Полный текст (1 453 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
حمص وقنسرين وحلب وديار مضر من الجزيرة وسار إلى بالس ونهبها، وكاتب ابن طولون الخليفة المعتمد في المصير إليه، فمنعه الموفق واشتد الخلاف بين الموفق ولي عهد الخلافة وبين ابن طولون، فخلع ابن طولون الموفق من ولاية العهد في مدينة دمشق وأقبل يلعنه على منابر مصر والشام والموفق يلعنه على منابر العراق وما إليها، وابن طولون يوهم أنه ينصر الخليفة.
وفي سنة ٢٦٩ غزا الصائفة من ناحية الثغور الشامية خلف الفرغاني عامل ابن طولون، فقتل من الروم بضعة عشر ألفاً وغنم الناس. وبلغ ابن طولون قدوم عرب من الحجاز إلى حوران، فأرسل إلى صحراء أذرعات نحو خمسين ألفاً فتلقاهم الأمير عامر الملقب بالأذرعي بخمسة عشر ألفاً فكسرهم. والأمير عامر هو من نسل الحارث بن هشام المخزومي، الذي أرسله الخليفة الثاني إلى الشام مع أبي عبيدة بن الجراح أميراً على بني مخزوم فسكن ولده حوران وتولوا الأعمال للأمويين، ثم للعباسيين وسموا ببني شهاب نسبة للأمير شهاب المخزومي والي حوران المتوفي سنة ١٧٣.
عهد أبي الجيش خمارويه وجيشه:
خلف أحمد بن طولون ابنه أبو الجيش خمارويه، وكان على قدم أبيه في الاستكثار من العَدد والعُدد وترتيب الرواتب الدارة والمشاهرات والجرايات لجيشه وغيره.
وقد بلغ جيشه في الشام ومصر نحو أربعمائة ألف فارس على ما روى بعض أصحاب السير، وهو عدد مبالغ فيه كثيراً والغالب أن جيشه لم يتجاوز المائة ألف، ولا شك أن مثل هذا الجيش، وما يلحقه من الرجالة والمتطوعة تفتح به ممالك الخلافة العباسية كلها. وربما كان جيشه وجيش أبيه من قبله أول جيش جعل على الدوام تحت السلاح.
ولما بايع الجند أبا الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون بعد وفاة أبيه، أمر بقتل أخيه العباس لامتناعه عن مبايعته، وعقد لأبي عبد الله أحمد الواسطي على جيش الشام، وعقد لسعد الأعسر على جيش آخر، وبعث بمراكب
стр. 177
في البحر لتقيم على السواحل الشامية، فنزل الواسطي فلسطين وهو خائف من خمارويه أن يوقع به لأنه كان أشار عليه بقتل أخيه العباس، فكتب إلى أبي أحمد الموفق يصغر أمر خمارويه ويحرضه على المسير إليه، فأقبل من بغداد وانضم إليه إسحاق بن كنداج ومحمد بن أبي الساج، ونزل الرقة فتسلم قنسرين والعواصم وسار إلى شيزر، فقاتل أصحاب خمارويه وهزمهم ودخل دمشق، فخرج خمارويه في جيش عظيم، فالتقى وأحمد ابن الموفق بنهر أبي فُطرس واقتتلا، فانهزم أصحاب خمارويه وكان في سبعين ألفاً وابن الموفق في نحو أربعة آلاف، واحتوى على عسكر خمارويه بما فيه ومضى خمارويه إلى الفسطاط، وأقبل كمين له، عليه سعد الأعسر، ولم يعلم بهزيمة خمارويه فحارب ابن الموفق حتى أزاله عن المعسكر وهزمه اثني عشر ميلاً ومضى إلى دمشق فلم يفتح له، وسار سعد الأعسر والواسطي، فملكا دمشق، وخرج خمارويه من مصر فوصل إلى فلسطين، ثم عاد إلى مصر، ثم خرج سنة ٢٧٢ فقتل سعداً الأعسر ودخل دمشق.
قال ابن عساكر: وسعد الأعسر ويقال الأعسر التركي ولي إمرة دمشق من قبل أبي الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون ٢٧٢، ولما قتل في قصر نخلة فيما بين
الرملة وبيت المقدس اضطرب الناس بدمشق. وكان سعد الأعسر قد فتح طريق الشام للحاج، لأن الأعراب كانوا قد تغلبوا على الطريق قبل ولايته، وكان قد بطل الحج من طريق الشام قبل ثلاث سنين، فخرج سعد إلى الأعراب وواقعهم وقتل منهم خلقاً عظيماً وفتح الطريق للحاج، وكانت وقائعهم في المحل المعروف بالقسطل، فأحبه أهل دمشق، واغتموا لقتله، فصاح الناس بدمشق وضجوا في المسجد الأموي ودعوا على من قتله، وافتتن البلد حتى وافاهم أبو الجيش ابن خمارويه فمهد الأمور وبعث إلى طريق الحاج من أصلحها، وفرق في دمشق مالاً عظيماً على الفقراء والمساكين والمستورين وأهل العلم، ومال إليه أهل دمشق وأحبوه. ولما تغلب الأعراب على بعض النواحي وجه
стр. 178
إليهم طباره جي، فقتل منهم مقتلة عظيمة.
ثم سار أبو الجيش خمارويه لقتال ابن كنداج، ثم اصطلحا وتظاهرا وكاتب خمارويه أبا أحمد الموفق في الصلح فأجابه إلى ذلك، وكتب له كتاباً بولاية خمارويه وولده ثلاثين سنة على مصر والشامات، أي أنه ولاه من الفرات إلى برقة، فأمر خمارويه بالدعاء لأبي أحمد الموفق، وترك الدعاء عليه بعد أن كان خلعه أبوه من ولاية عهد الخلافة. ثم بلغ خمارويه مسير محمد بن أبي الساج إلى أعماله الشمالية، فخرج إليه ولقيه في ثنية العقاب من دمشق فانهزم أصحاب ابن أبي الساج وثبت هو، فحاربه حتى هزمه أقبح هزيمة، واستبيح عسكره قتلاً وأسراً، واتبعه جيش إلى الفرات. وفي ذلك يقول البحتري:
وقد تولت جيوش النصر منزلة ... على جيوش أبي الجيش بن طولونا
يوم الثنية إذ ثنى بكرته ... خمسين ألفاً رجالاً أو يزيدونا
عهد جيش بن خمارويه وظهور القرامطة الطولونية:
وفي أيام خمارويه بن طولون استقامت شؤون الديار المصرية، ومع أن أيام
المعتضد العباسي كانت أيام فتوق فقد حمدت سيرته. وليَ والدنيا خراب، والثغور مهملة، فقام قياماً مرضياً حتى عمرت مملكته، وكثرت الأموال، وضبطت الثغور، وكان قوي السياسة، شديداً على أهل الفساد، حاسماً لمواد أطماع عساكره عن أذى الرعية، محسناً إلى بني عمه من آل أبي طالب. وفي سنة ٢٨٢ ذُبح أبو الجيش خمارويه في دمشق على فراشه، ولما بلغ المعتضد ذلك قتل من خدمة الذين باشروا قتله نيفاً وعشرين خادماً. وكان مقتل خمارويه في قصره بسفح قاسيون، بعد أن فتح الشام كله، ولم يسع الخليفة إلا إقراره على عمله والاكتفاء بمال يحمل إليه في بغداد، وخلفه ابنه جيش بن خمارويه فخلعه طغج بن جف أمير دمشق سنة ٢٨٣ واختلف جيش جيشٍ عليه لتقريبه الأرذال وتهديده قواد أبيه، فثاروا عليه وقتلوه، ونهبوا داره ونهبوا مصر وأحرقوها، وأقعدوا هارون بن خمارويه في الولاية، وعصى هارون بن خمارويه على الخليفة، وبعد حروب
стр. 179
كثيرة عقد الصلح بين الخليفة العباسي وبين هارون سنة ٢٨٦، فبقيت حلب للخليفة وما زالت الدولة بالفعل بالشام ومصر لبني طولون وبالاسم لبني العباس حتى سنة ٢٩٢، وقد بعث المكتفي العباسي، مع محمد بن سليمان جيشاً فاستولى على دمشق، ثم سار إلى مصر وذبح بني طولون وهم عشرون إنساناً، ذبحهم بين يديه هم وقوادهم كما تذبح الشياه، وأشخص من أبقى عليه من آلهم وقوادهم إلى بغداد، فانقرضت بذلك الدولة الطولونية.
لا جرم أن روح الطولونيين هي روح العباسيين تطورت بتطور الأقطار التي استولوا عليها. وعلى كثرة ما بذل الطولونيون من أسباب التقرب من خلفاء بغداد لم يسكت العباسيون عنهم. تقربوا إليهم بالصهر والأموال والطاعة فلم يرضوا عنهم. ولما قوي جيش العباسيين قرضوهم وقتلوا قوادهم. وفي استيلاء الطولونيون على الشام شعرت الأمة أنها مستقلة عن العباسيين، وأن في
استطاعتها إذا جهزت لها جيشاً عظيماً كجيش أحمد ابن طولون وابنه خمارويه أن تستقل، لأن قوة بني العباس لم تعد كما كانت، بمعنى أن ابن طولون هتك ستر الخلافة، فطمع فيها عمال الأطراف. والدولة الطولونية دولة عمران، عمرت الأرجاء في أيامها، ورأت مصر والشام أنهما إذا ألفتا حكومة واحدة تصبحان دولة قوية يرهب بأسها. وقد أكثر الشعراء من رثاء الدولة الطولونية ومما قاله بعضهم:
فمن يبك شيئاً ضاع من بعد أهله ... لفقدهم فليبك حزناً على مصر
ليبك بني طولون إذ بان عصرهم ... فبورك من دهر وبورك من عصر
стр. 180
دور الدولة العباسية الأوسط
الإخشيدية والحمدانية والفاطمية ٢٩٢ - ٣٦٤
القرامطة والبوادي والخوارج:
اشتدت شوكة القرامطة ٢٨٩ في الشام جاءوها من المطرق، وهزموا جيش طغج بن جف أمير دمشق للأمويين بوادي القردان والأفاعي ثم حاصروا دمشق فاجتمعت عليهم العساكر وقتلوا مقدمهم يحيى المعروف بالشيخ فقام في القرامطة أخوه الحسين وتسمى بأحمد وأظهر شامة بوجهه زعم أنها آيته فسمي بصاحب الشامة، وكثر جمعه فصالحه أهل دمشق على مال دفعوه، وتقرمط أكثر من حولها من أهل الغوطة وغيرها وعاضدوه، ثم انصرف عن دمشق إلى حمص فغلب عليها وخطبوا له من منابرها وتسمى بالمهدي أمير المؤمنين، ثم سار إلى حماة والمعرة وغيرهما وقتل أهلها حتى الأطفال والنساء وأخذ سلمية بالأمان فبدأ بمن فيها من بني هاشم وكانوا جماعة فقتلهم أجمعين، ثم قتل البهائم وأباد أهل بعلبك، وعندها صحت
стр. 181
جماعة فقتلهم أجمعين، ثم قتل البهائم وأباد أهل بعلبك، وعندها صحت عزيمة الخليفة المكتفي فأرسل من العراق جيشاً، والى الطولونيين فأرسلوا من مصر جيشاً آخر فواقعوهم في كناكر وكوكب، فأصبح القرامطة بين جيشين جيش الطولونيين من أمامهم وجيش الخليفة من ورائهم. وكان من أمر جيش العراق أن وصل من طريق الموصل إلى وادي بطنان قرب حلب وفي جملة قواده أبو الأغر فنزع فيما ذكر جماعة من أصحابه ثيابهم، ودخلوا الوادي يتبردون بمائه، وكان يوماً شديد الحر، فبينما هم كذلك إذ وافى جيش القرمطي فكبسهم على تلك الحالة فقتل منهم خلقاً كثيراً، وانتهب العسكر وأفلت أبو الأغر في جماعة من أصحابه، فدخل حلب وأفلت معه مقدار ألف رجل، وكان في عشرة آلاف بين فارس وراجل، وكان قد ضمّ إليه جماعة ممن كان على باب السلطان من قواد
الفراغنة ورجالهم، فلم يفلت منهم إلا اليسير، ثم صار أصحاب القرمطي إلى باب حلب فحاربهم أبو الأغر ومن بقي معه من أصحابه وأهل البلد، فانصرفوا عنه بما أخذوا من عسكره من الكراع والسلاح والأموال والأمتعة، ومضى المكتفي بمن معه من الجيش حتى انتهى إلى الرقة فنزلها وسرّح الجيوش إلى القرمطي جيشا بعد جيش.
وفي سنة ٢٩٠ أيضا تحارب القرمطي صاحب الشامة وبدر مولى ابن طولون، فانهزم القرمطي وقتل من أصحابه خلق كثير ومضى من سلم منهم نحو البادية فوجه المكتفي في أثرهم الحسين بن حمدان وغيره من القواد.
وكان المكتفي عهد بإمارة الشام إلى أحمد بن كيغلغ سنة ٢٩١ وصار هذا إلى مصر لقتال الخليجي الثائر، فواقعه بالقرب من العريش فانهزم أقبح هزيمة فطمعت القرامطة في دمشق لغيبة ابن كيغلغ عنها، فنهبوا فيها وساعدهم أن بعض السكان دانوا بمذهبهم، ثم سار القرامطة إلى طبرية ٢٩٣ وقتلوا أكثر أهلها رجالا ونساء وأولادا. وقال المسعودي: إن القرمطي الذي خرج يكنى أبا غانم وقد خرج في جمع من كلب وقوي أمره وكثر أتباعه، فوجه الخليفة إلى القرامطة الحسين بن حمدان بن حمدون فحاربهم إلى أن ظفر بهم وأحضر رأس صاحبهم إلى بغداد، وكان القرمطي في طريقه إلى طبرية مر بمدينتي بصرى وأذرعات
стр. 182
فحارب أهلها ثم أمنهم، فلما استسلموا له قتل مقاتلهم وسبى ذراريهم واستاق أموالهم، ثم نهض إلى دمشق فخرج إليه من كان بقي بها مع صالح بن الفضل خليفة أحمد بم كيغلغ، فقتل صالحا وفض عسكره، ولم يطمع في دمشق إذ دافعهم أهلها عنها.
وبالحزم الذي أظهره المكتفي في قتال القرامطة بالشام وبالجيوش التي سرحها من بغداد وسرحت له من مصر اضمحل أمر الباطنية، ولم يبق لهم أمل في ملك، وانقض عنهم الأعراب والمتلصصة ومن قال بقولهم وشايعهم على قيام أمرهم:
ولولا الحزم لأوشكوا أن ينشئوا لهم ملكا بالشام، كما حاول الزنج في العراق أن ينشئوا لهم دولة لولا قيام الموفق ولي عهد الخلافة العباسية ذلك القيام المحمود في قمع شأفتهم. وكان ادعى القائمون بالقرمطة الشرف وأنهم يمتون بالقرابة إلى آل البيت. قال بعض المؤرخين: إن القرمطي في الشام المكنى أبا القاسم كان ينتمي إلى آل أبي طالب.
وفي سنة ٢٩١ سار نائب طرسوس المعروف بغلام زرافة نحو بلاد الروم ففتح مدينة إنطاكية وقتل خمسة آلاف وأسر مثلهم واستنفد من الأسارى خمسة آلاف وأخذ لهم ستين مركبا فحمل فيها ما غنم من الأموال والمتاع والرقيق وقدر نصيب كل رجل ألف دينار فاستبشر المسلمون بذلك. عاث بنو تميم في أعمال حلب وأفسدوا إفسادا عظيما وحاصروا واليها زكا ابن الأعور. فكتب المقتدر بالله إلى الحسين بن حمدان في إنجاد زكا بحلب، فكانت وقعة بين الحسين بن حمدان وأعراب كلب والنمر وأسد وغيرهم ٢٩٤ فاجتمعوا عليه وهزموه حتى بلغوا به باب حلب ثم أسر منهم وقتل. وفي سنة ٢٩٨ كان دخول الروم إلى ساحل الشام فافتتح صاحبهم حصن القبة بعد حروب طويلة وعدم مغيث يغيثهم من المسلمين وافتتح مدينة اللاذقية فسبى منها خلقا كثيرا.
ومن أهم الأحداث ما وقع من الهيج بدمشق في زمن وصيف البكتمري الذي ولي إمارة دمشق في أيام المقتدر بعد هلال بن بدر ٣١٦ وفي أيامه خلع المقتدر المرة الثانية ثم رجعت إليه الخلافة فطلب الأولياء من
стр. 183
البكتمري البيعة له بدمشق فامتنع عليهم، فركبوا إلى داره بالسلاح والنفاطات. وكانت دار الإمارة في تلك الأيام خارج لؤلؤة الصغيرة على نهر بانياس فأحرقوها وبقيت عرصته. وفي هذا الدور سار ٣١٩ طريف بن عبد الله السبكري الخادم والي حلب إلى بني القصيص التنوخيين وحاصرهم في حصونهم باللاذقية وغيرها فحاربوه حربا شديدة ثم نزلوا
على الأمان.
ومن أهم الكوائن في خاتمة القرن الثالث ظهور ابن الرضا وهو محسن ابن جعفر بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد في أعمال دمشق، وكانت له مع أبي العباس أحمد بن كيغلغ وقعة فقتل صبرا، وقيل قتل في المعركة وحمل رأسه إلى مدينة السلام فنصب على الجسر الجديد بالجانب الغربي ذكر ذلك المسعودي. ولو تم الأمر لابن الرضا لقامت دولته قبل دولة الفاطميين.
الدولة الإخشيدية:
ظن بنو العباس أنهم نجوا من ثائر يناصب دولتهم العداء في الشام ومصر يوم قضوا على أبناء طولون وقوادهم وقرضوا الدولة الطولونية آخر الدهر، وقتلوا ابن الرضا القائم بتأسيس دولة علوية جديدة، كما قتلوا القرمطي القائم بدعوة متدرعة بالعلوية، وقضوا على صاحب الزنج في البصرة، وما كانوا يظنون أن تظهر لهم في الحال دولة أخرى قامت على أنقاض الطولونية وإن لم تكن مثلها استعدادا وعدلا فليست دونها من أكثر الوجوه والاعتبارات. ظهرت لهم الدولة الإخشيدية أو دولة بني طغج. والإخشيد كلمة فارسية معناها ملك الملوك ومعنى طغج عبد الرحمن، ورأس هذه الدولة أبو بكر محمد بن طغج بن جف بن بلتكين بن فوري ابن خاقان. وكان جف جد الإخشيد قد سار من فرغانة إلى المعتصم العباسي، فأكرمه وأقام معه إلى أن توفي المعتصم، فصحب ابنه الواثق إلى أن توفي، ثم صحب أخاه المتوكل إلى أن توفي جف. ولما توفي ابن طولون صار طغج مع ابنه أبي الجيش فولاه دمشق وطبرية إلى أن
стр. 184
قتل أبو الجيش. ولما بويع هارون بن أبي الجيش، ولى طغج دمشق وطبرية، وتولى طغج قتال صاحب الخال القرمطي سنة تسعين ومائتين إلى أن ظفر به. وكان لطغج من الولد سبعة ذكور الإخشيد أحدهم.
ولم يزل طغج على دمشق وطبرية وابنه محمد المعروف بالإخشيد يخلفه على طبرية. وكان بطبرية أبو الطيب محمد بن أبي حمزة العلوي، وكان وجه طبرية شرفا وملكا وقوة وعفافا. فكتب الإخشيد إلى أبيه طغج يذكر له أنه ليس له أمر ولا نهي مع أبي الطيب العلوي، فكتب إليه أبوه: أعز نفسك. فأسرى محمد بن طغج على أبي الطيب في بستان له فقتله. ولم يزل طغج أيام أبي الجيش على دمشق وطبرية وأيام جيش وأيام هارون ابن أبي الجيش إلى أن قتل هارون وانقرضت الدولة الطولونية. فمات طغج في حبس العباس بن المحسن وزير العباسيين، ونجا من محبسه بعد مدة ابنه الإخشيد، وهرب إلى الشام قاصدا أحمد بن بسطام عاملها، وبقي معه يخدمه ثم تقلد ابن بسطام مصر فسار معه الإخشيد، وكان معه إلى أن توفي سنة سبع وتسعين ومائتين، فصار مع ابنه أبي القاسم علي وحضر الإخشيد مع تكين الخاص وقعة حسن فيها أثره، فولاه تكين عمَّان وجبل الشراة. واتفق له وهو على عمان والشراة في سنة ٣٠٦ أن حاج الشام، وفيهم جماعة من أهل العراق قعد له جمع من لخم وجذام فجمع عسكره ولقيهم ومعه أخوه علي بن طغج فهزمهم فصار له شأن في العراق وذاعت كفايته وأمانته.
وتقلد محمد بن طغج الملقب بالإخشيد مصر من جهة الراضي، وكان قبل ذلك تولى مدينة الرملة سنة ٣١٦ من جهة المقتدر وأقام بها إلى سنة ٣١٨ فوردت إليه كتب المقتدر بولايته دمشق فسار إليها وتولاها، وكان حينئذ المتولي على مصر أحمد بن كيغلغ، فلما تولى الراضي عزل أحمد بن كيغلغ وولى ابن طغج مصر وضم إليها البلاد الشامية، فاستقر ابن طغج بها سنة ٣٢٣ وما نشب - وهو يتولى أعمال المعاون في الشام علاوة على أعمال المعاون في مصر، وقلد بدراً الخرشني دمشق، وأحمد بن سعيد الكلابي شيخ قبيلة بني كلاب حلب، حتى كثر بذلك الكلابيون
стр. 185
وزاد نفوذهم - أن خلع طاعة الخليفة العباسي، فندب الخليفة محمد
بن رائق إلى الشام وأقطعه إياها على أن يستخلصها من الإخشيدية، فاستولى ابن رائق سنة ٣٢٨ عليها وطرد بدراً نائب الإخشيد وولي إمرة دمشق محمد بن يزداد الشهرزوري، فلم يزل عليها إلى أن قتل محمد بن رائق بالموصل ٣٣٠ فقدم الإخشيد محمد بن طغج فاستأمن إليه محمد بن يزداد فأقره على إمرة دمشق خلافة له. وبلغ ابن رائق العريش يريد مصر، فخرج إليه الإخشيد واقتتلا فانهزم ابن رائق إلى دمشق.
ثم جهز الإخشيد إلى ابن رائق جيشا مع أخيه واقتتلوا، فانهزم عسكر الإخشيد وقتل أخوه، فأرسل ابن رائق يعزي الإخشيد في أخيه ويقول له: إنه لم يقتل بأمري، وأرسل ولده مزاحم وقال له: إن أحببت فاقتل ولدي به. فخلع الإخشيد على مزاحم وأعاده إلى أبيه. فاستقرت مصر للإخشيد إلى حد رملة فلسطين، والشام لابن رائق من طبرية. وفي السنة التالية بعث الإخشيد من مصر قائده كافورا إلى الشام في جيش عظيم، فهزم عامل ابن رائق واستولى على حلب، وأفسد أصحابه في جميع النواحي وقطعت الأشجار التي كانت بظاهر حلب وكانت عظيمة جداً، ونزل عسكر الإخشيد على الناس بحلب وبالغوا في أذاهم.
وبعد سنة عقد الصلح بين الإخشيد وابن رائق، فاستأثر هذا بولاية حلب، وانفرد الإخشيد بدمشق يصادر أغنياءها ويستصفي أموالها، وكان ظالما مستبدا. وقد وجد بداره قبل مسيره عن مصر إلى الشام رقعة مكتوب عليها: قدرتم فأسأتم، وملكتم فبخلتم، ووسع عليكم فضيقتم، وأدرت عليكم الأرزاق، فقطعتم أرزاق العباد، واغتررتم بصفوا أيامكم، ولم تتفكروا في عواقبكم، واشتغلتم بالشهوات واغتنام اللذات، وتهاونتم بسهام الأسحار وهن صائبات، ولا سيما إن خرجت من قلوب قرحتموها، وأكباد أجعتموها، وأجساد أعريتموها، ولو تأملتم في هذا حق التأمل لانتبهتم، أو ما علمتم أن الدنيا لو بقيت للعاقل ما وصل إليها الجاهل، ولو دامت
لمن مضى ما نالها من بقي، فكفى بصحبة ملك يكون في زوال ملكه فرح للعالم، ومن المحال أن يموت المنتظرون كلهم حتى لا يبقى
стр. 186
منهم أحد، ويبقى المنتظر به، افعلوا ما شئتم فإنا صابرون، وجوروا فإنا بالله مستجيرون، وثقوا بقدرتكم وسلطانكم فإنا بالله واثقون، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
قالوا: وقد بقي الإخشيد بعد سماع هذه الرقعة في فكر، وسافر إلى دمشق فمات فيها سنة ٣٣٤ ولم تطل دولته غير سنتين، فهو في الحقيقة مؤسسها سنة ٣٢٣ وأيام حكمه من حيث المجموع كانت إحدى عشرة سنة سافر فيها خمس مرات من مصر إلى أعداء يقاتلهم. لما زحف عليه سيف الدولة بن حمدان فخف إليه واقتتلا بقنسرين ثم اصطلحا وتصاهرا وتقاربا.
وفي أواخر أيام الإخشيديين ٣٥٢ خرج في برية الشراة خارجي من بني سليم يسمى محمد بن أحمد السلمي، واجتمع إليه خلق كثير من العرب ومن غيرهم ومن أهل الطمع، وقوي أمره وكثر جمعه، فبلّغ كافور الإخشيد خبره وكان الشام يومئذ بيده، فأنفذ عسكراً خوفاً من حادث يحدث، وتقدم إلى أصحابه أن لا يبتدئوه بحرب ولا قتال، وطال مقامه وإياهم على تلك الحال، فأسرى إليه في بعض الليالي رجل من العرب يعرف بثمال الخفاجي من بني عقيل وأخذه أسيراً وحمله إلى مصر فشهر بها راكباً فيلاً، واعتقل مدة ثم عفي عنه وخلي سبيله.
ولما تفرد كافور بالأمر ٣٥٥ جعل الحسن بن عبيد الله بن طغج على الشام مستخلفاً من قبله، وكان في بيت المقدس وال يعرف بمحمد ابن إسماعيل الصنهاجي اضطهد بطريق القدس، وكان أبي مقابلته فهجم عليه الوالي في أشياعه وأحرق أبواب كنيسة القيامة، وسقطت قبتها، ونهبوا كنيسة صهيون وأحرقوها. قال ابن بطريق: وهدم اليهود وخربوا أكثر من المسلمين، ثم قتل البطريق ولما مات كافور ٣٥٦ ونصب مكانه أحمد بن علي الإخشيد، وكان عمره إحدى عشرة
سنة، على أن يخلفه ابن عم أبيه الحسن بن عبيد الله بن طغج وكان بالشام، فوقع الخلاف بين الإخشيدية، وصار كل واحد يتسمى بالأمير وكثر التحاسد، فكتب جماعة منهم إلى المعز الفاطمي صاحب المغرب يستدعون منه إنفاذ
стр. 187
جيشه إلى مصر ليتسلمها، وضمنوا له المعونة، وعلى هذا انتهت أيام الإخشيديين.
الدولة الحمدانية:
بعث الخليفة العباسي محمد بن رائق لينقذ الشام ومصر من الإخشيد محمد بن طغج، فلم يضرب ابن رائق ابن طغج ضربة قاسية، واكتفى بأن ترك له مصر إلى الرملة، رملة فلسطين ٣٢٩ وقعد في القسم الأكبر من الشام - مقابل جزية سنوية قدرها مائة وأربعون ألف دينار - أميراً يحاول أن يقيم له فيه دولة، عصى بالشام فقام يناجزه ناصر الدولة ابن حمدان القتال، وكان هذا استأثر بالموصل والجزيرة، فقتل ابن رائق ٣٣٠ وكتب بالأمر إلى الخليفة المتقي بالله، فحل ذلك من نفسه محلاً عظيماً، ولقبه ناصر الدولة ولقب شقيقه علياً سيف الدولة وهذا هو صاحب الدولة التي اشتهر أمرها في حلب وما إليها. وبنو حمدان بطن من بني تغلب بن وائل من العدنانية.
سار سيف الدولة ٣٣٣ إلى حلب فلقي فيها يأنس المؤنسي، ففارقها يأنس، واستأمن إليه في قطعة من الجيش، فاستولى عليها سيف الدولة، وسار إلى دمشق وأقام الدعوة للمستكفي ولأخيه ولنفسه، فخلع المستكفي على سيف الدولة وعلى الإخشيد لأن هذا أقام الخطبة له بمصر وما تحت حكمه من الأصقاع. ولما بويع للمطيع بالخلافة سار مع الإخشيد وابن حمدان بسيرة المستكفي على قدم التوازن السياسي، فكتب إلى الإخشيد بالتقليد، فتكافأ الإخشيد وسيف الدولة، وهدأت الفتن واستقامت الطرق.
ولما بلغ الإخشيد أن سيف الدولة سار إلى حمص جرد عسكراً كبيراً وجعل عليه
أربعة قواد، فساروا إلى دمشق وعبوا عساكرهم، ثم ساروا إلى حمص، فالتقوا مع سيف الدولة بالرّستن من أرض حمص فهزمهم سيف الدولة، فعادوا إلى دمشق ثم خرجوا عنها يريدون الرملة، ثم قصدوا إلى مصر وسار سيف الدولة في إثرهم يريد دمشق، وكتب إلى
стр. 188
جماعة الأشراف والعلماء والأعيان والمستورين كتاباً قرىء على منبر جامعها وفيه:
وقد علمتم أسعدكم الله، تشاغلي بجهاد أعدائي وأعداء الله الكفرة، وسبيهم وقتلي فيهم، وأخذي أموالهم، وتخريبي ديارهم، وقد بلغكم خبر القوانين؟ في هذه السنة، وما أولانا الله وخولناه، وأظفرنا به، واستعملت فيهم السّنّة في قتال أهل الله فما أتبعت مدبراً، ولا ذففت على جريح، حتى سلم من قد رأيتم، وقد تقدمنا إلى وشاح بن تمام بصيانتكم وحفظكم، وحوط أموالكم، وفتح الدكاكين، وإقامة الأسواق، والتصرف في المعاش، إلى حين موافاتنا إن شاء الله.
كتب الرجحان لجيش سيف الدولة على جيش الإخشيدية، وسار كافور بعساكر مولاه إلى مصر، فأقام سيف الدولة بدمشق وجبى خراجها، وجعل يطالب أهلها بودائع الإخشيد وأسبابه، وكان أحداث دمشق قد نهبوها في يوم موت الإخشيد، وظن ابن حمدان أن الأمر تم له فجمع إلى ملكه في الجزيرة ملك الشام، وربما تطالّ بعد ذلك إلى مصر ولم يعرف ما خبأته له الأقدار حتى زحزحته عن ملك دمشق، واقتصرت دولته على حلب وما إليها. وذلك أنه اتفق أن كان يسير هو والشريف العقيقي بضواحي دمشق، فقال سيف الدولة: ما تصلح هذه الغوطة إلا لرجل واحد. فقال له العقيقي: هي لأقوام كثيرة فقال سيف الدولة: لئن أخذتها القوانين السلطانية ليتبرءوا منها.
فأعلم العقيقي أهل دمشق بذلك، فكاتبوا كافوراً يستدعونه من مصر، فجاءهم ومعه أنوجور بن الإخشيد فخرج سيف الدولة إلى اللّجون، وأقام أياماً قريباً من عسكر
الإخشيدية بقرية أكسال وكان في خمسين ألفاً، وتفرق عسكر سيف الدولة في الضياع لطلب العلوفة، فعلم به الإخشيدية فرجعوا، وركب سيف الدولة فرآهم زاحفين في تعبية، فعاد إلى عسكره فأخرجهم فنشبت الحرب فقتل من أصحابه خلق وأسر كذلك، وانهزم سيف الدولة إلى دمشق وسار من حيث لم يعلم أهل دمشق بالوقعة ٣٣٥ وجاء إلى حمص وجمع جمعاً لم يجتمع له قط مثله من بني عقيل وبني نمير وبني
стр. 189
كلب وبني كلاب، وخرج من حمص، وشخص عساكر الإخشيدية من دمشق، فالتقوا بمرج عذراء على ساعتين من دمشق، وكانت الوقعة أولاً لسيف الدولة ثم آخرها عليه، فانهزم وملكوا سواده، وتقطع أصحابه فهلكوا وتبعوه إلى حلب فعبر الرقة.
لم يستطع سيف الدولة بعد وقعة أكسال ومرج عذراء أن ينال من الإخشيدية، وبقيت لهم دمشق وما وراءها حتى مصر لأن أهل دمشق خافوا من مصادرات سيف الدولة، يوم طالبهم بودائع الإخشيد وأحب أن يملك غوطتهم، فقلبوا له ظهر المجن، ولم يغنه جيشه العظيم لانصراف القلوب عنه، فاقتضى له أن يقاتل جيشين: جيش الطامعين في تلك الديار وجيش البلاد نفسها، وظلت حلب لسيف الدولة لأنه لم يأت فيها باديء بدء ما أتاه من أفعال الظلم. وحلب أقرب إلى مهد عصبيته وهي الثغور الشامية والجزرية وديار مضر وديار بكر. واصطلح سيف الدولة والإخشيد وصاهره وتقرر لسيف الدولة حلب وحمص وإنطاكية، ومن الأحداث في هذه الحقبة أن شبيب بن جرير العقيلي تقلد عمان والبلقاء وما بينهما من البر والجبال - على عهد كافور فعلت منزلته واجتمعت إليه العرب وكثرت حوله وسولت له نفسه أخذ دمشق والعصيان بها، فسار إليها في نحو عشرة آلاف وقاتله أهلها وسلطانها واستأمن إليه جمهور الجند الذين كانوا بها وغلقت أبوابها، فنزل بعض أصحابه على الثلاثة الأبواب التي تلي المصلى يشغلهم بهم، ودار هو
حتى من الحميريين على القنوات حتى انتهى إلى باب الجابية وحال بين الوالي وبين المدينة ليأخذها فهلك وانهزم أصحابه لما رأوا مصرعه فخالفوا إلى الموضع الذي دخلوا منه فأرادوا الخروج منه فقتل أربعمائة فارس وبضعة عشر. وكانت علائق الإخشيديين كصلات الحمدانيين اسمية مع خلفاء بغداد، واشتهر الإخشيديون وهم عجم بشحهم، والحمدانيون العرب بكرمهم، وكان الإخشيديون من أهل السنة، والحمدانيون يرون رأي الشيعة.
стр. 190
مغازي سيف الدولة:
كان سيف الدولة يحمل بين جنبيه نفساً عظيمة، ولطالما حارب الروم وغزاهم، ومن الأحداث في أيامه إحراق حصن فامية سنة ٣٣٨ نازله الدوقس في ثلاثين ألفا وحاصره سبعة أشهر وأشرف على أخذه فدفعه عنه صمصامة والي دمشق فقتل الدوقس وقتل من عسكره أربعة عشر ألفا وأسر منهم خلق كثير وكسروا بعد أن ظهروا. ومنها أخذ سيف الدولة حصن برزويه من الأكراد بعد أن قاتلهم مدة. وفي السنة التالية خرج بسيل ملك الروم إلى الشام وفتح شيزر بالأمان لقلة رجالها. وفي سنة ٣٤٥ سار سيف الدولة إلى الروم فغنم وسبى وفتح عدة حصون ورجع إلى أذنة فأقام بها ثم ارتحل إلى حلب. ومن غزواته غزوة سنة ٣٤٩، أوغل في الروم وفتح حصوناً، فلما أراد الخروج من أرضهم أخذوا عليه الدرب الذي أراد الخروج منه، فقطعوا الأشجار وسدوا بها الطرق ودهدهوا الصخور في المضايق على جيشه، والروم وراء الناس مع الدمستق يقتلون ويأسرون. وكان مع سيف الدولة أربعمائة أسير من وجوه الروم فضرب أعناقهم، وعقر جماله وكثيراً من دوابه. وأحرق الثقل وقاتل قتال الموت ونجا في نفر يسير قيل في ثلاثمائة من غلمانه، واستباح الدمستق أكثر الجيش وأسر الأمراء والقضاة، ووصل سيف الدولة إلى حلب ولم يكد، وكان جيشه ثلاثين ألفا. وأرسل
الدمستق إلى سيف الدولة يطلب الهدنة فلم يجبه إليها مع ما حل به منه، ثم جهز سيف الدولة جيشاً فدخلوا بلد الروم من ناحية حران فغنموا وأسروا، وغزا أهل طرسوس أيضا في البر والبحر، ثم سار سيف الدولة من حلب إلى آمد ديار بكر فحارب الروم وخرب الضياع. قال مسكويه في وقعة ٣٤٩: وخرج أهل طرسوس من طريق آخر فسلموا، والسبب في سلامتهم ومصاب سيف الدولة، أن هذا الرجل كان معجباً، يحب أن يستبد برأيه، وألا تتحدث نفسان أنه عمل برأي غيره، وكان أشار عليه أهل طرسوس بأن يخرج معهم، لأنهم علموا أن الروم قد ملكوا عليه الدرب الذي يريد الخروج منه
стр. 191
وشحنوه بالرجال، فلم يقبل منهم ولجّ فأصيب المسلمون بأرواحهم، وأصيب هو بماله وسواده وغلمانه.
وأغار الروم مرة على أطراف الشام فسبوا وأسروا، فساق وراءهم سيف الدولة ولحقهم فقتل منهم مقتلة واسترد ما أخذوه. واستولى الروم سنة ٣٥١ على حلب دون قلعتها وعلى الحواضر، وحصروا المدينة وثلموا السور، وقاتل أهلها الروم أشد قتال فتأخر الروم إلى جبل جوشن، ثم وقع بين الحلبيين نهب فلم يبق على السور أحد، فهجم الروم على البلد وفتحوا أبوابه وأطلقوا السيف وسبوا بضعة عشر ألف صبي وصبية وغنموا كثيراً وأحرقوا ما بقي. وكان سيف الدولة غائباً وقاتل الدمستق عند عودته فقتل غالب أصحابه، وظفر الدمستق بدار سيف الدولة في الدارين من أرض حلب فأخذ منها ثلاثمائة وخمسين بدرة من الدنانير ما عدا السلاح والدواب. وكانت عدة عسكر الروم مائتي ألف رجل منهم ثلاثون ألفاً بالجواشن، وثلاثون ألفاً للهدم وإصلاح الطرق من الثلج، وأربعة آلاف بغل يحمل الحسك الحديد. وفي رواية أن جيش الروم كان ثمانين ألف فارس ما عدا السواد وهو كثير جداً، وأن سيف الدولة نادى في حلب من لحق بالأمير فله دينار، وأنه انهزم إلى ناحية بالس بعد أن قتل من جيشه من أهل حلب مدة ستة أيام جملة
كثيرة من الناس. قال الذهبي: وقتلوا الأسرى ثم عادوا إلى القلعة فإذا طلائع قد أقبلت نحو قنسرين، وكانت نجدة للروم، فتوهم الدمستق أنها نجدة لسيف الدولة فترحل خائفاً.
وفي سنة ٣٥٥ سار صاحب الروم إلى الشام فعاث وأفسد، وأقام به نحو خمسين يوماً فنزل على منبج وأحرق الرّبض وخرج إليه أهلها، فأقرهم ولم يؤذهم، ثم سار إلى وادي بطنان وسار سيف الدولة متأخراً إلى قنسرين، وقد ضيق رجاله والأعراب الخناق على الروم، وأخذت
стр. 192
الروم أربع ضياع بما حوت، فراسل سيف الدولة ملك الروم وبذل له مالاً يعطيه إياه في ثلاثة أقساط فقال: لا أجيبه إلا أن يعطيني نصف الشام، فإن طريقي إلى ناحية الموصل على الشام. فقال سيف الدولة: لا أعطيه حجراً واحداً. ثم جالت الروم بأعمال حلب، وتأخر سيف الدولة إلى ناحية شيزر، وأنكب العرب في الروم غير مرة وكسبوا كثيراً، ونزل عظيم الروم على إنطاكية يحاصرها ثمانية أيام ثم رحل عنها.
قل المنتقضون على سيف الدولة لبطشه، وممن خالفه بنو كلاب ٣٤٣ فحاربهم وكان اصطنعهم حتى استطالوا على العرب، وأوقع ببني عقيل وقشير وبني العجلان وبني كلاب حين عاثوا في عمله وخالفوا عليه. وهذه الغزوات تعد في باب المناوشات لا الحروب مثل غزوة سيف الدولة للمبرقع الذي دعا الناس إلى نفسه، والتفت عليه القبائل، وافتتح مدائن من أطراف الشام وأسر أبا وائل تغلب بن داود بن حمدان، وهو خليفة سيف الدولة على حمص، وألزمه شراء نفسه بعدد من الخيل وجملة من المال، فأسرى سيف الدولة من حلب حتى لحقه في اليوم الثالث بنواحي دمشق فأوقع به ووضع السيف في أصحابه فلم ينج إلا من سبق فرسه، وعاد سيف الدولة إلى حلب ومعه أبو وائل وبين يديه رأس الخارجي على رمح. وممن خالفه أهل إنطاكية سنة ٣٥٤ وعليهم رشيق النسيمي فسار إلى جهة
حلب وحاصر قلعتها ثلاثة أشهر وعشرة أيام، وقاتل قرعويه غلام سيف الدولة وعامله قتالاً شديداً، وكان هذا بميافارقين، فأرسل عسكراً مع خادمه بشارة فقتل رشيق وهرب أصحابه إلى إنطاكية، ولما عاد سيف الدولة اجتمع على حرب ابن الأهوازي والديلمي اللذين قاما مقام رشيق، فقتل هذا الثائران، وقتل من ولاتهما وقضاتهما وشيوخهما خلق.
وذهب قرعويه إلى إنطاكية فجرت بينه وبين الديلمي وقعة انهزم فيها قرعويه وعاد إلى حلب، وسار الديلمي في أثره إلى حلب، فلقيه أصحاب قرعويه ودفعوه إلى إنطاكية. قال ابن قاضي شهبة في حوادث سنة ٣٥٥: إن أهل إنطاكية خرجوا عن طاعة سيف الدولة لاشتغاله بنفسه، فتفرغ لهم وقاتلهم قتالاً شديداً ثم انتصر وأسر خلائق من أهلها، فصادر أعيانهم
стр. 193
وأخذوا خطوطهم بأموال عظيمة وقتل خلقاً منهم، حتى قيل: إنه قتل نحو خمسة آلاف رجل، وكتب إلى ولده أبي المعالي كتاباً يبشره بذلك وقال فيه: ما شاهدت عسكراً، على كثرة مشاهدي للحرب، استولى على جميع رؤسائه وأتباعه مثل هؤلاء، ولا غنم عسكر مثل ما غنم منهم.
وسار ملك الروم بجيوشه إلى الشام ٣٥٥ فعاث وأفسد، وقيل: إن أهل إنطاكية راسلوه وبذلوا له الطاعة وأن يحملوا إليه مالاً، وكان الذي حركه وأحنقه إحراق بيعة القدس، وكان البطريق كتب إلى كافور صاحب مصر يشكو قصور يده عن استيفاء حقوق البيعة، فجاءه من الناس ما لم يطق دفعه وقتل البطريق، وأحرقت البيعة وأخذوا زينتها، فراسل كافور ملك الروم بأن يرد البيعة إلى أفضل ما كانت فقال: بل أنا أعيدها بالسيف. فلما خرج ملك الروم أصعد سيف الدولة أهل المدينة إلى قلعة حلب، وانجفل الناس وعظم الخطب، وأخليت نصيبين، ونزل صاحب الروم على منبج وأحرق الربض، وخرج إليه أهلها فأقرهم ولم يؤذهم، وأنكت العرب في الروم غير مرة وكسبوا ما لا يوصف، وحاصر الروم إنطاكية ثمانية
أيام ليلاً ونهاراً، وبذل الأمان لأهلها فأبوا فقال: أنتم كاتبتموني ووعدتموني، فردوا عليه رداً قبيحاً وحاربوه أشد حرب.
محاسن سيف الدولة ومقابحه:
توفي سيف الدولة بن حمدان سنة ٣٥٦ بعد أن غزا الروم أربعين غزوة له وعليه، فحفظ بغزواته بيضة العرب والإسلام، ولولاه لتقدم الروم في الشام، وربما استصفوها كلها بعد ما ثبت من ضعف العباسيين. وكان جمع من نفض الغبار الذي يجتمع عليه في غزواته شيئاً وعمله لبنة بقدر الكف، وأوصى أن يوضع خده عليه في لحده فنفذت وصيته في ذلك. ترجمه الأزدي بقوله: كان معجباً برأيه، محباً للفخر والبذخ، مفرطاً في السخاء والكرم، شديد الاحتمال لمناظريه، والعجب بآرائه،
стр. 194
سعيداً مظفراً في حروبه، جائراً على رعيته، اشتد بكاء الناس عليه ومنه.
نعم كان سيف الدولة جائراً على رعيته يخرب قرية ليجيز شاعراً، ولما تربع في دست الملك بحلب استكثر من القصور له ولآله وقواده، وجعلها كحضرة بني العباس كعبة العلم والأدب، فوافاه الشعراء والعلماء من الأقطار، وكان كريماً مفضلاً خصوصاً على مداحه. ينفق نفقات طائلة على علماء بغداد ومهاداة وزرائها وأرباب النفوذ فيها، فكان حماته في دار الخلافة كثاراً استمال بهم الرأي العام البغدادي، فرضي الخلفاء ولم يخالفوه لأنه أبقى لهم الخطبة وإن ضرب السكة باسمه.
ولقد استحل سيف الدولة للقيام بهذه الأبهة الضخمة في مملكته الصغيرة مصادرة رعيته، فكان قاضيه أبو الحصين يقول: كل من هلك فلسيف الدولة ما ترك ولذلك كثرت مصادرة كل غني من التجار وغيرهم، فخربت الأصقاع الشمالية في أيامه. وذكر المؤرخون أن أبا الحصين الرقي قاضي حلب قتل في إحدى المعارك، فداسه سيف الدولة بحصانه وقال: لا رضي الله عنك فإنك كنت تفتح لي أبواب
الظلم. على أن هذا لا ينجي سيف الدولة من المؤاخذة لأنه كان يتيسر له صرفه عن القضاء، وليس أبو الحصين من أرباب العصبيات حتى يخافه. ومن كثرة مظالم سيف الدولة أن بني حبيب وهم أبناء عم بني حمدان، كانوا ينزلون نصيبين فأكبَّ عليهم بنو حمدان بصنوف الجور، حتى خرجوا بذررايهم في اثني عشر ألف فارس إلى الروم. وتنصروا بأجمعهم، ثم عادوا إلى بلاد الإسلام على بصيرة بمضاره، وعلم بأسباب فساده وقلوبهم تضطرم حقداً على ما قال ابن حوقل، وأخذوا يخربون القرى في الجزيرة والشام وأطمعوا صاحب الروم بإنطاكية وحلب.
وكانت لسيف الدولة طرق غريبة في الرحمة، من ذلك أنه سار مرة بالبطارقة الذين في أسره إلى الفداء، وكان في أسر الروم ابن عمه أبو فراس وجماعة من أكابر الحلبيين والحمصيين فأخذ بالفداء، ولما لم يبق معه من أسرى الروم أحد اشترى الباقين كل نفس باثنين وسبعين ديناراً حتى نفد ما عنده من المال، فاشترى الباقين ورهن عليهم بدنته درعه الجوهر المعدومة
стр. 195
المثل ثم لما لم يبق أحد من أسرى المسلمين كاتب نقفور ملك الروم على الصلح. قال ابن الوردي: وهذه من محاسن سيف الدولة. ومن حسناته أنه أنفق في سنة ٣٥٥ على فداء الأسرى خمسمائة ألف دينار، وكان ورث هذا المبلغ من أخته.
وذكر المؤرخون أنه كان يقف على مائدة سيف الدولة أربعة وعشرون طبيباً، لينصحوا له بتناول ما ينفع مزاجه، وأنه كان من أهل الأدب وغيرهم من يتناول رزقين وثلاثة. وفي باب كرمه وإسرافه غرائب، منها أنه أنفق تسعمائة ألف دينار في جهاز ابنته وعرسها، وضرب دنانير في كل دينار ثلاثون ديناراً وعشرون وعشرة. قال الأزدي: ويقال إنه جاد بما لم يجد به أحد. قالوا: إنه كان لا يملك نفسه، ويجود بكل ما لديه إذا قصده من يريد إكرامه، كل هذا على ما فيه من
المفاخر يحمل في مطاويه الظلم وإعنات الرعية. فسيف الدولة ممن خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً وحسناته أكثر.
ابتداء الدولة الفاطمية:
كان كافور آخر ملوك الإخشيديين مملوكاً حبشياً ذا عقل ودراية وحسن إدارة، استولى بالفعل على زمام الحكم في مصر والشام على عهد أبي القاسم أنوجور محمود وأبي الحسن علي، ولدي محمد بن طغج الإخشيدي رأس الدولة الإخشيدية، ثم تولاه مستقلاً بنفسه، وقام بالأمر بعده أبو الفوارس أحمد، بمعنى أن الدولة الإخشيدية امتدت أربعاً وثلاثين سنة من سنة ٣٢٣ إلى ٣٥٧ ولما آذنت شمسها بالأفول انتشرت الفوضى في المملكة، فرأى عقلاء مصر أنه لا ينجيها مما صارت إليه إلا إلقاؤها في أحضان دولة قوية فتية تنقذ الأمة من بلائها، وكان للقائم بالدولة الفاطمية أو العُبَيدية التي نشأت في المغرب وامتد سلطانها هوى في هبوط مصر ففاوضوه في أمرها، وكان حاول غير مرة أن يستولي عليها فرده عنها جيش بني العباس.
وبلغ المعز الفاطمي اختلاف الأهواء وتفرق الآراء، فجهز العسكر
стр. 196
إليها بإشارة المصريين، فهربت العساكر الإخشيدية من القائد جوهر الذي جاء مصر في مائة ألف محارب وألف وخمسمائة جمل تحمل الذهب والفضة، واتفق أن ورد القرامطة إلى دمشق، وأتوا عليها وعلى سائر أعمالها، وساروا إلى الرملة ولقيهم الحسن بن عبيد الله بن طغج، ووقع بينهم حرب عظيمة بظاهر الرملة في ذي الحجة سنة ٣٥٧، فانهزم ابن عبيد الله من الشام ودخل إلى مصر، فاستولت القرامطة على الرملة واستباحوها، فقاطعهم أهلها على مائة وخمسة وعشرين ألف دينار، شروا بها أنفسهم منهم وأخذوا من أعمالهم بشراً كثيراً. وإذ رأى الروم أن مصر قد عبثت بها الفوضى، وأن الشام في ضعف ووهن، أغاروا على الشام
٣٥٨ فقتلوا وسبوا في حمص والثغور وقتلوا خلائق وسبوا نحو مائة ألف إنسان، وخاف المسلمون، ولم يشكوا في أن الروم يملكون الشام ومصر والجزيرة وديار بكر لخلو الجميع عن المانع. فأقام جوهر الخطبة للمعز الفاطمي. قال المسبّحي: لما استقر المعز بمصر انفرد بها ولم يدخل تحت طاعة الخلفاء العباسية وادعى الخلافة لنفسه بمصر وقال: نحن أفضل من الخلفاء العباسية لأننا من ولد فاطمة بنت رسول الله. ولما استقرت قدم جوهر بمصر، سير جمعاً كثيراً مع جعفر بن فلاح إلى الشام فبلغ الرملة وبها الحسن بن عبيد الله بن طغج، وجرت بينهما حرب أُسر عقيبها ابن طغج واستولى جعفر على فلسطين، وجبى أموالها ثم سار إلى طبرية، فوجد أهلها قد أقاموا الدعوة للمعز قبل وصوله، فجهز منها من استمال من بني مرة وفزارة لحرب بني عقيل بحوران والبثنية وأردفهم بعسكر من أصحابه، فواقعوا بني عقيل وهزموهم إلى أرض حمص، وسار هو من طبرية إلى دمشق، فقاتله أهلها فظفر بهم وملكها بعد فتن وحروب ونهب بعضها وأحرق الآخر. وأقام الخطبة للمعز سنة ٣٥٩ وقطعت الخطبة العباسية، واستقرت دمشق للمعز الفاطمي. وأصبح بنو عبيد الفاطميون خلفاء مصر والشام والمغرب.
وكان رئيس الثورة بدمشق سيدها وصدرها في عصره أبو القاسم بن أبي يعلى الهاشمي العباسي. فأخذه جعفر بن فلاح وشدَّه على جمل،
стр. 197
وفوق رأسه قلنسوة، وفي لحيته ريش، وبيده قصبة وبعث به إلى مصر. وضرب الفاطميون على دمشق دية عم الناسَ البلاء في جبايتها، وتطلب حمال السلاح فظفر بقوم منهم، وضرب أعناقهم وصلب جثثهم، وعلق رؤوسهم على الأبواب.
وفي سنة ٣٦٠ أنفذ جعفر غلامه فتوحاً على عسكر إلى إنطاكية، وكان لها في أيدي الروم نحو من ثلاث سنين، وسير إلى أعمال دمشق وطبرية وفلسطين فجمع منها الرجال، وبعث عسكراً بعد عسكر إلى إنطاكية، وكان الوقت شتاء فنازلوها
حتى انصرم الشتاء وهم مُلِحُّون في القتال، فلم يظفر بطائل، وانهزم عسكره آخر الأمر وقتل منهم كثيرون. وبلغ جعفر بن فلاح مسير القرامطة إلى الشام وقد أمدّهم صاحب بغداد لقتال جيش الفاطميين فاستهان بهم وواقعهم. فانهزم منهم قرب دمشق وقتل في المعركة، وملك القرامطة دمشق وأمنوا أهلها ثم ساروا إلى الرملة فملكوها واجتمع إليهم كثير من الإخشيدية. قتل القرامطة جعفر بن فلاح مخافة أن يفوتهم حمل المال الذي كان تقرر بينهم وبين ابن طغج، وهو ثلاثمائة ألف دينار في السنة، وساروا يريدون الرملة، وعليها سعادة بن حيان فالتجأ إلى يافا، ونزل عليه القرمطي، وقد اجتمعت إليه عرب الشام فناصبها القتال حتى أكل أهل المدينة الميتة وهلك أكثرهم جوعاً، وسير جوهر من مصر نجدة إلى أصحابه المحصورين بيافا، ومعهم ميرة في خمسة عشر مركباً، فأرسل القرامطة مراكبهم إليها فأخذوا مراكب جوهر ولم ينج منها غير مركبين غنمتهما مراكب الروم.
اصطلح قرعوية ٣٦٠ مولى سيف الدولة بن حمدان متولي حلب وأبا المعالي شريف بن سيف الدولة، فخطب له قرعوية بحلب، وخطبا في معاملتيهما لإمام المعز الفاطمي بحلب وحمص. بمعنى أن بني حمدان وهم شيعة أسرعوا في نزع أيديهم من أيدي العباسيين، ووضعوا أيديهم في أيدي الفاطميين الشيعة، بيد أن الفاطميين لم يجدوا نصيراً قوياً في الشام، لأن السواد الأعظم من أهل السنة والجماعة كانوا يخالفونهم في مذهبهم، وقد بلغهم ما صارت إليه مصر من تغيير مذهب أهلها ومصطلحهم في
стр. 198
أذانهم وصلواتهم، فشق عليهم ذلك وعزموا أن يقفوا للفاطميين بالمرصاد. ومن ذلك ما وقع سنة ٣٦١ من التقاء سعد أمير عرب الشام بحسان بن جراح الطائي في عربه، واتفقا على أن ينزعا حكم مصر من الشام، وكان جيش المعز حارب عرب الشام في حوران حرباً دامية، فأرسل المعز إلى حسان ووعده بمائة ألف دينار إن خذل أمير الشام. ولما دارت الحرب بينهما
انهزم حسان بالعرب فضعف جانب سعد وقوي عليه المعز وكسره. وقطعت خطبة المعز من دمشق أيام القرامطة وبقيت إلى أن استردها سنة ٣٦٣ وأرسل المعز قائده ظالم بن موهوب والياً على دمشق فعظم أمره وكثرت جموعه ثم وقع بينه وبين أهلها فتن دامت إلى سنة ٣٦٤.
وتفصيل ذلك أن المعز سير القائد أبا محمود يتبع القرامطة فنزل بظاهر دمشق، وامتدت أيدي أصحابه بالعبث والفساد وقطع الطرق، فاضطرب الناس وخافوا، فوقعت فتنة عظيمة بين عسكره وبين العامة، وجرى بين الطائفتين قتال شديد وظالم بن موهوب مع العامة، فأحرق جانب من المدينة وهلك جماعة من الناس، وعادت الفتنة بعد أن اصطلح المتقاتلون إلى شدتها بينهما ٣٦٤ واتفقوا على إخراج ظالم من البلد، ووليه جيش بن الصمصامة، وعاد المغاربة أي جيش الفاطميين وعاثوا وأفسدوا فثار العامة وقاتلوهم، ثم زحف جيشه في العسكر إلى البلد وقاتله أهله فظفر بهم وهزمهم، وأحرق من المدينة ما كان سلم، ودام القتال بينهم أياماً، فاضطرب الأهلون وخافوا وخربت المنازل وانقطعت المواد، وانقطع الماء والميرة عن البلد، وهلك الفقراء على الطرقات جوعاً وبرداً، ووصل الخبر إلى المعز فأنكر ذلك واستبشعه، فأرسل إلى القائد ريان الخادم والي طرابلس يأمره بالسير إلى دمشق لمشاهدة حالها وكشف أُمور أهلها.
واتفق أن أفتكين غلام عضد الدولة انهزم في خلال هذه الأيام من المدائن فنزل على حمص في طائفة من الترك والأعراب، وكان الأحداث قد غلبوا على دمشق وليس للأعيان معهم حكم، فخرج أشرافها وشيوخها يظهرون السرور بمقدم أفتكين ويبايعونه على الطاعة لينقذهم من المصريين، فنزل على دمشق وأخذها من ريان الخادم. وأقام العدل في الناس وكفَّ
стр. 199
أيدي الأعراب الذين كانوا عاثوا في الأرض فساداَ، وأخذوا عامة المرج والغوطة، ودخل البلد وخطب للطائع العباسي، وأبان
في جميع مواقفه عن شجاعة وقوة نفس وحسن تدبير، فأذعنت له العرب، وأقطع الأرضين، وكثر جمعه، وتوفرت أمواله وثبتت قدمه، وكاتب المعز يداريه ويظهر له الانقياد.
стр. 200
دور الفاطميين
من سنة ٣٦٤ - ٣٩٤
الدول الثلاث وغزوات الروم:
تقلبت على الشام ثلاث دول في مُدَد متقاربة، وهي الإخشيدية والحمدانية والعبيدية. انبثقت الدولتان الأوليان من أصل الدولة العباسية، بمعنى أن الإخشيديين والحمدانيين كانوا كالطولونيين من عمال العباسيين، قوي أمرهم فاستبدوا بالشام. وأنشئوا لهم ملكاً لم يتعاقب فيهم عدة بطون وأجيال. أما دولة العبيديين فعلى خلاف هذا، كانت دولة شيعية قامت سنة ٢٩٦ بالمغرب، وأول من ولي منهم أبو محمد عبيد الله بن محمد بن عبد الله بن ميمون بن محمد بن إسماعيل بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃، دعا الدعاة أولاً بالمغرب إلى محمد والد المهدي عبيد الله وكان أولاً بسَلَمْيَة من الشام، ولما توفي أوصى إلى ابنه عبيد الله المهدي وأطلعه على حال الدعاة. وشاع ذلك في أيام المكتفي فطُلب فهرب عبيد الله وابنه أبو القاسم محمد الذي ولي بعد المهدي وتلقب بالقائم، وتوجها نحو المغرب ونزل تاهرت، وعظم شأنه في القبائل واستجابت لدعوته، وملك ومن بعده معظم شمالي إفريقية وجزائر البحر المتوسط مثل صقلّية وساردنية ومالطة وغيرها. والخليفة المعز الذي فتح مصر والشام هو رابع خلفائهم.
نشأت الدولة العبيدية أو الفاطمية أو العلوية كالدولتين الأموية والعباسية
стр. 201
بالشام، وقامت بالمغرب، ونمت في مصر، وماتت فيها. ولم تكن على نسبة تينك الدولتين بقوة سلطانها وتأثيراتها، ولذا ظلت دولة أخرى في أقصى الشام تقاسمها السلطة، وهي الدولة الحمدانية، اتفقت معها سياسةً اتفاقها معها مذهباً.
وفي سنة وفاة كافور ٣٥٧ جرت بين فنك بن عبد الله مولى كافور الإخشيدي،
وكان جهزه مولاه لأخذ دمشق ثانية، وبين أهل هذه المدينة مناوشة وقتال وإحراق ونهب، وبلغه خبر الروم وأخذهم حمص فنادى في دمشق بالنفير إلى ثنية العقاب بسبب الروم فخرج الناس إلى دومة وحرستا وانتهز الفرصة في خلو دمشق ورحل عنها وتوجه بأثقاله نحو عقبة دمر متوجهاَ إلى الساحل، فنهب أهل دمشق بعض أثقاله وقتلوا من بقي من رجاله.
لما هلك كافور وهلك سيف الدولة وتولى الفاطميون أمر مصر وفتحوا الشام بقي سعد الدولة ٣٥٦ ابن سيف الدولة في مملكة حلب، ولم يكن كأبيه عقلاً وتدبيراً فعصى عليه جند حلب سنة ٣٥٧، فنازلها وبقي القتال عليها مدة واستولى الرعيلي على إنطاكية، وجاءت الروم فنزلوا عليها وأخذوها وهرب الرعيلي من باب البحر هو وخمسة آلاف إنسان ناجين بأنفسهم من الروم، فأسر هؤلاء أهل إنطاكية وقتلوا أُناساً من أكابرها. وقال عظيم الروم لما ضيقوا عليه: أرحل وأخرب الشام كله وأعود إليكم من الساحل، ورحل في اليوم الثالث ونازل معرة مصرين، فأخذها وغدر بهم وأسر منهم أربعة آلاف ومائتي نسمة، ثم سار إلى عرقة فافتتحها، ثم سار إلى طرابلس فأخذ ربضها، وأقام في الشام أكثر من شهر ورجع فأرضاه أهل إنطاكية بمال عظيم. وأحرق حمص وقد أخلاها أهلها وملك ثمانية عشر منبراً، وعاد إلى بلاده بالأسرى والأموال.
وقال الإنطاكي: إن نقفور لما توجه إلى الشام، خافه سعد الدولة، فخرج عن حلب إلى بالس، واستخلف فيها قرعويه الحاجب، ونزل الملك على إنطاكية وأقام يومين ورحل في اليوم الثالث، ونزل على معرة مصرين وأمن أهلها من القتل، وكانت عدتهم ألفاً ومائتي نفس وسيرهم
стр. 202
إلى بلد الروم، وفتح معرة النعمان وحماة وحمص، وأخذ منها رأس القديس يوحنا المعمداني، ونزل على طرابلس، وأحرق ربضها وحاصر مدينة عرقة تسعة أيام، وكان لها حصن منيع ففتحه بالسيف
وأخذ منها خلقاً كانوا التجئوا إليه من الأقاليم المجاورة وأخذ منه مالاً كثيراً، وكان في الحصن أمير طرابلس أحمد بن تحرير الأرغلي، وكان أهل طرابلس قد طردوه لجوره، وكان مأسوراً ومعه مال جزيل، فأسره وأخذ جميع ماله، ورجع إلى بلدان الساحل فأتى عليها، وحصل في يده من السبي ما لا يحصى عدده، وفتح حصن انطرطوس ومرقبة وحصن جبلة، وصالح أصحاب اللاذقية عليها، وخرب كثيراً من القرى، وعبر بإنطاكية وميز السبي الذي معه وأعتق عليها من الشيوخ والعجائز زهاء ألف نفس، وبنى حصن بغراس مقابل إنطاكية في فم الدرب ورتب فيه رئيساً يقال له ميخائيل البرجي، ورسم لسائر أصحاب الأطراف طاعته ورتب معه ألف رجل ورجع إلى القسطنطينية.
وفي تاريخ العلويين أن اليهود كانوا يقطنون في القرن الرابع في أرجاء صهيون، وينزل النصارى في اللاذقية، والنصيريّة في الجبل، ولما استولت الروم على أرجاء اللاذقية في سنة ٣٥٧ شعر العلويون - أي النصيرية - بالتنظيمات الإدارية والعسكرية وأعلنوا الثورة على الروم وكان يرأسهم حسين ابن إسحاق الضلعيني العلوي ففاز واستقل باللاذقية سنة ٣٦٨، ثم حكم محمد بن إسحاق التنوخي ثم أخوه إبراهيم.
وفي سنة ٣٥٩ ملك الروم إنطاكية بالسيف، وقتلوا أهلها وسبوا وقصدوا حلب فتحصن قرعويه بالقلعة، وملكوا المدينة بعد حصارها ٢٧لا يوماً، ثم اصطلحوا على مال يحمله قرعويه كل سنة وقدره ثلاثة قناطير ذهب عن حق الأرض، وسبعة قناطير ذهب عن خراج حلب وقنسرين وحمص وحماة وجوسية وسلمية والمعرة وكَفْرطاب وأفامية وشيزر وجبل السماق ومعرة مصرين والأثارب وغيرها، وعن كل حالم دينار في السنة سوى ذوي العاهات، وأن يكون لملك الروم صاحب يقوم بحلب يستخرج أعشار الأمتعة الواردة إليها، فرحلت الروم
ومعهم الرهائن على ذلك،
стр. 203
وقد عقدوا هدنة مؤبدة وصارت الكور سائبة لا مانع للروم عنها، فطمع نقفور ملك الروم في ملك الشام جميعه، ولم يعترف سعد الدولة بالمعاهدة التي جرت بين قرعوية وبين الروم، وظل في معرة النعمان، فأخرب الروم حمص حتى يضطروه إلى الإذعان، ولكن جاءته نجدات فعمرها، وفي سنة ٣٦٣ سار أبو محمود بن جعفر بن فلاح إلى الشام، في عسكر يقال إنه عشرون ألفاً ودخل دمشق وتمكن بها، وغادر الروم أرض الشام سنة ٣٦٤ بعد أن فتحوا بعلبك وأخربوها وأخذوا جماعة من أهلها وصالحتهم صيدا وافتتحوا بيروت عنوة وسبوها ونهبوها، وجرى مثل ذلك على جبيل. وقاطعوا أهل دمشق على ستين ألف دينار يحملونها إليهم في كل عام، وكتبوا عليهم بذلك كتاباً وأخذوا فيه خطوط أشرافهم وأخذوا جماعة منهم رهينة وأنفذوا إليهم صليباً بالأمان فتلقوه بالإكرام. ثم انقطع حمل المال المفروض على الشام للروم، فأغضوا عن ذلك لاشتغالهم بالحرب في آسيا الصغرى.
وفي سنة ٣٦٥ وصل بارقطاش مولى سيف الدولة إلى شريف ابنه وهو بحماة من حصن برزويه وخدمه وعمر له حمص بعد خراب الروم، وتقوى بكجور مولى قرعويه ونائبه، وقبض على قرعويه بحلب وحبسه بالقلعة واستولى على حلب، فكاتب أهلها أبا المعالي شريفاً فجاءهم، وأنزل بكجور بالأمان وولاه حمص واستقر أبو المعالي بحلب. ومن الأحداث في هذا الزمن أن وشاح السلمي ولي إمارة دمشق من قبل الحسن بن أحمد القرمطي المعروف بالأعصم، وكان الوالي إذ ذاك بها صالح بن عمير العقيلي البدوي فخرج صالح عنها، فلما رجعت القرامطة إلى الأحساء رجع صالح بن عمير إلى دمشق وتعصب له أحداثها فأخرجوا وشاحاً عنها قهراً وسلموها إلى صالح ٣٦٨. ومنها أن بسيل الملك ردّ ولاية اللاذقية إلى كرمروك لشنه الغارة على طرابلس وما يليها وقتله وأسره من
أهلها ومن المغاربة خلقاً كثيراً. وورد عسكر المغاربة إلى عمل إنطاكية مع أمير لهم يعرف بالصنهاجي، فاستظهر عليه كرمروك وقتل جماعة من أهله، فسار نزال وابن شاكر من طرابلس إلى اللاذقية ٣٧٠ وحاصر حصنها
стр. 204
وسار الدمستق الدومستيقس إلى حلب ٣٧١ ووقع الحرب على باب اليهود في اليوم الثاني من نزوله. وطالب سعد الدولة بمال الهدنة على أن يحمل للروم في كل سنة أربعمائة ألف درهم فضة نقية صرف كل عشرين درهماً بدينار.
وخالف مفرج بن دغفل بن الجراح على العزيز بالله وجاهر بخلع الطاعة فسير إلى الشام رشيقاً العزيزي ٣٧١ فطرده عنها وهزمه. وسار ابن الجراح بعد هزيمته يريد الحجيج ليقطع عليهم الطريق عند رجوعهم، فأنفذ العزيز مفلح الوهباني في عسكر ليلقاهم ويدفع عنهم، فأوقع به ابن الجراح بأيلة وقتله وجميع من معه، وعاد الحجيج إلى مصر فعاود ابن الجراح الشام فلقيه رشيق الحمداني دفعة ثانية وهزمه ودخل إلى البرية والتجأ إلى بكجور في حمص فأجاره، وقصد إنطاكية ملتمساً من بسيل الملك النجدة فأطلق له صلة ودفعه إلى الشام والتمس من العزيز الأمان فأجابه إليه.
ولما تفرغ الروم من مشاكلهم قصدوا إلى الشام سنة ٣٧١ فاضطر سعد الدولة إلى تمديد الهدنة معهم معترفاً لهم بالسيادة، ومتعهداً بأداء الجزية ليتخلص من حكم الفاطميين ٣٧٣. ثم عاد فأبى أداءها، فاستولوا على كليس وأوقعوا بجماعة من الحمدانية وحاصروا أفامية وقاتلوها أشد قتال، وجاءوا إلى حلب، وسار قرعويه إلى دير سمعان فحاصره ثلاثة أيام وفتحه بالسيف وقتل جماعة من رهبانه، وسبى خلقاً التجئوا إليه من إنطاكية ودخلوا بهم إلى حلب وأشهروا بها وأنفذ الدومستيقس سرية من عسكره إلى كفرطاب فأوقعت بجماعة العرب والحمدانية، واستولى المغاربة على حصن بانياس ولم يقبل الروم بالصلح مع صاحب حلب
سنة ٣٧٦ إلا على شرط أن يدفع ما تأخر عليهم من الجزية لهم، ورحل بسيل ملك الروم إلى الشام فحاصر حلب وفتح حمص وشيزر وأقام على طرابلس، ودامت معاهدة صاحب حلب مع الروم إلى حين وفاته سنة ٣٩٢. وهكذا أصبحت الدولة الحمدانية بعد عزها على عهد سيف الدولة، ذليلة خاضعة لسلطان غيرها في عهد خلفه.
стр. 205
تجاذب السلطة بين العباسيين والفاطميين:
هلك المعز الفاطمي وتولى ابنه العزيز ٣٦٥ فقصد أفتكين المستولي على دمشق سواحل الشام وعمد إلى صيدا فحاصرها وبها ابن الشيخ ومعه رؤوس المغاربة ومعهم ظالم بن موهوب العقيلي فقاتلهم، وكانوا في كثرة فطمعوا فيه وخرجوا إليه فاستجرهم حتى أبعدوا ثم عاد عليهم فقتل منهم نحو أربعة آلاف، وطمع في أخذ عكا، فتوجه إليها وقصد طبرية ففعل فيها من القتل والنهب مثل صيدا وعاد إلى دمشق.
ثم أرسل العزيز القائد جوهراً في العساكر إلى الشام، فلما سمع أفتكين بمسيره جمع أهل دمشق وعاهدهم فبايعوه على الطاعة وبايعهم على الذبّ عنهم، فوصل جوهر إلى دمشق ٣٦٥ ورأى من قتال أفتكين ومن معه ما استعظمه، ودامت الحرب شهرين قتل فيها عدد كثير من الطائفتين، فلما رأى أهل دمشق طول مقام المغاربة عليهم أشاروا على أفتكين بمكاتبة الحسن بن أحمد القرمطي ملك القرامطة واستنجاده، فجاءهم القرمطي واجتمع إليه من رجال الشام والعرب نحو من خمسين ألفاً، فرحل جوهر من دمشق خوفاً من أن يبقى عدوين، وتبعه أفتكين والقرمطي والتقوا بيافا وحصروه في عسقلان فعاين الهلاك هو وأصحابه من الجوع نحو سبعة عشر شهراً، فبذل لأفتكين مالاً ليمنّ عليه ويطلقه، فرحل أفتكين عنه وسار جوهر إلى مصر، وأعلم العزيز بالحال، فسار العزيز بنفسه إلى الشام
في سبعين ألف مقاتل، ووصل الرملة، فقاتله أفتكين والقرامطة بظاهرها قتالاً شديداً، فنصر العزيز وقتل وأسر كثيراً المحرم ٣٦٧ وقد قتل من المغاربة جيش الفاطمي نحو من عشرين ألفاً.
وجعل العزيز لمن يحضر أفتكين مائة ألف دينار، وطلب أفتكين في هزيمته بيت صاحبه مفرج بن دغفل الطائي، فأسره مفرج في بيته وأعلم العزيز به فأعطاه الجعل، وأحضر أفتكين ٣٦٨ فأطلقه العزيز وأصحابه، وبقي عنده معظماً حتى مات بها. وبعث العزيز إلى الأعصم زعيم القرامطة وهو منهزم فأدركه بطبرية وأعطاه عشرين ألف دينار فسار إلى الأحساء.
стр. 206
ودلّ العزيز بكفه عن قتل أفتكين على بعد نظره، وانه أثر فيه ما أسداه من الجميل لقائده جوهر في نوبة عسقلان بإطلاقه سراحه وسراح من معه، فقابل العزيز أفتكين على جميله بمثله. خصوصاً وأن أفتكين لم يقصر منذ استولى على دمشق بمجاملة خليفة مصر العلوي، وإن كان من جهة ثانية نزع خطبته وأرجع الخطبة العباسية في كثير من مدن الشام، وأكرم العزيز ملك القرامطة الذي ندبه الدمشقيون على لسان أفتكين أن يعاونهم على الخلاص من الدولة المصرية لظلم عمالها ومخالفتها لهم في المذهب، وذلك ليستميل قلبه حتى لا يعود ثانية إلى نصرة أحد من أهل بلاده عليه.
سوء حالة دمشق واضطراب الأحكام المصرية:
لما فارق أفتكين دمشق إلى فلسطين قدّم على أهلها رجلاً اسمه قسام الحارثي من الأبطال المعروفين، وقيل: من أرباب الدعارة العيارين، كان أصله من قرية تلفيتا في سنير، يعتاش بنقل التراب على الحمير، وتنقلت به الأحوال حتى صار له ثروة وأتباع، وغلب على دمشق وما إليها من الأصقاع، بحيث لم يبق معه لنوابها من الفاطميين أمر ولا نهي، ودام ذلك سنين. وكان القائد أبو محمود بن إبراهيم المغربي قد عاد إلى البلد والياً عليه للعزيز فلم يتم له مع قسام أمر، وامتدت أيدي
أصحاب أبي محمود بالعيث والفساد وقطع الطرق فاضطرب الناس وخافوا، وانتزح أهل القرى منها لشدة نهب المغاربة أموالهم وظلمهم لهم، ووقعت فتنة عظيمة بين عسكر أبي محمود وبين العامة، فألقى عسكره النار من باب الفراديس فأحرقوا تلك الناحية، وكانت فيها أجمل قصور دمشق، وحرق كثير من أحياء البلد، وهلك فيه جماعة وما لا يعد من الأثاث والأموال، ثم صالحوا القائد أبا محمود ثم انتقضوا ولم يزالوا كذلك إلى سنة ٣٦٤.
ولما خاف الفاطميون عاقبة قسام الحارثي؛ إذا استلذ طعم الانتصار غير مرة، سيروا لحربه الأمير الأفضل فحاصر دمشق وضاق بأهلها الحال، فخرج قسام متنكراً فأخذته الحرس فقال: أنا رسول. فأحضروه إلى
стр. 207
الأفضل فقال له: أنا رسول قسام إليك لتحلف له وتعوضه عن دمشق بلداً يعيش به وقد بعثني اليك سراً، فحلف الأفضل، فلما توثق منه قام وقبل يديه وقال: أنا قسام. فأعجب الأفضل ما فعله وزاد في إكرامه ورده إلى البلد وسلمه إليه، وقام الأفضل بكل ما ضمنه وعوضه موضعاً عاش به، فلما بلغ ذلك العزيز أحسن صلته. ذكر هذا القفطي وأورد الذهبي رواية أخرى في أمر قسام قال: إنه تقدم لقتاله سليمان بن جعفر بن فلاح إلى دمشق فنزل في ظاهرها ولم يمكنه دخولها فبعث إليه قسام بخطه أنا مقيم على الطاعة، وبلغ العزيز ذلك فبعث البريد إلى سليمان يرده فترحل سليمان من دمشق وولى العزيز عليها أبا محمود المغربي ولم يكن له أيضاً مع قسام أمر ولا حل ولا عقد. قال ابن تغري بردي: ولعل الذي ذكره الذهبي كان قبل توجه عسكر أفتكين والأفضل، فإن الأفضل لما سار بالجيوش أخذ دمشق من قسام وعوضه بلداً آخر وهو المتواتر.
وكان من سياسة قسام الحارثي أن كان يدعو للعزيز بالله العلوي على المنابر. وقبل أن يحاربه المصريون وصل إليه أبو تغلب بن حمدان صاحب الموصل
وحط رحاله في حوران، فمنعه قسام من دخول دمشق، فاستوحش أبو تغلب وجرى بين أصحابه وأصحاب أبي تغلب شيء من قتال، فرحل أبو تغلب إلى طبرية، وورد من عند العزيز القائد الأفضل في جيش فقاتله وجماعته حتى قتل في الرملة ٣٦٩ وخلت الديار، وأتت بنو طيىء على الناس وشملهم البلاء منهم.
خوارج على دولة الجنوب ودولة الشمال:
كان مفرج بن الجراح أمير بني طيىء وسائر العرب في فلسطين قد كثرت جموعه وقويت شوكته، وعاث في فلسطين وخربها، وهلك من فيها فكان الرجل يدخل إلى الرملة يطلب فيها شيئاً يأكله فلا يجده، ومات الخلق بالجوع وخربت الأعمال، فخاف العزيز عاقبة أمره بعد أن رأى ما أتعب دولته من أمر الخوارج أفتكين والأعصم وقسام وابن حمدان، فجهز العساكر لحربه مع قائده بلتكين التركي فسار إلى الرملة، واجتمع
стр. 208
إليه العرب من قيس وغيرهم، ولقي ابن الجراح وقد كمن لهم بلتكين من ورائهم، فانهزم ومضى إلى إنطاكية فأجاره صاحبها. وصادف خروج ملك الروم من القسطنطينية إلى الشام فخاف ابن الجراح وكاتب بكجور عامل حمص لأبي المعالي بن سيف الدولة ولجأ إليه فأجاره. وكان بكجور والي حمص يمد دمشق أيام هذه الفتن والغلاء ويحمل الأقوات من حمص إليها. وكانت دمشق في هذا العهد قد خربها العرب وأهل العيث والفساد، وانتقل أهلها إلى حمص فعمرت. وربما كان هذا القرن أشأم القرون السالفة في الشام ودمشق خاصة، وكان كل أذى ينزل بها وبأهلها. قال ابن بطريق: سار بكجور إلى أبي المعالي بن سيف الدولة من حلب وهو يومئذ بحمص فخلع عليه أبو المعالي وولاه حلب، وعاد بكجور إلى حلب وأقيمت له الدعوة فيها وفي سائر أعمالها، ووافق بكجور سائر غلمان الدولة على القبض على قرعويه، وسار أبو المعالي إلى حلب وأخرجه من حمص وقبض على قرعويه، وسار أبو المعالي من حلب وفتح
المعرة وما يليها في شوال سنة ٣٦٦، ونزل إلى حلب ومعه بنو كلاب، ووقع القتال بينه وبين بكجور، واستظهر أبو المعالي عليه واستقر الأمر بينه وبين بكجور على ولاية حمص. ثم عصى بكجور على سعد الدولة واستدعى جيوش العزيز فسارت معه ونزل على حلب وتحاربوا يومين، سار الدمستق إلى حلب، وورد خبره على بكجور فرحل إليه، فوقع القتال وجرى بينه وبين سعد الدولة مراسلة واستقر الحال بينهم على أن يحمل إليه سعد الدولة مال سنتين أربعين ألف دينار، وسار الدمستق وقصد حمص وسبى أهلها، وأحرق بها جماعة اعتصموا في المغاور وسار بكجور إلى دمشق وتقلدها.
وكان بكجور يكاتب العزيز الفاطمي بما يقوم به من الخدم فاستنجز وعد العزيز إياه بولاية دمشق فولاه إياها سنة ٧٣ إلا أنه أساء السيرة في أهلها وقتل أناساً وصادر آخرين وجمع الأموال لنفسه، فجهزت العساكر عليه من مصر مع منير الخادم وكتب إلى نَزّال عامل طرابلس بمظاهرته. وجمع بكجور العرب وخرج للقائه فانهزم، ثم خاف من وصول نزال
стр. 209
فاستأمن إليه، وتوجه إلى الرقة فاستولى عليها، ودخل منير دمشق واستقر في ولايتها وأحسن السيرة في أهلها، وارتفعت منزلته عند العزيز وجهزه لحصار سعد الدولة بحلب.
وكان بكجور بعد انصرافه من دمشق سأل سعد الدولة العودة إلى ولايته حمص فمنعه لأنه كان نزع يده من الدولة الحمدانية ووضعها في يد الدولة الفاطمية، فلما أخفق عاد إلى دولته الأولى فرفضته وأجلبت عليه، فاستنجد بكجور الملك العزيز لحرب سعد الدولة فبعث إلى نزّال بمظاهرته، فسار إليه بالعساكر، وخرج سعد الدولة من حلب للقائه وقد أضمر نزال الغدر ببكجور، واستعد سعد الدولة للقائهم، وقد استمد عامل إنطاكية للروم فأمده بجيش كبير، وداخل العرب الذين مع بكجور في الانهزام عنه وكانوا وعدوه ذلك من أنفسهم، فلما تراءى الجمعان وشعر
بكجور بخديعة العرب استمات وحمل على الصف بقصد سعد الدولة فقتل لؤلؤاً الكبير مولاه، ثم حمل عليه سعد الدولة فهزمه، فسار إلى بعض العرب ثم حمل إلى سعد الدولة فقتله، وسار إلى الرقة فملكها وقبض جميع أمواله وكان شيئا كثيرا.
وزاد مسكويه في تفاصيل هذه الحادثة ما يلي: كان لبكجور رفقاء بحلب يوادونه فكاتبوه وأطعموه في الأمر، وأعلموه تشاغل سعد الدولة باللذات، فاغتر بأقوالهم وكتب إلى صاحب مصر يبذل له فتح حلب، ويطلب منه الإنجاد والمعونة، فأجابه إلى كل ملتمس، وكتب إلى نزّال الغوري والي طرابلس بالمسير إليه متى استدعاه من غير معاودة. وكان نزّال هذا من قواد المغاربة وصناديدهم، فتلكأ نزّال، وكاتب سعد الدولة بسيل ملك الروم يعلمه عصيان بكجور عليه، وسأله إنجاده بالبرجي صاحبه بإنطاكية فسار إليه، وبرز سعد الدولة في غلمانه وطوائف عسكره، ولم يكن معه من العرب إلا خمسمائة فارس إلا أنهم أولو بأس. وتقارب العسكران ووقع الطراد، وكان الفارس من أصحاب سعد الدولة إذا عاد
стр. 210
إليه وقد طعن أو جرح خلع عليه وأحسن إليه. وكان بكجور شحيحاً فإذا عاد إليه رجل من رجاله على هذه الحال أمر بأن يكتب اسمه لينظر مستأنفا في أمره. فقضى شح بكجور عليه حتى أسلمه إلى خصمه فقتله.
وقد أعطى سعد الدولة سلامة الرشيقي عهدا بالإبقاء على آل بكجور وأموالهم على أن يسلمه حصن الرافعة، وهو بلد متصل بالرقة، فخرجوا منها ومعهم من الأموال والزينة ما كثر في عين سعد الدولة، فإنه كان يشاهدهم من وراء سرادقه، وبين يديه ابن أبي الحصين القاضي. وقال له: ما ظننت أن حال بكجور انتهت إلى ما أراه من هذه الأثقال والأموال. فقال ابن أبي الحصين: إن بكجور وأولاده مماليكك وكل ما ملكه وملكوه فهو لك، لا حرج عليك فيما تأخذه منهم، ولا حنث
في الإيمان التي حلفت بها، ومهما كان من وزر وإثم فعليَّ، فلما سمع هذا القول أصغى إليه، وغدر بهم وقبض جميع ما كان معهم.
قال مسكويه: فما كان أسوأ محضر هذا القاضي الذي حسن لسعد الدولة تسويل الشيطان، وأفتاه بنقض الأيمان، ثم لم يقنع بما زين له من غدره، ولبّس عليه من أمره، حتى تكفل له بحمل وزره، وهل أحد حامل وزر غيره، أما سمع قول الله تعالى في أهل الضلالة: (وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء إنهم لكاذبون).
حملة الفاطميين على الحمدانيين واستنجاد هؤلاء
بالروم:
مات سعد الدولة فقام بعده ابنه أبو الفضائل ووصيه لؤلؤ فأخذ هذا العهد على الأجناد لأبي الفضائل، وتراجعت العساكر إلى حلب، فرأى العزيز أن الوقت قد حان لاستصفاء الشام بأسرها وإنقاذها من هذا التذبذب بين الدولتين، جنوبها للعزيز وشمالها للحمدانيين، ولا يفتأ كل فريق يدس للآخر، فسير جيشا كثيفا على حلب وعليه منجوتكين أنفق عليه ألف ألف دينار ونيفا، فلما وصل إلى دمشق تلقاه أهلها وقوادها وعساكر الشام كلها، فأقام بها مدة ثم رحل إلى حلب. قال ابن ميسر:
стр. 211
بل كانت بينه وبين أهل دمشق حروب آلت إلى ظفره. وقد استعد واحتشد ونزلها في ثلاثين ألف رجل، وتحصن بها أبو الفضائل ولؤلؤ.
ووقع القتال بين منجوتكين والحمدانية على أفامية فانهزم الحمدانية ٣٨٢ وقتل وأسر جماعة منهم، ونزل منجوتكين على حلب ووقع الحرب في جميع جوانب المدينة ودخل إلى أعمال الروم بسبب اعتقال البرجي لرسوله، ونزل على حصن عم ضيعة البرجي في بلد أرتاح فقاتله وفتحه وسبى وقتل وسار إلى إنطاكية
فرشقه الإنطاكيون بالنشاب وعاد منجوتكين إلى منازلة حلب وراجع القتال. وعصى المسلمون في اللاذقية فسار البرجي إليهم وسباه وحملهم إلى الروم، وعاد منجوتكين من دمشق ونزل على أفامية فسلمها إليه وفاء خادم سيف الدولة ٣٨٣ ورحل إلى شيزر وقاتلها وتسلمها من سوسن غلام سعد الدولة وعاد إلى منازلة حلب.
وكان أبو الفضائل كتب إلى بسيل ملك الروم يستنجده وهو يقاتل البلغار، فأرسل بسيل إلى نائبه بإنطاكية ميخائيل البرجي يأمره بإنجاد أبي الفضائل؛ فسار في خمسين ألفا حتى نزل على الجسر الحديد بالعاصي، فلما سمع منجوتكين الخبر سار إلى الروم ليلقاهم قبل اجتماعهم بأبي الفضائل، وعبر إليهم العاصي وأوقع بالروم فهزمهم وولوا الأدبار إلى إنطاكية وكثر القتل فيهم، وجمع من رؤوس قتلاهم نحو عشرة آلاف رأس وحملت إلى مصر. قال الإنطاكي: قتل من الروم في هذه الوقعة التي دعيت بوقعة المخاضة ٣٨٤ زهاء خمسة آلاف ويمم منجوتكين إلى إنطاكية ونهب رساتيقها وأحرقها، وكان وقت إدراك الغلة فأنفذ لؤلؤاً وأحرق ما يقارب حلب منها إضرارا بالعسكر المصري. وعاد منجوتكين إلى حلب فحصرها وأقام عليها ثلاثة عشر شهرا. فقلت الأقوات فيها وعاد صاحب حلب إلى مراسلة ملك الروم والاعتضاد به، فلما قلت الأقوات إلى العزيز على نفسه أن يمد عسكره بالميرة من غلات مصر، فحمل مائة ألف تلّيس في
стр. 212
البحر إلى طرابلس ومنها على الظهور إلى أفامية. فكان يوقع للغلمان بجراياتهم وقضيم دوابهم إلى أفامية على خمسة وعشرين فرسخا فيمضون ويقبضونها ويعودون بها. وبنى وأصحابه الحمامات والخانات والأسواق.
وعاد منجوتكين إلى منازلة حلب ومحاصرتها وفتح حصن إعزاز وملك سائر أعمال حلب وولى عليها وبنى حصنا مقابل حلب، وأنجد ملك الروم صاحب حلب
وكان قد استنجده وأرسل إليه ملكوثا السرياني، فقطع المسافة من بلاد البلغار إلى حلب وهي ثلاثمائة فرسخ في بضعة أيام. ولما أقبل الروم أحرق منجوتكين الخزائن والأسواق والأبنية التي كان استحدثها ورحل في الحال منهزما ووافى بسيل فنزل على باب حلب، وخرج إليه أبو الفضائل ولؤلؤ ولقياه، ثم عاد ورحل في اليوم الثالث إلى دمشق وفتح حمص ونهب، ونزل على طرابلس فمنعت جانبها منه، فأقام نيفا وأربعين يوما فلما أيس منها عاد إلى الروم، وعاد منجوتكين غازيا إلى إنطاكية، ثم سار إلى حلب ورحل عنها إلى أنطرطوس، وقاتل الحصن أياما وسار عامل الروم إلى أنطرطوس ليدفع عنها، وأرسلت مصر أسطولا مؤلفا من أربعة وعشرين مركبا مشحونا بالرجال فكسر الأسطول بريح عاتية، وخرج رجال المراكب إلى البر، فانهزم منجوتكين وجميع عسكره وخرج المقيمون في أنطرطوس وأخذوا ما سلم من المراكب وأسروا من رجالهم خلقا.
الخوارج على الفاطميين واستنجاد أمراء المسلمين
بالروم:
ظن بعد انصراف ملك الروم عن الشام ورجوع الحمدانيين إلى حلب أن الدولة الفاطمية يطمئن بالها، وما كان يجول في الفكر أن ينقلب عليها أحد قوادها الذي كانت اصطفته ليدفع عن القطر ما يتهدده من الشر وأعني به منجوتكين. فقد عصى على خليفته وأراد أن يستنجد الروم فلم يلتفتوا إليه، فندب الخليفة العساكر من مصر لقتاله وقدموا أبا تميم بن جعفر عليها، وأمدوه من الأموال ما أسرفوا فيه، وسار أبو تميم من مصر، ورحل منجوتكين من الرملة بعد أن ملكها. والتقى الجيشان بعسقلان وتواقعا فأجلت الوقعة عن هزيمة منجوتكين وأصحابه، فأسر وحمل إلى
стр. 213
مصر، وسار أبو تميم فنزل طبرية وأنفذ أخاه عليا إلى دمشق، فامتنع
أهلها عليه ومنعوه الدخول، وكاتب أخاه بعصيانهم، واستأذنه في قتالهم، فكتب أبو تميم إلى متقدميهم من الأشراف والشيوخ، وحذرهم عواقب فعل سفهائهم، فخافوا وخرجوا إلى علي مذعنين بالطاعة ومنكرين لما فعله أهل الجهالة، فلم يعبأ بقولهم وزحف إلى البلد فملكه، وأحرق وقتل وعاد إلى معسكره.
ووافى أبو تميم في غد فأنكر على أخيه ما فعله، وتلقاه وجوه الناس فشكوا إليه ما أظلهم، فأحسن لقاءهم وأمنهم، فسكنوا وعادوا إلى معايشهم. وركب أبو تميم إلى المسجد الجامع في يوم الجمعة بزي أهل الوقار، واجتاز في البلد بسكينة، وبين يديه القراء وقوم يفرقون الدراهم على أهل المسكنة، وصلى الجمعة وعاد إلى القصر الذي نزله بظاهر دمشق، وقد استمال قلوب العامة بما فعله، ثم نظر في الظلامات وأطلق من الحبوس جماعة من أهل الجنايات فازدادوا له حبا، واستقرت قدمه واستقام أمره، وعدل من بعد إلى النظر في أحوال الساحل فهذبها، وولى أخاه طرابلس وصرف عنها جيش بن الصمصامة.
ذكر كل هذا مسكويه، وزاد أن أبا تميم كان مع سياسته مستهترا باللذات، فلم يشعر إلا بهجوم المشارقة والعامة على قصره فخرج من دمشق هاربا، ونهبوا خزائنه وأوقعوا بمن كان معه من كتامة، وعادت الفتنة واستولى الأحداث على دمشق، وثار أهلها مع ما كان فيها من الأولياء المشارقة على ابن فلاح فخرج عن البلد هاربا إلى مصر، وتغلب الأحداث ورأسهم رجل منهم يعرف بالدهيقين، فسارت جيوش الحاكم إلى دمشق مع محمد بن الصمصامة للقاء الدمشقيين والدهيقين، فسار الدهيقين إلى مصر وطلب الأمان. وقال ابن ميسر في حوادث سنة ٣٨٧: إنه كانت وقعة بين منجوتكين وبين ابن فلاح في الرملة قتل فيها نحو مئة ألف كذا من أصحاب منجوتكين وانهزم ابن الجراح.
وفي سنة ٣٨٨ وقعت النار في أفامية واحترق ما كان فيها من القوت فسار أبو
الفضائل بن سعد الدولة صاحب حلب في عسكر الحلبيين،
стр. 214
وقاتلها مدة ثم رجع عنها لما سار إليها دوفس إنطاكية، وحاصرها هذا أشد حصار، فاستنجد الملايطي المقيم بها بجيش بن الصمصامة بدمشق، فسار إليه في عساكر ضخمة، وانتشبت الحرب بينهم، واستظهر عليه الدوقس، وقتل منهم مقتلة عظيمة وأخذت البادية سواد عسكر المغاربة، وبلغت الهزيمة إلى بعلبك، وقتل الدوقس فعادت الهزيمة على الروم فقتل منهم زهاء ستة آلاف وأسر أبناء الدوقس وجماعة من رؤساء عسكره، وحملوا إلى مصر وأقاموا بها عشر سنين ثم فودي بهم.
وسار جيش بن الصمصامة إلى شيزر فخف ملك الروم بنفسه ففتحها وشحنها بالأرمن، وسار عنها إلى حصن أبي قبيس فأخذه بالأمان وسار إلى حصن مصيات. فملكه أيضاً وأخربه وسار إلى رفنية فأحرقها وسبى أهلها وتوجه يحرق ويسبي إلى أن بلغ حمص فنزلها وتحصن منها نفر في كنيسة مار قسطنطين تحرماً بهاً. فلما علم الرؤوس من أهل عسكره أحرقوها، وكانت كنيسة معجزة وحمل نحاسها ورصاصها، وسار الملك إلى قرب بعلبك واستصرخ جيش من دمشق إلى مصر بكتبه ووصف كثرة الجموع التي للروم فجردت إليه العساكر وكوتب كل والٍ بالشام بالمسير معه، فساروا حتى اجتمع بدمشق من العساكر كما قال الأنطاكي ما لم يجتمع فيها للإسلام مثله، ورجع ملك الروم عن طريق الساحل وأحرق عرقة وهدم حصنها ثم نزل على طرابلس ٣٨٩ وحاربها براً وبحراً، ثم رحل إلى إنطاكية، وافتتح حصن أبي قبيس بالأمان.
وامتدت ولاية منجوتكين في إمرة الجيوش الشامية إلى ما بعد سنة ٣٨٦ وكان ظالماً جباراً ساءت سيرته في ولايته دمشق وحمص وكثر ظلمه. وولي إمرة دمشق بشارة الإخشيدي من قبل برجوان الخادم الحاكمي ٣٨٨ وكان ولي طبرية قبل أن يلي دمشق مدة سنين. وكان أهل صور قد عصوا ٣٨٧ وأمَّروا عليهم
رجلاً ملاحاً يعرف بعلاقة. ضرب السكة باسمه وكتب عليها عز بعد فاقة الأمير علاقة فأرسل عليه الفاطميون أسطولاً فاستجار علاقة بملك الروم فأنفذ إليه عدة مراكب مشحونة بالرجال والمقاتلة، والتقت هذه المراكب بمراكب المسلمين فاقتتلوا فظفر المسلمون
стр. 215
وملكوا مركباً من مراكبهم، وقتلوا من فيه وانهزمت بقية المراكب. وهكذا استنجد بالروم في هذه الحقبة أميران على بني جنسهما ودينهما ليستمتعا بالملك وهما أبو الفضائل في حلب وعلاّقة بصور.
وكان المفرج بن دغفل قد نزل على الرملة وعاث فساداً في أرضها، وانضاف إلى حادثته وحادثة علاّقة نزول الدوقس صاحب الروم في عسكر كثيف على حصن أفامية، فاصطنع برجوان جيش بن الصمصامة وقدمه، وجهز معه عسكراً وسيره إلى دمشق، وبسط يده في الأموال ونفذ أمره في الأعمال، وسار جيش بن الصمصامة ونزل على الرملة وعليها وحيد الهلالي والياً فتلقاه طائعاً وصادف أبا تميم بها فقبض عليه قبضاً جميلاً، وندب الحسين بن ناصر الدولة بن حمدان في عسكر إلى صور بعد أن كان أنفذ إليها مراكب في البحر مشحونة بالرجال فأحاطت العساكر بها براً وبحراً وضعف أهل صور عن القتال وأخذ علاقة فحمل إلى مصر فسلخ وصلب بها وأقام ابن حمدان والياً عليها.
وسار جيش بن الصمصامة لقصد مفرج بن دغفل فهرب من بين يديه وعاذ بالصفح فكف جيش عنه، وعاد سائراً إلى عساكر الروم النازل على حصن أفامية، فلما وصل إلى دمشق تلقاه أهلها في أشرافها ووجوه أحداثها مذعنين له بالانقياد، راغبين في استصحابهم للجهاد، فجزاهم خيراً فأقبل جيش على رؤساء الأحداث وبذل لهم الجميل، ونادى في البلد برفع المؤن، وإباحة دم كل مغربي يتعرض لفساد، فاجتمعت الرعية وشكروه، وسألوه دخول البلد والنزول بينهم فلم يفعل، ثم سار ونزل بحمص واجتمعت العساكر وتوجه إلى حصن أفامية، فوجد
أهلها وقد اشتد بهم الحصار، فنزل بإزاء عسكر الروم بينه وبينهم نهر العاصي. ثم التقى الفريقان من بعد، وكان المسلمون يومئذ في عشرة آلاف من الطوائف وألف فارس من بني كلاب، فحملت الروم على المسلمين فزحزحوهم عن مصافهم، وانهزمت الميمنة والميسرة، واستولى الروم على كراعهم وعطفت بنو كلاب على أكثر ذلك فنهبوه، وثبت بشارة الإخشيدي
следующие страницы →