← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 37063

خطط الشام

محمد كرد علي

Полный текст (1 453 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

وأسفار العهد العتيق منها أولية ومنها ثانوية. فالأولية هي التي كتبت في الأصل باللغة العبرانية وهي: أسفار موسى الخمسة التكوين والخروج والأحبار والعدد وتثنية الاشتراع ثم الأسفار التاريخية يشوع والقضاة وراعوت والملوك الأربعة وأخبار الأيام الاثنان وعزرا ونحميا وأستير ثم الأسفار النبوية: أربعة كبار أشعيا وأرميا وحزقيال ودانيال واثنا عشر صغار هوشع ويوئيل وعاموس وعوبديا ويونان وميخا وناحوم وحبقوق وصفنيا وحجاي وزكريا ومليخا ثم الأسفار الحكيمة مزامير داود وأمثال سليمان وأيوب ونشيد الأناشيد والجامعة. أما الأسفار الثانوية فهي التي كتبت بالكلدانية أو اليونانية ونقلت في الترجمة المعروفة بالسبعينية وهي طوبيا ويهوديت وابن سيراخ والمكابيون اثنان. وهذه كتب العهد الجديد: الأناجيل الأربعة القانونية للرسولين متى ويوحنا وللتلميذين مرقس ولوقا. ثم سفر أعمال الرسل للقديس لوقا. ثم رسائل القديس بولس الأربع عشرة ثم رسالة القديس يعقوب ورسالتا بطرس وثلاث رسائل يوحنا ورسالة يهوذا ورؤيا يوحنا. وفي الكنيسة الكاثوليكية معتقدات أخر ليست مدونة في الأسفار المنزلة وإنما أخذتها بالتعليم الحي بسلسلة متواصلة من عهد الرسل إلى يومنا وأعلنت بها في مجامعها أو في براءات أحبارها وفي تعليمها اليومي. وخلاصة هذه المعتقدات المدونة في أسفار العهد ولا سيما في أسفار العهد الجديد مرجعها إلى ما يلي: أولاً عقيدة التوحيد: أي اعتقاد وجود إله واحد روح بسيط أزلي لا أول له ولا آخر لا يحصر جوهره المكان، قائم بذاته ذو صفات وكمالات لا حد لها من قداسة وحكمة وقدرة ورحمة وعدل. وهو خالق كل الكائنات الروحية والهيولية من العدم بجوده واختياره. ثانياً عقيدة التثليث: هذا الإله الصمد ذو الجوهر الفرد والطبيعة الإلهية الواحدة له ثلاثة أقانيم هي صفات جوهرية نسبية متساوية بكل كمال وكل

стр. 1332

قدرة لا يفرقها شيء نسبة بعضها إلى بعض. فندعو الأقنوم الأول أباً وهو أصل اللاهوت غير مولود وغير منبثق. والثاني ابناً مولوداً من الآب منذ الأزل ليس ولادة جسدية بل ولادة عقلية روحية بمعرفة الأب لذاته وكمالاته يصدر بهذه المعرفة ابنه الشبيه به وضياء مجده وصورة جوهره عبرانيون ١: ٣ كولوسي ١: ١٥ فهو إله من إله نور من نور إله حق من إله حق من جوهر الأب دستور نيقية. والثالث روحاً قدساً منبثقاً من الأب والابن ليس بطريق الولادة العقلية، بل بتبادل حب الأب لابنه وحب الابن لأبيه المولود منه. وهذا الحب ليس عرضياً بل جوهرياً ندعوه الروح القدس. وهذه عقيدة تثليت الأقانيم في الله أوصى بها الله بنوع خفي في العهد العتيق كما يؤخذ من بعض آياته، ثم صرح به السيد المسيح في نصوص عديدة من الإنجيل وقرره تلاميذه في رسائلهم بما لا يبقي في الأمر أدنى ريب وإن كان سراً يفوق الإدراك البشري. ثالثاً عقيدة التجسيد: هو سر الأقنوم الثاني من الثالوث الأقدس الذي تأنس وأتخذ في أحشاء مريم العذراء دون زرع بشري طبيعتنا البشرية بكل خواصها ما عدا الخطيئة ليفدي بني آدم من تبعة الخطيئة الأصلية التي ارتكبها الأبوان الأولان بمخالفتهما لأوامره تعالى في جنة عدن وخلفاها لسائر نسلهما وبها حصل هلاك الجنس البشري ففقد البرارة الأصلية التي منحها قبل خطيئته فلم يعد أهلاً للتمتع بالنعيم الأبدي ومشاهدة الله في السماء. وإذا كان الإنسان غير قادر على الوفاء عن خطيئته لجلال الله فإنه تعالى رحمه ووعده بمخلص يعيد له بفدائه ما فقده من تلك النعم تكوين ٣: ١٥ وليس هذا المخلص إلا السيد المسيح منتظر الآباء والأنبياء وجميع الشعوب وهو الإله المتجسد ذو الأقنوم الإلهي الواحد وذو الطبيعتين الإلهية والإنسانية يوحنا ١: ١٤و٣: ١٦ لوقا: ٢٦ - ٣٦ فهذا الإله المتأنس قضى على الأرض ثلاثاً وثلاثين سنة يعمل ويعلم وأنشأ كنيسة وأسلم نفسه اختياراً للعذابات وللموت ثم قام بقوة لاهوته من قبره في اليوم الثالث وتراءى مراراً لتلاميذه ثم صعد إلى السماء بعد أربعين يوماً. وبكل ذلك أتم جميع ما تنبأ عنه الأنبياء دون أن يخل من نبواتهم حرفاً.

стр. 1333

ولما كانت أعماله سواء صدرت من طبيعته الإلهية كالمعجزات التي صنعها أو من طبيعته الإنسانية كمولده وموته ذات قيمة غير متناهية لصدورها عن شخصه الوحيد الإلهي شخص ابن الله فقدمها لأبيه ولا سيما موته على الصليب تكفيراً عن خطايا البشر الذين يستطيعون بعد ذلك أن ينالوا نعمة البرارة والخلاص الأبدي بواسطة المعمودية والأعمال الصالحة والتوبة عن الزلات. رابعاً عقيدة القيامة: يؤمن الكاثوليك بخلود النفس فعند انفصالها عن الجسد بالموت تدخل السماء أن كانت طاهرة من كل خطيئة ثقيلة أو خفيفة وتعاقب بعقوبات جهنم إن كانت في حال الخطأ المميت دون توبة عند الموت. أما إذا كانت مدنسة ببعض الخطايا الخفيفة أو لم تكفر تماماً عن خطاياها السابقة المغفورة فيحكم عليها بعذابات مؤقتة وذلك ما يدعونه المطهر ريثما تفي لعدل الله الوفاء التام. وفي آخر الأزمنة سيبعث الله الموتى من قبورهم فيعودون إلى أجسادهم ليحضروا الدينونة الأخيرة التي يتلوها السيد المسيح فيحكم نهائياً على البشر فيجازي الأبرار بالنعيم الأبدي ويعاقب الأشرار بالعذاب الدائم يوحنا٥: ٢٦ - ٢٩. خامساً المعتقدات التقليدية: ماعدا المعتقدات السابقة التي وردت في الأسفار يؤمن أيضاً الكاثوليك ببعض الحقائق التي لم تصرح بها الكتب المنزلة وإن أمكن إثباتها من بعض آياتها كعقيدة عصمة الحبر الأعظم من الغلط في أمور الإيمان والآداب إذا علم كنائب المسيح وكخليفة هامة الرسل وكعقيدة حبل العذراء مريم بلا دنس وكعقيدة وجود المطهر وهلم جراً. فهذه العقائد يمكن ترقيتها بسلسلة متواصلة إلى زمن الرسل تشهد عليها نصوص الآباء والمجامع جيلاً بعد جيل ويُعلن بها أرباب الكنيسة في تعليمهم اليومي بالإجماع. لما كانت الكنيسة الكاثوليكية تعلن بكونها هي كنيسة المسيح ويعارضها في ذلك غيرها من الكنائس المنفصلة عنها كان لا بدّ أن تمتاز الكنيسة الحقيقية عن سواها ببعض العلامات الخاصة. وهذه العلامات قد سبق الرسل ودوّنها في دستور الإيمان المنسوب إليهم وتكرر ذكرها في كل دساتير الإيمان المتقررة بعدهم وهي أربعة: أن تكون الكنيسة واحدة

стр. 1334

مقدسة جامعة رسولية. وهذه العلامات لا تستطيع أن تثبتها لنفسها أي كنيسة كانت إلا الكنيسة الكاثوليكية. فهي واحدة باتفاق جميع أعضائها في خضوعهم لرأس واحد منظور هو نائب المسيح وخليفة بطرس هامة الرسل ثم في اعتقادهم كا ما تعلمه الكنيسة دون خلاف وأخيراً في اشتراكهم بالأسرار عينها. وهي مقدسة لأن منشأها السيد المسيح هو القداسة بالذات ثم لأن كل تعاليمها وآدابها صالحة مقدسة ولأنها أيضاً تقدم لذويها وسائط جملة لتقديس نفوسهم لا سيما بالأسرار السبعة التي رسمها المخلص أعني المعمودية والميرون والتوبة والقربان الأقدس ومشحة المرضى والكهنوت والزواج بقريبة واحدة دون طلاق. ولذلك قد أولدت عدداً لا يحصى من القديسين في كل أنحاء العالم تشهد على قداستهم أعمالهم العجيبة وفضائلهم السامية التي لا تزال آثارها ظاهرة لكل ذي عينين. وكفى دليلاً عليه وجود الرهبانيات الساعية وراء الكمال بنذورها والمتفانية في عمل كل خير دون غاية زمنية. وهي جامعة لأنها وحدها قد نشرت تعاليمها في جميع أقطار العالم المعروف فقام دعاتها بأمر الرب الموصي بنشر إنجيله بين كل الأمم ومن ثم لا يكاد يخلو قطر من بعض تبعتها. وهي أعظم عدداً من أي مذهب كان إذا قيس بها منفرداً منقسماً كالروم والشيع البروتستانية والبوذية والبرهمانية وهلم جراً. وفي اسمها دليل على هذه السمة فإن الكاثوليكية معناها الجامعة. وقد ظهرت هذه العلامة منذ عهد الرسل إذ يقول القديس بولس في رسالته إلى أهل رومية ١: ٨ إن إيمانكم يبشر به في العالم كله. وهي رسولية لأن سلسلة أخبارها الأعظميين تتصل دون انقطاع برأس الأول القديس بطرس هامة الرسل. وبيوس الحادي عشر الجالس اليوم سعيداً على كرسي رومية إنما هو خلفه المائتان والسادس والستون. هذه علامات الكنيسة الكاثوليكية الأصلية. أما ما يرى في بعض بلاد الشرق من الاختلافات في الطقوس واللغات والعادات الدينية فكل ذلك ثانوي عرضي يمكن تغييره مع الزمان دون أن يمس جوهر الكنيسة الكاثوليكية لا بل يزينها ويزيدها جمالاً.

стр. 1335

ومعلوم أن الكنيسة الكاثوليكية انتشرت بكل سرعة في العالم كله منذ عهد الرسل الحواريين حتى تجاوزت حدود المملكة الرومانية. ولوقوع بلاد الشام في جوار فلسطين لا يستغرب انتشار النصرانية فيها قبل سواها. وذلك ما تثبته أقدم الشواهد التاريخية وأولها سفر أعمال الرسل الذي منذ يلوح إنشاء الدين المسيحي في إنطاكية ١١: ٢٦ وفي سائر سواحل الشام ذكر منها صور وعكة وقيصرية ٢١: ٣ - ٨. ويمكننا أن نتتبع تاريخ الكنيسة الكاثوليكية في الشام جيلاً بعد جيل على الرغم مما حل بها من اضطهادات الوثنيين وعلى الرغم مما شاع من البدع كالأريوسية واليعقوبية والنسطورية والمنوثلية فلم يكن بين الطوائف الشرقية ما يفصلها عن الكنيسة الرومانية في إيمانها وخضوعها لرأس الكنيسة الرومانية وآدابها غير الأعراض السابق ذكرها. والدليل على ذلك إكرام كنائس الشرق لقديسي الغرب وإكرام الغربيين للقديسين الشرقيين. وفي طقوس الشرقيين القديمة ما يشهد إلى اليوم بتلك الوحدة والاتفاق. وكذلك سير القديسين الشرقيين ثبت ذلك الأمر. وكثيرون منهم أزهروا في الشام كالقديس يوحنا فم الذهب والقديس أفرام السرياني والقديس مارون الناسك. غير أن تملك العرب على الشام واستفحال الشيع المضادة لتعاليم الكنيسة وصعوبة طرق المواصلات بين الشرق والغرب أضعفت الدين الكاثوليكي كثيراً في الشام، إلى أن عاد فتعزز بقدوم الصليبين إلى الشرق ثم بدخول المرسلين منذ القرن الثالث عشر في هذا القطر، فظهرت آثاره الطيبة أولاً بين الموارنة ثم بعد ذلك بزمن بين الروم والأرمن، ثم بين الكلدان والسريان حتى قامت لكل هذه الطوائف كنائس منظمة لها بطاركتها وأسقفتها ورعاياها، ولكل طائفة تاريخها الخاص يترجم عن أعمال بنيها ومشاهير ملتها وارتباطها مع الكرسي الروماني. واليوم يبلغ إحصاء الكاثوليك في الشام نيفاً وستمائة ألف معظمهم الموارنة. . .،. . ٣. ثم الروم الكاثوليك. . .،. ١٢. ثم الأرمن. . .،. ٨. ثم السريان. . .،. ٢. ثم اللاتين. . .،. ١. ثم الكلدان. . . ٢ هذا ماعدا المهاجرين إلى أميركا وغيرها.

стр. 1336

وقد تعززت الكثلكة في الشام بدخول الرهبان وأقدمهم الفرنسيون في القرن الثالث عشر. ثم في القرن السابع عشر الكرمليون والكبوشيون واليسوعيون. ثم في أواخر القرن الثامن عشر اللعازريون، وفي القرن التاسع عشر أخوة المدارس المسيحية والأخوة المريميون مع راهبات من رهبانيات مختلفة كراهبات الزيارة وراهبات المحبة واليوسفيات وراهبات القلبين الأقدسين وراهبات السجود وراهبات العائلة المقدسة وراهبات العجز الخ. ولكل من هؤلاء الرهبان والراهبات من المشروعات الجليلة ما يكفي وحده لتشريف الكنيسة الكاثوليكية. ولله الحمد على كل حال. المارونية: الموارنة طائفة من النصارى الكاثوليكيين الشرقيين بعرف من تواريخهم أنهم ينتسبون إلى الناسك البار القديس مارون القورسي النشأة على ما يرجع. اعتزل هذا الفاضل الدنيا في أواخر القرن الرابع ولجأ إلى صومعة في قمة جبل غير بعيد عن إنطاكية فما لبث عرف فضائله أن فاح في تلك الأنحاء فجذب إليه جماعات قصدوه ليلتمسوا منه بركته وصلواته ويسترشدوا بتعاليمه ويقتدوا بسيرته. وقد زهد قوم منهم بالدنيا واختاروا العزلة والتفرغ لخدمة الله في المغاور وأعالي الجبال ليقيموا بعيدين عن ضوضاء العالم، على أن أريج حياتهم الطاهرة لم يمكن إخفاؤه فتقاطر المجاورون حول تلك المناسك وتألفت منهم طائفة عرفت فيما بعد باسم الطائفة المارونية، وكان أهم المراكز التي التفوا حولها دير القديس مارون المبني على ضفاف النهر العاصي في نواحي أفامية. ولما توافر عددهم مست الحاجة إلى تنظم أحوالهم الروحية فأقيم لهم بطريرك هو البار يوحنا مارون وبه تبتدئ سلسلة بطاركة الموارنة، وعاش هذا البطريرك الأول في أواخر القرن السابع في حين كان للموارنة أمراء يديرون شؤونهم الزمنية، ثم أخذ الموارنة يهجرون إلى الأقطار المجاورة، فنزل قوم منهم في جبال عكار وعمروا فيها القرى، وسارت فئة نحو الجنوب إلى لبنان الشمالي فما عتموا أن قويت شوكتهم فيه فبلغ في القرن العاشر عدد

стр. 1337

رجالهم الصالحين للقتال أربعين ألفاً على ما ذكر مؤرخو الحروب الصليبية. وقصد فريق منهم سورية الداخلية فاستوطن جوار دمشق واستغل الأرض فيها وبني الدساكر والمرابط. وفريق أم القدس وآخر نزح إلى قبرس في أيام الصليبيين وبعض الأسر سكنت حلب في أواسط القرن الخامس عشر وهبط بعضهم مصر ورودس ومالطة. على أن الأغلب فضلوا الإقامة في جبال لبنان فاعتصموا بها ونموا وكثروا رغم ما أصابهم من النكبات في أوقات مختلفة. ولما ضاق بهم جبلهم رحل قسم منهم إلى بلاد المهجر كأمريكة وإفريقية وأوقيانية حيث ألفوا جاليات لها مقامها المعتبر في عالم التجارة والصناعة والأدب كسائر إخوانهم اللبنانيين والسوريين، وبلغ عدد الموازنة ويدخل فيه المهاجرون خمسمائة ألف نسمة. أما في الدينيات فيتفق الموازنة من الكاثوليكيين بمعتقدهم وشرائعهم الدينية والأدبية وهم مثلهم خاضعون لسلطة بابا رومية، وإنما لهم وللسريان لغة طقسية واحدة هي السريانية لكنهم يختلفون عن سائر الطوائف بترتيباتهم ونظام إدارتهم الروحي المبينة كلها في دستورهم المجمع اللبناني الذي عقد سنة ١٧٣٦ وفي عاداتهم المشروعة، ويرأس الطائفة بطريرك يعرف ببطريرك إنطاكية مستقل عن سائر البطاركة الشرقيين مركزه الشتوي دير سيدة بكركي فوق جونية ومقره الصيفي جديدة قنوبين لبنان الشمالي فوق طرابلس. ويخضع لإدارته مطارنة يقيم بعضهم نوباً له بعضاً على أبرشيات معينة مستقل بعضها عن بعض، ويعهد إليهم في تدبير هذه الأبرشيات الروحي والزمني وإدارة أوقافها مباشرةً أو بواسطة وكلاء يسمونهم لذلك ويراقبون أعمالهم، وفي الأبرشيات كهنة يعنون بخدمة الرعايا. وفي الطائفة جمعيات رهبانية يقيم أعضاؤها في أديارهم ومدارسهم ويتفرغون لخدمة الله والنفوس. وكان للموازنة شرع خاص يتقاضون بموجبه أقره لهم جميع الذين حكموا القطر من النصارى وغيرهم، ولا تزال أغلب قوانينه مرعية الإجراء عندهم حتى اليوم. ونبغ منهم في رجال الدين كثيرون نذكر منهم البطاركة جرجس عميرة الذي ألف أول غراماطيق سرياني ووضع قواعده بالغة اللاتينية ليسهل على

стр. 1338

المستشرقين درس هذه اللغة، ثم العلامة أسطفانوس الدويهي المؤرخ المشهور، ويوسف جبيش وبولس مسعد ويوحنا الحاج، والبطريرك الحالي الياس الحويك صاحب المواقف المشهورة في القضايا الوطنية. ثم الأساقفة كالمطران جرمانوس فرحات والسيد يوسف سمعان السمعاني ويوحنا حبيب ويوسف الدبس وغيرهم كثيرون من رجال الدين ممن خدموا اللغة العربية والقانون والتاريخ. وبين العلمانيين أمراء شهاب وبيت أبي اللمع وأُناس امتازوا بخدمة وطنهم وأعمالهم المبرورة كآل خازن ودحداح وحبيش والسعد وكرم والظاهر ونبغ غيرهم في خدمة العلم كآل البستاني والشدياق والنقاش والباز. ولا يمكن في عجالة سرد أسماء جميعهم. البروتستانتية: التأم في أوائل سنة ١٥٢٩ في إحدى مدن جرمانيا مؤتمر بأمر الإمبراطور كارلس الخامس قرر عدم السماح بإحداث تغيير في الرسوم الدينية وكان هذا القرار موجهاً ضد الإصلاح والمصلحين. وفي ١٩ نيسان من نفس السنة أرسل كثيرون من الأمراء والأشراف وأربع عشرة مدينة إمبراطورية احتجاجاً قالوا فيه: إنهم مستعدون أن يطيعوا الإمبراطور والمؤتمر في كل القضايا الواجبة والممكنة ولكنهم لا يخضعون لأحد في ما يعتقدونه مخالفاً لكلمة الله وضميرهم. فسموا من ذلك بروتستانت أو محتجين، ومن هذا الوقت أُطلق هذا الاسم على كل المسيحيين من غير اللاتين والكنائس الشرقية بفروعها. وهم يدعون أنفسهم غالباً إنجيليين ويدعون غيرهم تقليديين نسبةً إلى التقليد كما سنرى. والبروتستانتية بمعناها اللغوي لا يخلو منها دين أو مذهب، ففي كل زمان ومكان أفراد وجماعات يحتجون على رسوم في الدين أو مذهب الذي ولدوا فيه قد ينجحون أو لا ينجحون، أما البروتستانت فقد نجحوا نجاحاً لم يقدره أحد لهم فعددهم الآن يتجاوز مائتي مليون في الدرجة الأولى عدداً بعد اللاتين وكل من انضم إليهم من الكنائس الشرقية، وفي الدرجة الأولى في الرقي وسعة الملك. ثم إن البروتستانت وإن افترقت أكثر فرقهم في أمور أكثرها عرضية

стр. 1339

فهم مجمعون على أمور كثيرة، وإليك التفصيل في ما هم مجمعون عليه وما هم مختلفون فيه: أهم ما تجمع عليه أكثر فرق البروتستانت عدا ما هم مجمعون عليه مع غيرهم مما يأتي بيانه: أ -: أن الكتاب المقدس هو القانون الوحيد في كل ما يلزم للخلاص. ب -: أن المسيح هو المخلص الوحيد وليس بأحد غيره خلاص. ج -: أن الخلاص كله نعمة مجانية من الله. د -: أن الإيمان هو السبيل الوحيد لنيل الخلاص. هـ: أن الأعمال الصالحة هي ثمر الأيمان الحي فنعمل لأننا مخلصون لا لكي نخلص. والبروتستانت إجمالاً قسمان كبيران - الأول الايسكوبيليان أي الأسقفيون وهو الذين يقولون: إن درجات الأكليروس ثلاث: الأسقف والقسيس والشماس - الثاني البرسبتيريان أي القسوسيون وهم الذين ليس عندهم رتبة أساقفة. وأكثر فرق البروتستانت هذا القسم. فالأسقفيون مثلاً يجرون العبادة غالباً بموجب كتاب صلاة أي صورة معينة تتلى وقت عبادة الجماعة. وأما العبادة العائلية والاجتماعات الأخرى الروحية فيتركونها لحرية القسيس أو من ينوب عنه. أما القسوسيون فالحرية مفوضة للخادم في كل الأوقات. وعندهم بعض صلوات وإرشادات مكتتبة لمساعدة القسيس في أحوال خصوصية. على أن هذا النظام لا يعد جوهرياً فهذه الكنيسة الأنكليكانية وهي تجري عبادتها بموجب كتاب صلاة تقول في العقيدة٣٤ لا يلزم أن تكون التقاليد والطقوس في جميع الأماكن واحدة متساوية إذ قد اختلفت في كل الأزمان ويصح تغييرها على مقتضى اختلاف المكان والزمان وعادات الناس بحيث لا يرتب منها شيء مضاد لكلام الله. . . وكل كنيسة تختص بأمة فلها سلطان أن تثبت وتغير وتبطل طقوسها ورسومها التي رتبت بسلطان الناس فقط. وكل الأسقفيين والأكثرية العظمى من غيرهم يجرون السرين المعمودية والشركة ويعمدون الأطفال والبالغين الذين لم يعمدوا أطفالاً، أما بعض القسوسيين فلا يعمدون إلا البالغين ويسمون بالمعمدانيين، وبعضهم لا يجري السرين مطلقاً وهم المعروفون بالفرندس أو الكويكرس.

стр. 1340

يتفق البروتستانت مع غيرهم في أمور كثيرة جوهرية ويخالفون في أمور أخرى وإليك التفصيل: أهم الأمور الجوهرية التي يتفق فيها البروتستانت مع غيرهم. يتفقون في قانوني الإيمان - أولاً القانون المعروف بقانون إيمان الرسل وهو يرجع إلى أواخر القرن الأول المسيحي بل قيل: إن الرسل أنفسهم وضعوه - ثانياً قانون الإيمان النيقاوي وضعه المجمع المسكوني الأول الذي التأم سنة٣٢٥ في مدينة نيقية مع ما أضيف إليه في ما بعد سوى عبارة واحدة بخصوص انبثاق الروح من الابن أضيفت فيما بعد لا يقبلها الروم الأرثوذكس ويوجد قانون إيمان ثالث مجمع عليه يسمى قانون مار أثناسيوس ولكنه أقل شهرة وأقل استعمالاً من الأولين. ويمكن تلخيص الأمور الجوهرية التي يتفقون فيها في ما يأتي: ١ - التوحيد والتثليث. ٢ - الخلق والسقوط والفداء. ٣ - تجسيد الكلمة الأزلية المسيح ابن الله من مريم العذراء بالروح القدس وكل ما يتعلق بتاريخ فداء المسيح من ميلاده إلى مجيئه الثاني للدينونة. ٤ - القيامة والدينونة. ٥ - وجوب التبشير بالمسيح ودعوة الغير إلى الإيمان به. ٦ - عدم تحريف الأسفار التي يتفقون على قانونيتها من الكتاب المقدس. وأهم الأمور المختلف فيها سلطان الكتاب المقدس. ويعتقد البروتستانت أنه المرجع الوحيد المعصوم الذي يجب الرجوع إليه في عقائد الإيمان. ويعتقد غيرهم أن للكتاب والتقليد سلطاناً متساوياً ومن هذا يدعوهم البروتستانت تقليديين. والتقليد عند المسيحيين كالتلمود عند اليهود والحديث عند المسلمين. وبعد فلا خلاف بين البروتستانت وغيرهم في عدد أسفار العهد الجديد إنما الخلاف في عدد أسفار العهد. فالبروتستانت لا يقبلون إلا الأسفار التي يقبلها اليهود وذكر عددها يوسيفوس. وغيرهم يضيف إليها أسفاراً تسمى أبوكريفا وجدت في الترجمة السبعينية مضمونة إلى باقي الأسفار. ومع تسليم البروتستانت بلزوم المجامع وفائدتها فهم لا يحسبون لما تقرره قوة ولا سلطاناً إلا إذا أثبت من الكتاب المقدس. أما المجامع عند الروم الأرثوذكس والمجامع والبابا عند البابويين فهم معصومون من الخطأ في ما يقررونه من عقائد الإيمان ويعتقد البروتستانت أن فرصة الخلاص تنتهي بالموت وبه يتقرر حال كل

стр. 1341

نفس أما في النعيم أو في الجحيم. ويتفق معهم في حال أهل الجحيم ويخالفون في حال أهل النعيم فعندهم مكان عذاب وقتي غير الجحيم يسمى عند الباباويين المطهر وعند الروم الأرثوذكس عقالات الجحيم تذهب إليه الأنفس لتكفر عن ذنوب صغيرة، وتصرف فيه مدة تطول وتقصر بحسب عدد تلك الذنوب وصفتها، ويمكن تقصير هذه المدة بالصلوات والصدقات. يحصر البروتستانت الشفاعة وطلب الخلاص بالمسيح، وغيرهم يطلبهما منه ومن الملائكة والقديسين. عند البروتستانت سران فقط هما المعمودية والشركة وغيرهم يضيف إليهما خمسة فيصير العدد سبعة والمضافة هي: ١ - التثبيت عند اللاتين والموازنة. والميرون عند غيرهم. ٢ - الكهنوت. ٣ - الاعتراف للكاهن. ٤ - الزواج. ٥ - المسحة الأخيرة قبل الموت. أما الإفاضة في تعريف السر وفاعليته وما يحدث فيه وما يحدثه هو من التغيير وفي سبب هذا الخلاف فإنها تخرجنا كثيراً عن المقصد. والبروتستانت يعترفون لله وحده وللشخص الذي أخطئوا إليه، ولله وحده عندهم السلطان على مغفرة الخطايا. وغيرهم يوجب الاعتراف للكاهن وللكاهن سلطان مطلق علة غفران الخطايا. ولما كان البروتستانت في هذه الديار ثمرة الإرساليات نرى من الواجب أن نشير إلى الداعي إلى الإرساليات، فالداعي إليها أوامر الكتاب المقدس الكثيرة، وأهمها أمر المسيح الأخير الصريح اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الأب والابن والروح القدس. وقد أطاع رسله أمره وتفرقوا في أنحاء العالم المعروف حينئذ وليس لهم ما يستندون عليه أمام قوات هذا العالم سوى إيمانهم وثقتهم بوعده. وعدوا مخالفة أمره هذا جرماً عظيماً فقال الرسول بولس: إذ الضرورة موضوعة علي فويل لي إن كنت لا أبشر. ولا يزال هذا التبشير من مميزات الكنيسة الحقيقية ففي العقيدة ١٩ الأنكليكانية كنيسة المسيح المنظورة هي جماعة المؤمنين التي فيها يبشر بكلمة الله النقية. وقد وجه البروتستانت قواهم إلى هذا الواجب حالما تمكنوا من تنظيم

стр. 1342

شؤونهم، فتألفت الجمعيات هنا وهناك، وربما كان أقدمها جمعية المورافيين نسبة إلى مورافيا على ضفاف الدانوب، وتعرف بجمعية الأخوة المتحدين، وقد كانوا ولا يزالون في المقدمة بالنسبة إلى عددهم الذي لا يتجاوز٠٠٠٠٠٠ ٣. وفي أواخر القرن الثامن عشر زاد عدد الإرساليات البرتستانتية وزاد نشاطها. وقد طلبت من أمين سر المستر هاردمان في القدس بعض إحصاءات لهذه الإرساليات فأسل آخر ما عرفه منها أعربه بالشكر قال: عدد إرساليات البروتستانت في العالم ٣٨٠، عدد المرسلين رجالاً ونساءً ٢٩٠٤٩ والمال الذي صرفته خمسة عشر مليون ليرة إنكليزية هذا عدا ما جمع في حقول الإرساليات نفسها وصرف عليها أيضاً. وعدد الإرساليات في فلسطين١٧ وعدد المرسلين فيها ١٦٠. وعمل بعض هذه الإرساليات عام وبعضها خاص محصور في قارة أو مملكة أو إقليم أو دين أو مذهب أو رتبة من الناس أو الذكور أو الإناث أو الطب العام أو الخاص أو طبع الكتب أو نشرها أو التبشير مجرداً أو فتح المدارس فقط. وهذا الاختصاص في الغرب حتى في الأمور الدينية هو أساس نجاحه. ومن المبادئ الأساسية لهذه الإرساليات أن تنظم المهتدين جماعات تشرع بإدارة شؤونها بنفسها، وتسير نحو الاستقلال الإداري والمالي. ومنها عدم التدخل في سياسة البلاد التي يرسلون إليها، ووجوب إطاعة أوامر حكومتها، والمحافظة على قوانينها ونظاماتها في كل ما لا يخالف الضمير بناء على قول المسيح أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله وبناء على أوامر رسله المتعدد بالصلاة والطاعة للحكام. ومع ذلك فقد أوقعت السياسة الأوربية تهمه المداخلة في السياسة على المرسلين، لأنها استعملت الإرساليات على غير قصد من المرسلين جسراً عبرت عليه إلى مقاصدها الاستعمارية فشوهت سمعة المرسلين. ولقد كان من الطبيعي أن توجه الإرساليات أفكارها إلى هذه الديار مهبط الوحي ومهد المسيحية لإنعاش المسيحية وتبشير غير المسيحيين بها. وفي إحصاء بتاريخ سنة ١٩١٣ أن عدد الإرساليات في هذا القطر أكثر من

стр. 1343

٣٠ أمريكية وإنكليزية وإسكتلندية ايرلندية وألمانية ودنمركية ومورافقية وأسوجية. ويقوم بأكثرها أفراد أو مدينة أو جماعة صغيرة، وأعمالها غالباً محصورة في العواصم كالقدس وبيروت ودمشق أو بعض المدن والقرى كيافا وحيفا والناصرة وبيت لحم والخليل ورام الله وصفد والشويفات وبرامانا وبيت مري والشوير وشملان وبعلبك والنبك ودير عطية وغيرها. وليس بين كل هذه الإرساليات سوى إرساليتين عموميتين كبيرتين لهما طائفة منظمة بمجامع وقوانين وميزانية ومالية مستقلة عن ميزانية الإرسالية، والأولى أمريكية قسوسية في الشمال، والثانية إنكليزية أسقفية في الجنوب. إرسالية الشمال أمريكية قسوسية أسست سنة ١٨١٠. وفي سنة ١٨٢١ نزل أول مرسليها من ميناء يافا وشرعت بعملها في القدس وجوارها، ولكن قضت الأحوال أن ينحصر عملها في الجزء الواقع شمالي رأس الناقورة، وقام مرسلوها بمبادئ الإرساليات البروتستاتية بكل أمانة ونشاط وكان لهم اليد الطولى وفضل السبق في نشر العلم والمدنية لا بما عملوه فقط بل بتحريض غيرهم أيضاً. ودائرة عمل إرسالية الجنوب من رأس الناقورة شمالاً إلى حدود مصر جنوباً، وهي إنكليزية أسقفية أعضاؤها من كنيسة إنكلترا المثبتة. أسست في لندن في ١٢نيسان سنة ١٨٩٩ وأسمها جمعية المرسلين الكنسية ويعبر عنها بالأحرف وللإحاطة بعمل إرسالية فلسطين لا بد من ذكر لمحة من تاريخ الأسقفية الإنكليزية فيها. وفي سنة ١٨٤١ أسست أسقفية أنكليكانية في القدس بالاشتراك مع بروسيا. وكان من مبادئ المرسلين الأولية أن لا يشقوا من الطوائف الأخرى المسيحية طائفة بروتستانتية وخصوصاً من طائفة الروم الأرثوذكس التي يعتبرونها أم الكنائس. بل قصدوا أن يعملوا بالاتفاق مع رؤسائها لإنعاش المسيحية من الغفلة التي استولت على معظم مسيحيي الشرق. ولكن مقاومة هؤلاء الرؤساء وهيجهم طوائفهم على المرسلين وعلى كل من يقترب منهم، اضطرتهم بعد تردد طويل إلى تأليف طوائف. وقدان بالمذهب البروتستانتي من كل الطبقات، وارتقى كثيرون من أولاد الفقراء والفلاحين إلى أسمى ما يمكن الوصول إليه من المراتب. على أن تأثير المرسلين

стр. 1344

لم يقتصر على العدد القليل من البروتستانت العرب، بل عم القطر بل هم كانوا من أول عوامل الرقي. أن لكل من الإرساليات المذكورة عمالاً وأفراداً متعلقين بها وعددهم بحسب سعة عملها. ولكن للإرساليتين السابقتين فقط طوائف بروتستانتية منظمة بجامع وقوانين وميزانية مستقلة عن ميزانية الإرسالية كما مر. ليس لطائفة البروتستانت العرب كما مر قسوسية مشيخية، وليس لها كتاب صلاة تجري بموجبه عبادة الجماعة سوى بعض إرشادات مطبوعة ضرورية لإرشاد القسيس في بعض الواجبات وهو مع ذلك غير مقيد بها. وتستعمل كتاب ترتيل فيه الآن ٤٣٢ ترتيلة بأنغام مختلفة غربية وبعض أنغام شرقية، وإنما العلامات الموسيقية كلها غربية. وهذا الكتاب مشترك بين سورية وفلسطين ومستعمل للعبادة في الكنيستين. وعدد نفوس الإنجيليين في لبنان ١٠ آلاف نفس. بقي الكنائس الأخرى غير الميخية منها كنيسة الفرندس في برمانا ورأس المتن والكنيسة المعمدانية في راشيا الوادي وجوارها والكنيسة الإنجيلية في دمشق للكنيسة المشيخية الاسكوتلاندية والكنائس الإنجيلية في جهات القلمون وهي تابعة للإرسالية الدنمركية ولها عدة مراكز في النبك ودير عطية ويبرود وصدد وغيرها. أما طائفة البروتستانت العربية في فلسطين فهي أسقفية انكليكانية تجري عبادتها بموجب كتاب الصلاة العامة المترجم عن الإنكليزية مع عقائد الدين التسع والثلاثين وكتاب الترتيل المشترك مع كنيسة سورية. رسم أول قسوسها الوطنيين سنة ١٨٧١ في الناصرة وكان طائفة الناصرة في مقدمة كنائس فلسطين في إقامة الأوقات والسعي نحو الاستقلال وكان أحد أفرادها عودة عزام المستوطن القدس في الربع الثالث من القرن الماضي وقف أملاكه كلها لكنيسة القدس وأصبحت الآن ذات قيمة كبيرة. وتبعه غيره في الوقف على الكنائس. ويبلغ مجموه البروتستانت في فلسطين وشرقي الأردن نحو ثمانية آلاف إنسان. وبعد فإن في العالم أجمع الآن حركتين متضادتين نعبر عنهما بالجذب والدفع، فبينما أنت ترى الشعوب تتحرك بدفع بعضها عن بعض فتتألف

стр. 1345

كتلاً متفرقة تجدها في نفس الوقت تنجذب وتتقارب وتتفهم وتسعى لتوحيد هذه الكتل أو ربط بعضها ببعض على الأقل، وعلى الرغم مما نجده من التباعد بحركة الدفع والتمركز نجد الناس يقرب بعضهم من بعض بحركة الجذب، والعامل الأقوى في حركة الجذب سرعة المواصلة وانتشار العلم، فسرعة المواصلة قربت الناس بعضهم من بعض فأخذوا يتفاهمون والعلم جعلهم يحكمون العقل أكثر من العوطف فرأوا أن كثيراً من الفوارق إما وهمية أو عرضية أو مبالغ فيها. وما يجري في الدائرة البشرية الاجتماعية يجري في الدائرة الدينية. فعلى الرغم من بعد مسافة الفوارق الدينية والمذهبية نجد أهل هذه الأديان والمذاهب أكثر تسامحاً وأسرع سعياً نحو الاتفاق، حتى في الأديان التي نراها على أعظم مسافة من البعد، فلا تكاد تمر سنة حتى يعقد مؤتمر الأديان يجتمع فيه نواب معظم الأديان الإلهية كالمسيحية والإسلام واليهودية وغير الإلهية كالبوذية وغيرها. وقد عقد أول مؤتمر رسمي في ١٦ أيلول سنة ١٩٢٤ في سوق الغرب اجتمع فيه نواب الجهتين للسعي في زيادة الاتحاد وتوحيد النظام. أصل السنة: لا يخفى أن الأحكام الشرعية التي علمت من الكتاب والسنة ثلاثة أقسام: الأول الأحكام الاعتقادية وأصولها المجملة ستة الإيمان بالله وبالملائكة وبالكتب وبالرسل وباليوم الآخر وبالقدر. ويقال لجميع هذه الأحكام دين الإسلام وهي ما جاء به جميع الأنبياء. وهذه وإن كانت في تعيينها مذاهب عديدة إلا أن ما عدا مذهب السنة باطل. القسم الثاني الأحكام العملية وهي عشرة: الفرض، الواجب، السنة، الاستحباب، الإباحة، الحرمة، الكراهة التحريمية، الكراهة التنزيهية، الصحة، الفساد. ولا يخلو فعل العاقل البالغ عن حكم منها، فالشرائع المتعلقة بأفعال المكلفين ثلاثة أنواع إجمالية: الأول العبادات وهي عبارة عن الصلاة والصوم والزكاة والحج وسائر الفرائض والواجبات. الثاني المعاملات كالنكاح والطلاق والهبة والوصية والبيع والشراء والكفالة والوكالة. الثالث العقوبات كالدية

стр. 1346

والكفارة فدية والقصاص، وفي تعيينها مذاهب كثيرة إلا أنه تقرر فيها المذاهب الأربعة، وأصحابها أبو حنيفة النعمان بن ثابت، ومحمد بن إدريس الشافعي، ومالك بن أنس، وأحمد بن حنبل، فما اتفق عليه هؤلاء الأئمة الأربعة هو حق وصواب، وما اختلفوا فيه يحتمل الخطأ والصواب، لأن كل مجتهد يخطأ ويصيب، والحق واحد لا يتعدد، وكل مؤمن مأمور باتباع مذهب منها إذا لم يكن بلغ مرتبة الاجتهاد، ويلزمه الاعتقاد بصواب متبوعة، إذ لا يجوز له تقليده إن اعتقد خطأه. القسم الثالث الأحكام الشرعية المتعلقة بأحوال القلوب، والمتكفل بذلك علم الأخلاق والتصور. والقصد هنا بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة في القسم الأول. وينبغي أن نبين أولاً من أهم أهل السنة والجماعة ثم نذكر عقائدهم إذ ربما يضن بعض الناس أن كل من يطلق عليه اسم المسلم هو من أهل السنة والجماعة وليس الأمر كذلك، فإن أهل البدع والأهواء مخالفون لأهل السنة والجماعة، والحال أن فيهم من يعد من أهل ملة الإسلام، لذلك رأيت من اللازم أولاً بيان من هم أهل السنة والجماعة، ثم بيان عقائدهم التي اتفقوا عليها، ولم أتعرض للمخالفين لهم ولا بذكر حجج الطرفين، وسرد المسائل التي وقع فيها اختلاف بين الأشعرية والماتريدية لما أن ذلك خارج عن موضوع الخطط وإنما من خصائص كتب الكلام، فاقتصرت على أهم المسائل الاعتقادية التي يكلف كل مؤمن باعتقادها. وقد ألف كتباً لبيان الفرق الإسلامية ومقالاتها كالشهرستاني وابن حزم وعبد القاهر البغدادي وغيرهم. إذا أطلق أهل السنة والجماعة يراد بها الأشعرية والماتريدية، أما الأشعرية فهم أصحاب الإمام أبى الحسن علي بن الإسماعيلي من ذرية أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري الصحابي الجليل. أخذ علم الكلام أولاً عن شيخه محمد بن عبد الوهاب الجبائي شيخ المعتزلة وتبعه في الاعتزال حتى صار للمعتزلة إماماً ثم رجع عن مذهبه وصنف كتباً في الرد عليهم، وأجمع على عقيدة الأشعري المالكية والشافعية وبعض الحنفية وفضلاء الحبابلة، ولم يكن أبو الحسن أول متكلم بلسان أهل السنة، إنما جرى على سنن غيره أو على نصرة مذهب معروف فزاد المذهب

стр. 1347

حجة وبياناً، وليس له في مذهب السلف أكثر من بسطه وشرحه وتأليفه في نصرته. ولد سنة ستسن ومائتين وتوفي سنة أربع وعشرين وثلاثمائة. وأما الماتريدية فهم أصحاب الإمام أبي منصور محمد بن محمد بن محمود الماتريدي نسبة إلى قرية بسمرقند، الحنفي المتكلم ناصر السنة وقامع البدعة وحيي الشريعة، كان إماماً جليلاً مناضلاً عن الدين موطداً لعقائد أهل السنة قطع المعتزلة وذوي البدع في مناظرتهم، وله مصنفات منها كتاب التوحيد وكتاب بيان وهم المعتزلة وكتاب تأويلات القرآن وهو كتاب لا يوازيه فيه كتاب. وليس هو من أتباع الأشعري لكونه أول من أظهر مذهب أهل السنة كما ظن. لأن الماتريدي مفصل لمذهب الإمام أبي حنيفة وأصاحبه المظهرين قبل الأشعري مذهب أهل السنة. وكانت وفاته بسمرقند سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة. والحاصل أن كلاً من هذين الإمامين الجليلين أبي الحسن وأبي منصور لم يبدعان من عندهما رأياً ولم يشتقا مذهباً إنما هما مقرران لمذاهب السلف مناضلان عما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ . أحدهما قام بنصرة مذهب الشافعي وما دل عليه، والثاني قام بنصرة مذهب أبي حنيفة وما دل عليه. وناظر كل منهما ذوي البدع والضلالات حتى انقطعوا. ومما ينبغي أن يعلم أنه ليس بين هاتين الطائفتين اختلاف في أصول الدين، وإنما اختلفوا في بعض مسائل متفرعة عن الأصول لا تستلزم تضليلاً ولا تفسيقاً. ثم أن عقائد أهل السنة والجماعة تنحصر في أربعة أركان هي مبنى الإيمان: إلهيات والصفات والأفعال والسمعيات. الركن الأول فيما يجب لله تعالى وما يجوز وما يستحيل العالم بجميع أجزاءه حادث وجد بعد أن لم يكن، وهو قابل للفناء وله صانع واجب الوجود لذاته ممتنع العدم بالنظر لذاته، واحد لا شريك ولا مثيل له في ذاته وصفاته وأفعاله، قديم لا بداية له، أبدي لا نهاية له، متصف بصفات الكمال، منزه عن سمات النقص، ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض، ولا تحله الجواهر

стр. 1348

ولا الأعراض، ولا يحل في غيره ولا يتحد بغيره، ولا يقوم بذاته حادث، منزه عن التحول والانتقال، استوى على العرش على الوجه الذي عناه بالمعنى الذي أراده، استواء يليق بجلال ذاته، وهو فوق سماواته فوق عرشه، مباين لخلقة لا يحمله العرش بل العرش وحملته محمولون بقدرته، ومع ذلك فهو قريب من كل موجود بل هو أقرب إلينا من حبل الوريد، وهو تعالى مرئي للمؤمنين بالأبصار في دار القرار، فيرونه لا في مكان ولا على جهة من قبالة واتصال شعاع أو ثبوت مسافة بين الرائي والمرئي. الركن الثاني في العلم بصفاته تعالى الله تعالى متصف بالعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام والحياة، وهي صفات لها أزلية ونعوت له أبدية، فهو تعالى قادر على جميع الممكنات، وجميع الحوادث واقعة بقدرته تعالى، وقدرة الله على المقدورات كلها قدرة واحدة، يقدر بها على جميع المقدورات على طريق الاختراع دون الاكتساب، ومقدوراته تعالى لا تفنى. وهو سبحانه مريد لأفعاله فلا وجود إلا وهو مستند إلى مشيئته وصادر عن إرادته، لا يقع شيء في العالم إلا بإرادته ومشيئته، فالخير والشر والطاعة والمعصية واقعة بإرادة الله تعالى وقضائه وقدره ومشيئته، ما شاء الله كان لم يشأ لم يكن، وإرادته تعالى قديمة وهي في القدم تعلقت بإحداث الحوادث في أوقاتها اللائقة بها على وفق سبق العلم الأزلي، والإرادة غير الأمر لأنه قد يأمر بالشيء ولا يريده، ويريد الشيء ولا يأمر به، ويريد الشيء ويأمر به، ولا يريد الشيء ولا يأمر به. وغير الرضى أيضاً فإن الإرادة قد تتعلق بما لا يرضي به الله تعالى كالكفر الواقع من الكفار فإنه تعالى أراده ولم يرض به ولا يرضي لعباده الكفر، وليست عين العلم لأن العلم يتعلق بالواجب والمستحيل والجائز، والإرادة لا تتعلق إلا بالجائز. وهو تعالى عالم بجميع الموجودات كلياتها وجزئياتها، ومحيط بكل المخلوقات لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماوات، وعلمه واحد يعلم به جميع المعلومات على تفصيلها من غير حس ولا بداهة ولا استدلال عليه، وعلمه قديم لم يزل عالماً بذاته وصفاته وما يبثه من مخلوقات، ومهما حدثت

стр. 1349

المخلوقات لم يحدث له علم بها حصلت مكشوفة بالعالم الأزلي. وهو تعالى حي وحياته بلا روح ولا اغتذاء، وجميع الأرواح مخلوقة، والحياة شرط في العلم والقدرة والإرادة والرؤية والسمع، فمن ليس بحي لا يصح أن يكون عالماً قادراً مريداً سامعاً مبصراً. وهو سبحانه سميع بصير يسمع ويرى ولا يعزب عن سمعه مسموع وأن خفي، ولا يغيب عن رؤيته مرئي وأن دق، ولا يحجب سمعه بعد، ولا يدفع رؤيته ظلام، لم يزل رائياً لنفسه، وسامعاً لكلام نفسه، وأن الانكشاف بالسميع غير الانكشاف بالبصر، وأن كليهما غير الانكشاف بالعلم، بل لكل منها حقيقة يفوض علمها لله تعالى. وهو تعالى متكلم بكلام قائم بذاته ليس بحرف ولا صوت هو به أمرناه مخبر وأن القرآن كلام الله غير مخلوق. الركن الثالث في الأفعال الله تعالى لا خالق سواه وكل حادث في العالم حدث بقدرته وخلقه لا محدث له غيره، وجميع أفعال العبادة اختيارية واضطرارية، مخلوقة له تعالى ومتعلقة بقدرته وإنما الله خلق في العبد قوة تسمى الإرادة الجزئية وأقدر عبده على صرف هذه القوة إلى ما شاء من جزئيات المأمورات والمنهيات باختياره، وهذا الصرف هو الذي يسمى بالكسب تارة وبالميل والجزء الاختياري تارة آخرى، ويسمى أيضاً بقدرة العبد. وقد جرت عادة الله تعالى أنه لا يخلق القدرة على المعصية في أعضاء العبد حتى يصرف العبد إرادته الجزئية إليها، فإذا صرفها إليها بأن مال قلبه وعزم عليها فهناك يخلق الله تعالى القدرة في أعضاءه على فعلها فيفعلها، فقدرة العبد التي هي الميل المذكور مقارنة لإيجاد الله تعالى ليس لها تأثير في إيجاد الفعل بل مجرد مقارنة. وهو تعالى لا يحب عليه شيء من فعل الأصلح لعبادة، ورعاية الحكمة والمصلحة في فعله، فله أن يعذب على الطاعات ويثيب على المعاصي، وأن يبتلي عبده بضرب الآلام من غير جرم سابق ومن غير ثواب لاحق، ولا يعد ذلك منه قبيحاً ولا ظلماً لأنه يتصرف في ملكه لا في ملك غيره، يفعل ما يريد، ولا حاكم عليه بل له الحكم، وإنما يثيب على الطاعة بحكم الكرم والوعد لا بحكم الاستحقاق واللزوم، ويعاقب على المعصية عدلاً منه تعالى،

стр. 1350

وقد راعى الحكمة فيما خلق وأمر تفضلاً منه ورحمة ولا باعث له على الفضل. بعثة الأنبياء ممكنة عقلاً وواقعة قطعاً، وفي وقوعها حكمة بالغة ورحمة للعالم شاملة، واحتياج الناس إلى الأنبياء كاحتياجهم إلى الأطباء، النبوة إنما تحصل بمجرد اصطفاء إلهي لا باستحقاق من المبعوث واجتماع شروط فيه، بل الله يختص برحمته من يشاء وهو تعالى اعلم حيث يجعل رسالته، وقد أرسل الله تعالى رسلاً من البشر إلى البشر مبشرين ومنذرين، لئلا يكون للناس على الله حجة، وأيدهم بالمعجزات الخارقة للعادات المقرونة بالتحدي، وكلهم جاءوا بتوحيد الله تعالى والنهي على الشرك وإخلاص العبادة له تعالى، وهم صادقون فيما جاءوا به مصونون عن التحريف والتبديل، معصومون من كل نقص حسي أو معنوي مبلغون أممهم جميع ما أمروا بتبليغه، وأولهم آدم وآخرهم نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. أن الله سبحانه أرسل نبينا محمداً ﷺ إلى الخلق كافة بشيراً نذيراً، وجعله خاتم النبيين فلا نبي بعده وأيده بالمعجزات الباهرة، والبراهين الظاهرة، وانزل عليه القرآن الكريم الذي هو له معجزات باقية إلى يوم الدين، فنسخ بشريعته الشرائع التي كانت قبله إلا ما قرر منها، وفضله على سائر الأنبياء وجعل الشهادة له بالرسالة شطر الإيمان، وألزم الناس تصديقه في جميع ما اخبر به عنه، وأمر بتبليغ ما انزل عليه فقال تعالى: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك) فبلغ صلوات الله وسلامه عليه الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة حتى أتاه اليقين. إن لله تعالى وملائكة هم عباد الله المكرمون ورسل الله بينه وبين أنبياءه وأمناؤه على وحيه لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، لا يوصفون بذكوره ولا انوثه، ولا يأكلون ولا يشربون، ولا يعلم حقيقتهم ولا عددهم إلا خالقهم، وهم أجسام لطيفة نورانية يروننا ولا نراهم بصورهم الأصلية. الركن الرابع في السمعيات إن لهذه الدنيا أجلاً محموداً فإذا جاء اجلها يتبدل نظام هذا الكون، فتبدل الأرض غير الأرض والسماوات غير السماوات،

стр. 1351

ويعبد الله تعالى الأرواح إلى الأجساد، ثم يجازي الله تعالى كل نفس بما كسبت إما بنعيم أبدي أو عذاب سرمدي، وجميع ما أخبر به الصادق من عذاب القبر ونعيمه، وسؤال الملكين ووزن الأعمال، والمرور على الصراط، والشفاعة لمن إذن له الرحمن، جميع ذلك حق يجب الإيمان به. الشيعة: الشيعة لفظ معناه الأتباع والأنصار يطلق على الواحد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث، تقوم هو شيعة وهما وهم وهن شيعة وجمعه شيع وأشياع، ثم صار علماً بالغلبة على أتباع علي بن أبي طالب ﵇. عرف جماعة من كبار الصحابة بموالاة علي في عصر رسول الله ﷺ مثل سليمان الفارسي القائل: بايعنا رسول الله على النصح للمسلمين والائتمام بعلي بن أبي طالب والموالاة له. ومثل أبي سعيد الخدري الذي يقول: أمر الناس بخمس فعلموا بأربع وتركوا واحدة. ولما سئل عن الأربع قال: الصلاة والزكاة وصوم شهر رمضان والحج قيل: فما الواحد التي ترموها؟ قال: ولاية علي بن أبي طالب قيل له: وإنما لمفروضة معهن قال: هي مفروضة معهن. ومثل أبي ذو الغفاري وعمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان وذي الشهادتين خزيمة بن ثابت وأبي أيوب الأنصاري وخالد بن سعيد بن العاص وقيس ابن سعد عبادة وكثير أمثالهم. ومن أرادهم فليراجع كتاب الدرجات الرفيعة لابن معصوم. عرف هؤلاء باسم شيعة علي ثم غلب فأطلق فقيل لهم شيعة. ذكر أبو حاتم الرازي في كتاب الزينة في الألفاظ المتداولة بين أرباب العلوم على ما نقل في كتاب الروضات أن أول اسم ظهر في الإسلام على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلمالشيعة وكان لقب أربعة من الصحابة وهم أبو ذر وسليمان وعمار والمقداد إلى أن آن أوان صفين فاشتهر بين موالي علي ﵇. ومهما تكن منزلة هذه الرواية من الثقة فالأمر الذي لا خلاف أنه لما استقل الأمويون بالأمر وناهضوا الهاشميين وأتباعهم تلك المناهضة الشديدة كان اسم الشيعة على إطلاقه علماً على أتباع آل البيت.

стр. 1352

أما ما ذهب إليه بعض المتاب من أن أصل مذهب التشيع من بدعة عبد الله ابن سبأ المعروف بابن السوداء فهو وهم وقلة علم بحقيقة مذهبهم. ومن علم منزلة هذا الرجل عند الشيعة وبراءتهم منه ومن أقواله وأعماله وكلام علمائهم في الطعن فيه بلا خلاف بينهم في ذلك، علم مبلغ هذا القول من الصواب. لا ريب في أن أول ظهور الشيعة كان في الحجاز بلد المتشيع له. وكان التشيع هناك ضعيف الحول ولكنه مكين في قلوب أهله. ثم استفحل أمره في العراق زمن خلافة علي السلام. أما في الشام فالمعروف بين الشيعة في جبل عامل خلفاً عن سلف أن الذي دلهم على هذا المذهب أبو ذر الغفاري لما سير إلى الشام ولا يزال في قرية الصرفند بين صيدا وصور له مقام معروف باسمه اتخذ مسجداً وعموراً وهو غير مسجد القرية الجامع، وفي قرية ميس الجبل له مقام آخر. وميس هذه قرية في جبل عامل على طريق القادم من دمشق. وروى الحر العاملي في كتابه أمل الآمل أن أبا ذر لما أخرج إلى الشام تشيع فيها جماعة ثم أخرجه معاوية إلى القرى فوقع في جبل عامل فتشيعوا من ذلك اليوم. ثم ذكر رواية عن الإمام أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق ﵇ وقد سئل عن أعمال الشقيق فقال: أرنون وبيوت وربوع وتعرف بسواحل البحار وأوطأة الجبال هؤلاء شيعتنا حقاً. وفي كتاب الروضة والفضائل لشاذان بن جبرئيل القمي رواية مسندة إلى عمار بن ياسر وزيد بن أرقم تدل على أنه كان زمن خلافة علي ﵇ قرية في الشام عند جبل الثلج تسمى أسعار أهلها من الشيعة، وأسعار هذه قرية خربة بين مجدل شمس وجباتا الزيت وهناك نهر يعرف بنهر أسعار. المتأولة جمع متوالي مأخوذ من الموالاة وهي الحب، لموالاتهم أهل البيت واتباعهم طريقتهم. والظاهر أن تلقيبهم بهذا اللقب في جبل عامل لم يتقدم عن القرن الثاني عشر للهجرة لأنكل المؤرخين قبل هذا القرن لم يعرفوا لهم هذا اللقب ولم ينبزهم به أحد منهم، وكانوا إذا أرادوا ذلك تجنبوا الشيعة وقالوا: الرافضة كما فعل المحبي في خلاصة الأثر. ولكن من تأخر عن القرن الحادي عشر لم يلزمهم بترك نبزهم به كما فعل المرادي في سلك الدور فإنه لم يذكرهم في جبل عامل إلا باسم المتاولة وفاقاً للشهرة في عصره.

стр. 1353

وقد جاء في إحدى السالنامات التركية أن ابتداء ظهور المتأولة سنة ١١٠٠ للهجرة. وعلى الجملة إن هذا اللقب أطلق عليهم لما أظهروا وجودهم السياسي وخلعوا طاعة أمراء لبنان واجتمعوا جملة واحدة في جبل عامل تحت قيادة آل نصار الوائليين، وفي بعلبك تحت لواء بني حرفوش، وفي شمالي لبنان بزعامة المشايخ آل حمادة. كانوا يومئذ ينتخون باسم بني متوال فعرفوا به واشتهر عنهم، ويدلنا على ذلك أن هذا اللقب لم يكن إلا للذين دخلوا في غمار تلك الفتنة فعرف به شيعة جبل عامل وبعبلك وشمالي لبنان، ولم يعرف لشيعة حلب وحمص وحماة، ولا لشيعة دمشق إلا الذين تديروا الصالحية وأطراف الميدان وهم من مهاجرة بعبلك وجبل عامل. الشيعة في الشام هم في جبل عامل، وهو البلد الوقع بين صفد جنوباً، ونهر الأولي شمالاً، وغور الحولة وما حاذاه إلى ارض البقاع شرقاً، والبحر المتوسط غرباً. وفي مدينة بعلبك وأعمالها وزمنهم فيها قديم. وفي أعمال حمص قرى قليلة لهم وفي نفس المدينة جماعات ظاهرة ومستترة، وفي أعمال إدلب قرى الفوعة ونبل وغيرهما وكلها شيعة، وفيهما إلى اليوم السادة بنو زهرة نقباء الأشراف في مدينة حلب في الزمن السالف. وكل هؤلاء من بقايا زمن الحمدانيين ومن فلول شيعة حلب يوم تشتت شملهم. وفي دمشق ويرجع عهدهم إلى القرن الأول للهجرة، وفي أكناف حوران وهم من مهاجرة جبل عامل، وفي شمالي لبنان والمتن والبترون وهم من مهاجرة بعلبك. ولا يقل عدد نفوس الشيعة في الشام عن مائتي ألف من الإمامية. معتقدات الشيعة، وهم فرقة من المسلمين، اعتقادات المسلمين العامة عينها ولكنهم في الأصوال يخالفون أهل السنة بالإمامة، وهي عندهم رياسة عامة في أمور الدين والدنيا لشخص من الأشخاص بحق النيابة عن النبي، وهي واجبة عقلاً على الله لأنها لطف وكل لطف واجب عليه تعالى، ولذلك خالفوا المعتزلة القائلين بوجوبها على الخلق عقلا، والأشاعرة القائلين على الخلق شرعاً. ويجب عندهم أن يكون الإمام معصوماً وانفرد بهذا الشرط الإمامية

стр. 1354

والإسماعيلية من الشيعة، وأن يكون منصوصاً عليه وأن يكون افضل أهل زمانه. وأن الأئمة اثنا عشر أولهم علي بن أبي طالب المنصوص عليه من الرسول ﷺ وآخرهم محمد بن الحسن العسكري الذي اختفى عام ٢٦٠ في سر من رأى وهو حي يرزق ولا يعلم الناس مقره وسيظهر في آخر الزمان في مكة المكرمة، وقد قال بقولهم هذا فريق من أهل السنة. وأما القول بأنه يخرج من سرداب سر من رأى فلم يقل به أحد من الشيعة وأن نسبه إليهم من لا يعرف مذهبهم جهلاً بحقيقة الحال. ويخالفون الأشاعرة في بعض صفاته تعالى فالأشاعرة تقول في كونه تعالى متكلماً: إن الكلام معنى قائم بذاته تعالى ليس بحرف ولا صوت ولا شيء من أساليب الكلام وهو قديم. والشيعة والمعتزلة يقولون: إن الكلام قائم بالغير يراد من كونه متكلماً فعل الكلام لا أن الكلام قائم به ولذلك فالكلام حادث. والأشاعرة تقول: إن أفعاله تعالى لغرض وإلا لكان ناقصاً مستكملاً بذلك الغرض. وعند الإمامية أن أفعاله معللة بالعلل والأغراض وإلا كان عابثاً. والغرض عائد لغيره أما لمنفعة العبد أو لاقتضاء نظام الوجود ذلك الغرض. والأشاعرة تقول: إن أفعال كلها واقعة بقدر الله وأنه لا فعل للعبد أصلاً. وقال بعضهم: إن للعبد من ذلك الكسب أي كونه طاعة أو معصية. وقال آخرون: إن العبد إذا صمم خلق الله الفعل العقيب التصميم وأنه تعالى فاعل للكل حسناً أو قبيحاً. والشيعة الإمامية أو زيدية يقولون بقدرة العبد واختياره وأنه ليس بمجبر على فعله، بل أن يفعل وله أن لا يفعل وأن الفعل منسوب إليه وأنه يستحيل عليه تعالى فعل القبيح. وقالت الإمامية بوجوب اللطف عليه تعالى وهو ما يقرب من الطاعة ويبعد عن المعصية ولا حظ له في التمكين ولا يبلغ درجة الإلجاء. وقالوا بجريان المسببات عن أسبابها فالشبع مثلاً شيء حادث عن الأكل أنه شيء يحدثه الله عند الأكل. وقالت الأشاعرة بإمكان الرؤية البصرية يوم القيامة على الله تعالى. وقالت الشيعة والمعتزلة باستحالتها مطلقاً.

стр. 1355

وقالت الأشاعرة في الحسن والقبح بأنهما شرعيان أي أنه ليس في العقل ما يدل على الحسن والقبح، بما حسنه الشرع فهو حسن وما قبحه فهو، قبيح، وقالت الشيعة الإمامية بأن الحسن حسن في نفسه يستحق صاحبه المدح، والقبيح قبيح بنفسه صاحبه الذم ولا يتوقف ذلك على حكم الشارع. ويقولون: إن العدل صفة من صفاته تعالى واجبة الثبوت له. هذه أمهات المسائل الأصولية التي يخالفون فيها بعض فرق المسلمين كالأشاعرة، وربما وافقهم في أكثرها غيرهم كالمعتزلة. وأما في الفروع فلا تكاد تجد لهم قولاً مخالفاً لا يكون قائلاً به غيرهم من فرق المسلمين اليوم. نعم انفردوا اليوم بالقول بالمتعة وأن كان أثرها في العرب منهم قليلاً بل أندر من النادر. وهي متعتان متعة النكاح ومتعة الحج، فالأولى هي الزواج إلى أجل مسمى تحل عقدته بانقضاء الأجل، وعلى الزوجة المتمتع بها بعد انقضاء الأجل أن تعتد العدة الشرعية فلا تنكح زوجاً غيره حتى تنقضي عدتها، ولا بد فيها من ذكر المهر والأجل، ولا توارث بينهما وبين الزوج للدليل الخاص إلا مع الاشتراط، ولكن الولد منها ولد شرعي لا فرق بينه وبين اخوته. وأما متعة الحج فهي الطواف الأخير المعروف بطواف النساء فلا تحل للمحرم النساء حتى يأتي به. ومنها في الميراث مسألة العول والتعصيب فهم ينكرون العول. ويقول إمامهم جعفر بن محمد الصادق على أن الذي أحصى رمال الحج عالج يعلم أن المواريث لا تعول، ويجرون فيما جاء من ذلك على قاعدة من له الغنم فعليه الغرم. ولا يقولون بالتعصيب بل يرثه أقرب الناس إليه، وطبقات الإرث في النسب ثلاث: الآباء والأبناء والاخوة والأجداد، والأخوال والأعمال. فالمتقدمة من هذه الطبقات تحجب ما بعدها، فإذا كان ذو فرض أخذ فرضه ورد الباقي على نفس الطبقة لا يتعداها سواء كان المردود عليه ذكراً أو أنثى. فإذا مات الميت عن بنت وأب أخذت البنت النصف والأب السدس بالفرض ورد الباقي عليهما كل بقدر سهمه لأنهما من طبقة واحدة، فلو لم

стр. 1356

يكون له أب بل وجد أو أخ كان الرد على البنت لأنها من الطبقة الأولى والجد والأخ من الطبقة الثانية فهي أولى منه بآية وأولو الأرحام. ويقولون بالجمع بين صلاتي الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء سفراً وحضراً ولكن التفريق أفضل. وإذا قال القائل لزوجته أنت طالق ثلاثاً فإن كانت جامعة لشروط الطلاق وقعت واحدة وإلا كان الطلاق باطلاً. وشرط صحة الطلاق أن تكون الزوجة طاهرة في طهر لم يواقعها الزوج فيه وأن يكون الطلاق بشهادة ذوي عدل. وتجتمع الشيعة في أيام عاشوراء فتقيم المآتم على الحسين بن علي شهيد كربلاء ﵇، وعهدهم بذلك بعيد يتصل بعصر الفاجعة وأول من رثاه أبو دهيل الجمحي بقصيدة يقول فيها: تبيت النشاوى من أمية نوماً ... وبالطف قتلى ما ينام حميمها والظاهر من سيرة ديك الجن الحمصي في كتاب الأغاني أن هذه الاجتماعات للمآتم كانت معروفة في زمانه. ثم إن بني بويه أيام دولتهم عنوا بها مزيد العناية. ولا تزال إلى تقام في جميع أقطار الشيعة، وليست هي من الفروض كما يتوهم بل يستحبونها لأنها تصدر عن ولاء ومحبة. وقد تطرق بعض العجم فأبدعوا فيها بدعاً فيها يمقتها الله والناس من ضرب أنفسهم بالمدى وغسالة الدماء على أثوابهم وعمل ما يسمونه الشبيه وقد مقته العلماء من الشيعة ولم تذعن لهم به العامة في كثير من البلدان التي استحكمت فيها هذه العادة. الباطنية: أطلق هذا اللقب على فرق خالفت الإسلام مدعية بأن لكل ظاهر باطناً ولكل تنزيل تأويلاً. ولهم ألقاب كثيرة سوى هذه على لسان قوم. فبالعلالق يسمون الباطنية والقرامطة والمزدكية، وبخراسان التعليمية والملحدة، وهم يقولون: نحن إسماعيلية لأنا تميزنا من فرق الشيعة بهذا السم وهذا الشخص، ثم الباطنية القديمة قد خلطوا كلامهم ببعض كلام الفلاسفة وصنفوا كتبهم على ذلك المنهاج هذا ما قاله الشهرستاني. وقال عبد القاهر

стр. 1357

البغدادي: إن الذين وضعوا أساس دين الباطنية كانوا من أولاد المجوس، وكانوا مائلين إلى أسلافهم، ولم يجسروا على إظهاره خوفاً من سيوف المسلمين، فوضع الأغمار منهم أساساً من قبله صار في الباطن إلى تفضيل أديان المجوس، وتأولوا آيات القرآن وسنن النبي ﵊ على موافقة أساسهم. ولما تأولت أصول الدين على الشرك احتالت أيضاً لتأويل أحكام الشريعة على وجوه تؤدي إلى رفع الشريعة أو إلى مثل أحكام المجوس. وذكر أنه خرج منهم أناس بالبحرين والقطيف والأحساء ومنهم من ظهر في طريق الحجاز واستولى على مكة. ومنهم من ظهر بالقيروان واستولى بأتباعه على بلاد المغرب. ومنهم من استولى على هجر. ومنهم من ظهر باليمن وقتل الكثير من أهلها. ومنهم من خرج بالشام وهو أبو القاسم بن مهرويه. وأن زعيمهم الأول ميمون بن ديصان كان مجوسياً أولاً. ومنهم من نسب الباطنية إلى الصابئين الذين هم بحران، واستدل على ذلك حمدان قرمط داعية الباطنية بعد ميمون بن ديصان كان من الصابئة الحرانية. واستدل على ذلك أيضاً بأن صابئة حران يكتمون أديانهم ولا يظهرونها أحلافهم إياه على أن لا يذكر أسرارهم لغيرهم. قال عبد القاهر: الذي يصح عندي من دين الباطنية أنهم دهرية زنادقة يقولون بقدم العالم وينكرون الرسل والشرائع كلها لميلهم إلى استباحة كل ما يميل إليه الطبع. والأرجح أن المحور الأعظم الذي تدور عليه الباطنية هو مسائل الملك والسلطان وهي أشبه من بعض الوجوه بالطريقة الماسونية. وعلى الجملة فإن منشأ هذه المذاهب خلافة علي بن أبي طالب، وطلب شيعته باسمه الملك فغالوا فيه مغالاة عظيمة حتى أخرجه بعضهم عن البشرية. وقد كان أكثر أهل الشام في القرون الثلاثة الأولى للإسلام على ما يظهر من مذاهب النصارى، والمسلمون اقل منهم. ولقد انتهى الحال بجميع القبائل القديمة في الشام مثل بني كلاب وبني جذام وبني عاملة أن دانوا بالإسلام ولم يتخلف عنهم بادئ بدء سوى تنوخ في حلب وتغلب في شمالي شرقي تدمر. ولما مر السائح ويليبالد في القرن الأول للهجرة بحمص كانت نصف

стр. 1358

مسلمة وقويت عريكة الإسلام في القرون التالية لما سكنها العباس من قواد المروانيين في خمسين من أولاده. وكانت الشام في الإسلام توالي علياً وأصحابه تارة وتوالي غيره أخرى. وكان أهل حلب سنية حنفية حتى قدم الشريف أبو إبراهيم الممدوح فصار فيها شيعية وشافعية. وأتى صلاح الدين وخلفاؤه فيها على التشيع كما أتى عليه في مصر. وكان المؤذنون في جوامع الشهباء يؤذنون بحي على خير العمل. وحاول السلجوقيون مرات القضاء على التشيع فلم يوفقوا إلى ذلك. وكان حكم بني حمدان وهم شعية من جملة الأسباب الداعية إلى تأصل التشيع في الشمال. ولا يزال على حائط صحن المدفن الذي في سفح جبل جوشن بظاهر حلب ذكر الأئمة الثني عشر وقد خرب الآن. وفي سنة ١٤١ ظهر في حلب قوم يقال لهم الراوندية خرجوا بحلب وحيران وكانوا يزعمون أنهم بمنزلة الملائكة، وصعدوا تلاً بحلب فيما قالوا ولبسوا ثياباً من حرير وطاروا من التل فكسروا وهلكوا. وصف المقدسي مذاهب الشام في القرن الرابع للهجرة فقال: إن السامرة فيه من فلسطين إلى طبرية ولا تجد فيه مجوسياً ولا صابئاً، مذاهبهم مستقيمة أهل جماعة وسنة. وأهل طبريا ونصف نابلس وقدس وأكثر عمان شيعة ولا ماء فيه لمعتزلي إنما هم خفية، وببيت المقدس خلق من الكرامية لهم خوانق ومجالس ولا ترى به مالكياً ولا داودياً، وللأوزاعية مجلس بجامع دمشق والعمل كان فيه على مذهب أصحاب الحديث، والفقهاء شفعوية وأقل قصبة أو بلد لبس فيه حنفي، وربما كانت القضاة منهم قال: واليوم اكثر العمل مذهب الفاطمي. ووصف ابن جبير المذاهب المتغلبة على الشام في القرن السادس فقال: وللشيعة في هذه البلاد أمور عجيبة وهم أكثر من السنيين بها وقد عموا البلاد بمذاهبهم، وهم فرق شتى منهم الرافضة وهم البسبابون ومنهم الإمامية والزيدية وهم يقولون بالتفضيل خاصة. ومنهم الإسماعيلية والنصيرية يزعمون الإلهية لعلي رضي الله تعالى عنه. ومنهم الغُرابية وهم يقولون: إن علياً رض كان أشبه بالنبي ﷺ من الغراب بالغراب، وينسبون إلى الروح

стр. 1359

الأمين ﵇ قولاً تعالى الله عنه علواً كبيراً. إلى فرق كثيرة يضيق عنهم الإحصاء. قال: وسلط الله على هذه الرافضة طائفة تعرف بالنُّبوية سنيون يدينون بالفتوة وبأمور الرجولة كلها، وكل من ألحقوه بهم لخصلة يرونها فيه منها يحرّمونه السراويل فيلحقونه بهم، ولا يرون أن يستعدى أحد بّر قسمه وهم يقتلون هؤلاء الروافض لين ما وجدوهم. وشأنهم عجيب في الأنفة والائتلاف. قال الشيخ الإسلام ابن تيمية في رسالته الرد على النصيرية أيام استولى هؤلاء على جانب كبير من الشام: إن للقرامطة في معاداة الإسلام وقائع مشهورة وكتباً مصنفة، فإذا كانت لهم مكنة سفكوا دماء المسلمين وقد قتلوا من علماء المسلمين ومشايخهم وأمرائهم وجندهم ما لا يحصي عدده إلا الله تعالى، وهم دائماً مع كل عدو للمسلمين، فهم مع النصارى على المسلمين، ومن أعظم المصائب عندهم انتصار المسلمين على التتار، ومن أعظم أعيادهم إذا استولى النصارى على ثغور المسلمين، وبسببهم استولى النصارى على القدس الشريف وغيره، فإن أحوالهم كانت أعظم الأسباب في ذلك. واتفقوا بعد صلاح الدين ونور الدين مع النصارى فجاهدهم المسلمون حتى فتحوا البلاد. وقال: إن لهم ألقاباً معروفة عند المسلمين تارةً يسمون الملاحدة وتارة يسمون القرامطة وتارةً يسمون الباطنية وتارةً يسمون الإسماعيلية وتارةً يسمون النصيرية وتارةً يسمون الخرمية وتارةً يسمون المحمرة. وهذه الأسماء منها ما يعمهم ومنها ما يخص بعض أصنافهم. وهم كما قال العلماء فيهم، ظاهر مذهبهم الرفض وباطنه الكفر المحض. وحقيقة أمرهم أنهم لا يؤمنون بنبي من الأنبياء والمرسلين لا بنوح ولا إبراهيم ولا موسى ولا عيسى ولا محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ولا بشيء من كتب الله المنزلة لا التوراة ولا الإنجيل ولا القرآن، ولا يقرون بأن للعالم خالقاً خلقه ولا بأن له ديناً أمر به، ولا أن له داراً يجزي الناس فيها على أعمالهم في غير هذه الدار، وهم يبنون قولهم على مذاهب الفلاسفة تارة وعلى أقوال المجوس الذين يعبدون النور. وقال: إن إخوان الصفا ونحوهم هم من أئمتهم

стр. 1360

وينكرون على الرسل ودعوى أنهم من جنسهم طالبون للرئاسة فمنهم من أحسن بطلبها ومنهم من أساء في طلبها حتى قتل، ويجعلون محمداً وموسى من القسم الأول والمسيح من القسم الثاني ويستهزئون بالصلاة والزكاة والصوم والحج الخ اه. الإسماعيلية: هم القائلون بانتقال الإمامة بعد جعفر الصادق إلى ابنه الأكبر إسماعيل، انتقلت إليه بعد أبيه دون أخيه موسى الكاظم. وهم يوافقون الإمامة في سوق الإمامة من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب إلى جعفر الصادق ثم يعدلون بها عن موسى الكاظم الذي هو الإمام عند الإمامية إلى إسماعيل هذا. ثم يسوقونها في بنيه فيقولون: إن الإمامة انتقلت بعد أمير المؤمنين علي إلى ابنه الحسن ثم إلى أخيه الحسين ثم إلى ابنه علي زين العابدين ثم إلى ابنه محمد الباقر ثم إلى ابنه جعفر الصادق ثم إلى ابنه إسماعيل الذي تنسب إليه هذه الفرقة بالنص إلى ابنه جعفر الصادق ثم إلى ابنه محمد الحبيب ثم إلى ابنه عبيد الله المهدي أول خلفاء الفاطميين ببلاد المغرب، وهو جد الخلفاء الفاطميين بمصر، ثم إلى ابنه العزيز بالله أبي منصور نزار ثم إلى أبنه الظاهر لإعزاز دين الله أبي الحسن علي ثم إلى ابنه المستنصر بالله أبي تميم معد خامس خلفائهم بمصر. ومن هاهنا افترقت الإسماعيلية إلى فرقتين مستعلوية ونزارية. فأما المستعلوية فيقولون: إن الإمامة انتقلت بعد المستنصر بالله إلى ابنه المستعلي بالله أبي القاسم ثالث خلفائهم بمصر ثم إلى ابنه الآمر بأحكام الله أبي علي منصور إلى آخر من جاء بعدهم وهو حادي عشر خلفائهم بمصر. وأما النزارية فأنهم يقولون: إن الإمامة انتقلت بعد المستنصر إلى ابنه نزار بالنص من أبيه المستعلي. ثم الإسماعيلية في الجملة من المستعلوية والنزارية يسمون أنفسهم أصحاب الدعوة الهادية تبعا لإمامهم إسماعيل المذكور، وكان يسمى صاحب الدعوة الهادية - وفي القرن التاسع كانوا يسمون في ديوان الإنشاء بالقصاد وبين العامة بالفداوية - وهو يرون أن الأرواح مسجونة في هذه

стр. 1361

الأجسام المكلفة بطاعة الإمام المطهر، فإذا انتقلت على الطاعة كانت قد تخلصت وانتقلت للأنوار العلوية، وأن انتقلت على العصيان هوت في الظلمات السفلية. وذكر في العبر أن منهم من يدعي ألوهية الإمام بنوع الحلول، ومنهم من يدعي رجعة من مات من الأئمة بنوع التناسخ والرجعة، ومنهم من ينتظر مجيء من يقطع بموته، ومنهم من ينتظر عود الأمر إلى أهل البيت. ويتفق المستعلون والنزارية في بعض المعتقدات ويختلفون في بعضها. ولدعاة الأئمة المستورين عندهم مكانة عظمى لا سيما الداعي القائم بذلك أولاً وهو الداعي إلى محمد المكتوم أول أئمتهم المستورين، فإن له من الرتبة عندهم فوق ما لغيره من الدعاة القائمين بعده. واشتهر من دعاتهم رمضان وابنه ميمون وعبد الله القداح بن ميمون، اطلع هذا على أسرار الدعوة من أبيه وسار من نواحي أصفهان إلى الأهواز والبصرة وسلمية من أرض الشام يدعو الناس إلى أهل البيت. ثم أنشأ ابنه أحمد فأرسل هذا أحد دعاته إلى اليمن وإلى المغرب. ومن نسب أحداً من هؤلاء الدعاة إلى ارتكاب محظور أو احتقاب إثم فقد ضل وخرج عن جادة الصواب عندهم، ويرون تخطئه من مالأ على الإمام عبيد الله المهدي أول أئمتهم القائمين ببلاد المغرب وارتكابه المحظور وضلاله عن طريق الحق، وكذلك من خذل الناس عن أتباع القائم بأمر الله بن عبيد الله ثاني خلفائهم ببلاد المغرب أو نقض الدولة على المعز لدين الله أول خلفائهم بمصر، ويرون ذلك من أعظم العظائم وأكبر الكبائر. ومن أعيادهم العظيمة الخطر عندهم يوم غدير خم غيضة بين مكة والمدينة على ثلاثة أيام من الجحفة وسبب جعلهم له عيداً أنهم يذكرون أن النبي ﷺ نزل فيه ذات يوم فقال لعلي: اللهم من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وأدار الحق معه حيث دار. ومن أكبر الكبائر عندهم وأعظم العظائم أن يرمي أحد من آل بيت النبي ﷺ ولا سيما الأئمة بكبيرة، أو ينسبها أحد إليهم أو يوالي لهم عدواً أو يعادي ولياً. ويقولون: إن الإمام منهم لا يموت إلا وقد خلف ولداً ذكراً منصوصاً عليه.

стр. 1362

وأصل هذه الفرقة كانت بالبحرين في المائة الثانية وما بعدها، ومنهم كانت القرامطة الذين خرجوا من البحرين حينئذ ثم ظهروا بأصبهان في أيام السلطان ملكشاه السلجوقي، واشتهروا هنالك بالباطنية لأنهم يبطنون خلاف ما يظهرون، وبالملاحدة لأن مذهبهم كله إلحاد، ثم صاروا إلى الشام ونزلوا فيما حول طرابلس وأظهروا دعوتهم هناك، وإليهم تنسب قلاع الإسماعيلية المعروفة بقلاع الدعوة فيما حول طرابلس كمصياف والخوابي والقدموس والمرقب والعقليقة والكهف والرصافة وغيرها. وهم يعظمون راشد الدين سنان، وهو رجل كان بقلاع الدعوة وانتهت إليه رياستهم في زمن صلاح الدين. ولما افترق الإسماعيلية إلى مستعلوية ونزارية أخذ من منهم ببلاد المشرق بمذهب النزارية عملاً بدعوة ابن الصباح، واخذ من منهم بالشام بقلاع الإسماعيلية بمذهب المستعلوية وصاروا شيعة لمن بعد المستعلي من خلفاء الفاطميين بمصر واشتهروا باسم الفداوية لمفاداتهم بالمال على من يقتلونه. روى هذا القلقشندي وقال ابن ساعد: ويلقب الإسماعيلية بالسبعية لقولهم بسبعة أئمة، ويرون أن في كل دور سبعة أئمة، إما ظاهرون وهو دور الكشف، وإما مختفون وهو دور الستر، ولا بد من إمام، إما ظاهر وإما مستور، لقول أمير المؤمنين ﵁ الأرض عن قائم لله بحججه، ويلقبون أيضاً بالباطنية لقولهم: إن لكل ظاهر باطناً، وبالتعليمية لقولهم: إن العلم بالتعلم من الأئمة خاصة، وربما لقبوا بالملاحدة لعدوهم عن ظواهر الكتاب والسنة لأنهم يتأولون سائر النصوص، وعندهم أن من مات ولم يعرف إمام زمانه وليس في عنقه بيعة إمام مات ميتة جاهلية اه. وذكر كتاب جلبي أنه كان للفداوية الذين اشتهروا في زمن الظاهر بيبرس - هكذا كانت العامة تسمي الإسماعيلية - من طرابلس إلى صيدا إلى حلب على الساحل حتى حوران سبعون قلعة أهمها قلعة صهيون. وقد ذكر مؤرخو حلب أنه جاء إلى جبل السماق سنان بن سلمان بن محمد أبو الحسن البصري صاحب الدعوة النزارية ومتولي الحصون الإسماعيلية، وكان أديباً فاضلاً عارفاً بعلم الفلسفة وله شعر حسن وكلام منثور جيد، وتمكن

стр. 1363

في الحصون وانقادت إليه الطائفة الإسماعيلية ما لم ينقادوا إلى غيره. ويقضي مذهبهم على ما قال هوار في المعلمة الإسلامية بأن الله لا صفات له ولا تدركه العقول ولا تفهمه الألباب ولم يخلق العالم نباشرة، بل تجلت إرادته في أمره وهو العقل العام وفيه تختفي جميع الخصائص الإلهية وهو الله المتجلي. وإذ كان لا يصلي لكائن لا يدرك فإن الصلاة تتجه نحو صورتها الخارجية وهي العقل الذي هو حقيقة معبود الإسماعيلية. فكما أنه لا سبيل إلى معرفة الله بل يعرف العقل فقط فهذا العقل يطلق عليه أسماء الحجاب والمكان والأزل والعقل والأول. والعقل يخلق الروح العام الذي هو الجوهر في الحياة، وإذ كانت حياة العقل بالعلم وهو ناقص من هذا النظر فيرمي بالضرورة إلى تحقيق الكمال. ومن هنا تنشأ حركة بمعنى آخر عن حركة أخرى تتولد منها. الروح تخرج المادة الأولى التي تتألف منها الأرض والكواكب وهي غير عاملة بل تتجلى في أشكال تنطوي فيها الأفكار على العقل. وهناك كائنان ضروريان وأصليان وهما الأمد والزمان. والكواكب والعناصر نتيجة لازمة من عمل هذه المخلوقات الخمسة مشتركة. ويفسر ظهور الإنسان بالضرورة التي يشعر بها الروح العلم في إحراز العلم الكامل حتى يرقى إلى طبيعة العقل العام ومتى جرى الوصول إلى هذه الغاية تبطل كل حركة. وللخلاص يجب على المرء تحصيل العلم الذي لا يتأنى أن يأتي إلا من تجسد العقل على هذه الأرض ويتجسد ذلك في الرسول وخلفائه والأئمة. ويسمى الذي يتجلى قيه الكلام الموحى، والثاني هو ترجمان هذا الكلام بما يحوى من المعاني التي تؤول. والمبادئ الثلاثة الأخيرة هي الإمام والحجة، الذي يبرهن على رسالة الإسالة الأساس، والداعية. وكان محمد الناطق وعلي الأساس. والذين يرخص لهم بالاطلاع على أسرار الدين هم طبقات كانوا أولاً سبعة ثم صاروا تسعة. ويبدأ الداعية مع من يريد تلقينه أسرار الدعوة بأن يضع له مشكلات في صعوبة فهم الشريعة وهي الطريقة يجرى عليها الباطنية عامة، ولا يوال به حتى يذكر له أن هذه المشاكل قد حلت على أيسر

стр. 1364

وجه بتأويل القرآن ومعرفة رموزه. وللحساب المستخرج من قيمة الحروف العددية شأن كبير. ومتى اقتنع المدعو بقوة البراهين التي أوردها له الداعية يستحلفه بأن لا يبوح بأدنى سر من الأسرار التي سيفضي بها غليه، ويعلمه بأن الواسطة للنجاة أن يخضع خضوعاً أعمى لأوامر الإمام الروحية والزمنية. وجمهور المؤمنين بهذه الدعوة ما كانوا يقفون على أكثر من الدرجة الأولى أو الثانية من الأسرار، والدعاة يصلون إلى الدرجة السادسة إلا قليلاً. ولا يبلغ الدرجة العالية غلا بعض الممتازين. وهذا أسبه بتعاليم الشيعة والمتصوفة في تعيين درجة الإنسان الكامل. والجنة معناها مجازاً حالة النفس الواصلة إلى كامل العلم، وجهنم معناها الجهل، وما من نفس يحكم عليها بالخلود في جهنم على الأبد، بل تعود إلى الأرض بالتناسخ حتى تعرف إمام الزمان وتأخذ عنه علوم الدين. والشر لا بقاء له ولا بد ما اشتهر عن الإسماعيلية من القتل يجب أن نذهب إلى أن ما اجترحوه لم ينشأ عن عقيدة لهم بل يجب أن ينظر فيه إلى الإفراط الذي عرف به رؤساؤهم في نيل السلطة السياسية. وقال رسو من السياح: إن من عرفهم من الإسماعيلية هم على جانب عظيم من الكرم ولطف الأخلاق، وقلما يحبون التنقل ويعملون في أرضهم ويتمسكون بأهداب دينهم الذي يخالف مذهبهم القديم كل المخالفة، وهم أشداء الحاجة خاضعون لزعمائهم. انتهى قول هوار. ولم يعرف الزمن الذي نزل فيه الإسماعيلية بعض لأرجاء الشام إذ لم يجر لهم ذكر قبل أوائل القرن الخامس للهجرة. وكان الحكيم المنجم وأبو طاهر الصائغ وهما من دعاة الإسماعيلية وأمثالهما من العجم أول من أظهر هذا المذهب بالشام في أيام الملك رضوان بن تتش السلجوقي صاحب حلب الذي أغضى عنهم وأراد اتخاذهم حزباً له فقيل دعوتهم على ما قبل، واستمالوا إليهم خلقاً كثيراً بسمين والجوز له فقيل دعوتهم على ما قيل، واستمالوا إليهم خلقاً كثيراً بسمين والجوز وجبل السماق وبني عليم وجعل لهم في حلب دار دعوة. ولم يلبثوا أن اغتالوا قي جامع حمص ٤٩٦ عمه جناح الدولة وصاحب حمص، تولى ذلك ثلاثة من العجم يلبسون لباس الصوفية

стр. 1365

بينما كان يتهيأ لغزوة صنجيل أمير طرابلس من الصليبيين لرفع الحصار عن حصن الأكراد. ولم يلبث هذا الطبيب المنجم أن قضى نحبه عاهداً بالدعوة إلى رفيقه أبي طاهر الصائغ. استولى الإسماعيلية على أفامية من الصليبيين ثم استرجعها هؤلاء منهم ٤٩٨ ووضع السيف في الإسماعيلية بحلب سنة ٥٠٧ و٥٠٨ كما وضع فيهم في دمشق سنة ٥٢٢ خطط الشام ج١ وج٢ وكذلك كان حالهم في الباب من عمل حلب. قال ابن جبير: فداخلت أهل البلاد الحمية فتجمعوا من كل أوب عليهم ووضعوا السيوف فيهم فاستأصلوهم عن آخرهم. وقال: إن الإسماعيلية يبذلون الأنفس دون أمامهم سنان وحصلوا من طاعته وامتثال أمره بحيث يأمر أحدهم بالتردي من شاهقة جبل فيتردى. وفي تلك السنة أيضاً قتلوا برق بن جندل أحد مقدمي وادي التيم. وفي سنة ٥٧١ حاول أحد الإسماعيلية من العجم اغتيال السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب فأنجاه الله وأغضى الطرف عنهم وفي سنة ٥٨٨ قتل الإسماعيلية كونراد أمير صور. وبعد مدة قتلوا ريموند بن بويمند الرابع المعروف بالأعور أمير إنطاكية من الصليبيين قتلوه في الكنيسة. وفتح الظاهر بيبرس والتتار قلاعهم وخضعوا بعد ذلك لمماليك مصر. وكان للإسماعيلية في بلاد العجم وقائع عظيمة وهم الذين قتلوا الوزير نظام الملك في بغداد وغيره من رجال الإسلام حتى ضاقت بهم الصدور. وقد سموا أوائل دخول الصليبيين إلى الشام بالحشاشين أو القتلة لأن رؤساءهم كانوا فيما قيل يعطون الحشيشة لمن يريدونه على قتل أحد خصومهم السياسيين. وكان الصليبيون يطلقون على رئيسهم شيخ الجبل. وقد نالوا من الصليبيين كثيراً كما نالوا من أمراء المسلمين وهم جمعية سياسية ترمي إلى إقامة مُلك. وما كان هذا القتل منهم عن باعث مذهبي بل سياسي. على أنهم أخافوا رجال السياسة في هذه الديار وهي في أشد أوقات ضيقها زمن الحروب الصليبية وحروب التتار. ويبلغ عدد الإسماعيلية اليوم في الشام نحو خمسة وثلاثين ألفاً منهم جماعة في سليمة وفي قلاع الدعوة في جبل النصيرية. ومن الإسماعيلية عشرات ألوف في العجم والهند والأفغان وعُمان ومسقط وزنجبار وإفريقية الشرقية. وإسماعيلية هذه الديار يجبون

стр. 1366

الزكاة كل سنة ويرسلونها إلى أمامهم أغا خان في الهند أما، سائر الإسماعيلية فليسوا مرتبطين به. وقد ذكر بعض أعيانهم أن الإسماعيلية اليوم يقولون: إن كل زمن لا يخلو عن رجل من السلالة الطاهرة يسمونه إماماً واعتباره اعتبار علمي ديني خالٍ من كل غرض سياسي. النصيرية أو العلوية: قال القدماء: هم أتباع نصير غلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وهم يدعون ألوهية علي ﵁ مغالاةً فيه ويزعمون أن مسكنه السحاب وإذا مر بهم السحاب قالوا: السلام عليك يا أبا الحسن ويقولون: إن الرعد صوته والبرق ضحكه، وهم من أجل ذلك يعظمون السحاب، ويقولون: إن سلمان الفارسي رسوله، وإن كشف الحجاب عما يقوله من أي كتاب بغير إذن ضلال، ويحبون ابن ملجم قاتل علي ويقولون: إنه خلص اللاهوت من الناسوت ويخطئون من يلعنه. وإن لهم خطاباً بينهم من خاطبوه به لا يعود يرجع عنهم ولا يذيعه ولو ضرب عنقه. وهم يخفون مقالتهم من أذاعها فقد أخطأ عندهم. ولهم اعتقاد في تعظيم الخمر ويرون أنها من النور ولزمهم من ذلك أن عظموا شجرة العنب التي هي أصل الخمر حتى استعظموا قلعها. ويزعمون أن الصديق وأمير المؤمنين عمر وأمير المؤمنين عثمان تعدوا على علي ومنعوه حقه من الخلافة. وقال المحدثون منهم أنفسهم على ما ذكره صاحب تاريخ العلويين: إن النصيرية رجع لهم اسمهم القديم بعد انتهاء الحرب العامة ١٩١٨م وسميت العلوية وكانت محرومته مدة ٤١٢ سنة أي من قتال الاتراك للعلويين وإن اسم العلويين الذي كان يطلق على طائفتهم دثر عدة قرون وسمى الموجودون باسم الجبل ويظن بعضهم أن اسم النصيرية هو نسبة للسيد أبي شعيب محمد بن نصير البصري النميري مع أن الأصح هو لأنه تغلب اسم

стр. 1367

الجبل إليهم وأصبحت كلمة النصيري أشنع كلمات التحقير. وقال: إن قوله تعالى (اليوم أكملت لكم دينكم)، معناه كمال الدين وكمال الدين هو ولاية علي، وهذه هي الحكمة المقصودة من نزول القرآن بالتدريج. ويقول العلويون: إنه لما أعلن كمال الإسلام كان لا يزال بعض العقائد مكتوما وخفيا، ولذلك بقي إلى هذا اليوم مكتوما بخصوصيته، وبتعبير أصح إن بقاء عقيدة العلويين مكتومة هو من كمال الإسلام وإعلانها مضر به لأن الرسول ﷺ بشر المؤمنين بولاية علي وبذلك كمل الإسلام، ولكنه بقي حريصا على كتمان البقية ولذلك كان كتمان البقية من كمال الإسلام أيضا. وهذا هو تعليل تكتم العلويين في عقيدتهم. وهم يقولون أيضا: إن بني هاشم كانوا يعرفون في زمن النبي أحكاما ما كان يعرفها الأمويون، وإن أهل البيت تعلموا علوما لم يسمعها غيرهم. وهنا مبدأ أسرار العلويين. ومن جملة أسباب تكتم العلويين أن بيعة غدير خم لم تكن إلا إفشاء لبعض حقوق أهل البيت والأمر بأتباعها واحترامها. وقال: إن السلطان سليما العثماني لما فتح الشام استدعى عشائر تركية من الأناضول إلى خراسان وقدرها تسعون ألف خيمة أي أكثر من نصف مليون تقريبا وأسكنهم في القلاع في جبال النصيرية والمواقع الغنية المرتفعة منه، ولم يمض أكثر من خمسين عاما حتى انقرض الأتراك في المنطقة الضيقة التي لم تكن حاصلاتها تكفي سكانها الأصليين، ولم يبق من الأتراك سوى خمسة عشر ألفا وهم اليوم في الباير والبوجاق وقليل منهم في الساحل، حافظوا على جنسيتهم ولسانهم، ومن نزل منهم أرجاء حماة وحمص تغلبت عليه العربية. وليس بين العلويين اختلاف في المذهب بل تفرقوا عشائر وأفخاذا فمنهم الكلبية وهي من أكبر العشائر والنواصر والجهينية والقراحلة والجلقية والرشاونة والشلاهمة والرسالنة والجردية والخياطية والبساترة والعبدية والبراعنة والفقاروة والعمامرة والحدادية وبنو علي والبشالوة والياشوطية والعتارية والمتاورة والحلبية والخرزجية والسوارخة والنيلاتية والسرانبة والصوارمة والمهالبة والدراوسة والمحارزة والبشارغة والجواهرة والسواحلية والإنطاكيون

стр. 1368

والأطنويون. والنسبة في هذه الأسماء إما إلى أشخاص منهم معروفين عندهم أو إلى قرى ومدن معروفة في أراضيهم وغيرها. وقال أيضاً: ليس للعلويين ديانة خاصة أو مذهب خاص كما يظن بعضهم، بل إن العلويين مسلمون شيعيون جعفريون، لا تفرق بينهم وبين سائر الجعفرية قيود دينية أو اجتهادات علمية، ويعتقدون أن الأئمة الاثني عشر هم معصومون من الخطايا، وإن أقوال الأئمة دلائل قطعية، ولا يمكن أن يخالف الإمام القرآن والأحاديث ولا يحق لأحد أن يؤول القرآن، ولا أن يفرق بين محكمه ومتشابهه سوى أهل البيت، ولا تنفع عند العلوي القواعد الصرفية والنحوية أو الأصولية في استخراج الأحكام الشرعية، بل كل ذلك من جملة حقوق أهل البيت. وإن العلويين يمتازون على بقية الجعفرية أي الاثني عشرية بانتسابهم في الآداب الدينية إلى الطريقة الحنبلانية، وهذا الانتساب هو الذي أدى إلى افتراقهم عن بقية الاثني عشرية. ويرى المؤلف أن يتحد العلويين والشيعة المتأولة والإسماعيلية، وليس بين هؤلاء وبين العلويين سوى الافتراق الخاص في اعتبار الأئمة بعد جعفر الصادق. وقد سألنا الأستاذ سليمان أحمد من علمائهم فأجاب معتذراً عن التوسع في وصف مذهبهم وختم بقوله: أمة توالت عليها النوائب السياسية والاجتماعية خمسة أجيال فأخملتها أي إخمال، وانزوى علماؤها وصلحاؤها وعاث الجهل في عشائر فساداً، ليس من السهل الكتابة عنها، وليس بالهين ضلال التاريخ، وقل من جرى في ميدانه فلم يعثر. لا فرق بينهم وبين الإمامية إلا ما أوجبته السياسة والبيئة وعادات العشائر التي توارثها سكان الشام، أكثر الناس اختلافاً، وأقلهم ائتلافاً، إذ شيخ مذهبهم الذي ينتمون إليه الخصيبي من رجال الإمامية تقرأ ما له وما عليه في كتب الرجال. إنما لهم طريقة كالنقشبندية والرفاعية وغيراهما من طرق الصوفية بالنسبة إلى أهل السنة. وهذا مصدر التقولات الباطلة عليهم، وما أُبرّئ جهلتهم من كل ما يقال، ولكن أشهد بالغرض والتغريض على غالب المؤرخين الذين كتبوا عنهم اه. ويسكن النصيرية أو العلويون اليوم في جبال اللاذقية وطرابلس وحماة

стр. 1369

ومنهم فئة قليلة في دمشق وصالحيتها وفي قرى عين فيت وزعورا وغجر في الحولة، وعدد العلويين اليوم أكثر من مائتي ألف. وقد استعملوا العنف معهم في أكثر الأدوار السالفة فنفروا وقد كان الظاهر بيبرس في القرن السابع أمر أن تبنى لهم جوامع في قراهم فبنوا في كل قرية جامعاً وما كانوا يدخلونها على عهد ابن بطوطة في القرن التاسع، بل كانت حظائر للغنم وإصطبلات للدواب، وأمر السلطان قلاوون أيضاً أن يبنى جامع في كل قرية من قرى النصيرية، وهكذا فعل عبد الحميد الثاني من العثمانيين فبنى لهم جوامع لم يلبثوا أن خربوها وأهانوها. وشأن العلويين شأن سائر الطوائف الإسلامية الصغرى كلما زادوا علماً وتربية رجعوا إلى الأصول الصحيحة. وفيهم كرم وشمم وشجاعة ومكارم أخلاق. الدروز: لما طمع الحاكم بأمر الله الفاطمي سادس خلفاء الفاطميين أو العبيديين بمصر في دعوى الربيوبية، أخذ يمهد لذلك المقدمات ولقب نفسه الحاكم بأمره وأمر الخطباء بأن يقرءوا بدل البسملة بسم الله الحاكم المحيي المميت وفي رواية أنهم كتبوا باسم الحاكم الله الرحمن الرحيم. فلما أنكروا عليهم كتبوا بسم الله الحاكم الرحمن الرحيم فجعلوا في الأول الله صفة للحاكم وجعلوا في الثاني العكس. وأنشأ يدعي علم المغيبات، وكان من دعاته رجلان عجميان من دعاة الباطنية يقال لأحدهما محمد بن إسماعيل الدرزي المعروف بنشتكين، وللآخر حمزة بن علي بن أحمد وهذا من أعظم دعاة الحاكم، كان يؤثره على جميع عشيرته، وكان صاحب الرسائل والمكاتبات عنده. وصنف الدرزي كتاباً كتب فيه أن روح آدم انتقلت إلى علي بن أبي طالب ومنه إلى أسلاف الحاكم متقمصة من واحد إلى آخر حتى انتهت إلى الحاكم بأمر الله. وقرئ هذا الكتاب في الجامع الأزهر بالقاهرة، فهجم الناس على مؤلفه ليقتلوه ففر منهم، وحدث شغب عظيم في القاهرة وقتلوا

стр. 1370

كثيرين من أصحابه. وكانت بلغت جريدة أسمائهم ستة عشر ألفاً. ولم يسمع الحاكم بأمر الله بعد أن وقع ما وقع إلا أن ينبعث إلى الدرزي في السر مالاً وأوعز إليه أن يخرج إلى الشام وينشر فيها الدعوة، فنزل وادي تيم الله بن ثعلبة غربي دمشق، وقرأ الكتاب على أهله واستمال همك إلى الحاكم، وأعطاهم المال فكثر مشايعوه وأنصاره. وكان الأمراء التنوخيون سكان لبنان على استعداد لقبول دعوة الدرزي فانقادوا إليه فسمي جماعته بالدروز. والدروز ينكرون هذه التسمية ويحبون أن يدعوا بالموحدين، وكان يسميهم أصحابهم بالأعراف. وغلب عليهم في حوران في العهد الأخير لقب آل معروف دعوا به تحبباً. وهذا كان من شعار لانقسام هذه الطائفة إلى أصلين من أمهات أصول العرب في هذا القطر وهما القيسية واليمنية. ولما نشأ الدروز يبثون دعوتهم بين المسلمين غزوا في عقر دارهم وفي وادي التيم نحو سنة ٤١٠ على الأرجح وغزوا في جبل السماق من أرجاء حلب لما هاجروا بمذهبهم أيضاً وخربوا ما عندهم من المساجد فقتل دعاتهم وأعيانهم سنة ٤٢٣ خطط الشام م١. ووقع خلاف بين الداعية الأول محمد بن إسماعيل الدرزي والداعية الثاني حمزة بن علي بن أحمد، فكتب التقدم لهذا ومات الدرزي سنة ٤١١ فقام بالدعوة حمزة واصبح القوم يدرسون ويلقبونه بهادي المستجيبين وحجة القائم وغير ذلك. ولما هلك الحاكم كتب حمزة الرسالة المسماة بالسجل المعلق وعلقها على أبواب الجامع وفيها يقول: إن الحاكم اختفى امتحاناً لإيمان المؤمنين، وشرع حمزة يزرع في القلوب بذر الاعتقاد بألوهية الحاكم وتوحيده وعبادته، ويجتمع هو واتباعه في المعبد السري، حتى ثار عليهم المسلمون وطردوهم ففروا من مصر إلى الشام. قال سليم البخاري: إن الدروز يخالفون في عقائدهم عقائد الفرق من أرباب الديانات يتظاهرون بالتبعية لمن يكونون تبعاً له، وأما في الباطن فإنهم ينكرون الأنبياء ﵈ وينسبونهم إلى الجهل وأنهم كانوا يشيرون إلى توحيد العدم وما عرفوا المولى، ويشنعون بالطعن على جميع أرباب الديانات من المسلمين والنصارى واليهود، والديانة الحقة عندهم هي توحيد الحاكم،
следующие страницы →