمائة، فنفر الناس بدمشق وتداعوا إلى العصبية ونشبت الحرب ورجعوا إلى ما كانوا عليه من القتل والنهب فلم يزالوا على ذلك أشهراً. قيس ويمن وفتنة المبرقع: ولي دمشق بعد إبراهيم بن المهدي سليمان بن المنصور فانتهبه أهل دمشق وسبوا حريمه، وولي بعده منصور بن المهدي، وكانت على رأسه الفتنة العظمى ولم يؤد القوم طاعة بعد ذلك، إلى أن افتتح دمشق عبد الله ابن طاهر في سنة عشر ومائتين. ووقعت بدمشق فتن على عهد الأمين، وسببها على ما ذكروه أنه كان يعجبه البلور فدس عامله فأخذ له قلة دمشق من جامعها فلما شعر الدمشقيون قالوا: لا صلاة بعد القلة فصارت مثلا وافتتن الناس وامتدت فتنتهم، ولما ولي المأمون أرجع القلة إلى محلها. ولعل مسألة القلة أوجدها أنصار المأمون على الأمين حتى لا تبقى ناحية في المملكة إلا وتشعر بكراهة الأمين. وكتب المأمون في سنة ٢١٨ إلى عامله على دمشق في التقدم إلى عماله في حسن السيرة وتخفيف المؤونة وكف الأذى عن أهل محله. قال: فتقدم إلى عمالك في ذلك أشد التقدمة، واكتب إلى عمال خراجك بمثل ذلك. وكتب بهذا إلى جميع

стр. 164

عماله في أجناد الشام جند حمص والأردن وفلسطين. وفي أيام المعتصم ٢٢٤ خرجت رجال دمشق على أبي المغيث الرافعي واليها في طلبهم محمد بن أزهر، وكان قد عاث في مرج دمشق ونفر أهلها وأجلاهم عنها، فخرج رجل من بني حارثة اسمه يزيد في جماعة وغيرهم من يمن، واجتمعت قيس بمرج دمشق وأقبل محمد بن أزهر، فلما صار إليهم خرجوا عليه وجرح وقتل من الجند خلق، ووثب ابن لمحمد بن صالح على بعض أمراء السلطان وأخذه في جماعة من قيس بحوران، وأقبل إلى مرج دمشق وصار مع يزيد وحاصر دمشق حصارا شديدا، وغلقت أبواب دمشق ولم يخرج أحد إلا اختطف. ولما مات المعتصم ٢٢٧ ثارت القيسية بدمشق وعلى رأسهم ابن بيهس الكلابي فعاثوا وأفسدوا وحصروا أميرهم فبعث الواثق إليهم رجاء بن أيوب، وكانوا معسكرين بمرج راهط، فنزل بدير مران ودعاهم إلى الطاعة فلم يرجعوا، فواعدهم الحرب بدومة فوافاهم فقاتلهم فهزمهم وقتل منهم نحواً من ألف وخمسمائة، وقتل من أصحابه نحو من ثلاثمائة وهرب مقدمهم ابن بيهس وصلح أمر دمشق. وقال ابن عساكر: إن الذين ثاروا هم أهل الغوطة والمرج، ومن قرى الغوطة الثائرة كفر بطنا وجسرين وسقبا وقرى جرش ومن انضوى إليهم، وأصيب من ذلك جماعة كثيرة، وقاتلهم العامل في مجمع عسكرهم بكفر بطنا وهي لقيس، وثار الناس من النواحي، وقتلوا الأطفال وجرحوا النساء وهزمهم. وسار رجاء إلى فلسطين لقتال تميم اللخمي، ويعرف بأبي حرب ويلقب بالمبرقع الخارج بها في لخم وجذام وعاملة وبلقين، فقاتله فانهزم المبرقع وأخذ أسيراً سنة ٢٢٧، وكان المبرقع من أهل الغور خلع الطاعة ودعا إلى نفسه فتبعه خلق كثير من الحراثين وغيرهم وقالوا: هذا هو السفياني المذكور أنه يملك الشام، واستفحل أمره جدا واتبعه نحو مائة ألف فأنفذ المعتصم إليه جيشا، فلما قدم الأمير رأى أمة كبيرة قد اجتمعت حوله، فخشي أن يناجزه والحالة هذه فانتظر حتى جاء وقت حرث الأرض، فتصرَّم عنه الناس إلى أرضهم، وبقي في شرذمة قليلة من

стр. 165

أصحابه فناهضه فأسره. وروى الطبري: أن سبب خروج المبرقع على السلطان أن بعض الجند أراد النزول في داره وهو غائب عنها وفيها إما زوجته وإما أخته، فمانعته ذلك فضربها بسوط أصاب ذراعها فأثر فيها، فلما رجع أبو حرب إلى منزله بكت وشكت إليه ما فعل بها وأرته الأثر الذي بذراعها من ضربه، فأخذ أبو حرب سيفه ومشى إلى الجندي وهو غارٌّ فضربه حتى قتله، ثم هرب وألبس وجهه برقعاً كي لا يعرف، فصار إلى جبل من جبال الأردن، ولما كثرت غاشيته من الحراثين استجاب له جماعة من رؤساء اليمانية وأرباب البيوت منهم. وروى أيضا أن خروجه كان في سنة ٢٢٦ بالرملة وصار في خمسين ألفا من أهل اليمن وغيرهم، وأن القائد العباسي قاتله بالرملة فقتل من أصحابه في وقعتين خمسة وعشرون ألفاً حتى أسر. فتن أهلية وعصبيات حمصية ولبنانية ودمشقية وفلسطينية ومعرية: في سنة ٢٣١ جرى بين الأمير هانيء والمردة حروب في جبل لبنان، انتصر عليهم ولقب بالغضنفر أبي الأهوال، وبلغ خبره خاقان التركي خادم الرشيد، فكتب كتابا يشكره على ما فعل ويحثه على الحرب، ويخبره أنه بلغ حسن سلوكه إلى مسامع الخليفة. ومن أهم الأحداث في سنة ٢٤٠ وثوب أهل حمص بعاملهم، فوجه المتوكل محمد بن عبدويه عاملا عليهم، فسكنهم وأقام بديارهم عدة شهور، ثم وثبوا فشغبوا عليه، فسكنهم ومكر بهم وأخذ جماعة منهم، فحملوا إلى باب المتوكل ثم ردوا إليه فضربهم بالسياط حتى ماتوا، وصلبهم على أبواب منازلهم، وتتبع رجال الفتنة فأفناهم. ووثب أهل دمشق بعامل المتوكل سالم بن حامد لظلمه وعسفه فيهم وقتله جماعة من أشرافهم ورؤسائهم، فقتلوه على باب الخضراء. قال ابن عساكر: إن سالما كان سيئ السيرة أذل قوما من أهل دمشق، كان بينه وبينهم طائلة ودماء في أول دولة بني العباس وآخر دولة بني أمية. وكان لبني بيهس ولجماعة من قريش دمشق وسائر العرب من

стр. 166

السكون والسكاسك وغيرهم قوة ونجدة، فقتلوه على باب الخضراء وقتلوا من قدروا عليه من رجاله، وسلطوا الموالي على رجالهم وأموالهم فسلبوها. وغضب المتوكل لمقتل عامله وقال: من لدمشق وليكن في صولة الحجاج؟ فقيل له: أفريدون التركي. فأمره وجهزه إليها في سبعة آلاف، وأحلَّ له القتل والنهب ثلاثة أيام، فنزل بيت لهيا فبات بها، فلما أصبح قال: يا دمشق إيش يحل بك اليوم مني. فقدمت له بغلة وهمَّ ليركبها، فلما وضع رجله في الركاب ضربته بالزوج في صدره، فسقط ميتاً. وبعد ثلاث سنين جاء المتوكل ليسكن دمشق هرباً مما كان يحاذره من شدته على العراقيين فنقل دواوين الملك إليها ثم رجع بعد أشهر وهناك قتل. وفي سنة ٢٤٨ شغب أهل حمص على عاملهم أيضاً، فوجه الخليفة إليهم عاملاً آخر فأخذهم وقتل منهم خلقاً كثيراً، وحمل مائة رجل من عيونهم إلى سامرّا. وفي هذه السنة غزا الصائفة وصيف، وكان مقيماً بالثغر الشامي ثم دخل أرض الروم وفتح بعض الحصون. وفي السنة التالية كان غزو جعفر بن دينار الصائفة، فافتتح حصناً ومطامير، ثم غلب وقتل جماعة كثيرة من جيشه. وفي سنة ٢٥٠ وثب أهل حمص بعاملهم فقتلوه، فوجه إليهم المستعين من حاربهم فهزمهم بين حمص والرّستن، وافتتح حمص وقتل من أهلها وفيهم خلق من نصارى المدينة ويهودها، فقتل مقتلة عظيمة وأحرقها. وكان المتوكل أمر بإخراج النصارى من حمص، لأنهم كانوا يعينون الثوار. ووثب أيضاً أهل حمص بعاملهم مرة أخرى فقتلوه. وخافوا عامل دمشق فزحفوا إليه فوجه إليهم بعسكر من البابكية وغيرهم فهزموهم وانصرفوا إلى حمص. وثاروا مرة فأرسل عليهم الخليفة عاملاً آخر فدخل بلدهم عنوةً وأباحها ثلاثة أيام وطرحت النار في منازلها. وكان الواثب بحمص العطيف بن نعمة الكلبي في خلق عظيم من عشيرته وغيرهم. وكثر وثوب أهل حمص، وبعبارة أعم، وثوب أهل جند حمص بعمالهم، لأنهم يمانية نزاع إلى الثورة، ونار الإحن بينهم وبين القيسية لا تزال موقدة، ثم إنه كان لهم من السكان

стр. 167

الأصليين من غير المسلمين من كانوا يحرضونهم على شق عصا الطاعة، فلذلك كثرت ثوراتهم وما برحوا يثورون حتى أيام المهدي. فقد ثاروا بمحمد بن إسرائيل، فخرج هارباً ولحقه ابن عكار، فكانت بينهما وقعة قتل فيها ابن عكار، ورجع ابن إسرائيل على البلد. وفي أيام المستعين وثب بالأردن رجل من لخم، فطلبه صاحب الأردن فهرب، فقام مكانه رجل يعرف بالقطامي وكثف جمعه، فجبى الخراج وكسر جيشاً بعد جيش أنفذهم إليه عامل فلسطين. فلم تزل هذه الحالة حتى قدم مزاحم بن خاقان التركي في جمع من الأتراك وغيرهم، ففرق جمعهم ونفاهم. ووثب بالمعرة المعروف بالقصيص وهو يوسف بن إبراهيم التنوخي فجمع جموعاً من تنوخ، وصار إلى مدينة قنسرين فتحصن بها، فلم يزل بها حتى قدم محمد المولد مولى أمير المؤمنين فاستماله، واستعمل عطيف بن نعمة وصار إليه، ثم وثب بعطيف بن نعمة فقتله، وهرب القصيص فصار إلى الجبل الأسود واجتمعت قبائل كلب بناحية حمص على الامتناع على المولد، فسار إليهم فواقعهم فكانت عليهم، ثم ثابوا عليه فهزموه وقتلوا خلقاً عظيماً من أصحابه، وانصرف إلى حلب في فلّه، ورجع القصيص إلى قنسرين والتحم مع كلب، وعزل المولد وولي أبو الساج الأشروسي وكتب إلى القصيص يؤمنه وصير إليه الطريق والبذرقة ثم ولاه اللاذقية ونحوها. وفي سنة ٢٥٢ عقد لعيسى بن الشيخ بن السليل الشيباني على الرملة فأنفذ خليفته أبا الغراء إليها واستولى على فلسطين جميعها، وتغلب على دمشق وأعمالها وامتنع من حمل المال إلى العراق، فحمل ابن مدبّر، صاحب خراج مصر إلى العراق سبع مائة ألف وخمسين ألف دينار فنهبها عيسى بن الشيخ في الطريق. وفي سنة ٢٥٦ عزل عيسى عن الشام، وولي أماجور الشام فسار واستولى عليه بعد قتال بينه وبين أصحاب عيسى على باب دمشق وانتصر أماجور واستقر، وكان عيسى يومئذ في زهاء عشرين ألفاً، وأماجور في مائتين إلى أربعمائة وقيل ألف، فتغلب قليله على كثير خصمه. وكان أماجور أميراً مهاباً، ضابطاً لعمله، حشماً شجاعاً،

стр. 168

لا يتجاسر أحد على أن يقطع الطريق في جميع أعماله، وله في باب تأديب العصاة وسلبة الطرق حكايات أثرت عنه. الحكم على الدور الأول للعباسيين: مضت اثنتان وعشرون ومائة سنة على الشام بعد انقراض دولة بني أمية، وهو لا يخلو من فتن وتسمع فيها اسم السفياني والأموي العثماني أو غيرهم من أرباب العصبيات من العرب، قيس ويمن. فتن أهلية يثور بركانها، ثم يهمد إلى حين، ونزّاع إلى الملك والسلطان، ولم يسد السلام إلا على عهد الرشيد والمأمون وكانت الفتن في أيامهما لا شأن لها لأنهما كان يوليان على الشام أقدر رجالهما. والشاميون يرضيهم من الخلفاء حسن سياستهم، والنظر بعطف على مصالحهم. ولقد كانت الشام أوائل الفتح العباسي تتناوبها يدا عبد الله بن علي وصالح بن علي العباسيين وأولادهما، ثم أخذ عقلاء الخلفاء منهم يولون أولادهم واخوتهم شؤونها. فقد رأينا المهدي ولى ابنه هارون الرشيد أيام كونه ولياً للعهد ولاية قنسرين أو شمالي الشام، ورأينا الرشيد ولى أخاه إبراهيم بن المهدي دمشق، ورأينا الرشيد ندب أحد عظام رجاله يحيى البرمكي إلى دمشق، كما رأينا ابنه عهد إلى طاهر بن الحسين بولاية مصر والشام، وسوّغه خراج مصر سنة وهو ثلاثة آلاف ألف دينار ففرقه على الناس وهو على المنبر، ولم ينزل منه إلا وقد اقترض عشرة آلاف دينار ليعطيها لرجل جاء متأخراً والمصلحة تقتضي برّه. وقد رأينا حسن أثر السياسة التي اتبعها إبراهيم بن المهدي في وضع التوازن بين القيسيين واليمانيين في الشام، فدل على عقل راجح، وإرادة هاشمية قوية، وكان بسياسته حائلاً دون المشاغبات الباطلة، ونشر الأمن مدة ست سنين، وكانت الشام من قبل تأجج فيها نيران العصبيات الجاهلية. ولكن المتوكل الخليفة المحمق، أوسع مجال الخلف بينه وبين رعيته، وأكبر أمر فتنة حدثت في دمشق، فأباحها لعامله التركي، فأطلّ الشعب في بغداد دمه لخرقه، وهلك عامله قبل أن يباشر بجبروته فتكه

стр. 169

وسبيه ونهبه، على نحو ما ارتكب العمال قبله في المتوثبين على العمال من أهل حمص. وأهم الأغلاط التي ارتكبها المعتصم إدخال الأتراك في جنده، فكان الاعتماد عليهم في الجيش العباسي كالاعتماد على أهل خراسان الأعاجم لأول الفتح من أهم الدواعي في إغضاب العرب، فأدى هذا الإيثار إلى نزع الحكم من العباسيين، حتى دخل الوهن بدخول الأتراك على الدولة، فآضت الخلافة العباسية بصنيعهم اسمية دينية فقط لا تتعدى قرى بغداد إلا قليلاً، وغدا الحكم الفصل لمن قويت شكيمته من الدخلاء واستجاش الأنصار والأعوان. وبعد أن كانت بغداد ترسل إلى الشام أولاد خلفائها وأعاظم قوادها من الأصول أصبحت ترسل إليها من الفروع أفريدون التركي وخاقان التركي ومحمد المولد من الموالي فظهر الفرق في صورة الحكم، لأن الحكم كان في الغالب فردياً لا علاقة للجماعة به إلا إذا أحبّ صاحب الأمر استشارة أهل الرأي استشارة خاصة ودية وله الحرية أن يعمل بما ارتأوه، ولا أحد يكرهه على قبول رأيه. فمن ثم اقتضى أن يكون العامل في الغاية أصالة ونبالة وعلماً ونزاهة. أفضى هذا التساهل مع الأعاجم والاعتماد عليهم، إلى جر البلاء على الخلفاء من بني العباس، وبعد أن كانت وصية إبراهيم الإمام الذي مات في سجن مروان الجعدي إلى أبي مسلم الخراساني صاحب الدعوة: انظر إلى هذا الحي من اليمن فالزمهم، واسكن بين أظهرهم، فإن الله لا يتم هذا الأمر إلا بهم، واتهم ربيعة في أمرهم، وأما مضر فإنهم العدو القريب الدار، واقتل من شككت فيه وإن استطعت أن لا تدع بخراسان من يتكلم بالعربية فافعل، وأيما غلام بلغ خمسة أشبار واتهمته فاقتله أصبحت تفتح للأتراك أبواب دار الخلافة ولكل دخيل على العرب ولم يعد حكم لقيس ولا يمن بل للأعاجم من الفرس والترك والديلم. وفي أيام المأمون نشأت الدعوة الشعوبية أي الحط من قدر العرب وتفضيل العجم عليهم، فتبدلت روح الدولة، وأخذ العربي يبغض العجمي والعجمي ينال من العربي، منذ كانت السلطة لأبناء خراسان، أما بدخول

стр. 170

الأتراك فالمسألة بلغت أقصى حدودها الخطرة، وكادت مقاليد الخلافة تخرج من أبناء هاشم بعد عصر المعتصم. كانت مسألة دخول الأتراك في الدولة بادئ بدء لا شأن لها في الظاهر وهي أن المعتصم جمع الأتراك وشراهم من أيدي مواليه فاجتمع له منهم أربعة آلاف فألبسهم أنواع الديباج، والمناطق والحلية المذهبة، وأبانهم بالزي عن سائر جنوده واصطنع قوماً من اليمن وقيس وسماهم المغاربة وأعدّ رجال خراسان من الفراعنة وغيرهم والأشروسية فلما تم هذا كثرت شكاية الناس أولاً من إيذاء الأتراك لعوام بغداد، وكلما زادت الشكاية توغل الأتراك في جسم المجتمع العباسي. وحاول من جاء بعده مثل المعتز أن يتخلص منهم، ولكنهم كانوا تأصلوا في جسم الدولة وأفسدوا عليها أمرها، ولكل أجل كتاب.

стр. 171

ظهور الدولة الطولونية وانقراضها من سنة ٢٥٤ إلى ٢٩٢ بداية الطولونيين: ظهرت بوادر الضعف في العباسيين، وكادت تصبح سلطتهم اسمية، وخلافتهم دينية لا دنيوية، ساعد على ذلك اشتغال الخلفاء بعد المعتز بأنفسهم، وتغلب كثير من الأمراء على الأطراف، وأصبحت البلاد رهن أيدي المتغلبة من العمال، وكان معظم الخلفاء الأول إلى ما بعد المعتصم على غاية من العلم والأخلاق وحسن السياسة، ومن النادر أن يتسلسل هذا الرقي في الأخلاق في آل بيت واحد على اطراد جميل، كما تسلسل في بني هاشم لأول أمرهم، ولكن منهم من ساعدهم الطالع ومنهم من خانه، والسعادة أكثر من الشقاء في الجملة. وبينما كانت دولة الأمويين في الأندلس في إبان عزّها في القرن الثالث، كانت دولة العباسيين تضطرب وتضيق بقعتها في هذا الشرق القريب، خصوصاً في النصف الثاني من المائة الثالثة، وعمال فارس ومصر والشام وغيرها يقطعون الخراج عن دار الملك، ويستبدون بالأمر، وليس للخليفة العباسي إلا الخطبة والسكة، وقد يقرن المتغلب على قطر اسمه إلى اسم الخليفة في الدعاء، ويضرب السكة باسمه أو باسميهما معاً. وكانت الدولة إلى هذا العهد لا تقوم لها قائمة إلا إذا جمعت بين السلطتين الدينية والدنيوية، فإذا ضعفت إحداهما في القائم بأمر المسلمين، أصاب القوة الثانية ضعف عطلها عن العمل النافع.

стр. 172

وكلما اعتمد خلفاء بني العباس على الأعاجم، في ولاية عمالاتهم ومقاطعاتهم وقيادة جيوشهم، كانت الدولة العباسية تقترب من الانقراض، فسدت عصبية العرب كما قال ابن خلدون في بني العباس لعهد دولة المعتصم وابنه الواثق، لاستظهارهم بالموالي من العجم والترك والديلم والسلجوقية أي التركمان وغيرهم، ثم تغلب الأولياء على النواحي، وتقلص ظل الدولة، فلم تكن تعدو أعمال بغداد حتى زحف إليها الديلم وملكوها وصار الخلائف في حكمهم. وقال المقريزي: اختص المعتصم الأتراك ووضع من العرب وأخرجهم من الديوان وأسقط أسماءهم ومنعهم العطاء، وجعل الأتراك أنصار دولته وأعلام دعوته، وكان من عظمت عنده منزلته قلده الأعمال الجليلة الخارجة عن الحضرة، فيستخلف على ذلك العمل الذي تقلده من يقوم بأمره ويحمل إليه ماله ويدعى له على منابره كما يدعى للخليفة، وقصد المعتصم ومن بعده من الخلفاء بذلك العمل مع الأتراك محاكاة ما فعله الرشيد بعبد الملك بن صالح والمأمون بطاهر بن الحسين، ففعل المعتصم مثل ذلك بالأتراك فقلد اشناس، وقلد الواثق إيتاخ، والمتوكل بغا ووصيف، وقلد المهتدي أماجور وغير من ذكرنا من أعمال الأقاليم، فضعفت الدولة العباسية بعد الاستفحال، وتغلب على الخليفة فيها الأولياء والقرابة والمصطنعون، وصار تحت حجرهم من حين قتل المتوكل فتغلب على النواحي كل متملك. أحمد بن طولون وسيما الطويل وأحداث أخرى: وكان من أهم من فتوا في عضد الخلافة أحمد بن طولون في مصر والشام، وكان في ظاهره يظاهر الخليفة، فهو أول متغلب ظفر حقيقة بالانفراد بالسلطة، فما وسع العباسيين إلا مصانعته بعد أن حاولوا محاربته فعجزوا، كانت ديار مصر قد أقطعها بايكباك من قواد الأتراك وكان مقيماً بالحضرة أي في عاصمة الملك فاستخلف بها من ينوب عنها، وكان طولون والد أحمد بن طولون أيضاً من الأتراك ومن أنسبائه، وقد نشأ بعد والده على طريقة مستقيمة، وسيرة حسنة، فالتمس بايكباك من يستخلفه بمصر فأشير

стр. 173

عليه بأحمد بن طولون فولاه المعتز بالله سنة ٢٥٤ مصر. وفي سنة ٢٦٤ توفي أماجور بدمشق واستخلف ابنه علي، فحرك ذلك أحمد بن طولون على فتح الشام فكتب إلى عليّ يخبره بأنه سائر إليه وأمره بإقامة الأنزال والميرة لعساكره، فرد علي بن أماجور أحسن جواب، وخرج ابن طولون في المطوعة من مصر وفلسطين فبلغ الرملة فتلقاه محمد بن رافع خليفة أماجور عليها وأقام الدعوة بها فأقره عليها، ومضى إلى دمشق فتلقاه علي بن أماجور وأقام له بها الدعوة واحتوى على خزائن أماجور وأقام بها أحمد حتى استوثق له أمرها، ثم استخلف عليها احمد بن دوغباش، ومضى إلى حمص فلقيه عيسى الكرخي خليفة أماجور عليها فسلمها إليه، ثم بعث إلى سيما الطويل التركي وهو بإنطاكية يأمره بالدعاء له فلم يجبه سيما، فتحصن بإنطاكية في جيش من الأتراك وغيرهم، وامتنع، فحاصره أحمد ورمى حصنها بالمنجنيق، وطال حصاره لها فاشتد ذلك على أهلها فبعثوا إلى أحمد بن طولون فخبروه بالموضع الذي يمكنه أن يدخل إليها منه فقصده، وعاونه أهلها على سيما فدخلها في المحرم سنة خمس وستين ومائتين فقتل سيما واستباح أمواله ورجاله. وكان قبل نزول ابن طولون على إنطاكية ٢٦٤ وقع بين سيما وبين أحمد المؤيد حروب كثيرة ببلاد جند قنسرين والعواصم، وكان سيما قد عم أذاه أهلها فعاث ابن طولون ساعة بإنطاكية ثم ارتحل يؤم الثغر الشامي، وبهذا استولى ابن طولون على الشام أجمع والثغور وامتد حكمه من مصر إلى الفرات، ومن مصر إلى المغرب، وكان ذلك مدة اشتغال لموفق أبي أحمد طلحة بن المتوكل بحرب الزنج. كان ابن طولون أول من اقتطع جزءاً من المملكة الإسلامية عن الخلافة، وجمع بين ملك مصر والشام في الإسلام، فكان لمن بعده من المستبدين بالنواحي قدوةً ومثالاً. وأخذ يستكثر من مشترى المماليك والديالمة حتى بلغت عدتهم أربعة وعشرين ألف مملوك وأربعين ألفاً من الزنج، واستكثر من العرب حتى بلغت عدتهم سبعة آلاف. وذكر بعض المؤرخين أن ابن طولون كان أعد بأمر الخليفة جيشاً مؤلفاً من مائة ألف إنسان لقتال أحد الخوارج على الخلافة في الشام، وكانت هذه الكتلة من

стр. 174

الجند سببا في قوته وسلطانه فأخذ ملك الروم يهاديه ويطلب رضاه لاتساع مملكته ومكانتها بين مملكة الشرق ومملكة الغرب الإسلاميتين، ولم يلبث أحمد بن طولون أن أخذ على الجند والشاكرية والموالي وسائر الناس البيعة لنفسه، على أن يعادوا من عاداه ويوالوا من والاه ويحاربوا من حاربه من الناس جميعاً. وانفرد بخراجها، وأدرك رجال السياسة في بغداد أن ابن طولون التركي لم يقضِ على دولة سيما الطويل التركي حباً بسواد عيون الخلفاء، بل ليستأثر بالأمر دونهم عندما تسنح الفرص. وكان ابن طولون لعدله وحسن سياسته يفضله الناس على بعض الخلفاء، وفي الحق أنه كان على جانب من العدل، وحسن السيرة، وعلو الهمة وبعد النظر، والتفكر في عمران مملكته حتى زاد خراجها، وكان هديه في ذلك هدي المعتصم العباسي، وكان هذا يحب العمارة ويقول إن فيها أموراً محمودة أولها عمران الأرض التي يحيى بها العالم، وعليها يزكو الخراج، وتكثر الأموال، وتعيش البهائم، وترخص الأسعار، ويكثر الكسب، ويتسع المعاش، وكان يقول لوزيره محمد بن عبد الملك: إذا وجدت موضعاً متى أنفقت فيه عشرة دراهم جاءني بعد سنة أحد عشر درهماً فلا تؤامرني فيه. فاستعان ابن طولون بما تدر عليه مصر من الخراج على تقوية سلطانه وكثرت صدقاته، وما يجريه على القراء والفقهاء، حتى كان يرسل كل سنة مائة ألف دينار لفقراء بغداد عدا كساوي الصيف والشتاء وعدا ما يرسل به إلى الثغور وإلى الحرمين. وجاء المعتضد إلى الخلافة وهو من أعقل خلفاء العباسيين فعرض عليه أبو الجيش خمارويه بن طولون أن يصهر إلى ولي عهد الخلافة ويزوجه ابنته قطر الندى، فقال الخليفة: بل أنا أتزوجها وقال: ما قصدت بهذا الزواج إلا إفقار بني طولون لأنهم يضطرون أن يجهزوها بجهاز لم تجهز به عروس من قبل، وكان الأمر كما قال، فإنها جهزت بما استفرغ خزائن صاحب مصر والشام. قيل: إنه كان في جهازها ألف هاون ذهبا. . وكانت قطر الندى من أجمل بنات عصرها، وأكثرهن أدباً وفضيلة. وقد عقد لها على المعتضد سنة ٢٨١ وشرط المعتضد على أبيها أن يحمل كل سنة بعد

стр. 175

القيام بجميع وظائف مصر وأرزاق أجنادها مائتي ألف دينار. وفي رواية أن المعتضد جعل لخمارويه الصلاو والخراج والصلاة وجميع الأعمال على أن يحمل في كل عام مائتي ألف دينار عما مضى، وثلاثمائة ألف للمستقبل، وأن وزير المعتضد عبيد الله بن سليمان سعى مع أبي الجيش خمارويه، على أن يقتصر على حمص ودمشق والأردن وفلسطين ومصر وبرقة وما والاها، وينجلي عما كان في يده من ديار مضر وقنسرين والعواصم وسقي الفرات والثغور، فأجاب إلى ذلك وكتب سجلاً أشهد فيه على المعتضد وعلى خمارويه. دام ملك أحمد بن طولون في مصر والشام اثنتي عشرة سنة، ومات لست عشرة سنة من ولايته مصر، ولولا سفكه الدماء لعدَّ بعدله وعقله وسخائه من أفراد العالم. ومن الأحداث في عهده ما وقع من العصبية بفلسطين ٢٥٧ بين لخم وجذام فتحاربوا حرباً أخذت من الفريقين. وما وقع بين الأمير نعمان الذي حصن سور مدينة بيروت وقلعتها وبين المردة في لبنان من قتال على نهر بيروت دام أياماً حتى انهزموا، وقتل بعضهم وأسر بعضاً، فأرسل الرؤوس والأسرى إلى بغداد، فعرض الأمر على الخليفة وأكرموا رُسُله، وكتب المتوكل إليه كتاباً يمدح شجاعته ويحرضه على القتال، وأقره على ولايته هو وذريته، وأرسل له سيفاً ومنطقة وشاشاً أسود، وكتب إليه الموفق وغيره كتباً يمدحونه بها فاشتد أمره وعظم شأنه، وفي بعض الروايات أن القتال على نهر الكلب دام سبعة أيام، فانكسر عسكر المسلمين وقتل المقدم سمعان وأقيم مكانه خاله المقدم كسرى وهو الذي ذهب إلى القسطنطينية ثم عاد إلى بلاده، وكانت خربت من تواتر الغارات عليها فعمرها وسميت باسمه كسروان. ومنها خروج رجل من ولد عبد الملك بن صالح الهاشمي، يقال له بكار بين سَلَميْة وحلب وحمص فدعا سنة ٢٦٨ لأبي أحمد الموفق، فحاربه ابن عباس الكلابي فانهزم الكلابي، ووجه إليه لؤلؤ صاحب ابن طولون قائداً في عسكر كثيف، فرجع وليس معه كثير أحد. ومنها مخالفة لؤلؤ غلام ابن طولون على مولاه سنة ٢٦٩ وكان في يد لؤلؤ

стр. 176

حمص وقنسرين وحلب وديار مضر من الجزيرة وسار إلى بالس ونهبها، وكاتب ابن طولون الخليفة المعتمد في المصير إليه، فمنعه الموفق واشتد الخلاف بين الموفق ولي عهد الخلافة وبين ابن طولون، فخلع ابن طولون الموفق من ولاية العهد في مدينة دمشق وأقبل يلعنه على منابر مصر والشام والموفق يلعنه على منابر العراق وما إليها، وابن طولون يوهم أنه ينصر الخليفة. وفي سنة ٢٦٩ غزا الصائفة من ناحية الثغور الشامية خلف الفرغاني عامل ابن طولون، فقتل من الروم بضعة عشر ألفاً وغنم الناس. وبلغ ابن طولون قدوم عرب من الحجاز إلى حوران، فأرسل إلى صحراء أذرعات نحو خمسين ألفاً فتلقاهم الأمير عامر الملقب بالأذرعي بخمسة عشر ألفاً فكسرهم. والأمير عامر هو من نسل الحارث بن هشام المخزومي، الذي أرسله الخليفة الثاني إلى الشام مع أبي عبيدة بن الجراح أميراً على بني مخزوم فسكن ولده حوران وتولوا الأعمال للأمويين، ثم للعباسيين وسموا ببني شهاب نسبة للأمير شهاب المخزومي والي حوران المتوفي سنة ١٧٣. عهد أبي الجيش خمارويه وجيشه: خلف أحمد بن طولون ابنه أبو الجيش خمارويه، وكان على قدم أبيه في الاستكثار من العَدد والعُدد وترتيب الرواتب الدارة والمشاهرات والجرايات لجيشه وغيره. وقد بلغ جيشه في الشام ومصر نحو أربعمائة ألف فارس على ما روى بعض أصحاب السير، وهو عدد مبالغ فيه كثيراً والغالب أن جيشه لم يتجاوز المائة ألف، ولا شك أن مثل هذا الجيش، وما يلحقه من الرجالة والمتطوعة تفتح به ممالك الخلافة العباسية كلها. وربما كان جيشه وجيش أبيه من قبله أول جيش جعل على الدوام تحت السلاح. ولما بايع الجند أبا الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون بعد وفاة أبيه، أمر بقتل أخيه العباس لامتناعه عن مبايعته، وعقد لأبي عبد الله أحمد الواسطي على جيش الشام، وعقد لسعد الأعسر على جيش آخر، وبعث بمراكب

стр. 177

في البحر لتقيم على السواحل الشامية، فنزل الواسطي فلسطين وهو خائف من خمارويه أن يوقع به لأنه كان أشار عليه بقتل أخيه العباس، فكتب إلى أبي أحمد الموفق يصغر أمر خمارويه ويحرضه على المسير إليه، فأقبل من بغداد وانضم إليه إسحاق بن كنداج ومحمد بن أبي الساج، ونزل الرقة فتسلم قنسرين والعواصم وسار إلى شيزر، فقاتل أصحاب خمارويه وهزمهم ودخل دمشق، فخرج خمارويه في جيش عظيم، فالتقى وأحمد ابن الموفق بنهر أبي فُطرس واقتتلا، فانهزم أصحاب خمارويه وكان في سبعين ألفاً وابن الموفق في نحو أربعة آلاف، واحتوى على عسكر خمارويه بما فيه ومضى خمارويه إلى الفسطاط، وأقبل كمين له، عليه سعد الأعسر، ولم يعلم بهزيمة خمارويه فحارب ابن الموفق حتى أزاله عن المعسكر وهزمه اثني عشر ميلاً ومضى إلى دمشق فلم يفتح له، وسار سعد الأعسر والواسطي، فملكا دمشق، وخرج خمارويه من مصر فوصل إلى فلسطين، ثم عاد إلى مصر، ثم خرج سنة ٢٧٢ فقتل سعداً الأعسر ودخل دمشق. قال ابن عساكر: وسعد الأعسر ويقال الأعسر التركي ولي إمرة دمشق من قبل أبي الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون ٢٧٢، ولما قتل في قصر نخلة فيما بين الرملة وبيت المقدس اضطرب الناس بدمشق. وكان سعد الأعسر قد فتح طريق الشام للحاج، لأن الأعراب كانوا قد تغلبوا على الطريق قبل ولايته، وكان قد بطل الحج من طريق الشام قبل ثلاث سنين، فخرج سعد إلى الأعراب وواقعهم وقتل منهم خلقاً عظيماً وفتح الطريق للحاج، وكانت وقائعهم في المحل المعروف بالقسطل، فأحبه أهل دمشق، واغتموا لقتله، فصاح الناس بدمشق وضجوا في المسجد الأموي ودعوا على من قتله، وافتتن البلد حتى وافاهم أبو الجيش ابن خمارويه فمهد الأمور وبعث إلى طريق الحاج من أصلحها، وفرق في دمشق مالاً عظيماً على الفقراء والمساكين والمستورين وأهل العلم، ومال إليه أهل دمشق وأحبوه. ولما تغلب الأعراب على بعض النواحي وجه

стр. 178

إليهم طباره جي، فقتل منهم مقتلة عظيمة. ثم سار أبو الجيش خمارويه لقتال ابن كنداج، ثم اصطلحا وتظاهرا وكاتب خمارويه أبا أحمد الموفق في الصلح فأجابه إلى ذلك، وكتب له كتاباً بولاية خمارويه وولده ثلاثين سنة على مصر والشامات، أي أنه ولاه من الفرات إلى برقة، فأمر خمارويه بالدعاء لأبي أحمد الموفق، وترك الدعاء عليه بعد أن كان خلعه أبوه من ولاية عهد الخلافة. ثم بلغ خمارويه مسير محمد بن أبي الساج إلى أعماله الشمالية، فخرج إليه ولقيه في ثنية العقاب من دمشق فانهزم أصحاب ابن أبي الساج وثبت هو، فحاربه حتى هزمه أقبح هزيمة، واستبيح عسكره قتلاً وأسراً، واتبعه جيش إلى الفرات. وفي ذلك يقول البحتري: وقد تولت جيوش النصر منزلة ... على جيوش أبي الجيش بن طولونا يوم الثنية إذ ثنى بكرته ... خمسين ألفاً رجالاً أو يزيدونا عهد جيش بن خمارويه وظهور القرامطة الطولونية: وفي أيام خمارويه بن طولون استقامت شؤون الديار المصرية، ومع أن أيام المعتضد العباسي كانت أيام فتوق فقد حمدت سيرته. وليَ والدنيا خراب، والثغور مهملة، فقام قياماً مرضياً حتى عمرت مملكته، وكثرت الأموال، وضبطت الثغور، وكان قوي السياسة، شديداً على أهل الفساد، حاسماً لمواد أطماع عساكره عن أذى الرعية، محسناً إلى بني عمه من آل أبي طالب. وفي سنة ٢٨٢ ذُبح أبو الجيش خمارويه في دمشق على فراشه، ولما بلغ المعتضد ذلك قتل من خدمة الذين باشروا قتله نيفاً وعشرين خادماً. وكان مقتل خمارويه في قصره بسفح قاسيون، بعد أن فتح الشام كله، ولم يسع الخليفة إلا إقراره على عمله والاكتفاء بمال يحمل إليه في بغداد، وخلفه ابنه جيش بن خمارويه فخلعه طغج بن جف أمير دمشق سنة ٢٨٣ واختلف جيش جيشٍ عليه لتقريبه الأرذال وتهديده قواد أبيه، فثاروا عليه وقتلوه، ونهبوا داره ونهبوا مصر وأحرقوها، وأقعدوا هارون بن خمارويه في الولاية، وعصى هارون بن خمارويه على الخليفة، وبعد حروب

стр. 179

كثيرة عقد الصلح بين الخليفة العباسي وبين هارون سنة ٢٨٦، فبقيت حلب للخليفة وما زالت الدولة بالفعل بالشام ومصر لبني طولون وبالاسم لبني العباس حتى سنة ٢٩٢، وقد بعث المكتفي العباسي، مع محمد بن سليمان جيشاً فاستولى على دمشق، ثم سار إلى مصر وذبح بني طولون وهم عشرون إنساناً، ذبحهم بين يديه هم وقوادهم كما تذبح الشياه، وأشخص من أبقى عليه من آلهم وقوادهم إلى بغداد، فانقرضت بذلك الدولة الطولونية. لا جرم أن روح الطولونيين هي روح العباسيين تطورت بتطور الأقطار التي استولوا عليها. وعلى كثرة ما بذل الطولونيون من أسباب التقرب من خلفاء بغداد لم يسكت العباسيون عنهم. تقربوا إليهم بالصهر والأموال والطاعة فلم يرضوا عنهم. ولما قوي جيش العباسيين قرضوهم وقتلوا قوادهم. وفي استيلاء الطولونيون على الشام شعرت الأمة أنها مستقلة عن العباسيين، وأن في استطاعتها إذا جهزت لها جيشاً عظيماً كجيش أحمد ابن طولون وابنه خمارويه أن تستقل، لأن قوة بني العباس لم تعد كما كانت، بمعنى أن ابن طولون هتك ستر الخلافة، فطمع فيها عمال الأطراف. والدولة الطولونية دولة عمران، عمرت الأرجاء في أيامها، ورأت مصر والشام أنهما إذا ألفتا حكومة واحدة تصبحان دولة قوية يرهب بأسها. وقد أكثر الشعراء من رثاء الدولة الطولونية ومما قاله بعضهم: فمن يبك شيئاً ضاع من بعد أهله ... لفقدهم فليبك حزناً على مصر ليبك بني طولون إذ بان عصرهم ... فبورك من دهر وبورك من عصر

стр. 180

دور الدولة العباسية الأوسط الإخشيدية والحمدانية والفاطمية ٢٩٢ - ٣٦٤ القرامطة والبوادي والخوارج: اشتدت شوكة القرامطة ٢٨٩ في الشام جاءوها من المطرق، وهزموا جيش طغج بن جف أمير دمشق للأمويين بوادي القردان والأفاعي ثم حاصروا دمشق فاجتمعت عليهم العساكر وقتلوا مقدمهم يحيى المعروف بالشيخ فقام في القرامطة أخوه الحسين وتسمى بأحمد وأظهر شامة بوجهه زعم أنها آيته فسمي بصاحب الشامة، وكثر جمعه فصالحه أهل دمشق على مال دفعوه، وتقرمط أكثر من حولها من أهل الغوطة وغيرها وعاضدوه، ثم انصرف عن دمشق إلى حمص فغلب عليها وخطبوا له من منابرها وتسمى بالمهدي أمير المؤمنين، ثم سار إلى حماة والمعرة وغيرهما وقتل أهلها حتى الأطفال والنساء وأخذ سلمية بالأمان فبدأ بمن فيها من بني هاشم وكانوا جماعة فقتلهم أجمعين، ثم قتل البهائم وأباد أهل بعلبك، وعندها صحت
следующие страницы →