← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 37063

خطط الشام

محمد كرد علي

Полный текст (1 453 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

سنة، ونزل الطلبة في المدارس: المدرسة الخسروية والمدرسة العثمانية والشعبانية والقرناصية والإسماعيلية، وربطت لهم رواتب تعاونهم بعض الشيء على ما هم بسبيله، يتقاضونها من أوقاف تلك المدارس ويقرأ الطلبة اليوم على أساتذة تلك المدينة على نظام في الجملة ويرجى أن يكون منهم علماء دينيون ومتأدبون. أما علماء الدين عند المسيحيين والإسرائيليين فأخذوا يتعلمون في مدارس لهم نظامية في روسيا أو إيطاليا أو أميركا وغيرها فلا يرقى في الأغلب إلى الرئاسة الدينية عندهم إلا من توفرت فيه شروط العلم والنباهة، ويكون على الأغلب بانتخاب أقرانه، ولذلك جاء البون شاسعاً بين عقلية علماء الدين من المسلمين وعقلية غيرهم من أرباب الأديان، وغدا أرباب الإنصاف يقولون بالرئاسة الدينية في الإسلام على النحو الذي هي في النصرانية، لأنه ثبتت فوائدها في تثقيف العامة وجمع كلمة الخاصة، ولأن الحكومات ليس من شأنها أن تعلم إلا البسائط العامة المشتركة، والأمور الأخرى من شأن زعمائها الذين تعتقد فيهم صلاحها. ومن أغرب الحالات أن مدارس الحكومة في جميع المقاطعات الشامية لا يتعلم فيها غير المسلمين، أما سائر الطوائف فلا يعتمدون في تعليم أبنائهم على غير مدارسهم أو على مدارس المبشرين. وبهذه الطرق المختلفة في مناحي التربية يستحيل أن يجتمع أبناء الوطن على مقصد واحد، لأن كل فرد يتعلم النفرة من مخالفه في معتقده، وخصوصاً في مدارس بعض الرهبنات التي تهزأ بالإسلام والعرب، وتحرّف التاريخ الصحيح ولا تعلم منه إلا ما ينطبق مع رغائبها، ولا يفيد شيئاً في تكوين الوطنية والقومية، ولو اتحدت التربية واشترك جميع أبناء الشام في التناغي بها والاعتماد عليها، لا تلبث هذه الأمة خمسين سنة أن تخرج سماؤها سلسلة طويلة من الرجال يرفعون مستوى العقل فيها، ارتفاعه عند أُمم الحضارة في الغرب، ويؤثرون فيها كما أثر أجدادنا في مجموع الحضارات الحديثة. وعندنا أن لا نهضة في الأخلاق والعلم والشؤون الاقتصادية والاجتماعية إلا إذا تعلم تعليماً صحيحاً، لأنهم ستة أسباع السكان، والثروة الثابتة ملكهم، وهذا لا يتم إلا إذا تعلم أبناء غير المسلمين مع أبناء المسلمين تعليماً وطنياً واحداً.

стр. 912

الجامعات والكليات: احتفل الصهيونيون سنة ١٣٤٣م بإنشاء جامعتهم العبرية في القدس يعلمون العلوم باللغة العبرانية ولا تمضي خمس عشرة سنة حتى تنبعث الديانة اليهودية والمدنية اليهودية من مراقدها، كما انبعثت منذ القرن الماضي في بيروت شعلة المدنية الأميركية والمذهب الإنجيلي من الجامعة الأميركية، وانتشرت المدنية الفرنسية والكثلكة من كلية القديس يوسف اليسوعية. وفي ١٥ حزيران ١٩٢٣م أُسست في دمشق الجامعة السورية وهي ذات فرعين الطب والحقوق لتكون جامعة عربية للشام بالمعنى الذي يفهمه العلماء من الجامعات ثم أُضيفت إليها شعبة الآداب وألغيت بعد سنين، وما زالت اللغة العامية شائعة في مدرستي الطب والحقوق، لأن معظم المدرسين من الطبقة التي لا تقيم للعربية وزناً، فقد تخرجت في مدارس الترك لتكون من الموظفين في الحكومة العثمانية، ولم تُعن بالمطالعة والبحث ولا بالتأليف والترجمة، وبعض الشهادات التي كان العثمانيون يعطونها من مدارسهم مشهور أمرها، ومن الغريب أن توسد هذه الأعمال العلمية الجليلة إلى أُناس هم أتراك في تربيتهم وأفكارهم ومنازعهم في صميم بلاد العرب، وفي جامعة عربية يراد منها تكوين أمة عربية. ويرجى إدخال الإصلاح المنشود إلى هاتين المدرستين العاليتين إذا وُسدت مناصب التعليم فيهما إلى كفاة، يحسنون العربية إحسانهم العلم الذي يدرسونه وأن تصقل أماليهم بأيديهم صقلاً متقناً بحيث تصدر دروسهم عن علم أتقنوه وتمثلوه وهضموه وصار لهم ملكة خاصة، لا مترجمة في الأكثر عن التركية ترجمة جذماء عوجاء كما يفعلون إلى اليوم، ومتى كانت اللغة التركية لغة علم وعنها يؤخذ في مثل هذا العصر، والمعلوم أن لغات العلم ثلاث الإنكليزية والفرنسية والألمانية ليس إلا، ومتى كانت تربية الأعاجم تصلح للأمة العربية التي يجب أن تتكون بحسب تاريخها ومنافعها الحاضرة والمقبلة. وبعد عشرين سنة مضت على هذا التدوين ارتقى مستوى التعليم في الجامعة السورية وارتقت اللغة العربية فيها باعتزال من ربوا تربية تركية ووسد إليهم أمر التعليم لأول إنشائها وجاء أساتذة أتقنوا العربية وآدابها وهم اليوم يلقون دروسهم

стр. 913

بلغة أقرب إلى الفصحى وقد وضعوا التآليف في الطب والحقوق بلغة عربية مقبولة. ولا سبيل إلى الانتفاع بالجامعة السورية نفعاً حقيقياً يتفق مع شهرة الديار الشامية القديمة بالعلم إلا إذا تمت فروعها فأُنشئت فيها مدرسة للآداب وأُخرى للعلوم وثالثة للإلهيات، وبذلك تتم فروعها وتنبعث منها أنوار الحكمة المشرقية والمغربية، ولا غضاضة علينا إذا جئنا من مصر وديار الغرب بعلماء أخصائيين في الفروع التي لا نحسنها من ضروب العلم، نتعلم منهم طريقتهم في البحث والدرس والتحليل والتركيب، فالقطر المصري وهو أسبق منا في العلوم ما زال إلى اليوم يأتي من الغرب بعلماء يوسد إليهم الإدارة والتعليم في جامعته. وعلى ذكر القطر المصري لا بأس بأن نشير إلى أن المتعلمين من الشاميين ما برحوا يفزعون إلى مصر منذ أواخر القرن الماضي يخدمون الآداب ويرزقون منها، فكان لمصر الفضل على الشام وبنيه لأنها كانت منبعث قرائحهم. وكان في هذه المقايضة العلمية بين الشام ومصر من الفرائد ما لا يمكن أحداً جهله. وبعد ذلك يرجى أن لا يضيق كثيراً نطاق اللغة العربية، بعد أن رأى الناس أمرها يضعف الحين بعد الآخر في الغرب والجنوب، وهي إلى ضؤولة في الشرق والشمال والوسط على ما يبذله المجمع العلمي العربي منذ سنة ١٣٣٧هـ من العناية بنشرها وتهذيب ألفاظ الكتاب وتراكيبهم، والأخذ بأيدي المؤلفين والمترجمين، وتحبيب المطالعة إلى الجمهور، وتعليمه في محاضرات ودروس عامة، وعرض آثار مدنية الأسلاف على أنظاره لبعث عقليته من رقدتها. وإذا توفرت الجامعة السورية العربية على صياغة علماء إلهيين وعلماء مدنيين وأُدباء ومهندسين وطبيعيين وكيماويين وزراعيين وأطباء وحقوقيين وأثريين يعرفون كيف يبحثون ويعلمون، نخدم المدنية خدمة حقيقية. الإخصاء: وبعد فإن أهمّ ما ينبغي صرف العناية إليه اليوم نشر العلوم الانسيكلوبيدية، أي المشاركة في العلوم المتعارفة، ثم الانقطاع إلى فرع واحد، أي إلقاء النظر على المعارف التي تنير الفكر من العلوم الطبيعية والرياضية والاجتماعية والتاريخية

стр. 914

والأدبية ثم معالجة موضوع واحد: إذا كانت القرون الوسطى قرون التعميم في التعليم، فإن هذا العصر عصر التخصص. فقد اتسعت معارف البشر النظرية والعملية فدعت الحاجة إلى أن يقسموها بحسب استعدادهم وحاجاتهم إلى أقسام ينقطع إليها أفراد. فالأصول من المعارف هي المعلومات العامة وتفرعاتها هي الإخصائيات. كان بادئ بدء كل شيء مفهوماً في الفلسفة، فكانت لفظة عام عند الأمم الجاهلة تتناول جميع العلوم، وتنقسم إلى قسمين: المحسوسات والمعقولات، ودعيتا علوم الطبيعة وعلوم ما وراء الطبيعة. أما الصنائع اليدوية فلم تكن منظمة تنظيماً معقولاً ولا جارية على طريقة معقولة، وكان أرباب الأفكار يحتقرونها فلا يمارسها إلا الصعاليك يخلفون في تعلمها آباءهم، بدون وقوف على القوانين الميكانيكية أو الطبيعية التي كان يعملون بها على الدوام. ثم حسنت الحال بالتدريج ودخلت الأعمال في طور نظام، وانتظمت العلوم الرئيسة لا سيما الآداب والفنون وعلوم النظر والعلوم العملية أي التجارة والصناعة والحرف، ونشا الإخصاء في كل فرع من فروع هذه الطبقات. فالطبيب مضطر إلى تعلم أمور كثيرة، ولا يخصي في تعاطي فرع واحد إلا في المدن، أما في القرى فيمارس كل فرع من فروع الأمراض الباطنية والخارجية. وهكذا الحال في الأعمال التجارية والصناعية فإن كل حرفة أو مهنة تنقسم إلى أقسام. وقد دخل كل علم اليوم في دائرة الإخصاء حتى ما يلزم الطاهي والبائع من المعارف، فأصبح من الضروري بالنظر لتكاثر أعمال البشر، أن يزيد أبداً الإخصاء في كل علم وشأن. وإذا نظرت إلى إخصاء من حيث العلم فإنه دليل الكفاءة وبدونه لا يكون عالم، فإن المبادئ الأولية من جميع العلوم هي ولا شك نافعة لكل الناس، ومتى حاز المرء قسطاً من هذه العلوم ورأى أن يتبحر فيها يجب عليه تعيين الموضوع الذي سينصرف إليه وبدون ذلك يتقدم المرء في عمله تقدماً بطيئاً، ويخلط ويبقى متوسطاً وإلى ضعف. والإخصاء ضروري أيضاً في العلم العملي أي في المعامل والأعمال اليدوية وذلك للسرعة في الإنتاج وبهذا يرى أرباب معامل الإبر والخياطة في لندرا أن في تقسيم الأعمال اقتصاداً كبيراً.

стр. 915

إذا قسمت الأعمال وأخصى المشتغلون بالعلوم وتوسعوا فيها، فالإخصاء يؤدي ولا جرم إلى الضعف الأدبي، وذلك أن العاملات مثلاً إذا قضين نهارهن في عملهن السهل اللطيف في الظاهر، كأن يتوفرن على إدخال الخيوط في إبرهن فإنهن لا يفقدن شيئاً من حواسهن، ولكن ثبت أنهن يفقدن حاسة النظر في أقرب وقت. أما القوى العقلية والقوى المماثلة لها فإنها تتأذى أيضاً. ومن ينصرفون في العلم المحض إلى الإخصاء ككثير من الرياضيين والمهندسين والفلكيين يعيشون في العالم كأنهم ليسوا منه، ويدهشون من عاصروهم بغرابة أخلاقهم، وتشتت أفكارهم، وبالجملة فيقضي على كل مخصٍ في العلم أو في الصناعة أن يحرز حظاً من المعارف لأول أمره، وأن يخصي في علمين أو ثلاثة، فإذا مارس أحدها أراح غيره اه. الصحافة العربية: نشأت الصحافة، أي نشر صحف الأخبار، بعد انتشار فن الطباعة الحديثة عام ١٥٦٦م في مدينة البندقية، ولم تلبث أن انتشرت في أوربا، ولكنها لم تُعرف في ديار العرب إلا في سنة ١٧٩٩م أنشأها في مصر نابليون بونابرت، ولم تصل إلى الشام إلا في أوائل منتصف القرن التاسع عشر، ففي بدء سنة ١٨٥١م أنشأ المرسلون الأميركان في بيروت أول مجلة عربية اسمها مجموع فوائد. وللشاميين الفضل الأول في إنشاء الجرائد، جمع جريدة، وهو الاسم الذي وضعه أديب لبناني للتعبير عن أو ثم وضع لغوي لبناني آخر اسم مجلة للتعبير عن أو أطلقه على هذه الرسائل الدورية التي تضم بين صفحاتها مختلف الفوائد في شتى الموضوعات. وما زال للشاميين الفضل الأكبر في إنشاء الجرائد والمجلات. وقد أنشئوا في الآستانة ومصر وتونس وأوربا وأميركا صحفاً عربية كثيرة، وآزروا في صحف كثيرة، كما أنشئوا في الشام صحفاً كانت تعلو وتسفل بحسب مقدرة القائمين بها، ذلك لأن الأمية كانت غالبة، ولم يكن الإقبال على مدارس المرسلين والمدارس الطائفية وهي التي سهلت درس العربية قبل غيرها، هذا الإقبال الذي شوهد من بعد،

стр. 916

وخرج مئات الطلاب الذين كان أقل ما ثقفوه فيها تعلم مبادئ لغتهم ومبادئ اللغات الأجنبية. ولما احتل البريطانيون مصر وزاد الضغط على الصحافة العربية في الشام، هبط مصر كثير من نبهاء الكتاب الشاميين من أرباب الصحف ومن المترجمين وغيرهم، وأنشئوا جرائد ومجلات ومنها إلى اليوم جريدتا الأهرام والمقطم ومجلات المقتطف والهلال وغيرها من الجرائد والمجلات التي نشرها الشاميون وعاشت مدة ثم احتجبت. وكلها أبلت بلاءً حسناً في خدمة الأفكار ونشر الآراء العلمية والتهذيبية والأدبية والدينية. وقد نشرت في الشام وفي مصر بأقلام الشاميين أنفسهم صحف ومجلات كثيرة لم يكتب لها البقاء، وإن كان بعض القائمين بها على حصة موفورة من العلم والأدب، وقضي عليها لقلة القراء، أو لوفاة أصحابها كمجلة الضياء والمنار ولم يأت من يخلفهم في موضوعهم. وأخرى أن المجلات المفيدة لم تجد من الحكومات والجمعيات معاضدة فعلية. ظلت الصحف السياسية والمجلات العلمية مستندة إلى قوى أصحابها فقط، ولو كان في القوم أُناس يحبون حقيقة معاضدة الآداب لألفوا شركات برؤوس أموال كبيرة لإنشاء بضع صحف ومجلات تخدم الخدمة اللازمة، ولا تسف إلى تناول ما يسد بعض عوزها من الحكومات أو من أفراد أو من أرباب المظاهر يعطون المجلات أو الجرائد ما تيسر حتى تسبح بحمدهم وتنشر محامدهم وصورهم فالجرائد والمجلات بذلت الجهد إذاً في نشر الأفكار والتهذيب في الشام على قلة الوسائط، وكان صوتها يسمع أكثر مما سمع لو بذلت الأمة العناية بتعهدها أكثر مما بذلت، نعم كانت خير معلم وأجمل مدرسة للناس، ترشدهم في جميع ما تشتد إليه حاجتهم من المعارف، وتغرس في نفوسهم روحاً وطنياً لا تقوم الأمم بغيره، وتلفن الجمهور على اختلاف نزعاته تربية سياسية صالحة في الجملة لأمة لم تستقر حالتها السياسية. دخل منذ ثمانين سنة كثير من النبهاء في الصحافة، ولكن المتوسطين الذين خاضوا غمارها كانوا أوفر عدداً، فأفسد المتوسطون عمل الذين كان يرجى من أقلامهم رفع مستوى المعارف. ومع كل الضعف الذي تجلت أعراضه في كل أدوار الصحافة الشامية كان منها أن علمت الناس ما لم يكونوا يعلمونه،

стр. 917

علمتهم أن وراء حياتهم المادية حياة معنوية، لا تبقى لهم مادياتهم بدون الأخذ بحظ وافر منها، علمتهم بسائط من التاريخ وحال الأمم وسياسات السياسيين وقوانين المشرعين واستعمار المستعمرين وتدليس المدلسين، وأن أمتهم كانت شيئاً مذكوراً فيما مضى، ولا حياة للأحفاد بدون الأخذ من سيرة الأجداد، والاقتباس من المدنية الحديثة كل ما لا ينزع منهم مشخصاتهم ومقدساتهم، وأصبح بعض العامة ممن أدمنوا تلاوة الصحف وتفهمها، أرقى عقلاً من كثير ممن كانوا يسمونهم بالخاصة منذ مائة أو مائتين من السنين. علمتهم أن لا قيام لأمرهم إلا بالقومية العربية، وأن نغمة الدين وحدها لا تنجيهم مما هم فيه لأن التساهل بأمور الدنيا يذهب بالدين والدنيا معاً. علمتهم أن الغرب لا يريد خيراً للشرق، والشرق شرق والغرب غرب، وأن الأقليات التي كانت تصرفها أوربا بحسب أميالها السياسية لا تعيش إلا بالاندماج في الأكثريات، وتوحيد المقاصد الوطنية، وكل أمة تُحكم برأي السواد الأعظم من أبنائها. علم معظم الناس، إلا أُناساً مأخوذين بتعصبات مذهبية ونعرات طائفية، أن الغرب لتحقيق أغراضه يفادي بكل من يمتون إليه بصلة من صلات القربى المذهبية، وأن الاعتبار عنده للمصلحة كيفما كانت وكان السبيل إلى الحصول عليها، وقاعدتهم كلهم الغاية تبرر الواسطة. ولقد عرفت الحكومات التي استولت على هذه الديار منذ نشأة الصحافة الشامية كيف تستفيد من هذه القوة، فكانت تحتال في أول دور أن تشرّف صاحب الجريدة برتبة لها ووسام، ومن خالف الصدع لأمرها تكسر قلمه وتشرده وتسجنه وتُنزل عليه غضبها، وقد تجلى ذلك في الثلث الأخير من الدور الحميدي، فلما أعلن القانون الأساسي أخذ الأتراك الذين قبضوا بعده على زمام المملكة يتوسعون في هذا المبدأ مبدأ السير بقوة الصحافة إلى الغرض الذي يرمون إليه، فصانعوا بعض أربابها وضحكوا من بعضهم بإكرامهم وإعطائهم مالاً. ولما جاءت الحكومات المنتدبة وهي من أعرف الأمم بتأثير الصحافة في الأفكار لم تقصر في اتخاذ هذه النظرية على طريقة جمعت أيضاً بين الرغبة والرهبة والعطاء والمنع. ولم تخل الشام في كل دور من أُناس باعوا في خدمة صاحب القوة ضمائرهم، شأن كل أمة جديدة في الحياة السياسية، ولكن ظهر ذلك جلياً في صحافتنا لأن الدعاة للقوة ضعاف،

стр. 918

حتى في فهم ما انتدبوا إليه، فكانت تنكشف أعمالهم منذ أول يوم يسبحون بحمد من استهووهم. وبعد فالصحافة العربية في الشام تحتاج إلى أربع أو خمس صحف وبضع مجلات على النمط العالي من نوعها في أمم الحضارة، تصدر في أُمهات حواضر الشام القدس وبيروت ودمشق وحلب وترجع في شؤونها إلى شركات منظمة تدير ماليتها، أو أحزاب سياسية ثابتة تدير حركتها، ويوكل أمرها إلى كفاة ينسجون فيها على أحسن منوال نسجته صحافة أوربا وأميركا، ونحن لا نتطال إلى أن يكون للشام صحافة كصحافة بريطانيا العظمى بوفرة مادتها، وصدق لهجتها لأمتها، وسرعة تناولها الأخبار، وتنويع أساليب التعليم والتفهيم، بل نرجو أن تكون لنا صحافة متناسب مع ماضينا وحاضرنا، بحيث لا تكون الشام أحط من مصر في هذا الشأن على الأقل. الصحافة عنوان ارتقاء الأمة، وليس ما يمنع من إبرازها في قوالب مقبولة لجميع الأذواق، وهذا لا يتم إلا إذا وسدت أعباء الصحافة للعارفين. قلنا في سنة ١٣٢٨هـ ١٩١٠م من مقالة المجلد السادس من مجلة المقتبس: وقد رأينا هذا التهالك على إنشاء الصحف والمجلات حتى كان لنا منها نحو مائة صحيفة في هذا القطر الصغير، نأسف لأكثرها على الورق الذي تطبع فيه والوقت الذي يصرف عليها، وهي خلو من الفوائد اللازمة، ولولا بضع جرائد ومجلات لا بأس بها في الجملة، لقلنا إننا بعد اشتغال ستين سنة في الصحافة لا نزال في حالة ابتدائية، إن للنجاح في الأعمال أسباباً كثيرة، منها ما هو مادي ومنها ما هو معنوي، إذا اختل أحدهما تعذر النهوض بالشق الآخر. وإنشاء الجرائد والمجلات لا يخرج عن هذا المقرر. وهل في الأرض عمل لا يحتاج إلى علم وتجارب ومال واستعداد؟ ولطالما رأينا مصر في الثلاثين سنة الأخيرة، والشام في عهدها الدستوري وغيرهما من الأقطار والأمصار التي يتكلم أهلها بالعربية، تتجرأ على إصدار الصحف بدون حساب ولا روية، وأدركنا العامة أجرأ من الخاصة على اقتحام هذا المركب الصعب، وليس لديهم في الأغلب من وسائط النجاح كبير أمر، فلا يلبث ما ينشئون أن يظهر إلى الوجود حتى يختفي اضطراراً لا اختياراً. وهذا هو السبب في تعدد الجرائد وقصر أعمارها واشمئزاز

стр. 919

الناس منها، إذ توهموها بما تمثل لهم من حال بعض من أقدموا عليها آلة للتكسب والتدجيل لا أداة للوعظ والإرشاد والتعليم. ما رأينا صناعة من الصناعات استسهل الناس أمرها كالصحافة، فلم يعهد معلم في النجارة أو الحدادة أو البناء أو الهندسة يحترف هذه الحرف بدون سابق ممارسة ويتصدر للاعتياش منها وهو لا يعرف من أسرارها سراً، ولكن فن الصحافة في هذه الديار الذي يتوقف النجاح فيه على أسباب كثيرة أهمها العلم والتجربة والمال، قد رأينا أُناساً من الأغمار يدّعونه بدون خشية وأكثرهم لا يعرفون قراءة الجرائد والمجلات دع تأليفها وإصدارها. كان جمهور الناس إلى عهد قريب يشارك الأطباء في طبهم، فترى الكبير والصغير إذا عرض لهما مريض من خاصتهما ومعارفهما لا يتوقفان في وصف علاج يشفيه، مدعين أن ذلك من مجرباتهما أو مجربات أصحابهما، ولما كثر الأطباء واستنارت الأمة بعض الشيء خفت هذه العادة في التعدي على الأطباء في طبهم إلا عند الطبقة الجاهلة. أما الصحافة فيدخل فيها بالفعل أُناس ليسوا منها وليست منهم، ويصفون للأمة أدوية تقيها الأسواء والأرزاء، ويعترضون على العالمين والحاكمين والسلاطين بلا خشية ولا حياء، كأن طب الأرواح ليس أصعب من طب الأشباح، أو كأن الصحافة من العلوم اللدنية لا الكسبية، يتعلمها المرء بالذوق وتوحي إليه إيحاءً. من أجل هذا احتقرت الأمة الصحافة لما رأت من ضعف بعض أدعيائها في أخلاقهم ومعارفهم وقد شانوا اسمها بجمالها، تذرعاً إلى مطمع ينالونه، وصيت بالباطل يحصلونه، ومقام عالٍ ينزلونه. نعم لم نشهد العطار بيطاراً، ولا الإسكاف نجاراً، ولا الحطاب رساماً، ولا الفحام نظاماً، ولا الجوهري حجاماً. ولكن شهدنا الفلاح صحافياً، والمتشدق مؤلفاً، والثرثار محامياً، والمكثار خطيباً. كما نشهد الأغبياء قد يحاولون مجاراةالأذكياء، والفقراء يقلدون الأغنياء. بيد أن سنن الفطرة التي لا تغالب، ونظام هذا الكون البديع الذي قلما اختل، يعاقبان المعتدي على ما لا يعلم بما جنته يداه، كما قيل في الأمثال الإفرنجية كل خطاء يحمل عقوبته فيه. وندر جداً في الناجحين من تيسر لهم الوصول إلى ما وصلوا إليه إلا باتخاذ الذرائع المنجحة، ونسج حلل مجدهم بأيديهم.

стр. 920

رأينا كثيراً ولا سيما في مصر والشام التصقوا بالصحافة وأنفقوا ثرواتهم في سبيلها فلم ينجحوا، ورجعوا بعد العناء الطويل وخسارة المال صفر الأيدي خائبين، لأن مائدة العلم لا يجلس إليها طفيلي، ولأن التمويه إن صعب في عمل فهو في الأعمال العلمية أصعب. . . ولقد شاهدنا عياناً أن معظم الصحف التي كتب لها البقاء في هذين القطرين الشقيقين خاصة هي التي قام بأعبائها أُناس متعلمون تخرجوا في الكتابة وتدربوا في السياسة وتذوقوا لماظة من العلوم التي لا يسع صاحب جريدة ومجلة جهلها. ومعظم من لم يخادنهم التوفيق أخفقوا لأسباب ناشئة من ضعفهم وقلة معارفهم في صناعة يلزمها ما يلزم لكل صانع من الأدوات إن لم نقل إنها تتوقف على أدوات أكثر. ولو كان قومنا يبالغون في انتقاء الرجال للأعمال، لوضع في قانوننا بند يُلزم كل من تصدّر لمعاناة صناعة القلم، أن يمتحن في الفن الذي يخوض عبابه، كما يمتحن المتطببون والصيادلة، فإنشاء الصحف إن لم يكن أحق بالعناية من معرفة الأمراض والعلل والعقاقير، فلا أقل من أن يكون على مستواها، فكم من جاهل قتل نفساً زكية، ومن صحافي جرع قراءه السم الزعاف، على حين ينتظر منه الترياق النافع. هذا ما قلناه ونزيد عليه أن الأخصاء أو الاختصاص العلة الأولى في نجاح الغرب في صحافته يجب أن يكون له في صحفنا المقام المحمود، وفي اليوم الذي أصبحت فيه توسد في مصر أعمال الصحافة إلى أمثال هؤلاء من الحقوقيين والكتاب والسياسيين دخلت مصر في حياة جديدة، وهذا قريب المنال على الشام التي كان لبعض أبنائها خدمة تشكر في تاريخ الآداب والصحافة. ومن أهم مجلاتنا التي تصدر في الشام المشرق مجلة المجمع العلمي العربي المجلة الطبية مجلة المعهد الطبي ومن المجلات المحتجبة الرئيس الطبيب المقتبس الآثار الكلية الحارس الخدر المرأة الجديدة ومن صحفنا اليومية لسان الحال الأحرار القبس ألف باء فتى العرب الرأي العام البلاغ الاستقلال الجوائب فلسطين العهد الجديد البرق الأحوال النهار النضال الكفاح الأيام إلى ما هنالك من جرائد أسبوعية ومنها الجدي والهزلي المصوّر وغير ذلك.

стр. 921

وبعد فالواجب على الصحافي قبل كل شيء أن يحسن الكتابة العربية كأحسن منشئيها، وأن يكون قادراً على النقل والاحتذاء من أفكار الغربيين، أي عارفاً بلغة أو لغتين من لغات السياسة والعلم، وأن يكون ممن عانى البحث ملماً بالقوانين الدينية والزمنية وتاريخ الأمة ولا سيما تاريخ هذا القطر عارفاً الاقتصاد والاجتماع وحياة الأمم وتاريخها وثوراتها ونهضاتها ونقاباتها وألوان أحزابها وأوضاعها كل هذه المسائل أقل ما يجب للصحافي المشاركة التامة فيه. أما المباحث المالية والزراعة والتجارة والفنون والأدب والشعر والآثار والتاريخ وغيرها مما يجعل من الصحيفة مدرسة تامة الأدوات لإنارة الأفكار وبث الصحيح منها، فيجب أن يوكل شأنها لأهل الأخصاء من العارفين بها. وبذلك يصح أن يقال إن لنا صحافة راقية، وما دامت الصحيفة الواحدة ينشئها واحد أو اثنان أو ثلاثة على الأكثر، تضطر الصحف إلى ن تكون ناقلة ضعيفة في مادتها وأخبارها وأفكارها وإذا زاد عليها خدمة غرض سياسي لا يحسن صاحبها التصرف فيه، فهناك البلاء الذي يحول دون الرقيّ. الطباعة والكتب: لم يصل إلينا فن الطباعة الحديث أفضل اختراع تم في أوائل النصف الثاني من القرن الخامس عشر للميلاد، إلا في القرن السابع عشر، ومن أوائل الكتب العربية التي طبعت في رومية في القرن الخامس عشر الإنجيل الشريف وقانون ابن سينا، وقام بتأسيس مطبعة في الشوير من لبنان عبد الله زاخر الراهب الماروني سنة ١١٤٥ وطبعت هذه المطبعة ٣٤ مؤلفاً خلال ستين سنة وأكثرها ديني وهي مطبعة يدوية على الحجر، وقد طبعت مطبعة الشوير المزامير سنة ١٦١٠م، ودخلت الطباعة الآستانة سنة ١١٣٥هـ وأول مطبعة أنشئت في بيروت مطبعة القديس جاورجيوس في أواسط القرن الثامن عشر، بل إن فن الطباعة بهذه الحروف المتعارفة لم تثبت قدمه إلا بمجيء الإرساليات والرهبنات الدينية من الغربيين، وإلى اليوم لا تزال المطبعتان العظيمتان في بيروت بل في الشام كله هما لتلك الجمعيات الأميركانية أُسست سنة ١٨٣٤م واليسوعية ١٨٤٨م التي كان الغرض الأول منها نشر الكتب المقدسة والدعاية إلى إنجيل المسيح في هذا الشرق

стр. 922

القريب بين أبناء العرب، ثم خدمة التهذيب والثقافة الإنكليزية والفرنسية وبعد ذلك تعليم شيء من العربية. والكتب العلمية الحديثة التي ظهرت في هذه المطابع باللغة العربية شاهد عدل على أنه لا يتأتى نشر المبدأ الذي يريدونه قبل أن يخدموا القطر بلغته. ربما بلغ عدد المطابع في الشام ثمانين مطبعة من أهمها المطبعة الأدبية في بيروت، وقل جداً فيها المطابع التي طبعت الكتب النافعة ولاحظت نفع جمهور الناس قبل منفعتها الخاصة. طبعت قصصاً معربة وأشعاراً ودواوين قديمة وحديثة وكتباً دينية ورسائل علمية في المعارف العامة وقليلاً من كتب العرب التي لا يزال ألوف منها محفوظاً في خزائننا وخزائن الغرب مما يقبل الغريب على طبعه ويجود العناية به من حيث التصحيح والتعليق. ونحن قلما كتب لمطابعنا أن تتأسى بهم وتتعلم منهم. ولولا ألوف من كتبنا طبعت في مصر والآستانة والهند وأوربا لما وجدنا بين أيدينا من تركة السلف الصالح ما فيه الغناء في العلوم والآداب القديمة، ذلك لأن بعض من يرجى منهم خدمة الطباعة بنشر الكتب النافعة لا يجدون من يطبع لهم ما يريدون إحياءه من كتب القدماء، أو ما يؤلفونه هم على النمط الحديث، لأن الطابعين ينظرون إلى أرباحهم أولاً، وأرباحهم موقوفة على كثرة ما ينصرف من مطبوعاتهم، والجمهور بالطبع كما هو في كل بلد لا يقبل على الجد إقباله على الهزل، ولا يقدر أن المنفعة له في الصعب قبل السهل، وأكبر الظن أن كثيراً من أرباب المطابع هم من العامة أو يقربون منهم في الفكر والتعلم. ولقد شاهدنا أُناساً من الغُيُر على العلم طبعوا مصنفاتهم بأنفسهم فافتقروا إذ لم يعرفوا تصريفها، والمؤلف غير التاجر، ثم هم لم يجدوا في الأغنياء والحكومات من يناصرهم ولو بابتياع نسخ معدودة من كتبهم. ورأينا أُناساً طبعوا كتباً سخيفة من تأليفهم فروّجوها هم أو أحبابهم بالتجبية والقحة فدرّت عليه أرباحاً لا يستهان بها. فلا عجب إذا أصبح الطابعون والمصنفون يهتمون لمنافعهم الخاصة ولو كان في الطابعين من يخاطرون بطبع كتب العلم والأدب التي لها قراء مخصوصون لزاد عدد الراغبين في المسائل الجدية أكثر من الآن ولارتفع ميزان العقل أكثر مما ارتفع. نعم لم يطبع كثير من الكتب الخالدة سواء كانت للمعاصرين أو لمن قبلهم في عهد ارتقاء العلم في العرب، وقل أن طبع كتاب بذاك الإتقان الذي تطبع

стр. 923

به الكتب في أرض المدنية اللهم إلا في بضع مطابع لا يهتم أهلها ربحت أم خسرت لأنها لجماعات لا لأفراد. وما عدا عشرات من الكتب التي طبعها في بيروت خاصة علماء المشرقيات أو من أخذوا عنهم طرائقهم في الطبع والنشر. لم يكد يطبع في سائر مدن الشام كتاب يعد نموذجاً في إتقانه ووضعه وتأليفه. وغاية ما نشروه كتب قصص وكتب مدارس ابتدائية أو شعار أُناس تهجموا على التأليف تهجماً، ولما يستعدوا له الاستعداد الكافي، ولم يجوّدوا مصنفاتهم بإنضاجها بالبحث والتنقيب، وإيراد الطريف من المباحث. فالشام مقصر في هذا الشأن من وجوه كثيرة، ولولا مئات من المجلدات خلفها لنا أجدادنا، وما زالت تطبعها مطبعة ليدن في هولندا منذ أكثر من ثلاثة قرون بمعرفة أفاضل علماء المشرقيات في الغرب، ولولا ما طبعته جمعيات المستشرقين في ممالك أوربا وأميركا لفاتنا الوقوف على أمور كثيرة في مدينة العرب وتاريخهم، وإلى اليوم لم تبلغ مصر على كثرة ما يطبع فيها من الكتب، وبعضها بإتقان زائد في الطبع، كمطبوعات المطبعة الأميرية ودار الكتب المصرية ومطبعة جمعية التأليف والترجمة والنشر مبلغ مطبعة ليدن وليبسيك في الإجادة، ولا سيما في الفهارس والشروح والهوامش والأمانة في النقل الذي أصبحوا به قدوتنا وعنهم يجب أخذه. تأملنا ملياً فيما تصدره المطابع من الكتب فرأيناها مصنفات هوائية مؤقتة إلا قليلاً، تخدم فكراً خاصاً ولا يتوقع منها إلا الشهرة على الأغلب لا عموم الفائدة، ومعظم من يعدونهم من المؤلفين هم في الحقيقة مترجمون، ومنهم من لا يجيد الترجمة، وكم من تأليف نظرت فيه فانقبضت نفسك مما في تضاعيفه من ضعف التأليف ورداءة الطبع. ومع هذا كان الناس يؤلفون على عهد النهضة الأدبية الأولى أي في أواخر القرن الماضي أكثر من اليوم، ولقد تسربت روح التفرنج إلى طائفة ممن تلقنوا اللغات الأجنبية، وغدوا لا يهتمون إلا بالأخذ من كتب اللغة التي يحسنونها من لغات الغرب، وفي الغالب تكون الفرنسية أو الإنكليزية وقلما رأينا رجلاً كفوءاً من هؤلاء الذين لا يعتمدون على غير كتب الإفرنج أن نقل، لمن حرموا معرفة اللغات الغربية من بني قومه، موضوعاً نافعاً لهم في اجتماعهم وصناعتهم وتمدنهم، لأن الأثرة زادت بزيادة المدنية.

стр. 924

وقد زاد في رداءة التآليف المطبوعة كون المؤلفين، ومنهم الوسط في علمه وتأليفه، يخافون نقد الناقدين عليها، وكون بعض الصحف والمجلات تصانع في الأكثر هؤلاء الذين وضعوا أنفسهم موضع المؤلفين، وتدهن دهاناً عجيباً لمن كان من أهل دين صاحب الجريدة والمجلة أو على مشربه السياسي!. أو يكون ممن يتوقع منه أن يكتب له ذات يوم مقالة أو يعاونه أدنى معاونة مادية. ولذلك استشرى الفساد وظن كل من طبع شيئاً أنه خدم الأمة خدمة صالحة. والنقد الذي هو من أهم الذرائع في السير نحو الكمال إلى بحابح المدنية مما لا يؤبه له، وربما تعرض صاحبه لمقت هؤلاء الطابعين والمؤلفين. قسم السيد اسعد داغر من يعرضون في سوق الأدب بضاعتهم من ترجمة وتأليف وتصنيف إلى فريقين فريق المحترفين وفريق الهواة، فالمحترفون هم الذين يعملون بالقلم ليتقوا شر المتربة، ويعيشوا من شق تلك القصبة، والهواة هم الذين يشتغلون بالعلم والأدب لأن لهم فيهما حفاوة صحيحة مجردة عن المآرب، ورغبة حقيقية منزهة عن حب الأرباح والمكاسب، ومعظم هؤلاء هواة كانوا أم محترفين يشق عليهم أن تنقد كتبهم ومؤلفاتهم وينظرون إلى الانتقاد والمنتقد بعين الشانئ الكاشح. ليس في كل ما طبعته المطابع الشامية منذ النصف الأول من القرن التاسع عشر، وهو عصر النهضة عندنا، سوى كتب قليلة تستحق العناية وتستوقف القارئ للأخذ منها مثل كتب محمد عابدين، أحمد فارس، فانديك، ورتبات، بوست، بورتر، لامنس، شيخو، مشاقة، إبراهيم اليازجي، إبراهيم الحوراني، طاهر الجزائري، عبد الرحمن الكواكبي، سعيد الشرتوني، جمال الدين القاسمي، رفيق العظم، شبلي شميل، شكيب أرسلان، نجيب الحداد، يعقوب صروف، عيسى المعلوف، إسعاف النشاشيبي، إبراهيم الأحدب، يوسف الأسير، بطرس وسليمان وعبد الله البستاني، أحمد حمدي الخياط، مرشد خاطر، جميل الخاني، شفيق جبري، سليم الجندي، خليل مردم بك، أمين الريحاني، خليل سعادة وأضرابهم ممن أبرزوا تآليف منقحة، وفي بعضها إبداع وإيجاد، وذلك لأنهم هضموا العلوم التي عُرفوا بها، وجاءوا بالجديد، وفيها أفكار علمية أو مدنية أو دينية صحيحة.

стр. 925

الفنون الجميلة تعريف الفنون الجميلة: الفنون الجميلة أو الصنائع النفيسة، وأسماها بعضهم نواضر الفنون وقيل إن العرب أطلقوا عليها اسم الآداب الرفيعة هي الصنائع التي من شأنها إدخال السرور بجمالها وجلالها على النفوس البشرية، وتربي ملكة الذوق والشعور، وهي سبعة أقسام: الموسيقى، الغناء، التصوير، النقش، البناء، الشعر والفصاحة، الرقص. وأرجعها بعضهم إلى ثلاثة فروع فقط: التصوير والشعر والموسيقى. ولقد كان لهذه الديار حظ كبير من هذه الفنون بقدر ما ساعدتها بقعتها وطاقتها، وربما تم فيها أشياء لم تصلنا أخبارها، أما الدول التي تعاقبت على الشام بعد الإسلام، فإن ما وصلنا من أنباء هذه الفنون فيها قد تعرّض له كاتبوه بالعرض كأن يكون المشتغل بالموسيقى أو التصوير مثلاً ذا مشاركة في فنون أُخرى من أدب وشعر، وطب وفلك، وحديث وفقه، أو أن القوم دوّنوا عامة سير الموسيقيين والمغنين والمصورين والنقاشين مثلاً فضاع ما دونوه في جملة ما ضاع من أخبار حضارتنا. الموسيقى والغناء: نشأت الموسيقى مع البشر ولازمتهم في جميع ما عرف من أدوارهم في حياتهم الخاصة والعامة، وفي مظاهر سلمهم وحربهم، وسعادتهم وشقائهم، وأفراحهم وأتراحهم، وسفرهم وحضرهم، وتعبهم وراحتهم، ودينهم ودنياهم، والمرء من طبعه أن لا يستغني عن رفع صورته، ليطرب نفسه وجليسه، وقلبه

стр. 926

يصبو بالفطرة إلى سماع أوتار تهزه وتطربه. فالموسيقى تجمع الحواس وتنشط لها النفوس، وبها يجسر الجبان، ويعطف اللئيم، ويرّق الكثيف، ويلين القاسي، ويقوى الضعيف، ويكف الظالم، ويعتدل المائل، فهي مدعاة السرور، مجلبة الطرب، مسلاة الحزين، مفرّجة الكروب، مهوّنة الخطوب، عنوان الحياة الداخلية، مظهر الأخلاق القومية، مصورة الانفعالات النفسية، أصدق عامل على التحمس، أقوى دافع إلى النهوض والتحسس، معلمة أنفع الدروس الشريفة مذكرة بالمطالب العالية، فيها يتجلى العقل البشري بإشارات وحركات، تعمل عملها في الأفئدة والوجدانات. ولقد ثبت أن العنصر السامي من أكثر العناصر ولوعاً بالطرب والخيال، وقيل: إن الحثيين من أقدم شعوب الشام كانوا أقل عناية بالموسيقى والغناء من جيرانهم البابليين والآشوريين والآراميين، ومع هذا كان لهم من الغناء ما ابتدعوه بفطرتهم، ومنه ما أخذوه من مجاوريهم. وكان الآراميون مولعين بالغناء والضرب بالإيقاع على آلات لهم يبوّقون بها ويزمرون، ويطرّبون بها فَيطرَبون، وهي بالطبع على حالة ابتدائية على مثال الشعوب التي سبقتهم إلى سبقتهم إلى سكنى هذا القطر. ومثل هذا يقال في الفينيقيين الذين اقتبسوا مدنية الفراعنة، وهم من أصل سامي، فإنهم كانوا يعرفون الموسيقى، ومنها ما نقلوه عن المصريين لتمازج مدنية السلائل المصرية بمدنية فينيقية الصغيرة، وإذ كان للمصريين عناية فائقة في معابدهم بالموسيقى على ما ظهر من تماثيلهم التي مثلت بها الضاربين والمغنين، تعلم جيرانهم أهل فينيقية بعض هذه العناية، ولكن على طريقة الاحتذاء لا إبداع فيها، ويقال ذلك في الكنعانيين والإسرائيليين فقد أُولعوا بها وظهرت آثارها في معابدهم وبيعهم، وأمام أربابهم ومعبوداتهم، وفي حروبهم وغاراتهم وأعيادهم ومآتمهم واجتماعاتهم، على ما فهم من نصوص التوراة. ومزامير داود مشهورة مذكورة، والآلات التي اشتهرت عند الشعوب القديمة وعانت استعمالها، ترجع في الأكثر إلى شبابة وبوق وصنج وطبل ودف. ولقد دلت بعض النقوش التي عثر عليها في وادي موسى وجرش وتدمر أن العمالقة والنبط والعرب لم يكونوا أقل من الشعوب التي سبقتهم إلى نزول هذه الديار ولوعاً بالتلحين والإيقاع والضرب على القيثار والنفخ بالمزمار، وقد

стр. 927

نقل اليونان والرومان إلى هذا القطر موسيقاهم وأُصول غنائهم على الأرجح كما نقلوا أربابهم، واقتبسوا أرباباً مع أربابهم، وإذ طال عهد دولتيهم كثيراً تأصلت موسيقاهم، وثبتت مصطلحاتهم، وربما نقلوا بعض مصطلح الأمة التي حكموا عليها، في غنائها وموسيقاها. ولما انتشرت النصرانية في الشام في القرن الثالث للميلاد عُني منتحلوها بالموسيقى في كنائسهم عناية اليهود بها من قبل في بِيعَهم، وإذ اقتبست النصرانية كثيراً من عادات الروم ومصطلحاتها لم تقصر في اقتباس الموسيقى والتلحين والغناء لثبوت فوائدها الروحية. ولما جلت بعض القبائل العربية إلى الشام يوم سيل العرم وقبله وبعده، حملت معها ما ألفت أن تفزع إليه من اللحون، وتضرب عليه من الآلات، حتى إذا كان الإسلام، وكانت مدنية الفاتحين إلى السذاجة والفطرة، وكان غناؤهم لا يتعدى الحداء والإنشاد يوم الغارة والحَفْل، وفي ظل الخيام والآطام، أخذت موسيقاهم تقتبس من الموسيقى الشامية الرومية كما تقتبس من الموسيقى الفارسية. وقال بعض العارفين: كان اقتباسها من الموسيقى الفارسية فقط. وزعم بعضهم أن أخذها كان من الرومية أكثر. ولا يعقل أن يتأخر العرب في نقل الموسيقى إلى القرن الأول للهجرة واستعدادهم لها كاستعدادهم لغيرها من الفنون، ولهم من فطرتهم ومناخ أرضهم أعظم دافع للولوع بها، وهم المعروفون بحب الارتحال وكانت لهم صلات مع جيرانهم من الأمم الأخرى منذ الزمن الأطول ولم تكن أُمة من الأمم بعد فارس والروم أولع بالملاهي والطرب من العرب. ومع هذا فنحن مضطرون أن نشايع القائلين بأن أول من غنى هذا الغناء العربي بمكة ابن مسجح، نقل غناء الفرس إلى غناء العرب. ثم كثر الموالي من الفرس فكانوا يتعلمون في مكة والمدينة، ومنها ينتقلون إلى الشام والعراق ومصر وغيرها من الأصقاع التي استظلت براية الإسلام. وفي الأغاني أن سعيد ابن مسجح أبو عثمان مولى بني جُمح وقيل إنه مولى بني نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، مكي أسود مغنٍ متقدم، من فحول المغنيين وأكابرهم، هو أول من وضع الغناء منهم، ونقل غناء الفرس إلى غناء العرب، ثم رحل إلى الشام، وأخذ ألحان الروم. وقيل: إن أول من أخرج الغناء العربي جرادة، جارية ابن جدعان وفيه نظر

стр. 928

فإن الغناء معهود من عهد عاد، حتى كان من جملة مغنياتهم الجرادتان اللتان يضرب بهما المثل فيقال غنته الجرادتان. وكان النظر بن الحارث بن كَلَدة أول من ضرب على العود أخذه عن الفرس وعلمه أهل مكة فانتشر في الحجاز وكان يتغنى أيضاً. وفي القصة التي ساقها صاحب الأغاني في الدعوة التي دعي إليها حسان بن ثابت في آل نُبيط وقد أتوا بجاريتين إحداهما رائقة والأخرى عزة فجلستا وأخذتا مزهريهما وضربتا ضرباً عجيباً وغنتا بقول حسان: انظر خليلي بباب جلق هل ... تبصر دون البلقاء من أحد ورواية حسان نفسه أنه كان في الجاهلية مع جبلة بن الأيهم، وقد رأى عنده عشر قيان: خمس يغنين بالرومية بالبرابط الأعواد وخمس يغنين غناء أهل الحيرة، أهداهن إليه إياس بن قبيصة وكان يفد إليه من يغنيه من العرب من مكة وغيرها. في ذلك كله إشارة إلى أن الغناء العربي في الشام أقدم من الإسلام. موسيقى كل أمة ملازمة لها كروحها، وهي مظهر من مظاهر حياتها، فلا يعقل أن تخلو أمة من روح حتى تجئ أمة أُخرى فتقبسها روحها. ولكن الأمة إذا اختلطت بأُخرى، وكان عند الثانية فضل على الأولى في شيء، وفي الثانية طبيعة الاقتباس ومرونة على الاحتذاء والتشبه، قد تحمل الأولى إلى الثانية ما ينمي فيها ذاك الروح فتعدله على أُسلوبها ومناحيها. ولقد زعم بعضهم أن الإسلام لم يُحِلّ الموسيقى محلها اللائق بها، وادعى بعضهم أنه حرمها، فكان الحظر أسهل من الإطلاق في نظرهم، بيد أن الإسلام وهو دين الفطرة لا يخرج عن حد قيود العقل، إلا أنه لا يقول بالإفراط في شيء حتى ولا بالعبادة، لأنه يكون قد دعا إذ ذاك إلى البطالة واللهو، وهما مخالفان للشرع، وبذلك تكون الموسيقى وبالاً على من يأخذ نفسه بها، ومصيبة على من ينصرف إلى سماعها، ولو صح ما قالوا فلماذا رأينا جِلّة من الصحابة والتابعين لحنوا وتغنوا، وسمعوا الألحان وطربوا لها، ولو لم يجزها الشارع الأعظم في أوقات معينة وحوادث وقعت، هل كان يجرأ أحد من أصحابه ومن بعدهم على الجلوس في مجالس الطرب، والدين غض والعهد بصاحبه غير بعيد، قال عبد الله بن قيس: كنت فيمن يلقى عمر مع أبي عبيدة مَقْدَمهُ الشام، فبينما عمر يسير إذ لقيه المقلّسون من أهل أذرعات بالسيوف والرّيحان فقال عمر:

стр. 929

امنعوهم فقال أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين هذه سنتهم، أو كلمة نحوها، وإنك إن منعتهم منها يروا أن في نفسك نقضاً لعهدهم فقال: دعوهم. والتقليس الضرب بالدف والغناء واستقبال الولاة عند قدومهم المصر بأصناف اللهو. وقيل المقلس هو الذي يلبس القالس أو القلنسوة وهي أشبه بقبعات الروم. ولما استقر الملك لأمية في الشام ودخلت الحضارة كان في جملة ما دخل إليه الغناء على صورة لا خنا فيها ولا تبذل، ولقد روى المبرّد أن معاوية استمع على يزيد ذات ليلة فسمع من عنده غناء أعجبه، فلما أصبح قال ليزيد: من كان مُلهيك البارحة فقال له يزيد: ذاك سائب خاثر، قال: إذاً فأخثر له من العطاء. وقالوا: إن معاوية قال لما دخل على ابن جعفر يعوده فوجده مُفيقاً وعنده جارية وفي حجرها عود: ما هذا يا ابن جعفر؟ فقال: هذه جارية أروّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها قال: فلتقل، فحركت عودها وغنت وكان معاوية قد خضب. أليس عندك شكر للذي جعلت ... ما ابيض من قادمات الريش كالحمم وجددت منك ما قد كان أخلقه ... ريب الزمان وصرف الدهر والقدم فحرك معاوية رجله فقال له ابن جعفر: لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين قال: كل كريم طروب. ورأينا بعض خلفاء بني أُمية في دمشق وأُمراءهم وساداتهم، يضعون ألحاناً ويسمعون الغناء ويولعون بالموسيقى، ويجيزون أربابهم ويواسونهم من غير نكير: ومنهم عمر بن عبد العزيز، وناهيك به من كامل، في جميع الفضائل. فقد دوّنت له صنعة في الغناء أيام إمارته على الحجاز سبعة ألحان يذكر سعاد فيها، وكان أحسن خلق الله صوتاً. قال أبو الفرج: وأما الألحان التي صنعها فهي محكمة لا يقدر على مثلها إلا من طالت دربته بالصنعة وحذق في الغناء. وممن صنع في شعره غناءً يزيد بن عبد الملك الأموي وممن غنى وله أصوات صنعها مشهور وكان يضرب بالعود ويوقع بالطبل ويمشي بالدف على مذهب أهل الحجاز، الوليد بن يزيد. وقد ذكروا أنه كان للخلفاء من بني العباس غناء، ومنهم من كان يضرب بالعود، ومن خلفاء العباسيين السفاح والمنصور والواثق وابن المعتز والمعتضد وكثير غيرهم من أبناء الخلفاء، دع سائر الطبقات من أهل

стр. 930

الرفاهية والسعة، ممن كانوا في كل زمان ينشطون إلى سماع الأغاني، ويبرون الرجال والنساء من أرباب الموسيقى والغناء، ويغالون بابتياع الجواري اللائي حذقن الغناء، وبرعن في الموسيقى وشدون شيئاً من الأدب. وكانت تغلو في العادة قيمة مثل هذه الطبقة من الجواري. والسواذج منهن أي غير المثقفات دون من عُني أولياؤهن بثقافتهن في الرتبة والقيمة مهما بلغ من جمالهن، والموسيقى والشعر في مقدمة ما كان يطلب منهن. وذكر المسعودي أن كثيراً من الجواري اشتهرن بالغناء بالمدينة، وكان يقصدهن بعض الناس من بغداد، وربما وافى الواحدة وجوه أهل المدينة من قريش والأنصار وغيرهما، ومنهن القارئة القوّالة، ولم تكن محبة القوم إذا ذاك لريبة ولا فاحشة. وكان لبعض الموسيقيين والموسيقيات والمغنين من أرباب النباهة والفضل، يد في إصلاح بعض الأحوال وتخفيف النوازل عند العظماء، ولطالما ارتجلوا ألحاناً وأبياتاً ظاهرها طرب وغرام وسلوى، وباطنها وعظ وعبرة وتعريض، ذلك لأن الموسيقى عندهم كانت على الأغلب مرافقة للشعر والأدب، وكم من شاعر تدفقت الحكمة على قلبه، وجاش بها صدره، فهذّب نفساً بل نفوساً بأبيات يقولها. جاء أبو النصر الفارابي الفيلسوف إلى الشام على عهد سيف الدولة بن حمدان فأدهشه ومن عنده من الموسيقيين على إتقانهم لها، وأقام في دمشق ومات فيها، قال ابن أبي أُصيبعة: إن الفارابي المعلم الثاني وصل في علم صناعة الموسيقى وعملها إلى غاياتها، وأتقنها إتقاناً لا مزيد عليه، وإنه صنع آلة غريبة يسمع عنها ألحاناً بديعة، يحرّك بها الانفعالات، ويحكى أن القانون الذي كان يضرب عليه للطرب هو من وضعه، وأنه كان أول من ركّب هذه الآلة تركيبها المعهود اليوم. وقد ذكر المؤرخون من تنافس سيف الدولة بن حمدان مع الوزير المهلبي للاستئثار بمغنية أديبة مشهورة اسمها الجيداءُ ما يدلّ على ولوع القوم بالموسيقى، وكان لجيداءُ في مجالس سيف الدولة من ارتجال الألحان والأدب البارع ما اشتهر أمره، وفي عصره اشتهرت في إنطاكية المغنية المشهورة بنت يُحنا. ولم تبرح الشام تخرج من رجال الموسيقى والغناء رجالاً كانوا بهجة

стр. 931

عصورهم، ومنهم أبو المجد بن أبي الحكم من الحكماء المشهورين من أهل القرن السادس، كان يعرف الموسيقى ويلعب بالعود، ويجيد الإيقاع والغناء والزمر وسائر الآلات، عمل أرغناً وبالغ في إتقانه (١) وحاول أيضاً عمل الأرغن واللعب به أبو زكريا يحيى البياسي من أطباء الناصر صلاح الدين. وكان من البارعين في هذا الفن من العلماء قسطاً بن لوقا البعلبكي وعبد المؤمن بن فاخر ونجم الدين بن المنفاخ المعروف بابن العالمة وفخر الدين الساعاتي. وكان رشيد الدين بن خليفة أعرف زمانه بالموسيقى واللعب بالعود، وأطيبهم صوتاً ونغمة حتى إنه شوهد من تأثير الأنفس عند سماعه مثل ما يحكى عن أبي نصر الفارابي، فكثر إعجاب المعظم به جداً وحَظيَ عنده. ومنهم علم الدين قيصر أخذ الموسيقى عن الفيلسوف كمال الدين بن يونس في الموصل. وكان أحمد بن صدقة طُنبورياً مقدماً حاذقاً حسن الغناء ومحكم الصنعة، وكان ينزل في الشام فاستدعاه المتوكل إلى بغداد وأجزل صلته. وكان خلفاء بني العباس كلما سمعوا بنابغة في هذا الفن حملوه من القاصية وأغدقوا عليه الهبات ذكراً كان أم أُنثى، ولهم في ذلك نوادر إن لم تصحّ كلها ففي بعضها إشارة إلى ما كانوا فيه من حب هذا الفنّ. ومنهم الجمال البستي كان يلعب بالجغانة الأصل الصغانة وهي القيثارة ولي خطابة جامع التوبة بدمشق على عهد الملك الأشرف، فلما توفي تولى موضعه العماد الواسطي الواعظ وكان يتهم باستعمال الشراب، وصاحب دمشق يومئذ الصالح عماد الدين إسماعيل. فكتب إليه عبد الرحيم المعروف بابن زويتينية الرحبي أبياتاً، يعرّض بها الرجلين ويرجو أن يعاد جامع التوبة إلى ما كان عليه محله من قبل، وهو خان للفسق والفجور، لأن حظه حتى بعد أن صار جامعاً أن يتولاه موسيقار، وشرّيب عقار، فقال:

стр. 932

يا مليكاً أوضح الحقّ ... لدينا وأبانَهْ جامع التوبة قد ... قلّدني منه أمانهْ قال قل للملك الصا ... لح أعلى الله شانه يا عماد الدين يا من ... حمد الناس زمانه كم إلى كم أنا في ضّرٍ ... وبؤسٍ وإهانه لي خطيب واسطي ... بعشق الشرب ديانه والذي قد كان من قب ... لُ يغني بجغانه فكما نحن فما زل ... نا ولا أبرح حانه ردّني للنمط الأو ... ل واستبقِِ ضمانه وكان محمد بن علي الدهان المتوفى سنة ٧٣١ شاعراً موسيقياً ملحناً قانونياً دهاناً، وكان الكمال القانوني من المشهورين في عصره بقانونه، وصفه عبد الرحمن بن المسجف ٦٣٥ الدمشقي فقال: لو كنت عينت الكمال وجسّه ... أوتار قانون له في المجلس لرأيت مفتاح السرور بكفه ال ... يسرى وفي اليمنى حياة الأنفس وذكر ابن حجر في أخبار سنة ٧٧٩ أن دنيا بنت الاقباعي المغنية الدمشقية اشتهرت بالتقدم في صناعتها، فاستدعاها الناصر حسن على البريد إلى مصر فأكرمها، ثم وفدت على الأشرف فحظيت عنده، وهي كانت من أعظم الأسباب في إسقاط مكس المغاني، سألت السلطان في ذلك فأجابها إليهن واستمر إبطاله في الدولة. واشتهرت في القرن الثامن بدمشق فرحة بنت المخايلة المغنية كما اشتهرت المغنية المعروفة بالحضرمية وهي التي كانت مع عرب آل مِرا يوم وافوا دمشق لحرب التتر في زهاء أربعة آلاف فارس، فكانت تغنيهم من الهودج سافرة وكانوا يرقصون بتراقص المهاري وتقول: وكنا حسبنا كل بيضاء شحمة ... ليلي لاقينا جُذاماً وحميرا لما لقينا عصبة تغلبية ... يقودون جُرداً للمنية ضمّرا

стр. 933

لما قرعنا النبع بالنبع بعضه ... ببعض أبت عيدانه أن تَكسرا لقيناهم كأسا سقونا بمثله ... ولكنهم كانوا على الموت أصبرا ومنذ الزمن الأطول إلى أيامنا ما خلت الشام من عوادة وطنبورية وكراعة وربابية وصناجة ورقاصة وزفانة. ولم يخل عصر بعد زهو الشام على عهد الأمويين والعباسيين ومن بعدهم من المماليك وغيرهم من مبرزين في الغناء والموسيقى. واشتهر في دمشق بضرب القانون وكان أستاذاً فيه أحمد التلعفري ٨١٣ كان كاتب المنسوب. ومن النابهين ابن القاطر الدمشقي من أهل القرن الحادي عشر كانت له شهرة عند أرباب هذا الفن فإذا حضروا معه مجلساً عظّموه وتراخوا في العمل حتى يشير إليهم، ذكر ذلك المحبي وترجم له ولرجب بن علوان الحموي وقال: إن هذا كان يعرف الموسيقى على اختلاف أنواعها وهو أعرف من أدركه وسمع به، وله أغان صنعها على طريقة أساتذة هذا الفن. ومنهم برسلوم الحلبي رئيس أطباء الدولة العثمانية ونديم السلطان محمد بن إبراهيم كان حسن الصوت عارفاً بالموسيقى. واشتهرت أُسرة بني فرفور في القرنين الماضيين بدمشق بالشعر والآداب وقد أخرجت رجلين من أبنائها عارفين بالموسيقى وهما جمال الدين وعبد الرحمن. وفي تراجم أهل الغناء الذي كتبه الكنجي المتوفى سنة ١١٥٠هـ ترجمة ستة وعشرين مغنياً من معاصريه في دمشق وفيهم المؤذن والمنشد في الأذكار والمغني على الآلات الموسيقية، مما يدل على الإقبال على الموسيقى حتى في أعصر الظلمات فإذا كانوا في عصره على هذا القدر في دمشق فقط فكم كان في حلب وغيرها من المدن، وحلب مشهورة من القديم بغرام أبنائها بالموسيقى منذ عهد سيف الدولة بن حمدان، دع الموسيقيات والمغنيات ممن غفل المؤرخون عن ذكرهم أمثال علوة محبوبة البحتري في حلب التي ذكرها كثيراً في شعره الخالد. ومن الموسيقيين من كانوا يمارسون الموسيقى للتكسب وهم المحترفون، ومنهم من كان يخدم هذا الفن المهم حباً به وهم الهواة، ومن هؤلاء طبقة من الرجال والنساء لا يستهان بها ولكنها كانت ولا زالت متكتمة، ومنهم من تستعمل من الموسيقى أو تسمع منها ما لا يعبث بوقارها إن كانت من أرباب

стр. 934

المظاهر الدينية أو الدنيوية مخافة أن ترمى بما يثلم الشرف، لأن بعض الفقهاء شددوا على الغناء والموسيقى، وكان بعضهم يعد ساقطاً من العدالة كل من يغني بأجرة من الموسيقيين والمغنين، ويتسامحون مع من يغني في جماعة من أصحابه، ويعون الغناء فناً يفقر صاحبه، وجاء في الأمة مثل شيخ الإسلام عبد العزيز ابن عبد السلام ٦٦٠ وكان على نسكه وورعه يحضر السماع ويرقص ويتواجد والناس تقول في المثل ما أنت إلا من العوام ولو كنت ابن عبد السلام. وصناعة الغناء كما قال ابن خلدون: آخر ما يحصل في العمران من الصنائع لأنها كمالية، وأول ما ينقطع من العمران عند اختلاله وتراجعه. ولقد أدركنا وأدرك أجدادنا أن الشام كلها كانت لا تخلو معظم طبقاتها من موسيقيين، وكل مجلس من مجالسهم أو سهرة من سهراتهم، أو نزهة من نزهاتهم، كانت تضم أُناساً أتقنوا هذا الفن حتى صار لهم ملكة، فكان السرور يملأ القصور والدور، والموسيقى والإنشاد من الأمور المألوفة لا يستغني عنها بحال، أما في القرى والبوادي فكان لهم الغناء والحداء، وضرب الرباب والقيثارة والمزمار والدف والكوبة، أي أن لهم ما يطرب آذانهم وترتاح إليه أرواحهم وتسهل معاناته وممارسته، ومن مشاهير الموسيقيين في النصف الأول من القرن الماضي محمد السؤالاتي الدمشقي أخذ عنه أرباب الموسيقى في عصره من المصريين والشاميين ذكره في سفينة الملك. ومن أهل المظاهر الذين عُرفوا بالموسيقى في أوائل هذا القرن الشيخ أبو الهدى الصيادي من حلب وعبد الرزاق البيطار من دمشق وكانا من أساتذة هذا الفن الجليل، ومنهم من عُنوا بالموسيقى فبرزوا فيها من أبناء هذه الديار مثل محمود الكحال. أحمد السفرجلاني. عمر الجراح. عبد القادر الحفني. محيي الدين كرد علي. سامي الشوا. رحمون الحلبي. توفيق الصباغ. علي الدرويش. باسيل الحجار. محمد الشاويش. نجيب زين الدين. مصطفى سليمان بك. شفيق شبيب. محمد علي الأسطه. رضا الجوخدار. مصطفى الصواف حمدي ملص. رجب خلقي. يوسف الزركلي. محمد الأنصاري. محمد محمود الأتاسي. ميشيل الله ويردي. مدحت الشربجي. اليكسي بطرس. اليان نعمة. إسكندر معلوف. بولس صلبان. نصوح الكيلاني. تحسين يوقلمه جي. عباد الحلو. طلعت شيخ الأرض. حسن التغلبي. جميل البربير. أحمد التنير. أمين

стр. 935

النقيب. محي الدين بعيون. وديع صبرا. عزت الصلاح. قسطندي الخوري. أحمد الشيخ. محمد الجراح. إبراهيم شامية. فريد الأطرش. وغيرهم ممن جعلوا الموسيقى حرفة أو للتسلية في خلواتهم ومنهم من كانوا صلة بين الموسيقى القديمة والموسيقى الجديدة. ومن المنشدات المطربات فريدة مخيش. رمزية جمعة. خيرية السقا. نادرة. فيروز. أسمهان الأطرش. ماري جبران. ماري عكاوي. لور دكاش. ولقد أنبغت بيروت وحلب كثيرين من المغنين والغالب أن في هاتين المدينتين خاصية حسن الصوت. سألت صديقنا الشيخ كامل الغزي من أساتذة حلب عن المغنين والموسيقيين في بلده فكتب لي رسالة قال فيها: إن حلب لا تخلو في أكثر أوقاتها من الشداة والمترنمين الذي يعدون بالمئات ويعرف عند الحلبيين من يأخذ على غنائه أجرة باسم ابن الفن، ومن رجال أواسط القرن الماضي مصطفى يشبك، فتح نادياً لممارسة الفنون الموسيقية دعاه بقاعة بيت مشمشان، كان يختلف إليه في أوقات معينة كثير من المولعين بالموسيقى ليتلقوها عن أستاذها. وما زال الحلبيون يضربون المثل بالمكان الذي تتوفر فيه دواعي الطرب فيقولون: ولا قاعة بيت مشمشان. ومن رجال أواسط القرن الماضي عبد الله البويضاتي ومن رجال القرن الماضي وأوائل القرن الحالي مجمد بن عبده. إسماعيل السيخ. جبرا الأكشر. آجق باش. طاهر النقش. محمد الوراق. الدرويش صالح قصير الذيل. محمد غزال. باسيل حجار. أحمد سالم. بن عقيل. وممن أخذ عن هذا بعض فصول الرقص المعروف بالسماح السيد أحمد أبو خليل القباني الممثل الموسيقار الدمشقي والسيد عبده الحمولي المطرب المصري وهما من المشاهير. ومن تلامذته امرأة قنصل إيطاليا في حلب كانت تقول إن السيد أحمد بن عقيل يقل نظيره في هذا الفن حتى في أوربا قال: ومن الأحياء في حلب عبده بن محمد عبده وشرف الدين المعري ومن قينات القرن الماضي وأوائل القرن الحالي الحاجة عائشة المسلمينية. وقال: إن العود المعروف بالبرط لم يكن معروفاً في حلب في القرن الماضي حتى جاء حلب سنة ١٢٩٣ هـ رجل من أهل دمشق اسمه سعيد الشامي فأخذ

стр. 936

الناس عنه. ومن العازفين على الكمنجة أوائل هذا القرن شعيا الكمنجاتي وإسحاق عدس ونيقولاكي الحجار. ومن الأحياء سامي الشوا ووالده أنطوان موسيقار أيضاً. والعازفون بالناي المعروف عند العرب بالبراعة كان نابغة فيه أوائل القرن عبده زرزور وكل من في حلب اليوم خريجوه وتلاميذه اه. ومن الموسيقيين الحلبيين أيضاً عبد الكريم بلّة وحبيب العبديني وأحمد مكانس وعمر البطش ومصطفى طمرق توفوا في أوائل هذا القرن. ولقد بدأت الموسيقى التركية تنازع الموسيقى العربية في أواخر القرن الماضي لأنها خُدمت أكثر من موسيقانا، ثم جاءت الموسيقى الإفرنجية، فأصبحت الموسيقى الشامية مزيجاً لا يقام له وزن، لم يحتفظ بالقديم وهو من روحه وعاداته ولم يحسن اقتباس الجديد لأنه ليس من مصطلحه. ولا يفوتنا القول إن الموسيقى في العصور المتأخرة كان لها في أذكار بعض أرباب الطرق الصوفية مقام رفيع. ومنهم من أتبعها بالصنوج والأوتار، ومنهم من شفعها برقص، وقد قام منهم مبرزون في صنعتهم، وماتت شهرتهم، يوم سمنت نأمتهم، والموسيقى في الكنائس على اختلاف الطوائف المسيحية وتباين العصور، ما زالت شائعة معتبرة وكم من موسيقار عندهم تقلبت به الحال حتى رقي بفضله إلى أرقى درجات الكهنوت. التصوير: أخذ الحثيون التصوير على الأغلب كما أخذوا النقش والبناء عن جيرانهم من البابليين والأشوريين، وربما أخذوا عن المصريين أيضاً، لكنهم لم يجودوه كل الإجادة على ما رأينا من تصاويرهم المكتشفة، وخالفنا رأي بعض المشتغلين بآثارهم المعجبين بمدنيتهم، فإن الآثار التي اكتشفت للحثيين في جرابلس تدل على مبلغ تلك الأمة من الإتقان في النقش والتصوير. وقد قال لنا الأستاذ هروزني التشكي وهو أخصائي بآثار الحثيين: إن عادياتهم مما يعجب منه، ولا تقلّ بجمالها عن بقية آثار الأمم الأخرى، وكذلك فعل الكنعانيون والفينيقيون والإسرائيليون، أخذوا عن آشور وبابل ومصر هذا الفن، ولم يعرف أنه كان لهم طرز خاص في التصوير، وكانوا على ما ظهر دون من اقتبسوا عنهم. أما

стр. 937

التدمريين فأجادوا في تصويرهم وكانوا ينقشون على القبور صور من دفن فيها من الرجال والنساء، مثل أهل جنوة في إيطاليا في العصور الأخيرة، ومنها صورة جاريتيت رآهما أوس بن ثعلبة التيمي في القرن الأول وقال فيهما أبياته المشهورة: فتاتي أهل تدمر خبراني ... ألمّا تسأما طول المقام قيامكما على غير الحشايا ... على جبل أصم من الرخام وفي دار الآثار بدمشق مجموعة تماثيل من قبور تدمر كأنها تنطق، ومنها صورة فتاة مزينة الرأس يستدل منها على صورة تصفيف الشعور في ذاك العصر. وكيف كانت أزياء نساء تدمر وبهرجة رؤوسهن وأقراطهن وعصباتهن، وفيما ظهر مؤخراً في مدينة تدمر من تماثيل صاحبتها زينب ووصيفاتها وفي غير ذلك من الشخوص دليل على تبريز التدمريين في هذا الشأن. أما التصوير عند الروم واليونان في الشام فإن منه نموذجات تأخذ بمجامع القلوب قال الثعالبي: لم يبدع التصوير إبداع الروم والرومان أحد من الأمم، فقد كان لهم إغراب في خرط التماثيل وإبداع في عمل النقوش والتصوير، حتى إن مصورهم يصور الإنسان ولا يغادر شيئاً إلا الروح، ثم لا يرضى بذلك حتى يصوره ضاحكاً، ثم لا يرضى بذلك حتى يفصل بين ضحك الشامت، وضحك الخجل، وبين المبتسم والمستغرب، وبين ضحك المسرور وضحك الهازئ، فيركب صورة في صورة، وصورة في صورة. والمصانع الشامية من العهد الروماني هي ذات أشكال معتادة في تلك الأعصر لها نقش ظاهر خاص بها من النقوش النباتية الكبيرة المنقولة عن نباتات القطر ولا سيما في فلسطين على عهد الملوك والقضاة ومنها ما يستعمل فيه صور الطيور. قال دوسو: إن في الكتابات التي وجدت في الصفا صورة فرسان مسلحين برماح طويلة على مثال بدو هذه الأيام، وأحياناً تمثلهم وهم يطاردون غزالاً أو وعلاً أو يصطادون أسداً، ومنهم الفرسان يحملون الرماح والمشاة مسلحون بالقوس والنشاب. ولقد غصت فلسطين على عهد الإمبراطور قسطنطين بالمصانع التي تذكر بالحوادث الخطيرة التي وردت في الإنجيل وقد زينت هذه المصانع بالفصوص التي تمثل هذه المشاهد.

стр. 938

جاء الإسلام للقضاء على الوثنية وعبادة الأصنام، فحاذر المسلمون إذا أجازوا الرسم المجسم أن يكون في عملهم مدرجة للعرب إلى الرجوع إلى عبادة الأصنام، فجعلوا في التجويز بعض القيود الخفيفة، ولما ذهبت تلك الخشية أخذت مسألة التصوير تنحل شيئاً فشيئاً ويُعمد إلى ما فيه مصلحة منه. ذكر المقريزي أن الرسول ﵇ أقر نقود العرب في الجاهلية التي كانت ترد إليهم من المماليك الأخرى والدنانير قيصرية من قبل الروم مصورة وأن عمر ضرب الدراهم على نقش الكسروية وشكلها وبأعيانها وضرب معاوية دنانير عليها تمثال متقلداً سيفاً. ورأينا زيد بن خالد الصحابي استعمل الستر الذي فيه صور ولم ينكر الناس عمله. قال صديقنا السيد محمد رشيد رضا في المنار: ومن الآثار في حكم التصوير وصنع الصور والتماثيل اتخاذ أحد أعاظم أئمة التابعين القاسم بن محمد ابن أبي بكر رض الحجلة التي فيها تصاوير القندس والعنقاء، وهو ربيب عمته عائشة الصديقة وأعلم الناس بحديثها وفقهها، ومنها استعمال يسار بن نمير مولى عمر بن الخطاب رض وخازنه الصور في داره، ومنها صنع الصور في دار مروان بن الحكم وسعيد بن العاص وكل منهما وَليَ إمارة المدينة وكانا من التابعين قال: وعمل مروان يدل على أن التصوير كان مستعملاً في عصر الصحابة، فمن عرض مسألة التصوير واتخاذ الصور على هذه القواعد الشرعية علم منها أن دين الفطرة الذي قرن كتابه ووصف بالحكمة، ورفع منه الحرج والعسر عن الأمة، لم يكن ليحرم صناعة نافعة في كثير من العلوم والأعمال ويحتاج إليها في حفظ الأمن وفنون القتال، وإنما يجرم ما فيه مفسدة أو ما كان ذريعة إلى مفسدة اه. ويعجبني ما كتبه أُستاذنا الإمام الشيخ محمد عبده مفتي الديار المصرية في وصف رحلته إلى صقلية عام ١٣٢٢هـ ١٨٩٤م في مجلة المنار وقد ذكر تنافس الغربيين في حفظ الصور المرسومة على الورق والنسيج فقال: إذا كنت تدري السبب في حفظ سلفك للشعر وضبطه في دواوين والمبالغة في تحريره خصوصاً شعر الجاهلية، وما عُني الأوائل ﵏ بجمعه وترتيبه، أمكنك أن تعرف السبب في محافظة القوم على هذه المطبوعات من الرسوم والتماثيل، فإن الرسم

стр. 939

ضرب من الشعر يُرى ولا يُسمع، والشعر ضرب من الرسم الذي يُسمع ولا يُرى. إن هذه الرسوم والتماثيل قد حفظت من أحوال الأشخاص في الشؤون المختلفة، ومن أحوال الجماعات في المواقع المتنوعة، ما تستحق به أن تسمى ديوان الهيئات والأحوال البشرية. يصورون الإنسان أو الحيوان في حال الفرح والرضى، والطمأنينة والتسليم، وهذه المعاني المرجة في هذه الألفاظ، متقاربة لا يسهل عليك تمييز بعضها من بعض، ولكنك تنظر في رسوم مختلفة فتجد الفرق ظاهراً باهراً، يصورونه مثلاً في حالة الجزع والفزع والخوف والخشية. والجزع والفزع مختلفان في المعنى، ولم أجمعهما هنا طمعاً في جمع عينين في سطر واحد، بل لأنهما مختلفان حقيقة، ولكنك ربما تعصر ذهنك لتحديد الفرق بينهما وبين الخوف والخشية، ولا يسهل عليك أن تعرف متى يكون الفزع ومتى يكون الجزع، وما الهيأة التي يكون عليها الشخص في هذه الحال أو تلك. أما إذا نظرت إلى الرسم وهو ذلك الشعر الساكت فإنك تجد الحقيقة بارزة لك تمتع بها نفسك، كما يتلذذ بالنظر فيها حسك. قال: ربما تعرض لك مسألة عند قراءة هذا الكلام، وهي ما حُكم هذه الصور في الشريعة الإسلامية، إذا كان القصد منها ما ذكر من تصوير هيئات البشر في انفعالاتهم النفسية وأوضاعهم الجثمانية، هل هذا حرام أو جائز أو مكروه أو مندوب أو واجب؟ فأقول لك: إن الرسم قد رسم، والفائدة محققة لا نزاع فيها، ومعنى العبادة وتعظيم التمثال أو الصور قد محي من الأذهان، فإما أن تفهم الحكم من نفسك بعد ظهور الواقعة، وإما أن ترفع سؤالاً إلى المفتي فهو يجيبك مشافهة، فإذا أوردت عليه حديث إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون أو ما في معناه مما ورد في الصحيح، فالذي يغلب على ظني أنه سيقول لك إن الحديث جاء في أيام الوثنية، وكانت الصور تتخذ في ذلك العهد لسببينك الأول اللهو والثاني التبرك بمثال من ترسم صورته من الصالحين، والأول مما يبغضه الدين والثاني مما جاء الإسلام لمحوه، والمصور في الحالين شاغل عن الله أو ممهد للإشراك به، فإذا زال هذان العارضان وقصدت الفائدة، كان تصوير الأشخاص بمنزلة تصوير النبات والشجر في المصنوعات، وقد صنع ذلك في حواشي المصاحف وأوائل السور، ولم يمنعه أحد من العلماء مع أن الفائدة

стр. 940

في نقش المصحف موضع النزاع، أما فائدة الصور فمما لا نزاع فيه على الوجه الذي ذكر. . . وبالجملة فانه يغلب على ظني أن الشريعة الإسلامية أبعد من أن تحرم وسيلة من أفضل وسائل العلم، بعد تحقيق أنه لا خطر فيها على الدين لا من جهة العقيدة ولا من جهة العمل اه. لما جاء الفاتحون إلى الشام كانت في تصويرها عالة على الروم والفرس وبقيت على ذلك مدة قليلة لأن التصوير لم يكن يعرف أنه كان في متفرق أقطار جزيرة العرب اللهم إلا في اليمن، برع فيه أهلها براعة أثبتتها الآثار والمصانع، وكانت الأثواب اليمانية المزركشة المبرقشة المصورة مما يحمل إلى الحجاز وسائر أرجاء الجزيرة وما إليها منذ عهد الجاهلية، وأول ما عرف التصوير في الشام على عهد المسلمي كان في زمن الوليد باني الجامع الأموي بدمشق والمسجد الأقصى في القدس وغيرهما، وما نظن أن جميع من صوروا له ما أراد من الحيوان والنبات والشجر والمدن والأصقاع كانوا من أصول عربية بل كان فيهم الفرس والروم الذين دخلوا في خدمة الدولة العربية، ومنهم من بعثت به مملكة بيزنطية ليساعدوا الخليفة على عمله النافع، وقد وجد الأثري موسيل التشكي في قصير عمرة على سبعين كيلو متراً من قصر المشتى في البلقاء كتابات ونقوشاً تشير إلى فتح الأندلس في أيام الوليد وفيه من النقوش الزاهية والتصاوير العجيبة ما يأخذ بالأبصار. قال صاحبنا شيخو: وفي هذه القصور من الآثار الهندسية ومن التصاوير ومن تمثيل أحوال البادية كالصيد والغزوات والمآدب والمصانع ما أذهل العلماء لوجوده في البراري. ويقول ريسون: إن العرب قد نهجوا في الفنون الجميلة نهج البيزنطيين، ولم يخالفوهم إلا بعد تجسيم الحيوان، ولكنهم استعاضوا عنه بالنقش النباتي من تشبك أوراق وأقواس باهرة وفصفصة زاهرة وآكام ومعاهد ساحرة. وفي التاريخ العام أن الإسلام حظر تمثيل الصور الآدمية ولكن هذا الحظر لم يمنع الخلفاء من أن يكون في قصورهم صور وتماثيل. ومع هذا لم يخلف العرب في النقش ولا في الرسم آثاراً خارقة للعادة، وما بقي من آثارهم وعادياتهم الحجرية وأنواطهم المنقوشة، وعاجهم ومجوهراتهم، يشهد باستعدادهم الفني، فإنهم نقلوا عن غيرهم في هذا الشأن أولاً ثم أخذوا يمرنون أنفسهم على حسن

стр. 941

الهندسة بالنقل عما عثروا عليه بادئ بدء ولا سيما عن الآثار البيزنطية، فكانوا يخشون أول أمرهم ثم أخذوا يجرأون فيعدلون ما يريدون احتذاءه بل يخترعون ويبدعون، فظهر لهم علم جديد مستق على غير مثال، قال: ولا نعلم هل كان للعرب قبل الإسلام طرز من البناء الخاص بهم، لأنه لم يبق من الزم السابق للإسلام سوى خرائب مبعثرة، ومن الهجرة إلى القرن العاشر كان عهد الطرز اليوناني العربي، وعلى مثاله جاء بناء المسجد الأقصى في القدس، والجامع الأموي في دمشق، والجامع الأعظم في قرطبة، والتأثيرات اليونانية ظاهرة فيها اه. وبعد أن ترجم العرب كتب الفنون والصناعات عن الروم والفرس والقبط والسريان والهند، منذ أول النصف الثاني من القرن الأول، أخذوا يزينون كتبهم ببعض الصور، يصورونها لتمثيل المسائل العلمية للأبصار، ولا سيما كتب النبات والبيطرة والحيوان والجراحة والهندسة والفلك والجغرافيا وبعض كتب الأدب والمحاضرات والمقامات، فاستعملوها بحسب الحاجة وأجادوا بالنسبة لعصورهم، على ما ثبت ذلك بشهادة المحفوظ من مخطوطات العرب في متاحف الشرق والغرب، وأكثر من أثر عنهم التصوير والإجادة فيه وصنع التماثيل ووضعها في قصورهم خلفاء بني أمية في الأندلس، ومن جاء بعدهم من الملوك، والصور - كما قال ابن أبي أُصيبعة - إنما جعلت لارتياح القلوب إليها واشتياق النظر إلى رؤيتها، والصبيان يلازمون بيوت الصور للتأديب بسبب الصور التي فيها، وكذلك نقشت اليهود هياكلها، وصورت النصارى كنائسها وبيعها، وزوق المسلمون مساجدهم. نعم زوّق المسلمون مساجدهم، وكانوا أوائل الإسلام يكتفون بالصلاة مساجد أشبه بالأرض القفراء، ويفضلون السجود على الحصا ويعدون فرشها بالبواري بدعة، وذلك لئلا تشتغل العين بشيء يبعد النفس من الخشوع لبارئها، ثم أخذوا يتأنقون في مساجدهم، ويفرشونها بالطنافس والزرابيّ، ويصورون حيطانها، وينقشون فيها آيات ثم مشجرات وأماكن جميلة، ومعظم ما انتهى إلينا أو بلغنا خبره في العصور العشرة الأخيرة في الشام تصوير المسائل العلمية، والأمصار والشجار، والسفن تمخر في البحار، ثم تصوير الحيوان والإنسان ولكن على قلة.

стр. 942

لا جرم أن التصوير في هذه الديار كان ضعيفاً بعض الشيء لأن مسألته كان فيها نظر عند بعض الفقهاء الذين جمدوا على ما فهموه من الشريعة، والتصوير عارض على الملة غير مغروس في فطرتها، ولكن المسلمين تطوروا بطور الأمصار التي نزلوها. ولم يتوقف ملوكهم وأمراؤهم على فتاوى الفقهاء لإقامة المعالم واقتباس الحضارة، فقد ذكر ابن بطريق أن بطريق الروم في قنسرين طلب إلى أبي عبيدة ابن الجراح الموادعة على نفسه سنةً حتى يلحق الناس بهرقل الملك، ومن أقام فيها فهو في ذمة وصلح، فأجابه أبو عبيدة إلى ذلك، فسأله البطريق وضع عمود بين الروم والمسلمين، وصوّر الروم في ذلك العمود صورة هرقل جالساً في ملكه فرضي أبو عبيدة، ومرّ بالصورة أحد العرب، ووضع زج رمحه في عين تلك الصورة ففقأ عين التمثال عن غير قصد، فأقبل البطريق وقال لأبي عبيدة: غدرتمونا يا معشر المسلمين، ونقضتم الصلح، وقطعتم الهدنة فقال أبو عبيدة: فمن نقضه؟ فقال البطريق: الذي فقأ عين ملكنا. فقال أبو عبيدة: فما تريدون؟ فقال: لا نرضى حتى نفقأ عين ملككم. فقال أبو عبيدة: صوروا بدل صورتكم هذه صورتي ثم اصنعوا بي ما أحببتم وما بدا لكم، فقال: لا نرضى إلا بصورة ملككم الأكبر فأجابهم أبو عبيدة إلى ذلك فصورت الروم تمثال عمر بن الخطاب في عمود، وأقبل رجل منهم ففقأ عين الصورة برمحه فقال البطريق: قد أنصفتمونا. وذكر المقريزي أن خماريويه بن أحمد بن طولون أمير مصر والشام المتوفى سنة ٢٨٢هـ عمل في داره في القاهرة مجلساً برواقه سماه بيت الذهب، طلى حيطانه كلها بالذهب المجال باللازورد، المعمول في أحسن نقش وأظرف تفصيل، وجعل فيه على مقدار قامة ونصف صوراُ في حيطانه بارزة من خشب معمولة على صورته وصورة حظاياه، والمغنيات اللاتي يغنينه بأحسن تصوير وأبهج تزويق، وجعل على رؤوسهن الأكاليل من الذهب الخالص الإبريز الرزين والكراذن المرصعة بأصناف الجواهر، وفي آذانها الأخراص الثقال الوزن، المحكمة الصنعة، وهي مسمّرة في الحيطان ولُونت أجسامها بأصناف أشباه الثياب من الأصباغ العجيبة. فكان هذا البيت من أعجب مباني الدنيا.

стр. 943

كانت هذه القاعة المصورة في القرن الثالث. وظهر في عصر الأيوبيين والمماليك مصورون شاميون أبدعوا في التصوير على الجدران وعلى الكتب، ومنها ما كان إلى القرن السابع في دير باعنتل قرب حمص، كان فيه على رواية ياقوت عجائب منها آزج بيت مستطيل أبواب فيها صور الأنبياء محفورة منقوشة فيها، وصورة مريم في حائط منتصبة، كلما ملت إلى ناحية كانت عينها إليك. ومنها ما كان في هيكل دير مران في سفح قاسيون بدمشق من صورة عجيبة دقيقة المعاني. وذكر ابن جبير أنه كان في كنيسة مريم بدمشق في القرن السادس من التصاوير أمر عجيب، وكان مثل ذلك في كنيسة القيامة وغيرها من كنائس فلسطين. كان اليازوري من وزراء الفاطميين يفضل كثيراً على المصورين الشرقيين وكانوا من المسلمين. وقد جعل الظاهر بيبرس رنكه أي أشعاره الأسد، وجعل دراهمه على صورته، وجعل أقوش الأفرم رنكه في غاية الظرف وهو دائرة بيضاء يشقها شطب أخضر كأنه مسن عليه سيف أحمر يمر من البياض الفوقاني إلى البياض التحتاني وقال فيه نجم الدين هاشم البعلبكي. سيوف سقاها من دماء عداته ... وأقسم عن ورد الرّدى لا يردها وأبرزها في أبيض مثل كفه ... على أخضر مثل المسنّ يحدها قالوا: وقد كان الخواطئ ينقشن رنكه على معاصمهن وفي أماكن مستورة من أجسامهن. ومن أجمل ما أبقت الأيام وإن لم يتم لها إلى الآن قرنان، الصورة الباقية في دار أسعد باشا العظم في حماة من أبدع ما حوت من النقوش العجيبة وغيرها، وهي صورة رسمت على قطعتين من الخشب جعلتا في حائط القاعة الكبرى ونقشت عليهما صورة حماة في ذلك العهد بجوامعها ومدارسها، ونواعيرها وقصورها، ظهر منها أن حماة كانت أعمر مما هي عليه الآن عرفنا ذلك بفضل التصوير. أخذت العرب نقوش الفسيفساء عن الروم وبالغت فيها ولا يزال إلى اليوم قطع في الدور وغيرها، وأهمها ما لا يزال في كنيسة مادبا في البلقاء من مصوّر فلسطين ونهر الأردن يشقها من وسطها والأسماك تعوم فيه، والمدن التي كانت

стр. 944

عامرة لعهد واضعها، ولا يزال القسم الأعظم منها بحاله لم يصب بأذى الأيام. وآثار الفسيفساء كثيرة مبعثرة في دور مادبا لم تزل على بريقها، وفي دار سليم الصناع في مادبا بركة ماء معمولة بالفسيفساء الملونة أيضاً تخال ما فيها ماء حقيقياً وعلى جوانبها الثلاثة الباقية رسوم بالفسيفساء تمثل الحيوانات والطيور البرية والداجنة، تسرح في جنينة زاهرة والطيور المائية واقفة في وسط الماء على آنية تشبه الزهرية، وفي كل زاوية من زواياها صورة إنسان تخالف الأخرى. وفي هذه البليدة عدة قاعات فرشت أرضها بالفسيفساء يطلق الماء عليها لتغسل كما يُغسل بلاط القاعات وأفنية الدور. قال في مسالك الأمصار: والفسيفساء مصنوع من زجاج يذهب ثم يطبق عليه زجاج رقيق ومن هذا النوع المسحور المسجور وأما الملون فمعجون وقد عمل منه في هذا الزمان ٧٤٠ - ٧٥٠ شيء كثير برسم الجامع الأموي وحُصل منه عدة صناديق وفسدت في الحريق الواقع سنة أربعين وسبعمائة وعمل منه قِبَل للجامع التنكزي ما على جهة المحراب، غير أنه لا يجيء تماماً مثل المعمول القديم في صفاء اللون وبهجة المنظر، والفرق بين الجديد والقديم أن القديم قطعه متناسقة على مقدار واحد والجديد قطعه مختلفة وبهذا يعرف الجديد والقديم اه. ووصف ابن فضل الله هذا يمكن أن يستنتج منه أن الفسيفساء كانت تعمل في الشام، وأن هذه الصناعة اللطيفة وإن اختصت بها القسطنطينية قد نقلت إلى الشام وجود عملها. وكان الوليد بن عبد الملك يحمل الفسيفساء على البريد من القسطنطينية إلى دمشق حتى صفح بها حيطان المسجد الجامع ومكة والمدينة. وكانت الفسيفساء في الجامع الأموي قبل حريقه الأول في القرن الرابع ملونة مذهبة تحوي صور أشجار وأمصار وكتابات، على غاية الحسن والدقة ولطافة الصنعة، وقلّ شجرة أو بلد مذكور إلا وقد مثل على تلك الحيطان قاله المقدسي وقال غيره: إنه مثلث في صور الجامع صفات البلاد والقرى وما فيهما من العجائب وأن الكعبة المشرفة صوّرت فوق المحراب كما قال فيه بعض المحدثين: إذا تفكرت في الفصوص وما ... فيها تيقنت حذق واضعها أشجارها لا تزال مثمرة ... لا ترهب الريح في مدافعها كأنها من زمردٍ غرست ... في أرض تبرٍ يُغشى بفاقعها

стр. 945

فيها ثمار تخالها ينعت ... وليس يخشى فساد يانعها تقطف باللحظ لا بجارحة ال ... أيدي ولا تجتني لبائعها وتحتها من رخامه قطع ... لا قطع الله كف قاطعها أحكم ترخيمها المرخم قد ... بان عليها إحكام صانعها قال صديقنا أحمد تيمور في رسالته التصوير عند العرب بعد كلامه على محاسن الجامع الأموي وما فيه من التصاوير: ولا نعلم إن كانت هذه الصور من عمل العرب فتدخل فيما قصدناه، أو من عمل صناع الروم الذين استعان بهم الوليد بن عبد الملك عند بناء المسجد وقد علل المقدسي زخرف الجامع الأموي فقال: قلت يوماً لعمي: يا عم لَمْ يحسن الوليد حيث أنفق أموال المسلمين على جامع دمشق، ولو صرف ذلك في عمارة الطرق والمصانع ورمّ الحصون، لكان أصوب وأفضل، قال: لا تغفل بُنيّ، إن الوليد وفق وكشف له عن أمر جليل، وذلك أنه رأى الشام بلاد نصارى، ورأى لهم فيها بيعاً حسنة قد افتن زخارفها وانتشر ذكرها كالقمامة وبيعة لدّ والرّها فاتخذ للمسلمين مسجداً شغلهم به عنهن، وجعله أحد عجائب الدنيا، ألا ترى أن عبد الملك لما رأى عظم قبة القمامة وهيأتها خشي أن تعظم في قلوب المسلمين فنصب على الصخرة قبة على ما ترى ١هـ. ولذلك حرص المسلمون في كل دور على السير على قدم الوليد في الاحتفاظ بنقوش الجامع وتحاسينه وتزايينه وتزاويقه، ومما أبقته الأيام من نقوش الفسيفساء أو الفصوص حيطان قبة الظاهر بيبرس في دمشق، فإنها الأثر الباقي من هذه الصناعة في هذا الصقع، بعد أن دثرت فسيفساء الجامع بما تعاقب عليه من الحريق في أدوار كثيرة ولم يبق منها إلا ما كشف مؤخراً في الحلئط الغربي من صور الأشجار وغيرها. ومن القصور المصورة الجدران دار الملك رضوان بحلب وفيها يقول الرشيد النابلسي من قصيدة يمدحه بها سنة ٥٨٩ ويذكر ما على جدران الدار من الصور: دارٌ حكت دارينَ في طيب ولا ... عطرٌ بساحتها ولا عطار رفعت سماء عمادها فكأنها ... قطبٌ على فلك السعود يدار وزهت رياض نقوشها فبنفسج ... غضٌ ووردٌ يانعٌ وبهار

стр. 946

نَوْر من الأصباغ مبتهج ولا ... نورٌ وأزهارٌ ولا أزهار ومنها: صور ترى ليث العرين تجاهه ... فيها ولا يخشى سطاه صوار وفوارساً شبت لظى حرب وما ... دعيت نزَالِ ولم يُشَنّ مغار وموسدين على أسرّة ملكهم ... سكراً ولا خمر ولا خمار هذا يعانق عوده طرباً وذا ... أبداً يقبّل ثغره المزمار ثم لما تزوّج بضيفة خاتون ابنة عمه العادل واسكنها في هذه الدار وقعت نار عقب العرس فاحترقت واحترق جميع ما فيها، فجددها وسماها دار الشخوص لكثرة ما كان من زخارفها. ومن القصور المصورة القصر الأبلق الذي بناه الظاهر بيبرس في مرجة دمشق أوائل النصف الثاني من القرن السابع، وعلى أنقاضه بنيت التكية السليمانية، وكان على واجهته مائة أسد منزّلة صورها بأسود في أبيض، وعلى الشمالية اثنا عشر أسداً منزلة صورها بأبيض في أسود، وهذه الصور أجمل من صور الأسود والنمورة وغيرها من الحيوانات التي كانت في قلعة حلب، ومن الحمامات المصورة حمام سيف الدين بدمشق عثر أحمد تيمور على قصيدة في ديوان عمر ابن مسعود الحلبي الشهير بالمحّار في وصف هذا الحمام جاء فيها: وخطّ فيها كل شخص إذا ... لاحظته تحسبه ينطق ومثل الأشجار في لونها ... ولينها لو أنها تورق أطيارها من فوق أغصانها ... بودها تنطق أو تزعق وهيئة الملك وسلطانه ... وجيشه من حوله يحدق هذا بسيف وله عبسة ... وذا بقوس وبه يعلق ومن التصوير على النسيج على ما ذكره البدري من تصوير الأبيض القطني المصوّر لأحياء القصور وأموات القبور وكان يصنع في دمشق. ومن التصوير في الكتب ما ذكره أبو الفداء في حوادث سنة ٦٤٢ في ترجمة المظفر صاحب حماة قال: استخدم الشيخ علم الدين قيصر المعروف بتعاسيف وكان مهندساً

стр. 947

فاضلاً في العلوم الرياضية فعمل له كرة من الخشب مدهونة، ورسم فيها جميع الكواكب المرصودة. وذكر ابن قاضي شهبة أن علي بن محمد بن صالح الرسام عالم صفد المتوفى سنة ٧٤٩ هـ كان في أول أمره يرسم القماش وقال: إن عنده كتاباً في علم الفلك صورت فيه جميع الأبراج والنجوم بليقتي الكتاب أي بالأحمر والأسود تحت كل صورة أرجوزة بتعريفها. قال القاضي جمال الدين ابن واصل: وساعدت الشيخ علم الدين على عملها وكان المظفر يحضر ونحن نرسمها ويسألنا عن مواضع دقيقة منها. وقد اطلع مؤلف كتاب نهر الذهب على مخطوط في وصف شجرة الإفادة التي كانت في الجامع الأموي بحلب وتعد من الذخائر النفيسة العلمية قال: إنها كانت عظيمة الرواء مصنوعة من حجر ونحاس وحديد ذات خطوط وجداول في أصول العلوم الرياضية شبيهة بشجرة ذات جذع وأغصان وأوراق عظيمة في كل ورقة منها أصل من أصول تلك العلوم. وكان الطلبة يقدمون حلب من القاصية للاشتغال بالعلوم الرياضية المرسومة في هذه الشجرة. واسم غارس شجرة الإفادة خليل بن أحمد غرس الدين على ما في در الحبب. ويدخل في باب النقش والصنائع الغريبة ما رواه المقدسي في حوادث سنة ٩٩٠ يوم عُمل ختان ابن درويش باشا والي دمشق، فإنهم صنعوا شيئاً يسمى النقل بجامع المصلى وبجامع ايلخان خارج محلة القراونة وبجامع التوبة، وهو يشتمل على أربع عشرة قلعة من الورق المحشو بالبارود وأربع عشرة فرساً وأربعة عشر عفريتاً كذلك، وعلى صور طيور ووحوش وكلاب وغي ذلك، وعل قصر عظيم من الشمع الملون المشتمل على صورة أنواع الفواكه والبقول والأزهار والأطيار وغيرها كل ذلك من الشموع المصبغة والتذهيب والتفضيض، وكان ارتفاعه على علو الجملون الذي بجامع المصلى بحيث لم يتأت نقله منه وإخراجه إلا بعد فك الجملون المذكور، وهدم قوس أحد أبواب الجامع المذكور وهدم مواضع متعددة في طريقه إلى دار السعادة، وهدم الحائط الشرقي من باب دار السعادة أيضاً حتى أُدخل، وكان لهذا النقل يوم مشهود خرج للفرجة عليه جميع أهل دمشق رجالاً ونساء لم يتخلف أحد. ثم في اليوم الثاني منه نقل النقل الذي صنع بجامع محلة القراونة وبجامع التوبة وهو يشتمل على قصرين عظيمين من

стр. 948

الشمع أيضاً أحدهما أطول من القصر المقدم بنحو أربع أذرع والآخر دونه مشتملين عل ما تقدم وعلى صور أنواع الحيوانات من السكر من الخيل والجمال والفيلة والسباع والطيور وغيرها، كل ذلك من السكر المعقود وعلى النقول والملبسات بالسكر أيضاً. وكان رشيد الدين بن الصوري يستصحب مصوراً ومعه الأصباغ والليق على اختلافها وتنوعها، فكان يتوجه إلى المواضع التي بها النبات مثل جبل لبنان وغيره من المواضع التي قد اختص كل منها بشيء من النبات، فيشاهد النبات ويحققه ويُريه للمصور فيعتبر لونه ومقدار ورقه وأغصانه وأصوله، ويصور بحسبها ويجتهد في محاكاتها. ثم إنه سلك في تصوير النبات مسلكاً مفيداً، وذلك أنه كان يُري النبات للمصور في إبان نباته وطراوته فيصوره، ثم يريه إياه أيضاً وقت كماله وظهور بزره فيصوره تلو ذلك، ثم يريه إياه أيضاً في وقت ذواه ويبسه فيصوره، ومن ذلك نستدل أنه كان في القطر أكثر من مصور في ذاك العصر، وأن ذلك التصوير بالأصباغ كان مألوفاً، وقد بلغ من حذق المصورين أن يصوروا النبات على أنحاء شتى، أما عنايتهم بالنبات نفسه فمسألة ينظر فيها علماء النبات يستخرجون منها ما يريدون، وهذا كان في الثلث الأول من القرن السابع للهجرة أي في القرن الثالث عشر للميلاد. ولا شك أن كل هذه البدائع كانت من صنع صُنُع الأيدي من الشاميين، فمن المصورين على الخزف ومن المصورين على الخشب ومن المصورين على النسيج ومن المصورين على النحاس والحديد، فمن المصورين على الخزف الغيبي قال تيمور: إن له قطعاً بدار الآثار العربية بمصر، عثروا عليها بأطلال الفسطاط وقد كتب عليها اسمه فكتب على بعضها الغيبي فقط وعلى بعضها الغيبي الشامي وإن في دار الآثار العربية أيضاً لوحاً من القاشاني لمحمد الدمشقي عليه صورة مكة المكرمة والكعبة المعظمة صورها سنة ١١٣٩هـ وكتب عليها اسمه. وبعد فهذا القليل الذي قرأناه واستأنسنا به يدل على ذوق وإبداع، وإن مشاركة الأمة في هذا الفن كانت على حصة موفورة. وفي هذا العصر نبغ في الشام مصورون لا بأس بهم أخذوا عن إيطاليا وفرنسا وغيرهما وكادوا يجارون

стр. 949

مصوري الغرب بإبداعهم، ومنهم من يصور بالأصباغ، ومنها بدونها أي بالسواد، ومنهم من يصور التماثيل من المرمر والرخام والصفر، ومنهم من ينقش فيبدع على الخشب والنحاس، ومن المصورين باليد توفيق طارق، علي رضا معين، نديم بخاش، مصطفى الحمصاني، مصطفى فروخ، عبد الحميد عبد ربه، عبد الوهاب أبو السعود، بشارة السمرة، داود القريم، حبيب سرور، خليل صليبي، سليم عورا، جبران خليل جبران، خليل الغريب، نقولا الصائغ. النقش: ويصح أن يعد في باب التصوير نقش البيوت والتماثيل فإن المعروف أنه كان للشام حظ منه، ولم نر للنقش على الحجر براعة وإبداعاً عند الأمم القديمة بقدر ما رأينا عند اليونان والرومان، فإن النقوش التي عثر عليها في شمالي الشام من أصل حثي مثل الأسود التي كانوا يرسمونها على أبواب مصانعهم وجدرانها وأبي الهول المجنح برأس إنسان أو ثور وهو من نقوش الآشوريين، والنقوش التي عثر عليها في الجنوب من أصل سامي كالكنعانيين والإسرائيليين وما عثر عليه في الساحل من نقوش الفينيقيين وأربابهم ومعظمها منقولة عن المصريين الفراعنة كل هذه النقوش ليست من جمال الوضع وحسن الذوق بحيث يرتاح إليها النظر مثل نقوش الرومان واليونان، ومثال منها الناووس الذي عثر عليه في صيدا من القرن الرابع للميلاد وجعل في دار الآثار في الآستانة وهو يمثل نساء باكيات تمثيلاً كأنك تراهن. أين جمال نقوش بعلبك من نقوش جبيل، أين نقش الناووس البديع المنسوب للإسكندر المقدوني أو لأحد قواده، وهو مما كان عثر عليه في صيدا أيضاً وحفظ في دار الآثار بالآستانة، من نقوش قبر أحيرام الذي عثر عليه في جبيل وجعل في دار الآثار في بيروت، أو قبر حيرام الذي عثر عليه قرب صور ونقل إلى متحف اللوفر في باريز سنة ١٨٦٠م. آثار تدمر وتماثيلها تنم عن ذوق وفضل صناعة أكثر من أرباب الفينيقيين والحثيين، والغالب أن تماثيل الشبه كانت تعمل في قبرس والروم وتحمل إلى تدمر لتزين بها رحباتها وساحاتها، وصناعات جرش ومادبا أجمل من نقوش

стр. 950

السهول في حوران والصفا. كأن للإقليم وللعنصر الذي ينزله دخلاً كبيراً في إجادة النقش والتصوير. ومعظم العناصر التي نزلت الشام منذ عهد التاريخ من العناصر السامية، والساميون كما قال بعض علماء الإفرنج ما زالوا ينفرون من الرسم والنقش والتصوير. ولا غضاضة إذ قلنا إن الآريين أفرطوا في الاشتغال بالرسم والنقش إفراطاً شوهدت آثاره في أمم أوربا التي خلفتهم، فكل شيء إذا لم يرسم الآن عندهم لا يفهم ولا يدرك، فأضعفوا بذلك قوة التخيل وقووا الباصرة. ومما سيتدل به على أن التماثيل قبل الإسلام كانت تعمل وتنقش في الشام وأن العرب نقلوا عنها في جزيرتهم ما رواه ابن الكلبي من أنه كان لقضاعة ولخم وجذام وعاملة وغطفان صنم في مشارف الشام يقال له الأقيصر كانوا يحجونه ويحلقون رؤوسهم عنده. وقال ربيعة بن صُبغ الفزاري: وإنني والذي نغم الأنام له ... حول الأقيصر تسبيح وتهليل قال: ووجد عمرو بن لحي أهل البلقاء يعبدون الأصنام فقال: ما هذه؟ فقالوا نستسقي بها المطر، ونستنصر بها على العدو، فسألهم أن يعطوه منها فغفلوا، فقدم بها مكة ونصبها حول الكعبة. ولا شك أن هذه الأصنام تعد من الصناعات الشامية. ولم يخل عصر في الشام من نقاشين أبدعوا النقش على الحجر والنقش بالأصباغ على الجدران وعلى الخشب يتناقلون ذلك خلفاً عن سلف، والنقش بالجبس على الجدران، ومنها مقرنصات جميلة ذات تعاريش وكتابات حفظت في مدفن أحد الوزراء من القرون الوسطى في صالحية دمشق أمام دار الحديث الأشرفية البرانية وبينهما الطريق وتسمى هذه المدرسة التكريتية. وفي بعض الدور القديمة الباقية من القرن العاشر وبعده في حلب ودمشق كثير من القاعات تدل على ذوق. وفي در الحبب أن أبا بكر بن أحمد النقاش الجلومي الحلبي خدم أساتذة النقاشين من الأعاجم واستفاد منهم ومهر في نقوش البيوت وكتابات الطرازات على طريقة القاطع والمقطوع، وفي نقوشه ما كان لكفّال حلب وغيرهم من الرماح والسروج بالمذهب والازورد مع معرفة طريقة حله وصنعة التركاش وضعاً ونقشاً وصنعة اللوح الذي يكتب فيه وصنائع أخرى تتم عشرين صنعة. ولا يعقل أن يعمل
следующие страницы →