← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 37063

خطط الشام

محمد كرد علي

Полный текст (1 453 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

والنعمان بن بشير في حمص والمعرة وما إليهما. ومقام الشيخ أبي الليث السمرقندي والشيخ علوان في حماة. ذكر نجير الدين قبة راحيل والدة يوسف الصديق إلى جانب الطريق بين بيت لحم وبيت جالا. وبظاهر الرملة من جهة الغرب بالقرب من البحر نشهد يقال له روبيل بن يعقوب. وبظاهر لد من جهة الشرق مشهد عبد الرحمن ابن عوف الصحابي، وبظاهر القدس في قرية العازرية مشهد العازرا. وقبر شمويل بقرية ظاهر القدس من جهة الشمال على طريق الرملة في قرية رامة. وللشيعة عدة مقامات في حلب وأرجائها وفي غيرها نسبت لعلي بن أبي طالب وللحسن وللحسين. كما أن للخضر عدة مقامات في كثير من الأرجاء ويشترك في تعظيمها النصارى والمسلمون غالباً. ومما ذكره ابن الشحنة من المقامات القديمة في حلب مسجد النور بالقرب من باب قنسرين كان أبو تمير عبد الرزاق بن عبد السلام ٤٢٥ يتعبد فيه تنذر له النذور وبزار. ومسجد الغضايري ويعرف بمسجد شعيب وقبر كليب العابد ومسجد الأنصاري والمشهد الآخر في رأس جبل جوشن ومشهد قرية براق ومقام إبراهيم الخليل في قرية نوابل وكلتاهما من عمل حلب. وبقرية روحين من جبل سمعان مشهد فيه ثلاثة قبور: الأوسط منها قبر قس بن ساعدة الأيادي، والقيران الآخران فبرا سمعان وشمعون من الحواريين، وقيل كانا من المتوحدين الرهبان. وبجبل برصايا من عمل إعزاز قبر برصيصا أي مقصورة العابد. وبقورس قبر أوربا. وبمنبج مشهد خالد لبن سنان العبسي صاحب الأخدود. وبجبل بزاعا من غربي الباب مشهد يطل على الباب. وبجبل الطور المجاور لقنسريم مقام يقال: إنه مقام النبي، وبدير سمعان من عمل المعرة قبر بن عبد العزيز ووراءه قبر الشيخ أبي زكريا يحيى بن منصور. وبجبلة قبر إبراهيم بن أدهم الزاهد. ومعظم هذه المزارات مازالت معروفة يختلف إليها الناس وقام عليها شبه أو تكايا. وفي عبيه من شوف لبنان مزار الأمير جمال الدين عبد الله التنوخي يزوره معظم الطوائف الإسلامية وعليه مدرسة.

стр. 1262

المستشفيات والبيمارستانات مستشفيات دمشق: إقامة دور للبائسين ومآوى للضعفاء وأصحاب العاهات والزمانات من أمارات الحضارة ودلائل ارتقاء الإنسان في العطف على من خانتهم الطبيعة. روى البلاذري أن عمر بن الخطاب ﵁ مّر عند مقدمه الجابية من أرض دمشق بقوم مجذمين من النصارى فأمر أن يعطوا من الصدقات وأن يجري عليهم القوت. ووقف عثمان بن عفان محلة سلوان في ربض القدس على ضعفاء البلد. وأول من اتخذ المستشفيات صدر الإسلام الوليد بن عبد الملك، فإنه أقام في دمشق على ما يروى مستشفى للمجذومين بالقرب من الباب الشرقي في محل يسمى الآن بالأعاطلة، ذلك لأن في ماء دمشق على ما قالوا خاصية دفع مرض الجذام عن أهلها فلا يصيبهم إلا في الندر، وإذا حل الغريب المصاب به نكسر عنه عاديته أو يتوقف سيره في جسمه. قال ابن عساكر: كان الوليد عند أهل الشام من أفضل خلفائهم، فرض للمجذومين وقال: لا تسألوا الناس، وأعطى كل مقعد خادماً وكل أعمى قائداً. وذكر بعضهم أن الوليد لما ولى إسحاق قبيصة الخزاعي ديوان الومني بدمشق قال: لأدعم الزمن أحب إلى أهله من الصحيح، وكان يؤتى بالزمن حتى توضع في يده الصدقة. وفي سنة ١٦٢ أمر المهدي أن يجري على المجذومين وأهل السجون في جميع الآفاق. وبذلك عرفنا أن القوم يخصون المجذومين بأماكن خاصة لئلا تسري العدوى منهم إلى غيرهم. أما المستشفيات فللأمراض الأخرى. ولقد كان بدمشق ثلاثة مستشفيات أو بيمارستانات - والبيمارستان

стр. 1263

كلمة فارسية مركبة معناها محل المرضى - الأول ٥٩٥ أنشأه نور الدين محمود بن زنكي كما أنشأ غيره في الشام. وكان بيمارستان دمشق أعظمها وأكثرها خرجاً ودخلاً. قال صاحب الروضتين بلغني في أصل بنائه نادرة وهي أن نور الدين ﵀ وقع في أسره بعض أكابر ملوك الإفرنج فقطع على نفسه في فدائه مالاً عظيماً فشاور نور الدين أمراءه فكل أشار بعدم ما استخار الله تعالى فأطلقه ليلاً، فلما بلغ الفرنجي مأمنه مات، وبلغ نور الدين موت الفرنجي فبنى بذلك المال هذا البيمارستان ومنع المال الأمراء لأنه لم يكن عن إرادتهم. تولى بناءه كمال الدين الشهرزوري وكان الحاكم المحتكم في الدولة النورية بدمشق، وهو الذي تولى بناء أسوارها وسّن دار العدل لتنفذ أحكامه بحضرة السلطان فلا يبقى عليه مغمز وملمز. وذكر ابن جبير أنه كان في القرن السادس بدمشق مارستانان قديم وحديث، والحديث أحلفهما وأكبرهما وجرايته في اليوم نحو الخمسة عشر ديناراً وله قَوَمة بأيديهم الأزمة المحتوية على أسماء المرضى وعلى النفقات التي يحتاجون إليها في الأدوية والأغذية وغير ذلك، والأطباء يبكرون إليه في كل يوم ويتفقدون المرضى ويأمرون بإعداد ما يصلحهم من الأدوية والأغذية حسبما يليق بكل إنسان منهم، والمارستان الآخر على هذا الرسم لكن الاحتفال في الجديد أكثر. اغلب الظن أن البيمارستان الكبير هو النوري، والآخر غيره ٥٩٦ كان في باب البريد وخدم في هذا رشيد الدين

стр. 1264

بن علي بن الخليفة وعز الدين السويدي من الأطباء المشهورين. وفي شذرات الذهب أن المارستان الصغير بدمشق أقدم من المارستان النوري كان مكانه في قبلة مطهرة الجامع الأموي وأول من عمره بيتاً وخرب رسوم المارستان منه أبو الفضل الاخنائي ثم ملكه بعده أخوه البرهان الأخنائي وهو تحت المئذنة الغربية بالجامع الأموي من جهة الغرب، وينسب إلى أنه عمارة معاوية أو أبنه. أما المستشفى الثالث ٥٩٧ فهو المستشفى القيمري في الصالحية بجوار جامع محيي الدين عربي نسبة لمنشئه أبي الحسن القيمري المتوفى سنة ٦٥٣ وواجهة الباب من أجمل الأبواب هندسة، وقد رّمه حسن باشا المعروف بشور يزي حسن ونظر إلى أوقافه وأقام شعائره كما فعل في البيمارستان النوري، وقد رمم في العهد الأخير وأعيد إلى ما كان عليه. وقرأت في كتاب الجوامع والمدارس صورة وقف البيمارستان القيمري فإذا فيه: هذا وقف أبي الحسن بن أبي الفوارس القيمري على بيمارستانه في الصالحية على معالجة المرضى والمعالجين والأشربة وأجرة الطبيب، يصرف إلى الطبيب في كل شهر لواحد سبعون درهماً ونصف غرارة من قمح، والأدنى ستون درهماً ونصف غرارة قمح، وللمشارف في كل شهر أربعون درهماً ونصف غرارة قمح، وللحوائج في كل شهر ثلاثة عشر درهماً وسدس غرارة قمح، ولمن يقوم بمريضات النساء والمجنونات في كل شهر لكل واحد عشرة دراهم وسدس غرارة قمح، وإلى الشراب وبائعه لعنل الأشربة والمعالجين في كل شهر ستة وعشرين درهماً وثلث غرارة قنح، ولأمين المشارفين والمتولين في الوقف إلى كل واحد في كل شهر ستون درهماً وغرارة قمح وغرارة شعير، وللإمام في كل شهر أربعون درهماً وثلث غرارة قمح، وللمعمار المرتب لعنارته في كل شهر ثلاثة عشر درهماً وسدس غرارة قمح، ويكون بواباً، وللحوايج في كل شهر ثمانية دراهم وسدس غرارة، وللناظر العشر عن المغل، وريع الوقف ويصرف ويصرف إلى رجلين اثنين

стр. 1265

بخدمة البيمارستان عن ثمن قدور ونحاس وفرش ولحف ومخدة، وفي كل شهر إلى قيمه والمؤذن بالمسجد بقرب البيمارستان خمسة وعشرون درهماً، فإنه فضل يصرف إلى فكاك الأسارى من الكفار، وبعد ذلك عاد وقفاً على الفقراء. وتاريخ الوقفية سنة ٦٥٢ وتاريخ المسجد سنة ٨٨٠ ثم ذكر القرى والبساتين والحوانيت والطواحين التي وقفها على البيمارستان. وظل المستشفى النوري عامراً إلى سنة ١٣١٧هـ وكان أطباؤه وصيادلته لا يقلون عن عشرين رجلاً حتى قامت بلدية دمشق بإنشاء مستشفى للغرباء ٥٩٨ في الجانب الغربي من التكية السليمانية المظلة على المرج الأخضر، وجمعت له إعانات وأُخذ مبلغ من واردات البلدية وأوقاف المستشفى النوري واحتفل في ١٥ ذي القعدة ١٣١٧ بافتتاح المستشفى الجديد وخصصت أوقاف المستشفى النوري ومبلغ خمسمائة ليرة تؤخذ مسانهة من ريع البلدية تصرف على المستشفى الذي سني بادئ بدء بالمستشفى الحميدي نسبةً إلى السلطان الذي بني في عهده. أما بناية المستشفى النوري فقد جعلت مدرسة وواجهتها لا تزال بحالها وفيها بعض الحجر والنوافذ من البناء القديم، والغالب أن الأيام سطت على بقية البناء فتغيرت معالمه. وقد رمت واجهته مؤخراً. وزاد المستشفى الجديد رونقاً ورواءً مقبرة الصوفية التي ضمت إليه وجعلت حديقة للمستشفى. وقد سمي المستشفى على عهد الحكومة العلابية بالمستشفى الوطني وأقيمت مدرسة الطب بجانبه والحكومة متكفلة بالإنفاق عليه. وفي دمشق لهذا العهد عدة مستشفيات، الأول: ٥٩٩ - المستشفى العسكري وهو من بناء إبراهيم باشا المصري في القرن الماضي. ٦٠٠ - المستشفى الإسكتلندي وفي ١١ ذي القعدة ١٣١٥ ٢٤ أيار ١٨٩٩ احتفلت جمعية اسكتلندا الإنكليزية بافتتاح المستشفى الذي أسسته في أرض الزينبية على طريق بغداد وهو على غاية من حسن الهندسة وجمال الحديقة وسعتها. ٦٠١ - المستشفى اللعازري بنته أخوية اللعازريين الفرنسية قبالة المستشفى الاسكتلندية وهو حسن البناء والنظام أيضاً.

стр. 1266

٦٠٢ - مستشفى الراهبات اللعازريات وهو قديم قرب مدرسة اللعازرية. المستشفى الوطني أو مستشفى مدرسة الطب وقد مر ذكره. ٦٠٣ - المستشفى الطلياني في الصالحية قبل الجسر. ٦٠٤ - مستشفى المجاذيب المسمى بمستشفى ابن سينا أنشئ له مكان في قصير دومة. مستشفيات حلب: ٦٠٥ - بيمارستان بني الدقاق كان يعرف بهذا الاسم ثم دخل في دار سودون الدوادار غربي المدرسة الحلاوية لا أثر له اليوم. ٦٠٦ - بيمارستان بني الدقاق على باب الجامع الكبير، كان له بوابة عظيمة ينسب لابن خرخان، لما تعطل كان يجلس فيه الكحالون فعرف بدار الكحالة. بقي منه ثلاثة مخادع يسكنها بعض الفقراء. ٦٠٧ - بيمارستان نور الدين هو في الزقاق المعروف الآن بزقاق البهرمية من محلة الجلوم الكبرى، مكتوب على بابه أنه أمر بعمله محمود بن زنكي بتولي ابن أبي الصعاليك. ويظهر أنه حصل فيه إصلاحات كثيرة، فإنه كان فيه قاعة للنساء مكتوب عليها أنها عمرت في دولة صلاح الدين يوسف سنة ٦٥٥ ومكتوب على إيوانه أنه عمر أيام الأشرف شعبان المتوفى سنة ٧٧٩ وعلى الشباك الذي على بابه أنه أحدث سنة ٨٤٠ وكانت قاعة المنسهلين سماوية فسقفها القاضي شهاب الدين بن الزهدي. أما الآن فقد صارت حجراته تلالاً ولم يبق إلا بضع منها يسكنها بعض الفقراء. وقد جاء في بعض التواريخ أن هذا البيمارستان كان في الأصل من وضع ابن بطلان الطبيب البغدادي المتوفى سنة ٤٥٨ ثم جدده نور الدين ووقف عليه أوقافاً كثيرة وهو في أصح بقعة هواءً. حدثني الثقة أنه اطلع على صك وقف أحد المستشفيات في حلب قال: جاء فيه أن كل مجنون يخص بخادمين يخدمانه فينزعان عنه ثيابه كل صباح ويحممانه بالماء البارد، ثم يلبسانه ثياباً

стр. 1267

نظيفة ويحملانه على أداء الصلاة ويسمعانه قراءة القرآن يقرأه قارئ حسن الصوت، ثم يفسحانه في الهواء الطلق ويسمع في الآخر الأصوات الجميلة والنغمات الموسيقية الطيبة. ٦٠٨ - بيمارستان أرغون الكاملي وهو في محلة اسمها الآن باب قنسرين، أنشأه أرغون الصغير الكاملي نائب حلب سنة سبعمائة وخمس وخمسين، رتب كل ما يحتاج إليه من رزق وآلات وأدوية وخدام، شرط واقفه أن التولية لكافل حلب فكان في كفالة تغري برمش على أتم الوجوه، فيه حجر وأروقة ومحابس للمجانين مظلمة، يروى أنه كانت توضع فيه الرياحين ويؤتي بآلات الطرب والمغنين لتكون هذه المشاهد والأنغام من تمام العناية بالمداواة، ثم في أواخر عهد الأتراك نقل من كان فيه من المجانين إلى مستشفى الغرباء واصبح هو مأوى لبعض الفقراء. وفي مدخله أفاريز ونقوش من أجمل ما نقش النقاشون تزينه. ٦٠٩ - مستشفى الرمضانية أنشأه إبراهيم باشا المصري، وهو مخصص لمرضى العسكر. ٦١٠ - المستشفى الوطني بدئ به سنة ثلاثمائة وألف وبعد بلوغه نحو النصف ترك، ثم أكمل بعد نحو عشر سنين وجعل للمرضى الغرباء والفقراء. ٦١١ - المستشفى الزهري أنشأته غدارة الصحة للأمراض الزهرية بعد تأليف الحكومة العربية. بقيه المستشفيات: المارستان النوري هو المستشفى الوحيد في حماة، بناه نور الدين محمود وكانت التولية عليه سنة ألف للشيخ صفا العلواني وكان مجموع نفقته كل يوم ثمانية وثمانين عثمانياً العثماني أو السلطاني نحو سبعة قروش، وهو الآن شبيه بالمندرس يستعمله بعضهم للسكنى وذهبت أوقافه إلا قليلاً. وقد وجد على حجر في المارستان بالجانب الغربي من أعلى البنيان كتابتان الأولى سنة خمس وسبعمائة وهي: رسم الملك لأمر بختشاي الكافلي بحماة بإبطال ما كان

стр. 1268

يؤخذ من البيمارستان بغير طريقة وأن وقفه يصرف على ما وقفه الواقف على السكر والأشربة وذلك بأمر السيفي. الثاني: لما كان بتاريخ الشهر المحرم المحروسة داود المقر السيفي درداس الخاصكي كافل المملكة الحموية أعز الله أنصاره وتبرع بمعلومه على الضعفاء المقيمين به وهو في كل شهر مائة دراهم لاغتنام الأجر والدعاء اه. وفي حماة اليوم مستشفى واحد، ومثله في حمص، وآخر في درعا، ورابع في القنطرة، وخامس في يبرود، وسادس في دير الزور، وفي إسكندرونة مستشفى وذلك ما عدا المستوصفات بإدارة الصحة والإسعاف العام ويقوم بإدارتها وتمريض مرضاها أطباء وطنيون. وكان في طرابلس مارستان أنشأه بدر الدين محمد بن الحاج أبي بكر أحد الأمراء بحلب المتوفى سنة ٧٤٢. وفي طرابلس اليوم مستشفى كان سمي مستشفى عزمي بك أحد عمالها الذي بتنشيطه. وقبل ٥٥ سنة جاء نابلس مبشر إنكليزي وأسس فيها مستشفى، وأخذ يعالج المرضى بأجور طفيفة ويكرههم على استماع وعظه فتحسس المسلمون وأسسوا سنة ١٣٢٦ شرقية المستشفى الوطني وهو إلى اليوم سائر سيراً حسناً يقوم بأموالهم وريع البلدية. أسس البرتستانت عدة مستشفيات ومستوصفات في الشام منها في طبرية والناصرة وصفد والصلت وصيدا والقدس ويافا وحيفا وبيروت ودمشق وغيرها من البلدان، ولا تكاد تخلو المدن المهمة من مستشفى أو شبه مستشفى مثل اللاذقية وطرطوس ومنها مستشفى خاص بمرض السل ومستشفى العصفورية للمجاذيب في لبنان، وكان في الخليل مستشفى جميل اسمه المنصوري وقفه الملك المنصور قلاوون، ومستشفيات الصهيونيين في القدس وحيفا ويافا وغيرها مهمة في بابها. وقد أقام الصليبيون في المدن التي احتلوها بعض مستشفيات منها واحد في صور وكان لهم في القدس مارستان وهو من الأماكن التاريخية كان عبارة

стр. 1269

عن ١٥٥ متراً طولاً و١٣٧ عرضاً وعليه قامت في القرون الوسطى الملاجئ والمستشفيات الخاصة بزوار الغرب ولا سيما رهبنة فرسان القديس يوحنا ومستشفياته. وحول ابن أخت صلاح الدين كنيسة الملجأ إلى مستشفى وبقي اسمه العربي الفارسي أي المارستان يطلق منذ ذاك العهد على مجموع تلك الأماكن. وفي سنة ١٨٦٩م أعطى سلطان العثمانيين النصف الشرقي من المارستان إلى تاج بروسيا بمناسبة زيادة ولي عهد بروسيا للقدس. وقد كان صلاح الدين جعل دار الأسقف في القدس لما فتحها بيمارستان المرضى. ومستشفيات القدس اليوم كمستشفيات بيروت مهمة لكثرتها ووفرة ريعها وتنافس المبشرين في تجويدها لها أحذق الأطباء، وفي بعض قرى لبنان مستشفيات صغيرة ومصاح منها مصح بحنس ومستشفى جمعية الفرندس في برمانا، ومصح ضهر الباشق وغيرها، وفي عمل دومة من دمشق مستشفى ابن سينا لأصحاب الأمراض العقلية. لهفة على المدارس وغيرها: أرأيت أيها الناظر في هذا الكتاب، كيف كان عمل الأجداد في إنشاء المدارس والربط والخوانق والمستشفيات، وكيف تساوى في تأييدها والوقف عليها الملوك والعظماء وجمهور الناس من الرجال والنساء. وكيف جودوا بناءها وأحكموا وقوفها الدارة ومع هذا لم تقو على مقاومة المخربين والغاصبين فعاد أكثرها دوراً وحوانيت. أزهرت في أزهرت في أربعة قرون واستصفيت في أربعة، استصفاها من ارتكبوا العار في الاستيلاء عليها من دون حرج، عملوا هذا وهم متنمسون بالدين يصلون ويصومون، ويقال عنهم: إنهم المسلمون، وربما كان على أبدان بعضهم شعار العلماء وما هم في الواقع إلا من أهل الرسم لا من أهل العلم، وقد يكون أقرب الناس إلى مخالفة الشرع القائمون عليه. ترى هل تلام الحكومات على هذا العبث بالمدارس وانتهاك حرمتها أم تلام الأمة؟ لاشك أن الحكومات ينالها قسط كبير من الملامة لأنها هيأت سبل السرقات، وربما كانت مشتركة بالسرقة أحياناً، ولكن اللوم كل اللوم

стр. 1270

على الجماعة والمدارس مدارسهم والدين دينهم. ومنذ عبث العابثون بالمدارس، وسرق السارقون عينها ومغلها، تراجعت دروس الدين وتراجعت معها دروس العلوم الأخرى ففشا الجهل المطبق في الأمة، وكادت تعود سيرتها الأولى من الجاهلية الجهلاء، وأصبح من وسموا بالعلم إذا سئلوا أفتوا بغير علم، وجوزوا ما حرمه الشرع وحرموا ما جوزه، ومن مساويهم أكل أموال الأقاف واستصفاء أعيانها، ومعدهم تهضم خصوصاً المساجد والمدارس. أضاع الخلف ما أبقاه السلف معموراً زهراً من المدارس التي كانت في العصور الغابرة غاية ما وصل إليه العقل البشري ظرفاً ومظروفاً، وبها أثبت أجدادنا أنهم كانوا شيئاً مذكوراً في إتقان الهندسة والبناء، وأنهم على جانب من سلامة الذوق، وأنهم حراص على مجد أمتهم، وأن الأعمال العظيمة لم تقم بنفسها لو لم يفكر فيها عقول كبيرة، وما كانت تلك المدارس تعمر لو لم يدرس فيهلا نوابغ من رجال العلم والاداب، ولو لم تكن ذات قانون معقول. نعم لم نعرف سر هذه الصناعة التي مثلتها لنا هذه المدارس، ولعله يقوم في الجيل المقبل أبنائنا علماء بالآثار والبحث يكشفون سر أعمال الأجداد كما توفر علماء الآثار في أوربا مائة سنة حتى كشفوا لأممهم أسرار البيع العظمى التي قامت خلال القرون الوسطى، وعسى أن يبرهن الباحثون منا انه لم يقم في الأرض شيء من العظمة إلا كان إلى جانبه عظماء يتعهدونه ويغذونه بعقولهم، ويفضون عليه من معين قرائحهم. قلت مرة من محاضرة ألقيتها في الشهباء في ربيع سنة ١٣٤١هـ - ١٩٢٣م وقابلت فيها بين مدارس حلب ودمشق: من تأمل مدارس أرباب الخير من المسلمين في الشهباء والفيحاء، وقرأ ما كتب بتأمل، وزارها المرة بعد المرة على تغير معالمها، وتشويه طرأ على محاسنها، وفساد عرا أذواق الأبناء والأحفاد، إذا قيس إلى سلامة ذوق الأجداد، وجعل نسبة بين عدد ما عمر منها وما بقي في البلدتين الشقيقتين يؤكد معنا أن الفساد استحوذ عليها في دمشق أكثر من حلب، وأن من تجردوا من الوجدان فاستحلوا استصفاء تلك المدارس كانوا في الفيحاء اكثر من أمثالهم في الشهباء، ولذلك كان عدد الباقي في حلب اكثر وأجود من المدارس في دمشق.

стр. 1271

ولا ينكر أن مادة البناء قد تختلف في بلد عن آخر. وقد كان الاعتماد في تلك القرون على الحجر الصلد، وفي دمشق عدة مقالع جميلة منوعة منه كما في حلب، ولم يكثر الآجر والطوب والخشب إلا في القرون الحديثة، ولذلك لم تخرب المدارس الدمشقية لعدم متانة في بنائها، فإن المثلة الظاهرة منها إلى اليوم لا تجعلها تختلف في شيء عن مدارس حلب. ولكن القائمين على هذه المدارس في هذه المدينة كانوا يعتدلون في العبث بها، ومتانة الأخلاق من جملة ما امتاز به الحلبيون، يضاف إليها حب الاحتفاظ بتراث الأجداد على صورة كانت ظاهرة في قرون الارتقاء، كامنة في عصور الشقاء والرجوع إلى الوراء. والناظر إلى مدارس دمشق وحلب وهي لا تقل عن ثلاثمائة مدرسة، منها زهاء مائتين في دمشق يدرك أنها من عمل السلاطين والعمال وقليل من التجار وأهل الخير. وكان منهم من يتوخى منها أن تكون توليتها لبنية من بعده ليعيشوا منها إذا صودرت أملاكهم. بنى قليل من التجار المدارس لأن الشعب كان يفنى في أغلب العصور في كبرائه، فلم يكن شأن في مظاهر النعمة والغبطة مدة قرون لغير أرباب الدولة أو من كان يعد في جملتهم، وكان الناس يحاذرون أن تنشأ لهم شهرة في الثروة، والثروة تتجلى في الدار والفرش والدابة واللباس، وفي بذل المال فقامة دور العلم وإيواء اليتامى والمحاويج، فكانوا يتظاهرون بالفقر لينجوا من مخالب العمال. وقل أن رأينا جماعة اتفقوا على إقامة عمل من هذا القبيل يفتخر به اللهم إلا قليلاً من المساجد، ولو فعلوا لأمنت أعمال الجماعات من اعتداء المعتدين اكثر من عمل الأفراد، ولما استصفت واستحل هدمها، ولا غير خططها ومعالمها من لا يخافون الله ولا عبادة، ولجاءت ممثلة للعظمة الحقيقية في الأمة، على نحو ما قامت البيع والأديار والمدارس في الغرب، بإرشاد رجال الدين من كرادلة وأساقفة وقساوسة، فكانوا يجمعون قليلاً من صدقات الملوك والأغنياء والفرسان والشعب، فيجيء مجموعها عظيماً يدار بأيدي هيأة منظمة على كل حال، ويختطون خطة لا يخرج عنها الخلف إلا قليلاً، للثر القديم من الموقع في النفس مال ليس للثر الحديث، فإن الأول

стр. 1272

يذكر بأمور كثيرة، يذكر بمجد السلف وأياديهم البيضاء وإرادتهم الصحيحة، يذكرنا بأن فلاناً الذي تحترمه الأمة بنى ذاك المصنع وتلك الدار، وأن فلاناً العالم درس هناك أو كان يألف المكان الفلاني، وكم من أثر تاريخي أو مصنع من مصانعنا نمر به دون أن نحفل بما فيه من عبر، ولو كنا على شيء من مدينة أجدادنا ما زهدنا هذا الزهد البشع في تراثهم، ولو اقتبسنا المدينة الحديثة بمحاسنها ومساوئها لرأيتنا أسرع إلى التقاط آثار الجدود والاحتفاظ بها من الماء إلى الحدود. لا تستطيع أمة أن تقطع الصلة بينها وبين ماضيها، خصوصاً إذا كانت ذات غابر عظيم كغابر الأمة العربية، قام على أساس متين، وتقاليد جميلة، ومقدسات متسلسلة، أما ونحن لا نرقى بدون القديم والأخذ من نافع الحديث، فواجب العقلاء أن يفكروا في أقرب الطرف إلى هذه الغاية، وهذا لا يتم بغير إحياء دور العلم ومعاهد الفضل، وإحياؤها موقوف على قليل من العناية. ليس للمدرسة الحديثة التي ننشئها اليوم تلك النضارة، ولا تتجلى فيها معاني الحسن والإحسان التي نشعر بها ونكاد نلمسها في المعاهد القديمة مثل مدرسة ضيفة خاتون رحمها الله فإنك إذا رأيتها تمثلت أمامك صفحة من تاريخ هذه الأمة المجيد، تمثلت بيت بني أيوب وأفضالهم على ربوع الشام، وكفى بهم وبصلاح الدين حسنة عقم الدهر أن يلد مثلها. كثير من المصانع بناها الملوك بالسخرة وإرهاق الرعية، وإعانات الأسرى والمعتقلين، ولم نقرأ في التاريخ أن أحدا من آل البيت الصلاحي عمر مدرسة أو جامعاً أو مستشفى أو رباطاً من مال مشبوه، أو سخرة ممقوتة، فأكرم وأنعم كل فرد أصيلاً كان في هذا البيت الشريف أو دخيلاً عليه. . . . عمر أهل الخيرات من سلف هذه الأمة هذا القدر العظيم الذي نعجب به من معاهد التعليم الديني دع المساجد والجوامع، ولو كتب البقاء لبعضها لأغنت القوم بعض الشيء بمعارفها ونشرت النور بينهم. وكانت المدارس والجوامع في تلك القرون المظلمة في الغرب المستنيرة في هذا الشرق هي المتكلفة بتعليم الناس وإخراجهم من الأمية، وكان لمعظم المدارس والجوامع مرتبطة بها وخارجة عنها لتعليم الأطفال تؤهلهم لتلقي دروس

стр. 1273

المدارس والجوامع، ولا نغالي إذا قلنا: إن عدد الأميين كان في تلك العصور أقل مما هو الآن في هذه الديار. ولو اطرد العمل اطراده في مدارس الغرب مثلاً لأصبحنا في هذا القرن والأميون أقل مما هم في مماليك المدينة الحديثة. ولكن الجهل قضى على تلك المدارس وأكل المتولون أوقافها فخربت وتغيرت معالمها. وكم من وقف يستمتع به النظار عليه يصرفون ما وقف على الخير في سبيل شهواتهم بدون محاسب من ذممهم ولا رقيب من أصحاب السلطان. ولو كتب لهم أن يأكلوا منها بالمعروف ويصرفوا حقوق تلك المعاهد أو بعض مغلها على رمها وإجراء الرزق على ساكنيها والدارسين فيها لأتت بثمرات جنية، ولما أكلوا في بطونهم النار، وركبوا متن العار والشنار، وكم من بيت كان موسوماً في القديم بالعلم والتقى فخلف من بعد السلف خلف عبثوا بالحرمات فاستحلوا أموال المدارس والمعابد فدثر البيت وانقرضت الأسرة وذهبوا وما يملكون جملة. لم يرحموا لأنهم لم يرحموا. ضبطت الحكومة السابقة أكثر أوقاف الملوك والسلاطين وكان ريعها كثيراً جداً في هذه الديار، فلم تصرفها فيما خصصت له ولم تنجح في الغاية التي توختها منها، واستقل بعض أرباب النفوذ بالأوقاف التي ائتمنوا عليها أو انتهت إليهم بحكم الوارثة فأساءوا الاستعمال إلا من عصم الله. فالسبب إذاً في خراب مدارسنا الجميلة سوء إدارة الحكومات السالفة وعبث المتولين عليها وإخراجها عما وضعت له من عمل الخير بصنع أولئك الذين يعدون أنفسهم في جملة هذا المجتمع وهم أعدى عداته اه.

стр. 1274

دور الآثار المتاحف والعرب: المتاحف العامة على الصورة التي نراها في الغرب لعهدنا ليست مما عهد في هذا الشرق. فإن أثينا منذ الزمن الأطول كان لها متحف دعته رواق الصور. وعرضت رومية أجمل ما أخذته من الصور من أثينا. ولم يكن حتى في القرون الوسطى في أوربا متاحف. وكانت بدائع الصنائع البشرية تحفظ في دور الملوك وفي قاعات البيع والأديار. حتى إذا كانت القرون الحديثة ونشأ كبار المصورين في إيطاليا وغيرها كثرت المتاحف التي تعرض فيها التصاوير العجيبة ومبدعات القول والأنامل، بحيث كاد أن يكون لكل مدينة معرض منها. وأخذت تخص تغص بما يهديها إياه الكبراء والملوك، ولما كثر الإخصاء عم المتاحف أيضاً. فصار للأمم العظمى متحف لغرائب الصناعة في النقش، وآخر في الرسم، وغيرها في أدوات الحرب، وآخر في أدوات الزينة، وغيره في أدوات الموسيقى إلى غير ذلك. ولا نعلم أن كانت للعرب متاحف أيام مدنيتهم على الصورة التي هي اليوم في كل بلد تذوق الحضارة، بل كانت متاحفهم في جوامعهم وقصورهم التي اختاروا لنقشها وتزويقها أمهر صناع أيامهم على نحو ما كان في جامع بني أمية في دمشق، والأقصى في القدس، وبعض جوامع بغداد والقاهرة، وفي الحمراء والزهراء في الاندلس، وفي قصور الخلفاء ببغداد وقصورهم في الأندلس وقصور الفاطميين في القاهرة. وكانت دور العظماء في الشرق كما كانت في الغرب تتنافس في بدائع الصناعة وتجعلها بحيث يراها من يختلفون

стр. 1275

إلى قصورهم، ولا تزال البيوت القديمة إلى اليوم في الشام تفاخر بما عندها من مجموعات الصيني والقاشاني والسلاح القديم والحلي والأواني الفضية والذهبية القديمة على كثرة ما طرأ على القطر من الحوادث التي عزت فيها الحاجيات دع الرغبة في الكماليات. وكان اقتناء هذه البدائع في هذه الديار من دلائل الظرف وآيات التعيين والرياسة، كما كان اقتناء الكتب في قرطبة بل في حلب ودمشق إلى عهد قريب. كان الفاتحون يغنمون في جملة ما يغنمون الطرائف البديعة وأدوات الزينة والتحف. هكذا فعل تيمور فحمل معه من دمشق صناع هذه البدائع وما أبدعوه، وهكذا فعل سليم العثماني فاتح مصر فنهب منها أجمل آثارها التي استطاع حملها وزين بها قصره وقصور جماعته في القسطنطينية. وذكر المؤرخون أن بعض ملوك الأندلس من العرب كانوا يعرضون في قصورهم التماثيل الجميلة من غير نكير، وفيها صور الآدميين وغيرهم. وكان أهل أوربا زمن الحرب الصليبية وبعدها يتنافسون فيما يجلبونه من الأقمشة والبسط وأدوات الزينة من الشام، ولما جاء القرن الأخير أخذوا ينقلون إلى متاحفهم ما أبقته صنع الأيدي من أهل المدنيات القديمة من تماثيل ونصب وأحجار زبر عليها رقم، وفي بعض متاحف أوربا ولا سيما في متحف اللوفر في باريس والمتحف البريطاني في لندا ومتحف برلين ومتاحف إيطاليا وغيرها كثير مما عثر عليه الباحثون العادات الحجرية في اليمن والشام ومصر ولا سيما من الديار الشامية. وقد أخذت عادياتنا تسافر من أرضنا منذ اخذ علماء الآثار يبحثون في سهولها وجبالها، وما كتبه كثير من علماء المشرقيات والعادات في القرن التاسع عشر دليل يؤيد ذلك، وقد نشروا أبحاثهم في كتب خاصة ومقالات لهم في المجلات الأثرية والعادية والعلمية. أما نحن سكان هذه الديار فلم تكن لنا عناية بهذا الشأن بل قل جداً من اهتدى إلى الاحتفاظ بما خبأته الأيام في بطون هذا الصقع. وكنا أزهد الناس فيها حتى نقلت آثارنا ونفسائسنا أمام أعيننا كما نقلت مخطوطاتنا ونحن ضاحكون مستبشرون، وانتفع بها القوم هناك وأكملوا بها تاريخ المدينة، ولما وقع الانتباه في الحكومة العثمانية أخذت تمانع بعض الشيء في نقل هذه التحف

стр. 1276

والطرق، ونقلت بعض ما عثر عليه من المصانع في خرائب صيدا وتدمر وغيرها فزينت بها متحف الآستانة. وقد ندب بعض علماء الآثار من الإنكليز وحفروا بطرق عجيبة مغارة الصخرة في المسجد الأقصى فذهب ما فيها ولم يعلم عنه شيء. وكم من بعثة أثرية قامت بحفريات وأخذت ما عثرت عليه ولم تأخذ الدولة العثمانية حقها منه ولسان حال الباحثين ما ورد في الأمثال العربية لا يحزنك دم ضيعه أهله. وقد طلب منها في مؤتمر الصلح باريس إعادة ما أخذته هي وألمانيا خلال الحرب العامة من هذه الديار من الآثار. وفي ذلك برهان على مكانه العاديات في نظر الغربيين. ولقد كنا نزين للحكومة التركية منذ ست وأربعين سنة أن تنشئ لدمشق متحفاً صغيراً تجعل فيه العاديات وبدائع الصنائع، فكان عمالها يتشاغلون عن ذلك لأنهم يحبون أن يكون كل فضل في الاستانة، وأن تكون سائر الولايات قرى ومزارع للاستعمار على طريقتهم، حتى إذا نادت سورية بالحكومة العربية صحت عزيمة هذه على إنشاء متحف فاتخذت له سنة ١٣٣٧هـ - ١٩١٩م دار المدرسة العادلية من أجمل قصور الفيحاء، وأخذت تجمع بعناية المجمع العلمي ما بقي من الآثار النفسية. فهو أول متحف عربي في هذه الديار، سار القائمون به على قدم الغربيين في نظامه، ثم بني له بناء خاص في غربي المدينة في المرج الأخضر واغتنى في أسرع مدة غنى يغبط عليه بما اكتشف المنقبون عن العاديات من علماء الغرب. حياة المتحف العربي بمعاضدة الأمة له. ولم يقصر بعض من لديهم مثل هذه التحف والطرف في إهدائها لتجعل في دار آثار الأمة عنوان ارتقائها ونموذجاً على معرفتها بتاريخها. لا جرم أن هذا المتحف هو البذرة الأولى التي ألقيت في هذه التربة المخصبة المهيأة لأنواع النماء والإثراء يستفيد منه أهل الأجيال الخالفة ما يعني غناءه في تربية عقولهم وعيونهم وأناملهم ويعتبرون بماضي الصناعة عند الأقدمين، وما كان لأجدادنا من الأيادي البيضاء في الفنون الجميلة بين المحدثين.

стр. 1277

- نشأة علم الآثار: عنيت الأمم منذ القديم بالفنون الجميلة، وكان حظ كل أمة من هذا الشأن بحسب رقيها وحضارتها. كان الأفراد يجمعون الآثار ويتنافسون باقتنائها لا لغاية علمية بل للزينة والتفاخر. ودام هذا حالهم حتى سنة ١٧٦٤م لما ظهر متاب تاريخ الفن عند الأقدمين لمؤلفه وانكمان الألماني، وهو أول من وضع أسس هذا العلم الحديث. إن علم الآثار القديمة فرع من فروع التاريخ، ومن أصعبها مراساً، إذ يحتاج صاحبه إلى قوة انتباه وذوق سليم. فإن هذا العلم لا يقتصر فيه فقط على جمع الآثار القديمة في المتاحف ووصفها، بل يتطلب حل رموزها وفهم كنهها، واستجواب تلك الشهود الصامتة، واستنتاج الحقائق منها. ولقد أصبح النظر في أبحاث علماء الآثار وتحقيقاتهم محتماً على كل مؤرخ ومحقق، ويستنير بها كل لغوي ومفسر. وكم معضلة تاريخية ولغوية حسمت بفضل هذا العلم. وهاهي كلمة فرعون التي لا يجهل اليوم الأحداث معناها، ذهب المتقدمون من علماء اللغة في تفسيرها مذاهب حتى قام علماء الآثار فأظهروا وثائق تثبت أنها لقب كل من ملك مصر. وكم من حوادث جاءت في كتب السلف وفي الكتب المنزلة فذهب الناس في تأويلها، وشك بعضهم في صحتها، ولولا علم الآثار الذي أماط عنها اللئام، وأظهرها للعيان ملموسة محسوسة، لقالوا: إنها أساطير الأولين. أليست جهود الذين اكتشفوا آثار آشور والكلدان ومصر وفارس ويونان وبعثوا ذكرها بعد أن كانت نسياً منسياً ألوفاً من السنين، شاهداً عدلاً على أخبار تلك المماليك. لم يدون الأقدمون غير النزر اليسير الذي وصلهم من أخبار الشعوب القديمة، وأغفلوا ذكر أكثر الأمم البائدة التي ذهبت أخبارها بزوال أصحابها، ولو اكتفينا بهذه النصوص المشبوهة لما كنا أوفر حظاً ممن تقدمنا بمعرفة أخبار السلف، وبفضل هذا العلم نعرف اليوم أخبار أكثر هذه الأمم، كما نعرف حوادث الأمم في القرون الوسطى، وقد توصلوا لمعرفة ما كان عليه الإنسان

стр. 1278

قبل عشرات الألوف من السنين، يوم كان يأوي إلى الكهوف، ويقتات بالنبات، ويفترس الوحوش، مع أننا نجعل ونحن في القرن العشرين كثيراً من عقائد بعض الشعوب الضاربة في مجاهل إفريقية وهي معاصرة لنا. ومن الإنصاف أن لا ننكر فضل من نقلوا إلينا أخبار القدماء لأن هذا الشيء اليسير هو الذي أثار في فئة من الناس حب الاستطلاع، وكانت هذه النصوص نوراً يستضاء به، ومراجعاً يستأنس به. وعلماء الآثار أصدق الناس في هذه الروايات، وهم وإن لم ينكروا وقوعها فلا يجزمون بصحتها إلا متى عثروا على دليل من ذلك العصر يؤيدها. ولأبحاث علماء الآثار ميزة جديرة بالاعتبار فإنها تكون في أكثر الأحايين منزهة عن الأغراض والغايات النفسانية. وقد يخطئ الأثري في استنتاجة، ولكنه لا يعتمد تشويه الحقائق، لأن همه الوحيد أن يحيي هذا الماضي البعيد، ويصبح ومعاصروه كأنهم يعيشون في ذاك العصر وذاك المحيط. ومن منا لا يشعر بمثل هذا الشعور عندما يزور متحفاً أو معبداً أو أطلالاً قديمة. وكيف يمكنه أن ينكر الحقيقة ولسان حال هاته الأمم البائدة يقول: إن آثارنا تدل علينا ... فانظروا بعدنا إلى الآثار لقي هذا العلم الحديث إقبالاً عظيماً في الغرب فعنيت حكوماتها به، وأصدرت للمشتغلين به أموالاً طائلة، وأنشأت له المدارس والمجامع العلمية أسوة ببقية العلوم. وقد أبدى الأثريون على قلة عددهم نشاطاً عظيماً، ووضعوا في برهة قصيرة كثيراً من المؤلفات المفيدة. وقد نال الشام قسط وافر من هذه الأبحاث، فهي أول بقعة اتجهت نحوها الأنظار وخصوصاً فلسطين، لمكانة الشعوب التي استوطنتها منذ الزمن الأول الأطول، وأهمهم الشعب الإسرائيلي، لعلاقة الأمم الغربية بكتابهم المقدس. البعثات الأثرية الغربية: أوفدت أكثر حكومات الغرب بعثات علمية للتنقيب عن آثار الشام نخص منها بالذكر البعثة الفرنسية التي رافقت حملتها في سنة ١٨٦٠ والجمعية الإنكليزية للبحث عن آثار فلسطين. ثم تضاعفت الهمم فجاء من

стр. 1279

الفرنسيين رنان والدوق دولوين ودوسلسي ودوفوكوين وكلرمون غانو ودوسو وفانزان وغيران، ومن الإنكليز روبنسون ومادن وسايس وويلسون وفارين، ومن الألمان أوتوتينيوس، ومن السويسريين ماكس فان برشيم. وأهم الأمكنة التي نقبوا فيها هي تل الحسي وتل زكريا وتل الصافي وتل الجديدة وتل الجزر وتل تعناك وتل المتسلم وعكا ويافا والقدس وصيدا وصور وجبيل وعمريت وجزيرة أرواد وبعلبك إلى عدة أصقاع في الشام الشمالية. وبينا هذه البعثات مجدة في عملها، كانت الدولة العثمانية في سبات عميق مكتفية بمراقبة هذه البعثات لاقتسام الغنيمة وإيداعها متحف الآستانة الوحيد. ولم تفكر بعمل حفريات قط، كما أنها كانت تأبى إنشاء فروع لمتحفها في الشام أو في غيرها من السلطنة العثمانية، وحجتها في ذلك أن الآثار إذا جمعت في مركز واحد، وضم بعضها إلى بعض نتجت من ذلك فوائد علمية وعملية لا ترجى من تعدد دور الآثار، وذلك أسوة بمتاحف أكثر الأمم الغربية، وعملاً برأي أكثر علماء الآثار. ولكنها تجاهلت بأن ما يصلح لأرض لها وحدة تاريخية لا يعمل به في أرض ضمت تحت لوائها شعوباً مختلفة ومدنيات متباينة كالإمبراطورية العثمانية. ولذلك كان جل اهتمام الدولة العثمانية مصروفاً إلى إنماء متحف الآستانة فأهملت أمر الآثار القديمة في ديارها، ولم تعهد إلى أناس يتعهدونها أو يراقبون سيرها، فدرس كثير من البنايات الأثرية البديعة، وأقبل الأهلون في كل ناحية ينقبون عن الآثار القديمة بغية الاتجار بها. فأصبحت هذه التجارة ذات شأن في القطر، وغصت متاحف أوربا بآثار الشام، واقتنى غواة العاديات الأجانب كثيراً منها. وبهذه الصورة وبفضل الامتيازات الأجنبية تمكنت كل من الجامعة الأميركية والكلية اليسوعية في بيروت وغيرهما من المعاهد من إنشاء متحف خاص، وجمع الدكتور فورد في صيدا، وغيره في حلب من الأجانب مجاميع مهمة من آثار الشام. ولم يعرف من الشاميين من اشتهر بجمع الآثار، القديمة وكانوا لا يعبئون بها، ولا يقيمون لها وزناً. ومن كان منهم يملك طرفةً أو أثراً يتنازل عنها مقابل دريهمات معدودة، حتى تجردت أكثر البيوت والأسر من نفائسها.

стр. 1280

آثارنا وآثار جيراننا: ولقد تبين من الحفريات التي أجريت في الشام ومن الآثار التي اكتشفت فيها أن آثارها تختلف كثيراً عما وجد من نوعها في الأقطار المجاورة، ولا يرجى أن نعثر في هذه الديار على آثار تثير بجسامتها إعجاب العامة قبل الخاصة، كما هو شأن آثار مصر وآشور وفارس. والسذاجة في الصناعات تغلب على الشاميين منذ القديم، وهذا ناشئ عن طبائعهم ومعتقداتهم. فالشامي في جميع أدواره التاريخية يميل إلى الساذج، وهذا يظهر في صناعته وفلسفته الدينية، وتتجلى في هذه البساطة مواهبه الفنية، جمع بين الساذج والجميل فأحسن الصنع وأبدع. وتقل الآثار المنقولة النفيسة التي اكتشفت في الشام بالنسبة لما وجد في غيرها من الأقطار، وهذا القليل يشهد ببراعة الصانع الشامي وذوقه السليم، حاز بهما مكانة بين أقرانه من فناني بقية الشعوب. وليس معنى قلة العاديات عدم انتشارها في القطر، بل لأنها لم تصل إلينا لأسباب وعوامل شتى. ذلك أن تربة الشام رطبة لا تحفظ ما يودع فيها. وأن الشاميين قلما يجعلون في مدافن موتاهم نفائسهم، كما هو شأن المصريين وغيرهم من الأمم القديمة. بل يكتفون بالأشياء الساذجة المنوعة. فإذا أضفنا إلى خلو القبور من الأعلاق، وما قد كتبه اشمو نزار ملك صيدا على تابوته مخاطباً به نابشي القبور، ناصحاً لهم أن لا يهتكوا حرمته، مؤكداً أن لا ذهب ولا فضة في قبره ندرك من هذا سر ندرتها بين أيدينا. فإذا كان هذا حال ملوكهم فما بالك بالرعية. وخلو القبور منها هو حجة للشام لا عليها، ودليل على سمو عقيدة سكانها، ونضج فكرتهم منذ القديم، لأن الشامي كبقية الشعوب السامية يغلب عليه الاعتقاد بأن الجسم مادة تتلاشى مع الزمن ليست جديرة بالإكرام الذي يبالغ به غيرهم من الشعوب. ومع هذا فقد انتشرت في الشام عادة وضع بعض الأشياء في القبور وذلك بمؤثرات خارجية واقتباس عادات الغالب، والشام في أكثر أدوار تاريخها خضعت لسلطان أجنبي. الشام معهد ثلاث ديانات يدين بها اليوم معظم البشر. وهذه الديانات

стр. 1281

لم تكن ابنة ساعتها، بل هنالك عوامل مهدت لها السبيل مدة قرون عديدة قبل ظهورها. ولذلك يهم كلاً منا معرفة تطورها. وهذا ما يزيد في مكانة آثار الشام ويجعل إقبال العلماء عليها أكثر من سواها لعلاقتها الكبيرة بنظامنا الاجتماعي الحاضر. وقد أدركت جمعية الأمم هذا الأمر واحتاطت له خوفاً من المزاحمة واستئثار دولة بهذه الآثار دون سواها، فاشترطت في المادة ١٤ من صك الانتداب أن القانون الذي سيسن لحماية العاديات يجب أن يستمد روحه مما يدعو إلى التنشيط أكثر منه إلى التثبيط، كما أنها اشترطت على الحكومة المنتدبة عند منحها إجازات بالحفر أن لا تتصرف بشكل يرمي إلى حرمان علماء أي شعب كان تلك الإجازات دون أسباب موجبة، وهكذا أصبح الباب مفتحاً لجميع الأمم. تأسيس دور الآثار: وقد تضاعف نشاط البعثات الأثرية الأجنبية عقب الهدنة في سنة ١٩١٨، وأظهرت قيادة جيوش الحلفاء في الشرق عناية كبرى بالآثار، وعهدت للأخصائيين في جيوشها بدرس آثار الشام ورفع التقارير عنها، وشددت النكير على العابثين بها. ومن جملة مقررات المؤتمر الفرنسي الذي عقد في مرسيليا سنة ١٩١٩ للبحث بشؤون الشام العامة اقتراح على الحكومة الفرنسية بإنشاء ديوان للآثار القديمة، والتشبث باسترجاع ما أخذته الحكومة العثمانية من آثار الشام، وقد حققت المفوضية الفرنسية في الشام الاقتراح الأول، فأنشأت لها ديواناً للآثار القديمة، وحذت المفوضية الإنكليزية حذوها في فلسطين وشرق الأردن. ولم تكن الشام في عهد الملك فيصل أقل عناية من تينك الدولتين. فقد اغتنم هذه الفرصة بعض المفكرين وفي مقدمتهم الأستاذ مؤلف خطط الشام فاقترحوا على الملك إنشاء متحف في دمشق، فقوبل هذا الاقتراح بارتياح عظيم. وما لبث الملك أن أصدر أمره بذلك إلى الأستاذ بأمر تحقيقه على أن يكون فرعاً للمجمع العلمي العربي الذي أسسه الرئيس أيضاً. وأنشأت الحكومة السورية متحفاً آخر في حلب، وأنشأت حكومات لبنان وجبل الدروز والعلويين

стр. 1282

متاحف في بيروت والسويداء وطرطوس، وكذلك أنشأت كل من حكومتي فلسطين والشرق العربي متحفاً جعلته الأولى في القدس والثانية في عمان، وجميع هذه المتاحف نمت بسرعة عظيمة بفضل ما اشترته واستهدته من الآثار، وما نالها مما اكتشفته البعثات الأثرية في مناطقها فأصبحت الشام بتشجيع الحكومات المحلية والسلطات المنتدبة ساحة عمل دولي كبير. وقامت البعثات الفرنسية بالبحث عن الآثار في صيدا وأم العواميد وكفر الجرة وبيروت وجبيل والقرية ولبيا في منطقة الحكومة اللبنانية، وفي السويداء وقنوات الشهباء، وفي تل النبي مند قدش القديمة وفي المشرفة قطنا القديمة والنيرب وأرسلان طاش والقصر الأحمر، وقامت بعثتان مختلطتان بأعمال التنقيب في قلعة الصالحية دوراسا أو روبوس القديمة على شاطئ الفرات، وفي مدينة تدمر. وتحرت البعثة التشكوسلوفاكية آثار الشيخ سعد وتل أرفاد، ونقبت بعثة ألمانية في رأس العين شمالي الشام. وحصرت البعثات الإنكليزية والأميركية أعمالها في منطقة فلسطين والشرق العربي، فنقبوا عن الآثار في تل مجدو القديمة وبيسان وسبسطية سمرة القديمة وسيشم وبيت جبرين والقدس والتابغة وجرش. متحف دمشق: تختلف مجموعة دار الآثار في دمشق عن مجاميع متحف الشام للعناية التي بذلتها بآثار القطر الشامي على اختلاف أدواره التاريخية وخاصة العهد الإسلامي. وحري بدمشق عاصمة الأمويين، ومهد الحضارة العربية، أن يكون لها متحف يحيي ذكرى هذا الماضي المجيد. ورغم ندرة العاديات الإسلامية المنقولة في ربوع الشام وأسعارها الباهظة، تمكنت دار الآثار من جمع أعلاق قيمة. منها مجموعة نقود إسلامية، ومجموعة خزف عربي، ومجموعة مصاحف مخطوطة ومذهبة. ومجموعة خشبية أخص بالذكر منها جانباً من سدة جامع من خشب الحور الرومي آية في جمال الصنع وحسن الذوق، مزينة بنقوش عربية بديعة، وكتابات قرآنية كوفية مزهرة متناسقة جميلة جداً، وقد كتبت في أعلاها هذه الفقرة: بن محمد بن الحسين بن

стр. 1283

علي صفي أمير المؤمنين تقبل الله منه وذلك في شهور سنة سبع وتسعين وأربعمائة وتابوت مزين مجموع يشكل حشوات صغيرة منقوشة نقشاً بديعاً وقد كتب على كل جوانبههذا ضريح الست الجليلة الكبيرة المعظمة الملكة فخر الخواتين عصمة الدنيا والدين، بختي خاتون ابنة السلطان الملك معز الدين قيصر شاه ابن السلطان السعيد الشهيد ملك ملوك الروم والأرمن قليج أرسلان قدس الله روحه ونور ضريحه، وذلك في مستهل ربيع الأول سنة ثمان وأربعين وستمائة وبين مجموع الكتابات الحجرية لوحتان سلجوقيتان كتب عليهما تاريخ ترميم جانب من جامع بني أمية في شهور سنة ٤٧٥ وأخرى أيوبية تاريخها سنة ٥٧٥ ومجموعة وافرة من شواهد قبور أمراء الشام وعلمائها في القرن السابع والثامن هـ. ومما يلفت النظر جرة من رخام أبيض، وعلى القسم الأسفل منها نقوش عربية وعهدها من القرن الثامن للهجرة. وأخرى من الفخار عليها نقوش أشخاص وحيوانات وطيور وزهور محكمة الصنع وكتب في وسطها هذه العبارة عز وإقبال وسلامة وسعادة وكرم وغبطة ورفعة، وهذه الجرة فريدة في بابها وهي من صنع العراق في القرن الثالث عشر م. ومن أهم الآثار غير الإسلامية مجموعة زجاجية وهي أجمل مجموعات العالم، ومجموعة مهمة من الآثار التدمرية وهناك رأس تمثال أحد عظماء الحثيين يرجع عهده للألف الثانية قيل الميلاد. ونصب الفرعون سيتي الأول وعليه ذكر انتصاره على الحثيين، وطائفة من الآثار الرومانية واليونانية. متاحف بيروت والسويداء وحلب وطرطوس والقدس وعمان: وجمع في متحف بيروت كثير من الآثار الفنييقية وغيرها الأواني والحلي التي عثر عليها في مدافن جبيل وفي أقبية معبدها. ويرجع عهد بعضها إلى الألف الثالثة وبعضها إلى ١٨٠٠ سنة قبل الميلاد منها ناووس الملك أحيرام المتوفى في القرن الثالث عشر قبل الميلاد. وقد نقشت على جوانبه صورة الملك يتناول القرابين من أتباعه وبعض الشعائر الدينية، وهو قائم على أربعة

стр. 1284

أسود. ومما يزيد في شأن هذا الأثر الكتابة الفينيقية التي زبرت عليه وهي أقدم كتابة عرفت من نوعها حتى اليوم وهذه ترجمتهاعمل هذا الأران التابوت أفسبعل بن احرام ملك جبيل لأبيه كي يكون مقره الأبدي، فإذا نصب ملك من الملوك أو حاكم من الحكام العداء لجبيل وإخراج هذا التابوت من تحت التبليط فيكون خاتون خصمه فيدك عرش ملكه ويعم الخراب جبيل إذا محا هذه الكتابة. . . . . . وبين هذه الآثار آنية خرافية تقش عليها اسم الفرعون امنمعحت الثالث ١٨٥٠ - ١٨٠٠ قبل المسيح. وآنيتان عليهما اسم امنمعحت الرابع وآنية من الرخام جميلة الصنع مع غطائها، وكتب عليها بالهيروغليفية ما يأتي: خدام الإله ابن الشمس فليعش امنمعحت إلى الأبد وصندوق صغير للحلي من حجر كريم أسود محلى بالذهب وشكله على طراز الناووس وعلى الغطاء كتابه هيروغليفية هذه ترجمتها: فليعش الإله بون سيد الأرضين ملك مصر البحرية والقبلية مع خرون راع المحبوب راع المحبوب من ثوم سيد هيليوبوليس الممنوحة له الحياة الأبدية. وجمع في هذا المتحف مقدار كبير من الفخار أهمه الأواني التي عثر عليها في كفر الجرة ويرجع تاريخ صنعها إلى الألف الثاني قبل الميلاد. ولآثار جبيل مكانة تاريخية عظيمة وهي من أهم ما عثر عليه حتى الآن في الشام. وكان في متحف السويداء مجموعة حجرية نفسية أكثرها من العهد اليوناني والروماني ضاع معظمها مع السف إبان الثورة السورية. ومتحف طرطوس حديث العهد ليس فيه إلا مجموعة صغيرة ليست ذات شأن كبير. وأما متحف حلب فلم يخصص له مكان بعد، ولكن مجاميعه جاهرة ستحفظ فيه متى هيئ لها المكان. وأكثر هذه الآثار حثية وآشورية من التي استخرجت في حفريات أرسلان طاش وتل الأحمر وتل أرفاد والنيرب. وفي متحف القدس خزفية مجاميع ومعدنية تبين تطور نهضة فلسطين والأدوار التي مرت عليها في أهم عصورها التاريخية، كما أنه يحتوي على عدد من النواويس من العهد اليوناني وأجملها مما نقش عليه صورة معركة بين اليونان والنساء المترجلات أمازون وطائفة آثار من الحجر البركاني من عهد الفرعون سيتي الأول ورعمسيس الثالث التي وجدت في

стр. 1285

بيسان. وقد حفظت قطع الجمجمية التي وجدت في التابغة ويرجع عهدها إلى ما قبل التاريخ. وأما مجموعة متحف عمان فأكثرها مما يرجع تاريخه إلى العهد الروماني والبيزنطي. وبعد فقد عرفنا بما تقدم مقدار العناية التي بذلتها البعثات الأجنبية بآثار الشام غير الإسلامية وإعراضهم عن هذه الأخيرة. لا جرم أن معظم الآثار الإسلامية في القطر محفوظة في الجوامع والمساجد والمدارس تحت إشراف ديوان الأوقاف. ولذلك يتحاشى ما أمكن أن يثيروا عواطف عوام المسلمين حتى إن السلطات المنتدبة تركت لدوائر الأوقاف حرية التصرف بهذه الأماكن المقدسة. وقد اكتفت بأن تسدي إليها من حين إلى آخر النصائح لبذل العناية بهذه الآثار. لكن أكثر هذه الدوائر في شغل شاغل عنها. فكل يوم نسمع بضياع اثر أو تشويهه لا عن قصد منهم بل لأنهم لا يقدرون قيمة ما هو تحت أيديهم، حتى أصبحت أكثر هذه الأمكنة الأثرية في حالة يخشى عليها من الاندراس، وبذلك يفقد القطر هذه المفاخر التي تشهد بمدينة السلف العظيمة في أزهى العصور الشامية. فعسى أن تحذو الشام حذو شقيقتها مصر وتؤلف لجنة للآثار الإسلامية تعنى بجمعها وتتفقد شؤون البنية منها. وقد أنشأت الجمهورية الفرنسية في دمشق معهداً فرنسياً لدرس الآثار وخاصة منها الإسلامية على منوال المعهد الفرنسي في القاهرة. وقد سبق للبعثات الأجنبية أن أسست في القدس معاهد لدرس الآثار مثل المدرسة الأثرية الفرنسية، والمدرسة الأثرية الإنكليزية، والمدرسة الأميركية للأبحاث الشرقية، ولهذه المعاهد فضل كبير بكشف غوامض تاريخ الشام القديم. لم تدع السلطتان الفرنسية والإنكليزية في منطقتي سورية وفلسطين باباً إلا وطرقتاه لنشر الدعاية في الممالك الأجنبية عن آثار الشام ومكانتها. وقد تجلى ذلك في دعوتهم لمؤتمر الآثار الدولي الذي عقد في سورية وفلسطين في شهر نيسان سنة ١٩٢٦ فكانت نتائجه مرضية. وبفضل هذه الدعاية نرى عدد السياح بازدياد في كل سنة. ولا شك أن الشام إذا صرفت العناية بفنادقها وطرق مواصلاتها تصبح مقصد السياح من أهل الأرض، وتجني من ذلك فوائد مادية وأدبية لا تقدر.

стр. 1286

دور الكتب نشأة الكتب: عرفنا من سير القدماء أنهم كانوا يقيدون علومهم ومآثرهم وتواريخهم وأيامهم في صنوف من المواد، تكون على مقربة منهم، وتكثر في أرضهم وديارهم. فالبابليون كتبوا كتبهم على الآجر أي بالطين المشوي، وكتب الهنود على النحاس والحجارة والحرير الأبيض والطومان المصري، والعرب عمدوا إلى أكتاف الإبل واللخاف، أي الحجارة البيض والرقاق وعسب النخل. وبقي الأمر على ذلك حتى شاع الورق المعمور من الكتان في خراسان وسمرقند وبغداد ودمشق، منذ القرن للهجرة على ما يظهر. ولما شاع الورق قضي على الرق لسهولة تناول القرطاس والمهرق، وهي الصحيفة البيضاء يكتب فيها. وكان من الحرير الأبيض ما يسقى الصمغ ويصقل ثم يكتب فيه، وقد اعتمدوا عليه قبل القراطيس بالعراق، وكتب بعض أهل الغرب في صفائح من معدن رقيق. وكان أهل فرغامة في الروم أول من استنبطوا الرق، كانت له تجارة رابحة بارت بظهور الورق، وكانت الكتب في العراق تجعل في جلود دباغ النورة أي الكلس، وهي شديدة الجفاف، ثم كانت الدباغة الكوفية، تدبغ الجلود بالتمر وفيها لين ولا رائحة لها. ولما فتح الإسكندر فارس كان العلم منقوشاً مكتوباً في صخور وخشب، فأخذ حاجته منها وأحرق الباقي. ولما تولى أردشيربابك وابنه سابور على فارس والعراق جمع مل تفرق من الكتب فيهما، واستنسخ من الهند والصين والروم

стр. 1287

كتبهم. ولما ملك بطلميوس بطولوماوس فيلادلفوس من ملوك الإسكندرية فحص عن كتب العلم فعهد إلى رجل اسمه زميرة فجمع من ذلك على ما حكي أربعة وخمسين ألف كتاب ومائة وعشرين كتاباً. وقال له: قد بقي في الدنيا شيء كثير في السند والهند وفارس وجرجان والأمان وبابل والموصل وعند الروم. وذكروا أن النعمان ملك الحيرة أمر فنسخت له أشعار العرب في الطنوج أي الكراريس فكتبت له ثم دفنها في قصره الأبيض، فلما كان المختار ابن عبيد قيل له: إن تحت القصر كنزاً فاحتفره فأخرج تلك الأسفار. قالوا: فمن ثم كان أهل الكوفة أعلم بالأشعار من أهل البصرة. وبلغ من عناية ملوك الفرس بصيانة العلوم، وحرصهم على بقائها على وجه الدهر، وإشفاقهم عليها من أحداث الجو وآفات الأرض، أن اختاروا لها من المكاتب أصبرها على الأحداث، وأبقاها على الأيام، وأبعدها عن التعفن والدروس، فكتبوا في لحاء شجر الخدنك، ولحاؤه يسمى التوز، وكانت تعمل منه القسي، وبهم اقتدى في ذلك أهل الهند والصين ومن يليهم من الأمم. ولما حصل الفرس العلوم طلبوا لها من يفاع الأرض أصحها تربة وأقلها رطوبة، وأبعدها من الزلازل والخسوف، وأعلكها طيناً، وأبقاها على الأيام بناء، يقيمون فيها خزائنهم ودور كتبهم فاختاروا مدينة جي من عمل أصفهان جعلوها في قنهندرز أي حصن، فانهارت هذه المصنعة في الإسلام فظهروا فيها أزج معقود من طين الشقيف، أي بيت مستطيل من الخرف، فوجدوا فيها كتباً كثيرة من كتب الأوائل مكتوبة كلها في لحاء التوز بالكتابة الفارسية القديمة، وقالوا: إن الفرس كانوا يودعون كتبهم في سارويه، أحد الأبنية الوثيقة القديمة المعجزة النباء، وتشبه الأهرام في الجللة وإعجاز البناء، وكانت الكتب على صفحة صفحة أي من وجه واحد. هذا ما يؤخذ من كلام ابن النديم وغيره في منشأ الكتب عند القدماء، ومع هذا لم تحفظ لغات الأقدمين لولا ما وجد منها مكتوباً على الأحجار، وكان بعض تلك اللغات اندثر في القرون الأخيرة حتى لا يحلها إنسان، مثل اللغة الهيروغليفية لغة قدماء المصريين المقدسة فعثروا في رشيد من ثغور مصر

стр. 1288

في سنة ١٨٢٦ على حجر كان مكتوباً بالهيروغليفي، وهو الخط الخاص بالآثار عند قدماء المصريين، وكان الخط المعتاد عندهم الخط الهيراطيقي يكتبون به حاجاتهم العادية وفنونهم وآدابهم. وهذا يكتب على البردي بقلم من البوص المعروف بالغاب، يغمس في مدار أسود أو أحمر ومنه أدراج طويلة قد يبلغ طول الواحدة منها ثلاثين متراً، ومنها نماذج حفظت في متاحف الغرب ومتحف مصر، وكذلك ما عثروا عليه في رسائل تل العمارنة في المنيا بمصر في سنة ١٨٨٨ وقد كتبت بالآجر بالحروف المسمارية البابلية، وفيها سجلات الدولة في عهد فرعون مصر أمينوفيس الرابع أمينوفيس الثالث، وانحلت بهذه الآجرات عقد من التاريخ القديم استدل بها على علاقة الشام بمصر. ومثل ذلك يقال في الأثر النفيس الذي اكتشفها أحد أمراء روسيا في تدمر سنة ١٨٨٢ وانحلت به مشاكل كثيرة من الحضارة التدمرية. وقد حل الخط التدمري بارتلمي، واكتشف دوسو في الجنوب الشرقي من النمرة في الصفا حجراً مكتوباً بالخط الآرامي وهو بالعربية، وحل لغة الصفا بيمان وهاليفي. واكتشفت في البتراء المصانع المكتوبة بالآرامية، وحل علماء الآثار اللغة الحميرية السبئية في اليمن. وحل لغة البابليين دي مورغان، ومن أهم ما عثر عليه من آثارهم مسلة عظيمة عملت بمسحوق الحجر البركاني وقد زبرت عليها شريعة حمورابي أحد أعاظم ملوك البابليين، وكان من أصل عربي كما يقول هومل. وأهم الكتابات الفينيقية التي ظهرت ما وجد مزبوراص على ناووس أحد ملوك صيدا سنة ١٨٥٥، والخط الفينيقي أشبه بالخط العبراني، والخط المسند هو الذي كتبت به مصانع الفرس القدماء ومصانع أشور وبابل وأرمينية وخوزستان وما إلى ذلك من أرض العراق. ولا يزال العلماء يكتشفون الآثار والعاديات في أرض الشام، وإلى اليوم لم ينحل خط الحثيين أقدم شعوب هذه الديار، ولا يزال علماء الآثار منذ عثر بروكهار في حماة على حجر مكتوب بهذا الخط سنة ١٨١٢ متوفرين على حل هذا القلم وقد ظفروا بكثير من آثار الحثيين في هيرابوليس أوقرقميش عاصمة الحثيين وفي طرابلس

стр. 1289

وحلب وأرفاد وحمص وغيرها. ومعنى كل هذا أنه لم يصل إلى أهل الحديث بعد تطال الأعصار من تلك اللغات القديمة إلا ما كان مزبوراً على الأحجار والآجر، ثم ما كان على الخشب والرق ثم الورق، وكانت للعرب في الكتابة على الرق والورق يد طولي نقلوا بواسطتهما ما أمكن كم علوم القدماء، وأعطوه لأهل الحضارات الحديثة بأمانة وإخلاص. فالقدماء إذاً وضعوا الكتب أيام عرفوا الكتابة، فكان لبعضهم كالفرس واليهود والهنود كتب مقدسة، وخلف الرومان واليونان تواريخ وقصائد وخطباً ومقالات فلسفية. قال سنيوبوس: وقلما نجد في الكتب المواد اللازمة لمباحثنا إذ ليس لدينا كتاب أشوري ولا فينيقي. أما ما بقي من أسفار الشعوب الأخرى فتافه جداً. وكان القدماء يكتبون ولكن أقل منا، ولذلك كانت تآليفهم أندر، ولم يكن لهم من كل مصنف غير نسخ قليلة لما أن الكال كانت تقضي باستنساخها كلها باليد، وقد دثر غالب هذه النسخ أوضاع وتعذرت قراءة ما بقي منه، ويسمى علم حلها باليوغرافيا أي علم الخطوط والكتابات القديمة. نشأة الخزائن والعناية بحفظها: عرفنا بما تقدم أننا لا نستطيع أن نحكم على العصور التي سبقت الإسلام في الشام في أمر الكتب والخزائن فإن إنطاكية نطقت بما كان فيها من علوم القدماء، وانتقلت إليها من حران والإسكندرية، ولا بيروت ولا مدرسة الفقه التي كانت فيها قبل الإسلام، أطلعتنا على ما كان فيهما من خزائن وأسفار، فإن أخبار هاتين المدينتين إنطاكية وبيروت انطمست منذ القديم كما انطمست معالمها بالزلازل المدهشة التي قضت على دور العلم فيهما، وأتت أيضاً على برمتها في العصور الأولي للإسلام، والزلازل كالحريق تتلف الكتب وتدمر دورها. ثبت أن العرب لم يدونوا في الجاهلية شيئاً من مآثرهم بالعربية، لأن الخط العربي محدث انتقل إليهم من أنبار قبيل الإسلام، ولكنهم كانوا أول من أسرع التدوين خارج جزيرتهم، ولا سيما في العراق والشام أوائل الإسلام.

стр. 1290

ومن أهم الكتب القديمة في الشام مصحف سيدنا عثمان الذي عام ثلاثين للهجرة إلى دمشق ليكون الاعتماد عليه كما أرسل مثله إلى الأمصار الكبرى في الأقطار الأخرى. والغالب أنه نقلت عنه عدة مصاحف عدت من الأمهات منها ما جعل في طبرية، ومنها ما وضع في قنسرين. وكثرت النسخ بعد ذلك، لكن هذه المصاحف ذهبت في الحريق الذي أصيبت به الجوامع في عصور مختلفة، وكلما حرق مصحف قديم قال القوم: إنه مصحف عثمان، والأصح أن يقال المصحف المنقول عن مصحف عثمان. وحدثين الشيخ مسعود الكواكبي أنه تشرف غير مرة بزيارة مصحف كتب عليه حرره عثمان بن عفان وهو محفوظ في مكتبة جامع أياصوفيا في الآستانة. ثبت أن أول خزانة كتب في الإسلام أنشئت في دمشق أو في حلب أنشأها حكيم آل مروان خالد بن يزيد الأموي المتوفى سنة خمس وثمانين، ولم يصل إلنا من أخبارها شيء، ولا شك أنها كانت تحوي بعض العلوم التي نقلها من القبطية واليونانية والسريانية، في الكيمياء والطب والنجوم وغيرها، وربما كان فيها شيء من كتب الجغرافيا لأنه ثبت مما قاله ابن السنبدي الذي زار خزانة الكتب بالقاهرة في سنة ٤٣٥هـ أنه كان فيها كرة من نحاس من عمل بطلميوس، كتب عليها حملت هذه الكرة من الأمير خالد بن يزيد ابن معاوية. وقال: إنه كان في تلك الخزانة من كتب النجوم والهندسة والفلسفة خاصة ستة آلاف وخمسمائة جزء. ولا شك أن خزانة خالد بن يزيد كان فيها أيضاً كتاب عبيد بن شرية الجرهمي الذي كان استحضره جده معاوية من صنعاء اليمن وسأله عن الأخبار المتقدمة، وملوك العرب والعجم، وسبب تبلبل الألسنة، وأمر افتراق الناس في البلدان. فأجابه إلى ما أراد، فأمر معاوية أن يدون وينسب إلى عبيد بن شرية. ولعبيد كتاب الأمثال وكتاب الملوك وأخبار الماضين. وهذا من أول التدوين في النصف من القرن الأول. ولوهب بن منبه المتوفى سنة ١١٠ أو ١٤ أو ١٦ تصنيف ترجمه بذكر الملوك المتوجة من حمير وأخبارهم وقصصهم وقبورهم وأشعارهم، رآه ابن خلكان في القرن الثامن وقال: إنه من كتب المفيدة. وجاء القرن الثاني والشام تهتز أعصابها بانتقال الملك من بني أمية إلى

стр. 1291

بني العباس فلم يؤثر عنها أنه كان فيها خزانة كتب، ولا عرف أحد من الخاصة بأنه كان مولعاً بجمع الأسفار، فكانت الكتب القليلة التي لهم تجهل في الجوامع أو في بعض دور الخاصة على ما كانت الحال في أكثر المدن الإسلامية. وإذا وقع التدوين في القرن الأول لم يدخل القرن الثاني حتى كثرت الكتب، وقد ورد في سيرة الزهري المتوفى سنة ١٢٤هـ أنه كان إذا جلس في بيته وضع كتبه حوله مشتغلاً بها عن كل أحد، فقالت له زوجته: والله لهذه المتب أشد عليّ من ثلاث ضرائر. وهذا دليل على تكاثر المتب حتى صارت للزهري مجموعة منها ينصرف إليها بكليته، وامرأته تريده على أن يكون لها فقط. وكل هذه الكتب لم تبق الأيام عليها. والغرب كان أمهر منا في الاحتفاظ بما دون فإن أقدم كتاب في أوربا يرد إلى القرن الثاني للمسيح. ولم يعرف قبل عهد الرشيد والمأمون أن جمعت الكتب في خزانة وسميت دار الحكمة أو بيت المعرفة. وكانت دار الحكمة أشبه بجامعة فيها دار كتب يجتمع فيها رجال يتقاضون ويطالعون وينسخون. ويدير شؤون تلك الدور من يثق الخليفة بعقلهم وأمانتهم وعملهم. كان هذا في القرن الثاني واعتوره في القرن الثالث بعض الفتور، وظل بيت الحكمة في القرنين الرابع والخامس في بغداد مفتح الأبواب. وأنشأ أحد وزراء العباسيين أبو نصر سابور بن أردشير في القرن الخامس داراً بالكرخ في بغداد سماها دار العلم، وقفها على العلماء ونقل إليها كتباً كثيرة وأنشأ الفاطميون في القاهرة دار العلم في القرن الرابع تشبهاً بالعباسيين في بغداد، أنشأها الحاكم العباسي بأمر الله سنة ٤٠٠ وفرشها ونقل إليها الكتب العظيمة وأسكنها من شيوخ السنة شيخين. قال ابن قاضي شهبة: وبقي الحاكم كذلك ثلاث سنين ثم أخذ يقتل أهل العلم وأغلق دار العلم. ولم تعهد الشام دار الحكمة إلا في القرن الخامس أنشأها بنو عمار في طرابلس. وكان في كل من كفر طاب والعمرة في زمن أبي العلاء المعري خزانة كتب زارها كما زار خزانة طرابلس. وهذه الخزانة كانت قبل خزانة بني عمار بمدة خلافاً لما وهَم بعض المؤلفين المعاصرين، لأن بني عمار لم يستولوا على طرابلس إلا بعد الأربعين وأربعمائة.

стр. 1292

وكان أبو العلاء زار طرابلس قبل هذا التاريخ أي في أواخر القرن الرابع، وانتفع بخزانتها وكتبها الموقوفة. وكانت في الشرقية التي بجامع حلب خزانة كتب مهمة اسمها خزانة الصوفية. واتفقت فتنة في بعض أيام عاشوراء بين أهل السنة والشيعة ونهبت خزانة الكتب، ولم يبق في خزانة الكتب إلا قليل. قال ابن العديم: وجدد الكتب بعد ذلك الوزير أبو النجم هبة الله بن بديع وزير الملك رضوان ثم وقف غيره كتباً أخر. وقد ذكر ابن سنان الخفاجي ٤٦٦ هذه الخزانة في قصيدته اليائية التي كنبها من القسطنطينية يداعب أحد أصدقائه قال فيها: أبلغ أبا حسن السلام وقل له ... هذا الجفاءُ عداوة الشيعيةْ فلأطرفن بما صنعت مكابراً ... وأبثّ ما لاقيت منك شيكة ولأجلسنك للقضية بيننا ... في يوم عاشوراء بالشرقية حتى أثير عليك فيها فتنة ... تنسيك يوم خزانة الصوفية وقد ظلت هذه الخزانة في حلب عامرة إلى القرن السابع وهي مسبلة على المطالعة، ولم يعلم هل كانت الخزانة المهمة التي أنشأها في حلب سيف الدولة بن حمدان وجمع فيها الأمهات الجيدة عامة للناس أيضا كخزانة الصوفية أم هي خاصة به وبجماعته في قصره، وقد أشتهر عنه ولوعه بالكتب إلى الغاية. وناهيك بخزانة كان من جملة خزانها الخالديان الشاعران المشهوران. وربما ذهبت هذه الخزانة في هجمة الروم على حلب وتخريبهم قصر سيف الدولة. وقلت عناية الملوك بخزائن الكتب، لما كثرت المدارس في هذه الديار في القرن الخامس اكتفاء بخزائن كتب المدارس التي أثبتوها من حيث أنها بذلك أمس ولو تكد تخلو مدرسة من المدارس في الشام من خزانة كتب. وكان لحلب ودمشق والقدس الحظ الأوفر من ذلك، لو لم تنازعها طرابلس التي كان يراد من إنشاء دار الحكمة فيها نشر التشيع على ما يقال، وساعد عل كثرة الكتب في طرابلس ما كان فيها من معمل الورق الجيد. وقد عرفنا أن معامل الورق كانت تخرج الكاغد والقراطيس والطوامير الجيدة في طرابلس ودمشق وحلب ومنبج وطبرية وغيرها من المدن. ومن أشهر خزائن الملوك والأمراء في القرن السادس والسابع خزانة الكتب التي

стр. 1293

وقفها بحلب نور الدين محمود بن زنكي على مدرسته وسلمت إلى محمد بن علي ابن ياسر الجياني الأندلسي، زميل ابن عساكر مؤرخ دمشق، وأجريت عليه جراية ثم وقف كتبه على أصحاب الحديث توفي سنة ٥٥٣ ووقف نور الدين علي البيمارستان الذي أنشأه بدمشق جملة كثيرة من الكتب الطبية كما وقف كتبا كثيرة على أهل العلم في أرجاء مملكته. وأعطى صلاح الدين يوسف لمؤدب ولده الأفضل أبي سعيد البندهي أو البنجديهي كتبا كثرة من خزانة كتب حلب، أباح له أن يأخذ منها ما شاء، وهذا جمعها وحصل من الكتب التي لم تحصل لغيره، ووقفها بخانقاه السميساطي بدمشق. وكثيرا ما كان صلاح الدين يبيح لرجاله أن يأخذوا ما شاءوا من الكتب التي وقعت إليه، كما فعل في مصر وأعطى وزيره القاضي الفاضل من خزانة الفاطميين قدرا كبيرا من كتبها، وأعطى عماد الدين الكاتب أيضا بعض أسفارها، وكان في هذه الخزانة على ما قبل ألف ألف كتاب وفيها من تاريخ الطبري فقط ألف ومائتا نسخة. فبيعت خزانة الفاطميين وتشتتت على هذه الصورة ولم يكن في ديار الإسلام أعظم منها. ووهب صلاح الدين القاضي الفاضل ما شاء من كتب خزانة آمد لما فتحها وكان فيها ألف ألف وأربعون ألف كتاب فانتخب منها الفاضل سبعين حملا. وهذه الألوف من الكتب التي ملكها القاضي الفاضل وقفها بعد على إحدى مدارس القاهرة وكان هو وابنه من غلاة الكتب. ومن الخزائن التي كانت بالشام خزانة علي بن طاهر السلمي النحوي ٥٠٠ كانت له حلقة بالجامع بدمشق ووقف فيه خزانة كتب. وكان لتاج الدين الكندي في الجامع الأموي خزانة كتب فيها كل نفيس. ووقف شرف الدين بن عروة الموصلي المنسوب أليه مشهد ابن عروة في الجامع الأموي خزائن كتبه فيه. ومن الخزائن خزانة بني جرادة العلماء في حلب فقد كتب أحدهم أبو الحسن ابن أبي جرادة ٥٤٨ بخطه ثلاث خزائن من الكتب النفيسة وخزانة لوالده أبي البركات وخزانة لابنه عبد الله. وما موفق الدين ابن المطران ٥٨٧ وفي خزانته من الكتب الطبية وغيرها ما يناهز عشرة آلاف مجلد خارجاً عما استنسخه. وكان في خدمته ثلاثة نساخ يكتبون له أبداً ولهم

стр. 1294

منه الجامكية والجراية. ومات أمين الدولة السامري وقد اجتمع عنده نحو عشرين ألف مجلد لا نظير لها في الجودة. وكان مهذب الدين الدخوار صاحب مدرسة الطب بدمشق من أهل القرن السابع اقتنى كتباً كثيرة، واقتنى من آلات النحاس التي لا يحتاج إليها في العلم الهيأة والنجوم ما لم يكن عند غيره أي إنه كان عنده مرصد فلكي وخزانة كتب. وجمع جمال الدين بن القفطي ٦٤٦ في حلب ما لا يوصف من الكتب، وكانت خزانته تساوي خمسين ألف دينار. وكانت خزانة قطب الدين النيسابوري مهمة وقفها على إحدى المدارس بدمشق. وكان الملك الناصر ابن الملك المعظم عيسى ٦٥٦ معيناً بتحصيل الكتب النفيسة، وكان جمع محمد بن عمر ابن شاهنشاه صاحب حماة وابن صاحبها من الكتب ما لا مزيد عليه، وكان في خدمته ما يناهز مائتي متعمم من الفقهاء والأدباء والنحاة والمشتغلين بالحكمة والمنجمين والكتاب ٦١٠ ووقف الملك الأشرف موسى ٦٣٥ كتبه بالمدرسة الأشرفية بدمشق، واشتهرت في هذا القرن خزانة ابن أبي أُصيبعة وتلمذه ابن القف بدمشق. ومن خزائن القرن الثامن والتاسع والعاشر التي بلغنا خبرها خزانة أبي الفداء صاحب حماة فإنه جمع من الكتب سبعة آلاف مجلد وقفها على جامع الدهشة. ولم يقم في هذا القرن بعد الملوك من بني أيوب أحد من الأمراء عُني بالكتب وتسبيلها على المطالعة، فالقرن الثامن كان خاتمة هذه الحركة المباركة في الشام. ومن الخزائن في هذه الحقبة خزانة ناصر الدين العسقلاني ٧٢٣ فقد خلف ثماني عشرة خزانة مملوءة كتباً نفيسة. واقتنى ابن قيم الجوزية تلميذ ابن تيمية خزانة مهمة. وملك عمر القريشي الدمشقي ٧٩٢ من نفائس الكتب شيئاً كثيراً. ووقف تقي الدين اليلداني أكثر كتبه ومجاميعه بالخزانة الفاضلية بالكلاسة بدمشق سنة ٦٥٥ وحصل شمس الدين البعلي كتباً وكتب بخطه المليح شيئاً كثيراً ٧٧٤، وخلف تافنح الفارقي ٦٩٤ ألفي مجلدة ومائتي مجلدة. وكانت خزانة ابن رواحة الحموي ٦٢٢ في مدرسته بدمشق. وخلف بدر الدين ابن غانم الدمشقي ألفي مجلدة. واجتمع لشرف الدين البارزي الحموي ٧٣٨ من الكتب ما لم يجتمع لأهل عصره. وكانت

стр. 1295

خزانة أرغون نائب حلب ٧٣١ عامرة بالكتب النفيسة. ومن الخزائن المشهورة خزانة ابن فضل الله العمري وابن مالك النحوي وابن خلكان المؤرخ. واقتنى بعض ولاة العثمانيين في الشام كتباً نفسية بطريق مختلفة ومنهم سنان باشا صاحب الجامع خلف مائة وستين مصحفاً مرصعاً بالدر والجوهر وخمسة وثلاثين صندوقاً مملوءة بالكتب التي لا تقدر بثمن، وكانت الصناديق مرصعة باليواقيت والمعدن. وكل هذا أخذه صاحبه من اليمن والشام وغيرها ونقل إلى الآستانة. وكان القرن العاشر في الجامع الأموي بدمشق خزانة كتب خاصة بالمالكية والأمين عليها مفتي أهل هذا المذهب. ووقف علي الدفتري من أهل القرن الحادي عشر كتاباً نفيسة غالية بدمشق. وكان لبولس الزعيم اللبناني من أهل القرن السابع عشر للميلاد خزانة مخطوطة. ولم يبلغنا أن قامت للكتب سوق في وراء جنوب دمشق من الأرجاء إلى أقصى حدود الشام، مع أن بعض أقاليمها أنجبت علماء إجلاء مثل قمرا وامتان وعرمان ونجران وشبهة وصرخد وبصرى والصليب ووادي الأردن وجبل الشراة وعمان ومعان والشوبك وعجلون وأذرعان وجرش والسويداء. وبعد فقد كانت الوراقة أو صنعه الكتب من نسخ وتجليد وتذهيب صناعة رائجة ومن أهم الصناعات في العهد القديم، والناسخ يرزق بقدر إجادته الخط أو الخطوط التي يعرفها ويحسنها. وكذلك المجلد والمذهب يكافأ كل واحد منهما بحسب غنائهما. وكان كثير من العلماء يكتبون الخط المنسوب أي الخط ذا القاعدة وينسخون نسخاً لا بأس به ويعيشون من نسخهم. ومنهم من كانوا يتعففون عن القضاء، أو تولي شيء من أمر الأمة، ويؤثرون أن يعيشوا بالنسخ أو الوارقة أو الاتجار بالكتب، ومنهم من أثروا منها. وكان في كل حاضرة سوق لبيع الكتب يختلف إليه العلماء والأدباء. ومن العلماء من نسخوا المائة بل المئات من الكتب، ومنهم من نسخ ألف مجلد في حياته. ولم يكد الكتاب يخرج من يد مؤلفه خصوصاً إذا كان من المشاهير الثقاب حتى تتعاوره الأيدي بالنسخ، وينتقل من قطر، ويتداول في الأيدي، ويجلد ويوضع في القماطر. وقد جاء زمن على دمشق من القرن السابع إلى القرن الحادي عشر

стр. 1296

وكل مدرسة من مدارسها الكثيرة لا تخلو من خزانة وافية بغرض الأساتيذ والتلاميذ. ومن أهم المدارس التي حوت خزائن ذات شأن العمرانية والعروية والناصرية والعادلية والأشرفية. جاء في فتاوى التقي السبكي صك وقف دار الحديث الأشرفية هذا: ويصرف إلى خازن الكتب ثمانية عشر درهماً في كل شهر وعليه الاهتمام بترميم الكتب، وإعلام الناظر أو نائبه ليصرف فيه من مغل الوقف ما يفي بذلك، وكذلك إذا مست الحاجة إلى تصحيح متاب أو مقابلته. وجاء فيه: وجعل جزاءاً من الوقف يصرف على مصالح المدرسة النورية ومن ذلك أن يصرف في شراء ورق وآلات نسخ من مركب حبر وأقلام ودوي ونحو ذلك ما يقع به الكفاية لمن ينسخ في الديوان الكبير أو قبالته الحديث أو شيئاً من علومه أو القرآن العظيم أو تفسيره، ويصرف إلى من يكتب في مجالس الإملاء، وإلى من يتخذ لنفسه كتباً أو استجازة، ولا يعطى من ذلك إلا لمن ينسخ لنفسه لغرض الاستفادة والتحصيل دون التكسب والانتفاع بثمنه. قال: وللشيخ الناظر أن يستنسخ للوقف أو يشتري ما تدعو الحاجة إليه من الكتب والأجزاء ثم يقف ذلك أسوة ما في الدار من كتبها. وكتب سنة ستمائة واثنتين وثلاثين اه. وكان رهبان الموازنة في لبنان منذ القرن الخامس عشر يصرفون أوقات فراغهم في نسخ المخطوطات الدينية والعلمية وكان بعض بطارقتهم وأساقفتهم يحملون الشمامسة الرهبان وغيرهم على نسخ المتب يزيدون بها مجاميع الأديار والبيع في الجبل ويتقيلون في ذلك مثال إخوانهم علماء المسلمين في المدن. وبهذه الطريقة كانت تنمو الكتب والأيدي تتناولها على أيسر وجه كأنها بعض المقدسات. وكأن القوم كانوا يتعبدون الله بحفظها وإماطة الأذى عنها وتجليدها وتخليدها، وخدمتها بالتعليق عليها ومعارضتها بالنسخ الصحيحة ووضع الفهارس لها بحسب عرفهم في تلك الأيام، يتخيرون لها ما يبقى ويخلد طويلاً من الورق المتين والمركب الجيد والجلد النفيس المجود الدبغ لندرتها، والنادر موضع العناية وهو خليق بأن تشد على يد الضنانة وتحتفظ النفوس به وتغتبط بتعاور الأيدي عليه دون أن يناله سوء من عوادي الدهر.

стр. 1297

مصائب الكتب ودورها: ما برحت خزائن الكتب تزيد على الزمن بازدياد الحضارة في الإسلام وتنتقل الكتب من مصر إلى الشام، ومن الشام إلى العراق، ومن الحجاز إلى الشام مثلاً، ويعني بها العلماء والأدباء، ويتنافس في اقتنائها الملوك والأمراء، ويضعف الغرام بها يوم تضعف الحركة العلمية ويرغب عن الفضائل، ما برحت الحال على ذلك حتى دخل الروم حلب وأحرقوها سنة ٣٥١ ثم أحرقوا حمص وغيرها من المدن. ثم وقع الحريق الأعظم الذي في الجامع الأموي سنة ٤٦١ ودثر ما كان فيه من الكتب والمصاحف. وربما حرق فيه المصحف العثماني القديم. ومن أهم النكبات التي أصيبت بها الكتب نكبة طرابلس لما فتحها الصليبيون وإحراق صنجيل أحد أمرائهم كتب دار العلم فيها، وأخذ الصليبيون بعض ما طالت أيديهم إليه من دفاترها وكتب خاصة في بيوتهم. واختلفت الروايات في عدد المجلدات التي كانت في خزانة بني عمار أو دار حكمتهم في طرابلس، وعلى أصح الروايات أنها ما كانت تقل عن مائة ألف مجلد، وأوصلها بعضهم إلى ألف ألف وبعضهم إلى أكثر. وقفها الحسن بن عمار وجاء بعده علي بن محمد بن عمار الذي جدد دار العلم سنة ٤٧٢ ثم عمار بن محمد حتى صارت طرابلس كما قال ابن الفرات في زمن آل عمار جميعها دار علم، وكان في تلك الدار مائة وثمانون ناسخاً ينسخون لها الكتب بالجراية والجامكية، فضلاً عما يشتري لها من كتب المنتخبة من الأقطار. وابن الفرات هو ممن يقول بأن عدد ما كان في دار العلم هذه من الكتب نحو ثلاثة ملايين كتاب عندما أحرقها الصليبيون سنة ٥٠٣. والغالب أنه كان في طرابلس من الكتب الموقوفة غير دار العلم وقفت قبل بني عمار، وأراد ابن الفرات بهذه الثلاثة آلاف الألف عدد الكتب التي كانت في مكاتب طرابلس كلها. ولا ينبغي أن يذهب عن الخاطر أن ما كانوا يسمونه جزءاً أو مجلدا أو مجلدة لا يتجاوز بضع كراريس من كراساتنا، والكراسة قد لا تكون أكثر من ثمان صحائف بمعنى أن ألف المجلدة أو المجلد لا تبلغ في مصطلحنا

стр. 1298

أكثر من خمسين كتاباً أو ستين أو سبعين كتاباً، فكان المجلد في تلك العصور قليل الأوراق، لأن الورق أو الرق غليظ فإذا جعل كل مجلد مئتين أو ثلاثمائة أو أربعمائة أو خمسمائة ورقة يصعب تناوله وحمله ونقله ولا يصح ما قاله ابن الفرات من انه كان في دار العلم في طرابلس ثلاثة آلاف ألف يوم نكبتها إلا على هذه الصورة، أي إن كتبها كانت بين المائتين وثلاثمائة ألف ومنها أجزاء صغيرة ورسائل، وقد يكون الجزء من كتاب لا تتجاوز سطوره سطور مقالة من مقالاتنا أو إملاءة من أمالينا أو محاضرة أو مسامرة من محاضراتنا ومسامرتنا. فالمصيبة الأولى العظمى التي أصابت الكتب في الشام كانت على عهد الصليبين والمصيبة الثانية ما حمله منها التتر في نوبة هولاكو وما أحرق في مدارس دمشق وجوامعها من أمهاتها، فقد ذكر المؤرخون أنه امتلأت خزانة الكتب بمراغة بما نهبه هذا الطاغية من الشام والعراق وغيرهما. وقدر ما حمله بأربعمائة ألف مجلد، ومنها ما حرق في فتنة غازان سنة ٦٩٩ وفي وقعة تيمور سنة ٨٠٣ فان النار ظلت تحرق دور دمشق ودارسها وجوامعها في الفتنة التيمورية ثلاثة أيام، فذهب في هذين الحريقين وغيرهما كتب المدرسة الضيائية والمدرسة العادلية وغيرهما من المدارس. ومن الخزائن التي دمرت في الحروب الصليبية خزانة أسامة بن منقذ أحد أصحاب قلعة شيرز فإنها كانت أربعة آلاف مجلد من الكتب الفاخرة أرسل بها بعد أن أخذ عهداً من الصليبين من دمياط إلى عكا في بطسة فنهيت ونهب معها ثلاثون ألف دينار قال: إن ذهابها حزازة في قلبه ما عاش. ومن مصائب الكتب ما وقع من حريق في دار صاحب حماة سنة ٦٨٧ ذهب فيه من الكتب مقدار عظيم. ومنذ دخل الصليبيون الشام أخذوا على ما يظهر يقتنون الكتب العربية ولكن على صورة ضعيفة لأن العلم بها كان معدوماً عندهم، يبتاعونها على أنها عاديات قديمة غريبة الشكل، ولما لمعت في القرن السادس عشر شعلة النهضة في إيطاليا أراد البابوات اقتناء الكتب العربية، فندبوا لذلك بعض العارفين من رهاب الموارنة وحملوا إلى رومية من أديار لبنان ما كان محفوظاً فيها

стр. 1299

من كتب الدين والعلم بالعربية والسريانية. وحمل يوسف السمعاني من لبنان سنة ١٧٦٨م كتباً في ثلاثة مراكب إلى رومية ملأها بالمخطوطات العربية وغيرها فغرق منها مركبان. ومن المصائب التي أصيبت بها الكتب أن بعض دول أوربا ومنها فرنسا وجرمانيا وبريطانيا العظمى وهولندا وروسيا أخذت تجمع منذ القرن السابع عشر كتباً تبتاعها من الشام بواسطة وكلائها وقناصلها والأساقفة والمبشرين من رجال الدين، وكان بلغ الجهل ببعض من اتسموا بشعار الدين ومن كان يرجع إليهم أمر المدارس والجوامع أن يفضلوا درهماً على أنفس كتاب فخانوا الأمانة واستحلوا بيع ما تحت أيديهم أو سرقة ما عند غيرهم والتصرف به تصرفهم بملكهم. حدثني الثقة أن أحد سماسرة الكتب في القرن الماضي كان يغشى منازل بعض أرباب العمائم في دمشق، ويختلف إلى متولي خزائن الكتب في المدارس والجوامع، فيبتاع منها ما طاب له من الكتب المخطوطة بأثمان زهيدة وكان يبيعها على الأغلب، وأكثرها في غير علوم الفقه والحديث، من قنصل بروسيا إذ ذاك بما يساوي ثمن ورقها أبيض، وبقي هذا سنين يبتاع الأسفار المخطوطة من أطراف الشام حتى اجتمع له منها خزانة مهمة رحل بها فأخذتها حكومته منه وكافأته عليها، والغالب أن معظم الكتب العربية المحفوظة في خزانة الأمة في برلين هي من هذا القطر. وفهرس هذه الخزانة فقط في عشرة مجلدات ضخمة ما عدا الملحق. يتألف من فهارس الكتب العربية في خزائن الغرب اليوم خزانة برأسها. وإن بعيداً يحسن القيام على هذا التراث الوافر لأحرى به من قريب يبدده جزافاً. وإن أمماً عرفتنا أكثر مما عرفنا أنفسنا حتى قال أحد علمائهم: إن العرب وضعوا من المصنفات ما لا يستطيع أحدنا أن يقرأه طول عمره، لجديرون بإرث الشرق في مادياته ومعنوياته كما قلنا في فصل في مجلة المقتطف منذ أربع وأربعين سنة. نعم أن كتباً تترك للأرضة تعيث فيها، والعفن يعبث بجمال جسمها ورسمها، وتحرم النور ويعفى أثرها الغبار والأوساخ، ويحرم النظر فيها على من يحسن الاستفادة منها، أو تفضل عليها دريهمات معدودة حرية بأن تكون في ملك من يستفيد منها ويفيد.

стр. 1300

ومن الخزائن المشهورة التي بعثرت في عهدنا ولم نعرف متى جمعت خزانة قبة صحن الجامع الأموي، وكانت مملوءة برقوق نفيسة فتحت سنة ١٣١٧هـ بأمر السلطان عبد الحميد الثاني إجابة لمقترح الإمبراطور غليوم الثاني الألماني فعثروا فيها قطع من الرقوق كتبت فيها سور من القرآن الكريم بالخط الكوفي، ومنها قطع مهمة من مصاحف وربعات وقطع من الأشعار المقدسة بالآرامية الفلسطينية وكتابات دينية وأدبيات دينية وقصص رهبانية ومزامير عربية مكتوبة بالحرف اليوناني ومقاطع شعرية لأوميروس، وكراريس وأوراق بالقبطية والكرجية والأرمنية في موضوعات دينية، وجذاذات عبرانية وسامرية فيها نسخ من التوراة وتقاويم أعياد السامرييين وصلوات وصكوك للبيع والأوقاف وعهود زواج وبينها مقاطيع لاتينية وفرنسية قديمة وقصائد شعرية يرتقي عهدها إلى أيام الصليبين ونسخ إنجيل برقوق. فأهدى السلطان بعضها لعاهل ألمانيا ووزع قسم منها على بعض رجال الآستانة ورجال دمشق واستخلصت بعض قطع منها حفظت الآن في دار الآثار في دمشق وأهمها تلك القطعة الكوفية المكتوبة على ورق شريفة وقفها عبد المنعم بن أحمد سنة ٢٩٨ وعلى الوجه الثاني نقش مذهب باسم واقفها. ورأى شيخنا طاهر الجزائري في تلك القبة جزءاً مكتوباً عليه أنه حبس على مشهد زين العابدين صلوات الله عليه وعلى أبنائه الأئمة سنة نيف وسبعين وأربعمائة. وكانت في دير صيدنايا من جبل قلمون خزانة كتب حافلة بالمخطوطات النادرة ولا سيما السريانبة، فحاذر وكلاء الدير من كثرتها المشرق٢ ص٥٨٨ أن تكون حجة بيد السريان يتقوون بها على إثبات حقوقهم في الدير، فأجمع رأيهم على إخراجها وإتلافها تخلصاً منها، فجمعوها ومعظمها من النفائس المخطوطة على رق وبدءوا يحرقونها وقوداً للفرن خبزوا عليها خبزتين وكان هذا من نحو عشر سنين ومائة سنة. وهو عمل مثل الجهل المطبق والتعصب الممقوت. وكم وقع من حوادث إفرادية من مثل هذه فضاعت فيها الكتب ولم تبلغنا تفاصيلها. ومما أعان على تشتت الكتب أن بعض من أولعوا في العهد
следующие страницы →