Полный текст (1 453 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
شخص من الكبراء وأرباب المقامات، وقرروا أن جنون السلطان مراد مطبق لا يرجى أن يفيق منه، وأفتى شيخ الإسلام بحل بيعته - وما أسرع مشايخ الإسلام في إصدار فتاواهم لصاحب الوقت أياً كان وما أبطأهم في فتاويهم في المسائل الجوهرية - وبويع لعبد الحميد فما عتّم أن أقصى عن دار ملكه من كانوا السبب الأول في خلع عبد العزيز من العظماء.
وأخذ عبد الحميد يكثر من التضييق على أخيه مراد وعلى سائر أفراد الأسرة السلطانية ولا سيما عهد السلطنة، ويشرد كل من عرف بالإنكار عليه من الوزراء والعظماء، فألقى بذلك الرهبة في نفوس قواد المملكة وساستها، وأصبحت الطبقة التي اختارها تسير على رغبته، وكل من خالفه، ولو في سره، أقصاه وسجنه وعذبه، وكلما مضت سنة على ملكه يزداد مراناً على هذه الأفعال، ويبالغ في الاحتياط لنفسه، وغدا يتولى كل أمر بذاته، ويبعد أرباب الوجدان من رجال الدولة ويستعيض عنهم بأناس ممن يصطنعهم، وما يصطنع إلا من فسدت أخلاقهم من كل جنس على الأغلب، حتى آلت أزمة الدولة في العهد الأخير إلى أيدي طبقة من
أعوانه طغوا وبغوا.
أخذ عبد الحميد يملك الأملاك باسمه على خلاف عادة الملوك والسلاطين، فكان كلما سمع بأن في إقليم كذا أراضي من أملاك الدولة يأخذها بلا ثمن إن كانت من الأملاك الأميرية، أو بثمن طفيف إن كانت للأفراد وعجزوا عن استغلالها، فيضمها إلى أملاكه السنية، وألف عدة شركات وفتح في العاصمة مخازن لبيع البضائع وبعض المعامل، وضارب بالأوراق المالية واتجر بالامتيازات. وهكذا أصبح عبد الحميد تاجراً مزارعاً مضارباً قلما يهتم بشيء من أمر الملك إلا إذا كان تقريراً من جواسيسه الذين كثروا في العاصمة والولايات كثرة ضاقت بالإنفاق عليهم خزانة الأمة، وكلهم أمناؤه إن اخطئوا فلهم الأجر، وإن أصابوا فحدث ما شئت أن تحدث عما ينهال عليهم من إنعامه وإحسانه. ولقد قلّ جداً في عماله من لم يتجسس له، لا سيما بعد أن شاهد الناس أن الترقي في الوظائف لا يتأتى في الأغلب إلا من طريق الجاسوسية المحببة إلى قلب السلطان، وغدا التجسس عند بعض الطبقات من الأمور التي لا تنكر.
اشتد ضغط عبد الحميد على المدارس حتى حظر أن يعلم فيها التاريخ
стр. 702
الصحيح وعلوم السياسة والاجتماع، لأنها ترقي العقول وتلقح الأذهان، وأصدر إرادته السرية إلى مديري المعارف في بعض الولايات ومنها الشام أن يوقفوا سير المعارف عبد الحد الذي وصلت إليه، لأن في انتشار المعارف انتشار المفاسد وتمزيق شمل الأمة!! ورأت المطبوعات منه ومن أعوانه الجهلاء من الدنايا ما يكفي لنعتهم أنهم أعداء كل فكر وارتقاء وتجديد، وأصبح ما يطبع تحت السماء العثمانية في الثلثين الأخيرين من حكمه عبارة عن كتب خرافات وذهد وتلفيق أو أماديح كاذبة له ولأرباب المظاهر، وأمور عادية لا ترقي عقلاً ولا تزيل جهلاً، وحاول أن يرفع من دعاء القنوت لفظ ونخلع ونترك من يفجرك لأن فيها لفظ خلع
وقلبه ينخلع من هذه اللفظة، ولأنه رأى مخلوعين قبله، وأن يسقط من صحيح البخاري أحاديث الخلافة وأن تصادر حاشية ابن عابدين لأن فيها باب الخلع. ورفعت من المعاجم كثير من الألفاظ كالعدل والمساواة والاغتيال والقانون الأساسي والجمهورية ومجلس النواب والخلع والديناميت والقنابل، وغيّر بعض الأسماء فلا يقال مراد بل مرآة ولا عبد الحميد بل حامد أو حميد أو حمدي لأن مراد اسم أخيه وعبد الحميد اسمه، وأصبحت الصحف في أيامه أبواقاً تقدسه وتؤلهه على صورة بلغ فيها السخف إلى غاياته.
وكثرت في أيامه مظاهر التكريم الخلابة من أوسمة ورتب، وأخذت تباع في آخر عهده بالمزاد بيع العقار والدار، ولها سماسرة ولها تجار، يغوي بها السلطان من يريد تشريفه، ويرفع بها من يهمه رفعه، وأصبح بعض العقلاء في دار الملك والولايات يتظاهرون بالبلاهة، أو ينقطعون عن الخدمة ويقنعون بالدون من العيش، لأن سلطانهم لا يرضيه منهم إلا أن يكونوا على قدمه في كل ما يذهب إليه. ولقد نصح له بعض سفراء الدول في أواخر عهده بالكفّ من شرور بعض العمال، لأن استرسالهم فيها مما يسقط شأن المملكة ويضر بمستقبلها، فقال لهم: وماذا أعمل مع من ذكرتم وهم يحبونني ويتفانون في خدمتي! أي أنهم في حلّ من عمل ما أرادوا من عسف الأمة ما داموا يظهرون له الحب، ويخدمون أغراضه على ما يحب.
كان عبد الحميد من الحسد بحيث يحسد خصيانه، وأشق ما يبلغه أن يعلم
стр. 703
أن في أحد أطراف مملكته عالماً ينفع الناس بعلمه، فيحتال عليه ليأتي به إلى الأستانة ليدفنه حياً ويجعله إلى الخمول بعد الشهرة، ويخرجه قسراً من عالم النباهة والظهور، فإن لم يستطع ذلك فلا أيسر من التقول عليه للحط من كرامته، ويلذه جداً أن يشهد الشقاق مستحكماً بين حاشيته، ويلقى بينهم العداوة والبغضاء ولذلك
كان بعضهم عيوناً على بعض، ينال الواحد من رفيقه في غيبته وحضرته، حتى يتقربوا من قلب سلطانهم الذي يحب الملق، ويهش للدهان والتزلف. عادة له منذ كان فتىً، فقد ذكر مربيه المستشرق فمبري المجري أنه كان وهو فتىً لم يبلغ الحلم يلقي الشقاق بين أفراد الأسرة المالكة في القصر، وينقل الكلام من أناس إلى آخرين من أهل بيته، ويتجسس عليهم ويكشف سترهم.
أما إسراف السلطان عبد الحميد فإنه كان أقلّ من إسراف عبد العزيز بقليل، ولكن طغمة الجواسيس كانت مع نفقات قصره في الربع الأخير من دوره تستنزف جزءاً مهما من واردات السلطنة التي عرف كيف يستغلها، وكيف يصرفها في شهواته على طريقة مستورة، لم يطلع عليها إلا الخواص من رجاله. فقد ذكر الثقات أن آل عثمان لما أجلتهم جمهورية تركيا من بلادهم في صيف ١٣٤٢ بأجمعهم كان مع بعض سراري السلطان عبد الحميد عقود من الماس والجوهر عرضوها في مصر للبيع فعجز الأغنياء عن أداء قيمها ثم جعلتها بعض المصارف عندها رهناً عل مال أسلفته، فكم كان يا ترى من أمثال هذه الحلي المدهشة عند نساء آل عثمان، والأمة تهلك وعمالها لا يقبضون رواتبهم. وكلما عقدت قرضاً فكرت في آخر بحيث كانت الدولة تعيش بالقروض في آخر أيامها. وأصبح عبد الحميد في عهده الأخير يملك ألوفاً من المزارع والقرى، ويحمل جانباً من أمواله يضعها في المصارف الأجنبية، يعدها لطارئ يطرأ عليه، فلما سقط لم تنفعه، واستولى عليها الاتحاديون كما استولوا على خزائن قصره يلديز ومجوهراته وأعلاقه وجواريه، ونقضوا كل ما أبرمه، وفصموا عرى ما أحكمه.
стр. 704
رأي مؤرخ تركي في عبد الحميد وذكر حسناته:
جاء في كاتب عبد الحميد الثاني ودور سلطنته أنه كان يعتقد بالسحر والطلسمات والأرواح والفأل، ولم يتعلم شيئاً حتى إنه كان يغلط بالإملاء التركي، وله من
المزايا الاحتياط المتناهي والبصيرة وحب السعي وبعد النظر، وأن يعلم ماذا يقال فيه، ينفر من الحرب، ويلتزم السذاجة في لباسه وحاجاته، يحرص على الأمر والقيادة، ويتحرى من الأصول والمعاملات أكثرها استقامة، يميل إلى الأخذ بعلم الباطن الذي يأخذ بمجامع قلوب العامة، وإذا كانت أفكاره كثيرة الجولان أصبحت لا تثبت في مركز واحد، وإذ كان مبتلىً بالسويداء تراه على الدزام حزيناً مغموماً مغيظاً محنقاً، مفرطاً في الاحتياط والتدبير لا يعتمد على أحد، ممسكاً لا يعرف الكرم، عرضة للاضطرابات الذهنية والبدنية لعدم تطابق جملته العصبية. تبدلت حاله لما جلس على سرير الملك فنفعته المحن التي رآها لأول أمره أكثر مما أضرت به، ولئن كان أُذناً يحب أن يسمع ما يقال فيه، وينظر في الدقيق والجليل من الأمور، وهو محاط بجماعة من الأشرار ومزاجه عصبي، فإن كل هذا زاد في ذكائه. وكان إلى السابعة والعشرين يتعاطى المسكرات ويغوص في السفاهات، فنصح له طبيبه أن يقلع عنها أو يهلك كما هلك بالسل من قبل أبوه وأمه، فرجع عن عاداته الضارة ونظم حياته، وكان أول عمل قام به يوم استولى على زمام السلطنة أن سلب جميع ثروة أخيه مراد، عقارها ومنقولها، وكان ماهراً في عمليات الجمع والطرح والضرب، إلا أنه يمتنع أبداً من إجراء عملية الطرح إذا كان فيها ضرر عليه، ولم يكتف بمصادرة ثروة أخيه بل تصرف بثروة رعيته على ما يشاء، وأضاف معظم واردات الدولة إلى خزينته الخاصة، وما كانت الحكومة تتمكن من دفع الرواتب لغير النظار وكبار المقربين بصورة منظمة، أما سائر الموظفين والجند فإن عبد الحميد ترك لهم واردات يتناولونها راتب شهر أو شهرين في السنة فقط، وبذلك فتح باباً عظيماً من أبواب الرشوة ١هـ.
ومما ينبغي أن يدون في أيامه أن بعض الأمة انصرف إلى الزراعة والتجارة أكثر من الأدوار الماضية قبله في الشام، لأن الأمن استتب أكثر من القرن الماضي،
وطرق المواصلات البحرية والبرية زادت انتظاماً، والناس في الجملة
стр. 705
قويت رغبتهم في تعليم أبنائهم، ولكن المسلمين مالوا إلى الترك لأخذ الوظائف الجندية والملكية، والمسيحيين والإسرائيليين مالوا إلى التفرنج لتعلمهم في مدارس الأجانب التي ظهرت تأثيراتها في أيامه، ومنها الهجرة إلى مصر والسودان والاميركتين، والزهد في سكنى العثمانية. وفي عهده زادت الخطوط الحديدية في المملكة ومعظمها خطوط حربية ثبت له غناؤها بعد حرب روسيا الأخيرة، وفي أيامه اتصلت حلب برياق ودمشق ببيروت، ودمشق بدرعا، ويافا بالقدس، وحيفا بدرعا، ودمشق بالمدينة، وطرابلس بحمص، إلى غير ذلك من الخطوط التي نفعت الشام ولا سيما الخط الحجازي من دمشق إلى المدينة المنورة.
وفي أيامه خفت وطأة الأشقياء إذ كان يقضي عليهم بالسجن الطويل والقاتل منهم يؤبد في السجن، فاستراحت الشام قليلاً وأخذت تدخل في نظام الأمم الأوربية. وكان من سياسته أن لا يستدين من أوربا مالاً ولا يعقد قروضاً مهما احتاجت الدولة للمال وساءت حالها، وكان لا يحب إهراق الدماء، وأبطل الحكم بالقتل فكان القاتل يخلد في سجنه. ففي أيامه اعتدى اليونان على الأرض العثمانية، فأعلنت الدولة حرباً على اليونان وكان الدخول في هذه الحرب مخالفاً لإرادته، وقد جعله الباب العالي أمام أمر واقع فأعلنها كارهاً، فانتصرت الدولة لكن أوربا حاولت أن لا تنحي على اليونان، وما زالت تطاول في عقد الصلح إلى سنة ١٨٩٧م وكانت نتيجة ذلك أن دفعت اليونان للعثمانية غرامة قدرها أربعة ملايين ليرة ولعلها أول غرامة أخذتها من تغلبها في إحدى الوقائع بعد ذلك العز الباذخ، وقضى عدل السياسيين بأن تخرج الدولة من تساليا!.
ويقال بالإجمال: إن عبد الحميد نسخة صحيحة من تربية القصور، وصورة من صور دسائسها وشرورها، استفاد من تجارب غيره ومحنهم فاحتاط وحذر،
وطالت أيامه وعرف كيف يدخل في روح الأمة ويسخر مشايخها وأرباب الطرق والمظاهر، يسبحون بحمده ويعددون حسناته بما يقبضون من صلاته، وخلقوا له مناقب اخترعوها ما كان هو يحلم بها، وكان كل شيء في أيامه ظواهر ومظاهر، ومن دهائه النافع معرفته الدخول في عقلية السفراء فكان
стр. 706
يرشيهم ويرشي زوجاتهم بطرق مختلفة يتففن فيها. ولم يكد يسلم من هداياه ورشاويه إلا سفير بريطانيا العظمى على ما يقال. فكان إذا أهداه السلطان هدية يقدم له من الغد مثلها أو أحسن منها، حتى لقد قالت امرأة هذا السفير يوماً: لقد أعجزنا أمر عبد الحميد يريد أن يرمينا في شبكته بالجواهر والحليّ كما رمى نساء السفراء قبلي. وكان كثيراً ما يلقي الشغب بين السفراء أنفسهم. وكانت له طرق وله ديوان خاص لإعطاء الصحف الأجنبية مالاً حتى تسكت عن خلل الدولة. وبهاتين القوتين قوة السفراء وقوة الصحافيين استطاع يوم ثورة الأرمن في العاصمة وأرمينية وقتل الأتراك والأكراد نحو مائة ألف من الثائرين، أن يسكت ساسة أوربا عن عمله وعمل عماله، ومع هذا لم يمنع الحذر من القدر فطوي بساطه وبساط أسرته بما عليه جملة والله وارث الأرض ومن عليها.
الأحداث في أيام محمد رشاد وحرب طرابلس
والبلقان وحزب الإصلاح:
تولى محمد رشاد الخامس بعد السلطان عبد الحميد الذي قضى في شهر ذي القعدة ١٣٣٣هـ ١٩١٥م وهو ضعيف المدارك لأن أخاه ضيق عليه مدة حكمه الطويل حتى تبلد عقله وكان كأخيه عبد الحميد قليل المعلومات لم يدرس من اللغات الأجنبية شيئاً، بل درس الآداب الفارسية وبرع فيها. وزاد تسلط الاتحاديين عقيب أن ظفروا بمن أوقدوا فتنة ٣١ آذار وقضوا على الارتجاع وغيروا بعض خططهم
التي كانت ترمي إلى تفوق الترك على سائر العناصر وخاصة العرب، فدعت الحال إلى تأسيس حزب الأحرار المعتدلين ١٣٢٩ الذي ظهر بعد ذلك باسم حزب الحرية والائتلاف في العاصمة والولايات، ولم ير الاتحاديون للخلاص من مخالفيهم أحسن من الاعتماد على القوة فاغتالوا بضعة رجال في الأستانة وحاولوا أن يغتالوا في الشام بعض أعدائهم الأشداء من أرباب القلم فلم يفلحوا، وأقصوا من الخدمة كل من لم يسر على رغائبهم، وتقاتل الحزبان فكانت الغلبة تكتب أكثر السنين للاتحاديين لأنهم دعاة الحرية الأول وترتيباتهم تامة من أكثر وجوهها، تشبه ترتيبات جمعية الماسون، ولا سيما فيما كان من قبضتهم على قياد الأعمال وأخذهم بمخنق جميع العمال.
стр. 707
وثارت اليمن سنة ١٣٢٩ فأرسلت الدولة جيشاً عظيماً على صنعاء والعسير قتل في حربها من أبناء الشام ألوف. كما كانت كل مرة تدفن ألوفاً من أبنائها في تلك الولاية القاصية. حدثني عظيم من الأتراك وكان أكبر رجال الشورى العسكرية في الفيلق الخامس بدمشق أن الدولة بحسب إحصاء الجيش كانت تدفن كل سنة من أبناء الشام في اليمن نحو عشرة آلاف جندي يهلكون بالأمراض والفتن والقلة وتغير الهواء، دامت على ذلك نحو خمسين سنة حتى عقد الصلح بين إمام اليمن يحيى بن محمد حميد الدين وبين قائد الحملة اليمانية عزت باشا، وبهذا العقد لم يبق للدولة هناك غير سلطان قليل في صنعاء وتَعِزِ وما إليهما من السهول والجبال، وانتقلت جل الإحكام إلى الإمام وذلك في سنة ١٣٢٩هـ. وظهرت أيضاً فتن أُخرى في كردستان وألبانيا وأذنة، فلم ترتح المملكة سوى أشهر معدودة بعد إعلان القانون الأساسي. ومنشأ كل فتنة داخلية العمال على الغالب، ثم تمتد وتنتشر فيصيب الأمة شرها، ويتولى الأمر الجهلاء ثم يتعذر على العقلاء حل العقد التي يعقدونها، وكم من مجنون رمى في بئر حجراً فصعب على مائة عاقل
إخراجه. ثم نشبت حرب طرابلس بين العثمانية وإيطاليا، وجاءت إيطاليا بأسطولها إلى سواحل طرابلس وبرقة بدون مسوغ، وضربت سفينتين عثمانيتين كانتا راسيتين في ميناء بيروت فهلك من أهل المدينة والجند زهاء مائتي نسمة، وأرسلت الشام جنداً ومعاونات نقدية إلى طرابلس، آخر ما بقي من للعثمانيين من الولايات في برّ إفريقية. ولم يعد الصلح في أُوشي من سويسرا بين العثمانية والإيطالية حتى أعلنت دول البلقان المتحدة بلغاريا والصرب والجبل اسود واليونان الحرب على الدولة العثمانية فغلبتها، وجاء جيش البلقانيين إلى جتالجة من ضواحي الأستانة، وعقدت الهدنة يوم الثالث من كانون الأول ١٩١٢ بين العثمانيين والبلقانيين، وعقد مؤتمر في لندرا لإصلاح ذات البين بين الفريقين فلم يفلح، وعاد المتحاربون إلى النزاع بعد الأزمة الوزارية التي انتهت بسقوط الصدر كامل باشا وقتل ناظم باشا ناظر الحربية بيد أنور بك من ضباط الاتحاديين ودعاة الدستور في الروم ايلي، وأخذ الاتحاديون بعد هذه الفاجعة يستولون على أزمة الأمر وظهر أنور بك بمظهر جديد فقبض على عنان الحكومة، واستؤنفت الحرب بين المتحدين من البلقانيين
стр. 708
الذين انفرط عقد اجتماعهم فزحف العثمانيون على أدرنة فاستعادوها إلى الملك العثماني، ولم يبق للدولة في أرض أوربا غير ولاية أدرنة وما إليها من ضواحي الإستانة، وانسلخت عنها هذه المرة ولايات قوصوة وإشقودرة ويانيا ومناستر وسلانيك وعادت الحرب فنشبت بين العثمانيين والبلقانيين في ١٧ تشرين الأول ١٩١٢ وعقد الصلح في ٢٩ أيلول ١٩١٣ وقد فقدت العثمانية في هذه الحرب مائة ألف جندي بين قتيل وجريح وثمانين مليون ليرة ثمن ذخائر وسلاح، وخرجت من الروم ايلي وكانت صرفت في فتحه خمسين سنة وحكمته خمسمائة سنة ولم توفق إلى نشر لغتها ودينها فيه على ما يجب.
وفي سنة ١٩١٣ اتحد جماعة من السوريين بينهم اللبنانيون النصارى والمسلمون على مطالبة الدولة بإصلاح الشام. وكتب والي بيروت أدهم بك إلى الصدر كامل باشا كتاباً قال فيه: كانون الأول ١٩١٢ تتجاذب القطر عوامل مختلفة، ولقد ولى قسم عظيم من الأهالي وجهه شطر إنكلترا أو فرنسا لإصلاح الحالة التعسة التي هم فيها فإذا نحن لم نأخذ بالإصلاح الحقيقي يخرج من يدنا لا محالة ١هـ. فأرسل الصدر إلى الوالي يريد الأهلين على عرض مطالبهم، فاجتمع المجلس العام في بيروت وانتخب ٩٠ عضواً عقدوا جلستهم الأولى في ١٢ كانون الثاني سنة ١٩١٣ واختارت من أعضائها خمسة وعشرين مفوضاً سمتهم اللجنة الدائمة، وقدمت هذه بياناً بالإصلاحات المنشودة، واتفق على ذلك أعيان المسلمين والمسيحيين فوضعت اللجنة في بيروت لائحة أهم ما فيها توسيع سلطة المجالس العمومية وتعيين مستشارين أجانب. وفي أوائل الصيف ذهب وفد من البيروتيين وغيرهم إلى باريز وعقدوا هناك مؤتمراً قرر يوم ٢١ حزيران سنة ١٩١٣ أن تضمن للعرب حقوقهم السياسية، وذلك بأن يشتركوا في الإدارة المركزية للمملكة اشتراكاً فعلياً، وأن تنشأ في كل ولاية عربية إدارة مركزية تنظر في حاجاتها وعاداتها، وان تنفذ لائحة الإصلاحات التي نظمت في بيروت القائلة بتوسيع سلطة المجالس العمومية وتعيين مستشارين أجانب، وأن تعتبر اللغة العربية في مجلس النواب العثماني، وتكون لغة رسمية في الولايات العربية، وأن تجعل الخدمة العسكرية محلية في الولايات العربية.
فخاف الاتحاديون العاقبة وبعثوا أُناساً من قبلهم وقبض واليهم في بيروت
стр. 709
حازم بك على عدة أعضاء من الإصلاحيين فأغلقت المدينة حوانيتها أياماً فأخرجهم من السجن، وبعث الاتحاديون أناساً من قبلهم إلى باريز وغيرها، واسترضوا أعضاء الوفد وأطعموا بعضهم بالوظائف الكبرى، ووعدوهم أن تجري لهم الحكومة
الاتحادية من مطالب الإصلاح ما يمكنها القيام به، مثل تسليم الأعمال الإدارية إلى السلطات الوطنية طبقاً للقانون الخاص بإدارة الولايات، وأن يكون التعليم الثانوي والابتدائي في المدارس الوطنية بالعربية، وتستعمل اللغة العربية في بعض أعمال قانونية معينة، وأن تضاف الصيغة العربية على إعلانات الجلب إلى المحاكم كما تضاف إلى الأحكام المدنية والجنائية، وتكون العرائض المقدمة للسلطات الرسمية باللغة العربية، وأن يعين بعض العرب في مجلس الأعيان ومجلس شورى الدولة ومحكمة التمييز ومشيخة الإسلام ودار الفتوى.
وطبق الاتحاديون بعض هذه المواد فرأينا في بعض مراكز الألوية والولايات في الشام مدارس تجهيزية تدرس العلوم بالعربية، وإلى جانبها المدارس القديمة التركية في كل مظاهرها، ووضعت الصيغ العربية إلى جانب الصيغ التركية في أوراق الجلب إلى المحاكم، وأخذت الحكومة تقبل الشكاوي بالعربية من الأهلين، وعين بعض رجال الشام في وظائف كبرى في العاصمة، وكان نائب دمشق في مجلس النواب شكري العسلي أول من رفع صوته بهذا الطلب، طلب إعطاء العرب حقهم من الوظائف وقال: إن أربعة فقط من أبناء العرب موظفون في الإدارة المركزية في جملة بضع مئات من الأتراك، فنبه أفكار من لم يكن متنبهاً من أبناء العرب إلى غمط حقوقهم، وحنف بعض أقحاح الترك عليه وعلى من عاونه على بث هذه الفكرة وعدوها خروجاً على الجماعة.
الصهيونية ومنشؤها:
وكان شكري العسلي أيضاً أول من نبه أفكار مجلس النواب إلى الخطر الصهيوني في فلسطين وكان الاتحاديون وفيهم الإسرائيليون أو الصابئون من اليهودية الدونمة أمثال جاويد بك ناظر المالية ينوون أن يبيعوا نحو ثلاثة ملايين دونم من الأراضي في فلسطين وسورية من جمعيات الاستعمار الصهيوني
стр. 710
فبطل المشروع
لما ظهرت مضرته إلى عالم الوجود وقامت حول المشروع ضجة في الصحف فلم يسع الاتحاديين إلا أن يطووا دفتره. ولكن بالقتل أعضاء الديوان فيما قيل إن لم يحكموا على المتهمين السياسيين فوافق بعضهم على القتل اضطراراً لا اختياراً.
стр. 711
وقد ذكر الأمير شكيب أرسلان أن خطأ جمال باشا في رأيه وجنايته الكبرى على العرب والترك في فعله هما من الوجوه الآتية:
أولاً: إن فريقاً آخر من الذين قتلهم أبرياء من خيانة الدولة ولم يكن لهم
стр. 712
ذنب سوى وجودهم في الحزب المعارض لجمعية الاتحاد والترقي، والقانون العثماني لا يعرف الاتحاد والترقي بل السلطنة العثمانية.
ثانيا: إن فريقاً آخر منهم لم يوجد عليهم وثائق خطية ولا قرائن قطعية تذهب في جزائهم إلى درجة القتل، وقد برر جمال هذا العمل فيما بلغنا من نفس رئيس الديوان العرفي بأنه من باب القتل السياسي مع أنه كان الأولى بهؤلاء أن يتركوا إلى حكم القانون فيحكم عليهم بحبس أو نفي على حسب درجة جرمه.
ثالثاً: على فرض غير الواقع، وهو أن هؤلاء مجرمون أعداء للدولة، فلم يكن من باب السياسة ولا حسن الرأي، فتح هذه المسألة أثناء الحرب ومجازاة أناس قد عفي عنهم ونكء القروح التي كانت قد سكنت نوعاً، وإثارة عواطف العرب وحفائظهم وإظهار كون الترك يريدون الانتقام في هذه الفرصة التي سنحت لهم للبطش وتعزيز النزعة الأجنبية بهذه السياسة.
رابعاً: إن الألوف الذين نفاهم إلى الأناضول مع عيالهم وخرب بيوتهم، وأمات كثيرين منهم في الغربة لم يكن منهم مائة شخص يدرون ما هي السياسة، فضلاً أن يكونوا خائنين للدولة فكان تغريبهم عن أوطانهم مجرد عذاب وقهر، بدون أدنى فائدة، سوى النفور مع تكليف الدولة عليهم ١٥٠ ألف ليرة شهرياً فكان خطأ جمال أنه سلح أعداء السلطنة العثمانية، وأنصار الشقاق بين العرب والترك، ورواد
السياسة الأجنبية الكثيرين في الشرق، بسلاح من البراهين لم يكونوا يملكونه فيما لو كان الأتراك انصرفوا من بلاد العرب بدون أعمال جمال. اه.
وبعد فقد عمل جمال باشا ما عمل بقرار من جمعيته، وكان من ورائه أنور باشا يحثه على إهلاك هؤلاء الذين صلبوهم. وقد جاء هذا مرة إلى عاليه من لبنان فقال على صورة الاستنكار: أما قتلتم بعد هؤلاء الخونة؟. وكان أنور باشا نمراً مفترساً في صورة حمل وديع، والدم في نظره ونظر رفاقه طلعت ومدحت وناظم وشركائهم أحلى في المذاق من طيب الشراب خصوصاً إذا كان صاحبه غير تركي، ومساويه ومساوي أصحابه أكثر من أن تحصى، تجردوا من كل عاطفة ومن كل دين، وعاطفتهم دهان وتظاهرهم بالدين رياء.
стр. 713
وقبل تنفيذ الأحكام بالجوقة الثانية كان قائد الجيش الرابع ينفي من الشام إلى صميم الأناضول أسراً برمتها، وفيهم بيوت من صلب رجالهم بالتهم السياسية وممن جلاهم أناس من الغوغاء والقتلة القدماء، واشترك في هذه النكبة المسلمون والمسيحيون وغيرهم على السواء، خصوصاً من كان لهم صلة بدولة من دول التحالف فرنسا وبريطانيا وروسيا، ثم طمع الاتحاديون أن يتوسعوا في تأديبهم، وأعدوا في الأناضول ألوفاً من الدور ليجلوا النابهين من سكان الشام إلى تلك الأرجاء، وكان الاتحاديون قرروا في مؤتمرهم أن يجلوا العرب إلى أرض الترك، ويستعيضوا عنهم في الشام بأناس من شذاذ الآفاق، وأن يعاملوا مهاجرة الشام كما عاملوا الأرمن يوم جلوهم عن أقاليمهم أي أن يقتلوهم على بكرة أبيهم في الطرق، ويغتالوهم بالطرق التي اغتالوا بها أعداءهم الأرمن. وشرع الترك يقبضون على جوقة ثالثة من وجوه الأهلين ومنوريهم ويعذبونهم بتهم سياسية وجهوها إليهم منها أن لهم ضلعاً في إنشاء حكومة عربية ومفاوضة شريف مكة بذلك.
خلع شريف مكة طاعة العثمانيين وتأثيره في
الأتراك:
كانت البقية الباقية من منوري الشام تخاف سوء المغبة من عمل الاتحاديين خصوصاً بعد أن مرنوا على إزهاق النفوس، ورفعوا حجاب الوهم الذي كان مسدولاً فرفعوه وعرفوا ما تحته يوم جسروا على قتل كبراء الأمة ولم ينتطح عنزان. وكادت النوبة تصيب أهل الطبقات الثالثة والرابعة يوم أعلن الشريف حسين بن علي أمير مكة المكرمة استقلاله بملك الحجاز ٩ شعبان ١٣٣٤هـ حزيران ١٩١٦م وثار العرب على الترك في مكة، وقتلوا الحامية التركية وأسروا أكثرها، وحوصرت المدينة بعربه، وذلك بتدبير الحلفاء وأموالهم، فشغل الترك بهذه المصيبة التي لم يكونوا يتوقعونها، وأخذوا يستميلون إليهم رجالات الشام ويستبدلون اللين بالشدة، وإذا كانوا على عزم إنفاذ حكم القتل برجال من القافلة الثالثة بعث ملك الحجاز الجديد بواسطة جمهورية أميركا المتحدة، وكانت على الحياد، بأن كل منفي عربي أو مسجون إذا أصيب
стр. 714
بأدنى إهانة فهو مستعد أن يعمل أضعافه مع الأتراك الذين في أسره، فكفّ الاتحاديون عن القتل، وأطلقوا سراح السجناء مرغمين، بعد أن عذبوهم أنواع العذاب، فعدّ ذلك من حسنات الملك حسين، ولقد آلم الاتحاديون قلوب السوريين بقتل طبقة مهمة من الشبان والكهول والشيوخ، ونفي النساء والأطفال إلى الولايات التركية، ومع هذا لم تقصر الشام في تقديم أبنائها للحرب جنداً، ولا أموالها وعروضها لمعاونة الجيش، ولا أرزاقها وحيواناتها وذخائرها لخدمته، فحنق على الدولة من كان يريد انتصارها، وتأصلت العداوة بين الترك والعرب، وما كانت العداوة في الحقيقة إلا بين دعاة الاتحاديين والمستنيرين من العرب، حتى لا يبقى بعد الحرب رجال يستطيعون أن يرفعوا أصواتهم بمطالبة الدولة بشيء من الإصلاح.
ومنذ نادى الملك حسين باستقلال الحجاز أخذ الضباط العرب وغيرهم من العراقيين والشاميين واليمانيين ممن وقعوا في أسر دول الحلفاء، أو كانوا في خدمة الجيش التركي على مقربة من الحجاز أو في الجهات البعيدة كالقفقاس ينضمون إلى جيش الحجاز العربي فألفوا جيشاً لا بأس به يرجع إلى نظام في الجملة، وهذا الجيش هو الذي قاتل الترك في الشام، وأوقع الشغب في الفيالق التركية، وفت في عضد الدولة العثمانية في بوادي الحجاز، وساعده ما كان ينهال من الأموال الإنكليزية التي استمال بها ملك الحجاز والقواد أولاده الأربعة العربان في الشام والحجاز، وتسرب قسم منها إلى كبار الضباط من أبناء العرب، وكان لجمعية العهد يد طولى في التحاق ضباط العرب بصاحب الحجاز وهذه الجمعية كانت مؤلفة من ضباط العرب في الدولة كما كان مثل ذلك لجمعية الفتاة العربية التي ألفت في باريز قبل الحرب بنحو خمس سنين من المفكرين من أبناء العرب وخصوصاً الشاميين، وضمت إليها بعض الأعيان والمفكرين وفي مقدمتهم أنجال شريف مكة وأبلغوا والدهم قرارهم وامتدت دعوتهم إلى جبل الدروز.
وقدر بعض الواقفين عدد من انضم من البدو إلى الجيش العربي في جميع الجهات بما يناهز المائة ألف والعسكر النظامي لا يتجاوز الخمسة آلاف. وقال بعضهم: إن البدو لم يتجاوزوا السبعين ألفاً يكثرون ويقلون بحسب الحاجة،
стр. 715
والنظامي وهم من أبناء العرب الذين أسروا من الجيش التركي أو فروا منه خمسة آلاف والنظامي لم يتجاوزوا هذا القدر.
وكان شاعر الثورة الشيخ فؤاد الخطيب يحفز أرواح هذه الأمة بشعره ومما قاله في الثورة:
يا آل جنكيز إن تثقل مظالمكم ... على الشعوب فقد كانت لهم نعما
فالظلم أيقظ منهم كل ذي سنة ... ما كان ينهض لولا أنه ظُلما
أرهقتم الشعب ضرباً في مفاصله ... حتى استفاق وسلّ السيف منتقما
فالشنق عن حنق منكم وموجدة ... قد أرهف العزمات الشم والهمما
هيهات يصفح عنكم أو يصافحكم ... حرّ ولو عبد الطاغوت والصنما
يا ابن النبي وأنت اليوم وارثه ... قد عاد متصلاً ما كان منفصما
والتف حولك أبطال غطارفة ... شم الأنوف يرون الموت مغتنما
فاصدم بهم حدثان الدهر مخترقاً ... سداً من الترك إن تعرض له انهدما
يا من الحّ علينا في ملامته ... بعض الملام وجرّب مثلنا الألما
لو كان من يسمع الشكوى كصاحبها ... مضنى لما ضج بالزعم الذي زعما
ايه بني العَرب الأحرار إن لكم ... فجراً أطلّ على الأكوان مبتسما
يستقبل الناس من أنفاسه أرج ... ما هبّ في الشرق حتى أنشر الرمما
تلك الحياة التي كانت محجبة ... في الغيب لا سأما تخشى ولا سقما
سارت مع الدهر من بدو ومن حضر ... حتى استتبت فكانت نهضة عمما
من ذلك البيت من تلك البطاح على ... تلك الطريق مشت أجدادنا قدما
لستم بنيهم ولستم من سلالتهم ... إن لم يكن سعيكم من سعيهم أمما
إلى الشام إلى أرض العراق إلى ... أقصى الجزيرة سيروا واحملوا العلما
стр. 716
أماني الأتراك وخيبتهم وتخريبهم:
كانت حالة الشام تسوء كلما طال أمد الحرب العامة، وقد أتى الجند وبعض ضباطهم وعمال الحكومة من ظلم الناس باسم الجيش والتكاليف الحربية ما ضاقت به الصدور، وغلت مراجل الأحقاد، وكلما دامت الحرب شهراً زاد القوم من الدولة اشمئزازاً وقهراً، ومن يجسر والأحكام العرفية سائدة، وسلطان الفزع الأكبر فاغر فاه، أن يقول كلمة خير، أو يرفع مظلمة أو ينقد معوجاً، فإن التعذيب كان مصير من يجرؤ على ذلك، والسجن والقتل كان يتهدده كما وقع لمئات في دار
الملك ومنهم أصدقاء أنور باشا وشركاؤه في أعماله، قتل بعضهم لأنهم قالوا بطلب الصلح من الحلفاء، وأن الدولة تحاول بحربها الانتحار. قال سفير أميركا: رأيت أنور في حد الأيام وقد اشتدت وطأة الضباط على الفلاحين والتجار فقلت له: إن تلك الأعمال نهب التجار والفلاحين باسم الجيش تفضي بالمملكة إلى الخراب العاجل والدمار الأكيد، ولكنه لم يعبأ بأقوالي ولم يخفق فؤاده ألماً لتلك الأعمال، بل كان يفتخر بأنه أنشأ جيشاً كبيراً مجهزاً من لا شيء. بلغ عدد الجنود التي جمعها أنور نحو مليون ونصف مليون، وبقي نحو مليون أسرة في أنحاء المملكة وليس لهم من يساعدهم على القيام بأعباء الحياة، وقد فتك بهم الجوع فتكاً ذريعاً. أما الحكومة التركية فكانت تدفع لكل جندي في جيشها نحو ربع ريال في الشهر اه. قلنا: إن الدولة جمعت في الشام سبعاً وعشرين قرعة أي من ابن الثامنة عشرة إلى ابن الخامسة والأربعين وكان معدل ما يجمع من كل صنف ثمانية فرّ منهم بحسب الإحصاءات الرسمية إلى آخر الحرب نحو مائة وخمسين ألف جندي وظلّ في الخدمة بين أسير ومريض ومستخدم في خدمة خفيفة ببلده نحو خمسين ألفاً وقتل نحو أربعين ألفاً. ولو أردنا تفصيل ما وقع من الجيش ولأجل الجيش، وأهمه استباحة الأعراض المصونة، والعبث بالمقدسات والمشخصات، لاقتضى لذلك مجلد برأسه، فقد فسدت الخلاق بحيث لا يتأتى أن تصلح إلا بفناء معظم من تلوثوا بتلك اللوثات، وكانت تنضب المواد الحيوية يوماً بعد يوم، وقل الفحم الحجري جداً فأخذ الأتراك يسيرون القطارات بالحطب، يقطعون
стр. 717
الزيتون والكينا من فلسطين، والجوز والمشمش والحور من الغوطة، والسنديان والزان من الصنوبر من لبنان، والزيتون والفستق من حلب، والغضا من الحجاز، واشتد الجوع وعزّ الخبز، وأصبح الغني يغتبط بأنه ينال قوت يومه على أيسر وجه، وذل اعظم عظيم في هذه الديار أمام جمال باشا وأشياعه من الاتحاديين، وصانعه
اكبر البقية الباقية من الأحرار مخافة أن ينالهم من ظلمه ما نال غيرهم، وكان الموت معلقاً بين شفتيه ومن لا يصانعه يذله، وربما قتله أو نفاه من هذه الأرض. وكان يعمل ما يريد ثم يكتب إلى الأستانة بما حصل. ومن أغرب الأحكام أن يجعل القتل في أيدي العرفاء والنقباء من صغار الضباط، فكان لأحدهم إذا قبض على عشرة فارين أن يهلك واحداً منهم بالقرعة! وهكذا تجددت الأحكام القره قوشية، ورخصت الأرواح وبيعت بيع السماح.
قال جمال باشا في مذكراته: ويقيننا أن الفضل في عدم حدوث ثورة في سورية خلال العامين والنصف العام اللذين أعقبا إعلان الشريف حسين استقلال بلاده، إنما يرجع إلى أحكام القتل التي وقعت في نيسان ١٩١٦ وبقطع النظر عن ذلك فإن أنور باشا وهو وزير الحربية، وطلعت باشا وهو وزير الداخلية، قد وافقا على تنفيذ أحكام القتل بدون استئذان من المراجع العليا، ثم أرسلتُ إلى الأستانة تقريراً بما أجريته وهناك راجعته محكمة الاستئناف التابعة لوزارة الحربية ثم أرسلته بناء على قرار مجلس الوزراء إلى القصر للتصديق السلطاني، وهكذا أيدت الإرادة السنية الأحكام التي قضى بها الجيش ونفذها وبذا ختمت هذه الرواية اه.
وكلما كانت الأمة ترجو انفراج الأزمة كان أحمد جمال باشا وهو قوي الثقة بنفسه وجيشه يرجو أن تنجلي الحرب عن نصرة دولته، ويؤسس في الشام معاهد لتتريك العرب وتقوية الدعوة التركية الاتحادية في نفوس الأمة ويفتح شوارع في يافا والقدس وبيروت ودمشق ويضع المصورات والخطط والتصميمات لهندسة أمهات مدن الشام على الطريقة الحديثة، وقد نفذت أحكامه على البادية والحاضرة، حتى إن بعض أمراء العرب كانوا عيوناً له يقبضون إحساناته الكثيرة، ولا يتلكئون عن قبول المعاونات التي يقدمها لهم الإنكليز. ولم يسلم من يد جمال باشا إلا دروز جبل حوران فإنهم خدعوه بوعودهم، ولم يتجندوا
стр. 718
بحجة العمل في أراضيهم
لإخراج الحبوب للجيش. ولكن الغلات التي استغلوها لم يقدموا منها شيئاً للدولة على الرغم من إلحاح القائد العام عليهم، فحفظوا حبوبهم في أهرائهم حتى شحت في الشام، ثم أخذوا يبيعونها بأثمان فاحشة ولولا ذلك لجاع أهل مدينة دمشق نفسها على قربها من حوران أنبار الشام العظيم. ولذلك كان جمال باسا يحرّق الأُرّم عليهم، ولو خرجت دولته ظافرة لأرسلوا حملة على هذا الجبل تهلكه وتخربه. وأخرى وهي تعد في مآثر الدروز هذه النوبة، وهي أنهم آووا في جبلهم نحو عشرين ألف لاجئ من العرب والترك على اختلاف مذاهبهم، فراراً من الجندية أو غيرها، وأطعموهم مدة الحرب بلا عوض، ومنهم من كانوا يشغلونهم في أراضيهم مقابل إطعامهم فقط، فكانت مضافات الرؤساء منهم أشبه بفنادق ومطاعم عامة مجانية، خدامها أصحاب تلك البيوت من أعيان الجبل، فمثلوا بعملهم القِرىَ العربي والمروءة والشهامة، وكفروا عن سيئات المسيئين منهم في الماضي، وكان جبل الدروز أقوى صلة بين جزيرة العرب والشام والعراق مدة الحرب ولا سيما بعد استقلال الحجاز، وعزم الحلفاء على فتح الشام باسم الأمير فيصل واسم أبيه، فكان مركز جبل حوران من الوسائط النافعة لأبناء الشام والحجاز معاً، وفيه تألفت عصابات من الدروز لإلقاء الاضطراب في صفوف الجيش التركي، وظلّ أكثر زعماء الجبل على ولائهم للدولة العثمانية حتى أظلتهم الرايات العربية.
الوقائع المهمة في فلسطين وسقوط القدس وما إليها:
أخذ الجيش التركي في الجبهة ينضغط على نفسه وتتضاعف فيه مضاعفات النفوس من جوع وعري، ففي ٢٦ و٢٧ آذار ١٩١٧ حدثت معركة غزة الأولى بين الترك والإنكليز وفي ١٩ نيسان كانت معركة الرمادة، وفي ٤ آب انهزم الأتراك للمرة الثانية في محاولتهم غزوة مصر في قطيا، وفي ٢٣ تشرين الأول
و٧ تشرين الثاني اخترق البريطانيون خط العثمانيين بين بئر سبع وغزة، فتخلى الأتراك عن الابن وبئر السبع وكانت وقعة في أزقة غزة على أسلوب حرب المتاريس اشتركت فيها البحرية البريطانية بمدافعها من البحر، وكانت الغلبة
стр. 719
فيها للأتراك وفقد من الإنكليز على رواية قائد الجيش الرابع في وقائع غزة ٤٠٠٠ وفقد الترك ٢٨٦ قتيلاً و٧٥٦ جريحاً و٥٨٥ متغيباً وأسيراً، وادعى القائد التركي أن كل جندي من الحامية في غزة قتل جندياً إنكليزياً وأن الجيش البريطاني في أرجاء غزة كان مؤلفاً من أربع فرق فرسان وأربع مشاة، وأن المعركة دامت ثلاثة أيام واضطر البريطانيون إلى النكوص على أعقابهم يحتمون في خطوطهم تاركين ورائهم القتلى والجرحى وعددهم ٧٠٠٠ أي ما يعادل جميع القوة التركية التي اشتركت في القتال في تلك الجبهة. وفي الأخبار الرسمية التركية أن خسائر الإنكليز رجب ١٣٣٥ في ساحة غزة الثانية قدرت بثلاثة آلاف فيهم كثير من الضباط، وأفاد أحد الأسرى أن فرقته بات عددها أربعة آلاف رجل بعد عشرة والأسرى بلغوا نحو الأربعمائة وخسائر الإنكليز بالنسبة للوقعة الأولى كثيرة وخرب الجانب الأعظم من غزة وكان تشتت أهلها تحت كل كوكب. ومن الأسباب التي قضت بخرابها أن الأتراك وضعوا بعض مدافعهم الرشاشة الخفيفة في المآذن وأخذوا يطلقونها على البريطانيين، فما كان من هؤلاء إلا أن قابلوهم بإطلاق القنابل من مدفعيتهم من البر والبحر. ولم يتناول الخراب غزة فقط بل تناول يافا أيضاً، وذلك لأن العثمانيين أجلوا أهالي تينك المدينتين إلى الداخل فترك سكانهما عروضهم ومتاعهم وأموالهم أو باعوها بأثمان طفيفة وارتكبت الفرقة الثالثة من الفرسان وهي من الترك أنواع الفظائع في النساء بما يخجل منه.
كانت قيادة الجيش الفعلية في الشام بيد الألمان وبالاسم بيد العثمانيين فإن القواد فونكريس وفالكنهايم وليمان سندرس أبلوا بلاء حسناً في وقائع شبه جزيرة سينا
وغيرها ولذلك كان قائد الجيش الرابع يكرههم لأنهم جعلوه وأوامره وراء ظهورهم. ووظيفته الحقيقية في هذه الحرب أن يقدم لهم جنداً وأرزاقاً وينفذ ما يأمر به القائد الألماني لنظام الجيش وانتظامه. ولم يقصر الأتراك والحق يقال في مد الخطوط الحديدية إلى جبهة مصر على تعذر جلب الأدوات اللازمة لها من الغرب فأنجزوا خط العفولة نابلس متصلاً بحيفا ودرعا ودمشق قبل الحرب ثم أنجزوا مسعودية - طوركرم - لد - الصرار - الحفير وهو
стр. 720
٢٥٤كيلو متراً، ومدوا خطاً من التينة حتى دير سنيد قرب غزة وهو ٤٠ كيلو متراً في أيام قليلة وخربوا خط حوران دمشق وطرابلس حمص لأخذ خطوطهما الحديدية، وأصبحت بئر السبع مركزاً مهماً فيها الكهرباء وأدوات الرفاهية في المدن، وسدوا طريق العريش - الابن - نخل، وحفروا آباراً وعملوا أحواضاً وجروا الماء في البادية إلى القصيمة إلى ثلاثين كيلو متراً.
سار الجيش الإنكليزي على عادته في قتال الترك في سينا سيراً بطيئاً ولكنه كان أميناً، ومدوا خطهم الحديدي بالقرب من الساحل ليكون له من الأسطول عند الاقتضاء معتصم، وفي ٣١ تشرين الأول أخذوا بئر السبع وفي ٢١ كانون الأول ١٩١٦ أخذوا العريش وفي ٩ كانون الثاني ١٩١٧ أخذوا رفح. وأخلوا شبه جزيرة سينا من كل ما هو تركي سنة ١٩١٧، وأُخذت يافا في ١٦ تشرين الثاني وكانت أخليت من السكان زهاء سنة ونصف وتشرد أهلها، وسقطت القدس في ١٠ كانون الأول ١٩١٧ ودخلها القائد المشير اللنبي الإنكليزي دخول الظافر فسقطت بيت المقدس كما قال بعضهم في أيدي الفرنج بعد أن خرجوا منها في الحروب الصليبية منذ ثمانمائة وتسع عشرة سنة. وقرعت أجراس الكنائس فرحاً بسقوط القدس ومن جملتها الكنائس الألمانية كأن ما خسرته ألمانيا سياسياً بهذا السقوط يعزيها بعودة الأرض المقدسة دينياً إلى أيدي المسيحيين. واستولى الإنكليز
على أريحا يوم ٢١ شباط ثم جعلت الجبهة على خط يافا أريحا وظل المتحاربون يقتتلون إلى سنة ١٩١٨ وقد كلت همم المقاتلين من الترك فاخترق القائد اللنبي الجبهة التركية في أيلول ١٩١٨ واستسلم جيشان تركيان وكان انهزم أحدهما نحو الشمال أي نحو طريق القدس نابلس، ونشبت بين الفريقين البريطانيين والأتراك معركة هائلة في البيرة انتهت بهزيمة الأتراك وانسحابهم إلى اللبن وبلغ الجناح الأيسر من الجيش البريطاني حيفا وتجاوز الجناح الأيمن نابلس وسقطت حيفا في ٢٣ أيلول ١٩١٨ وكذلك عكا والناصرة وبفتح حيفا وطوركرم ونابلس والناصرة وطبرية فتحت أبواب الشام أمام الجيش البريطاني.
стр. 721
عمل الجيش العربي:
في سنة حزيران سنة ١٩١٦ أي في السنة الثالثة للحرب العامة لما قام الشريف حسين بن علي أمير مكة المكرمة بثورته على الترك وقتل وأسر حامية مكة من الأتراك ونودي به ملكاً على الحجاز، ثار أبنه الأمير علي في عرب المدينة المنورة الموالين لأبيه على الحامية التركية غداة ثورة مكة فلم يستطيعوا أخذها لأن فخري باشا قائد حاميتها التركي كان حصنها تحصيناً عظيماً فما استطاع العرب أن ينحوا على تلك الحصون مخافة أن يصاب قبر الرسول ومسجده بأذى وقبعت الحامية التركية بما ادخرته من الطعام في داخل حصونها وأجلت الحكومة أكثر أهل المدينة إلى الشام وآسيا الصغرى وعددهم لا يقل عن أربعين ألفاً ولم تترك سوى بضعة آلاف ممن آثروا أن يموتوا في جوار قبر النبي على الجلاء غير مطالبين الجيش المحاصر بخبز ولا إدام. وأخذ عرب الأمير علي يناوشون الحاميات التركية على السكة الحجازية مدة ويخربون بعض خطوطه ويعود العسكر العثماني فيصلح ما خربوه ويستخدمه في الضروريات لتموين الجيش المرابط في المدينة، وأخذ منذ ذاك الحين الأمير فيصل ثالث أنجال الملك حسين
في سرايا من عرب الحجاز بشاطئ ساحل البحر الأحمر متقدماً إلى سمت الشمال وينضم إليه أسرى الجيش التركي من العرب ممن أسروا في ترعة السويس وشبه جزيرة سينا وساحة العراق. ففتح ينبع البحر والوجه وهنا تألف الجيش الشمالي الذي قاده الأمير فيصل، أما شقيقه الأمير عبد الله النجل الثاني فكان في الطائف يحاصرها حتى سقطت، أي أن الأمير علياً كان يشاغل الحامية التركية في المدينة ويفتح رابغ ويجعلها ميناءه، وشقيقه الأمير فيصلاً يحاول الابتعاد عنها للانضمام إلى الجيش البريطاني في شبه جزيرة سينا.
وفي تموز١٩١٧ أي بعد أحد عشر شهراً من ثورة صاحب الحجاز على الترك فتحت العقبة بمعاونة الشيخ عودة أبي تايه من مشايخ الحويطات ومن شجعان العرب، وقد أبلى بلاء ليس بعده بلاء في هذه الوقعة وفي أكثر الوقائع
стр. 722
التي اشتبك فيها الجيش العربي مع الجيش التركي، وكان له الفضل بإسقاط الطفيلة وأبي الأسل والكويرة وغيرها من المواقع التي احتلها العرب في أوائل الشام من الجنوب. وقد أسر في فتح العقبة تابوراً تركيا برمته تام الأهبة لم يفلت منه ولا أركان حربه ورجال شوراه الحربي استسلموا كلهم لأبي تايه فعاملهم أرقى معاملة مدنية. وكان لمدافع الأسطول البريطاني من البحر أولاً يد طولى في إخلاء الترك للعقبة وبسقوطها حمى العرب مؤخرة البريطانيين في سينا. وكان الأتراك يأتون من معان إلى بادية سينا يضربون البريطانيين، وباستيلاء العرب على العقبة استطاع الإنكليز أن يستولوا على غزة ثم رفح وبئر السبع، أما الأتراك والألمان فقد دافعوا عن العقبة دفاعاً عظيماً ولكن البريطانيين كانت لهم السلطة على الساحل والعرب يحاربون بأجسادهم وأرواحهم مع صاحب الحجاز وأولاده.
استولى العرب على الطفيلة ووادي موسى وحاولوا الاستيلاء على معان الاقعة على الخط الحديدي فردوا عنها مرتين بخسائر، خصوصاً يوم ٢٢ تموز عندما
هاجموا محطة أم الجرذان الجردونة فكانت خسائرهم عشرين ضابطاً ومائتي جندي واستولوا على أم الجرذان ثم تخلوا عنها. وأرسل الأتراك من الكرك أربع كتائب وسرية من البغالة بغية احتلال الطفيلة وبينا كانت سائرة في وادي موسى بلغ العرب خبرها، فتحصن محافظ الطفيلة الأمير زيد رابع أنجال ملك الحجاز في مائتي جندي نظامي وقوة قليلة من البدو في رؤوس الجبال وأخرج أهل الطفيلة وسلحهم وفرقهم على الجبال التي في أطراف الوادي، وجعل العسكر التركي في شبه حصار وأطلق عليهم النار، فارتبك الجيش الزاحف وجفلت البغال وقتل حامد فخري بك القائد التركي المعروف عند الأتراك بفاتح بكرش فسقط في يد الجيش وانهزم أكثره وسلم الباقي، وأخذ العرب ما يربي على ستمائة أسير تركي وغنموا أربعة مدافع سريعة الطلق ولم يكن معهم سوى مدفعين قديمين. أما الكرك على حصانتها فإن الأتراك أخلوها من أنفسهم.
وانضمت إلى الجيش العربي في الوقائع الأخيرة سرية مدفعية فرنسية كما كانت الطيارات الإنكليزية لا تغفل يوماً عن كشف مواقع العدو وتهيئة سبل التقدم لهم، وكانت وقائع البدو مع الترك على الأكثر أشبه بمناوشات عصابات
стр. 723
لا بحروب منظمة. والأمير فيصل ينظر إليه نظر قائد عربي يتلقى الأوامر من المستر اللنبي ولقبه قائد الجيوش الشمالية.
جاء في نشرة وزارة الحربية البريطانية في آب ١٩١٧ أن خطة العرب في بداءة نهضتهم خطة حسنة تحوي في مطاويها حذقاً وحزماً ودهاء، فقد خربوا قسماً من السكة الحديدية واستولوا على مراكز الأتراك على جانبي الطريق وكانوا على جانب من البسالة يتغلبون غالباً على جيش أكثر منهم عدداً وعُدداً. وقال ليمان سندرس الألماني: إن العرب من أول شهر أيار إلى التاسع عشر منه خربوا خمسة وعشرين جسراً.
خرب العرب محطة القطرانة وأسروا عدداً من الترك وبعد أسبوع هجموا على الحسا فأخذوا قظاراً كان هناك ودمروا قسماً من العدة والذخيرة ولكن الأتراك أخرجوهم بعدئذ من الحسا فتقهقروا جنوباً وهم يخربون في الجسور والخط. وفي تشرين الثاني ١٩١٧ واقعت القوى البريطانية حامية الترك في عَمانّ فسقطت الصلت في أيدي البريطانيين والعرب وعاد الأتراك فهاجموها في آذار ١٩١٨ وردوا البريطانيين إلى غربي الأردن. وكانت حال الصلت ومعان وعمان وغيرها تعسة جداً لأن الاستيلاء عليها كان متبادلاً بين الفريقين المتحاربين وأهلها بين نارين خصوصاً نار العثمانيين الذين كانوا يعاقبون الأهلين لدى دعوتهم إلى بلد انهزموا منه بحكم الطبيعة أو القواعد الحربية بما يخرج عن حد المألوف تشفياً وانتقاماً.
لما صدر الأمر بالهجوم العام لضرب الجيش التركي الألماني الضربة القاضية فاوض البريطانيون الأمير فيصلاً أن يجهز حملة تسير من أبي الأسل إلى جسر تل شهاب في حوران لتقطع خط الرجعة على الجيوش التركية فتألفت الحملة من الجيش النظامي يرافقها شرذمة من البدو. ويظهر أن القيادة التركية شعرت بذلك لأن من البدو من كانوا يتجسسون للعرب وعليهم وللترك وعليهم، ومن عادة البدوي أن ينحاز إلى صفوف الغالب وينتقض على المغلوب ولو كان في صفوفه لأن هدفه الوحيد السلب والنهب فأوعز القائد التركي إلى الحامية أن تدافع عن معان بالهجوم على الجيش العربي في الوهيدة لإشغال الحملة عن المسير إلى تل شهاب وسار الألمان مع الأتراك من الشمال على الشوبك والطفيلة
стр. 724
ليلتقوا مع الجيش التركي الذي خرج من الشرق على معان فباغتت الحامية ليلاً على تل سمنة المطلة على معان واستولوا على حصونها، وبضبطها أصبح الجيش العربي في خطر، فبلغ الأمير فيصلاً ذلك بالهاتف من الوهيدة بين معان وأبي الأسل
وتبعد عن كل منهما زهاء ساعتين أو أكثر، وكانت مقر الجيش العربي ومقر الأمير وراءها في أبي الأسل، فاهتم للأمر لتناقص عدد الجيش العربي الذي انضمت أكثريته إلى الحملة المنوه بها، وكانت بارحت قبل هذا الهجوم بيوم المقرّ من جهة الطريق الشرقي البعيد عن الخط الحجازي مسافة يوم تقريباً وهو من جهة الجفر وباير ماءان لأهل البادية فندب الأمير أخاه الأمير زيداً واستعاد حصون تل سمنة، وكان الأتراك ينوون أن يتقدموا منها للاستيلاء على الوهيدة مقر المعسكر العربي، ولو لم يتقدم أحد أبناء العرب ممن كان مع الجيش التركي ويفاوض بالهاتف مركز الجيش العربي وينذره سوء العقبى ويسارع الأمير فيصل بإرسال عبيده وعددهم مائة وخمسون ويسيروا كالبرق الخاطف يقفون أمام الجيش التركي ويشاغلونه ريثما تقدمت فرسان الجيش العربي وتبعها المشاة لولا هذا لما رُد الأتراك عن معان ولهلك الجيش العربي بأسره.
ومن ذلك الحين انقلبت حامية معان من طور الدفاع إلى طور الهجوم، وعهد الأمير فيصل بالقيادة العامة في مقر أبي الأسل إلى أخيه الأمير زيد والتحق بالحملة يرافقه قليل من الجند النظامي وحرسه من العبيد وبعض المتطوعة من بدو ومن حضر قاصداً الأزرق ليتخذه مقر القيادة للحملة، وضرب موعداً للنوري بن شعلان أن يلاقيه بالأزرق مع شرذمة من قبيلته كما أوعز إلى عوده أبي تايه أن ينزح مع شرذمة من قبيلته من الجفر إلى الأزرق، ولكن جنده كان قليل العدد والبدو الذين أرادهم على أن يوافوه تخلفوا عنه فأصبح موقفه في خطر، وكان في وسع مائة جندي عثماني لو هموا به أن يأسروه ومن معه، ولكن قذف الرعب في قلوب المحاربين من الترك فظنوا أو هناك جيوشاً جرارة لا قبل لهم بها، وزاد حراجة الموقف تشويشاً أن بعض مشايخ قرى جبل الدروز بعثوا إلى الأمير يحتجون على احتلاله الأزرق بدعوى أن احتلاله يوغر عليهم صدر الحكومة
التركية لأن الأزرق وإن كان مقدمة بادية الشام وغير مملوك لأحد لكنه
стр. 725
يعتبر في نظر الدروز ونظر القبائل الرحل ملحقاً بالدروز، ولم يؤثر هذا الاحتجاج في نفس الأمير فيصل لعلمه أن لا قيمة له بالنسبة إلى زعماء الجبل الموالين له وفي طليعتهم سلطان باشا الأطرش الذي أخلص كل الإخلاص للثورة العربية وعاونها بماله وجاهه، ولعلمه أنهم متجرون بهذا الاحتجاج غير أنه أورث اضطراب الأفكار خشية تجسسهم للأتراك، وبعد خمسة أيام أرسل أحد شيوخ قبيلة بني صخر وهو الوحيد في موالاة الجيش العربي دون بقية شيوخ القبيلة الذين كانوا موالين للحكومة التركية ويقطعون السابلة على كل قافلة تلتحق بالأمير فيصل في أبي الأسل، وجهزه بفئة من المتطوعة لتخريب جسر عمان لقطع المواصلة بين القيادة التركية ومعان. وجاء على الأثر الكولونل لورانس الإنكليزي، ملقن الثورة العربية والمشرف عليها الذي دُعي ملك العرب غير المتوج وأخبره بسقوط نابلس وما وراءها إلى الشمال، وأنه وقع في أسر الجيش البريطاني من الجيش التركي زهاء ستين ألفاً وكان الفضل الأكبر في ذلك لتخريب جسر تل شهاب. وصباح اليوم السادس ورد على الأمير فيصل نجاب يخبره بسقوط معان وأسر حاميتها وسوق رجالها إلى العقبة، وبعد ساعتين جاءه نجلب آخر من عمان يحمل إليه أوراق الحكومة التركية فيها مبرهناً على سقوطها وانجلاء الترك عنها قبل تخريب الجسر. فرأى الأمير فيصل عندئذ نقل المقر إلى بُصْرى عاصمة حوران، مخافة أن يضم الأتراك شملهم في درعا دفاعاً عن دمشق ولم يكد يستقر بها حتى بلغه سقوط درعا بيد الجيش العربي الإنكليزي ومتطوعة الحورانيين، فسار إليها ونظم حكومتها وأخذ منه القلق لأنه كان جرى اتفاق بينه وبين الحلفاء أي بينه وبين البريطانيين أن كل فريق من العرب أو البريطانيين يسبق جيشه إلى فتح مقاطعة أو بلد يكون حق احتلالها وإدارة شؤونها لذلك الفريق إلى أن يبُت في المصير،
وحافظ الجيش الإنكليزي على هذا الوفاق فكان إذا سبق ففتح بلداً أو أسقط حصناً في العمالة التي يريد إعطاءها للعرب يتوقف ريثما يدخل العرب فينسب الفتح إليهم ولا سيما في الشام الداخلية. ولذلك خف السيد نسيب البكري من الأزرق بأمر الأمير فيصل إلى جبل الدروز ولقي صديقه سلطان باشا الأطرش وجيش هذا من الجبل نحو مائتي فارس وذهبوا إلى بصرى وهناك التحق بهم بعض الحورانيين
стр. 726
ولا سيما آل مقداد وساروا إلى دمشق على طريق الكسوة فناوشهم جيش الأتراك قليلاً في حصون جبل المانع ريثما يتمكن من الهزيمة بانتظام، ودخلت هذه الحملة التي كانت مؤلفة من نحو خمسمائة فارس ما عدا المشاة إلى دمشق واتفق دخول هذه الحملة مع أوائل الحملة البريطانية الزاحفة على الفيحاء من طريق جسر بنات يعقوب - القنيطرة.
سقوط حوران ودمشق بيد الجيوش البريطانية:
وفي ١٧ أيلول ١٩١٨ قطع الجيش العربي الخط الحديدي على عشرة كيلو مترات من شمالي درعا بين خربة الغزالة ودرعا بمعاونة الطيارات الإنكليزية، وكذلك خط درعا - حيفا أي من المزيريب وخط عمان - درعا فانقطع الخط في نصيب، وأصبحت حامية درعا مقطوعة عن كل مدد، وفي اليوم الثاني كان الهجوم البريطاني العام فوجه الترك إلى العرب بقسم كبير من قوتهم فلم يبق فيها الجناح الأيسر من الجيش البريطاني إلا بقية ما لبثت أن تفرقت شذر مذر، وأسر العرب في هزيمة الأتراك تسعة آلاف أسير، وغنموا تسعة آلاف بندقية وثمانية مدافع وأربعة وخمسين رشاشاً. وفي ٢٦ منه هجم الجيش العربي وقد انضم إليه عرب الرولة وعرب عنزة وعدد من الدروز على سكة الحجاز على ١٥ ميلا جنوبي درعا، فخربوا جسراً وقسماً من الخط.
وفي ٢٨ منه احتلت القوات النظامية درعا وفي ٣٠ منه تغلبت فرقة أسترالية
على نجدات الأتراك في قطنا، وتقربت عند المساء إلى أبواب دمشق وفشل الأتراك، وظل الجيش البريطاني يطارد المنهزمين حتى بلغ ضواحي دمشق يوم ٣٠ أيلول وكان ناوش المهاجمون بعض الحاميات في المدن التي ذكرت ولا سيما في الناصرة ٢٠ أيلول وقد نشب قتال فيها بين البريطانيين والألمان من الساعة الخامسة صباحاً إلى الظهر، وعندها أخلى ليمان سندرس الناصرة وركب سيارته إلى دمشق.
وعلى هذا كان أول من دخل دمشق فرقة من الخيالة الأسترالية والفرقة البريطانية جاءت من درعا على طول الخط الحجازي ومن الغد أول تشرين
стр. 727
الأول دخل البريطانيون والجيش العربي في يوم واحد، وقد تأثر الجيش البريطاني بقايا المنهزمين من الجيش التركي بين ربوة دمشق وقرية دمر فهلك من الجند المنهزم نحو مائة وعشرين، وسرقت خزينة الجيش التركي وكانت في القطار في مركبتين بين الشاذروان ودمر فنهبها الفلاحون وغيرهم من المصطافين، وطارد الفرسان البريطانيون والأستراليون المنهزمين من الأتراك ممن حاولوا المقاومة أولاً في سفح جبل قلمون قرب دومة فظن الترك أن الأهلين قاموا بمناصرة الجيش البريطاني فاستسلموا فخف أهل قرية حفير من أعالي الجبل لرد الأتراك دفاعاً عن قرتهم. وكان بعض سكان حوران اعتدوا في الأيام التي سبقت سقوط دمشق على بعض المنهزمين من الجيش لأخذ سلاحهم على الأكثر، ولكن الأمير طاهراً الحسني وأبناء عمه الأمير سعيد والأمير عبد القادر كانوا ألفوا من المغاربة سرايا من المطوعة وأخذوا ألف بندقية من الحكومة التركية خرجوا إلى أذرع وخففوا ويلات الجيش التركي وساعدوه على الهزيمة، ولما خلت دمشق من حكومة كانت مسائل الأمن فيها لأناس من أهل البلد والوجاهة في مقدمتهم أحفاد الأمير عبد القادر الحسني فلم يقع ما يكدّر في النفس والأموال.
وقبيل سقوط مدينة دمشق عقد الأتراك مجلساً حربياً حضره قواد الجيش من الترك والألمان والنمساويين والمجريين ورجال الشورى الحربي، فرأى القسم الأعظم من المؤتمرين نسف جميع الأماكن الأميرية في دمشق، وكان الألمان أعدوا لذلك العدة، وقال بعض الراوين بل نسف مدينة دمشق، إلا أن القائد النمساوي أقنع رفاقه بأن هذا عمل غير معقول، لأن الدمشقيين حاربوا مع الدولة العثمانية وقاموا بكل ما فرض عليهم بإخلاص، فليس من العدل وقد خسر الترك الحرب أن يعاملوا دمشق هذه المعاملة القاسية وكانت حجته داحضة. وكان جمال باشا المرسيني المعروف بجمال باشا الصغير من رأي القائد النمساوي سراً فعاضده وأشار إلى من استلموا زمام البلد من الوطنيين أن يعلنوا استقلال الشام، فرفعوا العلم العربي على دار الحكومة ضحوة يوم ٣٠ أيلول وبعد أن هنأ جمال باشا الصغير الحاضرين من الدمشقيين باستقلالهم، غادر دمشق على
стр. 728
سيارته إلى رياق، وكان آخر قائد تركي خرج من عاصمة القطر، بعد أن ملكها الأتراك أربعمائة وأربع عشرة سنة.
وبعد يومين استدعى من فُوض إليهم الأمن في البلد من وجوهها الأمير فيصل بن الملك حسين قائد الجيش العربي، وكان مرابطاً في الجيدور فدخلها ونزل في دار آل البارودي في القنوات وهناك شرع بتأسيس الحكومة العربية. وكان البريطانيون عهدوا إلى اللواء علي رضا باشا الركابي من قواد الجيش التركي ومن أبناء دمشق بأن يكون حاكماً عسكرياً لمدن الداخلية دمشق وحلب وما إليهما بالنظر لما ثبت للبريطانيين من حسن بلائه في خدمتهم، ويقال: إنه كان أرسل إليهم مصوّر الحصون حوالي دمشق وكان وكل إليه الترك عملها، وأرسله القائد التركي قبيل سقوط دمشق ببضعة أيام ليجمع شمل المنهزمين من الجيش التركي في القنيطرة وأعطاه مبلغاً من المال، فادعى أن العربان سلبوه ماله وثيابه، وانضم إلى الجيش
الإنكليزي، وهكذا ذهب من دمشق قائداً تركياً وعاد إليها بعد أيام حاكماً عربياً بريطانياً.
وأطال بعض أهالي بعلبك أيديهم على المنهزمين من جند الترك، وأخذوا سلاحهم وسلبوهم ثيابهم وعتادهم وقتلوا نحو ثلاثين جندياً، وذل الأتراك هذا الملك العظيم، وخدم الاتحاديون الدولة بادئ بدء إذ حموا الدستور كما قال كامل باشا لكنهم بتدخلهم في السياسة وبسط سيطرتهم على السلطة الإجرائية أصبحوا حكومة في حكومة، وأضحوا خطراً على الدستور. بل صاروا بعد خطراً على المملكة كلها، ضاربوا بها في سوق السياسة الألمانية فخسروها.
سقوط بيروت والساحل والهدنة:
كانت الطيارات البريطانية يوم ٢٩ أيلول أمطرت قنابلها على مستودعات محطة رياق نقطة اتصال الجنوب بالشمال ونهب ملحم قاسم أنابير رياق وحوش حالا في جماعة من رجاله، فنسف الألمان ما بقي من المؤن والعتاد في المستودعات والأنابير، وانهزموا في السكة الحديدية إلى الشمال، ولم يتركوا أحداً من الترك معهم نجوا باستعمال الشدة، وفي ذاك الحين قذف الألمان في بيروت المؤن
стр. 729
والمواد الحربية في البحر، وأصلاهم الحلفاء ناراً حامية خلال هزيمتهم، ولم تنفعهم وتنفع الأتراك خطوط الدفاع التي كانوا جعلوها في الجبل المطل على بيروت، كما لم تنفعهم والترك أيضاً الخطوط التي أنشئوها في جبل المانع والمزة وقاسيون المحيطة بدمشق من غربها وجنوبها وشمالها، وهكذا لم تصب دمشق وثغرها بيروت بأذى يوم الهزيمة على نحو ما كان العقلاء يحاذرون.
لم يجر استيلاء الحلفاء على بيروت إلا يوم ٧ تشرين الأول أي بعد سقوط عاصمة الشام بثمانية أيام، فأرسلت الحكومة العربية في دمشق برقية إلى رئيس بلدية بيروت بأمر الأمير فيصل غداة وصوله إلى دمشق تأمره فيه برفع العلم
العربي، ووصل إلى بيروت من دمشق اللواء شكري باشا الأيوبي تحف به شرذمة من الفرسان، واحتل دار الحكومة، وبعد أربعة أيام وصل القائد الإنكليزي وأمر اللواء العربي بالعودة إلى دمشق، وأنزلت الراية العربية وعين الكولونيل بياباب الفرنسي حاكماً على بيروت، وأخرج الفرنسيون جنداً إلى البر بين تصفيق الأهالي ولا سيما أبناء الطوائف الغربية، ثم صدر أمر القائد اللنبي إلى الأمير فيصل أن يحتل جيشه حمص وحماة وحلب، وكانت الجنود الإنكليزية والأسترالية تتقدمه أولاً، ففتحت حمص يوم ١٤ تشرين الأول، وحماة يوم ١٦ ودخل الجيش العربي حلب يوم ٢٥ منه مساء بعد مقاومة خفيفة ومناوشة الفرسان البريطانيين والأستراليين لبقايا الجيش التركي الذي دافع لإشغال الجيش المهاجم حتى يتسنى له الانسحاب من حلب بانتظام وسلام خشية الأسر، ويتم له نقل الموظفين وعيالهم والنقود والأوراق والسجلات، وطلب الشريف ناصر بن علي قائد الحملة العربية إلى قائد الفرقة البريطانية الجنرال مكاندرو أن يمده بسرية من جيشه ليضمها إلى فصيلة عربية يمدّ بها السرية التي كان أنفذها لاحتلال حلب فرفض الجنرال طلبه، وبعد الإلحاح عليه صرح بأن القائد العام أمره أن لا تطأ قدم جندي واحد من الجيش الإنكليزي مدينة حلب إلا بعد دخول الجيش العربي ورسوخ قدمه بها، وهكذا لم يدخل الجيش البريطاني حلب إلا بعد دخول الجيش العربي بأربع وعشرين ساعة وتأليف الحكومة العربية المؤقتة وكان آخر ما سقط من الديار الشامية ميناء الإسكندرية احتلته البحارة الفرنسية يوم ١٨ تشرين الثاني ١٩١٨.
стр. 730
وصرح القائد مكاندرو في خطاب له في إحدى المآدب بحضور المستر مارك سايكس والمسيو جورج بيكو بعد أن أثنى على شمم العرب وذكائهم ونبوغهم وشجاعتهم بقوله: ومما يلفت النظر أنهم بفرط بسالتهم وإقدامهم سبقونا إلى حلب بيوم كامل أربعاً وعشرين ساعة.
احتل العرب قلعة حلب ودار حكومتها، وقد فقدوا أربعة وخمسين جندياً، وأحصوا أربعمائة قتيل تركي في الشوارع. وذعر الترك لأنهم أصبحوا بين عدوين الجيش المهاجم والأهالي وانقض زعماء بادية حلب على الجيش التركي، عندما كان يدافع على سلامته على أبواب حلب، للسلب والنهب. وفي ٢٦ تشرين الأول بدأ الجيش العربي بمهاجمة الأتراك في القسم الشمالي الذي كانوا فيه من المدينة فأجلوهم وتبعهم فرسان البريطانيين في اليوم التالي فواصلوا الزحف شمالاً إلى أن بلغوا المكان الذي تتقاطع فيه سكة حديد بغداد وسكة حديد سورية، وقد وقعت في قطمة معركة شديدة بين الأتراك والبريطانيين قتل فيها كثير من الفريقين وانتهت بانهزام الأتراك إلى الشمال والجيوش البريطانية تتأثرهم، والأتراك يرتكبون الفظائع في القرى المستضعف أهلها، ووقف البريطانيون على كيلو مترات قليلة من شمالي حلب، فأبلغت إنكلترا قائد جيوشها بعقد الحلفاء الهدنة مع الأتراك يوم ٣١ تشرين الأول، وكان الأتراك يتذرعون بالهدنة منذ بدء الهزيمة الكبيرة في فلسطين، ولكن بريطانيا العظمى سوفت في الأمر ريثما أخرجت الترك من الشام كله بالقوة على ما يظهر، وبعد الهدنة ظلت شراذم من الجيش التركي في حارم وإنطاكية وبيلان وإسكندرونة لم تستطع اللحاق بالجيش المنهزم، فتفسخت وتخللتها الفوضى، وانقلبت إلى شبه عصابات تسلب وتنهب وتؤذي الأهلين، إلا أنها لم تلبث أن انضمت إلى المنهزمين وراء جبال طوروس أو دخلت في الطاعة واستسلمت.
ومن شروط الهدنة مع الأتراك تسليم حامية الحجاز وعسير واليمن والشام وما بين النهرين وانسحاب الجيوش من قلقية عدا من يحافظون على الأمن، وكان الفريق فخري باشا محاصراً في المدينة المنورة في خمسة عشر ألف جندي، ولم يسلم إلا عندما جاءه الأمر من حكومته في الأستانة أي في كانون الأول. وبينا كان الأمير فيصل لأول الاحتلال العربي في حلب وردت عليه برقية من
стр. 731
وزارة خارجية
بريطانيا العظمى بواسطة المستر اللنبي تطلب حضوره إلى باريز ليشهد مؤتمر الصلح للدفاع عن قضيته، وعينه والده وكيلاً عنه في مؤتمر فرسال، إذ لم تكن له صفة رسمية ثابتة تخوله حضور جلسات المؤتمر بصفة قانونية، فقدم للمؤتمر مذكرة قال فيها إننا نعتقد أن سورية هذه المقاطعة الصناعية الزراعية التي يقطنها عدد وافر من السكان من طبقات مقيمة هي بلاد متقدمة تقدماً كافياً من الوجهة السياسية يمكنها معه أن تقوم بأعباء أمورها الداخلية، ونرى أيضاً أن الاستشارة والمعاونة الأجنبية ستكون عاملاً ثميناً جداً لنمونا القومي، ونحن مستعدون لصرف ما يلزم من النقود مقابل هذه المعاونة، ولا يسعنا أن نفادي مقابلها بجزء من الحرية التي أخذناها قبلاً بأنفسنا وبقوة سلاحنا.
سبب سقوط الشام بأيدي الحلفاء:
عجب العارفون لسرعة سقوط الشام في أيدي الجيش البريطاني، وكيف كان تقدم الجيش المهاجم على مقدار سير خيول الفرسان، ولا عجب فالجيش مهما بلغ عدده إذا كسرت معنوياته ورأى الأفراد قادتهم يفرون ويختبئون ويرتعدون يدب فيه الفشل، ولم يكن الجيش التركي في الشام والحجاز أكثر من مائة وعشرين ألفاً، بقي في المدة الأخيرة منه مع ليمان ساندرس الألماني خمسون ألف جندي على حين كان يلزمه مائتا ألف، وجميع مدافع الترك على اختلاف العيارات لم تتجاوز الثلاثمائة، ومعظم ما يستندون عليه المدافع النمساوية ثم البطاريات الألمانية، أما الأعتاد الحربية والقنابل منها بوجه خاص فكانت قليلة جداً عند العثمانيين، لا يبيحون استعمالها إلا عند الضرورة الماسة، على حين كان البريطانيون يسرفون لا يبالون في إطلاق القنابر. وقد ألقى ليمان ساندرس التبعة على جمال باشا الكبير فقال في تقرير له إلى وكيل القائد العام: إن كل ما في سورية من إنسان وجماد وحيوان قد تسمم من سوء إدارة جمال باشا وإن الثبات فيها لا يمكن أبداً.
وفي الحق أن سوء الإدارة قضى بأن يجوع الجند المحارب ولدى الدولة أنابير الأطعمة الكثيرة لم ينتفع بها. وما كان يظن أن الجند التركي، وبه يضرب
стр. 732
المثل بالطاعة والشجاعة، أن يبدأ بالهرب، منذ بدت أمارات الفشل والبؤس، كانوا يهربون زرافات في الجبال إلى آسيا الصغرى وهم لا يعرفون الطريق وأهل القرى يطعمونهم ويلبسونهم ويهدونهم السبل. على أن الثبات أمام الجيش البريطاني لم يعد فيه أدنى فائدة ما دام حلفاؤهم البلغار قد طلبوا الصلح، وأمارات الانهزام بدت بجميع أعراضها في الساحة الغربية في أوربا.
وقصارى القول أن هذه الحرب كانت على الشام من أشأم الحروب لأنها حاربت وهي تحب السلم، فكان حربها تبعاً للدولة، وفقدت أبناءها وأموالها وخرب عمرانها. فقد منها نحو عشر سكانها في المعارك والجوع والأمراض أي نحو ثلاثمائة ألف رجل على أقل تعديل وخسرت من حيوانها وشجرها وذخائرها وبيوتها وجسورها ما يساوي الملايين من الدنانير، ويصعب تعويضه إلا في السنين الطويلة، هذا ما عدا من قتل من السوريين في الحرب مع الحلفاء فقد تطوع من الشاميين من غير المسلمين مع الحلفاء أكثر من عشرين ألفاً منهم خمسة عشر ألفاً كانوا في الجيش الأميركاني.
قبض الاتحاديون على زمام السلطنة العثمانية من سنة ١٣٢٦ ١٩٠٨ إلى سنة ١٣٣٦ ١٩١٨ ولم تتخللها إلا أشهر معدودة خرج الحكم فيها عن يدهم إلى الأحزاب الأخرى، وكان من عملهم الأول إعطاء الحرية لأمة لم تشترك في طلبها بل تولدت من فكرة بعض الأحرار والضباط، ثم قضوا على تلك السلطنة العظيمة، وجنوا جنوناً عظيماً بسياسة تتريك العناصر، حتى خرجوا عن طور العقل، ولم يحبوا أن يسمعوا بالعرب والعربية وحقوق العرب، فضلاً عن مراعاتهم وهم نصف سكان المملكة، وفي أرضهم أشرف معاهدها التي كان
سلاطين العثمانيين يبسطون بواسطتها نفوذهم المعنوي على العالم الإسلامي. قامر أنور وطلعت وجمال بالمملكة العثمانية كأنها سلعة في السوق فخسروا رأس المال، وكانوا يعللون آمالهم أن يضيفوا إليه أضعافاً مضاعفة، وبشقوطهم دب الفشل في الدولة العثمانية نفسها، وكيف لا يدب وقد خرجت رازحة بديونها فلقدة أكثر من نصف مملكتها.
стр. 733
رأي مؤرخ تركي في انقراض الدولة العثمانية:
نسب أحد مؤرخي الترك المعاصرين أسباب انقراض العثمانيين إلى عوامل كثيرة أهمها في نظره.
١ً انقطاع البطولة من المسلمين وقيام الأتراك سداً أمام النصرانية وبذلك جلبوا عليهم خصومة أوربا النصرانية جمعاء، فكانت مطارق النصارى تتساقط على رؤوس الأتراك قروناً.
٢ً التغافل عن الوطنية التركية ولم تجعل التركية أساساً لسياسة الدولة، فصانوا أديان من وجودهم من القوميات وأبقوا على ألسنتهم، بل أيدوها وناصروها، فمنح محمد الفاتح مثلاً الروم امتيازات مذهبية، فحدث بذلك دولة في دولة، وارتكب خطأ فاحشاً، وعوضاً عن أن يجعلوا المملكة متجانسة صيروها كبرج بابل، وما قاسته التركية بل هذه الدولة في هذه السبيل مما لا يستطاع تسطيره، فإن السلجوقين حافظوا على جميع ما وجدوه في الأناضول من الأديان والقوميات الغريبة، وجرى العثمانيون على مثالهم فَرَعَوْا ما وجد بأعيانه، وما عرفوا ما هو التمثل، وكانت هذه العناصر كلما وجدت فرصة تستل من بناء الدولة حجراً وتذهب به، وبصنعهم صارت الحال إلى ما صارت إليه، وقد اشتهرت ممانعة شيخ الإسلام زنبللي علي أفندي لياوزخان السلطان سليم لما أراد أن يُسْلِم الروم، قاومه باسم الدين، فبقيت هذه العناصر بحالها لفقدان الدعوة إلى القومية التركية
ومكان الشريعة. وهذه العناصر فتحت للأجانب سبيل التدخل في شؤون الدولة الداخلية فكانوا السبب في انقراضها، ولم يهدأ لهم بال في هذا الشأن، واجتهدوا في الوصول إليه، ومن أسباب هذه الذهنية المشؤومة الرأي الأخرق القائل بلزوم الإبقاء على صنف من الرعايا يؤدون الخراج للدولة. وهذا من أساليب العرب وأصولهم
٣ً تدخل الدين في مصالح الحكومة، وعدم قيام بناء الدولة على ما يجب
٤ً جهل الملوك واستبدادهم وسفاهتهم
٥ً ربيتهم أبناء الصرب والروس والاولاح والأرمن والعرب والأرناؤد والكرج والجركس وغيرهم من العناصر، ثم تسليمهم أمور الدولة إليهم بدلاً من أن يأخذوا
стр. 734
بأيدي أبناء الترك، وهؤلاء وإن لم يكونوا أتراكاً كانوا يبذلون الجهد للقضاء على التركية وإسدال الحجاب عليها، وكان الملوك يعتصمون بالإسلام فأورثوا بذلك التعصب قوة
٦ً كانت الكنيسة الروسية الأرثوذكسية عاملة على الانتقام لمملكة بيزنطية فبشعور روسيا بهاذ الانتقام، وحرصها على جعل الأتراك روساً في لغتهم ومناحيهم، كانت تحارب تركيا أبداً وهذا من جملة أسباب الانقراض.
إلى أن قال: إن الحكومة العثمانية تذرعت بالمعنويات ولم تلتفت إلى الماديات، وهذا من أعظم خطيئات الترك العثمانيين، وكان عليهم أن يجمعوا الأتراك بأسرهم تحت علم واحد، وبدلاً من أن يجعل العثمانيون حرثهم نسقاً واحداً هبوا كالأسود الظمأى إلى أواسط إفريقية يلتمسون السراب عبثاً، ومن طرف آخر انصرفوا إلى أوربا كالطيور التي جعلت قلوبها كالسباع، فنطحوا برؤوسهم بلا موجب قلاع فينا ثم وقفوا ورؤوسهم دامية. ومن أعظم دواعي الأسف أنهم فتحوا سبيل الرواج للسانين العربي والفارسي، فداس هذان العنصران لسانهم الخاص أي التركية،
وعبث بالأمة الفقر والجهل إلخ. ونحن نقول إن السبب الأعظم تغافل الدولة عن تقليد الغرب في الماديات والمعنويات فظهر على توالي القرون الفرق بين الخامل والعامل، وكان تركيب الدولة من عناصر مختلفة، ومعظمه كان في بدء أمرها من غير المسلمين، من جملة الدواعي في عدم تركيبها مزجياً، خصوصاً ومعظم تلك العناصر أرقى من الترك الأصليين عنصراً وأعظم تاريخاً، ولا عيش للمتوسط مع الذكي، وإذا أخضعه لسلطانه بالقوة فإلى حين.
стр. 735
العهد الحديث
من سنة ١٣٣٦ ١٣٤٣
تجزئة الشام بين فرنسا وإنكلترا:
كانت نتيجة الحرب تجزئة الشام بين فرنسا وبريطانيا، فاستقلت هذه بفلسطين وما إليها، واستأثرت فرنسا بالساحل من صور إلى ما وراء الإسكندرونة، وبقيت الداخلية أي الكرك والصلت ومعان وعمان وحوران ودمشق وبعلبك وحمص وحماة وحلب مستقلة بإدارة الأمير فيصل، والموحون إليه البريطانيون. أما القيادة العامة فكانت بأيدي البريطانيين ودهيت الشام بلاد العدو المحتلة عملاً باتفاق سايكس بيكو الذي عقد يوم ٩ أيار ١٩١٦ قاضياً بتقسيم الأقاليم العثمانية غير التركية إلى مناطق نفوذ ومناطق سيادة، وإنشاء دولة أو دول عربية متحدة في الأصقاع العربية، وبموجبه تتناول الدول العربية داخلية سورية وقسماً من العراق. أما دولة سورية العربية فجعل فيها لفرنسا وحدها حق تقديم المستشارين والموظفين الأجانب، وذلك إجابة لرغبة الدولة السورية نفسها، أو دول الاتحاد العربي، وقد خُوّلت بريطانيا العظمى هذا الحق نفسه في دولة العراق، ويقضي هذا الاتفاق بان تنشئ فرنسا في ساحل سورية وفي قلقية، وبريطانيا في جنوب العراق وفي جملتها بغداد، وفي مواني حيفا وعكا، نظام الحكم الذي تريدانه، ونوع الإدارة الذي تستحسنانه، وأن تنشأ في فلسطين حكومة دولية.
وسار الحال على ذلك مدة إلى أن تم الاتفاق ١٥ أيلول ١٩١٩ بين
стр. 736
الحكومتين الفرنسية والإنكليزية على ان تخرج بريطانيا عساكرها من الشام، بشرط أن لا تدخل العساكر الفرنسية إلى المدن الأربع منها أي دمشق وحلب وحمص وحماة، لأن بريطانيا قطعت للعرب عهداً أن تؤلف لهم حكومة عربية، وهكذا كان فغن الجيش البريطاني تراجع إلى شرقي الأردن وفلسطين. وعينت بريطانيا على
فلسطين السير هربرت صموئيل وهو إسرائيلي إنكليزي مفوضاً سامياً، وعينت فرنسا الجنرال غورو مفوضاً سامياً على سورية ولبنان، ويعمل هذا القائد مستقلاً باسم دولته، وكان من قبله من الفرنسيين يعملون حتى في لبنان بقيادة اللورد اللنبي القائد البريطاني العام.
وجاء في هذا الاتفاق أن بريطانيا وفرنسا تضمنان لسكان ما بين جبال طوروس والخليج العجمي، استقلالاً واسعاً يأمنون معه على حريتهم، ويتمكنون من تجديد حضارتهم، وكانت كل من بريطانيا وفرنسا نشرت بلاغاً قالتا فيه: إن السبب الذي من أجله حاربت فرنسا وانكلترا في الشرق تلك الحرب التي هاجتها مطامع الألمان، إنما هو لتحرير الشعوب التي رزحت قروناً طوالاً تحت مظالم الترك - تحريراً تاماً نهائياً وإقامة حكومات وإدارات وطنية تستمد سلطتها من اختيار الأهالي الوطنيين لها اختياراً حرًّا. ولقد أجمعت فرنسا وبريطانيا على أن تؤكد ذلك بأن تعاونا على إقامة هذه الحكومات والإدارات الوطنية في الشام والعراق - وهما المنطقتان اللتان أتم الحلفاء تحريرهما وفي الأراضي التي ما زالوا يجاهدون في تحريرها، وأن تساعدا هذه الهيئات وتعترفا بها عندما تؤسس فعلاً، وليس من غرض فرنسا وبريطانيا أن تنزلا أهالي هذه المناطق على الحكم الذي تريدانه، ولكن همهما الوحيد أن يتحقق بمعونتهما ومساعدتهما المفيدة عمل هذه الحكومات والإدارات التي يختارها الأهلون من أنفسهم، وأن تضمنا لهم عدلاً منزهاً يساوي بين الجميع، وتسهلا عليهم ترقية الأمور الاقتصادية، وذلك بإحياء مواهب الأهالي الوطنيين وتشجيعهم على نشر العلم، ووضع حد للخلاف القديم الذي قضت به السياسة التركية، تبك هي الأغراض التي ترمي إليها الحكومتان المتحالفتان في هذه الأقطار المحررة اه.
стр. 737
فتنة الأرمن واعتداؤهم على العرب:
كانت الدولة العثمانية في السنة الأولى للحرب أجلت من الأناضول إلى الشام عشرات الألوف من الأرمن، وأعملت فيهم السيف وقتلت مئات الألوف صبراً بطرق مختلفة، لأن بعض أبناء جنسهم قطعوا خط الرجعة على الجيش العثماني أثناء حربه في جبهة روسيا، فصدر أمر الحكومة العثمانية أن يقتل الأرمن قتلاً عاماً، ويقال: إنه هلك فيه نحو مليون نسمة منهم ومن لم تستطع الدولة قتلهم بعثت بهم إلى ديار العرب، رجاء أن تجد سبيلاً آخر لقتلهم، ويقال أن الألوف التي جلتها إلى الشام كانت توعز من طرف خفي بقتلها، ولكن العرب أظهروا من الشمم والكرم ونصرة الضعيف ما فطرت عليه أخلاقهم فلم يمسّ الأرمن بأذى حتى في أقصى الشرق والجنوب من الشام حيث تكثر الجهالة والهمجية.
ولما دخلت جيوش الحلفاء الشام كان في جملة كتائب فرنسا متطوعة من الأرمن، فوقع في نفوس بعضهم أن ينتقموا من العرب عما جنته أيدي الأتراك على أبناء مذهبهم فقابلوا إحسان العرب إليهم بالإساءة، وبدءوا ببيروت فأطلقوا بنادقهم على بعض البيروتيين علناً وقتلوا بعض الوطنيين، ثم أخذوا حيث ينزلون، يبدون من أمارات الغضب ما يتناول الأبرياء مباشرة، وقد تمردت هذه الكتائب حتى على الحكومة التي قبلتها متطوعة في صفوفها مثل الكتيبة التي تمردت في الإسكندرونة ١٩١٩ حتى اضطرت القيادة الفرنسية أن تنقلها إلى أذنة، ولم تقف معاملة الأرمن للعرب بالسوء عند هذا الحد بل تكونت منها أسباب لفتنة أهلية في حلب انتهت بقتل وجرح وأحكام بالقتل وإهانة الأعيان. وقد سألنا صديقنا السيد أمين غريّب وكان في الشهباء قريباً من هذه الوقعة فتفضل وكتب إلينا ما نثبته بنصه، وقوله ثقة في هذا الباب قال:
كان الجيش الإنكليزي محتلاً مدينة حلب وقد وقفت طلائعه في مسلمية وما حولها بسبب الهدنة بين الحلفاء من جهة والدول الوسطى من جهة ثانية. وكانت تركيا
بحسب الشروط قد أخذت تسرح جيشها، فيعود الجنود العرب إلى الشام بطريق أذنة ويمرون بالجنود الأرمن الذين عسكروا في أذنة ونواحيها، وكان هؤلاء الجنود قادمين مع الحلفاء وأُرجح أن قيادة أمورهم كانت في
стр. 738
أيدي الفرنسيين فكان كل عربي يمر بالأرمن لابساً ثياب الجيش التركي المنحل يهيج منظره العسكري عاطفة النقمة في قلوب الأرمن إذ يتذكرون فظائع الأتراك بهم وبأهلهم. ولا يعذرونه بأنه عربي، جاهلين الفرق بين هذا وبين التركي فيعاملونه بخشونة. وكنا في حلب نستقبل كل يوم عشرات ومئات من أولئك العرب مسرّحين وهم مهشمو الوجوه مجروحون مضروبون بأيدي الأرمن فكان هؤلاء الجنود ينتشرون في حلب وينشرون بين أهلها أخبار تعدي الأرمن عليهم انتقاماً منهم لما فعل الأتراك بهم، وكان كثير من هؤلاء الجند من الحلبيين المسلمين، هذه أول مقدمة لحادثة حلب.
السبب الثاني كان الإنكليز عند دخولهم حلب قد أخذوا الأرمن اللاجئين إليها ووضعوهم في أماكن مخصوصة عُنوا فيها بإعاشتهم وترتيب أمورهم وتحسين حالتهم، فرأى الأرمن من الإنكليز حماة يدفعون عنهم ذلك الشر المستطير والضيم العظيم، فصاروا كمن انتقل فجأة من الظلمة الحالكة إلى نور كهرباء ساطعة، وتحولوا حالاً إلى جواسيس متطوعين للإنكليز ينقلون إليهم الأخبار المتنوعة، وجرأهم هذا الانقلاب في حالتهم من تعاسة وشقاء إلى حرية وإكرام فنشأت فيهم غطرسة غير معهودة لدى الحلبيين فقابلها هؤلاء بالاشمئزاز الطبيعي فازدادت نارها اضطراماً، وصارت الخشونة في الحديث على رأس كل لسان أرمني تقريباً، فتكاثرت الحوادث البسيطة في جميع أنحاء الشهباء.
السبب الثالث الجنيه المصري، فإن الإنكليز طرحوه في حلب عند قدومهم وقد تناقصت في ذلك الحين قيمته الحقيقية عن قيمته الرسمية، وكان الأرمن يتناولون
الجنيه من دوائر الإعاشة الإنكليزية ويذهبون لصرفه عند الفوّالين وباعة الحمّص مثلاً، فكان الأرمني يأكل صحن فول بغرشين ثم يبرز للفوال ورقة بليرة ويطلب منه حسم الغرشين وإعطاءه الباقي من المال الحجر، وكانت قيمة الورقة ستين غرشاً، فكان المسكين يضطر إما إلى خسارة كل موجودات محله وهي لا تزيد عن أربعين غرشاً وإما إلى مواجهة شرطي كان غالباً يعطف على خصمه الأرمني تنفيذاً للقانون، وتعددت هذه الحوادث وتنوعت حتى امتلأت منها القلوب وغلت من حرارتها الخواطر.
стр. 739
جاء يوم الجمعة في ٢٨ شباط ١٩١٩ وهو يوم الشوق التجارية هناك، فكان مسلم يبيع حماراً وقد ساومه عليه أرمني فاختلفا وتصايحا وتشاتما ثم تلاكما فكانت هذه الشرارة التي شعلت النار في الهشيم. وفي سوق الجمعة وما حولها من الأماكن التي يكثر الأرمن فيها حصل التعدي عليهم وفي أقل من ساعة بلغ عدد القتلى ٥٢ والجرحى مئة، قتلوا كلهم وجرحوا بالمدى والخناجر وسواطير اللحم لا بالرصاص. وقد اجتهد الأرمن يومئذ اجتهاداً عظيماً كي يشركوا الحكومة العربية في الجناية عليهم بسبب وجود بعض الجنود والشرطة الأهلية في أماكن التعدي لأنهم لم يصادفوا منهم عوناً. أما عدد قتلى المسلمين الحلبيين فلم يرد ذكره أمامي لكنه بحسب ما سمعت لا يتجاوز العشرة.
وقد أُقيمت ٩٢ دعوى على المتهمين بهذه الحوادث، وآخر ما بلغني أن قد حكم على نحو ثلاثين بالقتل فقتلوا في أوقات مختلفة وصدر الحكم على كثيرين بالسجن. أما الثلاثون عيناً من أعيان حلب فقد قبض عليهم الإنكليز يومئذ بتهمة تحريض الأهالي على ذبح الأرمن، لكن هذه التهمة لم تثبت أمام التمحيص الذي أجرته لجنة من المحققين كنت عضواً فيها. ولهذا لم تقع عليهم محاكمة بتاتاً، لكنهم جُعلوا قيد التوقيف مدة ريثما سكنت الحال، وأذكر أن القائد الإنكليزي لما
أراد أن يسرحهم ألقى عليهم كلاماً ملخصه: إنكم زعماء والزعيم لا يُعذَر على جهله ما يدور بين جماعته. إننا لم نجد عليكم ما يوجب عقاباً قانونياً. لكننا لا نبرئكم من التبعة في وجود أسلحة مع بعض أُناس منتمين إلى زعامتكم، فعليكم كلما علمتم بعد الآن أن تعلمونا بمن يحمل من الأهالي سلاحاً على شخصه أو في بيته، وإلا فنحن نتوخى لكم التحقير حتى لا يبقى في أذهان الناس أثر لاعتقاد الزعامة فيكم وهلم جرًّا.
أعمال الحكومة العربية وحكومة الصهيونيين:
لما جلت الجيوش البريطانية عن المدن الأربع دمشق وحلب وحماة وحمص أخذت الحكومة العربية بإمارة الأمير فيصل بن الحسين تعدّ لها جيشاً من الأهلين، وكانت بريطانيا تؤدي كل شهر لحكومة المدن الأربع مائة وخمسين ألف جنيه
стр. 740
مصري، لتستعين بها على تنظيم شؤونها، وكان يصرف من هذا المبلغ جزء مهم على بث الدعوة وتنظيم العصابات، فأخذت بريطانيا تفكر في قطعها، ولكن الحكومة الوطنية زادت في معدل الجباية والرسوم حتى تسد العجز يوم انقطاع الإعانة الكبرى، ودخل في السياسة الوطنية شبان متحمسون، وأكثرهم من غير أبناء هذه المنطقة الشرقية منطقة المدن الأربع، وأصبحت لهم منزلة عند الأمير يبرمون وينقضون، فأبعدوا عنه كثيراً من رجال الحل والعقد، وأصبح الأمير يعمل هو والشبان، والمستند في ذلك على طائفة من أرباب الفتوة والعوام، وكثرت الأحزاب السياسية في دمشق حتى زادت على ثمانية، وكلها بالطبع تريد استقلال الشام، ومنها ما يدعو إلى استقلال جميع العرب، وكثرت المنازع واشتد التنازع بين أبناء الوطن، وكلهم يريد له الخير ولا يهتدي إلى طريق الصواب. لأن عمال بريطانيا وفرنسا أخذوا يعملون في الشام، وكل منهم يريد الاحتفاظ بحقوق دولته وثبات الأرجحية لها وتوطيد أقدامها.
وقد تأفف الناس من السياسة التي جرى عليها الأمير فيصل في الاعتماد على الغرباء عن منطقة المدن الأربع ونزع ثقته من الأعيان والمفكرين من دون سبب، فأخذوا ينصحون له سراً بالعدول عن هذه الخطة، وأوفد أعيان الدمشقيين ومفكروهم وفداً يبين له ما يجب السير عليه حرصاً على المصلحة فلم يلتفت إلى كلامهم. وقال في بعض مجالسه: إن أولئك الغرباء الذين يعتمد عليهم قد خدموه أكثر من الدمشقيين وأن هؤلاء لا مأرب لهم إلا المال. على لأن الأيام أثبتت عكس ما قال ولكن السياسة تسود الأبيض وتبيض الأسود. وكانت المنطقة الساحلية أي التي دعيت باسم المنطقة الغربية، قد أقامت لها حاكماً فرنسياً على لبنان لأول عقد الهدنة، وأخذت فرنسا تحتل السواحل وما إليها إلى قلقية، ولم تمض على ذلك مدة حتى بدأت العصابات التركية تسيء إلى الجيش الفرنسي في قلقية وشمالي الشام فقتل من الفريقين مئات. وكانت فلسطين منذ رحل الترك عنها في قبضة الجيش البريطاني فلما مضت السنة الأولى للهدنة أصبحت بريطانيا تفي للإسرائيليين الصهيونيين بما وعدهم به وزيرها بلفور مدة الحرب، إذا عاونوا بريطانيا بأموالهم بأن تجعل لهم من فلسطين وطناً قومياً. فجعلت اللغة العبرية لغة رسمية في فلسطين بمثابة العربية والإنكليزية
следующие страницы →