Полный текст (1 453 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
الحكومتين الفرنسية والإنكليزية على ان تخرج بريطانيا عساكرها من الشام، بشرط أن لا تدخل العساكر الفرنسية إلى المدن الأربع منها أي دمشق وحلب وحمص وحماة، لأن بريطانيا قطعت للعرب عهداً أن تؤلف لهم حكومة عربية، وهكذا كان فغن الجيش البريطاني تراجع إلى شرقي الأردن وفلسطين. وعينت بريطانيا على
فلسطين السير هربرت صموئيل وهو إسرائيلي إنكليزي مفوضاً سامياً، وعينت فرنسا الجنرال غورو مفوضاً سامياً على سورية ولبنان، ويعمل هذا القائد مستقلاً باسم دولته، وكان من قبله من الفرنسيين يعملون حتى في لبنان بقيادة اللورد اللنبي القائد البريطاني العام.
وجاء في هذا الاتفاق أن بريطانيا وفرنسا تضمنان لسكان ما بين جبال طوروس والخليج العجمي، استقلالاً واسعاً يأمنون معه على حريتهم، ويتمكنون من تجديد حضارتهم، وكانت كل من بريطانيا وفرنسا نشرت بلاغاً قالتا فيه: إن السبب الذي من أجله حاربت فرنسا وانكلترا في الشرق تلك الحرب التي هاجتها مطامع الألمان، إنما هو لتحرير الشعوب التي رزحت قروناً طوالاً تحت مظالم الترك - تحريراً تاماً نهائياً وإقامة حكومات وإدارات وطنية تستمد سلطتها من اختيار الأهالي الوطنيين لها اختياراً حرًّا. ولقد أجمعت فرنسا وبريطانيا على أن تؤكد ذلك بأن تعاونا على إقامة هذه الحكومات والإدارات الوطنية في الشام والعراق - وهما المنطقتان اللتان أتم الحلفاء تحريرهما وفي الأراضي التي ما زالوا يجاهدون في تحريرها، وأن تساعدا هذه الهيئات وتعترفا بها عندما تؤسس فعلاً، وليس من غرض فرنسا وبريطانيا أن تنزلا أهالي هذه المناطق على الحكم الذي تريدانه، ولكن همهما الوحيد أن يتحقق بمعونتهما ومساعدتهما المفيدة عمل هذه الحكومات والإدارات التي يختارها الأهلون من أنفسهم، وأن تضمنا لهم عدلاً منزهاً يساوي بين الجميع، وتسهلا عليهم ترقية الأمور الاقتصادية، وذلك بإحياء مواهب الأهالي الوطنيين وتشجيعهم على نشر العلم، ووضع حد للخلاف القديم الذي قضت به السياسة التركية، تبك هي الأغراض التي ترمي إليها الحكومتان المتحالفتان في هذه الأقطار المحررة اه.
стр. 737
فتنة الأرمن واعتداؤهم على العرب:
كانت الدولة العثمانية في السنة الأولى للحرب أجلت من الأناضول إلى الشام عشرات الألوف من الأرمن، وأعملت فيهم السيف وقتلت مئات الألوف صبراً بطرق مختلفة، لأن بعض أبناء جنسهم قطعوا خط الرجعة على الجيش العثماني أثناء حربه في جبهة روسيا، فصدر أمر الحكومة العثمانية أن يقتل الأرمن قتلاً عاماً، ويقال: إنه هلك فيه نحو مليون نسمة منهم ومن لم تستطع الدولة قتلهم بعثت بهم إلى ديار العرب، رجاء أن تجد سبيلاً آخر لقتلهم، ويقال أن الألوف التي جلتها إلى الشام كانت توعز من طرف خفي بقتلها، ولكن العرب أظهروا من الشمم والكرم ونصرة الضعيف ما فطرت عليه أخلاقهم فلم يمسّ الأرمن بأذى حتى في أقصى الشرق والجنوب من الشام حيث تكثر الجهالة والهمجية.
ولما دخلت جيوش الحلفاء الشام كان في جملة كتائب فرنسا متطوعة من الأرمن، فوقع في نفوس بعضهم أن ينتقموا من العرب عما جنته أيدي الأتراك على أبناء مذهبهم فقابلوا إحسان العرب إليهم بالإساءة، وبدءوا ببيروت فأطلقوا بنادقهم على بعض البيروتيين علناً وقتلوا بعض الوطنيين، ثم أخذوا حيث ينزلون، يبدون من أمارات الغضب ما يتناول الأبرياء مباشرة، وقد تمردت هذه الكتائب حتى على الحكومة التي قبلتها متطوعة في صفوفها مثل الكتيبة التي تمردت في الإسكندرونة ١٩١٩ حتى اضطرت القيادة الفرنسية أن تنقلها إلى أذنة، ولم تقف معاملة الأرمن للعرب بالسوء عند هذا الحد بل تكونت منها أسباب لفتنة أهلية في حلب انتهت بقتل وجرح وأحكام بالقتل وإهانة الأعيان. وقد سألنا صديقنا السيد أمين غريّب وكان في الشهباء قريباً من هذه الوقعة فتفضل وكتب إلينا ما نثبته بنصه، وقوله ثقة في هذا الباب قال:
كان الجيش الإنكليزي محتلاً مدينة حلب وقد وقفت طلائعه في مسلمية وما حولها بسبب الهدنة بين الحلفاء من جهة والدول الوسطى من جهة ثانية. وكانت تركيا
بحسب الشروط قد أخذت تسرح جيشها، فيعود الجنود العرب إلى الشام بطريق أذنة ويمرون بالجنود الأرمن الذين عسكروا في أذنة ونواحيها، وكان هؤلاء الجنود قادمين مع الحلفاء وأُرجح أن قيادة أمورهم كانت في
стр. 738
أيدي الفرنسيين فكان كل عربي يمر بالأرمن لابساً ثياب الجيش التركي المنحل يهيج منظره العسكري عاطفة النقمة في قلوب الأرمن إذ يتذكرون فظائع الأتراك بهم وبأهلهم. ولا يعذرونه بأنه عربي، جاهلين الفرق بين هذا وبين التركي فيعاملونه بخشونة. وكنا في حلب نستقبل كل يوم عشرات ومئات من أولئك العرب مسرّحين وهم مهشمو الوجوه مجروحون مضروبون بأيدي الأرمن فكان هؤلاء الجنود ينتشرون في حلب وينشرون بين أهلها أخبار تعدي الأرمن عليهم انتقاماً منهم لما فعل الأتراك بهم، وكان كثير من هؤلاء الجند من الحلبيين المسلمين، هذه أول مقدمة لحادثة حلب.
السبب الثاني كان الإنكليز عند دخولهم حلب قد أخذوا الأرمن اللاجئين إليها ووضعوهم في أماكن مخصوصة عُنوا فيها بإعاشتهم وترتيب أمورهم وتحسين حالتهم، فرأى الأرمن من الإنكليز حماة يدفعون عنهم ذلك الشر المستطير والضيم العظيم، فصاروا كمن انتقل فجأة من الظلمة الحالكة إلى نور كهرباء ساطعة، وتحولوا حالاً إلى جواسيس متطوعين للإنكليز ينقلون إليهم الأخبار المتنوعة، وجرأهم هذا الانقلاب في حالتهم من تعاسة وشقاء إلى حرية وإكرام فنشأت فيهم غطرسة غير معهودة لدى الحلبيين فقابلها هؤلاء بالاشمئزاز الطبيعي فازدادت نارها اضطراماً، وصارت الخشونة في الحديث على رأس كل لسان أرمني تقريباً، فتكاثرت الحوادث البسيطة في جميع أنحاء الشهباء.
السبب الثالث الجنيه المصري، فإن الإنكليز طرحوه في حلب عند قدومهم وقد تناقصت في ذلك الحين قيمته الحقيقية عن قيمته الرسمية، وكان الأرمن يتناولون
الجنيه من دوائر الإعاشة الإنكليزية ويذهبون لصرفه عند الفوّالين وباعة الحمّص مثلاً، فكان الأرمني يأكل صحن فول بغرشين ثم يبرز للفوال ورقة بليرة ويطلب منه حسم الغرشين وإعطاءه الباقي من المال الحجر، وكانت قيمة الورقة ستين غرشاً، فكان المسكين يضطر إما إلى خسارة كل موجودات محله وهي لا تزيد عن أربعين غرشاً وإما إلى مواجهة شرطي كان غالباً يعطف على خصمه الأرمني تنفيذاً للقانون، وتعددت هذه الحوادث وتنوعت حتى امتلأت منها القلوب وغلت من حرارتها الخواطر.
стр. 739
جاء يوم الجمعة في ٢٨ شباط ١٩١٩ وهو يوم الشوق التجارية هناك، فكان مسلم يبيع حماراً وقد ساومه عليه أرمني فاختلفا وتصايحا وتشاتما ثم تلاكما فكانت هذه الشرارة التي شعلت النار في الهشيم. وفي سوق الجمعة وما حولها من الأماكن التي يكثر الأرمن فيها حصل التعدي عليهم وفي أقل من ساعة بلغ عدد القتلى ٥٢ والجرحى مئة، قتلوا كلهم وجرحوا بالمدى والخناجر وسواطير اللحم لا بالرصاص. وقد اجتهد الأرمن يومئذ اجتهاداً عظيماً كي يشركوا الحكومة العربية في الجناية عليهم بسبب وجود بعض الجنود والشرطة الأهلية في أماكن التعدي لأنهم لم يصادفوا منهم عوناً. أما عدد قتلى المسلمين الحلبيين فلم يرد ذكره أمامي لكنه بحسب ما سمعت لا يتجاوز العشرة.
وقد أُقيمت ٩٢ دعوى على المتهمين بهذه الحوادث، وآخر ما بلغني أن قد حكم على نحو ثلاثين بالقتل فقتلوا في أوقات مختلفة وصدر الحكم على كثيرين بالسجن. أما الثلاثون عيناً من أعيان حلب فقد قبض عليهم الإنكليز يومئذ بتهمة تحريض الأهالي على ذبح الأرمن، لكن هذه التهمة لم تثبت أمام التمحيص الذي أجرته لجنة من المحققين كنت عضواً فيها. ولهذا لم تقع عليهم محاكمة بتاتاً، لكنهم جُعلوا قيد التوقيف مدة ريثما سكنت الحال، وأذكر أن القائد الإنكليزي لما
أراد أن يسرحهم ألقى عليهم كلاماً ملخصه: إنكم زعماء والزعيم لا يُعذَر على جهله ما يدور بين جماعته. إننا لم نجد عليكم ما يوجب عقاباً قانونياً. لكننا لا نبرئكم من التبعة في وجود أسلحة مع بعض أُناس منتمين إلى زعامتكم، فعليكم كلما علمتم بعد الآن أن تعلمونا بمن يحمل من الأهالي سلاحاً على شخصه أو في بيته، وإلا فنحن نتوخى لكم التحقير حتى لا يبقى في أذهان الناس أثر لاعتقاد الزعامة فيكم وهلم جرًّا.
أعمال الحكومة العربية وحكومة الصهيونيين:
لما جلت الجيوش البريطانية عن المدن الأربع دمشق وحلب وحماة وحمص أخذت الحكومة العربية بإمارة الأمير فيصل بن الحسين تعدّ لها جيشاً من الأهلين، وكانت بريطانيا تؤدي كل شهر لحكومة المدن الأربع مائة وخمسين ألف جنيه
стр. 740
مصري، لتستعين بها على تنظيم شؤونها، وكان يصرف من هذا المبلغ جزء مهم على بث الدعوة وتنظيم العصابات، فأخذت بريطانيا تفكر في قطعها، ولكن الحكومة الوطنية زادت في معدل الجباية والرسوم حتى تسد العجز يوم انقطاع الإعانة الكبرى، ودخل في السياسة الوطنية شبان متحمسون، وأكثرهم من غير أبناء هذه المنطقة الشرقية منطقة المدن الأربع، وأصبحت لهم منزلة عند الأمير يبرمون وينقضون، فأبعدوا عنه كثيراً من رجال الحل والعقد، وأصبح الأمير يعمل هو والشبان، والمستند في ذلك على طائفة من أرباب الفتوة والعوام، وكثرت الأحزاب السياسية في دمشق حتى زادت على ثمانية، وكلها بالطبع تريد استقلال الشام، ومنها ما يدعو إلى استقلال جميع العرب، وكثرت المنازع واشتد التنازع بين أبناء الوطن، وكلهم يريد له الخير ولا يهتدي إلى طريق الصواب. لأن عمال بريطانيا وفرنسا أخذوا يعملون في الشام، وكل منهم يريد الاحتفاظ بحقوق دولته وثبات الأرجحية لها وتوطيد أقدامها.
وقد تأفف الناس من السياسة التي جرى عليها الأمير فيصل في الاعتماد على الغرباء عن منطقة المدن الأربع ونزع ثقته من الأعيان والمفكرين من دون سبب، فأخذوا ينصحون له سراً بالعدول عن هذه الخطة، وأوفد أعيان الدمشقيين ومفكروهم وفداً يبين له ما يجب السير عليه حرصاً على المصلحة فلم يلتفت إلى كلامهم. وقال في بعض مجالسه: إن أولئك الغرباء الذين يعتمد عليهم قد خدموه أكثر من الدمشقيين وأن هؤلاء لا مأرب لهم إلا المال. على لأن الأيام أثبتت عكس ما قال ولكن السياسة تسود الأبيض وتبيض الأسود. وكانت المنطقة الساحلية أي التي دعيت باسم المنطقة الغربية، قد أقامت لها حاكماً فرنسياً على لبنان لأول عقد الهدنة، وأخذت فرنسا تحتل السواحل وما إليها إلى قلقية، ولم تمض على ذلك مدة حتى بدأت العصابات التركية تسيء إلى الجيش الفرنسي في قلقية وشمالي الشام فقتل من الفريقين مئات. وكانت فلسطين منذ رحل الترك عنها في قبضة الجيش البريطاني فلما مضت السنة الأولى للهدنة أصبحت بريطانيا تفي للإسرائيليين الصهيونيين بما وعدهم به وزيرها بلفور مدة الحرب، إذا عاونوا بريطانيا بأموالهم بأن تجعل لهم من فلسطين وطناً قومياً. فجعلت اللغة العبرية لغة رسمية في فلسطين بمثابة العربية والإنكليزية
стр. 741
وأخذت الوظائف تنتقل من أيدي المسلمين والمسيحيين إلى أيدي الإسرائيليين، وخص الإسرائيليون بالرعاية على ما لم يكن لهم به عهد، فشق ذلك على أهل الوطن، واجتمع المسلمون والنصارى وألفوا جمعية تطالب بريطانيا بالعدول عن هذا الوعد البلفوري، وكثرت الوفود منهم إلى أوربا وإلى مصر مركز القيادة العامة للجيوش البريطانية، فشعرت بريطانيا بصعوبات حقيقية في إدارة فلسطين آب ١٩٢١ وحدثت فتنة في يافا والقدس وغيرها من المدن الفلسطينية وتوقفت الأعمال، والقوم لا عمل لهم إلا إرادة بريطانيا على الرجوع عن وعدها لليهود، وقد ملأ أبناء فلسطين من غير اليهود
وهم ثمانية أضعافهم العلم صياحاً وعويلاً ولم ينفس لهم كرب، ولم يدركوا لهم غاية. وهكذا كان من شبح الصهيونيين ما أخاف المسلمين والنصارى فاتحدوا اتحاداً صادقاً وجامعتهم في اتحادهم، وحدة المصلحة على طراز كان فيه شيء من الغرابة.
ولما تركت الحكومة العربية في دمشق وشأنها على أثر انسحاب الجيوش البريطانية إلى الخط الذي عينته معاهدة سايكس بيكو في فلسطين، رأى الأمير فيصل أن يذهب ١ أيلول إلى لندرا وباريز ليفهم ساستهما حقيقة أماني الأمة السورية ويعرف موقفه من معاهدة بريطانيا وفرنسا المنعقدة في ١ أيلول ١٩١٩ وخلاصتها تسليم قلقية والمنطقة الغربية من أرض العدو المحتلة أي ساحل سورية إلى الإدارة الفرنسية، فسحبت بموجبها الجيوش البريطانية إلى ما وراء الخط المفروض الذي عين الحدود بين المنطقتين المنوه عنه بمعاهدة سايكس بيكو، أما المنطقة الشرقية وأرض العدو المحتلة أي المنطقة العربية فتبقى الحكومة بدمشق قابضة على زمامها، وتقدم لها الدولة الفرنسية المساعدة الضرورية التي نصت عليها معاهدة سايكس بيكو.
ما استطاع رجال بريطانيا أن ينيلوا الأمير فيصلاً رغائبه، وأحالوه على فرنسا لأن الانتداب في الشام اصبح لها دون سواها، وفي فلسطين تم الانتداب لإنكلترا وكذلك العراق. فبذل الأمير جهده حتى يفهم رجال السياسة في بريطانيا وفرنسا ما هي المسألة السورية، وبعد الجهد العظيم لم ير إلا الاتفاق مع رئيس الوزارة الفرنسية المسيو كليمانسو وتعهد له أن يكون مع فرنسا ويرضى بانتدابها على الشام، واعترفت فرنسا لأهل الشام على اختلاف مذاهبهم بالاستقلال
стр. 742
وحكم أنفسهم بأنفسهم، وذلك في اللائحة التي تم توقيعها بين فرنسا والأمير فيصل يوم ١٦ كانون الأول ١٩١٩ واعترف الأمير بأن السوريين لا يستطيعون في الوقت
الحاضر، لاختلال النظام الاجتماعي الناشئ عن الاضطهاد التركي والخسائر المحدثة أثناء الحرب، أن يحققوا وحدتهم، وينظموا إدارة الأمة دون مشورة ومعاونة أمة مشاركة، وطلب باسم الشعب السوري هذه المهمة من فرنسا وقد جاء في المادة الخامسة من هذه اللائحة أن الأمير فيصلاً يتعهد بأن يسهل بالمشاركة مع فرنسا تنظيم دروز حوران بشكل استقلال إداري داخل الدولة تكون مجهزة بأوسع استقلال يلتئم مع وحدة الدولة، وجاء في المادة السابعة أنه يعترف بالعربية لغة رسمية في الإدارة والتدريس وتعلم اللغة الفرنسية كما تعلم لغة مساعدة وبصورة إجبارية ومختارة.
وتعهد الأمير بأن يقضي على العصابات التي كانت تعتدي على المنطقة الغربية التي يخفق عليها العلم الفرنسي، وعلق اعترافه بالانتداب الفرنسي جهاراً على إدماج لبنان في الشام، ثم عاد إلى الشام ٣ شعبان ١٣٣٧ - أيار ١٩١٩ فاستقبلته السلطتان الفرنسية والبريطانية استقبالاً رائعاً، وكان استقباله في دمشق فخماً للغاية فخطب في بيروت خطبة رضي عنها الفرنسيون، ولما جاء دمشق خطب خطبة تخالفها إجمالاً وترضي المنادين بالاستقلال التام الناجز، وبدأ التقلقل في سياسته والتناقض في أقواله، لأنه كان بين عاملين العامل الفرنسي والعامل الإنكليزي وهذا أشد وأقوى وإن لم يكن ظاهراً للعيان، ومن أشد العوامل في هذا حالة والده ملك الحجاز، ولأن إنكلترا إذا غضبت تنقطع عنه المعاونة المالية الشهرية، وبدونها يستحيل القيام بشيء من أعمال المقاومة والدعاية.
-
المؤتمر السوري ومبايعته فيصلاً ملكاً على الشام:
كانت الحكومة العربية بدمشق دعت مؤتمراً تألف من أكثر أبناء الشام ومنها فلسطين، لوضع القانون الأساسي وتعيين شكل الحكومة، فقرر إعلان ملكية الأمير
فيصل ١٦ جمادى الثانية ١٣٣٨ - ٧ آذار ١٩١٩ فبويع له بالملك على الأصول باسم فيصل الأول، وأعلن شقيقه الأمير عبد الله ملكاً
стр. 743
على العراق، بايع أهل الحل والعقد الملك الجديد فرحين مغتبطين ولم يحضر قنصل بريطانيا حفلة التنصيب وحضرها معتمد فرنسا فرحاً مسروراً، وكان محباً للعرب مجاهراً باستقلالهم، وتألفت وزارة قالت أولاً إنها لا تقبل بالانتداب الفرنسي الذي كان قرره على الشام مؤتمر سان ريمو في ١٦ نيسان ١٩٢٠ فدهش المفكرون لهذا التبدل في السياسة، وذهبت في ذلك الظنون كل مذهب، فمن قائل إن الأمير نودي به ملكاً بإيعاز إنكلترا لأنها ذكرت خدماته وخدمات والده واخوته لها في الحرب، فأرادت أن تكافئهم وتقوم بما وعدتهم به. ومن ذاهب إلى فرنسا رأت ذلك من مصلحتها، لأنها كانت عرضت على الأمير أن يقبل بالانتداب الفرنسي على الشام ما عدا فلسطين وهي تدخل له لبنان في سلك ملكه فلم يقبل. ثم تبين بعد أيام أن المسألة ليست منبعثة إلا عن آراء الأحزاب لأن من أساطينها من كذن يذهب منذ حين إلى أن أوربا إذا رأت الشاميين ينادون بالأمير فيصل ملكاً عليهم، لا تنازعهم في ذلك لأنهم أحرار في بلادهم. ويكون ساسة أوربا أمام أمر واقع لا يجرءون أن ينقضوا ما أُبرم!! وفي ١٨ آذار أي بعد البيعة بعشرة أيام أبلغت فرنسا وإنكلترا الأمير فيصلاً بأنهما لا تعترفان بصحة قرار المؤتمر السوري الذي بايعه ملكاً، ودعي إلى الحضور إلى أوربا لعرض قضيته أمام مجلس عال، فاعتذر بأن أعمال مملكته الجديدة لا تسمح له بمغادرة الشام، وأرسل من قبله رسولاً إلى لندرا وطلب إلى فرنسا وإنكلترا معاونتهما ليعترفا له بالاستقلال. وكان الأمير يرى من معتمد فرنسا لدى حكومته عطفاً ومعاونة، وكذلك من معتمد إيطاليا التي أرسلت إلى دمشق قنصلاً برتبة سفير صغير ليحسن تمثيل دولته أمام الدولة السورية الفتية. أما ملكية الملك فيصل فإن إنكلترا كانت على ما قيل تميل إلى الاعتراف بها ولكن
فرنسا عارضتها في ذلك.
العصابات بين الساحل والداخل:
نشطت العصابات في المنطقة الشرقية فأرسلت الدولة المحتلة في المنطقة الغربية كانون الثاني سنة ١٩٢٠ كتيبتين من الجند بدلالة بعض نصارى جديدة مرجعيون ودير ميماس والقليعة فضربوا قصر محمود الفاعور أمير عرب
стр. 744
الفضل في الخصاص من أرض الحولة فلما رأى عرب الفضل أنهم المقصودون بالذات حملوا على الجند حملة منكرة كانت فيها لهم الغلبة، وقتل كثير من الجند الفرنسي وقليل من العرب وعندئذ هجم نحو مائة وخمسين رجلاً من العرب وأرباب القرى المجاورة على جديدة مرجعيون فأحرقوا نحو أربعين داراً ونهبوا بعضها وقتلوا نحو عشرين رجلاً من أهلها. وادعى العرب أنه قتل من الجند نحو أربعمائة ولم يقتل منهم سوى سبعة أشخاص، وادعى الفرنسيون أن المهاجمين من العرب كانوا نحو أربعة آلاف معهم ٢٥ مدفعاً رشاشاً ومدفعان من مدافع الصحراء، وادعى العرب أنهم ما كانوا أكثر من ثلاثمائة ولا مدافع لهم ولا رشاشات ولم يكونوا ستة إلى واحد كما ادعى الفرنسيس.
وبعد خمسة أشهر ١٥ حزيران تكررت هذه الحوادث في عين ابل والقليعة والجديدة نفسها، وضربت الحكومة المنتدبة على أهل جبل عامل مائتي ألف ليرة ذهباً جزاء عن العصابات في جبلهم. وذكر الريحاني أن الجباة الماهرين جمعوا من هذا الجبل أربعمائة وخمسة وثمانين ألف ليرة دفعوا منها تعويضاً لأهل الجديدة خمسين ألف ليرة.
ووقعت وقائع كثيرة في بلاد بشارة وإنطاكية وتل كلخ، كانت العصابات العامل الأقوى فيها، وحاولت المنطقة الغربية إنشاء عصابات مثل عصابات المنطقة الشرقية لتدفع الشر بالشر، وأرصدت في بعض الروايات ثلاثمائة ألف ليرة ذهباً
لهذه الغاية ولكن عصابات المنطقة الشرقية كان عملها أعظم وأفظع واكتفت بها الحكومة المحتلة ولبثت ترتقب نتائج عملها وربما جسمت أمرها وهولت فيه أكثر من الحقيقة. ومما حدق وقائع النصيرية على الإسماعيلية في جبل الكلبية في قرى عقر زيتي وخربة الفرس وجمعه شبه وغيرها من قرى الإسماعيلية، وفي ناحيتي الخوابي والقدموس، وسكانهما إسماعيلية، فنهبت القدموس وخربت بعض بيوتها، وكانت المعركة دامية بين الطائفتين قدر بعضهم قتلاها بمائتين وزاد آخرون إلى أكثر من ذلك، فزحفت كتيبة من الجيش الفرنسي على قرية الدويلية فأحرقتها، وأحرقت قريتي كاف الجوع والسلورية ثم سارت إلى
стр. 745
المريقب مقر صالح العلي زعيم الثورة ومن المعتقدين عند النصيرية، وكان جمع القلوب حوله بدهائه، وعشائره تبلغ خمسة آلاف، ومعهم عشائر المتاورة، فتألفت كتلة من اثني عشر ألف مقاتل من أهالي جبال النصيرية وتعاهدت على قتال الجيش الفرنسي، فأحرق الجيش بيوت زعيم الثورة فهاجم هذا الحملة ودامت المعركة بينهما سبع ساعات، ثم تراجعت الحملة إلى القدموس ومنها إلى بانياس وطرطوس.
ومن الأحداث خلال هذه السنة ما وقع من اختلاف شباط ١٩١٩ بين مشايخ الإسماعيلية وجماعتهم من الفلاحين انقلب إلى فتنة، اضطر معها الأمراء أن يستنجدوا بمشايخ النصيرية ليعينوهم على أبناء مذهبهم فعاونوهم حتى انتصروا على جماعتهم، وأراد الفلاحون من الإسماعيلية بعد كسرتهم أن ينتقموا لأنفسهم فهاجموا قرى النصيرية القريبة من أرضهم، وارتكبوا أنواع القسوة وحرقوا الدور ونبشوا قبور الأولياء من شيعتهم فاضطرت السلطة كما قال الكولونيل نيجر إلى التدخل واشتعلت نيران الفتنة ولم تخمد إلا في تموز ١٩٢١. قال: وكادت هذه الفتنة تعم الجبل كله، لو لم يعلن استقلال جبال النصيرية، وذكر في تقرير له أن المفاوضات كثرت بين جبال النصيرية وأنقرة أي الحكومة التركية، وانقطعت بعد
عقد الصلح بين فرنسا وتركيا، وأن البنادق التي جمعتها السلطة من الجبل بلغت خمسة عشر ألفاً منها ما وزر حديث جداً ومنها إنكليزي، وكان الشيخ صالح زعيم العلويين يراسل أنقرة على الدوام. وفي تاريخ العلويين أن الثوار الأتراك اعتدوا على القرى الساحلية المتحايدة وأحرقوا ستين قرية وقتلوا بعض العلويين ودامت الفتنة ستة أشهر قتل فيها من أهل الجسر وصهيون أكثر مما قتل منهم في الحرب العمومية الكبرى.
ذكر الجنرال غورو في إحدى خطبه أنه اشترك مع عصابات مرجعيون زعيم وخمسة ملازمين ٣١٧ جندياً عربياً، وأعانتهم الحكومة العربية بأربع رشاشات ثقيلة وثلاث خفيفة، وخمسين صندوق ذخيرة، وأن مذابح عين ابل وفتنة العامليين كانت بتحريض من المنطقة الشرقية أي حكومة فيصل في دمشق، والغالب أن عمال الفرنسيين كانوا يبالغون في أخبار العصابات ويؤكد
стр. 746
الخبيرون أن العسكر العربي ما اشترك مع العصابات أصلاً ولا في وقعة من الوقائع.
على أن بريطانيا وهي الصديقة المحببة إلى حكومة فيصل لم تخل من اعتداء العصابات عليها، اعتدت على أطراف سمخ في المنطقة البريطانية، كما اعتدت على قطار في الشمال يحمل عسكرا بريطانياً. ومما جرى خلال تلك الفترة اتفاق بريطانيا وفرنسا اتفاقاً عسكرياً على أن تحتل الثانية بعلبك ورياق وحاصبيا وراشيا فزحفت الجنود الفرنسية لاحتلال هذه الأقضية وكانت من عمل الحكومة العربية الفيصلية، وبعد مناوشة في وادي جريبان دامت أربع ساعات بين الجيش العربي والجيش الفرنسي دخل هذا بعلبك، ثم سعى فيصل فأخرجهم من تلك المقاطعة ثانية.
ترامت أخبار العصابات إلى الغرب وتجسمت بالطبع على العادة في نقل الأخبار، وشكا العقلاء من أهل هذه الديار وخافوا عاقبة هذه السياسة، وأسفوا لتقاتل أبناء
الوطن ولتجدد نعرة الدين، ولم يكن قناصل الدول غافلين عما يتم، وكانوا ينقلون أخبار الوقائع في الجملة على وجه الصحة، وأخذت العلائق تتوتر بين الأمير فيصل وحكومة الانتداب في الساحل، وكانت فاتحة أعمال الجنرال غورو في الشام أن طلب إلى فيصل أن يعطيه البقاع لينقل على الخط الحديدي ما يحتاج إليه الجيش الفرنسي في جهات عينتاب فأبى الأمير إجابة الطلب.
الاستفتاء في الدولة المنتدبة:
زينت بريطانيا للحلفاء إرسال وفد يستفتي أهل سورية ولبنان، في الحكومة التي يختارونها للانتداب عليهما فجاء الشام حزيران ١٩١٩ وفد أميركي منتدب من الدول ليدرس حالة الشام ويعرف ما يرضيها من الحكومات، فبدأ عمله من الجنوب إلى الشمال، وجاء دمشق فاجتمع إلى العلماء والرؤساء والقادة، فكانت الكلمة في المدن الأربع مجمعة على طلب الاستقلال التام ورفض المعاونة
стр. 747
الفرنسية وطلب المساعدة الأميركية أو البريطانية فقط، وكذلك مدن الداخلية أما في الساحل فالموارنة والطوائف الباباوية طلبوا فرنسا. ويقول الريحاني: إن الأقلية اللبنانية فقط طلبت الانتداب الفرنسي ولم تشمل هذه الأقلية الطوائف المسيحية كلها. قال: ومما يدعو إلى الأسف أن قد كانت اللجنة الأميركية عاملاً آخر من عوامل الشقاق لأنها في طريقة الاستفتاء عززت من حيث لا تدري مبدأ العصبيات الدينية والطائفية.
وقد قالت هذه اللجنة الأميركية إنها زارت ٣٤ مقاطعة من مناطق العرب والإنكليز والفرنسيس، فلسطين وساحل سورية وداخلها فيها ٢٣٦٥٠٠٠ من المسلمين و ٥٨٥ و٥٠٠ من النصارى ١٤٠٠٠٠ من الدروز ١١٠٠٠٠ من اليهود ٤٥٠٠٠٠ من الطوائف الأخرى. وهو إحصاء تقريبي وأنه بلغ مجموع العرائض التي تلقتها اللجنة ٩١٠٧٩ عريضة وفي كل واحدة خمسون توقيعاً على
الأقل، وأن مطالب الأهالي تنحصر بطلب إنشاء مملكة ملكية ديمقراطية دستورية لا مركزية.
ولما جاءت اللجنة الأميركية إلى دمشق، أصدر المؤتمر السوري قراراً فحواه طلب الاستقلال التام لسورية، والاحتجاج على المادة الثانية والعشرين من قانون جمعية الأمم، ورفض المساعدة الفرنسية وطلب مساعدة الولايات المتحدة لمدة عشرين سنة، وإن لم تقبل هذه فبريطانيا العظمى بنفس هذه الشروط، وأن العزم معقود على تأسيس حكومة ملكية ديمقراطية يرأسها الأمير فيصل، وتقوم على أسس القومية وتحفظ حقوق الأقلية. وكانت الأكثرية المطلقة في الحكومة العربية بجانب أميركا في مسألة الانتداب، وفي الساحل كانت لفرنسا. ولما كانت أميركا لا تقبل بأن تنتدب على بلد لا شأن لها فيه فالانتداب يكون لبريطانيا، وهذا ما كان يريده فيصل لتكون الأصقاع العربية كلها ذات انتداب واحد، وتكون روحها واحداً وهي الروح البريطاني وخالفه فريق صغير فقال بأن في تعدد الانتدابات فرجاً للشام يقرب أيام استمتاعها بحريتها، ناجية من إشراف الدولة المنتدبة، وقد كانت ثقة الأمير بالإنكليز السكسونيين في القضية السورية عظيمة جداً. كتب إلى صاحب هذه الخطط من باريز يوم ٤ آذار ١٩١٩ كتاباً خاصاً جاء فيه: وإذا استثنينا بعض من يريد الاستعمار
стр. 748
فجميع أصوات العالم معنا فلا يشق عليكم ما يبلغكم من بعض الجهات فهي قراقع وضرب دفوف لا خوف منه هذا بشرط أن نكون موحدي الفكر والعمل. الأمة الأميركية والبريطانية معنا وسنصل إلى ما نحن نتمناه.
-
أفكار فيصل والعبث بالسياسة:
تجلت أفكار الأمير فيصل بمجيء اللجنة الأميركية كل التجلي، وكانت الدعوة أولاً
منذ يوم رفع العلم العربي على الأصقاع الداخلية أن الاستقلال تام للولايات العربية تتناول الوحدة الشام والعراق وسائر الأقطار العربية في الجزيرة، وما فتئت الدائرة تضيق حتى أخذوا يدعون إلى الشام بحدوده الطبيعية، ثم سكتوا عن فلسطين، لأن العلم البريطاني كان يخفق عليها منذ خروج الأتراك منها، ثم اكتفوا بالدعوة لاستقلال سورية، ثم تخلوا عن لبنان واكتفوا بالدعوة إلى استقلال المدن الأربع وهذه أيضاً لم تسلم لهم على ما يراد لها. وذكر الريحاني أنه كان لفيصل رأي في تقسيم العمالات إلى مقاطعات وفقاً لحالتها الطبيعية والعقلية والتهذيبية صرّح به خصوصاً للوفد اللبناني الذي جاء دمشق يهنئه بعودته من باريز، وليؤكد له أن فريقا كبيراً من اللبنانيين يتمنون الانضمام إلى سورية. وقد أخذت الحكومة العربية بعد أن نودي بالملك فيصل ملكاً على الشام تزيد في الضرائب وشرعت بالتجنيد كانون الأول ١٩١٩ وجُعل البدل النقدي عن الخدمة العسكرية ثلاثين ليرة عثمانية لستة أشهر حتى زادت وارداتها من ١٨٠٠٠٠٠ جنيه إلى ٢٣٠٠٠٠٠ وذلك لتستعين بهذا المال على مقاومة فرنسا، وقد دفع الناس الأموال تخلصاً من الخدمة العسكرية، وكان بقي معهم نقد كثير من الحرب العامة، ومنه ما صرفته الحكومتان البريطانية والعربية عقيب الاحتلال، وكيف يقاوم جيش جديد جيش حكومة كبرى وهو قليل العدد والعُدد، فيه ظواهر ومظاهر لا حقائق يعول يوم البأس عليها، باتت المسألة أشبه بالهزل منها بالجد.
لما سألت الوزارة أمراء الجيش بحضور الملك فيصل عما عند الجيش العربي من الذخائر والعتاد وفي كم يوم تنفذ إذا اشتبكت الحرب، أجابوا إنها تنفذ
стр. 749
في ساعتين وقد لا تنفذ في يومين. فسألتهم الوزارة وعلى ماذا تستندون في الحرب بعد نفاذ الذخائر؟ فأجاب بعضهم أنهم يأملون في أول ملحمة أن يدحروا الجيش الفرنسي الزاحف ويستولوا على ذخائره وعتاده، وعلق بعضهم آماله على الجيش العربي
في حلب. وقال آخر: إننا ننسحب إلى رؤوس الجبال، ونعتمد على حصوننا الطبيعية ونحارب حرباً دفاعية بالمناوشة، ولما سألتهم الوزارة على ماذا تعتمدون في هذه الحرب، وعلى أي شيء تتكلون في المقاومة؟ أجابوا على حماسة الأمة ومعاونتها فأجابهم أحد الوزراء: دعونا من البحث في المعنويات فإنا نقدرها مثلكم، وأخبرونا عن قوتكم الفعلية المادية وقولوا كم تمكنكم المقاومة؟ فقالوا: ست ساعات إذا اشتد لظى الحرب دفعة، ولم نوفق لدحر العدو وهزيمته.
وهكذا كان الأمناء على مصلحة الأمة يفكرون ويتناقشون قبيل أن ساقت فرنسا جيشها من الساحل إلى الداخل، أما العامة ومن كان يحمسهم فقدر عن مبلغهم من الخيالات ولا حرج. ولقد قال يوماً أحد دعاة العامة ممن أضروا كثيراً بحماستهم قضية الاستقلال في مجلس عقد بدمشق من خاصة القوم ليقرروا الحرب مع فرنسا أو الصلح وتأليف عصابات تغزو المنطقة الغربية: إن فرنسا عجزت بعد الحرب العامة أن ترسل إلى الشام بضعة أنفار من جيشها، وليس لديها مال، وما تهددنا به من قوتها لا تستطيع إنفاذه، فالأولى أن نتكل على الله ونبدهها بالحرب. فأجاب صاحب هذه الخطط وكان في الجلسة من جملة المدعوين: لست من أمراء الجيش حتى أعرف ما عنده من القوى المادية، ولكنني أعرف فرنسا وقوتها ولا أكون إلى المبالغة كثيراً إذا قلت إن فرنسا تستطيع أن تكتسح الشام من جنوبه إلى شماله إذا أرسلت علينا عوران حربها الأخيرة فقط، فيجب علينا يا سادتي أن لا نغش أنفسنا ونتذرع بالمحال.
حملة فرنسا على المدن الأربع:
كانت الحكومة العربية في أيدي العامة والهزائين من أمراء جيشها، وخطط الأحزاب متضاربة، وأعضاء كل حزب متعادون متشاكسون بينهم، وكان الجنرال غورو المفوض السامي في سورية ولبنان يعزز جيشه في الساحل ويستدعي
стр. 750
من
فرنسا فرقاً من الجند فأرسل يوم ١١ تموز ١٩٢٠ إلى الملك فيصل كتاباً مطلعه: بينما كانت السكينة سائدة في سورية أثناء الاحتلال الإنكليزي ابتدأ الفساد يوم حلت جيوشنا محل الجيوش البريطانية ولا يزال آخذاً بازدياد منذ ذاك الوقت. وأرسل إليه أيضاً يوم ١٤ تموز ١٩١٩ بلاغاً يدور على خمس مواد وهي أن يعطي لفرنسا الخط الحديدي من رياق إلى حلب، وأن تلغى حكومة فيصل القرعة العسكرية التي أخذت تجمعها ويقبل الانتداب الفرنسي والنقود السورية ويضرب على أيدي الأشقياء. فطلب الملك مهلة أربع وعشرين ساعة فانتهت مدة الإنذار الأول في ١٨ تموز الساعة الحادية عشرة والنصف تقريباً ثم مددت أربعاً وعشرين ساعة أخرى ثم مددت ثانية وانتهت يوم ٢٢ تموز. ووقع تأخير في إرسال الجواب بالإيجاب أي بقبول مطالب فرنسا وكان الداعي إليه انقطاع الأسلاك البرقية، فأمر الجنرال غورو جيشه بالمسير إلى دمشق بقيادة الجنرال غوابيه يوم ٢١ تموز فسار إلى البقاع واحتل رياق وأخذ يصعد أكمات مجدل عنجر، وكان الجيش العربي اتخذ له حصوناً في تلك الأكمات، وتجمع بعض عامة دمشق وبضع مئات من البدو عسكر البيشة الحجازي وأخذوا يخفون إلى مقابلة الجيش الفرنسي الزاحف فوصلوا إلى جبال ميسلون، وفي يوم ٢٢ تموز خرجت كتيبة عربية من حمص مغيرة على الجند الفرنسي في تل كلخ فانهزمت الكتيبة وأخذ منها ١٥١ أسيراً بينهم ضابطان وثلاثة مدافع رشاشة.
وفي ٢٢ تموز أعلم الجنرال غورو الملك فيصلاً أنه مستعد أن يتوقف عن الزحف إذا قبل بمواد الإنذار وبالشروط التالية ١ً تنشر حكومة دمشق منشوراً كتب مسودته الفرنسيون وبينوا فيه السبب الذي حملهم على إعطاء الأوامر للجنود بالزحف على دمشق والسبب الذي توقف من أجله ذلك الزحف. ٢ً الموافقة على بقاء الجنود الفرنسية حتى نهاية الخط الذي وصلوه وقتئذ ليوم تنفيذ جميع شروط
الإنذار. ٣ً تسليم خط السكة الحديدية من رياق إلى التكية للفرنسيين وبقاؤه بأيديهم في هذه المدة. ٤ً سحب جميع الفصائل الشريفية إلى شرقي هذا الخط وجعل الدرك تحت رعاية الفرنسيين بالمنطقة التي تم احتلالها. ٥ً تتوقف حكومة دمشق عن إرسال المعاونات للعصابات المنظمة
стр. 751
التي تعمل في المنطقة الفرنسية. ٦ً نزع السلاح من أهالي دمشق ومن الجنود الذين سرحوا. ٧ً قبول بعثة فرنسية بدمشق تقف على صورة تنفيذ شروط الإنذار، وترسم خطة للمباشرة بتطبيق الانتداب الفرنسي على الشام.
كان الجيش الفرنسي الزاحف على دمشق مؤلفاً من عشر كتائب مشاة وست كتائب فرسان وسبع بطاريات من الجنود الفرنسية والسنغالية والمراكشية والجزائرية، والجيش العربي مؤلفاً من بضعة ألوف سطر عددها على الورق فقط وهو مشتت في حلب وحمص ودمشق، وليس له وحدة في القيادة. وصدر الأمر إلى الجند المرابط في حصون المجدل من الجيش العربي بالتسليم وفض الجيش، ثم عاد فصدر الأمر ثانية إلى جماعة الحصون أن يبقوا على المقاومة، ولم يكن عددهم يزيد على مائة وعشرين جندياً. وأصبح الحكم في دمشق للغوغاء الذين كان يحمسهم زعماؤهم، وهجموا على القلعة لأخذ السلاح منها فنهبوا الذخائر فاضطرت الحكومة لحفظ الأمن أن تستعمل فيهم القوة فقتل منهم نحو مأتي إنسان، وبات الناس في كرب عظيم. وحدث تبلبل، فلم تصل برقية الملك فيصل إلى المفوض السامي للجمهورية الفرنسية بقبول شروط فرنسا كلها إلا بعد أن تقدم الجيش الفرنسي ووصل إلى ميسنون من طريق دير العشائر إلى الميماس وقطع خط الرجعة على العرب، فدارت الحرب في عقبة الطين بين الجيش الزاحف وبين سرايا الجند العربي وجند البدو والمتطوعة، وكان الجيش العربي أربعمائة جندي ومائتين من الهجانة يصحبهم ويتبعهم من الأهالي والعربان عدد يختلف بين
الأربعة والخمسة آلاف على رواية الريحاني، فقتل في أربع ساعات بقنابل الطيارات وقذائف البنادق والرشاشات كثير من الفريقين، وفي مقدمة الوطنيين يوسف بك العظمة ناظر حربية الملك فيصل وكان من أكبر القائلين بالمقاومة وعرف أنه غلط في تقدير القوة وسبق السيف العذل بعد صدور أمر الملك بفض الجيش وتراجع القوة المنظمة في الجملة، فآثر الانتحار في خط النار واستشهد في ساحة الحرب محافظاً على شرفه العسكري، وقد قتل الجيش الزاحف طائفة من الأهالي الذين حاربوه بعد أن سقطوا أسرى في يده لأن قانون الجندية يبيح قتل غير الجند إذا اشتركوا في المعمعة، وفي رواية
стр. 752
أنهم أجهزوا على الجرحى الوطنيين أيضاً وحفروا قبورهم بأيديهم قبل أن يُرمَوا بالرصاص. وترك الجيش العربي في ساحة الحرب ١٥ مدفعاً قيل أن بعضها كان معطلاً قبل أن ينصب في أماكنه و ٤٠ رشاشاً وذخائر كثيرة. حدثني ثقة زار ساحة ميسنون غداة الوقعة رواية عن ضابط سنغالي برتبة وكيل أن قتلى الوطنيين في ميسنون من ١٢٠٠ إلى ١٥٠٠ وأنه قال له الضابط: أُقسم بالله أنه لم يلوث أحد السنغاليين يده بدم أحد من الوطنيين. قال محدثي: إن كل من رآهم مجدلين من قتلى الجيش الداخل هم من السنغاليين ليس فيهم أحد من الجنس الأبيض.
وعاد المنهزمون من ساحة الحرب فدخل الجيش الفرنسي من الغد إلى دمشق ٢٥تموز وأبلغ رئيس البعثة الفرنسية الكولونيل تولا الملك فيصل أن يغادر دمشق عملاً بقرار حكومة الجمهورية بأسرع ما يستطاع في السكة الحديدية الحجازية مع عائلته وبطانته على قطار خاص أعارته إياه فأذعن، وعين قبل رحيله علاء الدين الدروبي رئيس وزارة على أن يختار بنفسه من يشاء من الوزراء، أعطاه تقليد الوزارة قبل سفره ليملأه بالوزراء الذين يختارهم دليل الثقة به. فلم يلبث أن ألف وزارته ومن الغد ألقى خطاباً في دار الحكومة حط فيه من كرامة ولي نعمته
الملك فيصل فاشمأز أرباب الوفاء من مصانعته، ولم يلبث أن أرسل إليه برقية يقول فيها: إن السلطة العسكرية تبلغ جلالتكم أنها تطلب خروجكم من حوران وأنها وضعت تحت أمركم قطاراً فإن لم تفعلوا ضربت قنابل طياراتها قرى حوران.
سقطت دمشق يوم ٢٤ تموز بعقب وقعة ميسنون، وسقطت حلب يوم ٢٣ بيد الجنرال دي لاموت عقب مناوشة طفيفة، وحمص وحماة يوم ٢٨ منه بدون صعوبة فقبضت فرنسا على قياد المدن الأربع وحكم الديوان الحربي الفرنسي على ٥٨ رجلاً من الوطنيين أكثرهم من حاشية الملك وبعضهم من أهالي جبل عامل وتركت الحكومة المنتدبة لهم المجال حتى انهزموا، ومنهم من لحق بالملك ومنهم من سار إلى شرقي الأردن أو فلسطين أو مصر.
لم يسمع للعقلاء رأي قبيل هذه الحوادث، وكثير منهم كان يكتم فكره لئلا يرمى بضعف الوطنية، ومنهم من لم يسعهم السكوت فصرحوا وأُذوا
стр. 753
وهجوا، ونال العامة منهم بإيعاز الزعماء. ولكن كان أهل المصالح الحقيقية يحاذرون التهور، ويودون لو تتفاهم الحكومة الوطنية مع حكومة الانتداب، ولطالما نصحوا سراً للقائمين بالدعوة إلى الاستقلال أن يترووا في الأمر ولا يعمدوا إلى المقاومة الفعلية لاعتقادهم مضرة ذلك، وأن يجعلوا سلاحهم المناقشة بالحسنى لئلا تنزل فرنسا المن الأربع حرباً، وأن يقبل مستشاروهم وبعض مطالبهم الخفيفة، وأن يرسل إلى باريز ولندرا وفد من أرباب المكانة والمعرفة يطلب شروطاً موافقة للانتداب في الشام وهو واقع لا محالة، إذ ليس في يد الملك فيصل ولا في يد أبيه الملك حسين عهد وثيق من دول الحلفاء يثبت له أو لأبيه ملكية الشام، وغاية ما ربحه الملك حسين من اتحاده مع الحلفاء في الحرب استئثاره بملك الحجاز. وكان الحلفاء وعدوا أن يمنحوا العرب استقلالهم ويساعدوهم عل نيله، وبهذه الوعود انضم نحو
ثمانين ألفاً من العرب إلى صفوفهم وقاتلوا معهم الأتراك بقيادة الأمير فيصل الذي كانوا ينظرون إليه نظرهم إلى قائد من قوادهم، ولكن الحلفاء لما تم لهم الظفر لم يفوا بوعودهم على ما يرضي العرب.
بعد وقعة ميسنون المحزنة فصلت إدارة البقاع وبعلبك وحاصبيا وراشيا عن أحكام المدن الأربعة واستقل الجنرال دي لاموت بأحكام حلب ودير الزور والإسكندرونة، وظلت دمشق وحمص وحماة وحوران دولة ذات، وزارة وكانت عجلون والصلت وعمان ومعان جعلت حكومة برأسها سموها حكومة شرقي الأردن ثم دعيت حكومة الشرق العربي، وذلك بإمارة الأمير عبد الله شقيق الملك فيصل، وهكذا دخلت المدن الأربع في الانتداب الفرنسي كما دخل الساحل لأول عهد دخول الحلفاء. وخطب الجنرال غورو في دار الحكومة بدمشق قائلا إن فرنسا ما جاءت إلى هذه الديار مستعمرة وسترونها أمينة على تقاليدها، راغبة في أن تضمن استقلالكم في عهد الوصاية الحر، قال إن العصاة التي كانت تهاجم الجيش الفرنسي لم يكونوا من الأشقياء فقط، وكان يقودهم ضباط الجيش النظامي، وتمد بالأسلحة والأعتاد والمال، ومع أن فتكها لم يكن شديداً في جنود فرنسا فإن أضرارها كانت عظيمة على الطوائف العزلاء إذ دمرت بيوتاً وأحرقت قرى ونهبت الأموال والمواشي، وكانت
стр. 754
أعمال الحكومة الشريفية الرسمية لا تقل بإزاء فرنسا عداءً عن أعمال عصاباتها اه. وكان غورو نشر منشوراً في الطيارات على أهالي سورية قبيل وقعة ميسنون قال فيه: قيل لكم إن فرنسا ترغب في استعماركم وأنها تريد استعبادكم وما ذلك إلا إفك مبين. إن فرنسا قبلت الانتداب التي عهد به إليها مؤتمر السلم على سورية، وهي عازمة على أن تدع الموظفين الوطنيين يزاولون أشغالهم بشرط أن لا يعملوا بسلطتهم ضدها فيخونون العهود والمواثيق المقطوعة.
تعريف الانتداب وسياسة الأتراك فيما يتعلق بالشام:
أما الانتداب فلفظ حديث يراد به الإشراف أو الكفالة وهو لا يخرج عن الحماية إلا باعتبارات قليلة. وقد جاء في صك عصبة الأمم في تعريفه أن الشعوب التي جعلت تحت حكم الانتداب المحدد والموقت والذي طلبوه من أنفسهم هم مستقلون وأن المنتدب عليهم هو المرشد الموقت ريثما يصبحون قادرين على حكم أنفسهم. وقال بوانكاره من ساسة فرنسا: لسنا في الشرق لنضم أقطاراً إلينا ولا لنضع حمايتنا وإنما نحن هناك بموجب انتداب تلقيناه من عصبة الأمم تنفيذاً لمعاهدة فرسال. وقال ديبوي من علماء القضاء في فرنسا: الانتداب أنفق ما جاءت به سياسة الحرب العظمى هو عبارة عن حماية مستترة. وفي المجلة النيابية ن مدة الانتداب تقسم إلى ثلاثة أدوار ابتدأ الدور الثاني في ٢٩ أيلول ١٩٢٦ وهذا الدور يسمونه دور تنظيم الانتداب، وفي انتهاء الدور الثاني يجب أن يكون هناك حكومات وطنية وعندها يدخل الانتداب في دور التصفية، وبعد انتهاء الدور الثالث للانتداب تعقد معاهدة تحالف مؤقتة تقوم مقام النظام الحالي، وتحدد باتفاق مشترك حقوق المنتدبين والمنتدب عليهم وسلطتهم، وهذا يعد انتهاء للانتداب. ولم يحدد مدة معينة للانتداب في سورية ولبنان وفلسطين.
جعلت معاهدة صلح فرسال ١٩١٨ الانتداب ثلاث طبقات فما رُمزَ له بحرف أهو الانتداب الخفيف مثل انتداب فرنسا في سورية ولبنان والانتداب البريطاني في فلسطين والعراق، ويقضي على الدولة المنتدبة على هذه الأقطار أن تقصر مهمتها على تقديم مساعدتها لها. ومن الانتداب ما رمز له بحرف ب وهو الانتداب ببعض الشروط. ومنه ما رمز له بحرف ج وهو انتداب أمة
стр. 755
على أقاليم تعد جزءاً من أملاك الدولة المنتدبة. فجعلت الشام من الصنف الأول من الانتداب أي إنه اعترف باستعدادها للاستقلال إذا دربت عليه زمناً.
قال الرئيس ويلسون رئيس جمهورية الولايات المتحدة في شروطه الأربعة عشر: أما الأمم الأخرى التي هي تحت النير التركي فيكفل لها كيان آمن ويمكّن لها حتى ترتقي في استقلالها من غير ممانعة، ولم يسمع أن أحداً من لأهل السلطات الأجنبية في الشام قال إنها غير مستقلة منذ سقطت في أيدي الحلفاء، وقال أحد كبار رجالهم: إن ما عملته فرنسا في الجزائر في القرن الماضي يتعذر جداً عمله في هذا القرن والناس هنا غيرهم هناك. والأحوال في الشام غير الأحوال في الجزائر.
وفي المادة الأولى من نص الميثاق الوطني التركي الذي تبايع الأتراك على العمل به بعد سقوط الدولة العثمانية ما نصه: إن الأقطار التي تسكنها أكثرية عربية من أرض المملكة العثمانية وهي التي كانت تحتلها الجيوش المحاربة حين عقد الهدنة في ٣٠ تشرين الأول ١٩١٨ ينبغي أن تعين مصيرها بنفسها وذلك باستفتاء الرأي العام فيها استفتاء حرا. وهكذا كان كرم الأتراك مع إخوانهم العرب أجازوا لهم أن يعلنوا استقلال الشام عند آخر ساعة من سقوط عاصمة الشام بيد الحلفاء، ورخصوا لهم أن يعينوا مصيرهم بأنفسهم في ميثاقهم الوطني وهم يومئذ لم يكونوا يملكون لأنفسهم حولاً ولا طولاً، ولما عُرضت المسائل العثمانية على بساط البحث في مؤتمر لوزان لم يجر ذكر الشام إلا من حيث الحدود التي تم الاتفاق عليها بين فرنسا وتركيا بصورة لا تزال سرية عرف منها أنه اقتطع جزء عظيم من التخوم الشمالية في الشام أُضيفت إلى آسيا الصغرى بدون حق. هذا والأتراك كانوا ظافرين بأعدائهم اليونان الذين كانوا استولوا على معظم ولايات أدرنة وإزمير وبروصة بعد الحرب العامة فقويت جمهورية تركيا التي جعلت مقرها في أنقرة بدلاً من الأستانة وهزمت جيش اليونان شر هزيمة آب ١٩٢٢ وكان ظفراً داوى به الأتراك جراحهم بعد هزائمهم في الحرب العالمية.
وقد نصت المادة ٩٤ و ٩٥ من معاهدة الصلح التي عقدت في مدينة سيفر يوم ١٠ آب ١٩٢٠ بين الحلفاء والمشتركات معهن من الدول وبين الدولة
стр. 756
العثمانية أن المتعاقدين على اتفاق بأن الشام والعراق وفلسطين، عملاً بالفقرة الرابعة من المادة الثانية والعشرين من الجزء الأول عهد جمعية الأمم، معترف بها موقتاً دول مستقلة على شرط أن تبذل لها النصائح والمعونة من دول منتدبة عليها تقودها في إدارتها إلى الزمن الذي يستطعن أن يسرن فيه بأنفسهن وأن المنتدب على فلسطين يكون مسؤولاً عن تنفيذ التصريح الذي صرحت به حكومة بريطانيا يوم ٢ تشرين الثاني ١٩١٧ ووافقت عليه الدول المحالفة بشأن تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، على أن لا تمس فيها لحقوق المدنية والدينية للطوائف غير اليهودية، ولا تمس الحقوق والأنظمة السياسية التي يستفيد منها اليهود في كل بلد. وكان الحلفاء تفاوضوا مرات بشأن الشام فرأوا أن تكون فلسطين دولية، ولكن الأتراك لما هاجموا ترعة السويس زاد الإنكليز معرفة بمكان هذا القطر الحربية فرأوا أن يجعلوها منحدراً لمصر بالفصل بين عرب هذه وعرب الشام فأخذوا يطالبون بحيفا وعكا ثم بفلسطين كلها وتعهدوا لليهود أن يجعلوها لهم وطناً قومياً، وتعهد الحلفاء تعهدات مبهمة بشأن الشام حتى يعاونهم برجاله ونفوذه.
تأثر الحورانيين بعوامل الفيصليين ومقتل وزيرين
وقتل اليهود في فلسطين:
غادر الملك فيصل دمشق في زمرة من عماله وأكثرهم من السوريين، وخرج من الجنوب غداة جاء الجيش الفرنسي من الغرب، فطفقت الحكومة المحتلة تجمع السلاح من البادية والحاضرة، ووضعت على المدن الأربع غرامة حربية قدرها مائتا ألف ليرة عثمانية ذهباً، ولكن أهل حوران لم يخضعوا للأمر ومردوا على
الحكومة وبث فيهم بعض أعوان الملك فيصل فكر الثورة، فرأى رئيس الوزارة علاء الدين الدروبي أن يذهب بنفسه لإلقاء النصائح عليهم مستصحباً معه وزيرين من وزارته أحدهما عبد الرحمن اليوسف رئيس مجلس الشورى أكبر أعيان دمشق، فهاجمهم بعض الحوارنة في محطة خربة الغزالة وأنزلوهم من القطار وقتل الدروبي واليوسف، وقتل بعض ركاب القطار، مع أن رئيس الوزارة كان عارفاً بأفكار الحوارنة من جهة حكومة دمشق، ووصمهم لها بالخيانة لأنها سلمت سورية للأجانب. وانجلت وقعة
стр. 757
حوران عن جمع غرامة قدرها مئة وعشرون ألف ليرة عثمانية ذهباً منها دية الوزيرين لكل من أسرتهما عشرة آلاف ليرة وحكم على بعض المتهمين بمقتل الوزيرين فزادت حوران خراباً فوق خرابها.
وفي آب ١٩٢٠ زار المندوب السامي في فلسطين السر هربرت صموئيل الشرق العربي ومما قاله في خطاب له في الصلت: إن الحكومة الفرنسية كررت تأكيداتها بأنها لا تريد أن تتدخل بأي شكل كان في شؤون هذه المقاطعة، وبما ان الحكومة الفرنسية قد عززت نفوذها في دمشق فقد أصبح من الضروري فصل هذه المقاطعة عن إدارة دمشق. تسألونني عن نوع المساعدة التي تريد إنكلترا أن تقدمها لكم فأجيبكم إنها لا تريد أن تضمكم إلى الإدارة الموجودة الآن في فلسطين، بل تنشئ لكم إدارة منفردة تساعدكم على أن تحكموا أنفسكم بأنفسكم، وترسل إليكم عدداً قليلاً من الضباط ورجال القضاء محنكين عارفين باللغة العربية وأحوال الشعب العربي فيسكنون البلدان الكبرى في هذه المقاطعة، وأنتم تعرفون أكثرهم شخصياً وسيساعدونكم في تنظيم الدفاع تجاه أي هجوم خارجي وفي تنظيم الشرطة لصيانة الأمن في الداخل وترقية التجارة وتأييد العدالة وإنفاق ما تدفعونه من الضرائب بأمانة تامة على مصالحكم واحتياجاتكم ويستشيرونكم في الغاية التي تدفع لأجلها الأموال وإصلاح الطرق وترميمها وإنشاء المدارس وتقديم المعاونات
الصحية. إلى أن قال: وستكون التعليمات العمومية التي ترسلها الحكومة البريطانية إلى موظفيها هنا مبنية على قاعدة مساعدة الأهالي ليحكموا أنفسهم بأنفسهم، فمراعاة هذه المبادئ المؤسسة على العدل والشرف اللذين تمتاز بهما الإدارة البريطانية في جميع أنحاء العالم هي الأسس الصالحة لكل حكومة صالحة. . اه. وفي كتاب عامان في عمان: وقد قوبل هذا البيان من أهالي المنطقة بفتور دل عليه أن زعماءهم جمدوا بعد أن سمعوه جمود الحيرة لا يدرون أشر أُريد بهم أم أراد بهم ربهم رشداً. . . ولما سئلوا عما يجول في نفوسهم وقف أحدهم وقال: يظهر أن أوربا عدلت عن فكرة اعتبار الكفايات في الأمم ورجعت إلى القرعة فهي بينما تمنع سورية ولبنان وفلسطين الاستقلال تعترف به لشرقي الأردن. . .!
واشتد الهياج بين الصهيونيين وأعدائهم من السكان في حيفا في نيسان
стр. 758
١٩٢٠ ونشبت الفتنة في القدس سفكت فيها الدماء ونهبت مخازن اليهود ولولا مهارة الإدارة البريطانية لامتد لهيب العداء إلى سائر مدن فلسطين لما ملئت به النفوس من الغيظ من الصهيونية والصهيونيين.
تقسيم الشام وخرابها واستقلال لبنان والعلويين
ومجلس فلسطين ودولة شرقي الأردن ودولة جبل
الدروز:
وفي أول أيلول ١٩٢٠ أعلن استقلال لبنان في حرج بيروت بحضور الجنرال غورو، وأضيف إلى لبنان الأصلي الذي عرف بحدوده بعد سنة الستين جبل عامل ووادي التيم والبقاع وبعلبك وطرابلس وعكار والحصن وصافيتا فاحتج فريق من أهالي بيروت وطرابلس مع بقية البلدان المنضمة من الداخل إلى متصرفية جبل لبنان قائلين إن هذا الضم جرى بدون رضى الأهالي وبغير استفتاء، وإن ذلك
مخالف لتصريحات وزارة الخارجية في فرنسا وبريطانيا القائلة بأن الأقاليم التي انسلخت عن الدولة العثمانية مستقلة وللأهالي الحرية التامة في تقرير مصيرهم وتأسيس حكوماتهم الوطنية، وأن السكان لا يرغمون السكان على قبول نظام معين. وجعل للبنان حاكم فرنسي، لأن فرنسا رأت أن الاختلاف بين طوائفه لا يمكن معه إرضاؤهم كلهم، إذا عين أحد أبناء الطوائف الأخرى حاكماً، فعادت نغمة الطائفية إلى الجبل بصورة أشد مما كانت على عهد الترك، وقسمت مقاعد الحكم على الطوائف، وأقيم للبنان الذي دعي لبنان الكبير مجلس نيابي تنفذ المفوضية العليا للجمهورية الفرنسية في سوريا ولبنان ما تراه صالحاً من مقرراته، وقسم لبنان إلى ألوية وأقضية يدير شؤونها موظفون وطنيون، ويدير الحكومة المركزية في بيروت عدة مديرين أو وكلاء أو وزراء يتقلد زمامها الوطنيون، ولكل مدير منهم مستشار فرنسي. وتمت للموارنة في لبنان أمنيتهم التي طالما نشدوها من حكم فرنسا لهم، ونجت الشام من تهديد بطريركهم وكانت انتدبته طائفته إلى مؤتمر الصلح لينظر في استقلال لبنان، فقال وقد هدد بأن لبنان يبقى محصوراً في حدوده القديمة إذا أصر على الرفض: إننا نفضل الموت جوعاً في ظل صخورنا على أن نكون تابعين لدمشق! واقتطعت جبال النصيرية وأصبح يقال لها أرض العلويين جعلت حاضرتها
стр. 759
اللاذقية وحاكمها فرنسي وإدارتها أشبه بانتداب الدرجة الثانية مما رمز له بحرف ب وكان تقسيم القطر على هذا المنوال مبدأ خرابها الاقتصادي فاضطر إلى تأليف عدة وزارات ومجالس وإدارات ومنها من لا عمل له في الواقع ونفس الأمر إلا قبض الرواتب من مال المكلفين، وشوهد الإسراف في أموال الحكومة وقد حاولت الحكومات غير مرة أن تقتصد وما برحت الأموال تصرف في الأمور المستهلكة أكثر من الأمور المستحصلة، ولا نسبة بين رواتب كبار الموظفين وغيرهم.
وفي تشرين الأول ١٩٢٠ انتخب في فلسطين مجلس شورى مؤلف من عشرين عضواً نصفهم من الموظفين والنصف الآخر نصبتهم الحكومة، وهم أربعة من المسلمين وثلاثة من المسيحيين وثلاثة من الإسرائيليين، ووظيفة هذا المجلس استشارية فقط. فقامت فلسطين مسلموها ونصاراها محتجين على هذا المجلس. وفي تشرين الثاني ١٩٢٠ قدم إلى عمان الأمير عبد الله بن الحسين لاسترجاع دمشق من فرنسا وإرجاعها إلى السلطة الشريفية فأرضته بريطانيا بأن جعلته أميراً على عبر الأردن على أن لا يمس أراضي الانتداب الفرنسي، وقد حدثت بعض حوادث على التخوم بين حوران والبلقاء، وتألفت هناك عصابات لغزو الأراضي التي جعلت تحت الانتداب الفرنسي وبعد أن قصدت إحدى العصابات اغتيال الجنرال غورو المفوض السامي في ٢٣ حزيران ١٩٢١ على ٤٠ كيلو متراً من دمشق في طريق القنيطرة، ولم ينالوه بأذى وقتل أحد ضباطه، طوي بساط العصابات والمؤامرات، وكان أمر هذه العصابات مما دبر في الشرق العربي.
وفي الخامس والعشرين من حزيران ١٩٢١ أعلن استقلال جبل الدروز وكان من قبل بين عاملين العامل البريطاني والعامل الفرنسي، فلما جاء الجيش الفرنسي إلى دمشق كان من أهل الجبل من يرحبون بالفرنسيين فنالوا استقلالهم ٥ نيسان ١٩٢١ واصبح جبلهم وهو نحو مائة وخمس عشرة قرية دولة برأسها جعلت السويداء عاصمتها، ونصب على الجبل أمير من أهله ومستشار إفرنسي، فانتزع أيضاً من حكومة دمشق التي جعلت دولة لها حاكم، وذلك بعد أربعة اشهر من استلام الفرنسيين زمام الأمر، وجعل لهذه الدولة مديرون
стр. 760
بدلاً من وزراء وجعل علم خاص لكل من دولة لبنان الكبير ودولة العلويين ودولة حلب ودولة دمشق ودولة جبل الدروز الواقعة تحت الانتداب الفرنسي ويحمل كل علم في مطاويه
العلم الفرنسي المثلث الألوان، ولم يجعل لفلسطين علم خاص وبقي العلم فيها إنكليزياً واقتصر شرقي الأردن على العلم العربي، وبذلك أصبحت الشام سبع دول وكانت على آخر عهد الأتراك ثلاث ولايات دمشق وبيروت وحلب وثلاثة ألوية مستقلة القدس - لبنان - دير الزور.
متاعب لبريطانيا وفرنسا واعتداءات:
وفي شباط ١٩٢١ عقد مؤتمر في حيفا مؤلف من رجال فلسطين مسلميهم ونصاراهم نظم احتجاجات على وعد بلفور وطلب تأليف حكومة وطنية وانتخاب جمعية تأسيسية ينتخبها السكان العرب. وفي ١٥ آذار خرج الزعيم فؤاد سليم من إربد في مائة وعشرين فارساً للقبض على بعض الأشقياء من عرب الشقيرات وعلى بعض زعماء الكورة في جبال عجلون فأحاطت بالقوة العسكرية أهالي ست قرى بقيادة كليب الشريدي وابنه وساعدتهم الغابات ووعورة الأراضي وسقط ربع الجنود بين قتل وجريح وفقد ثلث الخيل ثم استسلم الباقون للعرب الثائرين الذين سلبوا الضباط والعسكر عتادهم وأسلحتهم وألبستهم.
وألقى المندوب السامي في فلسطين في ١٨ نيسان ١٩٢١ خطاباً في عمان قال فيه: إن الحكومة البريطانية تقدر الخدمات التي قدمتها جيوش العرب في الحرب وترغب في أن تتوطد في زمن السلم دعائم التحالف الذي بني في خلال الحرب وقال: يساعد الضباط البريطانيون منذ شهر آب الماضي في إدارة شؤون الأقاليم الواقعة وراء نهر الأردن وسيواصلون العمل بصفتهم مستشارين بالنيابة عني للأمير عبد الله وموظفيه في الأنحاء المختلفة. وقال: إن الضباط البريطانيين الذين يقومون بهذه المهمة في جميع أنحاء المنطقة يعطفون على السكان وعلى آداب اللغة العربية وإن الحكومة البريطانية عولت على ألا تكون البلدان الواقعة فيما وراء نهر الأردن مركزاً للعداء على فلسطين أو سورية. وفي أول أيار ١٩٢١
نشبت فتنة بين الصهيونيين والوطنيين في يافا انجلت عن قتل ٤٨ رجلاً من العرب وجرح ٧٣ منهم وقتل من اليهود ٤٧ شخصاً
стр. 761
وجرح ١٤٦. وفي سنة ١٩٢١ دخل الأتراك عينتاب وأخرجوا الكتائب الفرنسية منها وباغت عربان الزور الفرقة الفرنسية السورية وقتلوا بعض ضباطها فحلّ بهم العقاب، فتخلت فرنسا عن قلقية بأجمعها وانحصرت قوتها بالشام من حدود كليس في الشمال، وتألفت عصابات من أبناء حارم وكفر تخارين وإدلب وجبل الزاوية والمعرة وصهيون وجرت بينها وبين الجيش الفرنسي معارك قتل فيها كثير من الفريقين، وكان بعض رؤساء تلك العصابات من الأتراك. وقد فقدت فرنسا من جندها في سورية وعلى حدودها بضعة ألوف. وقال الجنرال ويغاند المفوض السامي للجمهورية الفرنسية في حفلة إزاحة الستار عن النصب التذكاري الذي أُقيم لقتلى جيش الشرق في بيروت سلخ ذي القعدة ١٣٤٢ حزيران ١٩٢٤: بعد الهدنة سكت المدفع في أوربا إلا من الشام، وكانت الأمهات الفرنسيات يعتقدن بأنهن سيشاهدن أولادهن إلى جنبهن فاضطرت فرنسا إلى إرسال أولادها إلى ساحات القتال في مرعش وأورفة وميسنون حيث تم تحرير سورية بقيادة سلفي الجنرال غورو وقد بلغ عدد القتلى نحو تسعة آلاف و ٢٥٠ ضابطاً فيمكن أن تذكروا أولادكم وأولاد أولادكم بذلك اه. ولم يقتل هذا العدد في أرض الشام بل معظم من قتل في قلقية.
توحيد حكومات سورية وعدم رضى الأهلين:
لم يرتض أهل الداخل وفريق عظيم من سكان الساحل هذا التمزيق الذي حلّ بالشام، فكثر الناقمون والناقدون، وزعم بعض ولاة الأمر من المنتدبين أن هذا التقسيم كان برضى الأهلين، ونزلت فرنسا على رغائبهم، وبعد التجربة الأولى رأت المفوضية العليا أن تعيد المدن الأربع إلى جمعها بعد الشتات فاعلن الجنرال غورو في اليوم العشرين من حزيران ١٩٢١ في دمشق أساس الوحدة السورية
بإنشاء مجلس اتحادي لها مؤلف من دول العلويين وحلب ودمشق فقط، على أن يكون أساساً للوحدة وألقى خطاباً مثل خطاب دمشق في مدينة حلب يوم ٢٨ منه بحضور مندوبي الدول الثلاث ومما قال فيه: وكان العمل الأول الذي قامت به فرنسا لتوطيد اتحادكم وحريتكم الوطنية تأسيس الحكومات المستقلة، وكانت الغاية من ذلك مراعاة النزعات الخاصة ووضعها في قالب يتألف منه مجموع متناسب الأجزاء. قال: ولم يفتني قط وجوب إحكام في قالب يتألف منه مجموع متناسب الأجزاء. قال: ولم يفتني قط وجوب إحكام
стр. 762
الصلات بين هذه الدول التي ينبغي أن يؤلف مجموعها سورية المستقلة أي سورية التي طالما رغبت فرنسا في إنشائها قال: والواجب أولاً تنظيم هذه الدول ومنحها قسطاً أوفر من الحرية، وتأسيس صلة اتحاد بينها، ولا أذكر لبنان بين دول الاتحاد لأن تقاليده الخصوصية تقضي عليه بالسعي على انفراد وراء التقدم وبمشاركة قليلة في الاتحاد السوري لا تتناول إلا الوجهة الاقتصادية دون سواها، إلى أن يقرر من تلقاء نفسه الدخول في هذا الاتحاد.
وبدئ من قابل بجعل بعض فروع الإدارة اتحادية كالبريد والبرق والعدلية والمعارف العالية والتمليك، وجعل للاتحاد مجلس مؤلف من خمسة عشر عضواً خمسة عن كل دولة، واجتمع المجلس في حلب في السنة الأولى وفي السنة الثانية نقل مقره إلى دمشق بصورة دائمة، ويختار هؤلاء عضو رئيساً من بينهم فعين لهذا الغرض السيد صبحي بركات الخالدي واختار لدوائر الاتحاد مع العرب جماعة من الأتراك والأرمن والروم فتأثر الوطنيون لذلك، لأن اللغة العربية لم تُرعَ لها حقوقها وحرم الوظائف بعض الوطنيين وتولاها بعض من ليس لهم بهذه الأرض صلة، ولا بالعرب والعربية قرابة.
وفي ١٧ أيار عزمت بريطانيا العظمى أن تعترف باستقلال شرقي الأردن وأن
يجعل أميرها عبد الله بن الحسين وتنشأ فيها حكومة دستورية وتعقد معه اتفاقاً على أن تتعهد حكومته بالاعتراف بالحقوق الدولية. وأنشأت هذه الحكومة تمنح لقب باشا لمن تريد تشريفهم أو تأليف قلوبهم من المشايخ وغيرهم، فمنحت هذا اللقب للصعاليك وأسرفت في منحها والتف حول أمير تلك الكورة بعض جماعات من الوطنيين الذين كانوا اشتغلوا مع أخيه الملك فيصل في دمشق ولم يلبثوا أن انفضوا من حوله بطرق اتخذتها حكومته، وكان يتقاضى لها معاونة سنوية من بريطانيا ١٥٠ ألف جنيه ولنفقاته الخاصة ٣٥ ألفاً من الجنيهات ثم أنزلت المعاونة إلى ٨٠ ألفاً ومخصصاته إلى عشرين ألفاً.
وفي صيف سنة ١٩٢٣ اعتدى بعض دروز الشوف على النصارى من جيرانهم واغتيل بعضهم، فقابلهم المعتدى عليهم بالمثل، وأختل الأمن في أواسط لبنان وكاد يتعدى إلى بعلبك، فعنيت حكومة الانتداب بجمع السلاح من الأيدي وعاقبت الفاعلين، ووضعت غرامات على بعض القرى التي خالفت أوامر
стр. 763
الحكومة. وفي سنة ١٩٢٣ و ١٩٢٤ كثر إغلاق الحوانيت في دمشق وحمص وحماة احتجاجاً على كثرة الضرائب، وتقريب بعض أشخاص من الحكومة المنتدبة يوسعون مجال الخلف بين المنتدبين والمنتدب عليهم، ويسودون الناس بوشاياتهم للاحتفاظ بكراسيهم وأغلقت دمشق خمسة عشر يوماً متتابعة احتجاجاً صامتاً على انتخاب أعضاء المجلس التمثيلي بالإكراه واستعمال الحكومة وسائط الإرهاب في المدن والقرى.
صك الانتداب وموافقة الدول الكبرى عليه وأشكال جديدة من الإدارة:
جاء في معاهدة لوزان ٣٠ شباط و٢٤ تموز ١٩٢٣ التي عقدت بين الدول وبين تركيا أن الحدود التركية السورية قد ذكرت في المادة الثامنة من الوفاق الفرنسي التركي المؤرخ بيوم عشرين تشرين الأول ١٩٢١ والغالب أن هذا الاتفاق
المعروف باتفاق فرانكلين بويون، لم ينشر خلافاً لما ادعته السياسة في العهد الحديث بعد الحرب، من أنه لا تعقد بين الدول محالفات سرية بعد الآن أن مجلس جمعية الأمم أثبت في جلسته المنعقدة يوم ٢٩ أيلول ١٩٢٣ أن الانتداب على الشام سورية ولبنان والانتداب على فلسطين قد دخلا كلاهما في دور التنفيذ، وقد جاء في المادة الأولى من هذا الصك أن الدولة المنتدبة تضع نظاماً أساسياً لسورية ولبنان في خلال ثلاث سنوات تبتدئ من تاريخ الشروع بتطبيق الانتداب، ويعد هذا النظام الأساسي بالاتفاق مع السلطات الوطنية، وينظر فيه بعين الاعتبار إلى حقوق جميع الأهلين في الأراضي المذكورة وإلى مصالحهم وأمانيهم، وينص فيه على اتخاذ التدابير التي من شأنها أن تسعل لسورية ولبنان سبيل النمو والتقدم المتوالي لدولتين مستقلتين، وتسير إدارة سورية ولبنان طبقاً لروح هذا الانتداب ريثما يشرع في تنفيذ النظام الأساسي، وتؤيد الدولة المنتدبة الاستقلال الإداري المحلي فيهما، بكل ما تسمح به الأحوال.
وجاء في المادة الثانية أنه يمكن للدولة المنتدبة أن تبقي جنودها في الأراضي المار ذكرها لأجل الدفاع عنها، ويمكنها أيضاً، إلى أن ينفذ النظام الأساسي ويعاد الأمن إلى نصابه، أن تنظم القوات المحلية اللازمة المعروفة بالميليس للدفاع
стр. 764
عن تلك الأراضي، وأن تستخدمها في هذا السبيل وفي حفظ النظام، ولا يجند فراد القوات المذكورة إلا من أهل تلك الأصقاع وبعد ذلك تصبح تلك القوات تابعة للسلطة المحلية مع الاحتفاظ بما يجب أن يبقى للدولة المنتدبة من حق السلطة والمراقبة عليها، ولا يجوز استخدامها لغايات غير التي تقدم ذكرها إلا بإذن الدول المنتدبة. وما من شيء يمنع سورية ولبنان من الاشتراك في الإنفاق على القوة العسكرية النازلة في أراضيها من قوات الدولة المنتدبة، ويحق للدولة المنتدبة كل حين أن تستخدم المواني والخطوط الحديدية ووسائل المواصلات في سورية
ولبنان لنقل جنودها وجميع المعدات والمؤن ومواد القوة. وفي المادة الثامنة أن الدولة المنتدبة تضمن للجميع حرية الضمير التامة كما تضمن حرية القيام بجميع الشعائر الدينية التي تتفق مع النظام العام والآداب، ولا يجوز أن يتبع شيء من التمييز وانتفاء المساواة بين سكان سورية ولبنان بسبب اختلاف الجنس أو الدين أو اللغة وتقوم الدولة بإنماء التعليم العام باللغات الوطنية الشائعة في أراضي سورية ولبنان.
وصادقت الولايات المتحدة ١٩٢٤ - ١٣٤٣ على صك الانتداب الفرنسي في سورية ولبنان الذي وضع موضع التنفيذ منذ أيلول ١٩٢٣ وقد جاء في المادة الخامسة منه للأميركان الحرية التامة في إنشاء المعاهد والصروح والملاجئ العلمية والدينية والفنية في جميع أراضي الانتداب الفرنسي مع التعليم باللغة الإنكليزية، ولم تعترف الولايات المتحدة بالانتداب البريطاني إلا في أواخر شباط ١٩٢٥ مشترطة أن يكون للرعايا الأميركيين مثل الحقوق التي للرعايا الإنكليز.
طبقت مواد الاتحاد في حلب ودمشق بعض الشيء مع وجود الدولتين دولة حلب ودولة دمشق، أما دولة العلويين فلم تتحد بغير الأمور العدلية. وفي يوم ٢٦ حزيران ١٩٢٤ ٤ ذي القعدة ١٣٤٢ أعلن المفوض السامي في حديقة الأمة بدمشق الوحدة السورية وتأليف الدولة العربية السورية من حكومتي حلب ودمشق فقط، فخرجت دولة العلويين ودولة جبل الدروز كما خرجت دولة لبنان الكبير بالطبع من باب الوحدة، فاصبح بذلك عدد دول الشام ستاً بدلاً من سبع أي أن المدن الأربع عادت فألفت حكومة واحدة على نحو ما
стр. 765
كانت زمن الحكومة الفيصلية، ولكن بتشذيب بعض أطرافها إذ نزع من جسمها دولتا الشرق العربي وجبل الدروز وخطب القائد قائلاً: إن هذه الدولة الجديدة الفخورة بماضٍ يحوي أعظم ما نظره الشرق والتي ستضم إليها أهم مدن الإسلام التي كانت منبع الترقي
الفكري في جميع الأزمان. . . إن مثل هذه الدولة تقدر ويجب أن تكون في الشرق الأوسط مركزاً مشعاً وجذاباً. والسلطة التشريعية تكون بيد مجلس نيابي والسلطة الإجرائية تسلم إلى شخص يدعى رئيس الحكومة السورية بالانتخاب، ويكون له مجلس وزراء يجتمعون تحت رئاسته يكون كل واحد من هؤلاء الوزراء مسؤولاً شخصياً عن دائرته أمام مجلس الأمة.
وفي حزيران ١٩٢٤ ذي القعدة ١٣٤٢ ألقى أحد رجال بريطانيا بياناً قال فيه: إن مهمة بريطانيا في فلسطين هي إنشاء وطن قومي لليهود من ناحية وصيانة مصالح السكان غير اليهود من ناحية أُخرى، وقد سعت بريطانيا لمعاملة الأهلين على قدم المساواة، ولكنها صادفت متاعب كثيرة بالنظر لعدم تجانسهم، وأنشأت إدارتين مختلفتين إحداهما في غربي الأردن حيث يوجد الوطن القومي لليهود والآخر في شرقي الأردن حيث للعرب الأغلبية، ولكنها تسعى دائماً إلى التوفيق بين مصالح اليهود والمسلمين.
غزوة النجديين عبر الأردن واستيلاؤهم على مكة
وشؤون:
حكومة عبر الأردن أو شرقي الأردن أو الشرق العربي هي بمثابة حاجز يقي فلسطين اعتداء البادية، وقد كثر اعتداء عرب البلقاء وما إليها مثل عشائر الحويطات وبني عطية على تجار نجد يسلبونهم بضائعهم وجمالهم، وشكت حكومة الملك عبد العزيز بن سعود صاحب نجد إلى حكومتي الحجاز والشرق العربي فلم يسمع لها شكوى، فأرسل صاحب نجد نحو ألف وخمسمائة مقاتل من رجاله في ١٠ آب ١٩٢٢ وهاجموا أم العمد في البلقاء، وقتلوا أهل الطنيب وأعملوا السيف والنار في عرب بني صخر واشترك الأديات من عرب البلقاء في قتال النجديين،
وتلاحقت أفخاذ بني صخر ورجالهم من العيسى والزبن والخريشة، وجاء بعض بني حميدة النازلين إلى الجنوب الشرقي من مادبا حتى
стр. 766
وادي الموجب، واشتركوا في رد هجمات أهل نجد فأزاحوهم إلى بئر عمري وهناك تشردوا في الأودية والتلال، وقيل إنه قتل منهم نحو ثلاثمائة وقتل من أهل الشرق العربي كثيرون، وقد تأثرت الدبابات الإنكليزية النجديين إلى عمري فعادت وجنودها يزعمون أنهم لم يهتدوا إلى الطريق.
وجاء النجديون ثانية بقيادة درزي بن دغمي السمير زعيم الرولة المتدينة، وأغاروا على عرب الحويطات في وادي موسى، وعلى أطراف معان، ونشبت معركة أبلى فيها الحويطات بلاء حسناً وعاونهم بعض بني عطية النازلين حوالي معان إلى تبوك، وجاء النجديون في ١٤ المحرم ١٣٤٣ إلى الكاف قريات الملح الواقعة على الحدود بين نجد والشام في ٢٢٠٠ - ٢٦٠٠ مقاتل كما قدرتهم حكومة الشرق العربي واستولوا في طريقهم على الكاف وأخذوا حاميتها وهي أربعون جندياً وضابطان وقتلوا المفرزة البريطانية النازلة في محطة الطيران في زيزاء وعددها اثنا عشر جندياً وضابط، ووصل الجيش إلى مضيق رأس العين محلة عمان، فخرج أهالي الصلت وعمان ومنهم شراكس وششن من النازلين في قرى الناعور وعين صويلح ووادي السير، اشتركوا مع الجند العربي في القتال من الصباح إلى العصر، حتى تراجع النجديون إلى محل يبعد ثلاث ساعات عن قصر المشتى إلى الشرق وكان تأثير الطيارات البريطانية في النجدين كثيراً هاجت لأصوات قنابلها إبلهم، وقد قتل النجديون من قابلهم بالسلاح من أهالي الزيزاء واللبن وأم العمد والطنيب والقسطل ومادبا ويادودة والرجيب وسحاب والموقر وعمان، وادعت حكومة الشرق العربي أن النجديين خسروا ألف قتيل وجريح على أقل تعديل وأن عدد قتلى عرب المنطقة مادبا وعمان لا يتجاوز المائة والعشرين
وأن خسائر الجنود والبدو المرافقين لهم بلغت عشرين رجلاً وامرأة، وقد عزز الجيش البريطاني في فلسطين قوة الشرق العربي بأربع دبابات وستمائة جندي. وقال العارفون من الأهلين: إنه قتل من أهالي المنطقة نحو ستمائة ولم يتجاوز قتلى النجديين المائة وأربعين قتيلاً وأن قتلى بني صخر فقط ثلاثمائة قتيل. والمقصود من هذه الغزوة عمان وأميرها عبد الله بن الحسين لأن اعتداءاتهم على تجار نجد كثيرة، وعاونهم العيسي والزبن والخريشة والحديد والعجارمة والدعجة، وذكروا انه كان في جملة النجديين كثير من عرب
стр. 767
حرب النازلين بين الحرمين لأنهم مغاضبون لملك الحجاز فالتحقوا بالإخوان نكاية به. وذكر بعض الواقفين على مجرى السياسة أن الجنيهات الإنكليزية وجدت بكثرة في جيوب الإخوان الذين غزوا بلاد الأردن للمرة الأولى وأن حملتهم لم تتقدم نحوها إلا بعد زيارة المستر فيلبي المندوب الإنكليزي في الشرق العربي لبلاد نجد.
وفي اليوم الأول من كانون الثاني ١٩٢٥ ١٣٤٣ أعلنت الوحدة بين دولتي دمشق وحلب فقط وعينت الوزارة برئاسة السيد صبحي بركات الخالدي على أن لا تسأل وزارته أمام مجلس النواب شأن الوزارات في العالم، ولا تسأل الوزارة عما تفعل، وتستمد قوتها من المفوضية العليا، وللمستشارين القول الفصل في كل الأمور، وهكذا الحال في نظار لبنان الكبير فهم غير مسؤولين إلا عند المفوضية العليا.
وأعلن الجنرال سراي المفوض السامي يوم وصوله إلى بيروت إخراج الحاكم الفرنسي الذي كان يتولى لبنان الكبير وأن يباشر المجلس النيابي اللبناني بانتخاب حاكم وطني، ولما اختلفت آراء النواب حل المجلس وبوشر بانتخاب جديد، وأخذ التعصب الديني بعض نواب اللبنانيين فآثروا حكم غريب على واحد من قومهم مهما كانت نحلته، أما حاكم العلويين فقد ظل إفرنسياً، ومن المظاهر الغريبة أن تستحكم اللغة الفرنسية في مجلس لبنان الكبير استحكام اللغة التركية من مجلس
وزراء سورية، وأن بعض أولئك النواب والوزراء التفرنس والتترك من أمارات الظرف والفضل، في ديار أرضها وسماؤها عربيتان وهي مستقلة بالإجماع، واللغة أول أداة في أدوات الاستقلال، وحجر الزاوية في بنيانه.
وفي كانون الثاني ١٩٢٥ رجب ١٣٤٣ رأى بعض المفكرين في حلب وحماة وحمص ودمشق أن الوقت ملائم لعرض مطالب الشاميين على المفوض السامي الجنرال سراي، فتألفت وفود من الأعيان والمفكرين من المدن الأربع وقصدت إلى بيروت وعرضت مطالب الأمة على المفوض السامي، وخلاصتها أن الحلفاء اعترفوا باستقلال الشام في ٧ تشرين الثاني ١٩١٨ وأنه يحق لها تقرير
стр. 768
مصيرها وأنه فككت أجزاؤها وأنشئت فيها دويلات صغيرة قضي بها على وحدة البلاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وأن القائمين بالأمر أثاروا النعرتين الطائفية والدينية، ومنحوا المدارس الأجنبية ذات البعثات الدينية المساعدات المالية والمعنوية، ليفصموا عرى الرابطتين الوطنية والقومية وليتمكنوا بهذا التفريق من القضاء على استقلال القطر ووحدته، وأن سورية بحدودها الطبيعية وطن واحد بلغتها وقوميتها وعاداتها وأخلاقها وتاريخها فلا مسوغ لتجزئتها وجعلها دويلات عديدة، وأن أسلاف المفوض السامي اتخذوا اختلاف المذاهب والمساومات السياسية معاول لتقويض بناء الوحد السورية، فسلخوا القسم الشمالي منها وأعادوه إلى الحكومة التي أُ نقذ منها في بادئ الأمر، ولم تزل طامعة بالاستيلاء على القسم آخر فحرموا هذا الوطن حدوده الطبيعية وخطوط دفاعه، والحدود إذا لم تكن عسكرية طبيعية لا سبيل إلى ضمان استقلالها. وأن المنتدبين السابقين لم يكتفوا بأن يحفظوا للبنان الصغير امتيازاته، بل عمدوا إلى ضم أرجاء أخرى من الداخل والساحل مما يزيد عن مساحته الأصلية مرتين، ويزيد على عدد سكانه مرة وجعلوه في صورة دولة لبنانية مستقلة، كما سلخوا جبل الدروز وجبال العلويين
وجعلوها دولتين. وطلبوا تأليف لجنة تأسيسية وإعطاء حق التشريع للأمة والحرية الشخصية وحرية الاجتماع والجمعيات والصحافة وإلغاء القرارات الاستثنائية والمحاكم الأجنبية وأن تدار الأوقاف الإسلامية والخط الحجازي الذي هو وقف إسلامي بمعرفة الحكومات الوطنية، وأن تمنع الهجرة الأرمنية إلى الشام لأن عدد المهاجرين إلى هذا القطر بلغ مائة وثمانين ألفاً زاحموا الوطنيين في الأعمال الصناعية والتجارية مزاحمة لا تحتمل إلى غير ذلك من المطالب كالنقد السوري ورفع الحواجز الجمركية وذلك بعقد اتفاقات مع الحكومات المجاورة كما عقد بين سورية وفلسطين للتبادل التجاري، وطلبوا إلغاء الديون العمومية وإبطال الضمانات الكيلومترية التي تعطي لبعض الخطوط الحديدية لاستغنائها بما تربح عن هذه المعاونة، وأن توحد النظم الإدارية، ويلغى قانون العشائر ويجعل حد لتدخل المستشارين في صغار الأمور وكبارها، وتسند الوظائف إلى أهل الكفاية من بني الوطن الأصليين ويقتصر على استخدام الوطنيين في جميع الوظائف المحلية.
стр. 769
وقد وعد المفوض السامي وفود المدن أربع بدرس مطالبهم وإنفاذ ما في وسعه ووسع حكومته إنفاذه، وأشار إلى أن الواجب عليهم أن ينظموا صفوفهم ويؤلفوا أحزاباً تسير بعقل وروية لا يتخذها بعض أرباب الأغراض سلماً لبلوغ غاياتهم. وقد عاد الجنرال سراي في خطاب له ألقاه في حمص أيار ١٩٢٥ خاطب به الأعيان بقوله: اعملوا على توحيد كلمتكم قبل اهتمامكم بالاستقلال فإن الاستقلال إنما يحصل عليه من اتحدت آراؤهم، إلى هذا أوجه نظركم، اتحدوا أولاً فإن الباني إنما يباشر وضع الأساس قبل أن يهتم بالتوريق والدهان اه. وبالفعل تأسس في سورية حزبان حزب من جميع طبقات الشعب واسمه حزب الشعب وآخر يناصر الحكومة الحاضرة واسمه حزب الوحدة كما تألفت في لبنان أحزاب.
صاحب الوعد للصهيونيين ومطالب الفلسطينيين
والسوريين وكوائن:
وفي يوم ٢٥ آذار ١٩٢٥ ١ رمضان ١٣٤٣ جاء القدس لورد بلفور الوزير البريطاني صاحب الوعد للصهيونيين يجعل فلسطين وطناً قومياً لليهود الذي صرح به في تشرين الثاني ١٩١٧ باسم بريطانيا العظمى، فاحتج المسلمون والنصارى فيها على مجيئه وأضربوا عن الأعمال إضراباً تاماً، وكان مجيئه للاحتفال بافتتاح الجامعة العبرية في بيت المقدس، وقد أرسلت برقيات الاحتجاج من أنحاء القطر على من فصل بعمله فلسطين عن أمها الشام، وجاء مساء يوم ٨ نيسان إلى دمشق فأظهر الدمشقيون نفرتهم منه ومن وعده، وأغلقت المدينة صباح الغد محتجة على وعده وبعد الظهر تجمع جمهور لا يقل عن خمسة آلاف في ساحة الشهداء أراد الدرك منعهم من التجمع بالتهديد والضرب فرشقه بعض الفتيان بالحجارة، فاضطر الدرك إلى استعمال السلاح في الهواء فجرح عشرون شخصاً هلك منهم اثنان واضطرت الحكومة اللورد أن يخرج إلى بيروت فأركب البحر والبيروتيون يحتجون عليه كاحتجاج الدمشقيين، ولم يستطع أن يرى اللورد من دمشق غير جدران الفندق، ومن بيروت إلا الطريق إلى السفينة فقط.
وفي ٢٨ أيار ١٩٢٥ أنذرت بريطانيا العظمى الملك حسين بن علي أن يغادر العقبة خلال سبعة أسابيع - وكان جاءها بعد أن سقط الحجاز في أيدي جيش الملك عبد العزيز بن سعود ملك نجد - لتستلمها حكومة شرق الأردن
стр. 770
وتضمها مع معان إلى الأصقاع التي تديرها لأنها ضمن الانتداب البريطاني، ولتحافظ عليها من الوهابيين الذين فتحوا مكة والطائف وانتزعوهما من يد الملك حسين، فأجاب جلالته إنه لا يسعه بالنظر للعهود المقطوعة له من الحلفاء ولا سيما بريطانيا أن
يتنازل عن هاتين البلدتين الحجازيتين العقبة ومعان وأنه لا يعترف بالانتدابات المخالفة لتلك العهود، وأبان ما سينجم عن عملها هذا الذي سيدعو إلى هياج عظيم في العالم العربي. وبعد أيام أوعزت إليه إنكلترا أن يغادر القطر فحملته إلى قبرص ليقيم فيها. وفي حزيران قتل الأشقياء قائدين فرنسيين في طريق دير الزور كانا يسيران في سيارة فبعثت السلطة طيارات أمطرت عشائر البواسرية التي فقد الضابطان في أرضها وابلاً من القذائف، فهلك منهم أكثر من ثلاثين نفساً وتلف كثير من الخيل والإبل والغنم، ثم حكمت على خمسة منهم بالقتل. وفيه جاء وفد من أعيان دروز جبل حوران وراجعوا السلطات الفرنسية يطلبون انضمامهم كما كانوا سابقاً إلى حكومة دمشق على أن يكون لهم بعض الامتيازات المحلية إذ ثبتت لهم مضرة الانفصال. كما أن وفداً من اللاذقية قابل بعض رجال تلك السلطة وأبانوا له الأضرار التي نشأت من فصل جبال النصيرية عن أمها سورية وطلبوا إرجاعها إلى حكمها.
وفي شهر نيسان ١٩٢٥ جاء فلسطين وزير المستعمرات البريطانية فقابلته وفود الأمة يتقدمها وفد اللجنة التنفيذية ووفد الحزب الوطني، وتكلم غير واحد من رجال الوفد معرباً عن ظلامة الفلسطينيين وضرر الوطن العربي، فرد الوزير على أقوالهم ومما قاله: إنه رأى فلسطين أسعد من الأربعين مستعمرة التي يهتم بشؤونها، وقدمت له الوفود تقريراً هذا ملخصه:
١ - قدم عرب فلسطين تقارير كثيرة وأرسلوا وفدهم إلى لندن مرتين وفي كل ما قدموه بينوا التناقض الغريب الذي يظهر في خطة الحكومة الإنكليزية في ديارهم على الرغم من أ - نص عهد جمعية الأمم. ب - العهود المقطوعة للملك حسين. ج - البلاغ المنشور من القائد اللنبي قائد الحملة الفلسطينية. د - بعض مواد صك الانتداب. هـ البيانات الرسمية والشبه الرسمية الصادرة من الوزارات.
٢ - جرت السياسة التي تسير عليها الحكومة في فلسطين إلى حالات
стр. 771
اقتصادية صعبة لا يمكن الاستمرار على تحملها، ودوام الحال على هذا الشكل دون أن يجد العرب آذاناً صاغية عادلة يؤدي حتماً إلى سقوط القطر في هوة أشد عمقاً من الحالة الحاضرة إذ أنهم. أ - يقضي عليهم أداء ضرائب باهظة للإنفاق على ترتيبات واسعة لا يتحملها البلد لتنفيذ السياسة الصهيونية التي لا يمكن أن تتفق مع مصالحهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية. ب - إنهم حرموا إدارة بلدهم وتمتعهم باستقلال ذاتي على حين ليسوا أقل مستوى من سكان البلدان العربية الأخرى مثل العراق وشرق الأردن التي تتمتع بحكم ذاتي نيابي. ج - حرموا حتى مما كانوا يتمتعون به من بلديات ومجالس إدارة ومجالس عمومية منتخبة ومن إرسال أعضاء إلى البرلمان في العهد التركي. د - فتحت أرضهم لهجرة يهودية كبيرة تحتوي على كثير من العناصر غير الصالحة لحياة البلاد وتحملها اقتصادياً واجتماعاً. هـ قد جعل للعناصر اليهودية أرجحية ظاهرة في الإدارة الرئيسية وفي تسيير المصالح اليهودية القومية والاجتماعية، هذا وهم أقلية ضئيلة عدداً ومصلحة.
٣ - ما أراد العرب في فلسطين قط، وهم يطلبون حقهم في الحكم التشريعي، أن يغمطوا حقوق اليهود الذين يساكنونهم، ولكنهم يريدون أن يتمتعوا بحقهم باعتبار أنهم أكثرية ساحقة في العدد والمصلحة، وباعتبار أنهم عدوا بوعود صريحة، وباعتبار أن عهد جمعية الأمم يخولهم ذلك مع حفظ حق اليهود الوطنيين في الاشتراك معهم في الإدارة والتشريع بحسب نسبتهم.
٤ - يعتقد العرب أنهم لن يطمئنوا في ديارهم ولن يروا في الحكومة البريطانية النية الحسنة التي طالما أعلنت أنها تنطوي عليها إذا استمرت في طرز الإدارة والسياسة التي سارت عليها في فلسطين إلى الآن مع أنهم يريدون دائماً أن يكونوا
على وفاق تام معها في مصالحها النزيهة، ويعتقدون أنه قد آن للحكومة البريطانية أن تقلع عن تجربتها العقيمة وأن تعيد نظرها بصورة جدية في هذه السياسة التي جعلت القطر وأهله في حالة اضطراب روحي وانحطاط اقتصادي وقلق.
٥ - وها نحن أولاء نقدم لها مطالب الأمة بصورة صريحة واضحة رجاء أن تبدل علاقة الانتداب السيئة.
стр. 772
١ - تأسيس حكومة وطنية مسؤولة أمام مجلس نيابي منتخب من الأهالي الفلسطينيين بحسب التمثيل النسبي.
٢ - تسن جمعية وطنية منتخبة القانون الأساسي الذي يضمن بقاء الأماكن المقدسة بيد أهلها القدماء على أن لا يغير شيء فيها وتحفظ حقوق الأجانب ومصالح الدولة المساعدة المتفقة مع مصالح البلد وتضمن مشاركة اليهود الوطنيين بالحكم والتشريع بنسبة عددهم ويراعى في وضعهما الحالة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية ضمانة التعهدات الدولية التي تحملتها الدولة المساعدة وهي التعهدات الصحيحة وحفظ الآثار وحرية الأديان ونحوها على النمط الوارد في المعاهدة المعقودة بين الحكومة الإنكليزية والعراق اه.
تاريخ الصهيونية وعملها الأخير:
ولما كانت الصهيونية من أهم المسائل التي تشغل بال الشاميين عامة وإخوانهم أهل فلسطين خاصة وكان لها مساس بسياسة هذا القطر وتاريخه عهدنا إلى أحد الواقفين على أسرارها فكتب إلينا ما ملخصه: اليهود قبيلة سامية نزحت من العراق إلى فلسطين وسمنت فيها زمناً، ثم هاجرت إلى مصر فمكثت هناك مدة طويلة وانقلبت إليها، وفتحتها فتحاً عسكرياً وتسلطت على بعض شعوبها. وقد أسسوا شبه حكومة ثم ما لبثوا أن دب فيهم الفساد، فانشطروا إلى قسمين شمالي وجنوبي، وأمسوا عرضة لغارات حكومات مصر وآشور وبابل لوقوع أرضهم
في الطريق الوحيد بين الدول المتزاحمة، ثم تغلبت تلك الدول عليهم فسبوهم وأخرجوهم من فلسطين، فبدأت نفوسهم تحن لإعادة مملكتهم القديمة وإحياء قوميتهم، وقد كبر هذا الرجاء في نفوسهم، فحاولوا مرات استردادها من أيدي الرومانيين ففشلوا، وخرب تيطس هيكلهم وشتتهم في أطراف الأرض، وسرعان ما ثاروا بقيادة باركوخبا ومساعدة الحاخام عقيبا فأخفقوا، وعجزوا عن الخلاص من حكم الرومانيين الثقيل.
ورغم هذه الصدمات أصبحت فكرة الرجوع إلى فلسطين عقيدة دينية عندهم، برزت في آدابهم الشعرية والنثرية، وأظهروا من الحنين إلى فلسطين
стр. 773
والتلهف على زوال مجدهم، ما خلد ذكرهم في تاريخ الأدب. وقد زعم كثيرون أن المسيح أتاهم مبشراً بالرجوع إلى أرض الميعاد فلم ينجحوا لأن البيئة التي عاش فيها اليهود قروناً حالت دون بلوغهم أمنيتهم وحرمتهم الشعور بالروح القومي، لو لم تتوالى عليهم عواصف الاضطهادات في أوربا التي أيقظتهم ودفعتهم إلى إظهار الصهيونية الحديثة التي أوجدها عاملان الأول الشعور بالقومية، الثاني مضادة اليهود العامة. والقصد من الصهيونية عزل الشعب اليهودي عن الشعوب الأخرى، وجعل فلسطين وطناً خاصاً بهم، يقوم على القومية ويعترف لهم به اعترافاً دولياً مضموناً ضماناً شرعياً.
ظهرت الصهيونية بمظهرها الحقيقي سنة ١٨٥٢م حين حضّ هولنكسورث الإنكليزي على إقامة حكومة يهودية في فلسطين لحماية طريق الهند البرية. وسافر السر موسى منتفيوري إلى فلسطين وطلب من محمد علي باشا المصري إسكان اليهود في القطر فرفض طلبه. وقام كثيرون من الأدباء والسياسيين واقترحوا اقتراحات مختلفة منها جعل فلسطين حكومة يهودية، أو عمل خط حديدي في العراق وإسكان اليهود على جانبيه أو إيجاد مأوى لهم في شرق الأردن.
وقد حاكم كاليشر في كتابه مطلب صهيون حول استعمار فلسطين واستملاك الأرض وإنشاء مدرسة زراعية وتأليف حامية إسرائيلية عسكرية ومزج الفكرة القومية بالروح الديني وصرح أن الخلاص الذي نوه به الأنبياء يأتي متتابعاً بمساعدة اليهود أنفسهم. وسافر مراراً لترويج هذه الفكرة، وألف الجمعية الأولى الاستعمارية في فرنكفورت سنة ١٨٦١ وحمل بعض الحاخاميين على الاشتراك معه وأعلن بعضهم أن الاستعمار في فلسطين من الأمور المقدسة فألهبت تقوى اليهود هذه الجملة البراقة، وألفوا بعض جمعيات استعمارية في الممالك الأوربية وأُسست المستعمرة الصهيونية الأولى عيون قارة في فلسطين سنة ١٨٧٤. إلا أن العمل الجدي شرع فيه سنة ١٨٩٧ عند عقد المؤتمر الأول الذي اشترك فيه ممثلو خمسين جمعية صهيونية وبرزت الروح الاستعمارية بشكل جلي فقاومتها الحكومة العثمانية بوضع العراقيل أمام هجرتهم وقيدتهم بقيود
стр. 774
جعلت هجرة اليهود إلى فلسطين في حكم المستحيل تقريباً. وكلما كان ينتعش الروح اليهودي القومي يشتد كره الأمم لهم، وهم لا يعبئون بذلك زاعمين أنها موجة ستضمحل أمام الرقي العلمي المنتشر هناك، فانتهت عاقبة هذا الرجاء بالفشل وتعرضوا للاضطهاد في الأقطار.
ألف الزعيم الصهيوني الكبير تيودور هرتسل كتابه الوطني اليهودي سنة ١٨٩٥. وقد جاء فيه أن مقاومة اليهود في نمو مستمر ومقاومتهم خطر على العالم بأسره، لأن اليهود شعب لا يمتزج بغيره والاختلاط الحقيقي يكون بالزواج المتبادل، واقترح فيه أن يعطي لهم جزء من الأرض في فلسطين أو الأرجنتين ليجتمعوا بها ويقيموا لهم وطناً خاصاً بهم، وإذا سمح لهم بفلسطين فإنهم يرون من الواجب أن تكون محلات العبادة المختصة بالطوائف الأخرى ملكاً ممتازاً لهم. وأشار بتأليف جمعية تشرف على الأعمال العلمية والسياسية وتأسيس شركة يهودية كالشركات
الإنكليزية والفرنساوية الصناعية الاستعمارية العظمى يكون رأس مالها ٥٠ مليون ليرة إنكليزية وتتخذ لها مركزاً رئيسياً في لندن، ويعهد لهذه الشركة بالأعمال التي تهيئها اللجنة التنفيذية اليهودية وتسعى الطائفة الجديدة لترويج المهاجرة بطريقة منتظمة، ولم يعبأ هرتسل بقوانين الكنيسة فطلب فصلها عن السياسة.
ولما زار هرتسل بريطانيا العظمى لم يقبل اليهود على دعوته كما أقبل أهالي أوربا الذين ناصروه بالمال والرجال. وأول من أعتقد بصحة مشروع الوطن اليهودي جمعية زيون في النمسا التي طلبت تأليف جمعية يهودية عامة، واقترحت تأسيسها في لندن، ثم عرفوا هرتسل أن جمعيتهم قبلت دعوته. وظهر أن الذين استهوت قلوبهم فكرة تأليف الجنسية اليهودية هو الذين اعتبروا هرتسل زعيماً ومخلصا لهم. ولكن المتدينين قاوموه عندما عرفوا أن بعض زعماء دعوته لا دينيون. وتصدى له رؤساء الحاخامين في روسيا وألمانيا والنمسا وإنكلترا وقالوا: إن الصهيونية حركة بعيدة عن اليهودية وإنها مخالفة لأوامر الله تعالى. وقال الكاتب الشهير لوسيان وولف: ن الصهيونية حماقة، وقال غايكر: إن الصهيونية تؤدي إلى حرماننا حقوقنا المدنية في الممالك الخارجية. أما بعض نصارى أوربا فقد أظهروا عطفاً على الصهيونية وطفقت بعض جرائدهم تحض اليهود على
стр. 775
استعمار فلسطين إتماماً لنبوات التوراة، فصادفت دعوتهم رواجاً وتكاثر دافعو الشاقل الذين انضموا إلى الصهيونية على مقاومة أنصار الدين لها وقد عقدت بين سنة ١٨٩٧ - ١٩١١ عشرة مؤتمرات، وبعقد المؤتمرات قصد هرتسل إحياء الشعور القومي في اليهود ونشر الدعاية الصهيونية، وقد نجح في فكرته هذه ووفق لعقد المؤتمر الأول في مدينة بازل سويسرا سنة ١٨٩٧ فاشترك فيه أعضاء كثيرون بعضهم يمثل جماعات وبعضهم جاءوا عن أنفسهم وقد قرروا ما يلي:
١ تعليم اللغة العبرية ونشر آدابها وإنشاء مدرسة كبرى في يافا أو القدس.
٢ إنشاء مدارس يهودية في الأحياء الإسرائيلية لتعليم اللغة العبرية وتأليف لجنة تعتني بالآداب العبرية.
٣ إنشاء صندوق توفير يهودي وقد وضعت قاعدة غرض الصهيونية وهي إيجاد وطن للشعب اليهودي في فلسطين مضموناً ضماناً شرعياً دولياً وتتخذ الوسائل للوصول إلى هذا الغرض.
١ ترقية حال الزراع اليهود والتجار في فلسطين.
٢ تحالف اليهود تحالفاً محلياً أو عمومياً حسب قوانين مواطنهم المختلفة.
٣ تقوية الشعور اليهودي.
٤ بذل المساعي الأدبية للحصول على المنح الضرورية لضمان الغرض الصهيوني وقد أسست فروع عديدة للقيام بهذه المشاريع وجمعت ٤٠٠٠٠٠ ليرة إنكليزية.
وافتتح المؤتمر الثاني في مدينة بازل أيضاً سنة ١٨٩٨ وتألف من أعضاء الجمعية الصهيونية العاملة وبعض الزعماء من الأقطار الأخرى واشترك فيه عدد من حاخامي روسيا المعترف بهم رسمياً نواباً عن اليهود المتدينين، وورد عليه أربعون برقية من الحاخامين المتعصبين يعلنون بها اعتقادهم بالصهيونية، فانضم إلى الجمعية الصهيونية نفر كبير من اليهود، وقد أسس هذا المؤتمر جمعية استعمارية غرضها توسيع نطاق الاستعمار بشرط اكتساب رضى
следующие страницы →