Полный текст (1 453 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
نَوْر من الأصباغ مبتهج ولا ... نورٌ وأزهارٌ ولا أزهار
ومنها:
صور ترى ليث العرين تجاهه ... فيها ولا يخشى سطاه صوار
وفوارساً شبت لظى حرب وما ... دعيت نزَالِ ولم يُشَنّ مغار
وموسدين على أسرّة ملكهم ... سكراً ولا خمر ولا خمار
هذا يعانق عوده طرباً وذا ... أبداً يقبّل ثغره المزمار
ثم لما تزوّج بضيفة خاتون ابنة عمه العادل واسكنها في هذه الدار وقعت نار عقب العرس فاحترقت واحترق جميع ما فيها، فجددها وسماها دار الشخوص لكثرة ما كان من زخارفها.
ومن القصور المصورة القصر الأبلق الذي بناه الظاهر بيبرس في مرجة دمشق أوائل النصف الثاني من القرن السابع، وعلى أنقاضه بنيت التكية السليمانية، وكان على واجهته مائة أسد منزّلة صورها بأسود في أبيض، وعلى الشمالية اثنا عشر أسداً منزلة صورها بأبيض في أسود، وهذه الصور أجمل من صور الأسود والنمورة وغيرها من الحيوانات التي كانت في قلعة حلب، ومن الحمامات المصورة حمام سيف الدين بدمشق عثر أحمد تيمور على قصيدة في ديوان عمر ابن مسعود الحلبي الشهير بالمحّار في وصف هذا الحمام جاء فيها:
وخطّ فيها كل شخص إذا ... لاحظته تحسبه ينطق
ومثل الأشجار في لونها ... ولينها لو أنها تورق
أطيارها من فوق أغصانها ... بودها تنطق أو تزعق
وهيئة الملك وسلطانه ... وجيشه من حوله يحدق
هذا بسيف وله عبسة ... وذا بقوس وبه يعلق
ومن التصوير على النسيج على ما ذكره البدري من تصوير الأبيض القطني المصوّر لأحياء القصور وأموات القبور وكان يصنع في دمشق. ومن التصوير في الكتب ما ذكره أبو الفداء في حوادث سنة ٦٤٢ في ترجمة المظفر صاحب حماة قال: استخدم الشيخ علم الدين قيصر المعروف بتعاسيف وكان مهندساً
стр. 947
فاضلاً في العلوم الرياضية فعمل له كرة من الخشب مدهونة، ورسم فيها جميع الكواكب المرصودة. وذكر ابن قاضي شهبة أن علي بن محمد بن صالح الرسام عالم صفد المتوفى سنة ٧٤٩ هـ كان في أول أمره يرسم القماش وقال: إن عنده كتاباً في علم الفلك صورت فيه جميع الأبراج والنجوم بليقتي الكتاب أي بالأحمر والأسود تحت كل صورة أرجوزة بتعريفها. قال القاضي جمال الدين ابن واصل: وساعدت الشيخ علم الدين على عملها وكان المظفر يحضر ونحن نرسمها ويسألنا عن مواضع دقيقة منها. وقد اطلع مؤلف كتاب نهر الذهب على مخطوط في وصف شجرة الإفادة التي كانت في الجامع الأموي بحلب وتعد من الذخائر النفيسة العلمية قال: إنها كانت عظيمة الرواء مصنوعة من حجر ونحاس وحديد ذات خطوط وجداول في أصول العلوم الرياضية شبيهة بشجرة ذات جذع وأغصان وأوراق عظيمة في كل ورقة منها أصل من أصول تلك العلوم. وكان الطلبة يقدمون حلب من القاصية للاشتغال بالعلوم الرياضية المرسومة في هذه الشجرة. واسم غارس شجرة الإفادة خليل بن أحمد غرس الدين على ما في در الحبب.
ويدخل في باب النقش والصنائع الغريبة ما رواه المقدسي في حوادث سنة ٩٩٠ يوم عُمل ختان ابن درويش باشا والي دمشق، فإنهم صنعوا شيئاً يسمى النقل بجامع المصلى وبجامع ايلخان خارج محلة القراونة وبجامع التوبة، وهو يشتمل
على أربع عشرة قلعة من الورق المحشو بالبارود وأربع عشرة فرساً وأربعة عشر عفريتاً كذلك، وعلى صور طيور ووحوش وكلاب وغي ذلك، وعل قصر عظيم من الشمع الملون المشتمل على صورة أنواع الفواكه والبقول والأزهار والأطيار وغيرها كل ذلك من الشموع المصبغة والتذهيب والتفضيض، وكان ارتفاعه على علو الجملون الذي بجامع المصلى بحيث لم يتأت نقله منه وإخراجه إلا بعد فك الجملون المذكور، وهدم قوس أحد أبواب الجامع المذكور وهدم مواضع متعددة في طريقه إلى دار السعادة، وهدم الحائط الشرقي من باب دار السعادة أيضاً حتى أُدخل، وكان لهذا النقل يوم مشهود خرج للفرجة عليه جميع أهل دمشق رجالاً ونساء لم يتخلف أحد. ثم في اليوم الثاني منه نقل النقل الذي صنع بجامع محلة القراونة وبجامع التوبة وهو يشتمل على قصرين عظيمين من
стр. 948
الشمع أيضاً أحدهما أطول من القصر المقدم بنحو أربع أذرع والآخر دونه مشتملين عل ما تقدم وعلى صور أنواع الحيوانات من السكر من الخيل والجمال والفيلة والسباع والطيور وغيرها، كل ذلك من السكر المعقود وعلى النقول والملبسات بالسكر أيضاً.
وكان رشيد الدين بن الصوري يستصحب مصوراً ومعه الأصباغ والليق على اختلافها وتنوعها، فكان يتوجه إلى المواضع التي بها النبات مثل جبل لبنان وغيره من المواضع التي قد اختص كل منها بشيء من النبات، فيشاهد النبات ويحققه ويُريه للمصور فيعتبر لونه ومقدار ورقه وأغصانه وأصوله، ويصور بحسبها ويجتهد في محاكاتها. ثم إنه سلك في تصوير النبات مسلكاً مفيداً، وذلك أنه كان يُري النبات للمصور في إبان نباته وطراوته فيصوره، ثم يريه إياه أيضاً وقت كماله وظهور بزره فيصوره تلو ذلك، ثم يريه إياه أيضاً في وقت ذواه ويبسه فيصوره، ومن ذلك نستدل أنه كان في القطر أكثر من مصور في ذاك
العصر، وأن ذلك التصوير بالأصباغ كان مألوفاً، وقد بلغ من حذق المصورين أن يصوروا النبات على أنحاء شتى، أما عنايتهم بالنبات نفسه فمسألة ينظر فيها علماء النبات يستخرجون منها ما يريدون، وهذا كان في الثلث الأول من القرن السابع للهجرة أي في القرن الثالث عشر للميلاد.
ولا شك أن كل هذه البدائع كانت من صنع صُنُع الأيدي من الشاميين، فمن المصورين على الخزف ومن المصورين على الخشب ومن المصورين على النسيج ومن المصورين على النحاس والحديد، فمن المصورين على الخزف الغيبي قال تيمور: إن له قطعاً بدار الآثار العربية بمصر، عثروا عليها بأطلال الفسطاط وقد كتب عليها اسمه فكتب على بعضها الغيبي فقط وعلى بعضها الغيبي الشامي وإن في دار الآثار العربية أيضاً لوحاً من القاشاني لمحمد الدمشقي عليه صورة مكة المكرمة والكعبة المعظمة صورها سنة ١١٣٩هـ وكتب عليها اسمه. وبعد فهذا القليل الذي قرأناه واستأنسنا به يدل على ذوق وإبداع، وإن مشاركة الأمة في هذا الفن كانت على حصة موفورة. وفي هذا العصر نبغ في الشام مصورون لا بأس بهم أخذوا عن إيطاليا وفرنسا وغيرهما وكادوا يجارون
стр. 949
مصوري الغرب بإبداعهم، ومنهم من يصور بالأصباغ، ومنها بدونها أي بالسواد، ومنهم من يصور التماثيل من المرمر والرخام والصفر، ومنهم من ينقش فيبدع على الخشب والنحاس، ومن المصورين باليد توفيق طارق، علي رضا معين، نديم بخاش، مصطفى الحمصاني، مصطفى فروخ، عبد الحميد عبد ربه، عبد الوهاب أبو السعود، بشارة السمرة، داود القريم، حبيب سرور، خليل صليبي، سليم عورا، جبران خليل جبران، خليل الغريب، نقولا الصائغ.
النقش:
ويصح أن يعد في باب التصوير نقش البيوت والتماثيل فإن المعروف أنه كان
للشام حظ منه، ولم نر للنقش على الحجر براعة وإبداعاً عند الأمم القديمة بقدر ما رأينا عند اليونان والرومان، فإن النقوش التي عثر عليها في شمالي الشام من أصل حثي مثل الأسود التي كانوا يرسمونها على أبواب مصانعهم وجدرانها وأبي الهول المجنح برأس إنسان أو ثور وهو من نقوش الآشوريين، والنقوش التي عثر عليها في الجنوب من أصل سامي كالكنعانيين والإسرائيليين وما عثر عليه في الساحل من نقوش الفينيقيين وأربابهم ومعظمها منقولة عن المصريين الفراعنة كل هذه النقوش ليست من جمال الوضع وحسن الذوق بحيث يرتاح إليها النظر مثل نقوش الرومان واليونان، ومثال منها الناووس الذي عثر عليه في صيدا من القرن الرابع للميلاد وجعل في دار الآثار في الآستانة وهو يمثل نساء باكيات تمثيلاً كأنك تراهن.
أين جمال نقوش بعلبك من نقوش جبيل، أين نقش الناووس البديع المنسوب للإسكندر المقدوني أو لأحد قواده، وهو مما كان عثر عليه في صيدا أيضاً وحفظ في دار الآثار بالآستانة، من نقوش قبر أحيرام الذي عثر عليه في جبيل وجعل في دار الآثار في بيروت، أو قبر حيرام الذي عثر عليه قرب صور ونقل إلى متحف اللوفر في باريز سنة ١٨٦٠م.
آثار تدمر وتماثيلها تنم عن ذوق وفضل صناعة أكثر من أرباب الفينيقيين والحثيين، والغالب أن تماثيل الشبه كانت تعمل في قبرس والروم وتحمل إلى تدمر لتزين بها رحباتها وساحاتها، وصناعات جرش ومادبا أجمل من نقوش
стр. 950
السهول في حوران والصفا. كأن للإقليم وللعنصر الذي ينزله دخلاً كبيراً في إجادة النقش والتصوير. ومعظم العناصر التي نزلت الشام منذ عهد التاريخ من العناصر السامية، والساميون كما قال بعض علماء الإفرنج ما زالوا ينفرون من الرسم والنقش والتصوير. ولا غضاضة إذ قلنا إن الآريين أفرطوا في الاشتغال بالرسم
والنقش إفراطاً شوهدت آثاره في أمم أوربا التي خلفتهم، فكل شيء إذا لم يرسم الآن عندهم لا يفهم ولا يدرك، فأضعفوا بذلك قوة التخيل وقووا الباصرة.
ومما سيتدل به على أن التماثيل قبل الإسلام كانت تعمل وتنقش في الشام وأن العرب نقلوا عنها في جزيرتهم ما رواه ابن الكلبي من أنه كان لقضاعة ولخم وجذام وعاملة وغطفان صنم في مشارف الشام يقال له الأقيصر كانوا يحجونه ويحلقون رؤوسهم عنده. وقال ربيعة بن صُبغ الفزاري:
وإنني والذي نغم الأنام له ... حول الأقيصر تسبيح وتهليل
قال: ووجد عمرو بن لحي أهل البلقاء يعبدون الأصنام فقال: ما هذه؟ فقالوا نستسقي بها المطر، ونستنصر بها على العدو، فسألهم أن يعطوه منها فغفلوا، فقدم بها مكة ونصبها حول الكعبة. ولا شك أن هذه الأصنام تعد من الصناعات الشامية.
ولم يخل عصر في الشام من نقاشين أبدعوا النقش على الحجر والنقش بالأصباغ على الجدران وعلى الخشب يتناقلون ذلك خلفاً عن سلف، والنقش بالجبس على الجدران، ومنها مقرنصات جميلة ذات تعاريش وكتابات حفظت في مدفن أحد الوزراء من القرون الوسطى في صالحية دمشق أمام دار الحديث الأشرفية البرانية وبينهما الطريق وتسمى هذه المدرسة التكريتية. وفي بعض الدور القديمة الباقية من القرن العاشر وبعده في حلب ودمشق كثير من القاعات تدل على ذوق. وفي در الحبب أن أبا بكر بن أحمد النقاش الجلومي الحلبي خدم أساتذة النقاشين من الأعاجم واستفاد منهم ومهر في نقوش البيوت وكتابات الطرازات على طريقة القاطع والمقطوع، وفي نقوشه ما كان لكفّال حلب وغيرهم من الرماح والسروج بالمذهب والازورد مع معرفة طريقة حله وصنعة التركاش وضعاً ونقشاً وصنعة اللوح الذي يكتب فيه وصنائع أخرى تتم عشرين صنعة. ولا يعقل أن يعمل
стр. 951
ذلك
مثل هذا المفنن ولا يكون حواليه عشرات من المتعلمين والعاملين.
ومن النقوش الكثيرة التي بقيت محفوظة على بعض مصانع الشهباء نقوش باب إنطاكية وباب النصر وعلى هذا قطعة من إفريز تمثل كرمة معرشة يركض إلى جانبها أرنب. ومن أجمل آثار قلعتها المحراب المنقوش على الخشب من عمل نور الدين زنكي والجزء الثاني الذي أنشأه الظاهر غازي يدل على صورة الهندسة المألوفة في عصر الأمويين: مثلث قائم الزوايا تعلوه قبة بين حنايا واسعة.
ومن المنابر العجيبة الصنع ما عمله نور الدين محمود بن زنكي في حلب برسم المسجد الأقصى عمله حميد بن ظافر الحلبي وسليمان بن معالي من خشب مرصع بالعاج والآبنوس وعليه تاريخ سنة ٥٦٤هـ وقد وضعه صلاح الدين في محله عند فتح القدس وقد عمل في حلب أيضاً محراب الجامع الكبير بحماة صنعه ذاك الفنان الحلبي. ومن أجمل المنابر منبر الحرم في الخليل من صناعة الفاطميين ومنبر جامع الحنابلة بدمشق من الخشب. ومن المحاريب محراب جامع الحلاوية بحلب من الخشب ومحراب الأقصى من الرخام. ومن المحاريب الجميلة محراب جامع الفردوس بحلب الذي أنشأته ضيفة خاتون وهو من عمل حسان بن عنان. وجامع الظاهر غازي في قلعة حلب الذي بناه سنة ٦١٠ فيه أجمل ضروب الهندسة من النقوش المعروفة في المصانع الجميلة. ومن أهم الآثار العربية تابوت من الخشب وضع على قبر السيدة سكينة بنت الحسين في مقبرة باب الصغير بدمشق عمله أحمد بن محمد بن عبد الله سنة ٥٦٠هـ وقد نقش بخطوط كوفية وجعل داخل الحروف نقوش وحروف صغيرة أخرى بالكوفية أيضاً. وتابوت ومحراب ومنبر جامع خالد بن الوليد بحمص من أجمل الآثار العربية. وكذلك تابوت مدفن أبي الفداء صاحب حماة. ومن الآثار العربية ما نقش بالحروف الكوفية على تابوت من الحجر دفنت تحته السيدة فاطمة الصغرى بنت الحسين من
القرن الربع. ومن التوابيت المهمة تابوت سيدي صهيب في حي الميدان بدمشق من القرن السادس ومنها تابوت بخت خاتون المعروفة عند العوام بالسيدة حفيظة في طريق عين الكرش المؤدي إلى حي الأكراد بدمشق.
وذكر القزويني سوق المزوقين في حلب وقال: إن فيه آلات عجيبة مزوقة، وذكر ابن جبير أن أكثر حوانيت حلب خزائن من الخشب البديع الصنعة قد
стр. 952
اتصل السماط خزانة واحدة وتخللتها شرف خشبية بديعة النقش. وقد عُرف الحلبيون من القديم بحسن الذوق في هذه الصناعة كما عُرفوا بحسن الذوق في الخطوط العربية المنوعة الأشكال، وكلها نقوش معرشة تأخذ بمجامع الأبصار، وتعد في باب النقش، وقد كان عدد الخطاطين الذين أنبغتهم حلب على اختلاف العصور أكثر من غيرها من مدن الشام.
ذكر الغزي أن النقاشين في حلب أصناف منهم من ينقش على الحجر وهم نوابغ البنائين وفي المباني القديمة كثير من النقوش الحجرية تشهد ببراعة البنائين الحلبيين في القرون الماضية وتدل دلالة واضحة على نبوغهم بصنعة النقش، من ذلك صورتا وجهي أسدين في حجرين مرصوفين في جانبي أحد أبواب قلعة حلب لا يفرق الناظر إليهما في أول وهلة بي ملامحهما، فإذا أمعن النظر فيهما تبين له أن وجه أحدهما يضحك ووجه الآخر يبكي مما دل على براعة النقاش.
وقال: إن من النقاشين من يعاني النقش على المعادن كالذهب والفضة والنحاس، ومنهم من ينقشون المنازل ويعرفون بالمدهنين ينقشون صور أشخاص وأزهار وطيور وأشجار، وإن هذه الصنعة انحطت في حلب أواخر القرن الماضي حتى سافر جماعة من أهلها إلى أميركا وتلقوا هذه الحرفة من أربابها وعادوا فنشروها بين الناس. ومن أشهر النقاشين يوسف سعد الله الحويّك، ومن الحفارين والنقاشين يوسف الزغبي وبشارة عيسى الزغبي وهذا حفر صورة آل رومانوف في قطعة
صدف من أنفس التحف.
واشتهر في دمشق وحلب وبيروت خطاطون كثيرون في العهد الأخير ومنهم أمين زهدي. مصطفى السباعي. مراد الشطي. مصطفى القباني. محمد علي الحكيم نجيب هواويني. حسين البغجاتي. ممدوح الشريف. سليم الحنفي. محمد علي الخطيب. زكي المولوي. حنا علاّم. يوسف علاّم. نسيب مكارم. مشكين قلم. محمد يحيى. صادق الطرزي. موسى الشلبي.
وكان فن الخط إلى عهد بعيد صناعة يتنافس بها، وكثير من البارعين فيها كانت مدار معاشهم ينسخون الكتب وغيرها فلما جاءت الطباعة ثم الآلات الطابعة بطل التنافس بالخط العربي الجميل وقلّ الراغبون فيه.
стр. 953
البناء:
قالوا إن علم المباني فن من الفنون الجميلة بل هو أحسنها، إذا قارنا بينه وبين الموسيقى نجد أن كليهما مطرب للإنسان فالأول مكوّن من نغمات غير متنافرة منتظمة الأوقات، والثاني مكوّن من تراكيب وأوضاع غير متنافرة الأجزاء، يظهر الأول مذببات العدد والأوتار يحملها الهواء إلى الآذان فيطرب بها الإنسان، ويظهر الثاني الظلّ والضوء والألوان فتراها العين في أتم ما يكون موضوعة بنسب محفوظة ما بين مزخرف وبسيط تظهر عليها المتانة والراحة فتشتاق إليها النفس، فكلا الفنين جميل غي أن الأول تذهب محاسنه في الهواء وبعد ذهابها لا يشعر بها، وتبقى محاسن الثاني ما دام لها ظل.
مواد البناء الحجر والتراب والخشب والحديد قد توجد كلها في قطر ولا يوجد إلا بعضها في آخر، فمصانع بابل تداعت لأن معوّل البانين كان على الآجر لا الحجر، ومصانع الشام بقيت لأن الحجر فيه كثير مبذول، وإن كان أقدم ما عُرف من آثارنا يُرد إلى زهاء ألفي سنة، وأقدم ما عُرف في بابل وآشور ونينوى من الآجر المكتوب يرجع إلى أربعة آلاف سنة. وما عمل عندنا من الخشب والتراب دثر بعد مدة ليست بطويلة من عهد بانيه.
ولقد ظهر أن الشام في القديم لم يكن له طراز خاص بالبناء. وكان بناؤه بحسب روح الدولة التي تحكم فيه والأمة التي تتغلب عليه: مصرياً أيام الفراعنة، آشورياً على عهد الآشوريين، بابلياً في أيام بابل، فارسياً في دور فارس، رومياً في دولة الروم، رومانياً في عهد الرومان. ولم يكن للحثيين والإسرائيليين هندسة خاصة، بل كان الحثيون يقتبسون عن جيرانهم الآشوريين أصول بنائهم، وليس مما اكتشف منه حتى الآن ما هو خارق للعادة في أشكاله ووضعه بل هو محرف عن الطراز الآشوري تحريفاً كثيراً، وما اكتشف من الصور النصفية وغيرها من عهد الحثيين لا ينم عن ذوق وإبداع على الأكثر. ومصانع الحثيين في الجملة مقتبسة
من مصانع الآشوريين والبابليين اقتباساً رديئاً لا يخلو من جفاء وسذاجة على ما قال الباحثون. وسار الإسرائيليون في صنع مصانعهم على تقليد الآشوريين والمصريين وقلدوا المصريين في الأكثر لقرب فلسطين من مصر، ولاستيلاء المصريين زمناً على فلسطين. وكذلك فعل الفينيقيون والكنعانيون.
стр. 954
وعلى عهد الإسكندر دخل الشام طرز جديد في البناء أي أصول الهندسة اليونانية.
غصت جبال الشام بالمغاور الطبيعية والصناعية، ومنها ما كان لسكنى أهلها قبل أن عرف التاريخ، ومنها ما جعلوه قبوراً لموتاهم في الأمم التي عرف بعضها التاريخ، وقد ثبت بهذه المغاور أن الشاميين استعملوا منذ الزمن الأطول آلات من المعادن لقطع الحجر ونحته. ولا يمكن تحديد العصر الحجري في الشام، ويمكن أن يردّ العصر المعدني إلى ثلاثة آلاف سنة قبل المسيح. وفي غربي الأردن آثار كثيرة من ذلك، وكلها ذات صلة بعبادات الأقدمين. واحترام الأحجار المقدسة كان قديماً منتشراً في جميع أرجاء الشام. ومن المغاور مغاور عدلون بين صيدا وصور ومغاور نهر إبراهيم في لبنان، ومغاور بيروت وجبيل وأنطلياس، ومن مصانع فلسطين الصهاريج ومعاصر الزيت والخمر. وبناء الفينيقيين من هذا النوع أجمل من بناء العبرانيين.
وقد اقتبس العبرانيون في أصول مبانيهم مباني الفينيقيين، وهؤلاء أخذوا على ما يظهر من المصريين، وقد قيل: إن بنائين فينيقيين هندسوا معبدي داود وسليمان. ويقول سنيوبوس: إن القدس كانت بالنسبة لبابل وثيبة عاصمة أقاليم فقيرة، وما كان العبرانيون يتعاطون البناء ويميلون إلى العمران، بل كانت ديانتهم تحظر عليهم إقامة المعابد، ولم يكن في القدس إلا قصر سليمان وهو أول معبد عبراني.
وأخذت الشام أصول الهندسة اليونانية وتناغت بها قبل أن يفتحها الإسكندر. ولم يبق من الآثار اليونانية على كثرتها في الشام بقدر ما بقي من الآثار الرومانية.
فإن الرومان أنشئوا مدناً برمتها خططوها على أصولهم. وكان من هذه المدن ما بني على نفقة أباطرة رومية. ومعلوم أن الرومان تفننوا في البناء وخلفوا في كل مكان امتد سلطانهم عليه آثار الهندسة من طرق وقنوات وأسوار ومسارح وملاعب وحمامات، مما شهد لهم باتساع الفكر ومعرفة الهندسة والمتانة في العمل وجما الأسلوب. لا جرم أن علاقة الشام بإيطاليا أقدم من الإسلام، علاقتها بأرضنا مذ كنا ولاية رومانية تحكمنا رومية عاصمة تلك الأمة العظيمة.
وأخذ النصارى في بناء كنائسهم عن فارس والشرق، ثم اقتبس منهم الرومان أصولهم في البيع، وما لبثت الصناعات الفارسية والبيزنطية أن اختلطت
стр. 955
ونشأ منها صناعة جديدة هي الصناعة العربية. وأجمل هذه الصناعات على ما قال هوار الجوامع والقصور، والتقليد محسوس ولكنه تقليد غير أعمى، لأن تأثيرات الأساتذة الأقدمين لا تمنع من البحث العلمي والاختراع الحديث، كما أن مشهد البدائع القديمة ودرسها لا يحولان دون التفنن ولطافة الإبداع والاختراع. قال: وفي الشرق نشأت هذه المدنية وكانت دمشق إحدى مراكزها.
وقال جلابرت: ومن المصانع المنوعة في الهندسة الشامية شيئان يلفتان النظر خاصة وهما البيع والأبنية ذات السطوح. وكان المهندسون الشاميون فيها عالةً على الشرق يسترشدون بآراء مهندسي فارس. وقد أثرت الهندسة الشامية إذ ذاك في هندسة كثير من الأمم ولا سيما في بيزنطية، وأخذت بيزنطية عن الشام أو من طريق مصر عن الشام، أصول كثيرة من الأبنية، وقال لامنس: إن الهندسة والتصوير والنقش وفنون الزينة أخذت تسير في طريق مستقلة عن النموذجات اليونانية والرومانية التي كانت منذ عهد السلوقيين مؤثرة في جميع الصنائع النفيسة، وانشأ المهندس الشامي يرفض استعمال الملاط بين الأحجار ويكتفي بحسن وضعها على صورة متوازية تقوى بها بدون لحمة بين أجزائها، واستعاض
عن الآجرّ المألوف على عهد الرومان واليونان بالحجر النحيت، وبنى الكنائس ذات القباب فكثرت البيع البديعة التي يعجب الأثريون بخرائبها العظيمة اليوم وعنها أخذ بناة الكنائس الرومانية اه.
كان أساتذة العرب في البناء لأول أمرهم أُناساً من الروم، فكان بين أبنيتهم الأولى وأبنية النصارى وجه شبه، فقد بني المسجد الأقصى على مثال كنيسة القبر المقدس، ونقل استعمال القباب من الشرق إلى الغرب، ولم تكن معروفة إلا في هذا الشرق، وقد أفرط العرب كالروم في استخدام الفسيفساء في الجدران والقباب، وزادوا في هذه الفصوص ما ابتدعوه من عندهم، وكان محبباً إلى نفوسهم، جميلاً في عيونهم. ويقول بعض العارفين: إن الشام لا يحوي كثيراً من المصانع الخارقة للعادة من صنع العرب، لأنهم اكتفوا بما وجدوه في القطر من المباني القديمة، فاستعملوها على ما يشاءون، ولطالما بنوا بمواد أخذوها من أبنية قديمة.
أما هندسة الصليبيين فأكثرها حصون وقلاع، ولا يعرف إذا كانت في
стр. 956
الأصل من بناء العرب أو الأفرنج، المرجح أن هؤلاء طبعوها بطابعهم، وقالوا لم يخترع العرب أبنية خاصة بهم، بل تجلى في هندستهم حبهم للزخرف واللطف واخترعوا القوس المقنطر ورسم البيكارين، وكان تفننهم في هندسة القباب والسقوف والمعرشات من الأشجار والأزهار، مما جعل لجوامعهم وقصورهم بهجة لا يبلى على الدهر جديدها، ودلت كل الدلالة على إيغالهم في حب النقوش والزينة، كأن أبنيتهم ومصانعهم ثوب من ثياب الشرق تفنن حائكه في رقشه ونقشه.
نعم إن العرب لم يخترعوا ولكنهم اقتبسوا بادئ بدء، فإن ابن الزبير لما عمر الكعبة دعا إليها بنائين من الفرس والروم، والوليد لما بنى أُمويّ دمشق وأقصى القدس دعا إليهما بنائين من الفرس والروم والهند. ولا جرم فقد برع مهندسو العرب في هذه الديار في علم عقود الأبنية وهي ما يتعرف منه أحوال أوضاع
الأبنية وكيفية شق الأنهار وتقنية القنيّ وسد البثوق وتنضيد الساكن. ولو لم يبرعوا في كيفية إيجاد الآلات الثقيلة الرافعة لنقل الثقل العظيم بالقوة اليسيرة لما تمكنوا من عمارة المدن والقلاع والأسوار والمنازل والجوامع والمدارس هذا التمكن الذي يبهرنا اليوم أثره.
ومالت الهندسة الشامية إلى السذاجة لأول انتشار النصرانية، فكانوا يجتنبون كل زينة زائدة لتؤثر بمتانة البناء المعمول بالحجارة الضخمة، وجمال الحجم وترتيب الأجسام. ونشأت بين القرن الرابع والسادس للميلاد هندسة متينة تختلف عن الهندسات الأخرى، منها بعض أمثلة في الشام العليا وحوران. ويقول جلابرت: إنه كان لأهالي الشام الوسطى هندسة قائمة بذاتها مباينة لفن البناء الذي أشاعه الرومان في الشام، وهو بناء قديم يدعى بالطراز الشامي لا أثر فيه للطرق الرومانية والشرقية المحضة في البناء، وعلاقته ظاهرة بالهندسة اليونانية الشائعة في إنطاكية، وقد نشأ عنه طرز مركب شاع في القرون الأخيرة، وطرق البناء في حوران تختلف عن الهندسة الشمالية فتألف طرز وطني مباين للطرز اليوناني الذي أدخله السلوقيون.
ومن أهم أبنية القرون الوسطى وتدل على ذوق جميل في البناء، المدارس الكبرى في حلب ودمشق والقدس وغيرها من البلدان، والقليل الباقي منها إلى الآن شاهد على وجه الأيام بما صار للمهندس الشامي من حسن الذوق، ومنها
стр. 957
في دمشق مدخل المدرستين العادلية الكبرى والظاهرية والمستشفى القيمري، وفي حلب مستشفى أرغون شاه ومدرسة الفردوس إلى غيرها من الأبنية الكثيرة في القرون المتأخرة.
ومن أهم أبنية القرون الإسلامية بدمشق المئذنة الغربية في الجامع الأموي المعروفة بمأذنة قايتباي وهي من أهم المآذن العربية من حيث الهندسة والنقش
والأصول المعمارية قامت على قصبتين من الأرض ٤٨ متراً مربعاً بارتفاع ٦٦ متراً هندسها معمار عربي اسمه سلوان بن علي وقد تمت عمارتها سنة ٨٨٥ هـ وبانيها السلطان الملك الأشرف قايتباي كتب اسمه في جهاتها الأربع. وقد أجرى ترميمها وإرجاعها إلى أصلها وإكمال نواقصها المهندس الرسام توفيق طارق سنة ١٣٤٢هـ وكان على رفرف شرفتها الأولى آية (إنا فتحنا لك فتحاً) الآية وكتبها موسى شلبي وبقي قسم من الحروف القديمة.
وقد دخلت إلى الساحل منذ عهد الحروب الصليبية أصول الهندسة الطليانية في الدور والقصور، وما برحت ترسخ مع الزمن، ولا سيما في طرابلس وبيروت بحيث أن جميع ما نراه في مدن الساحل من الدور هو مما أُنشئ في القرن الأخير وفي هذا القرن هو طلياني الصبغة، وهندسته عارضة على هذه الديار. هذا في الساحل أما هندسة البيوت في الداخل فإنها قديمة لا يعرف زمن الاصطلاح عليها، فقد نقل الرومان هندسة بيوت دمشق القديمة إلى شمالي أفريقية، ثم نقلها العرب بعد قرون إلى الأندلس، ولا تزال هناك إلى اليوم يفاخر بطرازها ويُطرّس على آثارها، كأن تكون الدار ذات مدخل أو دهليز يؤدي إلى فناء واسع فيه حوض ماء وإيوان، وعلى جوانبه أماكن لتربية بعض الأشجار والزهور، والدار ذات طبقتين فقط: السفلى للصيف والعليا للشتاء. وقد رأى ناصر خسرو قبيل منتصف القرن الخامس أن البيوت في طرابلس كانت ذات أربع وخمس وأحياناً ست طبقات. وكثرة الطبقات في الدور لم تعهد إلا في الغرب، وما نظن الشام زادت طبقات بيوتها على ثلاث في معظم أدوار التاريخ.
الشعر والفصاحة:
ظهر كثير من الشعراء والبلغاء في هذه الديار ولا سيما من السريان واللاتين
стр. 958
والروم، اشتهروا في العالم وخلدوا آثار نبوغهم، ولطالما أخرجت مدرسة نصيبين
والرّها ومدرسة الفقه في بيروت ومدرسة إنطاكية خطباء هزوا النفوس وعلموها بخطبهم وأشعارهم ومجادلاتهم، وقد كثر سواد هذه الفئة في عهد الدولة العربية الإسلامية أيضاً. والشعر والخطابة مما امتازت به العرب في الجاهلية والإسلام وغالت في الولوع بهما، ولقد أثر القرآن في هداية العرب ببلاغته وفصاحته، تأثيره بحكمه وهدايته. ولطالما كان شعراء العرب يصفون الشام ويتغزلون بها منذ أول يوم عرفوها، حتى إذا كان الإسلام وتبسطوا في أرجائها، أوحت إلى قرائحهم من أساليب الشعر ما يتألف من مجموعه أعظم ديوان بل خزانة عظيمة في الأدب تدل على فضل قرائح، ونبوغ في فنون القول، وتوسع في مجال الخيال، وما هم إلا مبدعون وضعوا ما وضعوه من بنات أفكارهم على غير مثال.
لا جرم أن الشام كانت أول الأقطار التي أخذت الفصاحة عن العرب في جزيرتهم، وبقيت فيها على اختلاف العصور وتعاقب الدول محفوظة في الجملة، فما انقطع منها من ينظمون ويجدون حواليهم من يطرب لنغماتهم ويصفق لنبراتهم وإن لم يعرفوا صحاحها من زيوفها. كان الشعر مبدأ دخول العرب في الحضارة، والأدب مقدمة النهوض في العلوم، ولذلك رأيناهم لم يحرصوا على شيء حرصهم على روايته ودرايته. وأكثر ما يجيد الشعراء في أرض صح إقليمها، واعتدل نسيمها، وطابت تربتها وأديمها، وصفت أمواهها، وساغ نميرها، وكثرت ظلالها بأشجارها، وغردت أطيارها في أسحارها، وفغم أريج نوارها وأزهارها، وهذا على حصة موفورة في القطر الذي يتاخم جزيرة العرب من شمالها. وقد أنعم عليه الخالق بضروب البدائع والروائع، فكان شعراء عرب الشام وما يقاربها أشعر من شعراء عرب العراق وما يجاورها في الجاهلية والإسلام كما قال الثعالبي. وما زالت بعض قصائد شعراء ذاك الدور مضرب الأمثال في البلاغة، وما برح عرب المدن يتغنون بشعرهم ويعجبون به ويترنمون، ويتوفرون على حل ما
استعجم عليهم من ألفاظه ومعانيه. قال: والسبب في تبريز القوم قديماً وحديثاً على من سواهم في الشعر قربهم من خطط العرب ولا سيما أهل الحجاز وبعدهم عن بلاد العجم، وسلامة ألسنتهم من الفساد العارض لألسنة أهل العراق
стр. 959
بمجاورة الفرس والنبط ومداخلتهم إياهم. . . انبعثت قرائحهم في الإجادة، فقادوا محاسن الكلام، بألين زمام، وأحسنوا وأبدعوا ما شاءوا، وكان أبو بكر الخوارزمي قد دوّخ الشام في صباه ولطالما قال وهو أحد أمراء النظم والنثر: ما فتق قلبي، وشحذ فهمي، وصقل ذهني، وأرهف حدّ لساني، وبلغ هذا المبلغ بي إلا تلك الطرائف الشامية، واللطائف الحلبية، التي علقت بحفظي، وامتزجت بأجزاء نفسي.
حكي المازني المتوفى سنة ٢٤٩ قال: دخلت دير بصرى فرأيت في رهبانه فصاحة وهم متنصرة من بني الصارد وهم أفصح من رأيت فقلت: ما لي لا أرى فيكم شاعراً مع فصاحتكم؟ فقالوا: والله ما فينا أحد ينطق بالشعر إلا أمَة لنا كبيرة في السن فقلت: جيئوني بها فجاءت فاستنشدتها فأنشدتني لنفسها:
أيا رفقةً من دير بُصرى تحملت ... تؤم الحمى لُقيت من رفقة رشدا
إذا ما بلغتم سالمين فبلغوا ... تحية من قد ظن أن لا يرى نجدا
وقولوا تركنا الصاردي مكبلاً ... بكل هوى من حبكم مضمراً وجدا
فيا ليت شعري هل أرى جانب الحمى ... وقد أنبتت أجراعه بقلاً جعدا
وهل أردن الدهر يوماً وقيعة ... كأن الصبا يسدي على متنه بردا
وما برحت الديارات في الشام تقدر الفصاحة كما تقام فيها للموسيقى أسواق.
وظهر الضعف في الشعر خلال القرون الأخيرة، ونسلت عليه القرون إلى أن خلع في أوائل هذا القرن الثوب البالي القديم ولبس ثوباً جديداً فيه من جلال الحديث وعز القديم ما جمع فيه الجسم والروح. بدأ هذا من لبنان وبيروت ثم تناول عامة مدن الشام. أما القرى والبوادي فقد اكتفت بالأزجال، والزجل نوع من الشعر
محدث يصفون فيه أيامهم ومفاخرهم وهو أشبه بالرجز الذي كانت العرب تترنم به في عملها وسوقها وتحدو به في بواديها. وكان للزجالين في القرن الماضي وفي هذا القرن منزلة عند أهل الزرع والضرع، يدعون الزجال إلى الأفراح ليحمل البهجة إليها، وإلى الأتراح ليسري عن النفوس ما نزل بها، ولهم ضروب من المواليا يسمونها العتابي والإبراهيمي يطربون بها ولا تخلو من معانٍ شعرية قال صديقنا الشيخ إبراهيم الحوراني وكان شاعراً مجيداً بالفصحى والعامية: والنصارى واليهود يعتقدون أن بعض الشعر إلهام إلهي ووحي حق كشعر ايوب
стр. 960
وداود وسليمان وأشعيا وعدة من كتبة الأسفار الإلهية والشعر بقسميه الفصيح والعامي المعروف عند العامة بالمعنّى يعمل على ثلاثة أبحر الرجز والوافر والسريع، أما أغانيهم التي يسمونها بالقراديات وهواسم خشن سميت مؤخراً بالعديّات وبالقويلات كما يقولون لمن يعانيها القوّال فبعضها لا ينطبق على وزن من أوزان الشعر المعروف، ووزن بعضها المتدارك مع تغييرات أيضاً. وجاءت أغانيهم المعروف بالموالات البغدادية والمصرية والزلاغيط على بحر البسيط اه.
ولا يزال إلى اليوم لكل قبيلة في الشام شاعرها ينشدهم من حفظه أو نظمه من شعر شعراء البادية على نغمات الرباب قصائد يسليهم بها، ولشعر البادية عندهم أوزان خاصة، وإذا قيس على علات لفظه على أبحر الشعر يرى بعضه موزوناً وفي بعضه عيوب بسيطة، ومن أشعر شعراء البادية نمر بن عدوان في عبر الأردن كانت له امرأة اسمها وضحاء تتيم بها كما تتيم قيس بليلاه فرثاها بعد موتها بعشرات من القصائد ومنها ما فيه معانٍ جميلة قاله أديب وهبة.
وإذا انتشرت المدارس في المدن والقرى على حد سوى، وجعل التعليم في كل درجاته باللغة الفصحى يتأصل الغرام في الناس أكثر مما نراه بالفصاحة والشعر فلا تلبث الشام أن تحسدها جاراتها كما كانت في القديم على اختصاصها بذلك،
وكما تحسد هي مصر اليوم على تفنن شعرائها وخطبائها وسريان الفصاحة إلى ألسن من ليسوا من الأدب العربي في العير ولا في النفير.
الرقص:
ربما ينفر بعضهم من سماع هذا اللفظ ونحن لم نتعرض له هنا إلا مجاراة للفرنج في إدماجهم له في الفنون الجميلة. عدّ طاشكبري الرقص من أنواع العلوم فقال: إنه علم باحث عن كيفية صدور الحركات الموزونة عن الشخص بحيث يوجب الطرب والسرور لمن يشاهده، وهذا من العلوم التي يرغب فيها أصحاب الترفه والأغنياء والأمراء ومن يجري مجرى هؤلاء من أصحاب الملاهي اه. وذكروا أن الرقص قديم كقِدم العالم وأن أقدم شعوب الأرض كان لها رقص على أوزان معلومة. فالرقص مرتبط بالموسيقى والإيقاع، وكثيراً ما كانوا يتبعون الرقص بالتصدية والضرب بالأيدي، ثم عرفوا الشبابة حتى جاءت المزاهر
стр. 961
والمعازف، وكان الرقص على نوعين: رقص مقدس من توابع الحفلات الدينية، ورقص عالمي لتسلية العامة، أي أن الرقص رقصان رقص ديني أو رقص المآتم ورقص الحبور والابتهاج. وفي التوراة أن الرقص كان شائعاً عند العبرانيين، وقد رقص داود أمام تابوت العهد، ولما خرج بنو إسرائيل من مصر كان لهم نوعان من الرقص، الرقص المقدس المنظم ورقص سريّ له اتصال بالتعبد على نحو ما كانوا يرقصون في التيه حول عجل الذهب. وكان للعبرانيين نوع من الرقص الشريف يرقصه العذارى في الحفلات العامة احتفاءً بذكرى حوادث سعيدة من مثل انتصار على عدو أو تكريم مجد أبطال الوطن. وهكذا كان الرقص شائعاً عند المصريين، ثم شاع عند اليونان وهم المشهورون بتفننهم فبلغ عندهم أقصى درجات رقيه وانتقل إلى الرومان، وإذا كانوا شعباً قاسياً غليظاً فَقَد عندهم بهاءه ورواءه وما يقصد منه. ولكل شعب رقصه الخاص به، عليه صبغة أخلاقه
القومية الثابتة. ولجميع شعوب الغرب والشرق رقصهم الخاص أو رقصات عرفت بهم وأثرت عنهم. والإنكليز أكثر الأمم انحطاطاً في الرقص لم يبرزوا فيه تبريزهم في معظم مظاهر الحياة القويمة.
وكان الرقص عند العرب كالغناء من الفنون الطبيعية استعملوه في كل دور عرف من أدوارهم. والرقص أو الزفن كان عند العرب على ما يظهر على الطراز الذي هو عليه اليوم عند العرب سكان القرى والعرب الرحالة ومنه ما يعرف بالدبكة، فإن وفد الحبشة لما قدم إلى الحجاز جعلوا يزفنون أي يرقصون. وفي حديث فاطمة أنها كانت تزفن للحسن أي ترقص له وفي رواية ترقصه. ومن غريب تفنن العرب في مسائل الظرف والذوق أنهم عرفوا علماً سموه علم الغنج عده صاحب الموضوعات من فروع علم الموسيقى وقال: هو علم باحث عن كيفية صدور الأفعال التي تصدر عن العذارى والنسوان الفائقات الجمال والمتصفات بالظرف والكمال إلى آخر ما نقله صاحب كشف الظنون.
والغالب أن رقص الشام اقتبس مع الزمن من أوضاع كثيرة، والأمم تقتبس عن غيرها ما يتلاءم مع مزاجها. وكذلك تقبس غيرها بعض ما ألفته في هذا الشأن. من ذلك أن الرقص الإسباني إلى اليوم لم يبر بعد خمسة قرون من مغادرة العرب أرض الأندلس على الطراز العربي وكذلك موسيقاهم إلا قليلاً. وقد
стр. 962
أصبح الرقص في الغرب علماً بذاته ولكن العرب لم يقصروا فيه، ولا سيما في عصور البذخ والرفاهية. وبعض المحققين من علماء المشرقيات من الأسبان والبرتغال مجلة الزهراء يبرهنون الآن على أن موسيقى الأوربيين وشعرهم انتقلا من فارس إلى أوربا بواسطة العرب، ومنهم من ينشر منذ سنين قطعاً قديمة ويبين ما فيها من آثار الروح الشرقي، وكان لنا في الشام نوع من الرقص يسمونه بالسماح ولعله السماع يرقصه عدة أشخاص على نغمات متساوقة من الأوتار وترديد جميل من
الموشحات فقط، وهو أشبه بالأوبرا أو الأوبريت عند الإفرنج أي القصائد الملحنة التي تمثل على نغمات الموسيقى فقط، ويزيد رقص السماح على الأوبرا كونه ترفع فيه الأصوات بأنغام مألوفة.
وفي كتاب مفرح النفس: واعلم أن من الرياضيات البدنية التي تختص بالنفس اختصاصاً كثيراً إلى الغاية الرقص، وهو عبارة عن حركة متناسبة من اليدين والرجلين بضرب من الضروب المعروفة في الموسيقى بإرادة النفس وشوقاً إلى محل طلبها الأصلي، قال: إن الرقص مندوب إليه في ترويح الأرواح ونفي كدورة النفس وحصول الإشراق لها، ويجب أن يكون مع سكون وتجمع من الذهن والعقل فتحصل اللذة والبهجة، فالرقص له في إحداث راحة النفس وسرورها قوة عظيمة يعجز اللسان عن وصفها والذهن والعقل عن تصورها اه.
التمثيل:
ويدخل في باب الرقص أو في باب الموسيقى فن التمثيل وهو وإن كان مشهوراً في الشام على عهد الرومان واليونان، بدليل ما نراه من الملاعب الخاصة به وبعرض الحيوانات والصراع في البتراء وعمان وبعلبك وأفامية ولدّ وقيساوية وغيرها من المدن القديمة. إلا أنه لم يعهد على الصورة المعروفة حديثاً، اللهم إلا على الندرة عند عرب الأندلس، وهذا في بعض الروايات. ولقد قالوا: إن إنطاكية أيام عزها ارتقى فن التمثيل فيها حتى كانت تجلب الممثلين من صور وبيروت والمغنين من بعلبك. وقال بعضهم: إن السبب في عدم العناية بالتمثيل في الإسلام حجاب النساء. والتمثيل لا يتم بدون مشاركة الجنس اللطيف. ولما لم يعهد التمثيل عند الجنس السامي لم تخرج العرب عن هدي جنسها. والتمثيل
стр. 963
ما عرف إلا عند الجنس الآري فقط. ومن ذلك الفرس وهم آريون خلفوا للعرب كتاب ألف ليلة وليلة وهو اختراع آري فيه شيء من التمثيل.
وكان العرب في الجاهلية والإسلام يرون من سقوط المروءة أن يمثل مجلس الأمير أو الوزير، وإن كان لا يخلو تمثيله من حكمة، فكيف بمجلس صبابة، ومعظم التمثيل يدور عليها، لا جرم أنهم قصروا في التمثيل، وتقاعسوا عن اقتباسه عن الأمم الآرية، وإن عرف من حالهم أنهم لم يأخذوا عن الأمم الأخرى إلا ما اشتدت حاجتهم إليه من أنواع العلوم، أدمجوه في حضارتهم ومزجوه بأجزاء نفوسهم. وإذ كان التمثيل لا ينطبق مع عادات العرب ولا عُرف به مجتمعهم أعرضوا عنه، وجاء الإسلام موافقاً لمصطلحهم وعاداتهم وأخلاقهم في بعض الأحوال.
بيد أن العصر الأخير لم يصنّ على الشام بتجلي الآداب الرفيعة فيه، فقام فيها سنة ١٢٨٢هـ في دمشق أيضاً رجل من أبنائها هو السيد أحمد أبو خليل القباني من المبرزين في الموسيقى المشود لهم بالإجادة فأنشأ داراً للتمثيل، وبدأ يضع روايات تمثيلية وطنية، من تأليفه ونظمه وتلحينه، ويمثلها فتجيء دهشة الأسماع والأبصار، لا تقل في الإجادة من حيث موضوعها وأزياؤها ونغماتها ومناظرها عن التمثيل الجميل في الغرب. واعتاض لأول مرة عن النساء بالمرد، ولما انتقل إلى مصر لنشر فن التمثيل العربي هناك، عاد إلى الطبيعة واستخدم في كل دور من يصلح له من الجنسين، ووجه الفخر في أبي خليل أنه لم ينقل فن التمثيل عن لغة أجنبية، ولم يذهب إلى الغرب لغرض اقتباسه، بل قيل له: إن في الغرب فناً هذه صورته فقلده، وقيل: إنه شهد رواية واحدة مثلت أمامه في إحدى المدارس الأجنبية، ولما كانت عنده أهم أدوات التمثيل وهو الشعر والموسيقى والغناء ورأى أنه لا ينقصه إلا المظاهر والقوالب، أوجدها وأجاد في إيجادها، ولذلك كان أبو خليل مؤسس التمثيل العربي، ونابغة العرب في الموسيقى والتمثيل، ورواياته التي ألفها ما زالت منذ زهاء ستين سنة وإلى يوم الناس هذا، موضع إعجاب الأمة،
تمثل في دور التمثيل وتلذ الجمهور مثل رواية أنيس الجليس وغيرها.
هذا وإن سبق لمارون النقاش في بيروت في سنة ١٨٤٨هـ من إحدى
стр. 964
اللغات الأوربية بعض الروايات التمثيلية ومَثّلها بالفعل. والإبداع في التأليف والوضع، لا في النقل والاحتذاء، وإن عدّ الناقل صاحب فضل أيضاً.
ولما كان التمثيل كما قلنا عارضاً على مدنيتنا رجع القهقري بعد أبي خليل. وظل إلى يومنا هذا يمشي مشياً ضعيفاً، فلم تقم إلى الآن جوقة تمثيل وطنية تبث في الأمة روح الفضائل والآداب، وتأخذ من الناس بعض أوقاتهم تصرفه فيما يفيدهم فيلهون بما يجلب السرور إلى قلوبهم، والنور إلى عقولهم، وتتهذب في مدرسة التمثيل اليومية عقول الكبار، كما تتهذب في الكتاتيب عقول الصغار. فقد قال فولتير: إن المرء يتعلم بالتمثيل أحسن مما يعلمه إياه كتاب ضخم.
ولعل أبناء الشام إذا قويت فيهم أساليب الثقافة الحديثة، ترتقي فيهم سائر الفنون التي انحطت ولا تزال منحطة، فتكون من العوامل في نهوضها إلى المستوى اللائق بها في سلم الحضارة والهناء. والتمثيل الراقي أنفع لمجتمعنا من ذاك التمثيل الساذج الذي ما زال في أكثر مدن الشام مألوفاً للعامة، ونعني به خيال الظل أو الخيال الراقص المعروف أهله بالمخايلية وعرف هذا الضرب من التمثيل عند الترك، وإن لم يكن من اختراعهم باسم قره كوز. والتمثيل أجدى على أبنائنا وبناتنا من القصاصين أي الحكوية الحكواتية الذين يلهون العامة بغرائب الوقائع في المقاهي ويبثون فيهم سخائف وخرافات.
ومن غريب شأن هذه الأمة أننا رأينا كثيراً من نجباء أبنائها برعوا في التمثيل، ومنهم من يعرف الأدب وما ينبغي له، قد زهدوا في فنهم، وكتموا نبوغهم فيه، شأن كثير من أرباب الصوت الرخيم والغرام بالموسيقى، والضرب على آلات الطرب المتعارفة، يخافون أن يعرفوا بها ويعمدون إلى التقية كأن من العار التلبس
بهذه الفنون الجميلة.
وممن عرفنا منهم نور الدين حقي. حكمة المرادي. صالح الحيلاني. أحمد عبيد. سليم عطاء الله المعروف بكش كش بك. واشتهر أيضاً حمزة الأصيل. صالح شهبندر. حسن الساعاتي. إبراهيم المنجد. إبراهيم نفش. راغب السمسمية. جرجي نفش. درويش البغجاتي. أبو الخير الغلاييني. يوسف مردم بك. خالد السمسمية.
стр. 965
متى ترتقي الفنون الجميلة:
لا جرم أن ارتقاء الشام في هذه الفنون على اختلاف فروعها، موقوف على ظهور نوابغ من أبنائنا يرحلون إلى الغرب لنقلها والتشبع بآدابها، ثم يعودون فيلوبون على إحياء ما اندثر أو كاد من هذه الصناعات النفيسة في القطر، وينشرونها على النظام الغربي الحديث على صورة مقبولة، وإذا نشأت بعد ذلك مدرسة واحدة راقية في كل فن من هذه الفنون لا يأتي جيل ثانٍ بعد جيلنا هذا حتى يكون عند أهل القطر العدد الذي يحتاجون إليه من الأعيان الذين لا غنية للمجتمع الشامي عنهم في إنهاضه. ويشترط في من يريدون الإخصاء في هذه الفنون أن يكونوا ممن يحبون أن يُعرفوا بما اختصوا به، أو يسعوا طاقتهم لنشره، ومن لا يحب صنعته ولا يفاخر بها لا يبرز فيها، وعندئذ نعدّ شيئاً مذكوراً بين أمم الحضارة في باب هذه الفنون كما كان أجدادنا.
يقول الجاحظ: إن الضحك في موضعه كالبكاء في موضعه، والتبسم في موضعه كالقطوب في موضعه، وإنما تشاغل الناس ليفرغوا، وجدّوا ليهزلوا، كما تذللوا ليعزوا، وكدوا ليستريحوا، وقد قسم الله الخير على المعدلة، وأجرى جميع الأمور إلى غاية المصلحة، وقسط أجزاء المثوبة على العزيمة والرخصة، وعلى الإعلان والتقية، فأمر بالمداراة كما أمر بالمباداة، وجوّز المعاريضن كما أمر بالإفصاح، وسوغ المباح، كما شدد في المفروض، وجعل المباح جِماماً للقلوب، وراحة
للأبدان، وعوناً على معاودة الأعمال اه.
стр. 966
الزراعة الشامية
العامر والغامر:
حياة الشام بزراعته ثم بصناعته وتجارته، والقرى والبوادي أوسع بقعة وأوفر سكاناً من المدن والحواضر، ولا نعلم مقدار سكان الشام في القرون التي سبقت الإسلام ولا في القرون التالية، وقال بعضهم إن سكان الشام عند دخول العرب كانوا ستة ملايين على وجه التخمين، ولكن الظاهر من مصانع أهلها وطرقهم القديمة التي كانت تربط أجزاء القطر كالشبكة وآثار عمرانهم مثل حنايا بعض الجسور الكبرى، وخرائب القصور الفخمة، والدّ من التي تشاهد الآن في أواسط الفلوات الخالية، والعاديّات والآثار الجمة، يدل على ارتقاء زراعتهم وكثرة ثروتهم ونفوسهم. فقد كانت حوران أنبار الشام على عهد الرومان لوفرة حبوبها ولا تزال هي والبلقاء على كثرة ما تعاقب عليهما من الأيدي الظالمة في الأكثر، معروفة بهذه الصفة وجودة حنطتهما التي لا مثيل لها، وما يقال عنهما يقال عن جميع الأصقاع الشامية. ولا سيما ما كان بقرب المياه والأدوية فإنه عامر بطبيعته لا يحتاج إلا لأمن ونظام حتى يفيض لبناً وعسلاً.
ومغل حوران كسيل دافق ... يأتم من أرجاء جلق موجلا
ومما أقامه الرومان لحفظ زراعة البلقاء وحوران وما كان على سيف البادية من مرج الغوطة وأداني جبل قلمون وتدمر فحلب فما وراءها، مخافر مجهزة أحسن جهاز لمنع البادية من التسلل إلى المعمور، لأن داء الغارات على الزروع والعيث في العامر من الأدواء القديمة. واعتداء الرحالة من أهل الظعن، على المقيمين من أهل الدساكر والمزارع، النازلين في الدور والمساكن، داء قديم
стр. 967
عُقام على ما يظهر. وما اتخذ الروم من الغسانيين في الجنوب، والتنوخيين في الشمال عمالاً لهم إلا ليقوموا بإنفاذ هذا الغرض، ويأمنوا بسلطانهم عيث البادية على أرض الشام
الجميلة.
وليست البادية التي تحد أكثر هذا القطر من الشرق كما قال الدكتور بوست باديةً حقيقية لأنه يقع فيها بعض المطر في فصل الشتاء، وينبت فيها عشب ترعاه المواشي، وتسكنها قبائل شتى من العرب، وتتدرج هذه البادية إلى جهة شمالي الشام، في السهل المتسع الممتد من نواحي حلب إلى ما بين النهرين، وكان هذا السهل مسكوناً في قديم الزمان، ولم تزل فيه آثار عظيمة تدل على كثرة الذين سكنوه ووفرة ثروتهم، إلا أنه أمسى الآن قليل السكان تجول فيه العرب والأكراد. وقد أكد موسيل أن البلاد الواقعة في شرقي الأردن كانت قبل مائة وعشرين سنة عامرة بالسكان وهي اليوم تكاد تكون خالية لعيث البادية.
وأهل الوبر الذي يشتون منذ القديم بمواشيهم فيما وراء بادية الشام من الفلوات تشتد حاجتهم في الربيع إلى أن يدخلوا المعمور، فإذا حصدت الزروع يضطرون إلى رعي أنعامهم وأغنامهم في أرض الحصيد، ومراعي دير الزور والجولان طلباً للماء، والتماساً لبيع حاصلاتهم واستبضاع ما يلزمهم. وإذ كانت أرض السقي أقلّ من أرض العذي بالشام، ومعظم الأنهار لا يستفاد من سقياها اليوم كما كانت الحال عند الأقدمين، زاد اعتداء البادية على مهاجمة البلدان الخصبة.
قلة العناية بالأنهار:
نقول هذا وأهم أنهارنا الفرات وهو نهر يتاخمنا من الشرق، ولا نستفيد منه الاستفادة المطلوبة لأنه منحط عن مستوى أرضنا، ولم يكن كذلك في الدهر السالف بما كان يعهد به من السدود والسكور التي كانت سبب غنى العراق، وبالطبع غنى الأقاليم المتاخمة له من أرض الشام. ولا يستفاد من الأنهار التي تشق قلب القطر الفائدة المطلوبة في الريّ. فالردن مثلاً يشق بعض أرجاء فلسطين والعاصي الذي يجري من سفوح لبنان ماراً بحمص فحماة فإنطاكية حتى
السويدية لا ينتفع بهما على ما كان الحال قديماً. فقد انتهى إلينا من عمل القدماء سد قَدَس بالقرب من قرية قطينة بجوار أرض حمضن وكان أعلى مما هو الآن بحيث يتأتى
стр. 968
أن يسقي العاصي بواسطته وما اخترع له من النواعير، جميع الأرض العالية في وادي نهر المقلوب كما كانت العرب تسمي العاصي. ولا تزال إلى الآن آثار السدود والقني في غور الفارعة بادية للعيان، تدل على أن القدماء كانوا ينتفعون من مياه نهر الأردن أكثر منا اليوم. ويقول صديقنا الأمير شكيب أرسلان: إن الأراضي التي لها حظ من الشرب في هذه الغيران جمع غور إنما تسقى من أودية جارية من الجبال مثل سيل الزرقاء، والسائل من جهة عجلون إلى الغرب، ومثل مياه بَيسان المنحدرة من صوب مرج بني عامر إلى الشرق، ومثل ماء الفارعة النازل من الغرب إلى الشرق، ومثل عين السلطان التي تسقي جنان أريحا، ومثل غور نمرين المنحدر من وادي شعيب أسفل الصلت إلى الغرب وماء حسبان وغيرها من المياه، وهذه الجداول كلها لو اجتمعت ما ساوت معشار الأردن الذي أصبح عاطلاً من كل عمل اه.
وحالة الإرواء في أكثر الأنحاء البعيدة ما زالت على الفطرة القديمة، فالقريب من الماء يروي أرضه أو بستانه بالقربة أو المدار كأهل الزور وجزيرة ابن عمر في أقصى الشام، فإن هذه الأنحاء في وسط المياه كالفرات والخابور وغيرهما من كبار الأنهار وقلما تستفيد منه، وقد خربت السدود القديمة ولم يعمل غيرها، ذلك لأن الأنهار الكبيرة ولا سيما الفرات قد تتحول عن مجراها في معظم السنين لأنها خالية من الجوانب المتينة المحددة، وهي في أرض رخوة خبار، فإذا فاضت طغت على الأرض اللينة.
وكان نهر بردى ونهر الأعوج يستفاد منهما أكثر من جميع الأنهار التي تعطش الأرض التي حَفافيها، وهي من مجراه على قيد أشبار، أو يترك للبحر يصب فيه
على هينته وهواه، كنهر عفرين والأسود وقاديشا والأولي والأزرق والعوجا وإبراهيم والمقطع والقاسمية وغيرها. وكم في هذه الديار من آثار قنوات عجيبة مثل قناة بسيمة في سَنير، وربما كان ماء عين الفيجة يسيل منها إلى بلد بعيد كما هو المأثور، ومثل قناة مَنين التي جرها المأمون إلى معسكره في أعلى قاسيون بدمشق. وكم من قناة طمت بتهاون الفلاح فهلك مع أرضه عطشاً، لأن الحكومات قلما التفتت في الأدوار الأخيرة إلى العناية بأمرها، والأعمال
стр. 969
المشتركة قلما تجد لها نصيراً في هذه الأرض، ولو كانت مياه الشفة فكيف بمياه الري ري الأرض.
خراب الزراعة والمزارع:
ويمكن أن يقال إن القطر خرب بنزول الفاتحين المخربين والعاهات الطبيعية ثم من فساد النظام في الدولتين الجركسية والتركية في القرون الوسطى إلى هذا العهد، وقد كان مسرح الظلم، وميدان حروب وغارات، يهلك الفلاح فيه كما يهلك النمل تحت القدام، وقبل أن يهلك ابن المدن الذي له من اجتماعه بأخيه، واعتصامه وراء حصنه وسوره بعض الوقاية، وكانت القرى التي على جوانب الطرق تخرب قبل غيرها، وعلى نسبة قرب القرية من المدينة أو من الطرق الموصلة أو طرق الغزاة والفاتحين، كان الخراب إليها أسرع من الماء إلى الحدور. وكان من دلائل القوة في تلك الأعصر أن تخرب القرى وتلقى النار فيها إذا غضب الملك أو الأمير أو المقدم أو صاحب القطاع على ذاك الإقليم أو تلك القرية. وكان قطع الأشجار من أبلغ أنواع النكاية في الخصم ولذلك أمثلة كثيرة في القديم والحديث إلى زمن كتابة هذا الفصل. وما أُصيبت به الشجار في غوطة دمشق خلال الثورة الشامية الأخيرة مثال مما تعمله الحكومات حتى باسم الحضارة. فكأن طبائع الحكومات واحد يوم تغضب من شعب أو نريد أن تكره التناء على النزول على إرادتها.
وأهم ما أثر في حالة الفلاح نظام الحكومات، لأن أصول الإدارة لم تؤسس في هذه المملكة على ما يجب، وكانت المظالم الأرضية والمفاسد البشرية أشد تأثيراً في أهل الفلح والكرث والقائمين على تربية الماشية والضرع، من الآفات السماوية، كالزلازل والأوبئة والقحط من قلة أمطار أو فيضان أو انتشار جراد أو ديدان وجرذ وفيران.
هذه العوامل هي جماع الخراب الذي أصاب العامر فدمر القرى والأقاليم، ومنها ما لا تزال دمنه ومياهه شاهدة على ماضيه الزاهر، فقد ذكر الظاهري من أهل المائة التاسعة للهجرة أنه كان على عهده نيف وألف قرية ومدن صغار في حوران، وأنه كان في إقليم غوطة دمشق نيف وثلاثمائة قرية وبه مدن صغار وبلدان تشابه المدن، وأنه كان في وادي التيم وما إليه ثلاثمائة وستون قرية، وإذا
стр. 970
أحصيتَ قرى هذه الأقاليم الثلاثة اليوم لا تجدها في حوران تزيد على أربعمائة قرية ومنها الخِرَب، وفي الغوطة على ثنتين وأربعين، وفي وادي التيم على ثلاثين إلى أربعين. وهكذا سائر الشام. فإن حلب كان فيها قبل العثمانيين ٣٢٠٠ قرية فأصبحت ٤٠٠ في القرن الحادي عشر، ومنها ما ظل خراباً إلى النصف الأخير من القرن الماضي لأن معظم عهد العثمانيين انقضى في مظالم ومغارم، وكان من جندها ولا سيما الإنكشارية في آخر عهدهم أدوات تخريب لم يشهد الناس أفظع منها، لذلك خربت حتى الضواحي والأرباض من المدن الحافلة أمثال حلب ودمشق وحماة وحمص وما شاكلها. وكانت رجل الإنكشاري بل الجندي التركي على الإطلاق حيث دبت يدب الدمار والبوار. ولذلك لا نكاد نرى عمراناً إلى على طول الطرق العامة الكبرى وما إليها من اليمين والشمال، ونشاهد المدينتين العظيمتين حلب ودمشق مثلاً ينقطع في الحال أو على ساعات قليلة عمرانها الذي كان وارف الظلال إلى القاصية وكان هذا بفعل البادية وفعل الجيوش المدمرة.
عوامل الخراب:
ولولا ذلك الظلم المتسلسل قروناً في أعقاب الفلاحين المساكين، وأسواط النقمة التي انهالت على رقابهم الجيل بعد الجيل، لما تيسر اليوم لأحد أن يملك المزرعة والمزرعتين بل ربما العشر والعشرين قرية، وبعض الأسر الحديثة تملك الخمسين والثمانين، والإنسان قد تكفيه المائة دونم أو جريب إذا أحسن تعهدها، فكيف له أن يعمر ألوفاً من الأفدنة، ويتسع وقته وماله لحمايتها وترقيتها؟
نقول حمايتها لأن كثيراً من القرى تنازل عنها مُلاكها لأرباب النفوذ ليحموهم من ظلم الحكام والمرابين، وأخذوا ثمنها بضع عباءات وغلايين، أو قفة من البن أو رطلاً من الدخان أو أقة من الحلوى المعروفة بالبقلاوة، ومن الأراضي ما توسل أهلها إلى أرباب المكانة أن يسجلوها في دائرة التمليك بأسمائهم لما شرعت الدولة العثمانية ١٨٨٢م بتسجيل الأملاك على أصحابها، وذلك فراراً من ظلم عمال تلك الحكومة ومن وضع الرسم المعتاد، ومنهم من تخلوا للأعيان عن أراضٍ عانوا مع آبائهم زراعتها زمناً طويلاً، تخلصاً من تسجيل نفوسهم
стр. 971
لما حررت النفوس، ومن أهل القرى من خرجوا عن ملك أراضيهم لأنه وجد فيها قتيل، وكانت العادة ولا تزال إلى اليوم أن يلزم أهل الأرض بدية من يقتل فيها أو تفرض غرامة ثقيلة عليهم، فمنهم من تركوا أرضهم مخافة أن يُلزموا بمال لا قِبَل لهم بأدائه. ومن القرى ما خرج عن ملك أهله كما وقع لأهل مرج ابن عامر في القرن الماضي لما عجزوا عن دفع الأموال الأميرية فباعته الحكومة التركية بالثمن البخس صفقة واحدة لرجل واحد مقابل رشوة قبضها الوالي.
ومن المرابين من اقتنوا قرى كثيرة في الديار الشامية لأنهم كانوا لا يشفقون على الفلاح باشتطاطهم عليه بأخذ الربا الفاحش. وما زلنا في كل دور نرى الفلاح في أكثر الأقاليم يقترض المائة بمائة وخمسين من الخريف إلى البيدر وأحياناً ترتفع
الفائدة إلى أكثر من هذا القدر، فإذا أُضيف إلى ذلك ظلم الأعشار (١) وتعدد الضرائب على الفلاح حتى كاد يهلك بسببها، لا نستعظم إذا رأينا خراباً، بل نقول: لماذا نرى هذه الرشاشة من العمران قرب المدن والثغور، وعلى شواطئ الأنهار والبحيرات.
ولقد كانت الأوقاف من جملة ما أخر الزراعة، ذلك لأن الأراضي الموقوفة تجمد على حالة واحدة في أشجارها وغلاتها ومجاريها وسكورها وزرائبها، وكل جسم لا ينمو يصيبه الفناء. وعلى كثرة ما وقف المسلمون على أعمال البر وغيرها لا يمضي القرن والقرنان حتى يعود الوقف ملكاً صرفاً، ولولا ذلك لكثر الخراب أكثر مما هو الآن في القرى والحدائق. ولو دام حكم إبراهيم باشا المصري إلى اليوم لأصبحت أرضنا عامرة كمصر لأنه نشط الزراعة وأمر بنشر دود الحرير ودود القز وعلم الأهالي كيفية قطف الزيتون بالأيدي حتى صار شجره يعطي ثمراً كل سنة فاستعادت بعمله أكثر القرى عمرانها القديم.
كتب قنصل بريطانيا في دمشق سنة ١٨٥٩م بمناسبة زيادة الضرائب على الأهلين وتوكيل الجنود بجبايتها بالعنف: إن الحكومة تأخذ مال الشعب ظلماً وعنفاً، ولا تحميهم من البدو الذين يزدادون جرأة واعتداءً، وعملهم قائم
стр. 972
بابتزاز أموال الفلاحين التعساء لما فيه مصلحتها، على حين لا تأتي بدليل على إدراكها وجوب حماية الذين يجب عليهم أن يدفعوا الأموال اللازمة لتحسين حال الولاية، وسد حاجات الحكومة المركزية، وإنما تهمل الاحتياط للأمر. وقال أيضاً: إن جو الشام صاف وهواءها وأرضها خصبة حسنة الري، ففي مكنتها أن تصبر على هذه الحالة أكثر من غيرها من الولايات الأقل خصباً، ولكن لا بد في آخر الأمر من أن تفرغ هذه الموارد.
آفة الهجرة على الزراعة:
ومما أُصيبت به الزراعة من الآفات آفة دونها الآفات كلها، بدأت تدب في جسمها أواخر القرن الماضي بركوب الفلاحين غوارب الاغتراب عن الوطن في التماس الرزق وطرق الغنى. وذلك منذ دهش الناس لأرباح المهاجرة الأول من الشاميين إلى أميركا. أرباح لم يكن لابن هذه الأرض عهد بها وكان ثلاثة وعشرون قيراطاً من أربعة وعشرين قيراطاً منهم يعيش، ولا سيما في الأرض القاحلة، عيش القلة الشديدة. فلم يلبث الناس في الجبال أن حذوا حذو أولئك المهاجرين، فأخذ الناس ينزحون إلى أميركا الجنوبية والشمالية وإلى استراليا وجنوبي إفريقية وغيرها من البلاد المفتتحة حديثاً، حيث يسهل جَني المال، وتزيد أجرة العامل على نفقته كثيراً.
وهاجر ألوف أيضاً إلى مصر والسودان عقبى الاحتلال الإنكليزي سنة ١٨٨٢م فحرمت الشام في أربعين سنة نحو سبعمائة ألف يد عاملة، كان ثلثهم يستوطن في الأصقاع التي نزلها، تمسك بتلابيبه لكثرة علائقه وطيب العيش فيها، والثلث الثاني يهلك، والثلث الثالث يرجع. ولم تلبث الهجرة أن عمت جميع السكان، اقتصرت على أبناء الجبال أولاً، ثم تناولت ابن السهول، وانتقل الغرام بها من ابن القرية إلى ابن المدينة. ومن جملة ما زاد في عدد المهاجرين سهولة السفر وتأليف شركات للتسفير تسلف المهاجر أجرة طريقه ونفقاته الأولى ريثما يجد عملاً حيث ينزل.
وهذه الهجرة من أعظم ما أخر حال الزراعة في هذا القطر، فأصيبت بضربة مهمة أهمها ارتفاع أجور العملة فيها لأن من عاد منهم يحمل مالاً ولو
стр. 973
قليلاً استنكف عن العمل في الزراعة كما كان هو وأبوه، ومنهم من بنوا القصور الغناء والدور القوراء في مزارعهم، وأخذوا ينعمون بطيب العيش، ويبحثون أوقات فراغهم في أمور ما كانت لهم ولا كانوا لها، ويلهون ويلعبون على الطرق التي
اقتبسوها في مهاجرهم. وقد كانت جبال لبنان وعامل والعلويين وقلمون والخليل والسامرة من أشد الأصقاع التي تأذت بالهجرة فتأخرت زراعتها فوق تأخرها. ولقلة اليد العاملة رأينا بعضهم في البقاع يقرن امرأته إلى ثوره تعمل مع فدانه، ورأينا الحورانة يستكثرون من الأزواج يتخذونهن أجيرات في أعمال الحقل وعلف الدواب واستخراج الدرّ وعمل السمن واللبن. ولئن دخلت القطر أموال طائلة بسبب الهجرة فثروة أمة لا تعد بكثرة نقدها بل بكثرة ما يعمل أبناؤها في أساليب الرزق المختلفة، وقلّ أن أُنفق مال يذكر على تحسين الزراعة وإقامة الشركات النافعة، ونحن لم نبرح ننشد مع حافظ إبراهيم:
أيشتكي الفقر غادينا ورائحنا ... ونحن نمشي على أرض من الذهب
خصب الأراضي ومعالجتها وما يزرع فيها:
يضرب المثل بزكاء منابت الشام واعتدال أهويتها، وجودة مناخها، وكثرة مياهها، على كثرة حزونها وجبالها، وإن أرضاً تعطي حبتها في بعض الجهات مائة حبة، كأرض الرحبة بالقرب من جبال الصفا، لتعد من أخصب بقاع الأرض، وذلك لأن أرضها مستريحة منذ العصور المتطاولة. فإذا كان بنوا إسرائيل قد جعلوا عادة لهم أن يريحوا أرضهم مرة كل سبع سنين، فإننا قد أرحناها منذ قرون، ولذلك لا تضن علينا بخيرات سطحها كلما حرثناها وزرعناها.
وما زالت زراعتنا كما عرفها الأجداد بل كما عرفها الإنسان منذ آلاف من السنين، ليس فيها شيء من العلم إلا التجارب، ولا من التغيير إلا ما تضطر إليه الأحوال وتهدي إليه الفطرة، ولذلك يعوزها كثير مما يجود في غيرها من النباتات والأشجار. قال الرحالة فولني في كلامه على مناخ الشام: إن الأرز يجود زرعه على شواطئ بحيرة تاحولة، والنيلة تنبت بلا عمل على ضفاف نهر الأردن في بَيْسان وهي لا تحتاج إلا قليل من العناية حتى تستوفي الشروط المطلوبة. وبعد أن
أفاض القول على مدن الشام قال: إن دمشق تفاخر وحق
стр. 974
لها الفخر بأن فيها كل الثمار التي تحصل في ولايات فرنسا. ثم ذكر أن البن الذي يزرع في تهامة اليمن تلائم زراعته أرض الشام، ومناخها يلائم طبائع الثمار كلها فينبت النخل كما ينبت الصنوبر والسرو.
وقال هوار: لئن كان القطن زرع في أوربا فإن ضواحي هاتين المدينتين دمشق وحلب كانت خاصة بزراعة شجيرة القطن، وهذه الحقول البديعة توجب حيرة السياح، والقطن الصغير الطول ينبت في ضواحي دمشق، وكانت عكا واللاذقية وقبرس تعطي صنفاً ثالثاً من القطن، وكانت أرجاء نابلس إلى عهد قريب تصدر من القطن ما قيمته مئات الألوف من الدنانير.
وقال بوست: تقسم فلسطين باعتبار الفلاحة إلى أربعة أقسام: السواحل كساحل غزة ويافا وشارون وهي صالحة لنمو مزروعات المنطقة تحت الحارة، ووادي الأردن العَربَة وهي تناسب مزروعات المنطقة الحارة والجبال وفيها أودية كثيرة مخصبة كمرج ابن عامر يزرعيل، والأودية المجاورة كالناصرة ونابلس والخليل حبرون وهي تناسب مزروعات المنطقة المعتدلة، والسهول الداخلية وهي تناسب في الأكثر الحنطة والشعير والسمسم. قال: ولا شك بأن هذه البلاد كانت ذات أشجار برية وبستانية أكثر مما هي الآن. وكان التراب على جوانب الجبال أكثر مما هو اليوم، وكذلك العيون فإنها كانت أكثر عدداً وماءً فضلاً عن أن مياه الشتاء كانت تجمع في مساقي وصهاريج. وقال ورن: إن فلسطين شرقي الأردن وغربيه كافية لسكنى خمسة عشر مليوناً من الجنس البشري إذا اعتني بها الاعتناء الواجب. قلنا: إذا كانت الشام على هذه الصفة من الخصب والسعة فكيف لا تسع العشرين مليوناً من الناس وكل إقليم من أقاليمها كالبلقاء أو الجولان مثلاً يعد الصالح من تربته أكثر من مملكة من الممالك الصغرى في أوربا، ولكن السر
بالسكان لا بالمكان.
تقسيم السهول والجبال:
قسم صاحب كتاب الزراعة العملية الحديثة أقاليم الشام الزراعية إلى خمسة أقاليم يتركب كل منها من عدة مناطق تكاد تكون واحدة في درجة الارتفاع عن سطح البحر وهي:
стр. 975
١ً إقليم الغور أي شواطئ الأردن وهو يمتد من بحيرة الحولة شمالاً إلى بحيرة لوط جنوباً، أي أراضي جنوب بحيرة الحولة وأراضي البطيحة والغوير وسمخ والقسم الشرقي من بحيرة طبرية وأرض جسر المجامع وبَيسان وجنوب بَيسان وغور الصلت ومنطقة ريحا وشواطئ بحيرة لوط. ومن جملة نباتات هذا الإقليم البردي والأسَل والقصب الفارسي والأكاسيا الشوكي والسوسن وزنبق الماء على شواطئ بحيرة الحولة والسدر الكثير في الأراضي المجاورة لبحيرة طبرية كأرض الغوير والمجدل والبطيحة وغيرها والغار والطرفاء والقصب وأنواع النخيل وسفط السيال والرتم والبان والصلة والغرقد والعوسج والعشر وغيرها على شواطئ الأردن في منطقة بَيسان وشرق الشرعة والصلت وأريحا.
٢ً إقليم السواحل التي تمتد من شبه جزيرة العقبة إلى خليج الإسكندرونه ويشتمل على السهول الساحلية من غزة ويافا وحيفا وعكا وصور وبيروت وطرابلس واللاذقية والإسكندرونة ويدخل فيه مرج ابن عامر وأراضي جنين وشمال بحيرة الحولة ويجود فيه الليمون والبرتقال والموز والرمان. ومن جملة نباتات هذا الإقليم الطبيعية البلان والصنوبر البحري والقندول والوزال والطرفاء وانواع البرسيم والشقائق والدّفْلى زالأقحوان والقصب الفارسي وأنواع مختلفة من البلوط.
٣ً إقليم السهول وتدخل فيه سهول الكرك والبلقاء وحوران وسفوح حرمون والبقاع والجولان والغوطة والمرج والسهول المرتفعة في فلسطين وحمص وحماة
وحلب وما شاكلها من السهول المتقاربة في إقليمها، وتجود في هذا الإقليم الأشجار المثمرة والخضر والتوت واللوز في الأرض البعلية والحور والصفصاف والدلب في شواطئ الأنهار.
٤ً إقليم الجبال ويدخل فيه جبال الكرك والصلت وعجلون وقلمون وجبل الشيخ ولبنان ولبنان الشرقي والنصيرية والأقرع، ويجود فيه الزيتون والكرم والتين واللوز والصنوبر والسرو والفستق البري والميس والحبوب وكثير من الأشجار المثمرة، وفيه من النباتات الطبيعية البطم والقَيْقَب والجنستا والخرنوب والزعرور والعليق والشذاب والدردار والزيتون والسنديان والدلب والصنوبر والديشار والآس والسَرْحس، وفي أقسام الجبال المرتفعة بعض أنواع البلوط ثم الأرز والدفران.
стр. 976
٥ً إقليم الصحراء وتتناول ما نسميه بادية الشام أي الأصقاع الواقعة شرق المعمور من دمشق تنبت فيه بعض النباتات والأعشاب منها ما يزول في الربيع ومنها ما يبقى في الصيف. وليس في هذا الإقليم سكان إلا البدو الضاربون في أرجائه.
من الذين أدخلوا الطرق الجديدة:
أدخل ثلاثة أصناف من الناس في الشام روحاً جديداً في زراعتها، ومنهم مهاجرو قافقاسيا وغيرهم ممن سكنوا قرى كثيرة في عمل حلب ودمشق وعَمّان، فإن هؤلاء أدخلوا أصول الزراعة على طريقتهم وهي أرقى من طريقة من نزلوا عليهم في حمص والبلقاء والجولان مثلاً. ثم إن الألمان الذين أقاموا لهم مستعمرات في حيفا ويافا منذ ١٨٦٨م قد كانوا مثال الفلاح النشيط، وكان على فلاحنا المجاور لهم أن يتعلم منهم ويعتبر بما يأخذه الفلاح الجرماني من وافر الغلات، ويتعلم منه تنظيم داره وإصطبله وحديقته ومزرعته وتعليم أولاده وغير ذلك مما يعود عليه بالنفع والراحة. وأهم من أدخلوا التجدد في الزراعة في ربوع
الشام الصهيونيون من مهاجرة ألمانيا ورومانيا وروسيا وبولونيا وغيرهم، فإنهم والحق يقال قد أنشئوا بأموال روتشلد وبركم وفيرو وفيتيفيوري وغيرهم من أغنياء الإسرائيليين الذين ابتاعوا الأراضي في فلسطين لأبناء نحلتهم، وأمدوهم بالمال ليتوفروا على استثمارها، مزارع حرية بأن تكون نموذجات الحقول، وقد قامت الجمعيات الصهيونية مثل الجمعيات الصهيونية اليهودية وجمعيات ايكا وفاعوليم والأليانس وغيرها بأعمال مهمة لنشل أبناء دينهم من سقطتهم، وأنشئوا لهم قرى كسارونا وزمارين والخضيرة وملبس والجاعونة والشجرة وغيرها هي كالقرى الأوربية بإتقان أعمالها الزراعية. وممن ساعد على إنجاح الزراعة بعض مهاجري اللبنانيين الشرقي والغربي فإن منهم من وضع مما اقتصد من المال أمواله في الزراعة وأدخل طريقة الأمريكان في أرضه.
درس الزراعة:
وكان من أثر مدرسة الزراعة العملية في نيتر قرب يافا التي أُسست منذ نحو خمسين سنة، وكان يتخرج فيها في السنة على الأقل عشرون تلميذاً يستطيع
стр. 977
تطبيق علمه الزراعي على العمل أن نشرت أصول الزراعة الحديثة بين أبناء إسرائيل، وغدا فيهم الكفاة للقيام على الحرث والتسميد والبذر والغرس والتعهد والتقليم والتطعيم، وأصبحت مستعمراتهم تخرج أصنافاً جيدة من الخمور واللوز وغيرها لا تخرجها القرى المجاورة لها.
ومن مدارس الزراعة التي نفعت بعض أبناء سورية وفلسطين مدرسة اللاطرون بين يافا والقدس أنشأها الآباء البيض. ومدرسة تعنايل بين بيروت ودمشق أنشأها الآباء اليسوعيون. وقد أنشأت الحكومة السابقة مدرسة زراعية في سَلَمْية لكنها ضعيفة في تلقين العمليات والنظريات، وقد ألغتها مؤخراً بحجة أن تلاميذها لم يعملوا في الصناعة التي اختصوا بها، وآثروا التوظيف في أعمال الحكومة، وذلك
على شرط أن تؤسس مدارس عملية أخرى ومشاتل في كل قصبة فلم يتم شيء من ذلك.
ومن الغريب أن الزراعة وهي تكاد تكون في هذا القطر المحبوب مورد عيشة الأول، لم يدرسها إلى اليوم سوى أفراد قلائل، ولا أذكر سوى بضعة شبان ممن يملك آباؤهم مزارع واسعة تعلموا فن الزراعة على الأصول في مدارس فرنسا وإنكلترا وتونس ومصر والآستانة، وجاءوا فعنوا بتطبيق ما تعلموه، وكان الواجب أن يكون لكل بضع قرى مهندس زراعي، يعلمها من علمه ويمدها بتجاربه ويدير شؤونها كما يدير أهل البصر في الغرب مزارعهم.
نقص كبير:
إلى اليوم لم تدخل على ما يجب أرضنا الأدوات الزراعية الحديثة التي تقلل عمل الأيدي وتزيد النماء كآلة الحرث والبذر والدرس والتذرية دع غيرها، وما أبقاه لنا بعض علماء العرب من الكتب الزراعية التي طبع بعضها بلغتنا في أوربا دليل كبير على ترقي هذا الفن أيام لم يكن في الأرض من يحسنه. سبق العرب الغرب في كل شيء، وسبقهم هو اليوم ويا للأسف في كل شيء، والدهر دول يوم لك ويوم عليك.
سبق الأجداد في كل شيء، وتأخر الأحفاد في كل شيء، والفلاحة التي هي أشرف الأعمال وضيعة في نظر كثيرين حتى إن بعضهم قال وقد رأى
стр. 978
السكة في دار: ما دخلت هذه السكة دار قوم إلا ذلوا، ولو قال: ما خلت هذه السكة من دار قوم إلا ذلوا لكان أقرب إلى الصواب. شعار الغرب اليوم الأرض هي الوطن ومن توفر على تحسينها يخدم وطنه وإذا كانت الفلاحة عندنا ينظر إليها نطر احتقار فمن باب أولى أن ينظر إلى الفلاح كذلك وهو خادم الوطن الحقيقي. وإذا كان الفلاح كالسلطان في مزرعته عند الأمم الممدنة، فهو هنا عبد لقّ لصاحب الأرض
وللحكومة وللمرابي.
وبينا نرى أرباب المزارع في الممالك الراقية، ومصر منها، يُعنون براحة فلاحيهم وتعليم أبنائهم وبناتهم، وتوفير قسطهم من الصحة والهناء، ويجعل لهم حتى في قراهم مدارس ومعابد ودور تمثيل وصور متحركة للتسلية، نجد أكثر المزارعين هنا يجدّون في أن يبقوا فلاحيهم جهلاء أغبياء حتى يخضعوا لهم بزعمهم أبد الدهر خضوعاً أعمى، وقلّ أن سمعت بأن مزارعاً أنشأ لفلاحيه عندنا مدرسة بسيطة أو مسجداً وأتاهم بخطيب يعلمهم أو بطبيب يطبهم، ولذلك تجد القرى التي يملكها أفراد صفراً من هذه الوجهة، لأن صاحب القرية لا يهتم إلا لتكثير الدخل السنوي وإرهاق فلاحه، وابن البادية والقائمون على الزرع والضرع أقل الأمة ويا للأسف حظاً من التفكر بسعادتهم: انهم ليسوا مادة الثروة، إذا اختل نظامهم تطرق الخلل إلى سائر مذاهب المعاش، ومقومات الحضارة ومظاهر الرخاء والهناء.
ولا يزال يدور على الألسن في وصف الفلاحين أنهم غبر الوجوه إذا لم يُظلموا ظَلَموا ولكن تثقيف أودهم بالتربية قلما يخطر ببال، وقطع الجرثومة من أساسها لا نراه دواء عاجلاً!
التحسين الأخير:
على أن من الواجب أن يقال أيضاً: إنه استفادت كثير من قرى الغوطة والمرجين ووادي العجم والبقاع وبعلبك والحولة وجبال عامل وعكار والحصن ونابلس وعكا والخليل وغزة وسهول حمص وحماة وحلب وإنطاكية وإسكندرونة والسويدية عمراناً منذ ثمانين سنة بفضل بعض طبقة الأعيان، لأنهم استطاعوا أن يحموها من عيث البادية وعبث الظلمة من العمال، وأن يمدوها بالمال وقت
стр. 979
العسرة فغُرّموا على تحسنها أموالاً، وصرفوا قواهم إلى الانتفاع بها ما أمكن. وكان العربان يداهمون حتى القرى القريبة من الحواضر، ويطلبون منها اخوة أو الخاوة
وهي مبلغ من المال يتقاضونه من الفلاحين البائسين يؤدونه لصعاليك البدو صاغرين، وإذا استنكفوا عن أداء ما يطلب منهم، محتجين بضيق ذات اليد أو رداءة الموسم، نهبوا دورهم وحرقوا عروضهم وغلاتهم واعتدوا على أرواحهم. وقد كانت معظم الأرياف مأوى الأشقياء وعصابات قطاع الطرق، فما كان الفلاح يجسر أن ينتقل من قرية إلى أخرى، أو يحمل محاصيله إلى المدن، ولا أن يعمل في حقله البعيد قليلاً عن القرية أو المزرعة.
فلما طبق قانون الولايات سنة ١٢٨١هـ ثم أُنشئت المحاكم النظامية كان من أثرها القضاء على عصابات من أرباب الدعارة، وقلّت الشقاوة، فانصرف الفلاحون كلهم إلى العمل، لأن الأسعار بدت بالارتفاع، فبعد أن كان الحوراني ينقل غلاته على الجمال إلى بيروت أو عكا فلا يتحصل منها غير أجرة النقل، أصبح الفلاح يحمل غلاته إلى المواني البحرية ولا سيما غزة ويافا وحيفا وبيروت وطرابلس واللاذقية والإسكندرية فتأتيه بأرباح طائلة، لأن الحبوب كالثمار، أصبحت تسافر في البحار، ويدفع في ثمنها النضار.
وانتبه الفلاح لحاله بكثرة اختلاطه بابن المدن فعرف بؤسه، فلم يكن على ما كان منذ سبعين سنة مملوكاً لجهله الطبيعي، ولظالميه من المرابين وغيرهم من أدوات التخريب. وكان من تأسيس المصارف الزراعية، وإن كانت قليلة رؤوس الأموال، ويجب أن يكون فيها التسهيل كثيراً، أن أنزلت معدل الربا إلى سبعة في المئة، فخففت من غلواء المرابين والصيارفة. ولو زيد في ترقية المصارف الزراعية وأُنشئت مصارف عقارية تقرض أرباب العقارات أيضاً بفائدة معتدلة لزادت المنافع المطلوبة للزراعة.
وصادف أن قلت آفات الزراعة في العهد الأخير، فأصبحت الأوبئة في البشر والبقر لا تفعل فعلها الشديد كما كانت في الأدوار السالفة، وردمت بعض
المستنقعات الصغيرة التي كانت بجوار بعض القرى، وعني ديوان الصحة بفتح مستوصفات في القصبات ومستشفيات في المدن، فتحسنت الصحة بعض الشيء، وأصبح الفلاح يدرك فائدة التطبب، وإن أعوزه الطبيب أحياناً، وفتحت وزارة
стр. 980
المعارف مدارس ابتدائية في بعض القرى الكبيرة فدخلت المدنية قليلاً وزادت النفوس زيادة محسوسة، وربما زادت عما كانت عليه منذ سبعين سنة سبعة أضعاف. وهذه الزيادة أفادت الزراعة أيضاً. ولم تصب بعض الأصقاع الزراعية بالضعف إلا مدة الحرب الأخيرة، وقد كلب عمال الترك فاستلبوا من الفلاح ابنه وبقره وغنمه وخيله وحميره وبذاره وحطبه وقطنه وصوفه وقشره، ولو طالت الحرب سنة أخرى لحصد الوباء البقري الأبقار من أكثر أنحاء الشام، لأن ما بقي سالماً منها كانت الحكومة تأخذه للنقل أو للذبح، فتعطل بعضهم عن الحرث، ولكن من نجحوا من هذه الغوائل ولو قليلاً استفادوا من ارتفاع الأسعار أرباحاً طائلة، فوفوا ديونهم وخرجوا وقد أغنتهم الحرب ولم تفقرهم.
وما زلت أعتقد أن أصحاب الحوانيت مقصرون جداً في تعليم الفلاح، وتحسين حالته المعاشية والمنزلية والصحية، حتى كاد يصبح بطول الزمن شقيق البهائم لا يفرق عنها إلا أنه ناطق، وهذا النقص يحمل عليهم وعلى الحكومة. فقد تجتاز إلى اليوم القرية والقريتين في الأرجاء البعيدة ولا تجد رجلين أو ثلاثة من أهلها يقرءون ويكتبون على ما يجب، فكيف لهم أن يعرفوا مل لهم وما عليهم من الحقوق والواجبات. ولا يستقيم للزراعة حال فيما رأى إلا إذا عَلّمت كل أُسرة يأتيها رزقها من الزراعة أحد أبنائها هذا الفن الجليل، ولا تمضي بضع سنين حتى تدخل الشام في طور الأقطار الزراعية الراقية، وعندها تتضاعف الثروة مرتين أو ثلاثاً، وينقطع دابر الهجرة ويعمر الغامر كما يزيد عمران العامر. ويعتقد الناس أن العز والغنى معقود بالأرض، وأن الشرف يستمده المرء من عمله الحر
الحلال.
عناية القدمين بالزراعة:
إن ما انتهى إلينا من الكلام القليل على الزراعة الشامية لا يشفي غلة الباحثين اليوم، لأنه مجمل يحتاج إلى تفصيل كثير. وإذا عرضنا له هنا فللاستئناس به في تاريخ الزراعة في الجملة، فقد علمنا أن الإسرائيليين كانوا يريحون الأرض سبع سنين ثم يزرعونها فتأتي غلاتهم مخصبة نامية. وعلمنا أن النبطيين وهم
стр. 981
العرب الرحل في أرجاء البتراء في الجنوب كان من المحظور عليهم أن يزرعوا الحنطة ويغرسوا الأشجار المثمرة ويبنوا البيوت إذا كانوا يعتبرون أن الاحتفاظ بهذه الخيرات يحتاج إلى أن يفادي المرء بحريته. وعرفنا أن الفينيقيين كانوا لا يُعنون بالزراعة عنايتهم بالتجارة، فكانوا يجلبون من الداخل ومن السواحل القريبة منهم ما يلزمهم في غذائهم. حتى إذا جاء العرب وأبدوا ما أبدوا من حب التحضر كان قانونهم من أحيا أرضاً مواتاً فهي له واطرد ذلك منذ الفتح. واغتبط العرب بما وجدوه من الخصب في هذه الربوع بعد قحولة الحجاز وبواديه المحرقة فقال زياد بن حنظلة في فتح عمر مدينة إيليا من قصيدة:
وألقت إليه الشام أفلاذ بطنها ... وعيشاً خصيباً ما تعد مآكله
حتى إذا تربعت أُمية في دست الخلافة وأخذ آلهم ورجالهم يقتنون المزارع، ويبالغون في اتخاذ الغروس والزروع المثمرة المغلة، جعلوا القرى مستغلات لهم ونزازها وعُنوا بعمرانها، وتنافسوا في ذلك. فقد ذكر المنبجي أن هشام بن عبد الملك اتخذ المستغلات الكبيرة في أكثر المدن التي في سلطانه، والخانات والحوانيت والحجر والضياع والمزارع، وهو أول من اتخذ الضياع لنفسه من العرب، واشتق أنهاراً كثيرة غزيرة، وهو الذي استخرج النهر الذي فوق الرقة، وغرس غرساً كثيراً بالجزيرة والشامات، فبلغت غلته أكثر من خراج مملكته.
ولطالما عُني الخلفاء بأن لا تبقى أرض شاغرة لا تستغل، فقد أنزل معاوية قوماً من الفرس في طرابلس، وكان الرشيد لما انتشر ذاك الطاعون الجارف في فلسطين على عهده وكان ربما أتى على جميع أهل البيت فتخرب أرضوهم وتعطل، قد وكل بهذه الأرضين من عمرها فكان يتألف الأكرة والمزارعين إليها فصارت ضياعاً للخلافة.
وما زالت العناية بتعهد الأرض متوفرة حتى اغتنى العرب الذين استغلوا هذه الديار بذكائهم وبعد نظرهم. والعرب كما - قال أحد علماء الإفرنج - عمال زراعة ورجال براعة، برعوا في سقي الجنائن واخترعوا النواعير العجيبة بل ووطنوا النباتات والأشجار الإفريقية والآسيوية في أوربا كالنخل والبرتقال والتوت والقطن وقصب السكر والذرة والأرز والحنطة السوداء والزعفران والهندباء
стр. 982
والخرشوف والسبانخ والباذنجان والطرخون والبصل والياسمين الخ وينسب إليهم اختراع طواحين الهواء ونواعير الماء. وقال ميشو: ما من دار في أوربا إلا وتعرف اليوم البصل الذي جاء اسمه وأصله من عسقلان. ومعلوم أن الأندلس ابنة الشام فتحها الشاميون ونقلوا إليها مدنيتهم. وهذه الصنوف من الزراعة التي انتشرت في الأندلس ثم في سائر أوربا تكاد تكون خاصة بأرض الشام في تلك القرون.
لا جرم أن الحضارة التي أوجدها العرب كان من أول دعائمها الزراعة فاحتاجت الدول والأمة إلى الاستكثار من الغروس واستجادة الزروع من وراء الغاية. قيل لإسحاق بن يحيى الختلي من ولاة دمشق ٢٣٥ لٍمَ سكنت دمشق وفلحت أرضها، وأكثرت فيها من الغروس من أصناف الفاكهة، وأجريت المياه إلى الضياع وغيرها؟ فقال: لا يطيق نزولها إلا الملوك قيل له: وكيف ذلك؟ قال: ما ظنكم ببلدة يأكل فيها الأطفال ما يأكله في غيرها الكبار!. ولطالما دهش العرب بغوطة
دمشق لأنها كانت أول ما يقع عليه نظرهم من عمران الشام فيعجبون للأشجار والزروع المنوعة التي لا يُعرف أكثرها في شبه جزيرة العرب ويدهشون للخصب والمياه الدافقة من كل جهة.
أصناف الزروع والأشجار:
ذكر المهلبي أنه من كور حلب وضياعها ما يجمع جميع الغلات النفيسة فإن بلدة معرة مصرين وجبل السماق بلد التين والزيتون والزبيب والفستق والسماق والحبة الخضراء. وقال ابن شداد: وفي بعض ضياع حلب ما يجمع عشرين صنفاً من الغلات. وقال ياقوت: ويزرع في أراضيها القطن والسمسم والبطيخ والخيار والدخن والكروم والذرة والمشمش والتين والتفاح عذياً لا يسقى إلا بماء المطر، ويجيء مع ذلك رَخصاً غضاً روياً، يفوق ما يسقى بالمياه والسيح وقال: إن أكثر مستغل ضياع الغور السكر ومنها يحمل إلى الآفاق، وفي عسقلان نخل كثير وصنوف من التمور والرمان يحمل إلى كل بلد بحبسه، وإنها معدن الجميز كثيرة المحارس والفواكه. واشتهرت نواز في جبل السماق بتفاحها الكبير المليح. وتل أعرن في حلب بعنبها الأحمر المدور. وقال ابن جبير: في بلاد المعرة وهي سواد كلها بشجر الزيتون والتين والفستق وأنواع الفواكه ويتصل
стр. 983
التفاف بساتينها وانتظام قراها مسيرة يومين. وقال ابن حوقل: وما حول معرة نسرين من القرى أعذاء ليس بجميع نواحيها ماء جار ولا عين، وكذلك أكثر ما بجميع جند قنسرين أعذاء ومياههم من السماء. وقالوا: اشتهرت الفرزل في البقاع بزبيبها الجوزاني، وكان يعنل به الملبن المسمى بجلد الفرس وهو من خصائصها، وأن بعلبك معدن الأعناب والحولة معدن الأقطان والأزهار، واشتهرت بَيسان بالنخيل الكثير كما اشتهرت بيروت وآبل بقصب السكر، يطبخ بها السكر الفائق، وعراق الأمير بسفرجلها، والناعمة بخرنوبها الفائق. وقال المقدسي: إن عسقلان معدن الجميز وأريحا معدن النيل والنخيل كثيرة الموز والأرطاب والريحان. ومعان معدن الحبوب والأنعام، ويُبنى معدن التين الفائق الدمشقي. وأن أشجار جبال فلسطين زيتون وتين وجميز وسائر الفواكه أقل من ذلك. وقال: خير العسل ما رعى السعتر بإيليا وجبل عاملة وأجود المري ما عمل بأريحا، وأن عنب القدس خطير
وليس لمعنقتها نظير.
وذكر ابن حوقل أن أهل زُغر يلقحون كرومهم وكروم فلسطين كما يلقح النخل بالطلع الذكر وكما يلقح أهل المغرب تينهم بأذكارهم. وقالوا: إن لبنان كثير الأشجار والثمار المباحة يتعبد فيه أقوام قد بنوا لأنفسهم بيوتاً من القش يأكلون من تلك المباحات، ويرتفقون بما يحملون منها إلى المدن من القصب الفارسي والمرسين وغير ذلك.
وقال شيخ الربوة: ولجبل لبنان ولا سيما بقضيبه وأذياله نحو من تسعين عقاراً ونباتاً نافعاً مباحاً بلا ثمن وله قيمة جيدة وثمن يكتفي به الجابي الجامع طول سنته له ولأهله، ومن ذلك الكثيراء والريباس والبرباريس والقاوينا وهو عود الصليب والقيسه والبقس والقبقب الذي يعملون منه المرامل والملاعق والآلات المموهة بالذهب والفضة ويحمل إلى سائر البلاد والأقاليم، وليس عملاً ألطف منه ولا أحسن، ومن النباتات أيضاً شجر المحمودة والاشتوان والزراوند والحماما التي لا توجد إلا في إقليم دمشق وهو معلق في شقيف عالٍ ما يقدرون على جنيه إلا أن يدلوا جانبه بحبال من رأس جبل عالٍ، كما يدلى الدلو في البئر، وهي لأجل الترياق الفاروق والراوندان واللوز المر والحلو والأبهل والقراصيا والزيزفون، وأما الفواكه فكثيرة جداً بلبنان اه.
стр. 984
وذكر الثعالبي أن التفاح اللبناني موصوف بحسن اللون وطيب الرائحة ولذاذة الطعم يحمل منه في القرابات إلى الآفاق، وكان يحمل إلى الخلفاء في بغداد منه من خراج أجناد الشام ثلاثون ألف تفاحة. وقال المقدسي في الرملة: إنه ليس أطيب من حواري الرملة ولا ألذ من فواكهها، أطعمة نظيفة وأدمات كثيرة وأنها جمعت التين والنخل وأنبتت الزروع على البعل وحوت الخيرات والفضل. وقال: إن ماء فلسطين من الأمطار والطل وأشجارها أعذاء وزروعها كذلك لا تسقى إلا
نابلس فإن فيها مياهاً جارية. وقال ياقوت: إن ياسوف من قرى نابلس توصف بكثرة الرمان.
وقال أبو الفدا: إن جبال فلسطين وسهلها زيتون وتين وخرنوب وسائر الفواكه أقل من ذلك. وذكر المقدسي أن على نحو نصف مرحلة من كل جانب من حبرون قرى وكروم وأعناب وتفاح يسمى جيل نضرة لا يرى مثله ولا أحسن من فواكهه عامتها تحمل إلى مصر وتنشر. وقال ابن حوقل في زغر: إن بها بسراً يقال له الانقلاء لم ير بالعراق ولا بمكان أغرب ولا أحسن منظراً منه لونه كالزعفران ولم يغادر منه شيئاً ويكون في أربع منه رطل، وبها النيل الكثير المقصر عن صباغ نيل كابل، وفيه لهم تجارة كبيرة واسعة ومقصد كبير. وقال الظاهري: إن غزة كثيرة الفواكه. وقال ابن بطلان في إنطاكية: إن أرضها تزرع الحنطة والشعير تحت شجر الزيتون. وقال ياقوت: وبدمشق فواكه جيدة فائقة طيبة تحمل إلى جميع ما حولها من البلاد من مصر إلى حَرّان وما يقارب ذلك فتعم الكل. ولقد ذكروا في باب خصب أريحا أن الجفنة التي عمرها ٤٢ سنة تكون استدارتها على سطح الأرض مترين وثلاثين سنتيمتراً وتحمل في السنة ١٥٠٠ كيلو من العنب وأنه يضرب المثل بورودها وأزاهيرها ويخرج منها الزقوم والسدر وهو أشبه بالزيتون الكبير يستخرجون منه زيتاً للجروح. وكذلك النبق وهو بمقام الصبار والزيزفون في بلاد أُخرى يستعمل حيطاناً للحوائط أي للبساتين.
وذكر الثعالبي أن زيت الشام يضرب به المثل في الجودة والنظافة وإنما قيل له زيت الركابي لأنه كان يحمل على الإبل من الشام وهي أكثر بلاد الله زيتوناً
стр. 985
وفيه ما فيه من البركة والمنفعة. وقال شيخ الربوة في نابلس: وقد خصها الله ﵎ بالشجرة المباركة وهي الزيتون ويحمل زيتها إلى الديار المصرية والشامية وإلى الحجاز والبراري مع العربان ويحمل إلى جامع بني أمية منه في كل سنة
ألف قنطار بالدمشقي، ويعمل منه الصابون الرقي يحمل إلى سائر البلاد التي ذكرناها وإلى جزائر البحر الرومي، وبها البطيخ الأصفر الزائد الحلاوة على جميع بطيخ الأرض. والظاهر أن هذه الشجرة المباركة شجرة الزيتون آخذة بالاضمحلال قياساً مع حالهم في القديم، فقد قلّ عدده في فلسطين بعد الحرب العامة واستعيض عن بعضه بما بذلته الحكومة هنا من الجهد لغرس الزيتون والكرمة، أما في أرباض دمشق فهو آخذ بالقلة منذ اشتهرت الفواكه وهي هينة العمل سريعة الغلة، وكان في حمص على ما تبين من الحفريات التي أُجريت زيتون كثير بدليل ما وجد من معاصره التي لم يبقى لها زيتون تعصر منه ولا تجد الزيتون اليوم في أرجاء حمص إلا في بقعة أو بقعتين. واشتهر في القديم زيتون الطفيلة والشوبك اشتهارهما بمشمشهما وكمثراهما ورمانهما. سألنا أحد شيوخ الصلت عن السبب في إحجام القوم هناك عن غرس شجر الزيتون مع أنه يجود كل الجودة فقال: لا تذكرنا بغباوتنا فقد حملنا سعيد باشا شمدين أحد متصرفي البلقاء على أن نغرس في هذه الأدوية التي تراها مائة ألف زيتونة فوقع في أنفسنا أن في الأمر دسيسة من الحكومة تريد بها وضع الضرائب الفاحشة على أملاكنا وتسجيل أراضينا على صورة لا نعود معها ملاكها الحقيقيين فصدعنا بالأمر بالظاهر، وغرسنا أُلوفاً من شجر الزيتون، ولكن أتدري كيف تخلصنا منه بعد؟ كان أحدنا يجيء إلى الغرسة فيحركها حتى لا يطلع جذعها وهكذا لم يبق من كل ما غرسه الصلتيون إلا ما تشاهده اليوم في جوار القصبة وقليل ما هو. قلنا: وعجيب تبدل تصورات الناس فرجال الحكومة بالأمس كانوا يحملون الناس على زرع الأشجار. ويزينون لهم اقتناء الأراضي للزراعة، واليوم يطلب الأهلون في هذا العمل وفي غيره الأرض الموات ليحيوها ولا يعطون طلبتهم! هكذا رأينا أهل الشراة والطفيلة ومعان، على حين يقضي قانون الأراضي بان كل من يحيي
أرضاً مواتاً تبعد عن القرى والدساكر مقدار ما يسمع الصوت فيها من أقصى العامر فهي له. ولقد رأينا كثيراً من
следующие страницы →