← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 37063

خطط الشام

محمد كرد علي

Полный текст (1 453 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

غيرهم، كما يحترمون الأوهام وحب العمالات التي ينزلونها. ولما استولوا على مدينة الأستانة كانوا يوجهون أنظارهم على الدوام إلى المواطن التي أنشأتهم وتناسلوا فيها، فكانوا أشبه بسياح وفاتحين عابري سبيل في أوربا: من ورائهم قبور أجدادهم، ومهاد عباداتهم وكل ما يقدسونه ويحترمونه، وأمامهم شعوب يكرهونها، وأديان يريدون القضاء عليها، وأقطار يتراءى لهم أن الباري تعالى يلعنها. وأهم ما أخر الأتراك وقادهم إلى انحطاطهم، ذكرى مجد سالف، وإعجاب وطني لا تناسب بينه وبين ثروتهم وقوتهم، فكانوا يستهينون، ولهم القوة، بالأخطار التي تهددهم، فإذا كتب لهم النصر سكروا وقربوا القرابين وإذا غلبوا حملوا على رؤسائهم. هذا رأي المؤرخ الفرنسي في العثمانيين وعلة انحطاطهم وقال غيره وأغرق: إن شأن الأتراك العثمانيين في الولايات التي يفتحونها إذا رحلوا عنها شأن جماعة من البدو نزلوا منزلاً موقتاً ضربوا خيامهم فيه، إذا ترحلوا عنه من الغد لا تشاهد بعدهم في الأرض التي نزلوها سوى آثار أطنابهم، وعمد خيامهم فقط. حملة محمد علي على الشام وهزيمة الأتراك: أظهر والي مصر محمد علي وهو بعض عمال الدولة العثمانية مثالاً مجسماً من التجدد في الممالك، وبدت أمارات قوته بعد أن قرض المماليك من مصر، فلم يسع الباب العالي إلا الاعتراف بسلطته ومحاسنته، شأنه مع كل عامل أحرز قوة، على شرط أن يؤدي الجزية، ويعرف كيف يصانع رجال الدولة وسلطانهم. وكان محمد علي أسعد طالعاً من سلطانه، لأنه لم يصطدم يوم قام بإصلاحه بما اصطدم به السلطان محمود في تطبيق الإصلاحات، راى من المصريين قبولا لدعوته، واستعداداً للمدنية، وهو لم يقاوم الطبيعة كما قاومها الترك العثمانيون في السياسة التي استخدموها للقضاء على العناصر، بل استعرب وتمصر وألف بطانته من كل من يخدم مصر بدون عصبية. قام بما أراد في مملكته الصغيرة أحسن قيام، وفتح صدره لكل جديد،

стр. 632

بل فتحت مصر بفضله صدرها لذلك. بيد أن محمد علي لم يقف عند الحد الذي بلغه من الاسئثار بوادي النيل، وطمح إلى التوسع في الملك، شأن عظماء الفاتحين الطامعين في بسطة السلطان، ولكن أي البلاد يفتح؟ هل يتوسع في أفريقية؟ في صحراء ليبيا وصحراء النوبة وهي أصقاع لا توازي العناء. وربما صدمته دول الاستعمار عن التوغل في شمالي إفريقية أو في أواسطها، أم يقصد الشام وهي مفتاح كل فتح، وفيها من العمران ما يوازي العناء في استصفائها، وبينها وبين سكان مصر من وجه الشبه ما لا ينكر محله، ثم لا يصعب عليه إذا خفقت عليها أعلامه، أن يتقدم إلى الأمام، ويملك من أرض العرب والترك ما طاب له، ولا يعلم ما تحدثه الأيام. بحث محمد علي عن وسيلة لذلك فلم يلبث طالعه السعيد أن خلق له سبباً معقولاً لفتح الشام، وذلك أن بعض فلاحي الشرقية بمصر ضاقت نفوسهم من إعنات عماله بالجندية والضرائب، فهاجروا إلى جهات غزة ملتجئين إلى والي عكا، وكان عددهم ستة آلاف، فطلب منه محمد علي إرجاعهم خوفاً من كثرة عدد من يتبعهم إلى الشام، فامتنع الوالي من ذلك بدعوى أن القطرين تابعان لسلطان واحد، فاستشاط محمد علي غضباً خصوصاً وهو الذي استرضى خاطر الدولة على والي عكا وكانت غضبت عليه، ودفع عنه ستين ألف كيس غرامة اقتضتها منه لترضى عنه، فاتخذ عزيز مصر من ذلك حجة لفتح الشام فأمر سنة ١٢٤٧ بإعداد جيش للسفر إليها عن طريق العريش وطريق البحر في آن واحد، وذلك لمحاصرة عكا من جهتين، وعين ولده إبراهيم باشا قائداً عاماً للجيوش، وسليمان بك الفرنساوي قائم مقام له، وجنّد ستة ألايات من المشاة وأربعة من الفرسان، ومعهم أربعون مدفعاً وكثير من مدافع الحصار الضخمة، وما يلزم ذلك من الأعتاد والمؤن. فوصل إبراهيم باشا مع الأسطول إلى يافا وفتحت له كما فتحت القدس ونابلس أبوابها، وكانت عكا أشهر مدن الشام بحصانتها وفيها خمسة آلاف مقاتل، فدام حصارها سبعة أشهر تحاصرها من البحر بوارج حربية مسلحة بالمدافع الكبيرة، ومن البر ثلاثون ألف جندي، وبريطانيا العظمى متغاضية عنه طوعاً أو كرهاً، إذ كان محمد علي من فرنسا نصير وظهير، وليست بريطانيا حرة مطلقة، في

стр. 633

البحر المتوسط لتضرب أسطول محمد علي منذ أقلع من الموانئ المصرية إلى السواحل الشامية. قال المؤرخون: ولما كانت الجيوش المصرية تحاصر عبد الله باشا في عكا جاءه من نابلس ستمائة رجل واخترقوا صفوف العسكر المصري ودخلوا عكا لمساعدة وزيرها شاهرين سلاحهم ضاربين من عارضهم. وبعد فترة قليلة تمكنت الدولة من تجنيد عشرين ألف مقاتل بقيادة عثمان باشا والي حلب، فترك إبراهيم باشا قسماً من الجيش على عكا، والتقى في ضواحي حمص مع القسم الآخر بالجيش العثماني الذي كان كأخلاط الزمر لا نظام له ولا دربة، وأبلى المصريون بلاء حسناً حتى أوصلوا العثمانيين إلى العاصي وغرق كثير منهم فيه، واختفى عثمان باشا في حماة، ثم احتل إبراهيم باشا بعلبك وعاد إلى عكا وشدد الحصار عليها ففتحها بمعاونة العرب والدروز والموارنة الذين أتوه بأنفسهم طوعاً بعد أن ظهر على الأتراك في أرض حمص، وأتاه بشير الشهابي إلى المعسكر يريد الدخول في طاعته. فتحت عكا بضرب المدافع ثلاث ثغرات من سورها واستمر القتال بالسلاح الأبيض فاستسلمت الحامية، وأخذ عبد الله باشا واليها أسيراً وحمل إلى مصر مكرماً، ثم فتح الأسطول المصري سواحل الشام كاللاذقية وطرابلس وبيروت وصيدا وصور. وبعد أن فتح إبراهيم باشا عكا قصد دمشق ومعه الأمير بشير وأمراء حاصبيا وراشيا فجمع علي باشا والي المدينة عسكراً من الأكراد وأحداث البلد قدّر بعشرة آلاف، وكشف إبراهيم باشا بمنظاره خيول الأكراد ومقاتلة الدماشقة فوجه خيل الهنادي لمقاتلة الأكراد، ونبه على العسكر النظامي أن يقاتلوا الدمشقيين ولا يؤذوهم، بل يطلقون البنادق في الفضاء، فلما سمع الدمشقيون أصوات النار تهاربوا وقاتل الأكراد جهدهم حتى غلبوا، وفي إثرهم خيل الهنادي تقتل من تلحقه منهم. تقدير مؤرخين وشاعر لغلبة محمد علي: يؤخذ مما قاله البيطار أن إبراهيم باشا قد ساعده الأمير بشير الشهابي ورؤساء جبل نابلس، لأن عبد الله باشا والي عكا كان حاصر قلعة صانور وهدمها

стр. 634

وحصل منه ضرر لأهل نابلس وكان ذلك من أسباب الغلاء الذي وقع في الديار الشامية، وأن إبراهيم باشا بينا كان جيشه على عكا يقاسي الأهوال ويتجدل منه الرجال إثر الرجال جاء عباس باشا حفيد محمد علي باشا إلى البقاع وحصن بعض القلاع هناك ليقطع الطريق على العساكر العثمانية الآتية لقتالهم، وافترق أهل جبل لبنان وتلك النواحي فرقتين، فتابع النصارى منهم الأمير بشيراً المتفق مع إبراهيم باشا، وخالفهم الدروز وأظهروا الطاعة للسلطان، ثم قصد إبراهيم باشا إلى طرابلس وحمص ودخلهما بلا قتال. قال: وتوجه إبراهيم باشا إلى بعلبك وجاءه المدد من العساكر والذخائر وعاونه أهل الجبل من المسيحيين والدروز، وكان قبل ذلك وقعت بين هاتين الطائفتين فتن فرجع إليهم إبراهيم باشا وكسر شوكتهم فأطاعوه، ثم دخل عسكر إبراهيم باشا عكا من الأبراج على السلالم. وذكر بعضهم أن من جملة من قتل من عسكر إبراهيم باشا اثنا عشر ألفاً ومن عساكر عكا نحو خمسة آلاف. قال: وفي ثالث المحرم ١٢٤٨ أرسل إبراهيم باشا إلى دمشق يطلب منهم أن يمكنوه من الدخول إليها فلم يرسلوا إليه جواباً ثم طلب ثانياً فأرسلوا إليه إنا لا نمكنك من الدخول أصلاً، وفي رابع عشر المحرم وصل بعض جيوشه إلى قرب قرية داريا فخرج إلى لقائهم خلق كثير من أهل دمشق فقاتلوهم قتالاً يسيراً، ولم يقصد كل من الفريقين إضرارا الآخر، وقتل من كل فريق رجل أو رجلان، ثم دخل إبراهيم باشا دمشق وقد فر منها واليها علي باشا وعسكره والقاضي والمفتي والنقيب ومحمد شوربجي الداراني وجميع أبناء الترك الموظفين وغالب أعيان دمشق، ثم عزم على قتال حمص فحصل بينه وبين العسكر السلطاني قتال قتل منهم نحو خمسة آلاف وأُسر نحو أربعة آلاف وفر باقي العسكر والباشوات وكانوا نحو ثلاثين ألفاً وغنم أموالهم وعتادهم وسار بعد ذلك إلى حماة فحلب فملكهما، ثم جاء إنطاكية وعينتاب واللاذقية واستولى على حصن الإسكندرونة وعلى حصن بيلان وكان فيه حسين باشا فحدثت بينهما مقتلة عظيمة. وفي البهجة التوفيقية أن الدولة جيشت جيشاً آخر بلغ عدده ستين ألف مقاتل بقيادة حسين باشا فالتقى الجيشان أمام حمص وانهزم الجيش التركي

стр. 635

وبلغ عدد القتلى من الترك ٢٠٠٠ والأسرى ٣٠٠٠ وتقهقر الجيش التركي إلى حلب، وحاول حسين باشا دخولها فمنعه أهلها خوفاً من انتقام إبراهيم باشا فتقهقر إلى بيلان فتقدم الجيش المصري ودخل حلب وتأثر الجيش التركي فهزمه وغنم منه خمسة وعشرين مدفعاً وكان غنم منه أولاً اثني عشر مدفعاً ثم غنم أربعة عشر مدفعاً آخر وقتل من العثمانيين أربعة آلاف ومن المصريين خمسمائة وخمسون، ووقع في يد إبراهيم باشا ألفان من العساكر النظامية أسرى من الأرناؤد والهوارة فأعطاهم الأمان وأدخلهم في جملة جنده، واختفى حسين باشا ولم يعرف له أثر، واجتاز إبراهيم باشا جبال طوروس وكان السلطان في هذه المدة جيش ستين ألف مقاتل آخر وفي رواية أُخرى مائة وخمسين ألف عسكري بالمدافع والمهمات ولم يكن مع إبراهيم باشا سوى ثلاثين ألفاً فالتقى الجيشان في سهول قونية ووقع القائد رشيد باشا أسيراً في أيدي المصريين وانهزم الأتراك وغنم المصريون منهم في هذه الوقعة نيفاً ومائة مدفع وكثيراً من الذخائر وأسروا عشرة آلاف عسكري بينهم كثير من الضباط والقواد وقتل منهم ثلاثون ألفاً. ويقول مشاقة: إن جيش حسين باشا لم يكن سوى أربعين ألفاً من الترك، على حين لم يكن مع إبراهيم باشا سوى اثني عشر ألفاً وكان أبقى من عسكره جانباً للمحافظة في الأقاليم المفتتحة وهلك الآخر في الحرب أو الوباء فغَلب، وهذا أقرب إلى المعقول. وقد استغرب كامل باشا لِمَ لم تستطع الدولة أن تجيش في الحال نحو عشرين إلى ثلاثين ألف جندي من حلب ودمشق وترسل أسطولاً إلى عكا يصد عنها أُسطول محمد علي أو يقيم العثرات في سبيله، كما أنه استغرب كيف أن العثمانيين لم يحفظوا خط رجعتهم ولم يقفوا موقفاً يردون به عادية أعدائهم، وانهزموا تحت نيرانهم إلى الإسكندرونة تاركين خمسة وعشرين مدفعاً وألقي أسير على حين لم يفقد من المصريين سوى عشرين جندياً. وقد وصف الشيخ أمين الجندي فعال الأتراك وهنأ عزيز مصر وولده إبراهيم وحفيده عباساً بفتح الشام فقال من قصيدة: والله غيَّر ما بهم من نعمة ... لما تغير حالهم وتبدلا وقد استباحوا المنكرات فلا تسل ... عما توقع منهم وتحصلا

стр. 636

وقضاتهم للسحت قد أكلوا فهل ... أبصرت حياً من مضرتهم خلا نبذوا الشريعة من وراء ظهورهم ... وطغوا وزادوا في الضلال توغلا وتمسكوا بالبدعة السوداء لا ... بالسنة الغراء فارتدوا على ومشايخ الإسلام أصبح علمهم ... جهلاً فلم تر قط منهم أجهلا وقال في وصف وقائع المصريين من الأتراك: فترى الكماة مبددين على الثرى ... والخيل من وقع القنابر جُفَّلا أضحت طعاماً للطيور لحومهم ... ودماؤهم للمشرفية منهلا واختل عقد نظامهم رعباً وقد ... غطوا الرؤوس ولم يغطوا الأسفلا وقال: وأتى بهم للرستن المشهور إذ ... بين المقابر قد تستر واختلا حيث الجهاديون حل وزيرهم ... في باب حمص وقد أبى أن يدخلا قامت بخدمته وطاعة أمره ... حمص إذ امتثلت ولم تبد القلا لما رأى السيف الإله أحدَّ من ... كل السيوف مدى الزمان وأطولا ألقى السلاح تأدباً وتواضعاً ... عند المزار وللضريح استقبلا حتى إذا نفدت ذخائره وما ... ألفى بحمص للعساكر مأكلا أمضى إلى أرض القصير ركابه ... يبغي العساكر أن تقوم وترحلا وهناك حاربهم وفرّق جمعهم ... في صولة والبر بالقتلى امتلا وقال: هل يغلب الأسد المجرب ثعلب ... مهما استعان بمكره وتحيلا وإلى حماة الشام سار وبعدها ... لمعرة النعمان يخترق الفلا حتى إذا اقتحم المضيق ببأسه ... وعلى الجبال سما وأشرف واعتلى تركوا الذخائر والخيام وكلها ... يخشون منه لدى الفرار تثقلا من يخبر الأتراك أن جيوشهم ... كسرت وأن حسينهم ولّى إلى والعز بالعرب استنار مناره ... ببزوغ شمس مراحم لن تأفلا

стр. 637

سقوط الأناضول وتضاؤل السلطان العثماني أمام الجيش المصري: وما زال الجيش المصري يتقدم في الأناضول حتى وصل إلى كوتاهية وأراد أن ينزل بورصة بحجة أن ليس له في أواسط الأناضول حطب ومؤنة في الشتاء، وكانت الطريق إلى الأستانة أمامه مهيعاً لا يقف فيها ما يوقف سيره، وأهل الأناضول والأستانة راضون عنه، وأشاع إبراهيم باشا أن مقصده من غزوته هذه توطيد دعائم السلطنة. وكان رجاله من الأوربيين يحثونه على أن يواصل السير ويفتح الأستانة، وأن لا يقتصر على فتح الشام وعلى ما أخذه من آسيا الصغرى ولو استمع إليهم لقامت الدولة المصرية في القسطنطينية بدلاً من دولة الأتراك، فأعاد محمد علي بذلك الدولة العربية. قال دي لاجونكيير: ولم يكن لمحمد علي هذا النظر البعيد وهذا الطموح، بل لم يكن يطلب غير الاستقلال والتوسع في الملك. وبقيت هذه المشكلة التي كان يتأتى أن يكون منها عراك بين قوميتين هما العربية والتركية، مقصورة على دائرة معينة من الحرب، لم تتعد حد القتال بين ملك وأحد عماله الناشزين عليه. ولما رأى السلطان محمود ما آلت إليه حاله، عرته الدهشة وداخله الفزع، فطلب معاونة الدول العظمى علناً لتعينه على محمد علي، وحرص خصوصاً على معاونة روسيا التي أصبحت بعد معاهدة أدرنة ترى نفسها حامية الدولة العثمانية، وليس من مصلحتها أن تكون هذه الدولة قوية، فأخرجت روسيا إلى الأستانة اثني عشر ألف جندي، واستدعى فيلق البغدان وهو مؤلف من أربعة وعشرين ألف مقاتل ليأتي إلى الأستانة، وعقدت معاهدة في كوتاهية على أن تبقى الشام وأذنة وجزيرة كريت لمحمد علي ويرحل عن الأناضول على مال معلوم يدفعه كل سنة قيل إنه ستون ألف كيس وذلك لمدة خمس سنين والسلطان لا سأل محمد علي غير ذلك، والخطبة تلقى في المساجد باسم السلطان. وعقدت روسيا معاهدة سرية مع الدولة العثمانية مدتها ثمان سنين، دعيت معاهدة خنكارا إسكله سي وهي دفاعية هجومية كان القصد منها جعل المضايق في قبضتها، فهلعت قلوب أوربا لذلك، وأخذت إنكلترا تحسب لهذه المعاهدة ألف حساب. ولما انتهت شؤون الفتح جعل إبراهيم باشا مقره في إنطاكية، فكان يحضر

стр. 638

أحيانا إلى حلب ودمشق وعكا ثم يرجع حتى يرقب عن أمم حالة بلاد الأكراد، وكانت منتقضة على الدولة العثمانية إذ ذاك. وكان إبراهيم باشا يوقع على كتاباته الرسمية الحاج إبراهيم والي جدة والحبشة وسر عسكر حالاً وبعد فتوح عكا صار توقيعه هكذا سر عسكر عربستان أي قائد جيوش بلاد العرب وفوض محمد علي ولاية دمشق إلى شريف باشا وماليتها إلى حنابك البحري، وكان هذا من المقربين جداً من محمد علي، ثم رأت الحكومة المصرية فصل حلب عن ولاية دمشق ١٨٣٨م وأقامت واليا عليها إسماعيل بك ابن عم إبراهيم باشا حاكماً مستقلاً، ورجح مشاقة أن السبب في ذلك الثورات التي حدثت في الأقاليم والقلاقل التي ذهبت براحة الأهالي والتعدي والحروب التي أفنت معظم الرجال لأنها كانت كلها محصورة بإدارة واحدة وهي دمشق، ولذلك حصل للحاكم العام عثرات جمة في تنفيذ أوامره للبعد بين البلدان. وعهد تنظيم مالية حلب لجرمانوس البحري، وقيل: إن حكومة محمد علي كانت إلى الرفق بدمشق أكثر منها في حلب، لأن الحلبيين قاوموا إبراهيم باشا بعض المقاومة، ولم ينزلوا عن القلعة حالاً، وقال مشاقة: بل دخل بدون معارض فوضع عليهم غرامات حربية وغرمهم مالاً لاحتكار بعض الأصناف حتى يستفيد من ذلك أعوانه. أعمال إبراهيم باشا في إصلاح الشام: وكان من أول أعمال إبراهيم باشا الجليلة في الديار الشامية ترتيب المجالس الملكية والعسكرية، وإقامة مجلس الشورى وغيرها من النظم الحديثة، وترتيب المالية، جعل نظاماً لجباية الخراج ومعاملة الرعايا بالمساواة والعدل، لا تفاوت في طبقاتهم ومذاهبهم، ولذلك لم يلبث الأمراء والمشايخ وأرباب النفوذ أن استثقلوا ظل الدولة المصرية، وتمنوا رجوع العثمانيين ليعيشوا معهم كالحلمة الطفيلية تمتص دماء الضعفاء وينالهم من ذلك مصة الوشل ورأت الشام في أيام إبراهيم باشا إبطال المصادرات، وتقرير حق التملك، وتوطد الأمن في ربوعها، وأحييت الزراعة والتجارة والصناعة، وعمت تربية دود

стр. 639

الحرير واستخرجت بعض المعادن ولا سيما الفحم الحجري في قرنايل. وفرض على لبنان ٦٧٨٢ كيساً يتقاضى الأمير ضعفيها ويدخر في خزانته الخاصة المال الزائد على المفروض. وأكد كثيرون أن بعمله هذا استعادت أكثر قرى حوران وعجلون وحماة وحمص وغيرها عمرانها القديم. وأخرب بعض القلاع التي كان يعتصم فيها الثائرون أحياناً مثل قلاع جبل اللكام وقلعة القدموس، وقرب العلماء والشعراء، ورخص للأجانب في إرسال معتمديهم إلى دمشق، وكانوا يمنعون من دخولها قبله، فينزل وكلاؤهم السواحل مثل صيدا وعكا وبيروت وطرابلس. ويقال على الجملة: إن الناس حمدوا حكومة محمد علي في الشام ولم يتبرموا بها لو لم يقم ابنه إبراهيم عملاً بايعاز أبيه بتجنيد الشبان ولو لم يثقل كاهل الأهلين بالضرائب - وأقل الضرائب الشخصية ١٥ قرشاً وأعظمها خمسمائة قرش - فإن هذا مما نفرت منه القلوب ولا سيما من كان يقع عليهم عبء معظمها مثل أهل حلب وأهل دمشق. فتوق وفتن وحصار الفلسطينيين لإبراهيم: لم تقع حوادث مهمة في السنين الأولى التي قضاها إبراهيم باشا في الشام اللهم إلا ما وقع في القدس سنة ١٢٤٩ من فتنة بين المسيحيين قتل فيها خلق وما كان من عصيان النصيرية فانتدب الأمير بشير الشهابي لتأديبهم فأرسل عليهم عسكراً خيم في البهلولية فهرب النصيرية بقضهم وقضيضهم وتركوا مواشيهم وغلالهم وأمتعتهم ففتحها العسكر وأحرق لهم خمس عشرة قرية وقطع أشجارها ثم أحرق لهم ثلاثين قرية أخرى ثم خمسين أخرى وكانت مناوشات بين عسكر الأمير والنصيرية. وعلل مشاقة هذه الوقائع بأن المصريين لما شرعوا بتغيير عوائد العشائر، وطلب أموال أميرية زيادة على ما اعتادوا دفعه، نفرت قلوب الأهالي منهم، وصاروا يتمنون رجوع حكم الأتراك، وابتدأ الناس ينتقضون عليهم واضطر المصريون إلى الاستكثار من الجند لحفظ مركزهم الجديد، فعصت عليهم طائفة النصيرية في جبال اللاذقية وأرسل الحاكم عسكراً لقتالهم

стр. 640

من لبنان وحاصبيا وراشيا، فتوغلوا في تلك الجبال وامتلكوا عدة محال، ولعدم العناية واستخفافهم بالخصم آلت الحال إلى تراجعهم وقتل كثير من رجالهم، وآبوا إلى اللاذقية يتعثرون بأذيال الخجل، إلى أن جردت الحكومة على الجبال المذكورة عسكراً كثيراً وقهرت أهلها. وأوعز إبراهيم باشا إلى الأمير بشير أن يرسل ولده بألفي مقاتل إلى طرابلس سنة ١٨٣٣م ١٢٤٩هـ يجتمع هناك بسليم بك أحد قواد المصريين لتأديب العكاريين والحصنيين والصافيتين فذهب وقبض على بعض العصاة في طرابلس وعكار وكثير من الأعيان وجرت بينهم عدة وقائع. والغالب أن وقائع جبال النصيرية امتدت منها إلى صافيتا وعكار والحصن أو امتدت من هذه إلى تلك. وفي سنة ١٢٥٠ حدث هياج في حلب ثم في بيروت وإنطاكية، واشتغل إبراهيم باشا بإدخال من وقع في يديه من الرجال في سلك الجندية، فهرب الناس وتشتتوا وتوقفت الأعمال، وطلب من نابلس إنفاذ قانون الجندية فخرج أهلها عن الطاعة وحاصروا إبراهيم باشا في القدس نحو شهرين وكان لبيت أبي غوش بين القدس ويافا يد طولى في هذه الفتنة ورئيسها قاسم الأحمد حاكم نابلس، فلما ضاق الحصار بإبراهيم باشا اضطر محمد علي أن يجيء بالذات إلى يافا وأرسل إلى قاسم الأحمد كتاباً يتلطف فيه مصحوباً بمال جسيم ويقول إنه لا يأخذ منه عسكراً ولا مالاً فرضى قاسم الأحمد وفك الحصار وخرج إبراهيم باشا حتى وصل إلى يافا، فوجد العساكر قد وصلت لنجدته، فرجع على عقبيه في الحال واشتغل بالقتال والنهب والسلب، فهرب قاسم الأحمد إلى الخليل فلحقه إبراهيم باشا بعسكره، واشتغل بالنهب والقتل حتى لم يبق ولم يذر. ثم دار على الساحل فأدب العصاة من أهله ولم يزل يتتبع آثار قاسم الأحمد حتى قبض عليه وقتله في دمشق، وقتل أربعة من أولاده وأمر بجمع السلاح من جميع البلدان. وفي تاريخ فلسطين أن إبراهيم باشا لما قضى بأخذ أموال ورجال من فلسطين ندم أصحاب الإقطاعات على سكوتهم، واجتمعوا في قرية بيت وزن غربي نابلس واتفقوا على محاربته، فنكث جماعة منهم مالوا معه ودلوه على الطريق والمياه، فعاجل المخالفين قبل أن ينظموا حركتهم، وفتح طريق

стр. 641

طول كرم ثم نابلس، وعطف على القدس فاحتلها، وقد تهافت الأهالي على قتاله من كل جانب فهاجمهم وكسر جمهور القبائل الشمالية عند شعفاط، ولكن أهالي الخليل هزموه عند برك سليمان وحصروه في القدس فاستعاد نشاطه وقارعهم ثانية وظفر بهم. خطأ إداري لإبراهيم باشا ووقائعه في اللجاة ووادي التيم: لا جرم أن إبراهيم باشا أخطأ في تطبيق قانون التجنيد في الشام على نحو ما فعل أبوه في مصر، وكان عليه أن يقنع والده بالعدول عنه إلى حين، لأن صاحب القطر الأصلي لم يقطع آماله من استرجاعه وهو يسعى بكل ممكن إلى استخلاصه من غاصبه، وكل ما تنفر منه قلوب الرعية يفرح به لأنه يخدم مصلحته. فمسألة التجنيد قللت من أنصار الحكومة المصرية في القطر لقلة اعتياد الناس الجندية في ذاك العصر، وقد أصبح القوم يعدون التجنيد من باب إلقاء النفس في التهلكة، وزال من الأفكار معنى الدفاع عن الوطن والذب عن مقصد شريف، وهذا الروح كان قد ضعف في الأمة بعد أن حكمها الغرباء قروناً بالعنف والقهر. قال في معلمة الإسلام: إن تجنيد الشعب في الشام أدى إلى هجرة عدد عظيم من أهلها إلى آسيا الصغرى والعراق. ووضع اليد على الحيوانات للأعمال العسكرية نتج منه انحطاط الزراعة والتجارة، ولئن كان أمن قد استتب في الأرجاء فإن الغضب العام لم يكن أقل منه. وجاء في تاريخ حماة أن إبراهيم باشا كان يحشر الناس لبناء الثكنة العسكرية في حماة ويقبض على كل من يجده في البلد فكانوا يفرون منه إلى رؤوس الجبال وتارة يختبئون في الأنهار وربما قلع الإنسان عين نفسه أو قطع إصبعه ليعفى من الخدمة العسكرية. ولقد اتفق دروز وادي التيم مع دروز حوران وعرب تلك الجهات وأبو تجنيد أولادهم، فأرسل والي دمشق ١٢٥١ عليهم جنداً فالتقوا به في جنوبي اللجاة في وعرة هناك كتبت فيها الهزيمة على المصريين، ثم أرسل عليها قائداً اسمه محمد باشا فقاتلوه وقتلوه وقتلوا خلقاً كثيراً، ثم أنفذ إبراهيم باشا أحد رجاله شريف باشا إلى قرية أم الزيتون في وادي اللوى في أربعمائة فارس فقتلهم

стр. 642

الشيخ حمدان الدرزي عن آخرهم ولم يبق إلا على مقدمهم. وذكروا في سبب هذه الوقائع أن إبراهيم باشا طلب ١٨٠ نفراً للجندية من جبل الدروز الشرقي كما طلب ١٢٠٠ من دروز لبنان وأرسلهم إلى عكا، فطلب المشايخ إبدال ذلك بالمال وأوهموه الطاعة فلما عادوا إلى إقليمهم ثاروا عليه، فتوجه إليهم الجند بقيادة علي آغا البصيلي كبير طائفة الهوارة والصعايدة ومعه عبد القادر آغا أبو جيب فعقدوا هناك مع كبراء الدروز مجلساً للمشاورة في هذا الأمر، فامتنع الدروز من تسليم الأنفار وأرادوا الاستعاضة عنهم بالبدلات العسكرية. فقال البصيلي: إني أُرسل مراسلة استشير بها أفندينا. وعلى ذلك قرّ القرار. وفي تلك الليلة كبست الدروز العساكر وأذقانهم كؤوس المنية، وقتل أبو جيب وكان المتسلم في حوران وجبل الدروز، ولم يسلم من القتل سوى البصيلي وخمسة عشر نفراً، ثم جمع الدروز أمتعتهم ودخلوا اللجاة فجاءهم عسكر إبراهيم باشا فقتلوه. وهذه هي الوقعة التي قتل فيها الفريق محمد باشا. وقد بلغ عدد المقاتلة من الدروز والعرب عشرة آلاف. وفي مدونات مشايخ الدروز أنفسهم أن المقاتلة منهم لم يتجاوزوا الثمانمائة مقاتل ومعهم مائتان من عرب السلوط أحلافهم. وكانوا يربطون الطرق وينهبون القوافل بين بيروت ودمشق ويقتلون كل من وجدوه منفرداً من العسكر النظامي. وروى مشاقة أن العسكر المصري الذي أُرسل لأول مرة على دروز حوران كانوا ٤٥٠ مقاتلاً من الهوارة قتلوا إلا قليلاً، فأرسل إبراهيم باشا عليهم نحو ستة آلاف من العسكر النظامي مجهزين بالمدافع مع أن الدروز يومئذ لم يكونوا أكثر من ١٦٠٠ مقاتل. ولما عجز شريف باشا والي دمشق عن كبح جماح الدروز جاء إبراهيم باشا من شمالي الشام وكان هناك يرقب حركة الأتراك فساق قوة أُخرى، فرأى الرعب قد دبّ في قلوب عسكره من رهبة الدروز فعمد إلى ضربهم من جهة صرخد بفرسان الأكراد. ودارت رحى الحرب بينهم وتهارب الدروز من وجه إبراهيم باشا ورجاله إلى أن قادوهم إلى سهل دام، وهناك رجعوا عليهم وأعملوا السيف فيهم وفتكوا بجموعهم، ولما عرف إبراهيم باشا أن عسكره ذُعر من شجاعة الدروز عمد إلى تسميم الماء الذي كانوا يستقون منه فأرسل إلى الدكتور كلوت بك يستحضر منه

стр. 643

محلولاً قاتلاً فرفض هذا إجابة طلبه وحاول أن يمنعه من استعمال تلك الواسطة لما فيها من القسوة التي تشمل الحريم والأطفال معاً، أما إبراهيم باشا فكان يرى مصلحة الدولة أولاً والرعية ثانياً، ولما عجز عن إخضاع العصاة ألزم علماء الكيمياء بصنع محلول سليماني ألقاه في المياه وأعلم الدروز بذلك، فاضطر الدروز إلى ترك المكان بعد أن مات منهم عدد كبير عطشاً وأتوا إلى إقليم البلان. وكان دروز وادي التيم وإقليم بالبلان ينجدون دروز حوران بقيادة شبلي العريان ولما ضاق بهم ذراع إبراهيم باشا استدعى من مصر عسكراً من الأرناؤد فأمده أبوه بأربعة آلاف جندي بقيادة مصطفى باشا، وهم الذين حارب الدروز بهم في الوعرة أيضاً فلم يظفروا بهم. وكانت دروز الأقاليم تنجد دروز حوران سراً أولاً ثم أخذت تنجدهم علناً. أما نصارى لبنان فتجندوا أولاً مع العساكر المصرية وحضروا الوقائع التي حدثت بين المصريين والدروز في حوران ووادي التيم. وتجمع العصاة في قرية حينة من إقليم البَلاّن، فأطلق الأمير مجيد شهاب الغارة عليهم فانهزموا وقتل منهم ١٥٠ رجىً وبلغ شبلي العريان ذلك فحضر بعسكره من الوعرة وحاصر العسكر المصري في سراي حاصبيا فقتل من أمراء حاصبيا الأمير علي ثم أرسل العريان إلى الأمير محمود خليل أن يخرج من السراي ولا يشارك العسكر النظامي فخرج بجماعته اللبنانيين، واضطرمت نار الحرب بين العسكر المصري والعريان، ففر الجند المصري منهزماً نحو البقاع فتبعه العريان بمن معه وأعمل في أقفيتهم السلاح فقتل منهم نحو ثلاثمائة رجل وتشتت من عسكره في البقاع وعاد فخيم في قرية عيحا قرب راشيا، فأتته الدروز وتحصنوا قبالته في غابة هناك، وانتشب الحرب بينه وبينهم فلم يظفر بهم، ثم اشتبك الدروز مع عسكر إبراهيم باشا في وادي بكا فهجم عليهم إبراهيم باشا بعسكره وأطلق عليهم النار وأطبقت العساكر من كل جانب، فقتلوا من الجند المصري وقتل منهم مقتلة عظيمة اضطروا عقيبها إلى الفرار. قيل أنه قتل من الدروز في الوقعة الأولى ٦٢٠ عدا من تأثرهم إبراهيم باشا وقتلهم، ثم حدثت وقعة في قلعة صخور وتفرق الدروز، وطلب العريان الأمان من إبراهيم باشا فأجابه إليه وجعله قائداً على ألف فارس هوارة. وفي سنة ١٢٥٢ توجه الأمير مسعود

стр. 644

الشهابي لحرب العرب العصاة في الصفا فاستسلموا له ومات من عسكره خمسون جندياً دنقاً. نعم بدأ الاشمئزاز من حكومة محمد علي سنة ١٢٥٠ لما صدر أمره إلى ابنه إبراهيم باشا باحتكار أصناف الحرير للحكومة، وبضرب ضريبة جديدة على الأهالي، وبتجهيز عدة ألايات، وزاد الحنق لنزع السلاح، فابتدأت الثورة بجوار بحيرة لوط وعلى شواطئ الأردن، وفي هذه الوقعة التي انتهت بقتل قاسم الأحمد حاكم نابلس بدمشق، قتل إبراهيم باشا كثيراً من زعماء الأتراك ممن كانوا ساعدوا العصاة عليه، وأخذ الدلاوز والنصيرية والموارنة يستعدون للثورة يهيجهم عليها عمال الدولة العثمانية، وبريطانيا تحرض العثمانيين وتعلمهم كيف يسلكون. وقد روى كامل في تاريخه أن إبراهيم باشا فقد من جيشه في السنتين التايتين لأمر التجنيد نحو عشرين ألفاً. وممن انتقض على إبراهيم باشا أهالي الكرك فإنه لما فتح إقليمهم نظم إدارته وجعل له حامية من جنده، وبعد قليل تمرد السكان وذبحوا الحامية والموظفين على بكرة أبيهم، وقتلوا كتيبة من جنده كانت آيبة إلى مصر، فأضلوها الطريق وأهلكوا أكثرها. سياسة الأتراك والدول مع محمد علي: وكانت الدولة العثمانية بمعاونة الدولة البريطانية لا تفتأ منذ دخول المصريين إلى الشام تدس الدسائس في القطر، وتستميل رؤساء العشائر وأرباب الزعامات والأعيان، بالمال تارة والوعود الخلاّبة أُخرى. وبعد أن عقد محمد علي مع سلطان العثمانيين العقد الثاني وهو خمس سنين أيضاً ومضى أكثره وأدى المقرر عليه من المال، ارتأى العثمانيون بإيعاز بريطانيا العظمى أن يستخلصوا الشام وأذنة من محمد علي، فأرسل السلطان محمود سنة ١٢٥٥ حافظ باشا في سبعين ألف مقاتل وفي رواية مائة ألف مجهزين بمدفعية مهمة ومعها طائفة من كبار ضباط روسيا وبروسيا وزحف إبراهيم باشا في أربعين ألفاً حتى انتهى الجيشان إلى سهل نِزّيب نصيبين، واشتبك القتال بين الجيشين ثماني ساعات ونصفاً فتراجع الجيش العثماني بعد أن قتل منه ستة آلاف وقيل أربعة وأُسر اثنا عشر

стр. 645

ألفاً، وغنم المصريون من العثمانيين في هذه الوقعة ١٦٦ مدفعاً و٢٠ ألف بندقية، وقتل من المصريين أربعة آلاف وقتل المصريون من الأتراك في حال انهزامهم ما يبلغ خمسة أسداسهم. وذكر المصنف المجهول أن وقعة نزيب كانت يوم ١١ ربيع الثاني ١٢٥٥ ٢٤ حزيران ١٨٣٩ وأن إبراهيم باشا استولى من العثمانيين على مائة وعشرين مدفعاً وعشرة آلاف بندقية وجميع مهماتهم وذخائرهم وعتادهم وقتل منهم أربعة آلاف وخمسمائة وجرح ١٨ ألفاً وأسر ثمانية آلاف وخمسمائة وقتل أمراء كثيرين. وقتل من جيش إبراهيم باشا أربعمائة وجرح ثمانمائة وفقد أربعمائة ثم قصد بيره جك البيرة فهرب العثمانيون وغنم منهم ٣٢ مدفعاُ بعتادها. انتهى خبر الهزيمة إلى الأستانة بعد ثمانية أيام من وفاة السلطان محمود الثاني وجلوس ابنه عبد المجيد وهو فتى في السادسة عشرة من عمره. جلس السلطان الجديد وسلطنته مهددة بجيوش محمد علي، وليس للدولة جيش، وقد فقدت أسطولها في الإسكندرية، سلمه لمحمد علي أمير البحر أحمد فوزي باشا، فرأى السلطان أن يسادّ ويقارب، فأرادته الدول على أن يتربص ريثما يتوفق إلى حل مرضي بإجماع الآراء بينهن، فكان من ذلك حل المسألة المصرية العثمانية بالطرق السلمية الحربية، فاتفقت الدول العظمى ما خلا فرنسا أن لا تتجدد معاهدة خنكار إسكله سي بين العثمانية والروسية، وأن السلطان إذا اقتضت له معاونة لسلامة السلطنة تعاونه الدول، على أن تبقى المضايق والدردنيل تحت إشرافهن، وكان محمد علي يتذرع لدى الباب العالي أن تكون مصر والشام وأذنة ملكاً وراثياً له ولأولاده فأرضته الدول بمصر فقط ولم تنفعه معاضدة فرنسا، وقضي على محمد علي أن يخرج من أذنة والشام في عشرة أيام، وأن لا تبقى له مع مصر سوى باشاوية عكا أي فلسطين من أرض الشام. تقرر ذلك في مؤتمر لندرا ١٨٤٠ بين إنكلترا وروسيا وبروسيا والنمسا بيد أن محمد علي أبى أن يخرج من الشام، فبعثت إنكلترا بأسطولها إلى السواحل بقيادة روبرت ستوبفورد فضربت بيروت واستسلمت باقي الثغور كطرابلس وصيدا وصور وقاومت عكا، وبعد أن أطلقت عليها البوارج الإنكليزية قذائفها ثلاث ساعات أصابت مستودع البارود فانفجر وقتل كثيراً من الرجال، ثم

стр. 646

اضطرت العساكر المصرية إلى العودة من طريق البر الذي كانت جاءت منه. وكانت فرنسا مناهضة هذه المرة للدول وقامت إلى جنب محمد علي تبرر عمله، وتناصره برأيها ومعاونتها الأدبية. ونشر السلطان عبد المجيد ١٢٥٥ ١٨٣٩ خلال هذه المدة خط كلخانه أو البراءة السلطانية وهي أول قانون إصلاحي في السلطنة العثمانية يقضي بإعطاء العناصر العثمانية حقها وحريتها، ويضع نظاماً لاستيفاء الضرائب على نظام واحد، وتطبيق القانون العسكري وغير ذلك من الأمور الإدارية، فصفقت أوربا لقانونه ورجت الارتقاء لمملكته. وكان هذا القانون مما أوحت به بريطانيا واستملاه عقلاء الساسة من الأتراك في العاصمة. انفراط عقد الحكم المصري: ولما أحس أهل لبنان بواسطة دعاة البريطانيين أن الدول أزمعت إجلاء الجيش المصري عن الشام بالقوة إن لم ينجل مختاراً، أخذوا يناوشون الحامية المصرية وقتلوا بعض المتسلمين من المصريين، وكان الأمراء الشهابيون واللمَعيون يقوون العامة سراً ويحثونهم على الثبات، والإفرنج يخبرون الناس باتفاق الدول الأربع النمسا وبريطانيا وروسيا وبروسيا مع الدولة العثمانية على استخلاص الشام من محمد علي، ويحرضونهم على الدولة المصرية، ويؤكدون أن المراكب الحربية قادمة إليهم، واشتدت الفتنة بين أهل الجبل والأمير بشير وحرق إبراهيم باشا بعض قرى الجبل وقتل رهباناً وسبى حريماً. وكان أمير لبنان في ظاهره مع إبراهيم باشا خوفاً منه، وفي الباطن مع من يضمن له ولايته، وقبض المصريون على ٥٧ رجلاً من أعيان لبنان بينهم أربعون من أمراء الشهابيين كانوا يدعون أهل بلادهم لخلع طاعة المصريين فنفاهم إبراهيم باشا إلى مصر ومنها إلى السودان، وأخذ أعوان أمير لبنان ينتقمون من الرعايا بجمع السلاح والخيل وطرح المغارم، وجاء على الأثر الأسطول العثماني والأوربي في أربعين قطعة صغيرة وكبيرة، تحمل خمسة

стр. 647

آلاف وخمسمائة جندي عثماني وألفي جندي أوربي، فأخذ إبراهيم باشا يجمع شمله في الداخل، ويستدعي جنوده من الساحل، وبحسب تقارير ضباط الإنكليز أن المقتول والمجروح والضائع من العسكر المصري لم يكن أقل من عشرين ألف جندي. وخرج إبراهيم باشا من دمشق ١٢٥٦ بعد أن فرق ذخائره ومتاعه على المساجد والجوامع وبيوت الأرامل والأيتام، وأخذ معه جميع الحبوب والمواشي خارجاً من باب الله ونزل في سهل القدم، ومنها قصد إلى مصر عن طريق البر. وقبل رحيله عن دمشق أرسل خالد باشا التركي من الساحل أحمد آغا اليوسف في شرذمة من الجيش فخرج إليه إبراهيم باشا بجند قليل وهزمه شر هزيمة، فرجع إبراهيم باشا بالغنائم والذخيرة الوافرة، اما أحمد آغا فنزل بعسكره بعيداً عن دمشق في إحدى قرى الزبداني ينتظر إخلاء إبراهيم باشا المدينة، ثم خرج إبراهيم باشا صادعاً بالأمر الذي جاءه من والده بالجلاء عن الشام فخرج أهل دمشق لوداعه وخطبهم وحرضهم على الإخلاد إلى الطاعة والسكينة، ريثما تعود الحكومة العثمانية، وعينت الدولة علي باشا الذي كان والياً على الشام يوم دخول إبراهيم باشا، وكان أشد الأتراك تعصباً، وبقي قنصل بريطانيا المستر ودد الذي أثار الموارنة على إبراهيم باشا مفوضاً من الدولة التركية بمراقبة أعمال عمالها، وكان كثيراً ما يشير على الدولة بعزل هذا فتعزله ونصب ذاك فتنصبه، وكان الموظفون العثمانيون معه كموظفين صغار في خدمة آمر مطلق. أراد محمد علي أن يقاوم دول أوربا ويظل في الشام، ولكنه علم ببعد نظره أن ذلك متعذر، وأن أسطولاً ضرب بيروت وأحرق الأسطول المصري ونزل تسعة آلاف جندي إلى سواحل الشام، وأن الموارنة بعد أن كانوا عضد ابنه إبراهيم أصبحوا يعاونون الأوربيين على طرده من الشام، وتقدم أمير البحر بأبيه أمام الإسكندرية وأخذ من محمد علي معاهدة لم يترك له بها سوى مصر، وأنه من مقتضى معاهدة الدولة العثمانية مع الدول ترك الحق لبريطانيا بالاتفاق مع النمسا في محاصرة الموانئ ومساعدة كل من أراد خلع طاعة المصريين والرجوع إلى الدولة العلية، وبعبارة أخرى تحريضهم على العصيان لإشغال الجيش المصري في الداخل، كي لا يقوى على مقاومة السفن النمساوية والبريطانية

стр. 648

وأن يكون لمراكب روسيا والنمسا وبريطانيا معاً حق الدخول في البوسفور لوقاية القسطنطينية متى تقدمت الجيوش المصرية نحوها. فضل حكم محمد علي: كانت حسنات حكومة محمد علي في الشام أكثر من سيئاتها. وضعت أصول الإدارة والجباية ورفعت أيدي أرباب الإقطاعات وأعطتهم من الخزانة رواتب تكفيهم، ولم يخلص من ذلك إلا الأمير بشير الشهابي والي لبنان، فإنه نال ولايته مباشرة من محمد علي في مصر، وظلّ يتصرف بلبنان، وبذلك رفعت سلطة المشايخ والأمراء المستبدين. قال مشاقة: كانت الدول التركية خبيرة بأحوال الشعب أكثر من الدولة المصرية فبعثت تدس الدسائس في المشايخ، وتغريهم بالمواعيد الفاحشة، ليحضوا الشعب على شق عصا الطاعة، طمعاً بإرجاع نفوذهم، وكان النصيرية أول من شق عصا الطاعة وتبعهم الدروز في حوران ووادي التيم، فقضى المصريون معظم أيام دولتهم في الشام بالحروب والقلاقل. ومن مآثر الحكومة المصرية التي عددها مشاقة تجفيفها المستنقعات وتصريف الأقذار في مجار خاصة، وتحديد أسعار اللحوم، والعدل بين الرعايا على اختلاف أديانهم وطبقاتهم، لا تكلف صاحب الحق نفقة لتحصيل حقوقه، وإنفاق كل مال في وجهه المخصص له، ومع ذلك ظل الشعب يسومها العداوة ويناقشها الحساب، لأنه اعتاد أن يكون محكوماً لا حاكم نفسه، عبداً لا حراً. وأكد أن البريطانيين استخدموا رجلاً من رجالهم السياسيين اسمه ودد فجاء كسروان بدعوى أنه يريد تعلم اللغة العربية، وأخذ يبث الدسائس حتى أعلن الكسروانيون العصيان، وقاتلوا جيشاً من جيوش إبراهيم باشا وجيوش الأمير بشير، ودام القتال أياماً، وتغلب العصاة على إبراهيم باشا مراراً، وهي المرة الأولى التي ذاق بها إبراهيم باشا طعم الانكسار. ومدح مشاقة الأمير بشيراً الشهابي الذي كان عضداً قوياً لإبراهيم باشا، وقد تولى حكومة الجبل من سنة ١٧٨٥ إلى سنة ١٨٤٠ وأرسلته الدولة لما استولت

стр. 649

على الساحل إلى مالطة وبقي منفياً فيها زمناً ولم يستطع أن يعود إلى إمارته. قال إنه كان شجاعاً مقداماً، وقائداً محنكاً، وسياسياً داهية، خدم الجزار بكل أمانة ونشاط، وخدم خلفه وحفيده مثله، وخدم الدولة التركية والدولة المصرية، وكان يعطي لكل خدمة ودولة حقوقها، وكان صادقاً إذا وعد أميناً على واجبه، ولكنه لم يخدم لبنان خدمة تذكر. وانتقد مشاقة حكومة محمد علي تقاعسها عن إشهار استقلالها عن الدولة التركية، مع أنه كان من أسهل الأمور بعد أن اكتسحت القطر، فلو نادى محمد علي بنفسه ملكاً مستقلاً وأرسل سفراء إلى عواصم الدول الأجنبية، وعقد معها المعاهدات الدولية لاعترفت له بالملك على الرغم من مقاومة دولة بني عثمان، ولو طلب منها الاعتراف بملكه واستقلاله عن الدولة التركية عقيب حادثة قونية، لأجبرتها على الاعتراف بسيادته لأنه استحال عليها إخراج جنوده من الشام، أو صد هجمات إبراهيم باشا وتقدمه إلى قلب عاصمتها، ولو فعل لكانت المملكة العثمانية عربية اليوم أو لكانت على الأقل أضيفت الشام إلى مصر وأصبح حظ القطرين واحداً. ولم يظهر سر امتناع محمد علي من الإقدام على هذا الأمر الخطير ولو فعل لغير حالة هذا الشرق القريب لا محالة. رأي الغرباء في حكومة محمد علي: أثبتت حكومة محمد علي في فتوحها أن المصري بل العربي إذا تهيأ له زعيم عاقل لا يقل عن الغربيين في سيرته وجلادته، وأنه لم يضره في القرون الماضية إلا فناؤه في الحكومة التركية، بدعوى أن الإسلام لا يفرق بين الأجناس، والعربي والتركي أخوان، وأن الظلم إذا جاء من مسلم كان مقبولاً!. وكانت حكومة محمد علي من أفضل ما رأت الشام من الحكومات منذ ثلاثة أو أربعة قرون، بل أن الشام في القرون الوسطى والحديثة لم تسعد بما يقرب منها فضلاً عما يماثلها. كتب المستر برانت قنصل بريطانيا في دمشق إلى سفير دولته في الأستانة سنة ١٨٥٨م ما تعريبه: لما كانت الإيالة تحت حكم محمد علي باشا عاد كثير

стр. 650

إلى سكنى المدن والقرى المهجورة، وإلى حراثة الأرضين المهملة، وهذا ما حدث وخاصة في حوران وفي الأرجاء الواقعة حوالي حمص، وفي كل الجهات الواقعة على حدود البادية، وفي هذه الأماكن أكره العرب على احترام سلطة الحكومة، وجعل السكان بمأمن من اعتداءاتهم. وكان الشام بأسره تحت إدارة شريف باشا وقيادة الجيش الذي يبلغ عدده زهاء ٤٠ ألف جندي نظامي وغير نظامي بإمرة إبراهيم باشا، فبحسن إدارة الأول تضاعف نجاح الأهلين وحسنت المالية في هذه النواحي، كما أن نشاط إبراهيم وحزمه وطد الأمن ومدّ رواق الثقة، وقد عدت الحكومة ظالمة لكنها في الحقيقة لم تكن تستطيع غير ذلك، إذ كان عليها أن تصلح غدة أمور مختلفة، وأن تبدل الفوضى والتعصب والقلاقل التي كانت سائدة بالعدل. وامتعض أصحاب المقامات العالية والأفندية والأغوات من ذلك كثيراً لأنهم كانوا يثرون من ابتزاز أصحاب التجارة والحرف وسائر الطبقات العاملة. وقد سر هؤلاء كل سرور لخلاصهم من الظلم الذي أنّوا تحت عبئه طويلا، واغتبط النصارى خاصة وفرحوا لنجاتهم من التعصب الذي أوصلهم إلى درجة من الذل لا تطاق. ولم يكن الفلاحون أقل سروراً منهم لأنه وإن كانت الضرائب المقررة تستوفي بكل شدة، لم يكن يستوفي منهم بارة زيادة، ولا تضبط حاصلاتهم وغلالهم، ولا يؤخذ منهم شيء دون دفع ثمنه، ولم يجبروا على تقديم خدمة دون بدل، وقد فرضت الخدمة العسكرية على المسلمين، وهذا الأمر الجديد كان ينبوع استياءٍ عظيم. أما النصارى الذين كانوا يدفعون الخراج فأعفوا من الخدمة العسكرية، والفلاحون الذين قطنوا القرى المهجورة أسلفوا مالاً لإصلاح بيوتهم وتموينها، وأعفوا من الضرائب مدة ثلاث سنين. وقصارى القول أن جميع هذه المساعدات بذلت لزيادة الحاصلات، وكم من مرة ذهبت الجنود بإمرة إبراهيم باشا لإتلاف بيوض الجراد وما نقف منها وبفضل هذا الحكم الحازم العادل المحترم من الجميع أخذت البلاد تترقى في مدارج النجاح والنماء، فلو طال الحكم المصري على الشام لاستعادت قسماً عظيماً من وفرة سكانها القدماء، وأصابت شطراً كبيراً من الثروة التي كانت في الماضي، وآثارها لم تزل ظاهرة للعيان في القرى والمدن العديدة في جهات

стр. 651

حوران، وفيما وجد في البادية حيث ترى فيها الطرق التي اختطها الرومانيون. قال: ولم يكد المصريون يطردون من القطر ويتقلص ظلّ سطوتهم وقد كانوا أخضعوا الجميع لحكمهم الشديد حتى عاد القوم إلى نبذ الطاعة وخلفت الرشوة والتبذير في إدارة المالية النزاهة والاقتصاد ومنيت المداخيل بالنقص، واستأنف عرب البادية غاراتهم على السكان فخلت القرى والمزارع المأهولة جديداً بالتدريج حتى أمكن القول إنه لا يوجد ثم ظل للأمن على الحياة والأملاك وكل شيء يدل على عودة حالة الفوضى إلى هذه الديار التي تركها المصريون. هذه أجمل صفحة في وصف حكم محمد علي في الشام كتبها إنجليزي. وقال برييه الفرنسي في كتابه الشام على عهد حكومة محمد علي ما تعريبه: ما من بلدة نالت ما نالته الشام من العمران والمجد في كل مظهر من مظاهر الحياة، وما من بلد عانى شقاءً كشقائها من تقلبات الزمان، وسقي أديمها بالدماء، فإن خصبها المدهش وجمال إقليمها وتنوعه، ومركزها المهم الذي يقرب إليه جميع الأجزاء القديمة التجارية من الأرض، كان يجعل منها في القديم النقطة المتوسطة للعلوم والتجارة في العالم، ولكن هذا المركز وهذه المنافع قد نبهت أطماع الفاتحين، وجلبت غير مرة على الشام ويلات الحروب. وكانت الشام على عهد الأتراك العثمانيين مقسمة إلى أربعة إيالات: حلب وطرابلس وعكا ودمشق، وقبل مجيء إبراهيم باشا إلى الشام كانت حكومة هذا القطر من الممالك العثمانية التي تتعب السلطنة، ولا يمكن حصر السلطة في يد واحدة، لأن معنى ذلك تسليم سلطة كبرى لرجل واحد تمكنه من العصيان وكثيراً ما كان السلطان سلطاناً بالاسم مع أن الشام كانت مقسمة إلى أربع إيالات كما حدث في زمن عبد الله باشا وغيره ممن شقوا عصا الطاعة وكثيراً ما كان الباشوات يشنقون كما حدث في حلب على جدران قصر الشيخ يابران ولطالما شنقت عليه باشاوات بيد الأهالي كما أحرقوا باشا دمشق. وكان الدم يجري لأقل شبهة والعذاب الأليم يحل فيشنق الباشاوات وتستل أرواحهم من أسفلهم ويجعلون العصاة على الحديد ويحزون الرؤوس وبذلك كان يتمكن الباشاوات من توطيد سلطانهم على الرعايا وإلا أصبحوا عرضة للحرق والشنق. قال: ومن المحقق أنه ليس إلا طريقة الإرهاب والقوة التي

стр. 652

تؤثر الأثر المطلوب في شعوب الشام وتردهم إلى الطاعة، وقد عرف إبراهيم باشا كيف يؤثر في الشاميين وذلك بأن استمال إليه قلوب أشرافهم وأعيانهم وألقى بينهم الشقاق ضمناً عند الاقتضاء، وبذلك تيسر له حكم هذه الإيالات ووضع ضرائب شديدة عليها ما كان القوم يتحملونها لو لم يكونوا من عناصر وأديان مختلفة، وكان شريف باشا حاكماً على الشام كله وتحت يده الحكام، وكان طماعاً في المال. حكمنا على أنفسنا وعلى غيرنا: هذا هو الإنصاف في الحكم على حكومة إبراهيم باشا وما هي في الحقيقة إلا روح محمد علي الكبير التي كان يستمد منه ابنه، ولا يصدر إلا عنه في الخطوب ولا يقطع أمراً دون الرجوع إلى رأيه، حتى جاءت أحكام المصريين نموذجاً في الإدارة، ولو عزمت الدولة العثمانية أن تستفيد من هذا الدرس لأرادت عمالها على تطبيق خطط إبراهيم باشا في الإصلاحات التي قام بها خلال التسع سنين التي قضاها في هذا القطر، ولكن العثمانيين ابتلوا بالإهمال والغرور، لا يعمدون إلى حسن الإدارة ويتظاهرون بالإحسان إلا يوم الشدائد، فإذا زالت عادوا إلى طبائعهم في إعنات الرعية وإلقاء الحبل على الغارب، ونسوا ما أعطوا من عهود، وما وضعوا من القوانين. وهذا ما دعا إلى ظهور الفروق الكثيرة بين الإدارتين المصرية والعثمانية بعد رحيل جيش إبراهيم باشا عن هذه الديار، وهو الجلاء الذي اقتضته الدول الكبرى بل الدولة البريطانية التي حملت الدول على موافقتها على رأيها لآمال لها تريد تحقيقها في مصر والشام، لتكون هي الحاكمة المتحكمة في مصالحها لا الدولة المصرية الفتية التي تحب فرنسا وتساهمها سياستها أحياناً. وما مصر والشام إلا طريق الهند الأقرب، بل مفتاحها من البحر المتوسط، وإذا أردنا أن ننظر بعين المؤرخ المنصف نرى بريطانيا العظمى هي التي اقتضت سياستها القضاء على أماني محمد علي بل أماني العرب من إنشاء دولة عربية، كما أوجبت سياستها قبل ثلاثين سنة أن تدعو الدولة العثمانية إلى حرب الوهابيين في نجد والحجاز حرباً عواناً لأنه كان

стр. 653

يخشى أن يؤسسوا أيضاً دولة عربية جديدة ربما كانت عثرة في سبيل أماني تلك الحكومة في شبه الجزيرة العربية. ولو نظرنا إلى ما وقع لإبراهيم باشا في الشام لأول الفتح، لم نره إلا قتالاً مع العثمانيين أي قتال الجيش المصري مع الجيش العثماني، وإذا كان في الجيش الذي دافع عن عكا أو عن دمشق أو يوم حمص مثلاً أناس من الأكراد والهوارة فهؤلاء ليسوا شاميين وهم مستأجرون يحاربون مع كل من يعولهم ويرزقهم، على نحو ما وقع لإبراهيم باشا من هذه الفئة، أسرهم من صفوف الدولة ثم حولهم إلى صفوفه فأخذوا يقاتلون معه، ولم يلتو القصد على إبراهيم باشا إلا لما دخلت أصابع الأجانب، وأخذوا يثيرون عربان نابلس وسكان كسروان وجبال النصيرية ودروز لبنان ووادي التيم وجبل حوران وكل من عرفوا بالمضاء من سكان الجبال، وأما المدن والسواد الأعظم من الناس فقد استقبلوه وأخلصوا له وشعروا بحسن إدارته ولا سيما المسيحيون والاسرائيليون وكلهم أدركوا الفرق بين حكومته وحكومة الترك. ولقد تجلى في وقائع محمد علي في الشام تجلياً لا مجال للريب فيه، أن اختلاف المذاهب وتباين التربية، كان من العوامل القوية في إلقاء الفتنة بين أبناء هذا الوطن، وأن دول أوربا عند أغراضها تستحل بث بذور الشقاق بين المتآلفين، وتستخدم وسائل غريبة في تكدير صفاء الآمنين، وتعبث بعقول السّذّج المساكين، وأنها قلما اهتمت لمصلحة أمة من أمم الشرق، بل تهمها مصلحتها فقط، ولو كانت تريد الخير للشام لتركته يسعد ويرقى بحكم محمد علي الذي كان بإقرار رجالها من أرقى ما عهده القطر منذ قرون، ولعل أبناء الشام أيقنوا بخطإهم في الانتقاض على الحكومة المصرية وهي مثلهم عنصراً ولغة وعادات أنهم كانوا على ضلال في الحنين إلى حكم العثمانيين، وما كان من حقهم أن ينسوا في سنين قليلة كيف كان حكامهم يسارعون في الإثم والعدوان. وكان على الشاميين منذ عهد المصريين أن يدركوا أن الدولة دب فيها دبيب الفساد، وأن من العناء رياضة الهرم، وأن الهرم إذا نزل في الدول لا يرتفع.

стр. 654

العهد العثماني من سنة ١٢٥٦ إلى ١٢٧٧ رجوع الشام إلى سالف بؤسها على العهد العثماني وفتن الدروز والنصارى أشبه الشام بعد الحكومة المصرية حال من كان في محنة مستديمة وشظف عيش، ثم حسنت حالته بان عُلّم النظام والسكون، ومتّع ببعض الراحة، وغذي بالأطايب، فتغيرت طبيعته، وتبدلت نفسيته، وبمحاولة إرجاعه إلى سابق مألوفه، عُدّ من يحاول ذلك جانياً عليه. وما كان يحلم أولاً بأن يستمتع بغير ما كان له، وبرجوعه سيرته الأولى تجلى له الفرق وتنغص عيشه. تبين الفرق بين الإدارتين المصرية والعثمانية ولو طال عهد المصريين أكثر - وكانوا في صدد الفتح يتخوفون بادرة العثمانيين كل حين - لسعد القطر حقيقة وأيقن حتى من كانوا ينعمون من دماء الأمة على العهد العثماني أن طريقة المصريين في المساواة بين الطبقات والمذاهب المختلفة، والشدة في إنفاذ القوانين، وتقليد الغرب في كل أمر جوهري أفضل طريقة لراحة السكان، وكان يرجى أن يألفوا في مدة قصيرة ما تأصل في فطرهم على توالي القرون، وتعودوه من حكم أرباب الإقطاعات الذين صدهم المصريون عن تجارتهم الشائنة التي ألفوها زمن العثمانيين، وهي الاتجار بالجباية يجبونها أضعافاً، ويسلبون الباقي من الأمة بمرأى من الحكومة ومسمع. وراعي الشاة يحمي الذئب عنها ... فكيف إذا الرعاة لها ذئاب لم تكد تخلي الجنود المصرية أرض الشام حتى رجعت إلى حالتها القديمة وثارت العداوات في الصدور، وزادت الدسائس الأجنبية، وأخذت فرنسا

стр. 655

تساعد الموارنة، وبريطانيا تعاون الدروز، فتعدى هؤلاء على الموارنة في سنة ١٢٥٧ ودخلوا دير القمر وارتكبوا فيه الفظائع المنكرة، وزحفوا على زحلة بثمانية آلاف، وانتسب القتال بينهم وبين أهلها، ومعهم أهل بعلبك، فانهزم الدروز شر هزيمة، ولولا تدخل الجيوش بشدة لامتدت الثورة. وانجلت حادثة دير القمر عن مائة وتسعة قتلى من النصارى وعدد كبير من الدروز قدره مشاقة بأكثر من خمسمائة لأنهم كانوا مهاجمين قال: ولما ظهر للنصارى غدر مشايخ الدروز بهم في هذه الحادثة نفروا منهم نفوراً تاماً، وطلبوا من الوزير حاكماً عليهم ورفع سلطة المشايخ عنهم فأجابهم إلى ذلك، لأن هذا ما كان يرغب فيه، ولولاه لما كان الأتراك يختمون عروض المحاضر طعناً على أمراء الجبل ويحضون أهله على الفتن. عاملت الدولة العثمانية بعد عودتها إلى القطر كل من ساعدها على مقاصدها وخدمها أو تظاهر بخدمتها وتجسس لها زمن الحكومة المصرية المعاملة التي ترضيه، فرجع أرباب النفوذ والإقطاعات إلى سالف مجدهم، المبني على تقطيع أوصال الشعب والتغذي بلحمه. وأقامت بدلاً من الأمير بشير الشهابي الأمير بشير قاسم الشهابي حاكماً على لبنان. وكان دون سلفه إدارة ومعرفة، وأقصت الأمراء الشهابيين عن وادي التيم، وأقامت شبلي العريان متسلماً لها لأنه خدم أتراك في حرب المصريين، نزع من النصارى سلاحهم وقدم للدروز باروداً وذخائر، وكان يرى سلب القرى المسيحية وإحراقها من عوامل الخدمة لطائفته ودولته. ولم يكن من مصلحة الدولة أن تسود الألفة بين الطوائف، وأن يتعامل أهل الوطن الواحد بالحسنى، فكان أكثر رجالها يوقدون جذوة التعصب الديني ويساعدون الدروز على النصارى في لبنان، حتى يتيسر للدولة أن تنزع الحكم من أرباب الإقطاعات وتقيم له والياً كما لطرابلس وصيدا والقدس وحلب ودمشق، ولذلك كثرت الفتن والمناوشات بين النصارى والدروز، فأثار الأمير قاسم الشهابي الدروز على الموارنة ١٨٤١م فقتلوهم ونهبوهم فتدخلت الدولة وعزلت الأمير قاسماً الشهابي لتقيم مكانه والياً عثمانياً، نصبت عمر باشا النمساوي ثم عزلته، وجعل الجبل قائم مقاميتين الأولى نصرانية والثانية

стр. 656

درزية، فلم ترتض الطائفتان ذلك، وأصبحت الأولى بيد فرنسا والثانية بيد إنكلترا، واختل الأمن في أرجاء الشام لمحاولة الدولة نزع السلاح من فئة أو أهل ناحية وإبقاءه في أيدي آخرين. كتب قنصل إنكلترا في دمشق سنة ١٨٤١م ١٢٥٧هـ إلى نجيب باشا كتاباً قال له فيه: إذا كانت الحكومة ترغب حقيقة في استتباب الأمن ففي وسعها أن تبدأ بإظهار حسن نيتها فتمنع تخريب القرى وتدمير أماكن العبادة الكائنة على بضع خطوات من دمشق. إن نزع السلاح من يد الشاميين عامة أمر مرغوب فيه لو تسنى إتمامه دون التخوف من حدوث ثورة عامة، بيد أنا رأينا هذه الوسيلة مقصورة على نصارى لبنان الغربي ولبنان الشرقي، على حين سمح لسائر أتباع السلطنة بحفظ أسلحتهم، ومع ذلك لا ينبغي أن يغرب عن البال أن الباب العالي اعترف بصدق رعاياه النصارى وأمانتهم في هذه الأرجاء إذ لجأ إليهم قبل الجميع فوزع عليهم أسلحة لطرد عدو الطرفين يريد إبراهيم باشا المصري كما أن احتلال جنود حضرة السلطان الآن للشام هو نتيجة مساعدة اللبنانيين. فتن أهلية في الجبال والمدن: وفي سنة ١٨٤٢ قبض عمر باشا النمساوي على زعماء الدروز فاجتمع أتباعهم وهجموا على سراي بيت الدين وكان هناك فتهددهم، وحضر شبلي العريان بجنده المنظم واجتمع في الطريق بفرقة من الأرناؤد قادمة إلى عمر باشا ليرسلها لتأديب الدروز فوقعت بين الفريقين موقعة فهزمهم جند عمر باشا في أقل من ساعة. وظلت مراجل الأحقاد في لبنان تغلي والحكومة تجهل أو تتجاهل السبيل لقطع شأفة الفتن من الجبل وغيره من الأصقاع الشامية. وقد عينت سنة ١٢٦٠هـ رجلاً لجباية الأموال الأميرية من جبل النصيرية ومطاردة بعض الأشقياء، فلما بلغ ناحية البهلولية طلب مقدمي الكلبية ورؤساءهم فأرسلوا إليه رجلين وهما إسماعيل عثمان وحبيب مخلوف فأرسلهما في الحال إلى اللاذقية مقيدين وأخذ في تعذيبهما، وانتهى الخبر إلى الجبل فتجمع نحو خمسمائة رجل من أهله

стр. 657

ومضوا إلى اللاذقية وهاجموا دار الحكومة وكسروا السجن وأخذوا السجينين ومن معهما من المأمورين، فصدر الأمر بأن يجهز الجند الذي كان معه مع جميع الأهالي النازلين بين أنطاكية وصافيتا، فتألف منهم جيش عسكر في القرداحة، فأرسل النصيرية بعض نسائهم إلى القائد يحملن أعلام الأمان ويطلبن العفو، وأن يضمن لهن سلامة الأنفس والأموال والعيال، فأبى إلا إنزال العقوبة بالثائرين، وكان عددهم نحو ستمائة، وعدد العسكر النظامي والمقتلة من الأهلين نحو عشرين ألفاً وقيل ثلاثين ألفاً، وكان في قرية المران شيخ من أهل الدين والصلاح يعتمد العلويون عليه وكان يعرف علم الفلك فأخذ الطالع كما جاء في مصدر علوي وقال لهم: إنه لن يفقد منهم إلا رجل يصاب برجله ولا يموت وسألوه عن موعد الهجوم فقال: غداً الظهر فنزلت الطمأنينة على قلوب الثائرين خصوصاً وقد وعدهم أنهم لا يصابون بأذى، ولما حان وقت الظهر تجمهر الثائرون وانقسموا ثلاث فرق وهاجموا العسكر، ودارت الدائرة على الجيش وقتل القائد وهلك من عسكره على ما قيل نحو ألفي رجل وغنم النصيرية جميع الذخائر، فأرسلت الحكومة على الثائرين وفداً يدعوهم إلى الطاعة بصورة لطيفة ويضمن لهم سلامتهم فأطاعوا وسلموا الذخائر بأسرها إلى الحكومة. وفي سنة ١٢٦١ قام الدروز ثانية في لبنان وقتلوا النصارى واستمرت الفتن إلى سنة ١٢٧٧. وفي سنة ١٨٤٥ أرسل والي دمشق إلى دروز حاصبيا يحضهم، على رواية مشاقة، على قتل النصارى ويمدهم بالسلاح والذخيرة، وأوعز إلى دروز حوران أن يقدموا لمساعدتهم، وسأل مثل ذلك مسلمي البقاع فهرب نصارى حاصبيا قبل الإيقاع بهم. فانقض عليهم الدروز في جهات راشيا وفتكوا بمعظمهم وتشتتوا في تلك الأرجاء ومنهم من سلم وجاء زحلة، ومنهم من عاد إلى حاصبيا، ومنهم من قتل، وعينت الحكومة أحد أمراء الشهابين حاكماً على حاصبيا لكنها لم تسمح له بمعاقبة المعتدين وزعماء هذه الفتنة. وفي غرة محرم سنة ١٢٦٧ وقعت فتنة بحلب سرت إلى حي باب النيرب وهي قرلق وبانقوسا فنهبت أحياء النصارى وأحرقت ثلاث كنائس ودام النهب ثلاثة أيام، ثم قام الأهالي على الوالي وطلبوا منه رفع الفردة والنظام

стр. 658

فامتنع من ذلك فضربه الأوباش، ثم انكسر سكان الحارات وانتشر الحريق في الأحياء المذكورة والنهب والقتل فقتل من الحلبيين نحو خمسمائة رجل كلهم من الرعاع ومن العسكر نحو ذلك وقبض على مثل هذا المقدار من الناس، ثم بحثوا عن أمتعة النصارى المسلوبة فأرجع إليهم غالب ما نهب منهم. وفي هذه السنة عصى محمد الحرفوش أمير بعلبك وجمع عسكراً من بعلبك وإقليم البلان، فأرسلت عليه الدولة قوة بقيادة مصطفى باشا فانهزم أمامه إلى قرية معلولا وتحصن بها مع اخوته وأولاد عمه فحصرهم الجنود إلى أن دخلوا عليهم بدلالة أهل القرية، فأسر الأمير محمد وطوق القائد العثماني بعلبك بثلاثة آلاف جندي فاستسلم أمراؤها فقبض عليهم وأرسلهم إلى دمشق فنفوا إلى كريت، وقضى بذلك على عامل من عوامل حكومة الإقطاعات. وفي نكبات الشام أن الحروب الأهلية التي حدثت في دير القمر وزحلة وغيرهما من الأنحاء سنة ١٨٤٨ ١٢٦٥ انتهت بقتل ثلاثة آلاف رجل من النصارى قتلوا في لبنان والبقاع وبعضهم في المدن ونحو أربعمائة رجل من الدروز ولولا محاربة الدروز النصارى بالخيانة ومساعدة الحكومة لهم في كل مكان على نزع السلاح لكثر عدد القتلى وزاد على هذا القدر، وأما الخسائر المالية فلم تقدر في ذلك الحين. وفي سنة ١٢٦٨ امتنع دروز حوران من دفع الخراج فندبت الحكومة لإخضاعهم والي دمشق محمد باشا القبرصي بفرقة من الجند فوقعت بينه وبينهم معركة دامت بضع ساعات فانهزم والي دمشق ووضع الدروز أيديهم على مهمات الجند والمدافع، ثم توسط قنصل بريطانيا فأرجع الدروز مسلوبات العسكر، وتعرف هذه الوقعة بوقعة صاري عسكر سر عسكر انتهت سنة ١٢٦٩. حرب القريم منشؤها في الشام وكوائن درزية ونصيرية: وفي سنة ١٢٦٨ حدثت في القدس وبيت لحم أمور تألفت منها الأسباب لنشوب الحرب العظمى بين الدولة العثمانية وروسيا وهي الحرب المعروفة بحرب القريم ١٢٧٠ وذلك لاختلافات قديمة بين الروم واللاتين بسبب كنيسة

стр. 659

القيامة وكنيسة المهد في بيت لحم. ادعت كل من الطائفتين حق الريسة والتقدم على الأخرى باستلام مفاتيحها، وكانت روسيا طمعت في الشرق وقامت تطالب بحماية الروم الأرثوذكس أبناء مذهبها كما ادعت فرنسا حق المطالبة بحماية موارنة لبنان والطوائف البابوية منذ منتصف القرن الثامن عشر، وحاولت الدولة أن تغفل عن مطالبة قيصر روسيا، فاتخذ من ذلك حجة وقام يريد إنفاذ وصية بطرس الأكبر القاضية بافتتاح الأرض العثمانية والاستيلاء على الأستانة. هجم الأسطول الروسي في البحر الأسود على الأسطول العثماني وحطمه، فنشبت الحرب بين الروس والعثمانيين وانتصر الروس وكادوا يبلغون الأستانة، فأرسلت إنكلترا وفرنسا جيشاً وأساطيل إلى أرجاء البحر الأسود، وقاتلت الروس وانتصروا عليهم في سواستبول، وكذلك بعثت ساردينيا فرقاً من الجند الإيطالي، دفع الدول إلى ذلك أمر غير حب المحافظة على الدولة العثمانية، وهو الخوف من خروج روسيا إلى البحر المتوسط وبخروجها خطر على أوربا بل خطر على بريطانيا العظمى وطريق هندها، وبعد حرب ثلاث سنين ١٨٥٦ ظفرت الدولة مع الدول الأخرى بالروس ودفعت بريطانيا نفقات الحرب، وحصلت الدولة الروسية على مطاليبها وامتيازاتها، ومن شروط المعاهدة ضمان استقلال المملكة العثمانية وسلامتها، والحظر على أية دولة أن تدخل في شؤون تركيا الداخلية ومساواة النصارى مع المسلمين في الحقوق. ولما رأى رجال الدولة أن الطريقة البالية القديمة في إدارة الملك العثماني تودي بها لا محالة أقنعوا السلطان بنشر الخط الهمايوني وبه قبلت الدولة ١٨٥٦ في عداد الدول الأوربية فكان هذا العامل النافع من نتائج حرب القريم، وبان للدولة وجه خطأها في اعتزالها السياسة الدولية. وفي سنة ١٢٧٣ وقعت فتنة بين الدروز والحوارنة في اللجاة فاز فيها الدروز وفي سنة ١٢٧٥ ١٨٥٨ قهرت الدولة النصيرية بقهر زعيمهم إسماعيل هواش وجردتهم من كل رعاية وخصوصية، والسبب في هذه الفتنة أن طائفة الكلبية عصت أوامر الحكومة فأرسلت هذه خمسمائة فارس ضربت قرى الساحل، واتصلت الأخبار بالنصيرية فهاجموا الجند وقتلوا منهم فجهزت الحكومة بعد أيام عسكراً عظيماً وهاجمت الطائفة وجعلت قوة لها في الساحل وزحف النصيرية ولم يلبثوا

стр. 660

أن أحاطت بهم العساكر من كل جهة فدافع النصيرية حتى فقدوا خمسة وعشرين رجلاً وفي اليوم التالي التحم القتال ودامت المناوشات والمقاومات أربع سنين حتى أرسلت الدولة عسكراً جراراً، وندبت كامل باشا لإجراء الصلح بين الدولة والنصيرية فتم ذلك على يده. مبدأ المذابح المعروفة بحادثة سنة الستين وحادثة بيت مري ودير القمر: استطال النصارى بعد حرب القريم، ولا سيما في لبنان، وأخذت الدولة تثير الدروز على النصارى على ما يؤكده الغربيون والنصارى، وبقيت الحوادث تتوالى والأصابع العثمانية والأجنبية تعبث بعقول المغفلين، وكانت الثورات على ما في تاريخ زحلة تتوالى والخصام يزداد اتساعاً، وعوامل الحقد تسكن القلوب فتحركها على جر الويل وإهراق الدماء، وكان ذلك من أهم ذرائع التنافس والتنابذ بين المسيحيين والدروز، وكأن البلاد ألفت التعصب فتوالى عليها من العصبيات القيسية واليمانية واليزبكية والجنبلاطية والمعلوفية والمكارمية والزحلية والقنطارية، ثم بدأت العصبية المسيحية والدرزية، فكانت الأخيرة أشر من الأولى، وتحفز الدروز للتنكيل بالمسيحيين ولا سيما سكان زحلة ودير القمر الذين أوغروا صدورهم ببسالتهم ونفوذ كلمتهم لدى إبراهيم باشا والأمير بشير لمعاضدتهم لهما. بدأت الفتنة العظمى بهجوم شراذم من الدروز على قرية بيت مري في لبنان يوم ٣٠ آب ١٨٥٩ فانهزم الدروز وأحرقوا ثلاث قرى مسيحية وقتل بعض رجالها، وفي الربيع التالي بدأت الدروز تفد على المختارة مركز آل جنبلاط كبار مشايخ الدروز. قال مشاقة: وفي شهر نيسان من تلك السنة ورد أمر إلى خورشيد باشا من السلطان بإهلاك النصارى عن آخرهم وإطلاق أيدي الأوباش، فألح خورشيد باشا على سعيد بك جنبلاط أن يصدع بالأمر فأوعز إلى رجاله بالهجوم على النصارى، فقتل الدروز بضعة عشر منهم في الطرق، ثم وقعت مناوشة في دير القمر وأرغم طاهر باشا قائد الحامية في دير القمر نصارى الدير على تسليم سلاحهم له، وبعد أن جمع سلاح النصارى سمح للدروز

стр. 661

بالهجوم على المدينة فسالت الدماء أنهاراً ثلاثة أيام، ولم ينج من النصارى إلا عدد قليل، ثم أحرقوا المساكن وارتكبت الجنود التركية مع النساء على عادتها ما ارتكبت، وبلغ عدد قتلى الدير على رواية مشاقة ما يقرب ألفي نفس من الرجال البالغين والنساء والأطفال ثم أعمل الدروز سيوفهم في أهل جزين. فحوادث الشام سنة ١٨٦٠ بدأت إذاً ببيت مري في السنة الماضية وثنت بدير القمر ومن هناك انتشرت في الأطراف. مذابح حاصبيا وراشيا ورأي إنكليزيين في أصل المذابح: طلب والي دمشق الخراج المتأخر من دروز حاصبيا وعين أحد الشهابيين في فرقة من العساكر لشد أزره، فتألب دروز وادي التيم وإقليم البلان على الشهابي في حاصبيا وهاجموها ولم يلاقوا مقاومة شديدة من النصارى لقلة عددهم وكان عدد القتلى متساوياً بين الفريقين ثم نزع من النصارى سلاحهم، وأخذ الدروز يفتكون بهم ويحرقون مساكنهم، ثم تنحى العسكر التركي وترك الدروز وشأنهم مع النصارى فقتلوا منهم ٧٢٤ رجلاً وقتل من الدروز والأتراك أربعون. وفي اليوم الذي جرت فيه مذبحة حاصبيا باغت دروز حوران نصارى راشيا الوادي في بيوتهم وفي السراي على مرأى من الجنود التركية وبمساعدتهم أجهزوا على جموعهم وقتلوهم مع أمراء الشهابيين ولم ينج منهم سوى أميرين ثم نهبوا بيوتهم، وبلغ عدد قتلى راشيا الوادي خمسمائة رجل وطفل وامرأة. وهاجم دروز حوران بقيادة إسماعيل الأطرش مدينة زحلة فردهم أهلها مراراً، وطال القتال يومين فاضطر الدروز إلى الرجوع عنها، ثم عاد الدروز ومعهم الجند العثماني وأحرقوا جانباً من المدينة وأخذ الجند يرتكب الفاحشة واغتصبوا الراهبات ونهبوا الكنائس والأديار، فلم يبق لدى قناصل الدول شك في أن الدولة العثمانية تريد هذه المذابح وتدبرها حتى لا تطالبها الدول بحماية النصارى وتجد سبيلاً إلى مراقبة أعمالهم الجزئية والكلية مما يسقط من منزلتها، وقد هلك من الزحليين نحو مائة إنسان لأنهم لم يمكنوا الدولة من إدخال جندها إلى بلدهم. وإسماعيل الأطرش هذا قتل يوم جاء لمعاونة أبناء مذهبه في وقعتي

стр. 662

راشيا وزحلة ١٣٥ نصرانياً التجئوا من إقليم البلان إلى شيخ قرية كناكر. قال اللورد دوفرين: لم يبق أدنى ريب يحول دون نسبة المذابح الأخيرة وجميع الحروب والاضطرابات والمنازعات التي انتابت لبنان في مدى الخمس عشرة سنة الأخيرة إلى استياء الحكومة العثمانية من الاستقلال النوعي الممنوح للجبل، فجعلت مرمى سياستها أن تبرهن على أنه يتعذر العمل بطريقة الحكم التي منحتها الدول لبنان في سنة ١٨٤٥، ولهذا كان الأتراك يغتنمون الفرصة لإثارة دفائن الأحقاد القديمة بين الدروز والموارنة، ولما ازداد تعجرف المسيحيين وتعصبهم بقوة المساعدات الأجنبية التي فازوا بها، ثقل على الأتراك احتمال وطأة استقلالهم، فعقدوا العزم على اتخاذ الدروز آلة ليوقعوا بهم ويضربوهم ضربة أشد إيلاماً مما تقدمها، بيد أن ما حدث في حاصبيا وراشيا ودير القمر قد جاء مجاوزاً الحد المنوي لعدم توفر شروط اللباقة في خورشيد باشا وأعوانه لإنفاذ سياسة دهاء كهذه، فأفرطوا فيها بحيث افتضح سر سياستهم وكان له دوي هائل في الأندية الأوربية. وقال أيضاً: لما زرت هذه الأصقاع لبنان قبل استيقاظ الفتنة ببضعة أشهر شاهدت أماراتها بادية في عواطف الفريقين، فالدروز كانوا مستعدين للقتال، والموارنة كانوا يعتقدون أن قد دنت ساعة فوزهم، كما أن دخل الجمارك يثبت أن قد أدخل إلى لبنان من كانون الثاني ١٨٥٧ إلى ربيع ١٨٦٠ أكثر من ١٢٠ ألف بندقية و٢٠ ألف مسدس وكان من المشتهر انصراف المطران طوبيا وشركائه إلى إيقاظ الفتنة. إلى أن يقول فمن العبث وصف النصارى بأنهم شهداء قديسون فهم يضاهون جيرانهم الدروز في حروبهم همجية وظمأ إلى الدماء، وكثيراً ما كانوا يقتتلون بعضهم مع بعض ولا يعفون عن النساء. يؤيد ذلك ارتكابهم الفظائع مع المشايخ الخازنيين منذ سنتين، ومثل هذه المعايب كثيرة في تاريخهم، بيد أن الدروز هم من هذا القبيل أكثر شفقة من غيرهم فلا يقتلون بعضهم مع بعض ويحترمون النساء، وعليه فمن الخطأ وصف القتال الذي جرى بين الدروز والموارنة بمثابة اعتداء وثنيين برابرة على أتباع دين المسيح الودعاء، بل هو نتيجة تباغض طائفتين متساويتين في

стр. 663

الهمجية، أنزل الفائزون في أعدائهم البلية التي كانوا مهددين بها فيما لو تغلب هؤلاء، وإذا كان الدروز ارتكبوا في هذه الحروب فظائع أكثر بربرية من المعتاد فالسبب فيه تدخل الأتراك وشدة حقنهم على النصارى وقد أثاروه بتهديدهم وعجرفتهم. وقال قنصل إنكلترا في دمشق على ذاك العهد: لقد بقي من كل ما رتبه المصريون شيء واحد سالما وهو عتق النصارى من رقهم على أن هذا ربما يصير عاملاً جديداً لاستئناف الاضطرابات لضعف الإدارة العثمانية وظلمها، والظلم يدفع إلى المقاومة والضعف يزيد في التمرد، والسكان يؤلفون من طوائف مختلفة المذاهب معادية للسنة ومن طوائف نصرانية متعصبة يعادي بعضها بعضاً، والحكومة عاجزة عن بسط سيطرتها على الجميع ولهذا أمست مضطرة إلى إثارة طائفة عن أُخرى بإيقاد جذوة التحاسد والبغضاء بينها، وبمثل هذه المسائل تتمكن من حفظ بعض السيطرة لنفسها، بيد أنها تخسر ثقة الرعايا بها وتعكر كأس الوئام بين العناصر المختلفة، فتحول دون كل تقدم ونجاح. مذابح دمشق ورأي الغريب والوطني في تعليلها: وبعد هذه النصوص المعتبرة لم يبق شك في أن الدولة هي التي وضعت الخطة العوجاء لذبح النصارى ليتيسر لها أن تمتلكهم وتضعف من غلواء المسلمين أيضاً شأنها في معظم أحوالها في كل بلد نزلته. والموارنة كالدروز لا يخلون من المؤاخذة الشديدة، اغتر كل فريق بمن كان يزين له الشر ويحسن له العاقبة بعد ارتكابه فأتمر بما أُمر به، فكان ذلك وبالاً عليه وعلى جاره، ولم يخسر الدافع لهما شيئاً. وما كان يخطر بالبال أن هذه الشرارة تسري إلى دمشق مدينة التسامح واللطف ويقوم رعايا المسلمين بمعاونة الدروز يؤذون من أُمروا بالإحسان إليهم بعد أن عاشوا وإياهم ثلاثة عشر ثرنا في صفاء وهناء. ويؤخذ مما قاله مشاقة أن مذبحة دمشق لا علاقة لها بحوادث لبنان على ما قيل ولا تعزى لها الأسباب التي عزيت لتلك، ولأن من أسبابها الأولية عبث النصارى بالشريعة التي أحدثتها الدولة على أثر حرب القريم مكرهة من دولة

стр. 664

الروس، وهي مساواة الرعايا بالحقوق المدنية، وإعفاء النصارى من الخدمة العسكرية، وقيل: إن الدواة رغبت في وضع الشريعة التي يقال عنها المساواة وهي ليست على شيء منه لتثير خواطر شعبها على النصارى وتجعل لهم سبيلاً إلى بغضهم ومقتهم، ولو كان النصارى وقتئذ على شيء من الحكمة لرفضوا إعفاءهم من الخدمة العسكرية التي جردتهم من الوطنية، وأبكمت لسانهم عن المطالبة بحقوقهم. قال: وكان مسلمو دمشق عامة وسورية خاصة يسفهون عمل الدولة التركية الذي قامت به مضطرة عقب حرب القريم، وكثر تذمر المسلمين من الدولة مع التقريع، فأجابتهم أنها لم تفعل ذلك إلا مضطرة، وبلغ من حقد المتعصبين أنهم تآمروا وألفوا الجمعيات السرية يطلبون بها خلع الدولة التركية وإبدالها بدولة تعيد مجد الإسلام ولا تخضع لأهل النصرانية وبلغ الأتراك أمرهم فأوغروا صدورهم على النصارى ليلهوهم ويتخلصوا من شرهم. وبعد أن فصل هجوم النصارى على مطران الروم بدمشق يريدونه على أن يرفع عنهم حيف الحكومة، وطلبها بدل الخدمة العسكرية منهم، وذكر كيف عرض المطران على الوالي بأن النصارى تجمهروا جمهرة العصاة وأرادوا الإيقاع به، قال: إن الوالي لم يشأ أن يردع النصارى رأساً وأناط بتأديبهم رعاع المسلمين الذين كانت الحكومة تخشى بطشهم، ولا تتجاسر على مطالبتهم بدفع الضرائب، وكانت الحكومة غير راضية عنهم لفتكهم ببعض وزرائها وامتناعهم عن إجابة مطالبها. ورغبة أحمد باشا والي دمشق بإثارتهم على النصارى كي يتخلص منهم أو من بعضهم فيقل عددهم وتضعف شوكتهم ويصبح إخضاعهم لأوامر الحكومة مكفولاً فيرد عن دولته الخطر الذي كان يتهددها به مسلمو دمشق وقد جاهروا بخلع دولة الأتراك عنهم وراسلوا دولة مصر لتأتي لنجدتهم ولم يفلحوا. فرأى والي دمشق للوصول إلى هذا الغرض أن ينصب المدافع على أبواب الجامع الأموي وقاية للمسلمين الداخلين إليه في أوقات الصلاة من غدر النصارى! وأمر في عصر اليوم التاسع من تموز ١٨٦٠ بإخراج الرعاع المسجونين من المسلمين بقصد تطوافهم في الشوارع وهم مكبلون بالقيود إرهاباً للثوار من المسلمين والدروز معاً، فلما وصلوا إلى باب البريد هجم بضعة من المسلمين على الخفر وبطشوا به وخلصوا رفاقهم ونادوا بالجهاد، فهجم الأوباش على

стр. 665

المسيحيين في بيوتهم ومحلاتهم ووضعوا السيف فيهم، قتلوا الرجال، وسبوا العيال، وهتكوا الأعراض، وراحوا بالعروض والأموال، وقتلوا بعض الرهبان الفرنسيسكانيين. وذكر برانت قنصل بريطانيا أن السبب الرئيسي في إيقاد جذوة الفتنة أن أولاد المسلمين أخذوا يرسمون صورة الصليب في الطرقات ويدرسونها ويهينون المسيحيين المارين، فقبض عليهم التفكجي باشي وقيدهم بالسلاسل وأكرههم على تكنيس الطرق، فهجمت الغوغاء وأنقذتهم فاشتعلت الفتنة. قال: وعندي أن أحمد باشا مخطئ في ضعفه مع مجلسه، وعدم اتخاذه الاحتياطات التي أشير عليه بها غير مرة، وإصراره على إبقاء رئيس التفكجية في مركزه، مع اشتهاره بعدم الكفاية رغما عن تحذير عدة أشخاص من جميع الطبقات منه قبل إيقاظ الفتنة بعدة أسابيع، وإهماله إنقاذ مسيحي حاصبيا وراشيا نكثاً بوعوده لما أخبر بالخطر المحدق بهم، وتقاعده عن استدراك مهاجمة زحلة وقلة اكتراثه بذبح الدروز النصارى إن لم نقل بتواطئه، وهو القائل، على ما روي، إنه يوجد في سورية آفتان كبيرتان هما المسيحيون والدروز فكلما ذبح أحدهما الآخر استفادت الحكومة العثمانية. وإن خطر حمل السلاح على النصارى والسماح به للمسلمين والدروز لا يمكن تأويله إلا بأن حكومة تلك الأيام كانت لا تهتم لفتنة تحدث أو أنها تود إحداثها أو لا تجسر أن تعامل الجميع بالسوية. وقال الماجور فرازر إن فؤاد باشا قال له: إن الدمشقيين يكرهون الأتراك، وأن من الضروري إلقاء الرعب في قلوبهم توطيداً لأركان الحكم العثماني فيتجنبون ركوب متن الفتنة. وقد علل مشاقة سبب فتنة دمشق تعليلاً مقبولاً فقال: إنه لم يكن لها تعلق بحادثة لبنان بل لها أسباب خصوصية نشأت عن تصرفات جهلة النصارى عندما عجز عقلاؤهم عن ردعهم، فلما وضعفت الدولة قوانين المساواة بين رعاياها من أي مذهب كانوا توسع جهلة النصارى في تأويل هذه المساواة بأن معناها أنه لا يجب على الصغير الخضوع الكبير ولا للوضيع أن يحترم الرفيع، وتوهموا أن أدنياء النصارى هم بمنزلة عظماء المسلمين، ولم يريدوا أن يفهموا أن المساواة هي في الحقوق الشرعية والنظامية، وأن من الواجب حفظ اعتبار

стр. 666

أهل الاعتبار بالدرجة اللائقة بهم من أية طائفة كانوا خصوصاً النصارى نحو المسلمين، وعليهم أن يعرفوا بأن كبراء البلاد ومعتبريها هم منهم، والسلطنَةَ مع وزرائها وعسكرها وجميع عظمائها من المسلمين، وأن النصارى غي سورية هم الجزء الأصغر والأضعف في كل شيء، بل الوجوه يجب على المسيحيين تقديم الاحترام الوافر نحو المسلمين، والطاعة التامة لأولياء الأمور فيما يرسمونه لهم ١هـ. - ضحايا مذابح دمشق وتخريبها: قدّر قنصل الإنكليز عدد من ذبحوا من نصارى دمشق بزهاء ٣٥٠٠ نسمة، والغرباء الذي لجئوا إلى المدينة طلباً للنجاة نحو ٢٠٠٠ نسمة. وقال لورتيه: إن عدد من هلك من النصارى في فتن لبنان وحوادث دمشق بلغ اثني عشر ألفاً، وأن في دير القمر وحدها تربة بناها أبناء وطنه فيها ستة آلاف من الهالكين وهو عدد فيه نظر. وقد قتل بعض النصارى في محال منفردة مثل نصارى جباع من عمل صيدا، فإن الدروز انقضوا عليها وحرقوا بيوتهم ونهبوا القرى، وأن مائتين وخمسين نسمة من جزين كانوا في الغابات فطاردهم الدروز من محل إلى آخر وقتلوا بعضهم، ولم يصل منهم إلى قرب صيدا إلا خمسة عشر رجلاً فقط. وحرقت ميمس والكفير من عمل حاصبيا وهلك فيهما مائة وعشرون نصرانياً، وخربت ثمان قرى للنصارى في البقاع وحرقت، وقتل من بقي فيها من الشيوخ والأحداث بينهم النساء والأطفال واعتدي على العذارى، وشوهدت من بيروت ثنتان وثلاثون قرية تحترق وذلك يوم ٢٨ و٢٩ أيار وأمست بعض البلدان الزاهرة في لبنان مهجورة. وقال كراهام: إن ستين قرية وبلدة في لبنان قد دمرت وأصبح هذا الجبل بلقعاً ويتعذر معرفة عدد النصارى الذين قتلوا في مذابح جبل لبنان، فالتخمينات متباينة ويقدر بعضهم القتلى بأربعة آلاف وآخرون بعشرة، وهذا العدد الأخير مبالغ فيه كثيراً. قال وأرجح أنه لا يتجاوز الأربعة آلاف، فقد جمعت عدة أنباء موثوق بها وعارضتها بعضها على بعض فتبين لي أن عدد القتلى في دير قمر

стр. 667

يختلف بين ١١٠٠ إلى ١٢٠٠ وفي حاصبيا وراشيا ٧٠٠ وفي صيدا ٥٥٠ وإذا أضفنا إليها ٢٠٠ لاجئ قتلوا في ٣٠ و٣١ أيار في جوار بيروت وألف نصراني ذبحوا في بيوتهم على ما أرجح فلا اعتقد أن عدد القتلى يتجاوز ٣٥٠٠ ذكر، وفقدهم يحرم القطر أيدي عاملة كان يتوقف عليها نجاحها. وزعم لنورمان أنه يريد أن يكتب تاريخاً لا رواية خيالية، ولكنه كان إلى المبالغة واستعمال أساليب الخطابة والخيال، ومع هذا ننقل بعض ما ذكره مما عساه قد فاتنا تفصيله. أما المبالغات في الأرقام فمما نكله إلى فطنة القارئ يردها ببصيرته لأن قناصل الوقت في هذه الديار أصدق قليلا، ورواياتهم أقرب إلى الصحة والسداد خصوصاً من لم يكن لدولهم رأي خاص إلا الحقيقة. فقد ذكر لنورمان أن ستين قرية في الغرب والمتن أصبحت في ثلاثة أيام خراباً يباباً، وأنه قتل في مقبرة صيدا مائة واثنان وعشرون رجلاً وقتل الضبطية ١٧ شخصاً على أبواب صيدا، وأن ألفاً ومائتي نصراني اختبئوا في غابة على أربعة فراسخ من صيدا فأحرقها الدروز والمسلمون فلم ينج منهم إنسان وهلكوا ذبحاً وحرقاً، وأنه قتل في دير المخلص على مقربة من صيدا مائة وخمسون راهباً وأخاً، عدا ما سلب منه من العروض والأموال التي جاء بها سكان الجوار وأودعوها الدير لأنه كان محترماً من الناس كافة قبل هذه الحوادث، وأنه قتل في حاصبيا تسعمائة وخمسة وسبعون مسيحياً لم ينج منهم إنسان، وقتل من أمراء الشهابيين في وادي التيم أحد وثلاثون رجلاً ولم ينج منهم سوى ثلاثة لأن ضلعهم كان مع فرنسا، وأنه أحرقت في أرجاء حاصبيا قريتا الكفير وشويا وفي عمل راشيا قرى بيت لهيا وكفر مشكة وعيحا وحرقت حاصبيا كراشيا كلها، ولما جاء جيش الاحتلال الفرنسي في شهر أيلول سنة ١٨٦٠ إلى زحلة رأى نحو ستمائة جثة من جثث الدروز ملقاة على الأرض إلى جانب جثث قتلى النصارى، وأن المدينة خربت ولم يحدث فيها قتل إلا في دير اليسوعية والباقي من أهلها هلكوا في الدفاع عن بلدهم وأنه قتل في دير القمر ٢٢٠٠ إنسان وأن ثلاثمائة إنسان كانوا مختبئين في دار فلما جاء خورشيد باشا قائد بيروت قتلهم عن آخرهم، وأن مسلمي بيروت وفي مقدمتهم عمر بيهم أعظم تجار تلك المدينة فتحوا بيوتهم للاجئين إليهم من المسيحيين، وأخذوا يوزعون عليهم الأطعمة

стр. 668

وحالوا بحكمتهم دون تدخل الرعاع من أبناء طائفتهم في الأمر فخففوا من غلوائهم. وذكر أن عدد الهالكين من ٣٠ أيار إلى ٢٠ حزيران في لبنان وسورية المجوفة كان أربعمائة إنسان في المتن والغرب وجوار بيروت، وألفاً وثمانمائة في صيدا وجزين والكور المجاورة، وألفين وخمسمائة في قضاءي حاصبيا وراشيا، ومائتين وخمسين في زحلة، وألفين ومائتين في دير القمر ومائة وواحداً وعشرين في بيت الدين، وخمسمائة في بعلبك أي ٧٧٧١ شخصا من الرجال والنساء والأطفال، وأنه خربت ٣٦٠ قرية وهدمت ٥٦٠ كنيسة، وحرق ٤٢ ديرا، وهدمت ٢٨ مدرسة كان فيها ١٨٣٠ تلميذا، وخسرت الأقاليم التي وقعت فيها الفتن جميع محاصيلها السنوية، وقدر مجموع ما فقد من أموال النصارى وعروضهم بخمسة وتسعين مليون فرنك يدخل فيها أربعة ملايين قيمة تعطيل التجار عن أعمالهم مدة شهرين. أما بشأن دمشق فقد أغرق في التقدير أيضا فقال: إن الحريق والنهب والقتل دام خمسة أيام من اليوم التاسع من تموز إلى اليوم الثالث عشر قتل في خلالها ٨٥٠٠ مسيحي ودمرت ٣٨٠٠ دار، وقدرت الخسائر بمائة مليون فرنك، ثم قدر عدد من هلكوا من النصارى بالأمراض والقلة بعد المذابح بثلاثين ألف نسمة! وقال: إذا أضفنا هذا العدد إلى من نكبوا في هذه المذابح بلغ من هلك في دمشق ولبنان ٤٦٣٠٠ إنسان خلال سنة واحدة بتعصب المسلمين والدروز. قلنا وجميع التقديرات تثبت أن القتلى ومن هلكوا بسبب مصائب تلك الفتنة والأمراض لا يتجاوزون ربع ما قدره صاحب كتاب مذابح الشام على أن هذا العدد لا يستهان به أيضا. عمل الدولة والدول عقبى الحوادث: ولما ترامت هذه الأخبار المشؤومة إلى الغرب أرسلت الدولة أحد كبار وزراء ذاك الوقت فؤاد باشا لإنزال العقوبة بالفاعلين من المسلمين والدروز، وأرسلت فرنسا عشرة آلاف جندي للمحافظة ومنع التعدي وكذلك باقي الدول

стр. 669

الأوربية، منها من أرسل مراكب حربية، ومنها من أرسل نوابا لإصلاح الحال. وخيم جند فرنسا في البقاع تسعة أشهر وظلت السفن الأجنبية راسية في موانئ الشام وعددها عشرون بارجة، وعقد في بيروت مؤتمر دولي مؤلف من وكلاء الدول الخمس إنكلترا وفرنسا وروسيا والنمسا وبروسيا، وضع أساس نظام جديد للبنان أقره السلطان عبد المجيد ووافقت الدول عليه ١٨٦١ ١٢٧٧ ثم عدل هذا النظام سنة ١٢٨١ واشتركت به دولة إيطاليا مع الدول السابق ذكرها. أعاد فؤاد باشا الأمن إلى نصابه ونفى بعض الأعيان من دمشق لأنهم لم يحولوا دون الأشقياء والسفلة وما أتوا من المنكرات، وقتل ١١١ مسلما رشقا بالرصاص وشنق ٥٦ ونفي ١٤٥ وحكم بالأشغال الشاقة على ١٨٦ استخدموا في إنشاء الطرق وقضى غيابا بالقتل على ١٨٣ وفي عداد الذين قتلوا ١٨ شخصا من كبار الأسر وأناس ذوو وجاهة، وسمح للنصارى الذين دانوا بالإسلام كرها أن يعودوا إلى دينهم وعددهم خمسمائة، وأخليت ثلاث حارات في دمشق لسكنى النصارى، وجنّد ثلاثة آلاف جندي من هذه المدينة وجعل البدل العسكري مائتي ليرة، وأرسل زهاء ألف رجل للنفي والسجن إلى الأستانة وغيرها، وقتل والي دمشق المشير أحمد باشا رميا بالرصاص لتساهله في إطفاء الفتنة وقال هذا يوم قتل: إني مظلوم وسماه الأتراك بالشهيد، وكان من عظماء الدولة تربى تربية عالية في مدارس الغرب. وقيل: إن فؤاد باشا عجل بقتله مخافة أن تشيع الأوامر التي وردت إليه من الأستانة ونفذها، وأنه لذلك بادر بأخذ حقيبة أوراقه منه ساعة اجتماعه به، وقتل قائد حي النصارى وقائدي حامية حاصبيا وراشيا، وعزل خورشيد باشا قائد الجند في الساحل، وعوض على المنكوبين من مال الدولة والأهلين. وقال قنصل بريطانيا: إن الخسائر المالية بدمشق من حريق ونهب وأعلاق وعروض وغيرها لا تقل عن مليون وربع ليرة، وكان يرى أن خمسة ملايين ليرة لا تكاد تكفي للتعويض عن تخريب الأملاك، وعن خسارة الأموال والحلي والجواهر والأمتعة الثمينة والسلع والملابس قال ذلك لفؤاد باشا لما قال له أن يفرض غرامة قدرها ٢٥ مليون قرش أي زهاء مائتي ألف جنيه. هذا عدا ما أصاب النساء من هتك

стр. 670

الأعراض وفض الأبكار وركوب العار وبيعهن من الأكراد وأهل البادية كما يباع الإماء كل واحدة بمائة إلى مائة وخمسين قرشا. أما الدروز في لبنان ووادي التيم ودمشق وحوران فقد نفي منهم نحو مائة إلى طرابلس الغرب، ولم يقتل أحد منهم لأن النصارى طلبوا محاكمتهم بالشرع، ولا بد في الشرع من شهود عدول، والنصارى في هذا الحادث لا تصح شهادتهم، والدروز لا يشهد بعضهم على بعض، وإلا فإن فؤاد باشا أراد فيما قيل أن يقتل منهم خمسمائة رجل، ولاحظ الماجور فرازر بقوله إنه إذا لم يحكم على غير سبعة وخمسين قاتلا فيستنتج من ذلك أن معظم من اشتركوا في المذابح لم يزالوا مطلقا سراحهم، لأنه من المستحيل أن يعتقد بأن أكثر من ثمانية آلاف شخص ذبحهم سبعة وخمسون رجلا دع النساء السبايا واللائي عبث بطهارتهن. وذكر آخر أن الدروز لم يرتكبوا الفاحشة مع النساء وتركوا ذلك لرعاع المسلمين. عمل العقلاء في دمشق وبيروت ورأي مؤرخ منصف في المسلمين: وهنا لا بد من التنويه بعمل أكثر عقلاء المسلمين في دمشق وبيروت خاصة، وما بذلوه لحقن دماء أبناء ذمتهم من النصارى، فقد أنقذوا ألوفا منهم على ما يقضي بذلك الدين والشرف، ولولا ذلك لم يبق منهم ديار، وفي مقدمتهم الأمير عبد القادر الحسني، فشكرته الدول النصرانية جمعاء ومما قالته الملكة فيكتوريا ملكة إنكلترا وإمبراطورة الهند في شكر صنيعه: إنها عرفت من سلوك سموه الفرق بين المسلم ذي العقل الراجح، والجبناء المتظاهرين بالتدين الذين عملوا بإثارتهم التعصب على إبادة كثيرين من النصارى العزّل. وقد كان للشيخ عبد الغني الميداني الغنيمي ومحمود أفندي حمزة وأسعد أفندي حمزة والشيخ سليم العطار وسعيد آغا النوري وعمر آغا العابد وصالح آغا المهايني والسيد عمر بيهم إلى عشرات غيرهم من أهل العلم والسراوة في دمشق وبيروت ممن فتحوا بيوتهم لإيواء مواطنيهم المنكوبين يد طولى في هذا الشأن تذكر فتشكر ولقد قال السيد محمود حمزة قصيدة في تقبيح ما صدر من رعاع الدمشقيين من أفعال القتل والنهب منها:
следующие страницы →