← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 37063

خطط الشام

محمد كرد علي

Полный текст (1 453 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

أهل الاعتبار بالدرجة اللائقة بهم من أية طائفة كانوا خصوصاً النصارى نحو المسلمين، وعليهم أن يعرفوا بأن كبراء البلاد ومعتبريها هم منهم، والسلطنَةَ مع وزرائها وعسكرها وجميع عظمائها من المسلمين، وأن النصارى غي سورية هم الجزء الأصغر والأضعف في كل شيء، بل الوجوه يجب على المسيحيين تقديم الاحترام الوافر نحو المسلمين، والطاعة التامة لأولياء الأمور فيما يرسمونه لهم ١هـ. - ضحايا مذابح دمشق وتخريبها: قدّر قنصل الإنكليز عدد من ذبحوا من نصارى دمشق بزهاء ٣٥٠٠ نسمة، والغرباء الذي لجئوا إلى المدينة طلباً للنجاة نحو ٢٠٠٠ نسمة. وقال لورتيه: إن عدد من هلك من النصارى في فتن لبنان وحوادث دمشق بلغ اثني عشر ألفاً، وأن في دير القمر وحدها تربة بناها أبناء وطنه فيها ستة آلاف من الهالكين وهو عدد فيه نظر. وقد قتل بعض النصارى في محال منفردة مثل نصارى جباع من عمل صيدا، فإن الدروز انقضوا عليها وحرقوا بيوتهم ونهبوا القرى، وأن مائتين وخمسين نسمة من جزين كانوا في الغابات فطاردهم الدروز من محل إلى آخر وقتلوا بعضهم، ولم يصل منهم إلى قرب صيدا إلا خمسة عشر رجلاً فقط. وحرقت ميمس والكفير من عمل حاصبيا وهلك فيهما مائة وعشرون نصرانياً، وخربت ثمان قرى للنصارى في البقاع وحرقت، وقتل من بقي فيها من الشيوخ والأحداث بينهم النساء والأطفال واعتدي على العذارى، وشوهدت من بيروت ثنتان وثلاثون قرية تحترق وذلك يوم ٢٨ و٢٩ أيار وأمست بعض البلدان الزاهرة في لبنان مهجورة. وقال كراهام: إن ستين قرية وبلدة في لبنان قد دمرت وأصبح هذا الجبل بلقعاً ويتعذر معرفة عدد النصارى الذين قتلوا في مذابح جبل لبنان، فالتخمينات متباينة ويقدر بعضهم القتلى بأربعة آلاف وآخرون بعشرة، وهذا العدد الأخير مبالغ فيه كثيراً. قال وأرجح أنه لا يتجاوز الأربعة آلاف، فقد جمعت عدة أنباء موثوق بها وعارضتها بعضها على بعض فتبين لي أن عدد القتلى في دير قمر

стр. 667

يختلف بين ١١٠٠ إلى ١٢٠٠ وفي حاصبيا وراشيا ٧٠٠ وفي صيدا ٥٥٠ وإذا أضفنا إليها ٢٠٠ لاجئ قتلوا في ٣٠ و٣١ أيار في جوار بيروت وألف نصراني ذبحوا في بيوتهم على ما أرجح فلا اعتقد أن عدد القتلى يتجاوز ٣٥٠٠ ذكر، وفقدهم يحرم القطر أيدي عاملة كان يتوقف عليها نجاحها. وزعم لنورمان أنه يريد أن يكتب تاريخاً لا رواية خيالية، ولكنه كان إلى المبالغة واستعمال أساليب الخطابة والخيال، ومع هذا ننقل بعض ما ذكره مما عساه قد فاتنا تفصيله. أما المبالغات في الأرقام فمما نكله إلى فطنة القارئ يردها ببصيرته لأن قناصل الوقت في هذه الديار أصدق قليلا، ورواياتهم أقرب إلى الصحة والسداد خصوصاً من لم يكن لدولهم رأي خاص إلا الحقيقة. فقد ذكر لنورمان أن ستين قرية في الغرب والمتن أصبحت في ثلاثة أيام خراباً يباباً، وأنه قتل في مقبرة صيدا مائة واثنان وعشرون رجلاً وقتل الضبطية ١٧ شخصاً على أبواب صيدا، وأن ألفاً ومائتي نصراني اختبئوا في غابة على أربعة فراسخ من صيدا فأحرقها الدروز والمسلمون فلم ينج منهم إنسان وهلكوا ذبحاً وحرقاً، وأنه قتل في دير المخلص على مقربة من صيدا مائة وخمسون راهباً وأخاً، عدا ما سلب منه من العروض والأموال التي جاء بها سكان الجوار وأودعوها الدير لأنه كان محترماً من الناس كافة قبل هذه الحوادث، وأنه قتل في حاصبيا تسعمائة وخمسة وسبعون مسيحياً لم ينج منهم إنسان، وقتل من أمراء الشهابيين في وادي التيم أحد وثلاثون رجلاً ولم ينج منهم سوى ثلاثة لأن ضلعهم كان مع فرنسا، وأنه أحرقت في أرجاء حاصبيا قريتا الكفير وشويا وفي عمل راشيا قرى بيت لهيا وكفر مشكة وعيحا وحرقت حاصبيا كراشيا كلها، ولما جاء جيش الاحتلال الفرنسي في شهر أيلول سنة ١٨٦٠ إلى زحلة رأى نحو ستمائة جثة من جثث الدروز ملقاة على الأرض إلى جانب جثث قتلى النصارى، وأن المدينة خربت ولم يحدث فيها قتل إلا في دير اليسوعية والباقي من أهلها هلكوا في الدفاع عن بلدهم وأنه قتل في دير القمر ٢٢٠٠ إنسان وأن ثلاثمائة إنسان كانوا مختبئين في دار فلما جاء خورشيد باشا قائد بيروت قتلهم عن آخرهم، وأن مسلمي بيروت وفي مقدمتهم عمر بيهم أعظم تجار تلك المدينة فتحوا بيوتهم للاجئين إليهم من المسيحيين، وأخذوا يوزعون عليهم الأطعمة

стр. 668

وحالوا بحكمتهم دون تدخل الرعاع من أبناء طائفتهم في الأمر فخففوا من غلوائهم. وذكر أن عدد الهالكين من ٣٠ أيار إلى ٢٠ حزيران في لبنان وسورية المجوفة كان أربعمائة إنسان في المتن والغرب وجوار بيروت، وألفاً وثمانمائة في صيدا وجزين والكور المجاورة، وألفين وخمسمائة في قضاءي حاصبيا وراشيا، ومائتين وخمسين في زحلة، وألفين ومائتين في دير القمر ومائة وواحداً وعشرين في بيت الدين، وخمسمائة في بعلبك أي ٧٧٧١ شخصا من الرجال والنساء والأطفال، وأنه خربت ٣٦٠ قرية وهدمت ٥٦٠ كنيسة، وحرق ٤٢ ديرا، وهدمت ٢٨ مدرسة كان فيها ١٨٣٠ تلميذا، وخسرت الأقاليم التي وقعت فيها الفتن جميع محاصيلها السنوية، وقدر مجموع ما فقد من أموال النصارى وعروضهم بخمسة وتسعين مليون فرنك يدخل فيها أربعة ملايين قيمة تعطيل التجار عن أعمالهم مدة شهرين. أما بشأن دمشق فقد أغرق في التقدير أيضا فقال: إن الحريق والنهب والقتل دام خمسة أيام من اليوم التاسع من تموز إلى اليوم الثالث عشر قتل في خلالها ٨٥٠٠ مسيحي ودمرت ٣٨٠٠ دار، وقدرت الخسائر بمائة مليون فرنك، ثم قدر عدد من هلكوا من النصارى بالأمراض والقلة بعد المذابح بثلاثين ألف نسمة! وقال: إذا أضفنا هذا العدد إلى من نكبوا في هذه المذابح بلغ من هلك في دمشق ولبنان ٤٦٣٠٠ إنسان خلال سنة واحدة بتعصب المسلمين والدروز. قلنا وجميع التقديرات تثبت أن القتلى ومن هلكوا بسبب مصائب تلك الفتنة والأمراض لا يتجاوزون ربع ما قدره صاحب كتاب مذابح الشام على أن هذا العدد لا يستهان به أيضا. عمل الدولة والدول عقبى الحوادث: ولما ترامت هذه الأخبار المشؤومة إلى الغرب أرسلت الدولة أحد كبار وزراء ذاك الوقت فؤاد باشا لإنزال العقوبة بالفاعلين من المسلمين والدروز، وأرسلت فرنسا عشرة آلاف جندي للمحافظة ومنع التعدي وكذلك باقي الدول

стр. 669

الأوربية، منها من أرسل مراكب حربية، ومنها من أرسل نوابا لإصلاح الحال. وخيم جند فرنسا في البقاع تسعة أشهر وظلت السفن الأجنبية راسية في موانئ الشام وعددها عشرون بارجة، وعقد في بيروت مؤتمر دولي مؤلف من وكلاء الدول الخمس إنكلترا وفرنسا وروسيا والنمسا وبروسيا، وضع أساس نظام جديد للبنان أقره السلطان عبد المجيد ووافقت الدول عليه ١٨٦١ ١٢٧٧ ثم عدل هذا النظام سنة ١٢٨١ واشتركت به دولة إيطاليا مع الدول السابق ذكرها. أعاد فؤاد باشا الأمن إلى نصابه ونفى بعض الأعيان من دمشق لأنهم لم يحولوا دون الأشقياء والسفلة وما أتوا من المنكرات، وقتل ١١١ مسلما رشقا بالرصاص وشنق ٥٦ ونفي ١٤٥ وحكم بالأشغال الشاقة على ١٨٦ استخدموا في إنشاء الطرق وقضى غيابا بالقتل على ١٨٣ وفي عداد الذين قتلوا ١٨ شخصا من كبار الأسر وأناس ذوو وجاهة، وسمح للنصارى الذين دانوا بالإسلام كرها أن يعودوا إلى دينهم وعددهم خمسمائة، وأخليت ثلاث حارات في دمشق لسكنى النصارى، وجنّد ثلاثة آلاف جندي من هذه المدينة وجعل البدل العسكري مائتي ليرة، وأرسل زهاء ألف رجل للنفي والسجن إلى الأستانة وغيرها، وقتل والي دمشق المشير أحمد باشا رميا بالرصاص لتساهله في إطفاء الفتنة وقال هذا يوم قتل: إني مظلوم وسماه الأتراك بالشهيد، وكان من عظماء الدولة تربى تربية عالية في مدارس الغرب. وقيل: إن فؤاد باشا عجل بقتله مخافة أن تشيع الأوامر التي وردت إليه من الأستانة ونفذها، وأنه لذلك بادر بأخذ حقيبة أوراقه منه ساعة اجتماعه به، وقتل قائد حي النصارى وقائدي حامية حاصبيا وراشيا، وعزل خورشيد باشا قائد الجند في الساحل، وعوض على المنكوبين من مال الدولة والأهلين. وقال قنصل بريطانيا: إن الخسائر المالية بدمشق من حريق ونهب وأعلاق وعروض وغيرها لا تقل عن مليون وربع ليرة، وكان يرى أن خمسة ملايين ليرة لا تكاد تكفي للتعويض عن تخريب الأملاك، وعن خسارة الأموال والحلي والجواهر والأمتعة الثمينة والسلع والملابس قال ذلك لفؤاد باشا لما قال له أن يفرض غرامة قدرها ٢٥ مليون قرش أي زهاء مائتي ألف جنيه. هذا عدا ما أصاب النساء من هتك

стр. 670

الأعراض وفض الأبكار وركوب العار وبيعهن من الأكراد وأهل البادية كما يباع الإماء كل واحدة بمائة إلى مائة وخمسين قرشا. أما الدروز في لبنان ووادي التيم ودمشق وحوران فقد نفي منهم نحو مائة إلى طرابلس الغرب، ولم يقتل أحد منهم لأن النصارى طلبوا محاكمتهم بالشرع، ولا بد في الشرع من شهود عدول، والنصارى في هذا الحادث لا تصح شهادتهم، والدروز لا يشهد بعضهم على بعض، وإلا فإن فؤاد باشا أراد فيما قيل أن يقتل منهم خمسمائة رجل، ولاحظ الماجور فرازر بقوله إنه إذا لم يحكم على غير سبعة وخمسين قاتلا فيستنتج من ذلك أن معظم من اشتركوا في المذابح لم يزالوا مطلقا سراحهم، لأنه من المستحيل أن يعتقد بأن أكثر من ثمانية آلاف شخص ذبحهم سبعة وخمسون رجلا دع النساء السبايا واللائي عبث بطهارتهن. وذكر آخر أن الدروز لم يرتكبوا الفاحشة مع النساء وتركوا ذلك لرعاع المسلمين. عمل العقلاء في دمشق وبيروت ورأي مؤرخ منصف في المسلمين: وهنا لا بد من التنويه بعمل أكثر عقلاء المسلمين في دمشق وبيروت خاصة، وما بذلوه لحقن دماء أبناء ذمتهم من النصارى، فقد أنقذوا ألوفا منهم على ما يقضي بذلك الدين والشرف، ولولا ذلك لم يبق منهم ديار، وفي مقدمتهم الأمير عبد القادر الحسني، فشكرته الدول النصرانية جمعاء ومما قالته الملكة فيكتوريا ملكة إنكلترا وإمبراطورة الهند في شكر صنيعه: إنها عرفت من سلوك سموه الفرق بين المسلم ذي العقل الراجح، والجبناء المتظاهرين بالتدين الذين عملوا بإثارتهم التعصب على إبادة كثيرين من النصارى العزّل. وقد كان للشيخ عبد الغني الميداني الغنيمي ومحمود أفندي حمزة وأسعد أفندي حمزة والشيخ سليم العطار وسعيد آغا النوري وعمر آغا العابد وصالح آغا المهايني والسيد عمر بيهم إلى عشرات غيرهم من أهل العلم والسراوة في دمشق وبيروت ممن فتحوا بيوتهم لإيواء مواطنيهم المنكوبين يد طولى في هذا الشأن تذكر فتشكر ولقد قال السيد محمود حمزة قصيدة في تقبيح ما صدر من رعاع الدمشقيين من أفعال القتل والنهب منها:

стр. 671

يا وحوشاً صادفت في غابها ... آمناً فاستقبلته بالسهام إلى أن قال: بئس مصر قد خلت من حاكم ... جور سلطان ولا عدل العوام قال مشاقة خلال كلامه على فلاح مسلم رأى نصرانيا بين القتلى الذين أهلكهم الجزار على باب عكا فأخذوه إلى قريته وضمد جراحه ولما عوفي حمله إلى دمشق لئلا ينتقل خبره إلى ذاك الطاغية: فهذه القصة ذكرتني ما ورد في الإنجيل الشريف عن السامري الذي ضمد جراحات الواقع بين اللصوص، ولكن ما عمله هذا المسلم مع النصراني هو أعظم لأنه خاطر بنفسه لكي ينقذ الغريب عنه الذي لم يكن يعرفه قبلا، وهكذا يوجد من الصلاح والمروءة بين المسلمين من يسدون المعروف للغرباء عنهم، وكفى دليلا على ذلك ما شوهد بالعيان من أعمال حضرة الأمير عبد القادر الجزائري والمرحوم صالح آغا المهايني والكثير غيرهم من أتقياء المسلمين من طبقات مختلفة في حادثة سنة ١٨٦٠ فقد صانوا ستة عشر ألف نسمة مسيحية عن الذبح بسيف الأشقياء والثائرين الذين لم تصنهم حكومة دمشق لغاية لم تعد مكتومة وهي لم تعترف بها ولكن القرائن أثبتتها والتفوه بها ممنوع اهـ. - من المسؤول عن هذه الفتنة الشعواء: كانت هذه الفتنة سبب خراب قسم عظيم من مدينة دمشق، كما خربت مئات من القرى في لبنان، وخربت زحلة وحاصبيا وراشيا ودير القمر إلا قليلا، وأهم ما خرب الكنائس والأديار القديمة والبيوتات التاريخية الجميلة، وهام كثير من نصارى دمشق وغيرها على وجوههم في الأرض، ومنهم من هاجر إلى مصر وقبرص واليونان والأستانة وأصيب المسلمون بأضرار كثيرة، ولربما نجا المجرمون وقتل من كان جرمهم خفيفا. والذنب كل الذنب على الحكومة وعمالها أولا لما أبدوه من الضعف ثم على الأقرب فالأقرب من الأعيان والمشايخ والخاصة ثم على العامة.

стр. 672

ولو قام كل واحد من الأعيان والمشايخ بواجبه لخفّ الشر كثيرا في دمشق، وربما امتنع عامة الأشقياء عن أعمالهم على الرغم من تحريض الحكومة لهم سرا أو من إبدائها تساهلا ظنوا معه أنها تدعوهم إلى عمل ما عملوا. فقد ثبت أن والي دمشق قال للأمير عبد القادر الجزائري وهو يستأذنه للمحافظة على النصارى وإطفاء الفتنة: ليس لي من الأمر شيء، وإذا كنت تستطيع أنت أن تحافظ بجماعتك المغاربة فلك ذلك فأجابه أن السلاح ينقصني، فأعطاه سلاحا لأربعمائة مقاتل. وفي تحفة الزائر أن الأمير عبد القادر استأذن الوالي يوم فتنة لبنان ودمشق في طلب مشايخ الدروز إلى بعض القرى خارج البلد والاجتماع بهم ليعظهم ويحذرهم سوء عاقبة ما اعتزموا عليه فأذن له وخرج إليهم وتكلم معهم بما أثر فيهم فأذعنوا لنصائحه ووعدوه بأنهم لا يحركون في دمشق ساكنا ولا يثيرون فتنة، ولما كان أمر الله لا يرد قويت بواعث الفتنة ولم ينجع فيهم نهي الحكومة ولا أثرت فيهم شدة انتقامها. قال واستمرت الفتنة قائمة ونارها موقدة أربعة عشر يوما في دمشق، وما أوقع أحمد باشا الشهيد وجماعة من رؤساء الجند إلا اغتراره بأقوال من كان يستعبد أن يقع في دمشق ما وقع في الجبل، لدعوى وجود البواعث المقتضية لذلك بين اللبنانيين وعدمها في دمشق. ومن القرائن القوية على أن لحكومة الأستانة يداً في إثارة هذه الفتنة، أنها أرسلت بعض رجالها قبل وقوع المذابح بأشهر إلى الشام وبعد ذلك تبدل وجه كل شيء وتغيرت معاملة الحكومة للنصارى. ومن يحسن الظن بالحكومة التركية ينسب ما جرى إلى إهمال العمال، وإلى ما كان لديهم من الوسائط القليلة والرجال وأن الحكومة أرادت أن تنتقم ممن كانوا يتطلعون إلى دولة أخرى تحكمهم كالدولة المصرية، ولسان حالها في الحقيقة بشأن هذه الفتنة المثل المشهور لم آمر بها ولا ساءتني وماذا يهمها قتل نحو أحد عشر ألف نسمة وخراب قُدّر ببضعة ملايين من الدنانير وغير ذلك من المقابح والمساوئ، إذا كان في ذلك تأييد سلطانها على قطر ما زالت سلطتها عليه اسمية منذ فتحته. وقد ذكر العارفون من العرب والفرنج أنه لولا انتداب الدولة لمثل الداهية فؤاد باشا لعقوبة الرعاع وغيرهم، لكانت أوربا اشتطت في معاملة الدولة

стр. 673

وسابتها بعض ولايتها. ومن حسن الحظ أن هذه الفتنة لم تتعد دمشق وأواسط لبنان ونجا منها شماله بفضل رجل اسمه يوسف كرم حال دون انبعاث الدروز إلى جهاته، ولو اتصلت نيران الفتنة بأقاليم الجنوب والشمال ولم تبق محصورة في الوسط لكان الهول أعظم والخطب أدهى وأمرّ. ونجت جنوب الشام وشمالها لضعف الحكومة فيهما، ولأن القول الفصل في كل بلد كان لجماعة من عقلائها ووجوهها فإن الرعاع حدثتهم أنفسهم أن يبطشوا في حمص وحماة وحلب وطرابلس واللاذقية ويافا وغيرها فحال عقلاء تلك المدن دون الإيقاع بأحد من أهل وطنهم، ولم تبتل أقاليمهم بما ابتليت به سورية المجوفة. سوء أثر حوادث الشام في الدولة ومنازعة الدول لهل في سلطانها: سبع عشرة سنة مضت على الدولة وهي تحرك النُّعَرةَ الدينية لتضرب الدرزي بالنصراني وهذا بالمسلم، حتى وصلت إلى هذه النتيجة المرمضة من إهلاك من أهلكت وإضعاف من أضعفت، فانتقمت من الذين قتلوا بعض ولاتها قبل دخول المصريين، ثم عاونوا محمد علي الكبير معاونة فعلية وأدبية، وبالغت في عقوبتهم حتى أنستهم ما استمتعوا به على عهد حكومته الرشيدة، وخلصت من حماية فرنسا وانكلترا للموارنة والدروز، ولكن السياسة التي اتبعتها كادت تفشل ويخرج القطر كله من الحكم العثماني، لولا الشدة في عقاب من قضت السياسة بعقوبته والإسراع بتنفيذ الأحكام والتعويض عن المنكوبين. ولِمَ لم يقو فؤاد باشا إلا على المسلمين لأنهم لا سياج لهم إلا الدولة العثمانية، يؤثرونها على غيرها مع اعتقادهم ظلمها وسوء إدارتها، أما الدروز فإن لهم كالموارنة سنداً قوياً يحميهم. ولذلك لم يؤاخذ أشقياؤهم بما أجرموا، وهذا من غرائب السياسة في هذا العصر أن يجعل القاتل في حلٍّ مما أتاه. ولكن المسلمين من جهة ثانية انتفعوا بهذه العبرة التي وقعت لهم وإن كلفتهم كثيراً، فأصبحوا لا يثقون برجال الدولة على الجملة، ويعتقدون أن الظاهر من أقوالهم غير الباطن، وأن الدولة متى قضت مصلحتها تهلك أُمة حتى تستفيد فائدة صغيرة، وتخرب بلداً إذا كان من ذلك مغنم ترجوه. وبهذا العمل الأخرق الذي قصدت

стр. 674

به الدولة التفريق بين أجزاء قلوب بناء الوطن الواحد المشتركة منافعهم المتحدة مرافقهم، قد سلبت شطراً من سلطتها ففتحت أبواب ديارها لدول أوربا بأن أعطتها الحق لحماية طوائف من رعاياها، وكانوا لا يرون غيرها مرجعاً لخم في الشام، وأوجدت مسألة حماية الأقلية على مقياس واسع، فنتج من ذلك إنشاء حكومات داخل حكومة، وأصبح رؤساء الدين من النصارى يراجعون العمال في شؤون طوائفهم في التافهات والمهمات، ويريدونهم على تأييد مطالبهم وإن كانت جائرة أحياناً، وصار العمل إذا لم يخفض جناح الذل للرئيس الروحي على ما يجب يقيله من وظيفته بما لديه من الوسائط الفعالة. وأمست دور القناصل بعد الحادثة محاكم دائمة للنظر في قضايا من علقوا آمالهم على الدولة التي تمثلها تلك الدار. وغدا قنصل روسيا مسيطراً على مسائل الروم الأرثوذكس، وقنصل فرنسا الحاكم المتحكم في قضايا الباباويين، وقنصل بريطانيا العظمى مهيمناً فيما يعرض للبروتستانت والدروز، وغدا أهل كل نحلة يجعلون من الدولة التي يمتّون إليها معقد آمالهم، ويدعون في سرهم وجهرهم أن يقرب أيام حكمها مباشرة عليهم، ونزل كثير من الطوائف عن مشخصاتهم فأصبحوا عرباً بالدم متفرنجين بالتربية والعادات، يحتقرون ما كان عليه أجدادهم ويغالون في اقتباس ما عند غيرهم، خصوصاً إذا كانوا ينتحلون نحلتهم ويرون في الآخرة رأيهم. على أن الحادثة فتحت لجميع السوريين أبواب الأخذ عن الغرب وما كان ذلك مما أضر على إطلاقه، بل جاءت منه فوائد مهمة في باب الحضارة. والعبرة المهمة التي أخذها الناس من هذه الفتنة المشؤومة إيقان جمهور تلك الطوائف التي عبث بها العابثون، أن التبعة على قدر الفهم وأن القتلة وأرباب الدعارة نال شرهم الأبرياء من طوائفهم، وأنه لا يؤاخذ إذا جدّ الجد غير أهل المدارك وعيون الناس. وكم ذنب مولّده دلال ... وكم بعدٍ مولده اقتراب وجرم جره سفهاء قوم ... فحلّ بغير جارمه العقاب

стр. 675

العهد العثماني من سنة ١٢٧٧ إلى ١٣٠٠ بعد فتنة سنة الستين: خرج الأهلون في دمشق ولبنان بعد المذابح الفظيعة في تلك السنة المشؤومة، وقد خسروا مادياتهم ومعنوياتهم. هلكت النفوس التي حرم الله قتلها، وهلك ألوف من النصارى ومئات من المسلمين والدروز، وخسر أهل المدن والقرى أموالهم، وخربت الدور والقصور، وحرقت البيع والأديار. وكانت الخسائر في المعنويات أشد لأن الغرب أساء الظن بأهل هذه الديار، وأجمل حكمه عليهم كافة وعدّهم متوحشين ظالمين، ولم يستطع أحب الناس من الأوربيين للمسلمين أن يدافعوا حق الدفاع عنهم، مع علمهم بأن الفتنة أمر دُبر بدليل، والدولة هي المسؤولة أولاً وقد رجحت كفة الدروز في مدينة دمشق بما جاءهم من نجدات الحورانيين أبناء مذهبهم، فكان من الدروز أن اشتركوا أكثر من المسلمين في هذه المذابح. وكان للجند النظامي وغير النظامي من الأجناس المختلفة يد في قتل النصارى في ضواحي صيدا وبيروت ودير القمر وحاصبيا وراشيا وزحلة ودمشق وغيرها، وهم الذين هتكوا الأعراض على الأكثر فباءوا بالخزي والعار، وأخذت أوربا بعد أن قويت علاقاتها التجارية بالشام تسعى إلى تقليلها، لأن كابوس الفتنة استولى بعد تلك الوقائع على العقول في الغرب والشرق سنين كثيرة، وربما دام حتى انقرض من شهودها وسمعوا بفظائعها. جمعت الدولة للمنكوبين غرامات حربية من الأهلين بما زاد عن طاقتهم، ولم يصل إلى المصابين كما قال مشاقة أكثر من ربع الذي تكلفت له الدولة،

стр. 676

فضاع الربع الثاني في النفقات اللازمة، والثالث أختلسه مأمورو الحكومة، والربع الرابع ربحه صيارفة اليهود، وبالجملة فإن الخسارة وقعت على الدولة والمسلمين والنصارى، ولكن الدولة استعاضت عما فقدت تذليل الرعايا وإخضاعهم لكل ما ترسمه عليهم، حتى لقد جبى فؤاد باشا بقايا الأموال في دمشق التي أعيا الولاة تحصيلها على أيسر وجه، ولم يبق للعشائر رؤساء تتعب الحكومة بمعارضة أوامرها. وخرج لبنان من فتنته ممنوحا استقلالا إداريا، وأخذ يستمتع منذ سنة ١٢٨١ بنظام خاص فينتخب له الباب العالي متصرفا نصرانيا بموافقة الدول الست العظمى ويعطي الدولة بالاسم ثلاثة آلاف وخمسمائة كيس خراجا سنويا، وبقيت تسد العجز في موازنة الجبل مدة طويلة، وأهم ما ربحه لبنان القضاء نهائيا على سلطة أرباب الإقطاعات. وأصبح كما قال بعضهم في عهده الجديد ملجأ للأحرار من كل نحلة كما كان بفضل الأمراء المتولين عليه من آل عساف وآل معن وآل شهاب ملجأ للطوائف الكاثوليكية. أما مسلمو دمشق فبدأت أيام ذلهم بالقضاء على كبرائهم، وكان في قتلهم وتشريدهم عبرة لمن خلفهم أو نجا من المعمعة، وأصبحوا عبيد الدولة حقيقة في كل ما تأمر به، حتى إن منهم من كانوا لا يراجعون الوالي وإن كان غلطه ظاهرا كل الظهور حتى لا يغضبوه بزعمهم، ولطالما حاول بعض الولاة العقلاء أن يعلمهم حسن الدفاع المعقول عن حقوق الأهالي، فكان جوابهم أن افعلوا يا مولانا ما تشاءون فإنا لا نحب المناقشة مع العظماء. إفراط في العهد الأول وتفريط في العهد الثاني. السلطان عبد المجيد وخلفه عبد العزيز: توفي السلطان عبد المجيد سنة ١٢٧٧ ١٨٦١ أي بعد مضي أشهر من انتهاء فتنة الشام، وكان عهده سيئا يحكم في شؤون المملكة السراري والجواري والمقربون في القصر السلطاني ويسرف السلطان في الأموال ويبدد ثروة السلطنة، وكان إسرافه مبدأ ارتباك الدولة في ماليتها، فإن عبد المجيد لما زوج ابنته فاطمة

стр. 677

من علي غالب بن رشيد باشا أنفق على الجهاز والعرس مليوني ليرة فرنسية. وكان كما قال دي لاجونكيير أكثر ملوك بني عثمان إنسانية، اكتشف عدة مؤامرات رتبت للإيقاع به فكان كل مرة يعفو عن المتآمرين، فحمل إلى قبره أسف أمته وحرمة أوربا له التي أثنت عليه على الرغم من فجائع الشام وجدة، وذلك لكونه لم يقض على عمل السلطان محمود في الإصلاحات ولأنه ساعد ما وسعته قوته على تأييدها والاحتفاظ بها. خلف عبد المجيد أخوه السلطان عبد العزيز، وأخذ لأول مرة يهتم لتنفيذ خطط الإصلاح التي وضعها أبوه وأخوه أولاً، وبدأ بنفسه في إصلاح المالية، فآلى أن لا يتزوج بغير امرأة واحدة، وأبطل الإسراف في نفقات قصره، فتخلى عن جزء مهم من مرتباته، ولم يلبث أن عاد إلى طبيعته في الترف، وعاد الإسراف في أموال السلطنة إلى أبشع صورة بحيث لم تأت سنة ١٨٧٥م حتى أعلنت الدولة إفلاسها، وتمنت لو تقترض من مصارف أوربا بفائدة اثني عشر بالمائة. وفي التاريخ العام: ولسوء الحظ أن السلطان عبد العزيز نسي حالاً نياته الحسنة الأولى، وأصبح في الحرم تسعمائة امرأة وثلاثة آلاف خادم وخادمة، وكانت تمد كل يوم خمسمائة مائدة، ويجلس إلى كل واحدة منها اثنا عشر شخصاً. نشر أول قانون للولايات على أصول فرنسا سنة ١٢٨١ ١٨٦٤ وكان السلطان عبد المجيد في سنة ١٢٧٢ ١٨٥٦ نشر خطاً سلطانياً يقضي بإدخال إصلاحات إدارية كثيرة في السلطنة العثمانية، عاقت حوادث الشام عن تطبيقها في ربوعه، فأخذ القطر بعد الحوادث المشؤومة يتدرج نحو المدنية، وقد تخلص من أرباب الإقطاعات، ولم يتخلص من أرباب النفوذ في المدن والقرى ممن كانوا يسرقون الأمة والحكومة معاً، ويقاسمون الولاة والعمال على الأرباح. أما الولاة في أول القرن والقرن الماضي فكانوا لا يهتمون إلا بالاحتفاظ بولايتهم ويبدلون بسرعة كما قال أحد العارفين من الأوربيين بمن يجهلون كثيراً أخلاق الشعب وإدارة الأحزاب السياسية، فينبذون وراء ظهورهم الاهتمام بإنجاح الولايات لأنهم موقنون بقصر مدة ولايتهم عليها، فيكبّون مدة حكمهم على جمع الأموال الوافرة بقدر ما تمكنهم الحال. وفي أواخر هذا القرن تبدلت

стр. 678

الأحوال فأصبحت الدولة تبعث إلى الشام بأعاظم رجالها يتولونها، وفيهم المستقيم العفيف عن أموال الناس العارف بأصول السياسة والإدارة. وفي سنة ١٢٨٠ شب قتال شديد بين بني علي والكلبية وهاجم الكلبية والنواصرة بني علي حتى بلغوا قرية ست يللو ثم حرقوا بتغراموا وديروتان ومغسلة وخربوها وكان الرجال يحاربون والنساء يشتغلن بالتخريب والإحراق وهجم بنو علي على الفرقية وديرونة ورويسة البساتنة وحرقوها قاله في تاريخ العلويين. وفي سنة ١٢٨٦ كانت الواقعة المعروفة في جبال النصيرية بوقعة الوالي، وسببها أن طائفة الكلبية النصيرية ظهر منها شقاوة، وخالفت أوامر الدولة فأرسلت هذه والياً لتمهيد الأمور وإرجاع العصاة إلى الطاعة، ومعه جيش قدر بعشرة آلاف فسار إلى قرية الجديدة ورابط، فأرسل الوالي يطلب مقدمي الكلبية ووجوه النصيرية ومقدميهم ومشايخهم المعتمد عليهم من قضاء صافيتا إلى ناحية البجاق ولما وافوه قبض عليهم جميعاً وسار الجيش إلى قرية المرج وأمر بحرق القرداحة أكبر دساكر تلك الجهة، كما أحرق بعض قرى الكلبية والنواصرة ثم مضى إلى بني علي وأحرق وأفسد وعذب جميع الطوائف النصيرية من عمل صافيتا إلى البجاق، ولما شفيت صدور الجيش من العذاب والتخريب، التأم مجلس إداري في جبلة فحكم بصلب ثلاثة من أعاظم الطائفة الكلبية وصلب آخر من بني علي، وأخذت الحكومة الباقين إلى بيروت فسجنتهم خمس سنين ثم برأتهم وأطلقت سراحهم. ويحدثنا الشيوخ أن أيام السلطان عبد المجيد وعبد العزيز كانت سعيدة على الشام في الجملة، وإن كان ذالك الدوران مبدأ تصفية حسابات الدولة، فقد أعلنت رومانيا في أيام عبد العزيز استقلالها، وتخلت الدولة عن الصرب، وطلب سكان كريت أن تدخل الإصلاحات على جزيرتهم، فلما رأوا إهمالاً من الدولة طلبوا ضمهم إلى اليونان ولكن الباب العالي قوي عليهم ونجحت سياسته. وفي سنة ١٨٦٨ نزعت مصر عن الدولة، وأصبحت خديوية تدفع خراجاً معيناً للسلطنة، ثم هاج سكان البوسنة والهرسك وساءت حالة السلطنة وأصبحت

стр. 679

الديون العمومية أربعة مليارات فرنك بعد أن كانت قبل عشر سنين ٣٧٥ مليوناً أنفقها السلطان في خصوصياته. وبينا كان عسكر الدولة يحتاج إلى المال في بلغاريا، والموظفون لم يتناولوا رواتبهم منذ أشهر، كان عبد العزيز يفكر في نقل قسم من ثروته الخاصة على باخرة أجنبية إلى أودسا. هذا والثورة فاشية في بلغاريا، والصرب والجبل الأسود تحاربان الدولة، وأوربا تخاطب الحكومة في أمر النصارى الذين كانت تخشى على حياتهم مخاطبة الآمر للمأمور فتمسّ كل يوم عاطفتها، وشهرت الدولة إفلاسها ولم يصرف السلطان من الأموال التي اقترضها سوى واحد من خمسة عشر على الجيش والأسطول. برهان واضح على قبح الحكم المطلق كيف كان نوعه وحالة القائم به، وأنه إذا اتفق أن جاءت فيه بعض أيام راحة فهي نسبية لا تكون معياراً، ولم تربح الدولة من عهد عبد العزيز سوى تأسيس نظارتين مهمتين: العدلية والمعارف. خلع عبد العزيز وتولية مراد الخامس: شقيت السلطة بإدارة عبد العزيز وكادت تتداعى أركان الدولة وهو لاهً في أفراحه لا يبالي بما تخبؤه الأيام، ما دام كل من تحت سماء السلطنة عبيده الخاضعين، وأصبح لا ينفذ أمراً للوزارة، وكأنه عرف حالته فأخذ يفاوض إمبراطور روسيا سراً ليحميه فاطلع الوزراء على الأمر، فلما رأوا سوء المغبة عياناً تآمروا على خلعه، فاجتمع الصدر الأعظم مدحت باشا وناظر الحربية حسين عوني باشا ورشدي باشا المترجم من أعاظم رجال السلطنة بالاتفاق مع الشريف عبد المطلب، وكان ذلك برأي مدحت باشا أولاً، وأسرعوا في خلع عبد العزيز على حين فجأة، قبل أن ينقل ثروته إلى الديار الأجنبية، ويطلع على ما دبروا له فيبطش بالمتآمرين، وذلك بفتوى شيخ الإسلام حسن خير الله أفندي أثبت فيها عليه العَتَةَ والجهل بالأمور السياسية، والإسراف في أموال الأمة بما لا تستطيع تحمله وإنفاقه في شهواته، وإخلاله بعمله في أمور الدنيا والدين مما ساق الملك والملة إلى الخراب. ونصبوا بدله مراد الخامس. ولما كان عبد العزيز على جانب من عزة النفس وشمم السلطنة صعب عليه

стр. 680

الخلع فطلب مقراضاً يقص به شعره فانتحر بقطع بعض عروق يديه وقيل بل قتل بيد أثيمة وهو غير صحيح. وقد ساعد سفير إنكلترا رجال الدولة القائمين بهذا العمل، بأن استدعى قسماً من الأسطول الإنكليزي إلى ميناء الأستانة ليلجئوا إليه إذا انكشفت مؤامرتهم قبل إتمامها. ولما تربع مراد في دست السلطنة تنازل عن ستين ألف كيس من مخصصات القصر وترك للمالية ريع المناجم والمعامل على حين كان يرسف في قيود ديونه التي تراكمت عليه منذ ولايته العهد، وقد أنافت على مليون ليرة وليس في الخزينة من المال ما يكفي إلا لسدها وبعض زيادة طفيفة، والجند والموظفون لم يتناولوا رواتبهم منذ أحد عشر شهراً. وكان مراد ليلة خلع عبد العزيز ارتاع فأصابه مسّ من الجنون لما بشروه بالبيعة له بالسلطنة، على صورة لم يكن يتوقعها واشتد خلله بعد أيام من توليته عندما بلغه مقتل حسين عوني باشا فلم يتلطف مبلغه بالأمر وقال له إن الوزراء قتلوا فقال الآن جاءت نوبتي في القتل وبدأ معه الجنون المطبق، فلم يسع أهل الحل والعقد إلا خلعه بعد أن سكتوا على ذلك شهرين، فخلعوه بإثبات جنونه المطبق ونصب مكانه السلطان عبد الحميد الثاني يوم ١٦ شعبان سنة ١٢٩٣، بعد أن تعهد لمدحت باشا بأن ينشر القانون الأساسي، ويؤسس في السلطنة حكومة دستورية. عهد عبد الحميد الثاني: تولى عبد الحميد زمام السلطنة وروسيا تهيج ممالك البلقان، والدولة مائلة إلى السقوط لإسراف عبد العزيز، فألغى جانباً كبيراً من نفقات المطبخ السلطاني وكانت نفقاته على عهد عبد العزيز أربعين ألف ليرة في الشهر فأنزل مبلغاً لا يستهان به، وقضى أن لا تخرج من المابين موائد الطعام بل أن يأكل فيه من له حق الأكل، وألغى الامتيازات التي كانت لوالدة السلطان، لأن والدته ماتت وهو صغير فتوفر بذلك ١٥٠ ألف ليرة نفقات سنوية، وأخذ يتولى بنفسه إدارة الشؤون ويتفنن في الجاسوسية ليطلع على الصغيرة والكبيرة. لكن روسيا أعلنت الحرب على الدولة فنزعت البوسنة والهرسك من أملاكها واستقلت الصرب والجبل الأسود، وانهزم العثمانيون أمام الروس وخرجوا من حربهم

стр. 681

وقد أضاعوا جزءاً مهماً من مملكتهم وما يربو على مائتي ألف كيلو متر مربع من الأراضي، وسبعة ملايين من الرعايا، وانسلخت جزيرة قبرص عن السلطنة وقضت معاهدة برلين ١٢٩٤ أن لا تسلب من الدولة الإمارات التي كانت تابعة لها فقط، بل نصف أرضها في أوربا، وأن يتعهد السلطان بإصلاح مكدونية وكريت وأرمينية وتحملت السلطة غرامة باهظة. وأعلن السلطان القانون الأساسي في المملكة وسارع بتأليف مجلس نيابي ومجلس شيوخ واجتمع مجلس الأمة قبل أن يحضر نواب اليمن وبغداد والبصرة وطرابلس الغرب لبعد ولاياتهم واكتفوا بوجود ثلثي النواب، وانتهت معاملة أعضاء مجلس النواب بعد ثلاثة أشهر من نشر القانون السياسي، ولم يكن انتخاب النواب بالرأي العام بل بتعليمات مؤقتة بمعرفة مجالس الإدارة. ولما تناقش النواب في مسألة الصلح مع روسيا لم يرتضوا بالشروط الصعبة التي اقترحتها الدولة الظافرة وحدث في المجلس أخذ ورد، شق ذلك على عبد الحميد وربما بدرت بوادر من بعض النواب بحق السلطان فأمر بإقفال المجلس، وكان على حماة يرضى معها أن يتنازل عن ثلثي المملكة على أن يضمن له عرشه، فصدر أمره بتوقيف أعمال مجلس النواب إلى مدة غير معينة وأمر بإخراج عشرة من نواب الولايات في ثمان وأربعين ساعة من الإستانة، وكان منهم خمسة من ولايات الشام فأظهر بذلك أول صورة من صور استبداده خالف بها الأصول النيابية، ولم تتمتع الأمة بحرية الدستور سوى أربعة أشهر لأنه صعب على مانحه أن يسير على غير خطة الاستبداد، وندر أن يجيء من المستبد إلا مستبد، فزاد حنق الأحرار والغيورين على بقاء السلطة العثمانية، وأخذ هو يشتد خوفه على نفسه، ويقضي على من كان خلع عمه عبد العزيز على أيديهم من الوزراء، ولاسيما مدحت باشا الذي نقله إلى ولايات بغداد والشام وإزمير، ومنها إلى حبس الطائف فقتله هناك، وأخذ يستكثر من الجواسيس وأصبح ولا همّ له بعد سنين إلا اتخاذ الاحتياطات لذلك، وكثرت أوهامه وظنونه، وأنشأ يراقب المطبوعات مراقبة دقيقة مضحكة، ولا يسمح بنشر جريدة ولا كتاب على الأكثر إلا إذا طرز باسمه واختلقت له فيه الأماديج. وفي أول عهده ١٨٨١م أخذ الصهيونيون ينزلون فلسطين مئات كل سنة،

стр. 682

وهم مقدمة الصهيونية الذين كانوا يحاولون أن يقيموا بناء القومية اليهودية في فلسطين ويعيدوا لصهيون أي القدس مجدها بإنشاء المعبد الذي خرب وعرش داود. انسيال الدروز على جبل حوران ووقائعهم: مضت قرون على لبنان قبل منحه استقلاله النوعي عقيب حوادث الشام وهو بورة الفتن، ومنبعث الثورات والقلاقل، لأنه كان فيه كتلتان عظيمتان بل دينان مختلفان الموارنة والدروز. كل منهما يريد التوسع في السلطة، وكل منهما تعلم الطاعة لرؤسائه وعقاله، يسير بقيادتهم يوم الكريهة، أو يجتمع تحت لواء صاحب إقطاعه راضياً مختاراً، وكل منهما يستمد من قوة غريبة. والموارنة أقدم استمداداً وصلات بالأمم اللاتينية من جيرانهم، وجيرانهم أشد بأساً وأكثر مضاء أثبتوا في مقاتلتهم الصليبيين، فكان قتالهم لهم أشد من مناجزة بعض الطوائف الإسلامية من سكان أرجاء الساحل لهم. فلما وقع ما وقع في حوادث لبنان عام ١٨٦٠ قضت الطبيعة على بعض رجال طائفة الدروز أن يهاجروا إلى جبل حوران فرحلوا إليه في فريق من إخوانهم أهل وادي التيم والجبل الأعلى وصفد وعكا وغوطة دمشق وإقليم البلان وكان منهم طائفة فروا من وجه القضاء في الأصقاع الأخرى، وآخرون أتوا حوران بدافع الحاجة، فكثروا سواد من كانوا حلوا في هذه الربوع أيضاً من أبناء مذهبهم، وأول نزول الدروز في حوران بعد وقعة عين دارة المشهورة في لبنان سنة ١٧١٠م ١١٢٢هج فتألفت كتلة منهم هناك وقويت عقيب حوادث الشام، وأخذ الدروز يرجعون إلى أخلاق البادية بعد أن أوشكوا أن يدخلوا في الحضارة في اللبنانيين الغربي والشرقي. اعتز قدماء الدروز بإخوانهم الذين جاءوهم وأخذوا يجمعون شملهم على عادتهم بإمرة قوادهم، وكان أهمهم بنو حمدان ثم أسرة بني الأطرش التي أصبح معظم الجبل بتدبير كبيرهم إسماعيل الأطرش خاضعاً لهم، وسلطة هذا البيت تتناول أكثر أنحاء الجبل والأكثرية معهم على الأغلب. ومنذ نزول الدروز في حوران ما برحوا يناوشون النصارى والسنيين من أهل القرى والبادية

стр. 683

القتال، حتى استقلوا به استقلالاً تاماً، وكانت أول وقائعهم المشهورة بعد وقائع إبراهيم باشا ما حدث سنة ١٢٩٦ بينهم وبين أهل بسر الحريري من أجل فتاة، فهجم الدروز على بسر وقتلوا من أهلها ثمانية أو عشرة أشخاص وقتل من أهل بسر خمسة أثناء الدفاع عن أنفسهم، وعند ذلك تجمع الحورانيون ألوفاً، وأراد مدحت باشا أن يجيب الحورانيين إلى مطالبهم وهي إنزال العقوبة بثلاثة وعشرين رجلاً من الدروز، فأبى الدروز إلا أن يعطوا دية عن القتلى، وقصد أن يسوق قوة على حوران للتهديد لا للضرب، ثم حلت المسألة صلحاً. قال عثمان نوري في تاريخه: وعقيب ذلك طلب مدحت باشا إعفاءه من ولاية سورية، فاغتبط عبد الحميد بذلك لأنه كان يرى أن بقاءه طويلاً في هذه الديار لا يجوز، لأنه تذرع بعمرانها وهو منه موجس خيفة على الدوام. وقال كان النزاع والجدال قائمين على ساق وقدم بين أهالي سورية المتباينين في الدين والجنس، فلما وليها مدحت باشا دخلت في طور السكينة والأمن، ولا سبيل إلى تقرير الحكم العثماني في أرض تتأثر فيها الأفكار بالنفوذ الأجنبي إلا بانتظام الإدارة وإجراء العدل وتنظيم المالية، وهذا ما عمله مدحت باشا. وكان عبد الحميد يرائيه، ويحول دون أمانيه، بحيث أن السلطان لم يكن يتوقف ساعة عن بث بذور الاضطراب في الولاية لينتقم من مدحت باشا، وذلم بتحريض مثل المشير أحمد أيوب باشا وجميل باشا عليه اه. انتهت مسألة الدروز بعد أن ساقت الدولة عليهم قوة إلى القراصة من عمل نجران وقتلت منهم ستمائة واستأمن الرؤساء، ولم يكن سواد الدروز في الجبل إذ ذاك أكثر من عشرة آلاف، وتسمى هذه الوقعة بوقعة القراصة وهو ماء قرب نجران، ولما لم تحسن الدولة الإدارة في الجبل زادت جرأة الدروز إلى أن كانت سنة ١٢٩٨ فهجموا على قريتي الكرك وأم ولد وذبحوا سكانهما على بكرة أبيهم ولم يبقوا حتى على الأطفال الرضع، فسيقت عليهم حملة بقيادة المشير حسين فوزي باشا أسفرت عن ربط دية شرعية مقسطة عليهم، وتأسيس قائم مقامية جبل الدروز مؤلفة من ثمان نواح وتعيين القائم مقام والمديرين منهم. كانت الدولة تقاسي الأمرين في تأديب عصاة الدروز كل مرة. قال مدحت باشا في مفكراته سنة ١٢٩٧ والذي زاد في الطين بلة أن فرنسا تحمي الموارنة

стр. 684

الكاثوليك وإنكلترا تتشيع للدروز، وكل هذا من السياسات التي تريد بها هاتان الدولتان توسيع نفوذهما في سورية أو ضرب إحداهما بالأخرى، فلما أخذت الدولة أهبتها لتأديب الدروز قام سفير إنكلترا في الأستانة يشكو من ذلك، ويكرر التردد على المابين والباب العالي فأصبحت الأوامر ترد تترى بحل هذه العقدة حلاً سلمياً. ومن جملة تدخل فرنسا أنها تجاهرت بحماية يوسف كرم قائم مقام النصارى في شمالي لبنان لما ثار على متصرفه داود باشا لما أراد زيادة خراج لبنان من ٣٥٠٠ كيس إلى ٧٠٠٠ كيس ليزيل العجز من موازنة الجبل فنال من عسكر التصرف فاستنجد هذا بواليي دمشق وبيروت فأرسلا إلى متصرف الجبل زهاء عشرة آلاف مقاتل فسارت إلى كرم. وعندها تدخل قنصل فرنسا في الأمر ومنح الحماية الفرنسية ليوسف كرم فركب من بيروت على دارعة قاصداً إلى فرنسا وكان ذلك سنة ١٨٦٦. المصلح مدحت باشا وطبقته من العمال: اضطر مدحت باشا أن يتخلى ويا للأسف عن ولاية سورية وقد طبق مفاصل الإصلاح في أرجائها الواسعة على أسرع ما يمكن، أنشأ الطرق والمكاتب والمدارس ونشط الصناعات والزراعة، وضرب على أيدي المرتشين، ونشر الحرية الشخصية، واقن الحكام والمحكوم عليهم دروساً في الوطنية والشعور بالواجب وكان يرجى للشام أن تسبق الأستانة في الحضارة بفضل إصلاحاته لو طالت أيامه وأيام غيره من الولاة المقتدين أمثال ضياء باشا في دمشق، ورستم باشا وداود باشا في لبنان، وكامل باشا في حلب ممن كانوا بسيرتهم معلمين للحكام، وضعوا لهم أصول الإدارة، وحرصوا حقيقة على إمتاع الناس بالعدل وأعمال العمران، فكانوا حجة على الدولة بأنها تستطيع الإصلاح إذا أرادته على قلة الرجال لديها على شرط أن تتركهم يعملون بوجداناتهم وعقولهم، وما عهد إليهم تنفيذه من القوانين الكافية بمعرفة أرباب النزاهة من رجال الشام. وقد تعاقب على دمشق خلال هذا القرن ٦١ والياً وعلى حلب ٥٢ والياً

стр. 685

وهكذا سائر المتصرفيات الثانوية، لا يسلم الوالي إلا ريثما يُودّع، والطيب منهم هو الذي لا تطول أيامه خاصة، لأن حساده كثيرون في الأستانة وفي الولاية التي يتولاها وتقارير الجواسيس عند عبد الحميد مقبولة لا ترد، والدولة يصعب عليها أن تتفلت من قيودها القديمة قيود حكومة القرطاسيات أي المفاوضات الطويلة بالورق، فإذا رأت رجل جد من أبنائها يحاول أن يعلمها الصواب في المعاملات، لا تلبث أن ترميه بكل شنعاء، وكان حظ النوابغ في كل دور من أدوار العثمانيين ولا سيما في العهد الحميدي أن يغض منهم ويسعى إلى التخلص من إصلاحهم ومراميهم، ولسان الحال يناديهم لا نحب أن نخرج عم مألوفنا العاطل المجمع على عطله ونؤثر أن نموت فيه على سلوك سبل التجدد: من يهن يسهل الهوان عليه ... ما لجرح بميت إيلام

стр. 686

العهد العثماني من سنة ١٣٠٠ إلى سقوط عبد الحميد الثاني الحالة في مبدإ القرن الرابع عشر وإصلاح جبال النصيرية والسبب في خرابها: غدت الدولة العثمانية أوائل هذا القرن قوية الشكيمة لسرعة الاتصال مع دار السلطنة، وتشعب الأسلاك البرقية وطرق البريد، وشدة مراقبة دول أوربا لأعمال السلطنة، وتسابق الدول في تأييد نفوذهن في الولايات. وامتاز لبنان الذي كان يكثر ترداد اسمه بثوراته وإقطاعاته الحين بعد الآخر، بأن انقطع ذكره بعض الشيء من باب المسائل المزعجة، وأصبح يعمل لنفسه بما متع به من امتياز خاص، ولم يعد الدرزي والماروني فيه يقتتلان كما كانا في القرن الماضي لتأييد سلطان ملك أو أمير، أو للأخذ بيد صاحب الإقطاع أو حباً بالغارة والقتل والنهب. ونشبت فتن في جبال النصيرية لأن هؤلاء لم يتأت لهم نصير من الغرب كما قام للبنانيين يأخذ بأيديهم إلى السعادة التي يتخيلها لهم، ويسوقهم إلى طريق الحكم الذاتي ولو على صورة ابتدائية، وكان أهل السنة المجاورين للنصيرية ينظرون إليهم نظر الازدراء، وهم في جبالهم يعدون قوة يحسب حسابها، وإذ كانوا طوع إرادة مشايخهم ورؤساء قبائلهم كانت سلطة الدولة عليهم قليلة. وإذا كتب للدولة أن أحرزت بعض سلطان عليهم في الشواطئ البحرية أو في الأماكن القريبة من ضفاف العاصي من جهة الداخل، فإن أعالي الجبال كانت معتصمهم، وربما كان فيها أماكن لم تدسها حوافر الخيول التركية لوعورة مضايقهم، وقد أرسل السلطان عبد الحميد رجلاً من خاصته اسمه

стр. 687

ضيا باشا جعله متصرفاً على لواء اللاذقية في مبدإ هذا القرن فرفع عن النصيرية الظلم، ووسد الحكم لبعض مشايخهم ووجوههم، بأن جعلهم أعضاء في المحاكم والمجالس ليشعر نفوس قومهم العزة بعد الامتهان والذلة، وأنشأ لهم جوامع ومدارس فأخوا يتعلمون ويصلون ويصومون، وأقنع الدولة بأنهم مسلمون فلم يعصوا له أمراً، ونفس من خناقهم فبدءوا يشعرون بأنهم بشر كسائر مواطنيهم وأنهم شركاء في هذا القطر لهم فيه حقوق سائر أرباب المذاهب وبعد أن ترك هذا المتصرف العاقل منصبه الذي دام بضع سنين على أحسن ما يكون، مع أنه كان بعلمه في درجة الأميين، خربت المدارس وحرقت الجوامع أو دُنست، وكانت الدولة في أكثر أدوارها لا تأخذ من معظم إقليم النصيرية شيئاً يذكر من الضرائب، والقائم مقام الذي يجبي منهم ضريبة السنة أو بقايا ضرائب السنين السالفة تصفق له الدولة وينال تقدير ولاة الأمر فيشرفونه برتب الدولة ومراتبها، وكانت جباية خمسين ألف قرش من النصيرية تستلزم إعداد حملة عليهم ينفق عليها ما يقرب من المبلغ المجبي أحياناً. قلنا: إن النصيرية كانوا ينظر إليهم نظر ازدراء. وقد سألنا عالم جبلهم في أيامنا الشيخ سليمان الأحمد عن رأيه في الحوادث الأخيرة، فكتب إلينا يقول ما نثبته بالحرف لأن قوله حجة في هذا الباب قال: كان أهل الحاضرة اللاذقية في هذا القرن يعدون ما يفعله جهلة العلويين النصيرية بفتيا علماء الدين، فيعصبونه بهم لدى الحكام ويغرونهم بهم وبالرؤساء، ويحرضونهم على الفتك بهم بكل واسطة، وكان الدين أعظم الوسائط التي توصل بها إلى هذه الوحشية والبربرية ومن جري ذلك المصاب العظيم الذي وقع على آل سعيد البهلولية من أشرف وأجل البيوت العلوية في حادثة سنة ١٢٩٥ وما كان العلويون ليحملوا وزر مصائبهم على الدولة التركية، بل على وجهاء البلد ورؤسائه السنيين وعلمائهم، ثم على أهل الفساد من مقدميهم ورؤسائهم الذين كانوا يسارعون لما بين عشائرهم من الضغائن والأحقاد والغارات إلى الدخول بخاطر الأغوات ثم بخاطر الحكام عن أيديهم، ومن تم له الفوز جردت له الحكومة العساكر الجرارة، وسلمته قيادتهم الفعلية فيسطوا بهم وبعشيرته على عدوه. ولا تسل عما تفعل الهمجية. ومتى دوخت تلك العشيرة وقتل أشرافها

стр. 688

وذللت، عاملت الحكومة العشيرة الظافرة نفس تلك المعاملة دواليك، حسبما تقتضي سياسة التفرقة والأحوال. ولا أدري إلى أي عصر تمتد سلسلة هذه الروايات المحزنة التي نرجو من الله أن يحسم أسبابها بأيدي المصلحين. والتبسط في شرحها لا يجدي أو لا ينتج إلا أن الشرقيين هم السبب الأعظم في بلاء أنفسهم وحجة الله فيه على المتسمين بسمات الدين، وتلك حزازة في نفوس المصلحين. والذي أراه أن قدم الحكومة التركية لم ترسخ في جبال العلويين حق الرسوخ وخاصة في مقاطعة الكلبية، وكانت الحكومة إذا أُحرجت جردت العساكر فنهبت وسلبت وحرقت وفتكت، فإذا رجعت العساكر، عادت العشائر إلى ما كانت عليه، يضبط الحاكم الحازم جماحهم، ومتى بُدل بحاكم ضعيف الإدارة أو مرتش، عم البلاء من الرؤساء الفسدة والأشقياء الجهلة. لما حكم إبراهيم باشا المصري قطع دابر أهل الفساد، وضرب الأمن أطنابه بحيث لم يكن يسمع في عرض البلاد وطولها نهب، ولا قطع سبيل، فرتع الأنام في بحبوحة الأمن مدة حكمه الذي كان مع صرامته نموذج العدل والإنصاف، فلما دالت دولته حصل من اختلال الأحوال ما لا يحصره المقال ١هـ. فتن درزية وفتن أرمنية: كان يظن بعد أن خمدت ثائرة الفتن في لبنان وما إليه من جبل اللكام أن الناس يرتاحون من الحملات والغارات إلا ما كان من غزو البادية بعضهم مع بعض فإن ذلك من المتعذر لأنه مرض قديم مستعص نشأ قبل الإسلام بقرون، ولم تقو جميع الحكومات التي تعاقبت على الشام أن تقضي عليه وتستأصله من أصوله، بيد أن القوة التي أحرزها جبل حوران بالدروز الذين هاجروا إليه جعل من الجبل موطن غارات وغزو، وأصبح هذا الجبل إبرة سفينة الأمن في الشام، وكان يتلبس بهذه الصفة جبل لبنان في القرون الماضية فيتعب سائر الأرجاء الشامية، ويضطر الحكومة أن تتقي شره بإثارة أهل الجوار عليه، وإلقاء الخلاف بين أمرائه ومشايخه. نشبت فتن في جبل حوران في أعوام مختلفة، وكثيراً ما كان بعض أشقياء

стр. 689

الدروز فيه يطيلون أيدي الاعتداء على سكان حوران والغوطة والمرج وجبل قلمون، فيتحد أشقياء المقرن القبلي منه مع عرب السردية ويغزون في البلقان وما إليها قبائل بني صخر والحويطات والسرحان وقرى حوران الجنوبية، وينضم أشقياء المقرن الشرقي إلى عرب الصفا يغزون تجار بغداد ودير الزور، ويتحد أشقياء المقرن الشمالي مع عرب الحسن ويهاجمون قرى جبل قلمون والنبك وحمص، ويتحد بعضهم مع عرب اللجاة فيسلبون قرى سفوح جبل جوران ويقتلون الموظفين ويمثلون بالعسكر إذا خلو بهم، ولا يدفعون الأموال الأميرية، وبذلك تأيدت شوكة الدروز وخافهم جيرانهم من أهل القرى والبادية، وتخوفت الدولة عاقبة أمرهم للرابطة القوية بين أفرادهم، وهم إذا جاءهم الغريب، والدماء تسيل بينهم كالسيول، لا يلبثون أن يكونوا عليه يداً واحدة ويصدقوا قتال عدوهم المشترك، بما فيهم من شمم وإباء عربي وعند الشدائد تذهب الأحقاد. رأى الدروز في سنة ١٣٠٤ وقد ارتاشوا وتأثلوا ونما عددهم أن يستولوا على قرى اللجاة للتحصن بها عند الإيجاب واستثمار ما يمكن استثماره منها فاحتشد نحو خمسمائة فارس منهم بقيادة شبلي وفندي الأطرش، ووصلوا إلى المسمية وهاجموا قلعتها فردوا عنها. وفي سنة ١٣٠٨ انقسم دروز حوران إلى فرقتين المشايخ والعامة وزادت بينهم العداوة والبغضاء فأدى ذلك إلى حدوث وقائع متعددة ودخل بعض المشايخ إلى قلعة المزرعة فأرسلت عليهم ست كتائب مشاة وألاي فرسان مع مدافع، وفي أثناء مغادرتهم ثكنة المزرعة تعرض لهم العامة فقابلهم العسكر بالضرب، فانهزم الدروز بعد أن تحملوا خسائر كلية ودخل الجند السويداء وأسرعوا ببناء ثكنة عسكرية. وتعرف هذه الوقعة بوقعة العامة ونال الدروز من الجند في سنة ١٣١١ في طريق المزرعة وحاصروا قلعتها ثلاثة أيام. وفي سنة ١٣١٣ هجم الدروز على قرية الحراك وقتلوا أكثر أهلها وهدموا جامعها الحصين ونهبوها مع قرى المليحة الغربية والمليحة الشرقية وحريك ودير السلط وكحيل فأرسلت الدولة عليهم ١٣١٤ حملة بقيادة أدهم باشا ولما بلغ أول حدود الجبل تعرض له الدروز فقابلهم العسكر بالمثل، وبعد وقعة القراصة ونجران والسجن وأم العلق دخل العسكر السويداء.

стр. 690

ولو وضعت الإصلاحات الإدارية موضع العمل بجد ونشاط لاستقام الأمر كثيراً، ولقلت الفتن التي تقع بين الرعايا والعمال. وكانت الحكومة سنة ١٣١٥ تتذرع بتطبيق أصول الأعشار بصورة الأمانة على حسابها، فقتل الدروز ضابطاً كبيراً مع ثلاثين جندياً في عرمان، ومدير ناحية صرخد ورفقاءه من الدرك، وأكثر حراس الأعشار في جميع قرى الجبل فأرسلت عليهم الحكومة مفرزة مؤلفة من أربعمائة جندي وفي رواية درزية أربع كتائب قتلوها بالفؤوس والسيوف إلا قليلاً في محل يدعى العيون قرب عَرّمان وغنموا مدفعين وجميع الأسلحة والذخيرة وحاصروا ثكنة السويداء ٢٨ يوماً ريثما وصلت القوة العسكرية بقيادة المشير طاهر باشا مؤلفة من ٥٤ كتيبة، وحدثت بينهم وبين كتيبتين كانتا في آخر القوة حرب دامت ست ساعات وانهزم الدروز في وقعة الشبهة. وخوفاً من وقوع قتل عام رجع العسكر عنهم. وفي هذه المرة قبضت الحكومة على ستمائة رجل منهم مائتان من رؤساء العصابات، ونفتهم من الشام ثم أرجعتهم مكرمين من الأستانة فابتاعوا بالدراهم التي نالوها من إحسان الدولة سلاحاً في طريقهم ليقاتلوا به عمالها. وفي سنة ١٣١٩ ساقت الدولة على الدروز قوة من الفرسان والمشاة إلى الصفا واللجاة للتنكيل بهم، واسترداد ما سلبوه من المواشي وغيرها. وفي سنة ١٣٢١ وقع خصام بين طائفتي الحلبية والمغوشين من الدروز أسفرت عن قتل أكثر من أربعين شخصاً، فأرسلت الحكومة ثلاث كتائب لإجراء التحقيق. وهكذا توالت وقائع الدروز وأكثرها في مقاومتهم للدولة كلما أرادت أن تدخلهم في الطاعة، وتجري عليهم الأحكام التي تجري على جيرانهم من أخذ رسوم الأغنام، وتسجيل الأملاك أو النفوس أو أخذ الأعشار. ولكم جرت وقائع لذلك في قنوات ومفعلة والشوفي والحجلة والكفر ونجران، وكم من وقائع بين المساعيد والعزام وبين بني الأطرش الدروز وبني المقداد السنيين. وبعد جهاد أربعين سنة أصبح الدروز في جبل حوران الأكثرية المطلقة بعد أن كانوا أقلية في أواخر القرن الماضي وزادت نفوسهم ستة أضعاف عما كانوا قبل خمسين سنة.

стр. 691

- الحملات على جبل الدروز وعلى الكرك: وفي سنة ١٣٢٤ اعتدى دروز حوران على عرب المعجل فغزا الدروز المعجل في النقرة من حوران فقتل المعجل منهم نحو سبعين رجلاً ثم اعتدى المعجل على قافلة درزية وقتلوا رجلاً من أكابر بيوتهم بالقرب من براق، فهاجمهم الدروز في ضمير من مرج الغوطة وقتلوا نحو أربعمائة من العرب، وأبقوا على النساء، وفي سنة ١٣٢٨ غزا دروز حوران جيرانهم أهل قريتي معربة وغصم وسكانهما مسلمون ونصارى على أثر خصام وقع بين نواطير القرية ونواطير بصرى على الكرم فقتلوا ٥٩ رجلاً وامرأة عدا الجرحى ونهبوا القسم الأعظم من قرى السهوة وجيزة وسماقية وطيسة، فأرسلت عليهم الدولة حملة مؤلفة من ثلاثين ألف جندي بقيادة سامي باشا الفاروقي فضربهم ضربة خفيفة قتل فيها زهاء ألف رجل منهم ونحو مئة وخمسين من الجند وأحرقت بعض القرى ولا سيما الكفر أهمّ موقع حربي في الجبل وحواليها دار معظم القتال، وغنم الجند والضباط ما فيها من متاع وحلي وأرزاق مما حشره الدروز فيها من أنحاء الجبل، ولم تستفد الدولة من هذه الحملة إلا إحصاء نفوس الجبل، واستأمن الدروز فحكم على بعض زعمائهم وأشقيائهم بالصلب فصلبوا في دمشق وجند بعض شبانهم وعفي عن بعض المجرمين وجرم بعض الأبرياء. وهكذا غرمت الدولة والأمة حتى امتلأ صندوق القائد فيما يقال ولم تنفذ خطط الإصلاح التي وضعت على العادة في كل مرة، ومنها ما يرضى به الدروز لكن تطبيقه يحتاج إلى إخلاص وحكمة. وقد أبان الدروز في هذه الحرب شأنهم في أكثر حروبهم وغاراتهم عن مهارة في الفنون الحربية وشجاعة متناهية. وأرادت الدولة في تلك السنة أن تحصي نفوس سكان لواء الكرك كما أحصت سكان لواء حوران، فانتقض أهل الكرك على الدولة لأنهم بادية على الأكثر والبادية تخاف الجندية أكثر مما يخاف منها أهل المدن والمزارع لأن عهدهم بالحكومة حديث وصعب التأليف بين طبائعهم ومعاملة الموظفين الفاسدين وكان لواء الكرك أُسس في سنة ١٣١١ على سيف البادية بين الحجاز والشام، وقد ثبت للدولة أن المرسلين يعملون بنشاط لتنصير تلك الأصقاع، وكان ذاك الإقليم من قبل بعيداً عن كل سلطان ويحكمه رؤساء عشائره، ولم يكن أكثر قراهم

стр. 692

معموراً مأهولاً، وكانت ديارهم كأنها قطعة من الحجاز القاحلة لا الشام الخصيبة، وصادف أن قطعت مرتبات عرب بني صخر والخرشان وغيرهم من أهل الوبر، فقام البدو الذين حرموا رواتبهم وهي أربعة آلاف ليرة في السنة، وسطوا على بضع محطات السكة الحديدية الحجازية على طول أكثر من مائتي كيلو متر في أرض اللواء، ونهبوا قطاراُ بحمولته وقتلوا وجرحوا بعض موظفي الخط، وقام الكركيون باديهم وحاضرهم وأطالوا يد الاعتداء على التجار والموظفين والحامية فقتلوا منهم نحو ١٥٠إنساناً، ولو لم يلجأ أكثرهم إلى قلعة الكرك لهلك في هذه الفتنة بضع مئات وحرقت الأماكن الأميرية كلها ونهبت خزانة الحكومة ودور الموظفين وأُحرق قسم منها، وخرب قسم عظيم من المدينة ٥٤٩ داراً بإطلاق القلعة المدافع عليها وقطع العصاة الأسلاك البرقية وهاموا على وجوههم في البراري، وبعد أن جاء المدد للمحصورين في القلعة قبضت الدولة على عشرات من الثائرين عدا من قتلهم هناك صبراً وحكمت عليهم بأحكام مختلفة وأكثرهم بالقتل. ولم يشترك أهالي معان والطفيلة في هذه الفتنة، وكانت النية أن يقوموا مع الكركيين في يوم واحد. وجرت وقائع بين عسكر الدولة وعرب المجالي وبني حميدة وابن الطريف وكورة وسليط وغورين وكثر ربا وعراق وخنزيرة والمعايطة وعبيد وجلامدة وأغوات بالقرب من قرية كفر ربة استسلم فيها بعضهم، وبلغ عدد القتلى من الكركيين نحو ألفي نسمة. ولم يحدث بعد هذه الوقعة شيء يذكر في أرض الشام اللهم إلا هياج العربان للغارة والنهب في الشمال والجنوب، وكانت الدولة تسوق عليهم قوى خفيفة تارة، وتتركهم وشأنهم تارة أخرى، خصوصاً إذا لم يقع منهم على أهل المدن والقرى اعتداء مباشرة، ولم يتدخل قناصل بعض الدول لمأرب لهم، كأن يكون في القتلى بعض النصارى أو أن تقضي السياسة بأن يوجدوا مسألة جديدة تحب دولة ذاك القنصل استثمارها في دار الملك. ومن الحوادث التي وقعت في سنة ١٣٢٤ ١٩٠٦م الخلاف الذي وقع بين الحكومة المصرية والحكومة العثمانية على حدود الشام وعقدت بينهما المعاهدة المعروفة بمعاهدة رفح وتعين الخط الفاصل الإداري بين ولاية الحجاز ومتصرفية

стр. 693

القدس وبين شبه جزيرة طورسينا، وكان للصحف الوطنية المصرية حملات على بريطانيا بهذا الشأن. رأي في دلال الدروز والنصيرية على الدولة: وفي الحق أن مسألتين في هذا القطر شغلتا الأفكار خلال هذه الفترة: مسألة النصيرية في الساحل، ومسألة الدروز في الداخل. أما المسألة الأولى فمما يحدث له أمثال في كثير من الأقطار، وتنتهي كل ثورة بصلب بعض أرباب النفوذ والسيطرة وتخريب بيوت الثائرين والساكنين. ورابطة النصيرية وتعلقهم بمشايخهم أقل من رابطة الدروز وهي أقرب إلى الحل إذا انعقدت. ثم إنهم ليسوا من المعرفة بحيث يتطالون إلى تأييد سلطانهم، أو تحدثهم أنفسهم بالاستقلال عن الدولة، إذ لا ملجأ لهم من الأمم الغربية يرجعون إليه ويصدرون عنه، ولكن هل كان دروز حوران مثلهم يا ترى؟ بعد أن حاول إخوانهم غير مرة أن يقيموا لهم حكومة مستقلة في لبنان ثم انسالوا على جبل حوران يحاولون الاستقلال بربوعه، والابتعاد عن سيطرة عمال العثمانيين في هذا الجبل الذي ينتهي العمران به وتبدأ البادية المترامية الأطراف؟. إن ظواهر الحال تدل على أن الدروز في جبل حوران حاولوا منذ عهد إبراهيم باشا المصري أن ينزعوا أيديهم من أيدي حكام القطر ويستمتعوا بامتياز لهم خاص، لأنهم يثقل عليهم حكم غيرهم في الجملة، وبين عامتهم وعامة غيرهم فروق في الآداب العمومية والأخلاق والعادات، وإذا ثاروا يعرفون السبب في ثورتهم، لأن مشايخ العقل منهم يلقنون أجاويدهم، وأجاويدهم يلقنون عقالهم، وعقالهم يلقون عامتهم كل ما ينفع في شؤونهم العامة فكانوا يرضون عقيب كل فتنة أن يتفقوا مع الدولة على مال معين يؤدونه للسلطنة، ثم لا يلبثون أن يمتنعوا عن أدائه مع أن الجبل الذي تملكوه بالسيف أو بالشراء بأثمان زهيدة من جيرانهم المسلمين والنصارى هو من الخصب بحيث لا يصعب عليهم أن يؤدوا الأعشار والأموال المطلوبة أو جزءاً من الضرائب التي يدفعها سائر الحورانيين، ولعلهم أو بعض مشايخهم كانوا يدلون على الدولة بما لهم من عطف بريطانيا عليهم فيتوهمون

стр. 694

أن ينشئوا لهم في صميم الشام دولة صغرى ناسين جميع الاعتبارات التي كانت تحول دون أمانيهم، وتهيب بالدولة إلى مناجزتهم القتال كلما حاولوا أن يرفعوا رؤوسهم. وكانت الدولة هي التي ساعدت على تعاقب ثوراتهم وتسلسل شقاواتهم واستلذاذهم بالحروب، لأنها اتخذتهم آلة في لبنان ووادي التيم وحوران للانتقام من عدوها إبراهيم باشا واستخدمتهم آلات لها في مذابح سنة الستين. ودفعتهم في طريق الشقاوة والمقاومة بمالها وسلاحها فظنوا أنفسهم قوة مهمة لا تقف أمامها قوى دولة، وعرفوا أنهم إذا ظفروا كان لهم ما يريدون، وإذا غُلبوا يحسنون مداراة رجال الدولة، ولهم من بريطانيا العظمى على كل حال دولة تسأل عنهم وتعنى بمصالحهم، فلهم أن يدلوا على جيرانهم وعلى الحكومة. وكان الشعب في معظم الأرجاء يستخف بعامة الدروز إذا اختلفوا إلى الحواضر، وإذا ذكروا يذكرونهم كما يذكرون النصيرية بالسخرية والمهانة، فيشق ذلك على جماعتهم خصوصاً والدروز لم يفقدوا أصولهم العربية ومن شأنها الشمم والإباء، فكانوا يصعب عليهم سماع ما يصمونهم به، وربما كذب الناس عليهم ونسبوا إليهم أموراً ليست من مذهبهم ولا من عاداتهم، كذبهم على النصيرية أيضاً، وكان لبعض المشايخ المتعصبين في الحواضر يد في إلقاء هذه الكراهة وهذه النفرة بين هاتين الشيعتين وبين الأكثرية من أهل السنة، الذين انشقوا منهم، ولعل الحكومة كانت تتعمد ذلك ولا يسوؤها فتغضي عما كان النصيرية والدروز يسامونه من الذل، وتفسح المجال للعامة والمشايخ البله أن يعاملوا مواطنيهم تلك المعاملة المؤلمة على النفوس الأبية، فيقابلها الدروز بمثلها يوم يكون لهم السلطان المطلق في جبلهم وأرضهم. ولو كانت الدولة بذلت شيئاً من العناية بهذين الشعبين الجبليين في الساحل والداخل، كأن تنشر بينهم التعليم الابتدائي، وتعطف على كورهم فتصلح طرقها، وتدخل عليها ما يمكن من أسباب النجاح لاستغنت هي والأمة عن مقابلتهما، وهم بعض أبنائها، بالسف والمدفع لتعيدهم كلما نشزوا إلى حظيرة

стр. 695

الطاعة، ولو دخلت المدنية على دروز جبل حوران ونصيرية جبل اللكام، كما دخلت مثلاً على دروز جبل لبنان، لكان من هذين الشعبين العربيين خَلقاً وخُلقاً قوة في الشام، ولما استحكم هذا النفور الذي كان من أثره ما ظهر في العهد الأخير يوم رضوا بأن ينزعوا أيديهم من أيدي جيرانهم، مع علمهم بأنهم شركاء متضامنون في هذا القطر المحبوب.

стр. 696

العهد العثماني من سنة ١٣٢٦ إلى ١٣٣٦ الدستور العثماني وثورته: منذ أقفل السلطان عبد الحميد سنة ١٢٩٤ المجلس النيابي وعطل الأحكام الدستورية ما برح بعض أحرار العثمانيين تركهم وأرمنهم وعربهم وأرناؤدهم، يتأففون من حالة الدولة ويدعون سراً، إذا لم يكن الجهر، إلى المطالبة بإعادة هذا المجلس وقد أسسوا للوصول إلى هذه الغاية جمعيات سرية في بعض ممالك أوربا ومصر، جعلت لها فروعاً في بعض الولايات العثمانية وعملت في الخفاء زمناً، والسلطان يصم آذانه تارة، ويتصامُّ عن هذه المطالب المشروعة تارة أخرى، ويعاقب من يقتدر عليه من هؤلاء الدعاة إن كانوا في قبضته وتحت علمه بالنفي والتغريب، أو بالمداراة وإغداق الأموال والرتب على بعضهم إذا كانوا بعيدين عنه. وأهم جمعية ألفت لهذا الغرض جمعية الاتحاد والترقي، تشعبت فروعها في أنحاء السلطنة وقويت في بث دعوتها في الشام حوالي سنة ١٣١٤ وما برحت على ضم شملها وتكثير سواد القائلين بقولها وإبلاغ دعوتها في جرائد لها أنشأتها خارج السلطنة، وكلمة الجمعية تزيد انتشاراً كلما اشتد عبد الحميد في إرهاق الداخلين فيها، ولا سيما في المارس العليا في الأستانة، والمدارس العليا مجمع شمل أذكياء الطلاب من الترك والعرب والشركس والأرناؤد واللاز والأرمن والروم، فإذا عادوا إلى الولايات يضيفون إلى تذمر الأهلين من فساد الأحكام تذمراً، ويكثرون سواد الحانقين على ذاك النظام الرث القديم.

стр. 697

التاثت الأحوال، وتنكرت الأخلاق، وبات القول الفصل للرشي والمحاباة والشفاعات، وغلوا في التجسس والوقيعة، وكثر الفقر وعم القهر، وزاد الضغط على الأمة، ونال الجند حظ وافر من الشقاء، وغدا المرابطون منهم والغزاة لا يطمعون إلا ما يحفظ عليهم رمقهم فقط، وكثيراً ما كانوا يهلكون جوعاً كما وقع لهم في اليمن مرات، أو بسوء التدبير كما وقع لكتائب الأرناؤد في دمشق في إحدى الحملات على الدروز، فهلك مئات منهم لأنهم تركوا في العراء في تشرين الثاني فهلكوا بالزحير، وقد يخدمون السنين ولا يلبسون ثياباً تقيهم حمارّة الحر وصبارّة القر، ويطول أمد خدمتهم فيقضون العشر والخمس عشر سنة لا يسرحون، خصوصاً إذا كانوا في ديار قصية كاليمن والحجاز. أخذ أحرار الضباط يبثون في الأجناد روح الثورة، وكانوا مستعدين لقبول ما يلقى عليهم، فتمرد أولاً بعض الجند في آسيا الصغرى، ثم سرت روح التمرد إلى جند مقدونية. والجنود موقنون أن الدولة لا تهتم بأرواحهم اهتمامها بالبنادق التي يحملونها. واتفق أن ضاقت صدور المسلمين من الأرناؤد في مقدونية من طمع الدول الأوربية فيهم، وأدركوا أن العثمانية تسلمهم متى عجزت كما فعلت مع غيرهم، فيقعون في قبضة الحكومات الأجنبية على نحو ما وقع لمسلمي البوسنة والهرسك وبلغاريا ورومانيا واليونان والصرب. فقام الأرناؤد يداً واحدة في مناصرة الجيش المطالب بالدستور، واتحد الفيلقان الأول والثاني في الروم ايلي، وتبعهما الفيلق الرابع في كردستان، وذلك بالاتحاد مع عصابات البلغار. ونادى الضابطان نيازي بك وأنور بك بالدستور، أو يزحفان على دار الملك، فلم يسع السلطان إلا أن يعيد العمل بالقانون الأساسي الذي كان أوقفه منذ إحدى وثلاثين سنة، فصدرت الإرادة بوضعه موضع العمل صبيحة يوم الجمعة ٢٥ جمادى الآخرة سنة ١٣٢٦هـ ١٩٠٨م وبوشر بانتخاب النواب وأطلقت حرية الاجتماع وحرية القول وحرية الكتابة والنشر بعد ذاك الضغط المنهك، وألغيت الجاسوسية التي جعلت وكدها في كشف عورات الناس بما لا يفيد شيئاً في حياة الدولة. وأخرج ألوف من الموظفين والخدمة والمغنين والطباخين وغيرهم من المابين أو قصر يلديز حيث كان السلطان أكثر أيام ملكه، وإليه انتقل الحكم من الباب العالي الذي كان في عهده اسماً

стр. 698

بلا مسمى، ما يريده لا يكون إذا لم يرده المابين، وما يريده المابين ينفذ في الحال بدون مناقشة ولا حوار. إعادة الدستور وحال الدولة بعده: أعيد الدستور إلى العمل بدون إهراق دماء، لأن جواسيس السلطان عبد الحميد هوّلوا له في قوة النزاع إلى الثورة من فيالق جيشه، وكانوا قتلوا بعض رجاله في سلانيك ممن أرسلهم للبحث عن قضية الثورة، كما بالغوا في تقدير قوة الأحرار وسريان أفكارهم في الولايات، فلم يسعه وهو محكوم لأوهامه وظنونه إلا أن يرد ما اغتصبه من حقوق الأمة العثمانية، ونجحت سياسة الأحرار وفشلت سياسة أعوانه الذين كانوا يتملقونه ويقولون له: إن أوربا إذا اتفقت على الدولة لا تستطيع أن تفلت من يديها، وما زال دولها متخالفات فلا يخشى على السلطنة العثمانية، أما الرعية فهي من ضعف الجانب بحيث تستطيع الدولة أبداً أن تقضي على كل ثورة تحدث في أرجاء ولاياتها، ثم إن الرعايا همج يسبحون بحمد آل عثمان في كل أوان، ولا تدرك عقولهم معنى الحرية، والحرية لا يتطلبها إلا بعض الشبان ومن لفّ لفهم من المحرومين والناقمين الذين فسدت نياتهم بما لقنوه من تعاليم أوربا المضرة. وأخذ الناس في الشام يقدسون جمعية الاتحاد والترقي التي كانت سبب هذا الانقلاب الذي أنعش الأمة بعض الشيء وكثرت الآمال والأماني في إصلاح الحال، وطردت الشام ولاتها وعمالها الذين عرفوا بالجاسوسية لعبد الحميد والنيل من رعيته، وكفّ أهل النفوذ في القاصية عن الضغط على الفلاحين، إذ عرف هؤلاء من يلهم على رفع شكاويهم للمراجع، وأهين بعض من اشتهر عنهم أنهم من أنصار عبد الحميد الغارقين في رواتبه ومراتبه حتى اضطروا أن يندمجوا في الأحرار ويقدسوا شبانهم، ولطالما امتهنوهم وسعوا بهم إلى الحكام في عهد الحكومة المطلقة، وبدئ بانتخاب أعضاء مجلس النواب، فحاولت جمعية الاتحاد والترقي أن يكون نواب الشام ممن تركن إليهم، أو ممن عرفوا بميلهم إلى الحرية وبعدهم عن السياسة الحميدية، ولكنها سعت لتقليل عددهم

стр. 699

في الشام سعيها لذلك في سائر الولايات العربية، لئلا تتألف منهم أكثرية في المجلس، إذا انضموا إلى بعض العناصر الأخرى فيصبح الأتراك أقلية، لأن الاتحاديين لا يريدون إلا دستوراً ينتعش به الأتراك، وينال الخير بالعرض سائر العناصر على صورة لا تضر بكيان الترك، ويسعون إلى تتريك العناصر لتؤلف جمعية الاتحاد أمة واحدة متجانسة بلغتها إذ لم يمكن تجانسها بدينها، ويقوم أحرار العثمانيين من الأتراك في القرن العشرين بما عجز عن عمله محمد الفاتح وسليم ياوز من الفاتحين. وبينا أحرار الأتراك دعاة القومية التركية الشديدة يفكرون في وضع خطط الإصلاح، ويحيون كل ما هو تركي، ويحاذرون كل ما هو عربي، والناس في فرح وجذل لأنهم أخذوا على الأقل يقولون ما يريدون ويستمتعون بحرياتهم، أعلنت اليونان ضمها لجزيرة كريت كما أعلنت النمسا إلحاق ولايتي البوسنة والهرسك، ورفض أمير بلغاريا السيادة العثمانية وأعلن استقلاله، وعاد مجلس النواب إلى عمله ١٣٢٦هـ ولم يمض إلا أشهر قليلة حتى ندم السلطان عبد الحميد على ما وهب طوعاً أو كرهاً من تنفيس خناق العثمانيين، وأحب أن يقوم بعمل ارتجاعي يعيد به الناس إلى الضغط والفناء فيه وفي أعوانه، فيعملوا أحراراً من دون ممانع أو مناقش، فنهض جماعته من جواسيس وعمال ومن طردوا من الضباط من الجيش لقلة اقتدارهم وغيرهم من العوام الذين تخدعهم ألفاظ الشرع ويتبعون كل ناعق، وألفوا حزباً باسم الدين سموه الحزب المحمدي وأنصار هذا الحزب كثيرون لأنه اسم تحبه أكثرية الأمة، فدخل الناس فيه أفواجاً عن سلامة نية، حتى قيل إن من وقعوا على محضر الرضى بالدخول في سلكه بلغوا سبعين ألفاً في دمشق وحدها، واختار السلطان لبث دعوته الولايات التي لم تتأثر أعصابها كثيراً بدعوة الأحرار وثورة الجند كالشام مثلاً، وأخذوا يهيجون العامة باسم الدين ويرتبطون بالسلطان بأيدي أناس كان للمال الذي بذله تأثير عظيم في نفوسهم ونفوس الغوغاء. فعصا السواد الأعظم من جنود الأستانة بما بذله السلطان لهم من الذهب الوهاج، ولم ير أعوانه الذين هيجوا الأجناد واسطة لإضاعة رويتهم أحسن من إسكارهم، فأسكروهم ليلة الفتنة، وفرقوا عليهم الذهب الكثير ليقوموا

стр. 700

بالمطالبة بتطبيق الأحكام الشرعية بحذافيرها، وإبعاد بعض النواب وإسقاط الوزارة وتعيين الضباط الأميين الخارجين من صفوف الجيش، لا من دكات المدارس، أي اختيار الجهلة على المتعلمين، وبعبارة أفصح إبطال القانون الأساسي لأنه مخالف بزعمهم للإسلام، ومن قواعده الحرية، والحرية ليست من شأن الدين!. وقتل في هذه السبيل أناس من النواب وغيرهم من الدستوريين وعامة الناس في شوارع العاصمة، لأن الجند الثائر كان يطلق النار في الفضاء إرهاباً وترويعاً فيصيب الأبرياء وغيرهم، واغتال الضباط الجهلة كثيراً من الضباط الدارسين. فلما تجلى هول الموقف للاتحاديين أهاجوا النفوس في الروم ايلي، فقامت بعض ولايتها على ساق وقدم تطلب التطوع في الجندية للدفاع عن الدستور، وهب جند الفيلقين الثاني والثالث في أدرنة وسلانيك وزحفا على الأستانة بقيادة محمود شوكت باشا البغدادي فاستوليا على المواقع الحربية في العاصمة في أسبوع، وقبض على المنتقضين والعصاة من الجند المشاغب، وضربت أعناق بعض المشايخ والمتمشيخين للسياسة لا للدين، ونفوا ألفاً وخمسمائة رجل من رجال السلطان وحاشيته إلى الحجاز واليمن، وخلعوا عبد الحميد بفتوى من شيخ الإسلام أثبت عليه فيها قتل الأنفس البريئة وسجنها وتعذيبها ومخافة الشرع وحرق كتب الإسلام والإسراف في مال الأمة، وبايعوا باتفاق مجلسي النواب والأعيان لولي عهده رشاد أفندي باسم السلطان محمد الخامس وحملوا السلطان عبد الحميد المخلوع منفياً إلى سلانيك. عبد الحميد وسياسته وأخلاقه: وبذلك تخلصت الأمة من عبد الحميد بعد أن حكم فيها ثلث قرن زاد أخلاقها فساداً. تولى لأول أمره زمام السلطنة وكيلاً عن أخيه مراد الرابع، وكتب على نفسه عهداً دفعه لمدحت باشا ثم أرسل على ما قيل من أحرق دار مدحت ليحرق العهد في جملة ما أحرق، واخذ يستميل قلوب أكثر أهالي الأستانة حتى اجتمع الصدران الأعظمان رشدي باشا ومدحت باشا ودعوا ألف

стр. 701

شخص من الكبراء وأرباب المقامات، وقرروا أن جنون السلطان مراد مطبق لا يرجى أن يفيق منه، وأفتى شيخ الإسلام بحل بيعته - وما أسرع مشايخ الإسلام في إصدار فتاواهم لصاحب الوقت أياً كان وما أبطأهم في فتاويهم في المسائل الجوهرية - وبويع لعبد الحميد فما عتّم أن أقصى عن دار ملكه من كانوا السبب الأول في خلع عبد العزيز من العظماء. وأخذ عبد الحميد يكثر من التضييق على أخيه مراد وعلى سائر أفراد الأسرة السلطانية ولا سيما عهد السلطنة، ويشرد كل من عرف بالإنكار عليه من الوزراء والعظماء، فألقى بذلك الرهبة في نفوس قواد المملكة وساستها، وأصبحت الطبقة التي اختارها تسير على رغبته، وكل من خالفه، ولو في سره، أقصاه وسجنه وعذبه، وكلما مضت سنة على ملكه يزداد مراناً على هذه الأفعال، ويبالغ في الاحتياط لنفسه، وغدا يتولى كل أمر بذاته، ويبعد أرباب الوجدان من رجال الدولة ويستعيض عنهم بأناس ممن يصطنعهم، وما يصطنع إلا من فسدت أخلاقهم من كل جنس على الأغلب، حتى آلت أزمة الدولة في العهد الأخير إلى أيدي طبقة من أعوانه طغوا وبغوا. أخذ عبد الحميد يملك الأملاك باسمه على خلاف عادة الملوك والسلاطين، فكان كلما سمع بأن في إقليم كذا أراضي من أملاك الدولة يأخذها بلا ثمن إن كانت من الأملاك الأميرية، أو بثمن طفيف إن كانت للأفراد وعجزوا عن استغلالها، فيضمها إلى أملاكه السنية، وألف عدة شركات وفتح في العاصمة مخازن لبيع البضائع وبعض المعامل، وضارب بالأوراق المالية واتجر بالامتيازات. وهكذا أصبح عبد الحميد تاجراً مزارعاً مضارباً قلما يهتم بشيء من أمر الملك إلا إذا كان تقريراً من جواسيسه الذين كثروا في العاصمة والولايات كثرة ضاقت بالإنفاق عليهم خزانة الأمة، وكلهم أمناؤه إن اخطئوا فلهم الأجر، وإن أصابوا فحدث ما شئت أن تحدث عما ينهال عليهم من إنعامه وإحسانه. ولقد قلّ جداً في عماله من لم يتجسس له، لا سيما بعد أن شاهد الناس أن الترقي في الوظائف لا يتأتى في الأغلب إلا من طريق الجاسوسية المحببة إلى قلب السلطان، وغدا التجسس عند بعض الطبقات من الأمور التي لا تنكر. اشتد ضغط عبد الحميد على المدارس حتى حظر أن يعلم فيها التاريخ

стр. 702

الصحيح وعلوم السياسة والاجتماع، لأنها ترقي العقول وتلقح الأذهان، وأصدر إرادته السرية إلى مديري المعارف في بعض الولايات ومنها الشام أن يوقفوا سير المعارف عبد الحد الذي وصلت إليه، لأن في انتشار المعارف انتشار المفاسد وتمزيق شمل الأمة!! ورأت المطبوعات منه ومن أعوانه الجهلاء من الدنايا ما يكفي لنعتهم أنهم أعداء كل فكر وارتقاء وتجديد، وأصبح ما يطبع تحت السماء العثمانية في الثلثين الأخيرين من حكمه عبارة عن كتب خرافات وذهد وتلفيق أو أماديح كاذبة له ولأرباب المظاهر، وأمور عادية لا ترقي عقلاً ولا تزيل جهلاً، وحاول أن يرفع من دعاء القنوت لفظ ونخلع ونترك من يفجرك لأن فيها لفظ خلع وقلبه ينخلع من هذه اللفظة، ولأنه رأى مخلوعين قبله، وأن يسقط من صحيح البخاري أحاديث الخلافة وأن تصادر حاشية ابن عابدين لأن فيها باب الخلع. ورفعت من المعاجم كثير من الألفاظ كالعدل والمساواة والاغتيال والقانون الأساسي والجمهورية ومجلس النواب والخلع والديناميت والقنابل، وغيّر بعض الأسماء فلا يقال مراد بل مرآة ولا عبد الحميد بل حامد أو حميد أو حمدي لأن مراد اسم أخيه وعبد الحميد اسمه، وأصبحت الصحف في أيامه أبواقاً تقدسه وتؤلهه على صورة بلغ فيها السخف إلى غاياته. وكثرت في أيامه مظاهر التكريم الخلابة من أوسمة ورتب، وأخذت تباع في آخر عهده بالمزاد بيع العقار والدار، ولها سماسرة ولها تجار، يغوي بها السلطان من يريد تشريفه، ويرفع بها من يهمه رفعه، وأصبح بعض العقلاء في دار الملك والولايات يتظاهرون بالبلاهة، أو ينقطعون عن الخدمة ويقنعون بالدون من العيش، لأن سلطانهم لا يرضيه منهم إلا أن يكونوا على قدمه في كل ما يذهب إليه. ولقد نصح له بعض سفراء الدول في أواخر عهده بالكفّ من شرور بعض العمال، لأن استرسالهم فيها مما يسقط شأن المملكة ويضر بمستقبلها، فقال لهم: وماذا أعمل مع من ذكرتم وهم يحبونني ويتفانون في خدمتي! أي أنهم في حلّ من عمل ما أرادوا من عسف الأمة ما داموا يظهرون له الحب، ويخدمون أغراضه على ما يحب. كان عبد الحميد من الحسد بحيث يحسد خصيانه، وأشق ما يبلغه أن يعلم

стр. 703

أن في أحد أطراف مملكته عالماً ينفع الناس بعلمه، فيحتال عليه ليأتي به إلى الأستانة ليدفنه حياً ويجعله إلى الخمول بعد الشهرة، ويخرجه قسراً من عالم النباهة والظهور، فإن لم يستطع ذلك فلا أيسر من التقول عليه للحط من كرامته، ويلذه جداً أن يشهد الشقاق مستحكماً بين حاشيته، ويلقى بينهم العداوة والبغضاء ولذلك كان بعضهم عيوناً على بعض، ينال الواحد من رفيقه في غيبته وحضرته، حتى يتقربوا من قلب سلطانهم الذي يحب الملق، ويهش للدهان والتزلف. عادة له منذ كان فتىً، فقد ذكر مربيه المستشرق فمبري المجري أنه كان وهو فتىً لم يبلغ الحلم يلقي الشقاق بين أفراد الأسرة المالكة في القصر، وينقل الكلام من أناس إلى آخرين من أهل بيته، ويتجسس عليهم ويكشف سترهم. أما إسراف السلطان عبد الحميد فإنه كان أقلّ من إسراف عبد العزيز بقليل، ولكن طغمة الجواسيس كانت مع نفقات قصره في الربع الأخير من دوره تستنزف جزءاً مهما من واردات السلطنة التي عرف كيف يستغلها، وكيف يصرفها في شهواته على طريقة مستورة، لم يطلع عليها إلا الخواص من رجاله. فقد ذكر الثقات أن آل عثمان لما أجلتهم جمهورية تركيا من بلادهم في صيف ١٣٤٢ بأجمعهم كان مع بعض سراري السلطان عبد الحميد عقود من الماس والجوهر عرضوها في مصر للبيع فعجز الأغنياء عن أداء قيمها ثم جعلتها بعض المصارف عندها رهناً عل مال أسلفته، فكم كان يا ترى من أمثال هذه الحلي المدهشة عند نساء آل عثمان، والأمة تهلك وعمالها لا يقبضون رواتبهم. وكلما عقدت قرضاً فكرت في آخر بحيث كانت الدولة تعيش بالقروض في آخر أيامها. وأصبح عبد الحميد في عهده الأخير يملك ألوفاً من المزارع والقرى، ويحمل جانباً من أمواله يضعها في المصارف الأجنبية، يعدها لطارئ يطرأ عليه، فلما سقط لم تنفعه، واستولى عليها الاتحاديون كما استولوا على خزائن قصره يلديز ومجوهراته وأعلاقه وجواريه، ونقضوا كل ما أبرمه، وفصموا عرى ما أحكمه.

стр. 704

رأي مؤرخ تركي في عبد الحميد وذكر حسناته: جاء في كاتب عبد الحميد الثاني ودور سلطنته أنه كان يعتقد بالسحر والطلسمات والأرواح والفأل، ولم يتعلم شيئاً حتى إنه كان يغلط بالإملاء التركي، وله من المزايا الاحتياط المتناهي والبصيرة وحب السعي وبعد النظر، وأن يعلم ماذا يقال فيه، ينفر من الحرب، ويلتزم السذاجة في لباسه وحاجاته، يحرص على الأمر والقيادة، ويتحرى من الأصول والمعاملات أكثرها استقامة، يميل إلى الأخذ بعلم الباطن الذي يأخذ بمجامع قلوب العامة، وإذا كانت أفكاره كثيرة الجولان أصبحت لا تثبت في مركز واحد، وإذ كان مبتلىً بالسويداء تراه على الدزام حزيناً مغموماً مغيظاً محنقاً، مفرطاً في الاحتياط والتدبير لا يعتمد على أحد، ممسكاً لا يعرف الكرم، عرضة للاضطرابات الذهنية والبدنية لعدم تطابق جملته العصبية. تبدلت حاله لما جلس على سرير الملك فنفعته المحن التي رآها لأول أمره أكثر مما أضرت به، ولئن كان أُذناً يحب أن يسمع ما يقال فيه، وينظر في الدقيق والجليل من الأمور، وهو محاط بجماعة من الأشرار ومزاجه عصبي، فإن كل هذا زاد في ذكائه. وكان إلى السابعة والعشرين يتعاطى المسكرات ويغوص في السفاهات، فنصح له طبيبه أن يقلع عنها أو يهلك كما هلك بالسل من قبل أبوه وأمه، فرجع عن عاداته الضارة ونظم حياته، وكان أول عمل قام به يوم استولى على زمام السلطنة أن سلب جميع ثروة أخيه مراد، عقارها ومنقولها، وكان ماهراً في عمليات الجمع والطرح والضرب، إلا أنه يمتنع أبداً من إجراء عملية الطرح إذا كان فيها ضرر عليه، ولم يكتف بمصادرة ثروة أخيه بل تصرف بثروة رعيته على ما يشاء، وأضاف معظم واردات الدولة إلى خزينته الخاصة، وما كانت الحكومة تتمكن من دفع الرواتب لغير النظار وكبار المقربين بصورة منظمة، أما سائر الموظفين والجند فإن عبد الحميد ترك لهم واردات يتناولونها راتب شهر أو شهرين في السنة فقط، وبذلك فتح باباً عظيماً من أبواب الرشوة ١هـ. ومما ينبغي أن يدون في أيامه أن بعض الأمة انصرف إلى الزراعة والتجارة أكثر من الأدوار الماضية قبله في الشام، لأن الأمن استتب أكثر من القرن الماضي، وطرق المواصلات البحرية والبرية زادت انتظاماً، والناس في الجملة

стр. 705

قويت رغبتهم في تعليم أبنائهم، ولكن المسلمين مالوا إلى الترك لأخذ الوظائف الجندية والملكية، والمسيحيين والإسرائيليين مالوا إلى التفرنج لتعلمهم في مدارس الأجانب التي ظهرت تأثيراتها في أيامه، ومنها الهجرة إلى مصر والسودان والاميركتين، والزهد في سكنى العثمانية. وفي عهده زادت الخطوط الحديدية في المملكة ومعظمها خطوط حربية ثبت له غناؤها بعد حرب روسيا الأخيرة، وفي أيامه اتصلت حلب برياق ودمشق ببيروت، ودمشق بدرعا، ويافا بالقدس، وحيفا بدرعا، ودمشق بالمدينة، وطرابلس بحمص، إلى غير ذلك من الخطوط التي نفعت الشام ولا سيما الخط الحجازي من دمشق إلى المدينة المنورة. وفي أيامه خفت وطأة الأشقياء إذ كان يقضي عليهم بالسجن الطويل والقاتل منهم يؤبد في السجن، فاستراحت الشام قليلاً وأخذت تدخل في نظام الأمم الأوربية. وكان من سياسته أن لا يستدين من أوربا مالاً ولا يعقد قروضاً مهما احتاجت الدولة للمال وساءت حالها، وكان لا يحب إهراق الدماء، وأبطل الحكم بالقتل فكان القاتل يخلد في سجنه. ففي أيامه اعتدى اليونان على الأرض العثمانية، فأعلنت الدولة حرباً على اليونان وكان الدخول في هذه الحرب مخالفاً لإرادته، وقد جعله الباب العالي أمام أمر واقع فأعلنها كارهاً، فانتصرت الدولة لكن أوربا حاولت أن لا تنحي على اليونان، وما زالت تطاول في عقد الصلح إلى سنة ١٨٩٧م وكانت نتيجة ذلك أن دفعت اليونان للعثمانية غرامة قدرها أربعة ملايين ليرة ولعلها أول غرامة أخذتها من تغلبها في إحدى الوقائع بعد ذلك العز الباذخ، وقضى عدل السياسيين بأن تخرج الدولة من تساليا!. ويقال بالإجمال: إن عبد الحميد نسخة صحيحة من تربية القصور، وصورة من صور دسائسها وشرورها، استفاد من تجارب غيره ومحنهم فاحتاط وحذر، وطالت أيامه وعرف كيف يدخل في روح الأمة ويسخر مشايخها وأرباب الطرق والمظاهر، يسبحون بحمده ويعددون حسناته بما يقبضون من صلاته، وخلقوا له مناقب اخترعوها ما كان هو يحلم بها، وكان كل شيء في أيامه ظواهر ومظاهر، ومن دهائه النافع معرفته الدخول في عقلية السفراء فكان
следующие страницы →