والحكمة على هذا التوجيه هي علو بالإنسان، وسمو به، إذ إنه يخلص نفسه من الأهواء المردية، ومن الشهوات الجسدية الأرضية. ومن المأثور أن الإنسان فيه طبيعتان: طبيعة أرضية منها ينفذ الشيطان، وطبيعة ملكية بها سموه، ومن جانبها تنفذ دعوة الديَّان، فإن غلبت عليه طبيعته الأرضية غلبت عليه شقوته وكان شرًّا من الشيطان، وإن غلبت عليه الثانية سمت إنسانيته وكان أفضل منِ الملك، وتلك هي الحكمة، ولذا قال تعالى: (وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرَا كَثِيرًا).
(وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الأَلْبَابِ) أي وما يتذكر ويعتبر بأوامر الله تعالى، ويستولي على نفسه ويحارب أهواءه حتى يقذف الله في قلبه بنور الحكمة إلا أولو الألباب، أي أصحاب العقول التي تصيب الحق وتدركه، وتتجه إليه غير متأشبة بلذة من لذات الجسد، أو شهوة من شهوات الدنيا المردية.
فاللب معناه العقل، ولكنه لَا يستعمل في القرآن إلا في العقول المستقيمة المدركة التي تخلصت وسلمت من شوائب الهوى، ومعايب اللذات، فهي العقول المسيطرة التي تستخدم لطلب الحق وتوصل إليه، لَا العقول المسخرة للأهواء واللذائذ تتحكم فيها وتسيرها. وقد ختم الله الآية بذلك الختام الحكيم، للإشارة إلى أن الله سبحانه الذي يعطي حكمته من يشاء لَا يعطيها إلا للذين خلَّصوا قلوبهم من الفاسد والملاذِّ الأرضية، ولم يجعلوها حاكمة على قلوبهم، متحكمة في تفكيرهم.
وللإشارة إلى أن الذين يجيبون داعي الله، ويردون داعي الشيطان هم ذوو العقول المستقيمة، فلا يتحكم الشيطان إلا في غفوة من غفوات العقل المدرك " وللحث على وجوب تذكر الله دائمًا، وأن على ذوي العقول أن يتجهوا بعقولهم دائمًا لله ليتذكروا ويعتبروا، ويستبصروا، فإنها لَا تعمى الأبصار، ولكن تعمى القلوب التي في الصدور، والله هو القادر على كل شيء الهادي إلى سواء السبيل.
* * *
стр. 1262
(وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ ... (٢٧٠)
* * *
النفقة هي العطاء العاجل
في باب من أبواب البر، فهي عطاء منجز، توجبه حاجة من يعطيه، أو حاجة الجماعة التي يعيش فيها، والضرورات الاجتماعية، أو السياسية أو العسكرية لها. أما النَّذْر فهو التزام طاعة من الطاعات، أو عطاء في بر. ويقول الراغب: النَّذْر أن توجب على نفسك ما ليس بواجب لحدوث أمر، يقال نذرت قال تعالى: (إِنِي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ ايوْمَ إِنسِيًّا)، وأصل مادة نذر من الخوف؛ لأن الإنسان إنما يلتزم ما يلتزمه على نفسه مما ليس بلازم عليه خوف التقصير وخوف أن تضعف الإرادة البشرية في القيام بذلك الفعل الذي ليس واجبًا في أصله. والصيغة المشهورة للنذر أن يقول: لله عليَّ نذر أو نذرت لله كذا، فهي في معناها تتضمن العهد الموثق لله.
ومعنى الجملة السامية: ما أنفقتم من نفقة عاجلة وأديتموها، أو التزمتم بنفقة قابلة وعاهدتم الله على القيام بها، فإن الله تعالى يعلمه، فيعلم الباعث عليه أقصد ابتغاء مرضاة الله أم قصد به رئاء الناس، أو كان من الطيِّب الذي يقبله الله، أم تيمم الخبيث فلم يختر لله سواه، وأتبعه مَنًّا وأذى، وجرحًا للكرامة وعزة النفس، أم كان بطيب النفس، ومن غير ذل ولا امتهان؛ ثم يعلم سبحانه أَوَفَّى الناذر بنذره على الوجه الأكمل أم نكث عهده، وأبطل ذمته؟ يعلم الله ذلك كله، يعلمه علم القادر القائم على كل شيء، الذي يجازي المحسن إحسانًا والمسيء إساءة؛ فقوله تعالى: (فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ) مع إيجازها أفادت فوائد جمة: أفادت الوعد والوعيد، أفادت التبشير بالثواب والنعيم المقيم ورضوان الله تعالى، وأفادت الإنذار بالعقاب، لمن فسد قلبه، فلم يقصد بعطائه وجه الله تعالى، ولمن نقض عهده، وأخلَّ بذمته؛ ثم أفادت مع ذلك تربية المهابة في قلب المؤمن؛ فإن المؤمن إذا ذكر أن الله تعالى يعلم عمله، أحس برقابته في خلجات نفسه، وخصوصًا أن الجملة السامية: (فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ) صُدِّرت بما يؤكدها. وذكر العليم الحكيم بلفظ الجلالة الدال على الاستحقاق الكامل للألوهية، وانفراده بها، فإن ذلك كله من شأنه أن يجعل المؤمن يحس بمقام الألوهية،
стр. 1263
ويشعر بحق العبودية، فتخلص نيته، ويخلص قلبه من كل الشوائب والأغراض الدنيوية.
(وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ): ختم الله الآية الكريمة بهذه الجملة السامية التي تفيد النفي المطلق لنصرة الظالمين، ومعناها ليس للظالمين أي نصير في الدنيا والآخرة، وهي تؤكد الوعيد في الجملة السابقة، وتشير إلى أن الامتناع عن الإعطاء ظلم، وليس للظالم نصير؛ وأن الامتناع عن الإعطاء حقيقة هو ظلم، فهو ظلم للجماعة، لأنه منع صاحب الحق من حقه؛ لأن الله وهو أحكم الحاكمين حكم بأن للفقير في مال الغني حقا معلوما، ولا ظلم أفحش من أن يمنع صاحب الحق من حقه، ولأن الممتنع عن العطاء يظلم نفسه؛ لأنه يعرضها للهوان في الدنيا، ولعذاب الله في الآخرة، وهو يظلم نفسه وجماعته؛ إذ إن الجماعة التي يشح فيها الغنيُّ بالعطاء لإمداد الجند المدافع، ولإمداد الفقير وجعله يعيش عيشة آدمية محترمة - يبتليها الله تعالى ببلاء واقع ماله من دافع، لأن ذلك الفقير إذا جوَّعته كان أداة هدم للجماعة، فيكون الشُّذَّاب (١) الذين يبدلون أمن الجماعة خوفًا، ويكون المنحرفون في تفكيرهم ومنازعهم الذين يهدمون بناء الجماعة، ويقوضون كل قائم.
ونفي الأنصار يشمل النفي في الدنيا والآخرة كما قررنا؛ أما نفيه في الآخرة فمعلوم ظاهر ثابت، ونفيه في الآخرة يدركه البصير النافذ البصيرة؛ فإن البخلاء بأموالهم عن مواطن الخير مبَغضُون إلى الناس، لَا يرضى عنهم أحد، ولا يناصرهم أحد بالقول أو العمل، وأحب الناس إلى الناس الباذل المعطي، وأبغضهم إليهم الشحيح المانع.
والآية الكريمة تشير إلى أن الوفاء بالنذر مطلوب في العطاء؛ فإنه اقترن بالإنفاق المطلوب الذي حث عليه القرآن الكريم في الآيات السابقة، فكذلك ما اقترن به.
стр. 1264
وإنه من الحق علينا قبل أن ننتقل إلى تفسير الآية الآتية نتكلم في النذر:
إن العلماء يقسمون النذر إلى قسمين: نذر مطلق هو التزام بطاعة غير معلق على زمن، ولم يكن المقصود منه الحض على فعل أو المنع من فعل، أو الامتناع عن فعل، أو توثيق فعل، كأن يقول القائل: لله عَلَيَّ نذر أن أعتكف في العشر الأخيرة من رمضان، أو: لله عَلَيَّ نذر أن أتصدق على الفقراء بعشرة جنيهات. فإن النذر في هذه الحال يجب الوفاء به ما دام طاعة باتفاق الفقهاء ويقسِّم الفخر الرازي في تفسيره الكبير هذا النذر إلى قسمين: مفسَّر وغير مفسَّر، فالمفسر أن يقول مثلا: لله عَلَيَّ حجٌّ، وهذا يلزم الوفاء به، وغير المفسَّر أن يقول: لله عَلَيَّ نذر، من غير أن يسمى النذر ويبينه فيلزمه فيه كفارة يمين لقوله ﷺ : " من نذر نذرًا وسمى فعليه ما سمى، ومن نذر نذرًا ولم يسم فعليه كفارة يمين " (١).
وهذا مذهب الشافعي، ويلحق بالنذر غير المفسر في المذهب الشافعي النذر الذي يكون في معناه تحريض على فعل، أو الامتناع من فعل، كأن يقول: نذرت لله ألا أفعل كذا ثم يفعله، فإنه يجب فيه كفارة يمين؛ لأنه في معنى اليمين.
ولقد روى أن رسول الله ﷺ قال: " من نذر نذرًا لم يسمه فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرًا في معصية فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرًا لَا يطيقه فكفارته كفارة يمين " (٢).
هذا إذا كان النذر التزامًا مجردًا من غير تعليق أو تقييد بمكان؛ فقد اتفق الفقهاء على وجوب الوفاء به ما دام قربة، لقوله ﷺ : " من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه " (٣). ولقوله تعالى. (وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ. . .)، فهو أمر حتمي لازم.
стр. 1265
أما إذا علق النذر على أمر سيقع في المستقبل كأن يقول: إن شفى الله مريضي مما ألم به فلله عليَّ نذر أن أتصدق بمائة جنيه مثلا، فقد اختلف الفقهاء فيه؛ فقال الحنفية فيجب الوفاء بشروط ثلاثة: ألا يكون معصية وألا يكون واجبًا، وأن يكون قربة بحيث يكون من جنسه واجب؛ فنذر المعصية باطل كما قدمنا، وكنص الحديث الذي ذكرناه؛ ونذر الواجب لَا جدوى فيه؛ لأنه واجب من تلقاء نفسه؛ أما نذر القُرَب التي من جنسها واجبات كالصدقات والصيام والحج فإن الوفاء به واجب، وهذا هو مذهب المالكية إلا أنه إذا كان النذر بجميع المال وجب الثلث فقط عندهم، إن لم يكن المال معينًا بالتعيين. والشافعي في قول اعتبر النذر المعلق على الشرط كاليمين تجب به كفارة، كأن يقول: إن شربتُ الدخان وجب عَلَيَّ كذا صدقة، فشرب، فإنه تجب كفارة يمين.
ومذهب الإمام أحمد كما حققه العلامة ابن تيمية أن النذر المعلق على شرط إن قصد به التعليق حقيقة كـ: " إن جاء رمضان فلله عليَّ نذر أن أعتكف العشرة الأخيرة منه "، فهذا يجب الوفاء به، وإن كان المقصود به الحض على فعل أو الامتناع عن فعل، فإنه لَا يجب الوفاء به ولكن تجب كفارة يمين؛ لأنه حلف تجب فيه الكفارة.
وقد اتفق العلماء على عدم وجوب الوفاء في نذر المعصية، لقوله ﷺ : " من نذر أن يعصي الله فلا يعصه " (١). وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: لَا يجب شيء؛ ولكن قال أحمد: تجب كفارة يمين، للحديث الذي رواه أبو داود ونقلناه آنفًا؛ ففيه التصريح بأن نذر المعصية تجب فيه الكفارة ولأن منطق الحنابلة أن النذر الذي يكون فيه الحض على فعل أو منع فعل هو من قبيل اليمين، واليمين في المعاصي حكمها أنه يجب الحنث فيها، وتجب كفارة اليمين، لقوله ﷺ : " من حلف على شيء فرأى خيرًا منه فليحنث وليكفر " (٢).
стр. 1266
هذه كلمة إجمالية في حكم النذر واختلاف أقوال الفقهاء فيه، ومن المفيد في هذا الموضع أن نتكلم في أمرين:
أحدهما: في نذر القيام بقربة في مكان معيَّن، كالصدقة عند البيت الحرام، أو عند المسجد الفلاني.
وثانيهما: هل النذر في ذاته حسن في الدين أو ليس بحسن؟ فقد كان الكلام في وجوب الوفاء به. أما الكلام في هذا الموضع فهو في أصله أيكون من المستحسن أن يلتزم الإنسان الطاعة أم يفعلها ولا يقيد نفسه بالتزامها أولاً ثم يفعلها؟.
أما بالنسبة للأمر الأول، فقد اتفق الفقهاء على أن الالتزام بقربة في مكان تشد الرحال إليه وله مزيد اختصاص بالفضل في الشرع، كالمسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجد النبي ﷺ ، يجب الوفاء به؛ فقد ورد أن النبي ﷺ نص على أنه لا تشد الرحال إلا إلى هذه المساجد الثلاثة، فالنذر بالصلاة فيها أو الصدقة عندها يجب الوفاء به؛ لأن الصدقة في ذاتها قربة، والاتجاه إلى الله في هذه الأمكنة بالذات قربة ثانية.
وأما إذا كان المكان الذي نذرت القربة فيه ليس من الأماكن التي تشد الرحال إليها، فقد قال كثيرون من الفقهاء: تجب القربة من غير تقييد بالمكان؛ فمن نذر أن يتصدق عند مسجد الحسين أو غيره فالوفاء واجب من غير تقيد بالمكان.
وقال بعض الفقهاء: يجب الوفاء بهذا المكان الذي عيَّنه، واستدلوا على ذلك بما روى أبو داود أن ثابت بن الضحاك قال: " نذر رجل على عهد رسول الله ﷺ أن ينحر إبلًا ببوانة فأتى رسول الله ﷺ فسأله، فقال ﷺ : " أكان فيها وثن يعبد؟ " قال: لَا، قال: " فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ " فقال: لَا، فقال: " أوف بنذرك، فإنه لَا وفاء لنذر في معصية الله تعالى، ولا في قطيعة رحم، ولا فيما لَا يملك ابن آدم " (١).
стр. 1267
وبهذا يتبين أن الوفاء بالنذر واجب ما دام غير معصية، وفي مكان لَا معصية فيه، ولكن هل النذر عند الأضرحة والقبور خال من المعصية؟ إن ذلك موضع نظر، والاحتياط في النذور أن تكون لله خالصة.
أما الأمر الثاني، وهو التزام الطاعات بالنذور المطلقة أو النذور المعلقة على شرط، أهو أمر مستحب، أم الأولى خلافه وإن كان يجب الوفاء به إن التزمه؛ لقد اختلف في ذلك الفقهاء؛ فقال فريق كبير منهم: إن الأولى ألا ينذر العبادة، بل يقوم بها متى قدر عليها من غير نذر، وذلك لما روي عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه نهى عن النذر، وقال: " إنه لَا يأتي بخير، وإنما يستخرج الله به من البخيل " (١) وإن أكثر النذور في الماضي كما هي في الحاضر تكون لرجاء أمر فتعلق القربة على وجوده، أو للخوف من نتائج أمر فتعلق القربة على عدمه، وإن تعليق القربة على ذلك أمر غير مستحسن، بل هو مكروه، بل صرح بعض الأئمة بأنه حرام؛ ولقد قال ذلك القول كثيرون من فقهاء الذاهب الأربعة، بل رواه أبو داود عن بعض الصحابة.
وقال آخرون: إن النذر مستحب؛ لأنه يحمل الشخص على القيام بالقرب، فهو تقوية للعزيمة على الطاعة؛ ولقد صرح النووي في المجموع بأنه مستحب.
وعندي أن النذر غير المعلق على شرط قد يكون مستحبا لما فيه من حمل النفس على الإصرار على الطاعات، وأما المعلق على شرط، فهو الذي ينطبق عليه الحديث، وقد صرح النبي ﷺ بأنه لَا يأتي بخير لمنع اعتقاد الناس ذلك، وكثيرون يتوهمون أن النذر يغير القدر، فنفَى النبي ﷺ صحة اعتقادهم. والله سبحانه هو القادر على كل شيء، وله عاقبة الأمور.
* * *
стр. 1268
(إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٧١) لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٢٧٢)
* * *
في الآيات السابقة حذر الله المنفقين من أدواء الصدقات التي تفتك بها وتذهب بخيرها، وهي أعداء الإخلاص الثلاثة: المنُّ، والأذى، والرياء.
والمنُّ والأذى عملان حسِّيان قد يسهل على المؤمن اجتنابهما، أما الرياء فهو داء نفسي الاحتياط في تجنبه يوجب تفتيش النفس في داخليتها، ومراقبتها في حركتها، والتنقيب عن بواعثها، فإن كانت تتصل بالرياء عن قرب أو بعد طهرها وزكاها، وإن سلمت منه فقد برئت واصَّعَّدت إلى سماء التقديس، وإن المؤمن في سبيل هذه المعالجة الروحية عند الإنفاق قد يتردد بين الإعلان ليكون أسوة حسنة للناس، إذ يعلن حق الله في ماله فيعرف كل ذي مال ذلك، ولكنه يخشى أن يجد الرياء منفذًا إلى نفسه من هذه الناحية، وإن أخفاها وسترها عن الأعين، فقد يضل في العطاء، فيعطي من لَا يستحق العطاء، ولا يكون إعلان تلك الشعيرة المقدسة، شعيرة الصدقة التي تثير نخوة ذي المال، فيقتطع من ماله حق الله فيه.
ولقد بيَّن سبحانه أن في الإخفاء خيرًا كثيرًا، والجهر محمود إن نقِّي من كل أعراض الرياء، فقال تعالى:
стр. 1269
(إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لكُمْ) هذه الآية الكريمة تفيد أن الصدقات في كل أحوالها خير محض ما دام المنفق قد خلص من الرياء، وجانب المنَّ والأذى؛ وإذا كان ثمة تفاوت فهو في حال النفس، والاحتياط للرياء، وسد مداخله، ولذا قال تعالى مادحًا النوعين من الصدقة: صدقة الجهر، وصدقة السر: (إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا) أي إن تظهروا صدقاتكم وتعلنوها بين الناس فنعم تلك الصدقة، أي أنها أمر محمود ممدوح يوجب الثناء والذكر الحسن؛ فقوله تعالى: (فَنِعِمَّا هِيَ) هو نِعْم المدغمة في ما، وما هي التي يقول عنها علماء اللغة إنها نكرة تامة بمعنى شيء، والمعنى نِعْمَ شيئا يستحق المدح والثناء تلك الصدقات. وعبر في قوله عن الإنفاق بالصدقات هنا، للإشارة إلى أن المدوح من الإنفاق المعلن هو الصدقات التي يقصد فيها الشخص إلى إرضاء الرب، وتصدق فيها نيته، ويخلص قلبه؛ لأن كلمة (الصدقة) مأخوذة من الصدق، والصدق هنا هو صدق النية وتخليصها من كل شوائب الرياء. وإذا كانت الصدقة التي خلصت النية فيها لوجه الله تعالى هي موضع مدح وثناء ولا ذم فيها قط، فهي خير بلا شك. وذكرت خيريته بعبارات المدح والثناء دون التصريح بالخيرية، للإشارة إلى أنها ممدوحة عند الله كما هي ممدوحة عند الناس؛ إذ إن المعلن لصدقته سينال ثناء الناس، وسيتحدثون بجوده؛ فبين سبحانه أن عمله ممدوح عند الناس أيضًا وبذلك ينال التصدق المخلص في نيته ومقصده إن أعلن، ثواب الله، وثناء الناس، وثناء الشرع.
هذه صدقة الجهر إن خلصت من الرياء؛ أما صدقة السر فقد أثنى عليها سبحانه بقوله تعالى: (وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لكُمْ) أي إن تخفوا الصدقات التي خلصت فيها النية وتؤتوها الفقراء بأنفسكم فهو خير لكم؛ لأن البعد عن الرياء يكون أوثق؛ إذ في السرية سد لكل ذرائع الرياء، ولذلك كان السر خيرًا للمعطي؛ إذ فيه احتياط لنفسه من أن يدخلها داء الإنفاق، وهو الرياء؛ فإذا كان في الجهر فائدة الثناء، ففي السر فائدة الاحتياط من الرياء؛ وذلك خير من كل ثناء. ثم
стр. 1270
صدقة السر خير في ذاتها كصدقة الجهر، وفوق ذلك فإن صدقة السر خير للفقير؛ لأنها تستره بستر الله، فلا يجتمع عليه ذل الفقر، وذل الأخذ، وذل الإعلان والكشف.
والتعبير في نفقة السر بقوله تعالى: (وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ) فيه إشارة إلى ثلاثة أمور:
أولها: أن الصدقة قسمان: قسم يعطى إلى الحكام، وهو الصدقات المفروضة التي قدرها الشارع؛ فهذه يجمعها أولو الأمر ومن ينوبون عنهم من ولاة وعمال، أو جماعات يختارونها لذلك وهذه تكون معلنة بلا ريب. والقسم الثاني يعطي الفقراء مباشرة وهو الصدقات غير المفروضة، والصدقات المفروضة غير المقدرة التي تكون على حسب حال الشخص، كمن يرى شخصًا في مخمصة وجوع، ويخشى عليه من الموت فإن الصدقة تكون فرضًا على من يعلم حاله؛ وهذه الصدقات التي تعطى الفقراء مباشرة يكون السر فيها أولى، بل أكاد أقول إنه يكون لازمًا؛ لأن الإعلان أذى، وقد قرر المولى العلي القدير أن الأذى يبطل الصدقة في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأَذَى. . .).
الأمر الثاني: الذي يفيده التعبير بقوله تعالى: (وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ): الإشارة إلى وجوب تحري صفة الفقر فيمن يعطى، فلا يعطي إلا ذا حاجة، ولا يكون من الصدقات ما يعطى لغير الفقراء؛ لأنه يكون مروءة أو جودا ولا يكون صدقة يبتغى بها ما عند الله، إذ يبتغي بها ما عند الناس؛ وإن ذلك وإن كان من نظام الدنيا ليس من الصدقة في شيء.
الأمر الثالث: أن الإعطاء في هذه الصدقات بوصف الفقر، لَا فرق في ذلك بين مسلم وغير مسلم، ولا بر أو فاجر؛ فإذا كان غير المسلم في حال مخمصة ولا يعلم حاله إلا مسلم فرض عليه أن يدفع عنه مخمصته؛ فإن ذلك من الرحمة المفروضة لكل إنسان؛ ولذا ورد في صحيح البخاري ومسلم أن رسول الله ﷺ -
стр. 1271
قال: " في كل كبد رطبة أجر " (١) وفي رواية لغيرهما " فى كل كبد حَرَّى أجر " (٢) فهذا يدل على أن الرحمة بكل الأحياء فيها أجر، فكيف بالرحمة بالإنسان.
بعد بيان أن صدقة السر فيها خير وصدقة الجهر موضع ثناء ومدح، قال سبحانه: (وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ) أي أنه يستر السيئات التي يرتكبها الشخص، ويخفيها ولا يظهرها عند الثواب والجزاء، فلا يحاسب عليها أصحابها إذا تصدقوا وأعطوا مبتغين وجه الله تعالى في صدقاتهم. و " من " في قوله تعالى: (مِّن سَيِّئَاتِكُمْ) إما أن تكون " مِنْ " البيانية، والمعنى أن الصدقات تكفر السيئات وإما أن تكون " من " الدالة على البعضية، أي أن الله يكفر للمتصدقين من الخطايا بمقدار ما يتصدقون من صدقات، وينفقون ابتغاء وجه الله تعالى. وعندي أن " مِنْ " بيانية؛ لأن النفس التي تفيض خيراتها وتتجه إلى الله تعالى في صدقاتها لَا تبغي إلا مرضاته، فلا تبغي رياء ولا نفاقًا، ولا جاهًا في الدنيا، نفس برة تقية لم تحط بها خطيئاتها والنفس التي تكون على هذا النحو لا تسيطر عليها المعاصي، فيكون غفران الله تعالى لما كان منها من سيئات في بعض الأحوال.
وقوله: (وَيُكَفرُ عَنكُم مِّن سَيئَاتِكُمْ) قال بعض العلماء: إنه بالنسبة لصدقة السر؛ ولذا قال ﷺ : " صدقة السر تطفئ غضب الرب " (٣) وقال بعضهم: إن الصدقة بنوعيها تكفر السيئات؛ وذلك أوضح من الأول؛ لأن الصدقة إن سلمت من الرياء وقدمها الشخص طائعًا مختارًا ولو بإعلان هي حسنة مقبولة، والله يقول: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ. . .)، ولقد روي أن
стр. 1272
النبي ﷺ قال " الصدقة تطفئ المعصية " (١) ولأن من الصدقات ما لَا يمكن إلا أن تكون معلنة كشراء سيدنا عثمان بن عفان لبئر رومة ووقفها على المسلمين؛ فلا يمكن أن تكون تلك الصدقات المعلنة التي يبتغى فيها وجه الله غير مكفرة للسيئات، وقد أعدَّ عثمان جيش العسرة، فهل يغض ذلك من صدقته. ولذا نرى أن تكفير الصدقات للسيئات لَا يختص بصدقات السر وحدها، بل يعم الصدقات كلها. ولقد أثار العلماء بحثا في أيهما أفضل: صدقة السر أم صدقة الجهر؟ وقبل أن نخوض في أقوال الفقهاء في ذلك نقرر أن الصحابة أثرت عنهم صدقات الجهر، كما كان معلومًا عنهم أنهم يتصدقون ويخفون حتى لَا تعلم شمالهم ما تنفق يمينهم.
ومما يروى في صدقاتهم التي كانت معروفة أن عمر ﵁ جاء إلى النبي ﷺ بنصف ماله، فقال النبي ﷺ : " ما خلفت وراءك لأهلك يا عمر؛ " قال: خلفت لهم نصف مالي: وفي هذا الوقت جاء أبو بكر بكل ماله، فقال له النبي ﷺ : " ما خلفت وراءك لأهلك يا أبا بكر؟ " قال: عِدةُ الله وعدة رسوله. فبكى عمر وقال: بأبي أنت وأمي يا أبا بكر، والله ما استبقنا إلى خير قط إلا كنت سابقًا! (٢).
وتبرعات عثمان كثيرة مشهورة معلمة بينة، دونتها كتب التاريخ، والسيرة المحمدية الشريفة.
وإذا كان المأثور عن الصحابة وعن النبي ﷺ صدقة العلن والسر، ففي كل خير، والآية صريحة في ذلك. ولكن بعض العلماء فضَّل صدقة السر، لقول النبي ﷺ في حديث البخاري: " سبعة يظلهم الله في ظله يوم لَا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه يرجع إليه، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه،
стр. 1273
ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله رب العالمين، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لَا تعلم شماله ما تنفق يمينه " (١).
وقال بعض العلماء: إن صدقة الفرض المقدَّر الأحب فيها الإعلان؛ وصدقة الفرض المقدَّر هي الزكاة وصدقة الفطر. والصدقة غير المقدَّرة الأحب فيها الستر حتى لَا يؤذي الفقير. ولقد أثر عن ابن عباس أنه كان يقول: (جعل الله صدقة السر في التطوع تفضل علانيتها بسبعين ضعفًا، وجعل صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها بخمسة وعشرين ضعفا).
إنه بلا شك صدقة الفريضة المقدرة تكون علنًا، وهي معلنة بحكم أن الإمام يجمعها بعماله، أو بمن ينوبهم عنه؛ وأما صدقة التطوع فإنه بلا شك واضح أن سترها أولى للبعد عن الرياء، ولعدم إيذاء الفقير؛ ولكن قد يكون في إعلانها ما يتحقق به الأسوة، ويكون كدعوة عامة للإنفاق في باب معين من أبواب غير المفروضة، فيكون في الإعلان خير يفوق خير الستر، ولكن بشرط البعد عن الرياء؛ ولذلك كان السر في غير الفريضة المقدرة التي يجمعها ولي الأمر، والأمر متروك لتقدير المنفق، لأنه يتصل بقلبه أخلا من الرياء أم شابته شوائبه؟ ولأنه يعرف حال الفقير الذي يعطيه، أَويؤذيه الإعلان أم لَا يؤذيه؛ ولأنه هو الأدرى بفائدة الإعلان وفائدة الستر في أمر صدقته.
هذا هو الحكم العام في الصدقات في ماضيها عندما كان الناس يقومون بمراقبة نفوسهم، وإنه بالنسبة لزماننا وقد ساد النفاق، وسيطر الرياء، وعطلت الفرائض نرى أن - الستر أولى حتى تهذب النفوس، وقد سئل رسول الله ﷺ : أي الصدقة أفضل؛ فقال ﷺ : " سر إلى فقير أو جهد من مقل " (٢).
стр. 1274
(وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) ختم سبحانه الآية الكريمة بذلك الختام السامي؛ والمعنى فيه أن الله ذا الجلال والإكرام المعبود بحق، الذي انفرد بالألوهية خبير، أي عليم علمًا دقيقًا صادقًا بما تعملون أيها المؤمنون.
فهذه الجملة السامية تشعر المؤمن برقابة الله تعالى على أعماله، وعلى بواعث هذه الأعمال وعلى القلوب التي تنبعث منها النيات والمقاصد، عليم سبحانه بكل ذلك؛ فإذا أحس العبد برقابة الله القوي القادر بهذا العلم السامي نقى قلبه من كل شوائب الرياء في صدقاته كلها، جهرها وسرها، خافيها وظاهرها. ثم هذه الجملة كما تربي في نفس المؤمن المهابة من الله، والشعور بمراقبته تتضمن وعدًا ووعيدًا؛ لأنه إذا كان الله عليمًا علمًا دقيقًا بكل ما يعمل العبد من خير وشر، فإنه يكافئ العبد بما ينتج فعله، إن خيرًا فالثواب والنعيم المقيم، وإن شرا فالعذاب الأليم.
* * *
стр. 1275
(لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ... (٢٧٢)
* * *
كان المسلمون الأولون قلة في
أرض العرب، وكان المشركون يحيطون بهم، واليهود يجاورونهم، وكان يربطهم بالفريقين صلة قرابة، أو على الأقل صلة جوار.
فكان بعض المسلمين يمتنع عن مد يد المعونة بالمال ليهودي أو مشرك، مع شديد حاجته إليه، وكان ذلك الامتناع من قبل المعاملة بالمثل من جهة، ولأن فقراء المسلمين الأولى، ولحمل أولئك على الدخول في الإسلام دين الوحدانية والعزة؛ فبين الله أن الصدقة واجب إذا وجد سببها، ووجدت الحاجة إلى العطاء من غير نظر إلى الموضع الذي يستحقها، فإنك تكرم إنسانيته، لَا يهوديته، ولا نصرانيته ولا إشراكه.
ولقد روى ابن عباس عن النبي ﷺ أنه كان يأمر بألا يتصدق إلا على أهل الإسلام، فنزلت هذه الآية: (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ). وقال ابن عباس أيضا: " كانوا (أي أصحاب رسول الله ﷺ يكرهون أن يرضخوا لأنسابهم من المشركين، فسألوا رسول الله ﷺ فرخص لهم، فنزل قوله تعالى: (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء).
стр. 1276
وبهذين الخبرين يتبين أن هذه الآية الكريمة نزلت لبيان أن الصدقة تسوغ على غير المسلم، بل تجب إذا كان غير المسلم في حاجة شديدة، ويخشى عليه إن لم يقدم له عطاء ينقذه.
وإن هذه الآية وما يليها من آيات تبين من يستحقون الصدقات ومن يؤثرون، فصدرها بالإشارة إلى أنه يسوغ إعطاء غير المسلمين، بل يجب، وبذلك التصدير يتبين موضع الإسلام من احترام الإنسانية، والإخاء الإنساني العام؛ فإنه يدعو إلى التعاون والسلم العام، وما يحارب إلا لتقرير ذلك السلام؛ فقد قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَةً ... )، وقال تعالى: (وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْم فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ. . .).
ومعنى قوله تعالى: (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ) أي أن الواجب المفروض عليك هو التبليغ والدعوة إلى ربك بالموعظة الحسنة؛ فليس عليك أن تهدي عاصيًا، ولا تدخل الإيمان في قلب كافر، فلا تمنع صدقة لأجل الكفر، ولا تمنع عطية للحمل على الإيمان (وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ) فهو يهدي من يسير في طريق الهداية، ويفتح قلبه لنور الإيمان، فيوفقه المولى العلي القدير العليم بما تخفي الصدور إلى الحق فيدركه بعد أن يأخذ في الأسباب، ويسد عن قلبه مداخل الشيطان إليه.
وعليك أنت أيها الرسول أن تبلغ ما أنزل إليك، وأن تعامل الناس بما يليق بأخلاق أهل الإيمان، وباحترام الإنسانية وسد حاجة المعوزين، ولو كانوا من المخالفين الذين يدينون بغير دينك، وأن تعاملهم بالتي هي أحسن.
وبهذا المنهاج القويم أخذ السلف الصالح رضوان الله ﵎ عليهم مقتدين بالنبي ﷺ . وإنه يروى أنه في الموادعة التي كانت بين النبي ﷺ والمشركين التي تمت في صلح الحديبية أصابت قريشا ضائقة، فأرسل النبي ﷺ إلى أبي سفيان بن حرب زعيم الشرك في ذلك الإبان خمسمائة دينار يشتري بها قمحًا يفرج به ضائقتهم، ويسد حاجة المعوزين منهم، وهم ما زالوا مشركين (١).
стр. 1277
ويروى أن عمر بن الخطاب وجد شيخا ذميا على باب المسجد يتكفف الناس، فأجرى عليه رزقًا مستمرا من بيت المال بعد أن قال له كلمته الرحيمة: " ما أنصفناك! أخذنا منك الجزية صغيرًا، وضيعناك كبيرًا ".
ولقد أمر النبي ﷺ المسلمين أن يعطوا فقراء غير المسلمين من صدقة الفطر فقال ﵇: " أغنوهم عن سؤال هذا اليوم " (١).
وإنه إذا كانت الصدقة جائزة على غير المسلمين فأولى أن تكون جائزة على عصاة المسلمين. وقد أجمع على ذلك علماء المسلمين، ولم يشذ عن هذا الإجماع إلا ابن تيمية؛ فقد أفتى بعدم جواز ذلك لئلا يكون ذلك تشجيعا لعصيانهم؛ وهذا غير ما ورد في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم والبخاري عن أبي هريرة فقد قال: قال رسول الله ﷺ : " قال رجل: لأتصدقن الليلة بصدقة فوضعها في يد زانية فأصبح الناس يتحدثون: تصدق على زانية، فقال: اللهم لك الحمد على زانية، لأتصدقن الليلة بصدقة، فوضعها في يد غني، فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على غني، قال: اللهم لك الحمد على غني، لأتصدقن الليلة، فخرج فوضعها في يد سارق فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على سارق فقال: اللهم لك الحمد على زانية وغني وسارق فأتى، فقيل له: أما صدقتك فقد قبلت، وأما الزانية فلعلها أن تستعف بها عن زناها، ولعل الغني أن يعتبر فينفق مما أعطاه الله، ولعل السارق أن يستعف بها عن سرقته " (٢).
(وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأَنفُسِكُمْ) بيَّن سبحانه أن الصدقة تجوز لكل من يكون في حاجة إليها، سواء أكان مؤمنًا أم كان كافرًا، وسواء أكان برا تقيا، أم كان فاجرا عصيا، فالعطاء لإنقاذ الإنسانية أيا كان صاحبها بعد أن بين ذلك بين سبحانه أن الصدقة كيفما كانت، وأيا كان موضعها هي خير لصاحبها؛ وخيريتها ثابتة من ثلاث
نواح:
стр. 1278
الناحية الأولى: أنها تعود على نفسه بالتهذيب والتربية، وتقوية الإحساس بحق الجماعة عليها، والتأليف الروحي بينها وبين الناس؛ وهذا ما ذكره سبحانه بقوله: (وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأَنفُسِكُمْ) أي أن كل شيء تنفقونه خير عائد على أنفسكم من حيث إنه يهذبها، ويقوى صلاتها الاجتماعية، ويرهف الوجدان، وفوق هذا وذاك فإن الإنفاق يدفع غوائل اجتماعية إن سلطت على الجماعة أذهبت وحدتها، وقوضت بناءها؛ فإن أولئك الفقراء إن لم يمكنوا من حقهم في الحياة كانوا أداة تخريب وعنصر هدم، وكانوا كالشاة إذا جوعتها انتشرت ذئبًا، وافترست كل ما في طريقها؛ وإن دفع هذه الكوارث هو حماية للنفس، ودفاع عن الوجود، وهذا المعنى يتضمنه قوله تعالى: (وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأَنفُسِكُمْ) لأنه حماية لها.
فهذه هي الناحية الأولى التي تعود بالخير على المنفق، أيا كان من يعطيه، وأيا كان مقدار العطاء قليلا أو كثيرًا؛ ولذا قال: (مِنْ خَيْرٍ) فـ " من " الدالة على البعضية تنبئ عن أنه يجوز الإنفاق بالقليل والكثير، وفي كل خير يعود على النفس.
والناحية الثانية: ما أشار إليها سبحانه بقوله تعالى: (وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ) فهذه الجملة السامية تثبت الخيرية في الصدقة، ولو كانت لعاص أو كافر؛ ذلك لأنه لَا يقصد بالعطاء إرضاء العاصي أو الكافر إنما يقصد بالعطاء وجه الله تعالى ورضاه، ورضا الله سبحانه وحده غاية ترجى، وخير عظيم يطلب، ومقصد أسمى يتجه إليه المؤمن ويبتغيه طالب الهداية؛ فإن المؤمن العامر قلبه بالإيمان يحس بروحانية إن طلب رضا الله وابتغاه، أي طلبه بشدة.
وقوله تعالى: (ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ) لَا يدل على طلب رضا الله فقط، بل يدل مع ذلك على طلب إقبال الله تعالى عليه؛ لأن كلمة (وَجْهِ اللَّهِ) تدل على الرغبة في المواجهة والاتصال بالله تعالى، وإقباله على ربه، وإقبال ربه عليه؛ وتلك منزلة
стр. 1279
روحية سامية حسبها جزاء للصدقة، ولو كان المعطَى كافرًا عاصيًا ولقد قال بعض الصوفية في معنى (ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ) أي يطلب المتصدق وجه الباقي، أي الناحية الباقية في الدنيا والآخرة، وهي ناحية الله تعالى؛ ولذا يقولون إن لكل شيء ولكل عمل وجهين: وجهًا يتجه إلى هذا العالم وما فيه من أناسي، وهو الوجه الفاني، والوجه الثاني هو الوجه الدائم الباقي، وهو رضا الله تعالى.
هذه هي الناحية الثانية من الخيرية في النفقة بالنسبة للمنفق من غير نظر إلى من أنفق عليه.
أما الناحية الثالثة: فهي التي بينها قوله تعالى: (وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ) في هذه الآية الكريمة يبين سبحانه جزاء الصدقات، من حيث إنها تعود على المنفق مغباتها وثمراتها؛ والمعنى: أن ما تنفقون من خير في هذه الدنيا يوفى إليكم جزاؤه في هذه الدنيا، وفي الآخرة؛ أما في الآخرة فبالنعيم المقيم الخالد، وهو أضعاف مضاعفة للصدقة، وجزاؤها في الدنيا من حيث إنها تقوية للعناصر الضعيفة في الأمة، فتنقلب إلى عناصر قوة تمدها بالخير والمعونة الصادقة، فتكون قوة عاملة منتجة تعود ثمرات أعمالها إلى الجميع ومنهم المنفقون، وإن الفقراء إن لم يعطوا كانوا أداة تخريب وهدم، والصدقة تجعلهم عنصر عمل وبناء، وخير ذلك للجميع.
وقد أشار سبحانه إلى أن ذلك الجزاء الدنيوي والأخروي هو للصدقة، وكأنه وفاء لها مولَّد منها؛ ولذا سماه بها، فقال: (وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكمْ) أي يعود إليكم ذات الخير، فالجزاء لأنه ثمرة لازمة كأنه هو نفس الإنفاق، والنتيجة لأنها متولدة عن الإنفاق كانت كأنها هو. ثم ختم سبحانه الآية بقوله: (وَأَنتُمْ لا تُظْلَمُونَ) أي لَا تنقصون أي جزاء لعمل قدمتموه لَا تبغون به إلا وجه الله تعالى، وهو العليم الحكيم القادر على كل شيء، وإلى الله المصير.
* * *
стр. 1280
(لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢٧٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)
* * *
بيَّن في الآيات السابقة آفات الصدقات التي تذهب بخيرها بالنسبة لمعطيها من منٍّ وأذى ورياء وقصد إلى الخبيث دون الطيب ينفق منه، مع أن الله طيب لَا يقبل إلا طيبًا؛ ثم بيَّن أنه لَا يصح أن يكون الكفر أو العصيان سببًا للمنع حيث يجب العطاء، ليُحْمَل الشرك على الإيمان، والعاصي على الطاعة. بعد هذا بيّن سبحانه موضع الصدقات والصفات التي تُوجب العطاء في مستحقها؛ وقد قصد إلى بيان موضع الأولوية فيها؛ فقال تعالى:
стр. 1281
(لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أي أن الصدقة تكون للفقراء الذين اتصفوا بهذه الصفات، وكانوا على تلك الأحوال، وهي خمس؛ فالجار والمجرور (للفقراء) خبر لمبتدأ محذوف يفهم من مطاوي الكلام الكريم السابق كله وثناياه؛ لأن الكلام السابق كله في الإنفاق في سبيل الله، والصدقات المأجورة المشكورة، وما يعكر إخلاصها، ويعوق جزاءها؛ فكان المحذوف المطوي في القول مع قيام المشير إليه هو " الصدقة "، فهو محذوف في حكم المذكور، ولكن لماذا آثر النص القرآني الحذف مع أن الأصل الذكر ليتم النسق الكلامي؟ الجواب عن ذلك هو، أولاً الإيجاز العجز الذي يكون فيه قصر اللفظ مع غزارة المعنى، وثانيًا هو تعليم العباد
стр. 1282
من حيث إنه طوى لفظ الصدقة، ولم يصرح فيه بالإسناد ووضعه بجوار الفقراء؛ للإشارة إلى أن الأدب يوجب على المعطي ألا يصرح أن يعطيه بأن هذا صدقة، حتى لَا يحس بمذلة الأخذ، فحذف القرآن لفظ الصدقة عند الإسناد إلى الفقراء مع وجوده في السابق من القول، يخفيه المعطي عند العطاء، مع احتسابه النية بإخفائه المقصد.
وقد ذكر الله للفقراء الذين يستحقون الصدقة أوصافًا أو أحوالاً خمسة:
الوصف الأول منها: ما ذكره بقوله: (أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أي مُنعوا من الكسب الحلال الطيب الذي يطلبه صاحبه مجاهدًا في طلبه.
فالإحصار هنا المنع؛ وأصله من الحصر بمعنى التضييق كما قال تعالى: (وَاحْصُرُوهُمْ. . .)، أي ضيِّقوا عليهم. والإحصار هو التشديد في التضييق بالمنع من الحركة والسير والعمل المنتج المثمر؛ والمنع إما أن يكون لعجز مطلق بمرض أو شيخوخة أو صغر أو غير ذلك، وإما أن يكون المنع بسبب ضيق مسالك الكسب، فإن كان قادرًا ولا يجد عملا مع طلبه، أو هو مشغول عن طلب الرزق لنفسه بما هو أجدى على الجماعة وأنفع كالفدائيين الذين يتقدمون الصفوف ليفتدوا جماعتهم، ويعلوا كلمة الحق، ويخفضوا كلمة الباطل؛ فكل هذا إحصار ومنع من اكتساب الرزق.
وعبر في الآية الكريمة بـ (أُحْصِرُوا) بالبناء للمجهول للإشارة إلى أن فقرهم لم يكن نتيجة امتناع عن العمل المجدي النافع، ولم يكن تخاذلا أو كسلا، أو تهاونا في طلب الرزق الحلال، إنما كان بمنع من غيرهم، أو ليس لهم فيه إرادة حرة قد آثروا فيها الكسل على العمل، وإنما كان المنع عجزا؛ أو لأنهم بمقتضى التوزيع العادل والتنسيق الكامل في الأعمال تحبسهم الجماعة عن طلب الرزق لينصرفوا إلى عمل آخر يجدي وينفع كالجهاد في سبيل الله، فكانوا ممنوعين عن طلب الرزق بحكم الواقع أو التكليف ولم يكونوا ممتنعين.
стр. 1283
وكلمة (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) ما موضعها في الوصف المذكور؟ قال بعض العلماء: إن كلمة في سبيل الله في هذا المقام فيها إشارة إلى سبب الإحصار والمنع، وهو أنهم حبسوا أنفسهم للعمل في سبيل الله، وانقطعوا عن المكاسب وطلب الرزق؛ لأنهم ربطوا أنفسهم في سبيل الله بالجهاد في سبيل إعلاء الحق، أو بالقيام بعمل عام، وقالوا إن هذه الآية نزلت في أهل الصُّفَّة، وهم طائفة من المهاجرين الفقراء انقطعوا عن أموالهم، وأقاموا: بالمدينة لَا مرتزق لهم فيها، ينتظرون غزوة يسيرون فيها، أو سرية يذهبون معها، فكان النبي ﷺ يأمر الصحابة ذوي اليسار باستضافتهم، فتستضيف كل أسرة واحدًا أو أكثر على حسب قدرتها، ومن بقي منهم من غير استضافة بسط النبي ﷺ مائدته لهم في المسجد وأكلوا معه، وقد أقام لهم في المسجد صُفَّة، أي ظلة يأوون إليها يتقون الحر والبرد.
وعلى هذا التخريج يكون الإحصار المذكور في الآية ما يكون سببه الانصراف عن العمل بالاشتغال بعمل عام، فإن هذا يوجب على الجماعة التي يعملون فيها أن تجري على العامل ما يكفيه وأهله بالمعروف؛ فإن لم تفعل الدولة ذلك، وهي التي تمثل الجماعة، تولى الآحاد والجماعات من الناس تهيئة أسباب الرزق لهم بما يكفيهم.
ولكن الأوصاف اللاحقة لهذا الوصف تومئ إلى أن الآية الكريمة يدخل في عمومها كل فقير يتعفف عن السؤال، ولا يستطيع كسب عيشه لأي سبب منِ الأسباب المانعة أو العوقة من العمل للرزق؛ بل إن قوله تعالى: (لا يَسْأَلُونَ النَّاس إِلْحَافًا)، يجعل موضوع الآية الكريمة الفقراء العاجزين عن الكسب غير المتفرغين لخدمة عامة، لأن هؤلاء لَا يتعرضون للسؤال ثم يمتنعون عنه، إنما الذي يتعرض له، ويعف عنه هو العاجز لغير ذلك السبب.
حينئذ يكون قوله تعالى: (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أعم من الحال التي ذكرها أولئك المفسرون بأن يكون معناها، أي في سبيل القيام بما يجب عليهم، سواء أكان ذلك الواجب رزقًا يطلبونه، ولكنهم يعجزون عن الحصول عليه، فهم في سبيل هذا
стр. 1284
الطلب في سبيل الله، أم كان ذلك الواجب خدمة عامة حبسوا أنفسهم لها، أو القيام بأمر من الفروض الكفائية التي تخصصوا في بعضها كطلب العلم، فإن هؤلاء على المجتمع فرادى وجماعات وعلى الدولة أن تسهل لهم الحياة، وتمكنهم من الاستمرار على طلب ما يطلبون.
والخلاصة أن الإحصار على هذا يشمل العجز المادي عن الكسب إما لمرض أو شيخوخة أو نحوهما، أو لطلب العمل مع عدم القدرة عليه، كما يشمل الذين حبسوا لتكليف عام، والقيام بفرض من فروض الكفاية.
وأما الوصف الثاني منِ أوصاف أولئك الفقراء الذين هم أولى الناس بالإنفاق عليهم أنهم (لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ). والضرب في الأرض إما أن نقول إنه بمعنى الذهاب في الأرض والسفر فيها طلبًا للرزق؛ إذ إن هذا المسافر يضرب الأرض برجله كما قال تعالى: (وَإِذَا ضربْتُمْ فِي الأَرْضِ ... )، والمعنى على هذا أن هؤلاء لَا يستطيعون السفر للاتِّجار وكسب الرزق.
إما أن يقال هذا، وإما أن يقال إن الضرب في الأرض بمعنى حرثها وزرعها، فإن الحارث الزارع يضرب الأرض بفأسه ويشقها بمحراثه. والأولى في نظري أن تكون كلمة الضرب في الأرض شاملة، وأن يكون النفي شاملا، أي أن هؤلاء الفقراء لَا يستطيعون العمل في الأرض بالزراعة، أو الذهاب فيها للاحتطاب والكسب، أو السفر للاتِّجار، والتنقل بين الأمصار سعيًا في الرزق، لَا يستطيع أولئك الفقراء شيئًا من هذا بسبب الحجز المادي، أو لأنهم حبسوا لنفع عام، أو واجب كفائي على العموم، وقد تخصصوا هم لأدائه، ولقد قال ﷺ : " لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ وَلَا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ " (١).
وأما الوصف الثالث من أوصاف أولئك الفقراء الذين هم جديرون بالعطاء أنهم (يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ)، ومعناه أنهم متجملون لَا يعرف حالهم
стр. 1285
من فقر مدقع إلا أهل الخبرة بالنفوس وذوو البصيرة النفاذة، والفراسة الصادقة، فهم لا يعرفون بفقرهم وحاجتهم وعوزهم، بل يحسبهم الجاهل، أي يظنهم أغنياء ويقوم ذلك بحسبانه وتقديره من غير أمارات ظاهرة وبينات قائمة، فالظن في قوله تعالى: (يَحْسَبُهُمُ) ظن في حسبان صاحبه فقط؛ و " الجاهل " إما أن يكون المراد به من لا يعرف حالهم، أو المراد به من لَا ينفذ إلى حقائق الأمور، بل يأخذها بمظاهرها التي تبدو بادي النظر، وليس عنده إحساس مرهف يعاونه على إدراك حال هؤلاء الفقراء مما يحيط بهم لَا من مجرد الظاهر، وهذا هو الحق، و " التعفف ": يكلُّف العفة إما بالمبالغة فيها، والشدة في النزاهة، أو بمحاولة الصبر عليها وتحمل الشقة في سبيلها، أي أن الدواعي لتركها أقوى من البواعث على الاستمساك بها، ولكنه يستعين بالصبر، فيرجح العفة بعد تكلف الشقة واحتمالها. والآية الكريمة تقبل المعنيين، فإن الفقير العاجز عن الكسب عند تحمله ما يتحمل الحر الكريم في سبيل عفته، والمحافظة عليها مبالغ في العفة؛ أولا: لأن المبالغة في العفة ليست بالقدر منها، إنما يكون بقدر ما يبذل في سبيل المحافظة عليها، فالغني لَا يبالغ في العفة إن امتنع عن أخذ أموال الناس، أو طلب المعونة منهم أو أكل مالهم بالباطل، أو سرقتهم أو اغتصابهم، ولكن العاجز عن الكسب يعد مبالغًا في العفة إن امتنع عن طلب المعونة، وهو في أمس الحاجة إليها. . وهذا الفقير يبالغ في العفة ثانيًا: بتحمل المشقات والتصبر عليها وفي سبيلها.
وأما الوصف الرابع فهو (تَعْرِفهُم بسِيمَاهُمْ) وهو أمر متصل بهم وبمن يراهم من ذوي الحس المرهف، والبصيرة الخافذة، ولذا كان الخطاب في معرفة سيماهم للنبي ﷺ وهو البصير النافذ البصيرة، ولمن كان مقتديًا به من كل مؤمن قوي الوجدان، ممن قال فيه النبي ﷺ : " اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله " (١).
والسيما: العلامة، فما هي علامة الفقراء المتجملين الذين ستروا حاجتهم، والتي يعرفون بها؟ قال بعض العلماء: التواضع والخشوع؛ وقال بعضهم: الرثاثة ومظاهر
стр. 1286
الفقر؛ وقال بعضهم الجوع وآثاره والحق أن الله لم يبين لنا هذه العلامة التي يعرفون بها؛ ولكنه ذكر أنها تعرف لذي البصيرة؛ أي أن الشخص المدرك الفاهم يستطيع معرفتها بزكانة (١) نفسه، من لمحات الوجه، ومن تعرف مصادر الشخص وموارده، وما يحاول به ستر حاله؛ فإنه مهما يحاول الفقير التجمل والصبر فإنه لابد أن تبدو حاجته لذي البصيرة الكريم الذي لَا يعلن عورات الناس؛ فالعلامة إذن هي الظاهرة التي تبدو للفاحص الذي يُطْمَأن إليه.
وقد ذكر الله بهذا أمرين: أحدهما ينسب للجاهل وهو الظن بأنهم من الأغنياء، إذ قال سبحانه: (يَحْسَبهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ)؛ هذا ظن الجاهل بالنفوس يحسبهم لفرط تجملهم بالصبر أغنياء، والأمر الثاني أن لهم سيما ومظهرًا لَا يعرفه الجاهل، ويعرفه غيره بالنظر الفاحص العاطف، الكاشف الساتر.
وأما الوصف الخامس من أوصافهم أنهم (لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا) أي أنهم لا يسألون الناس، ولا يلحفون في السؤال أو الطلب؛ ولقد قال الزمخشري في معنى " إلحافًا ": " الإلحاف الإلحاح، وهو اللزوم، وألا يفارقه إلا بشيء يعطاه من قولهم: (لحفني من فضل لحافه) أي أعطاني من فضل ما عنده "، وقال الراغب الأصفهاني: " أصله من اللحاف، وهو ما يتغطى به " وعلى هذا يكون معنى الإلحاف: هو الملازمة في الطلب وملاصقة من يطلب العطاء كملاصقة اللحاف لمن يستر به، أو الإلحاف يأخذ به الفضل الذي يعطاه.
وقد اختلف العلماء في النفي بهذه الجملة السامية: أهو نفي للإلحاف وليس نفيًا للسؤال " أي أنهم يسألون ولكن لَا يلحفون في السؤال؛ أم هو نفي للسؤال مطلقًا سواء أكان إلحافًا أم من غير إلحاف؟
قال بعض العلماء: إن النص الكريم يفيد بظاهره نفي الإلحاف لَا نفي أصل السؤال، لأن النفي منصب عليه، إذ النفي إذا كان لأمر مقيد بوصف يكون موضعه ومناطه هو القيد، لَا الأصل.
стр. 1287
وقال بعض آخر: إن أولئك الفقراء لَا يسألون مطلقا لَا بإلحاف ولا بغير إلحاف؛ وإني أرى أن ذلك هو الراجح؛ لأنهم لو كانوا يسألون ما حسبهم الجاهل أغنياء من التعفف؛ ولو كانوا يسألون ما كانوا متعففين، ولو كانوا يسألون ما احتاج البصير ذو الوجدان إلى تعرف حالهم بالمظاهر والسمات؛ فإن طلبهم يغني عن التعرف، إذ هم يعرفون أنفسهم بالسؤال؛ فسياق الآية يفيد أنهم لَا يسألون مطلقا؛ ولكن لماذا كان النفي متجهًا إلى الإلحاف في ظاهره، لَا في أصل السؤال؟ فنقول في الجواب عن ذلك: إن النفي ذكر بهذه الصيغة، ليكون فيه إيماء إلى أن يوازيهم المعطي بغيرهم، وأن غيرهم يسأل الناس إلحافًا وهم لَا يسألون، فالله نفَى عنهم ما يقع من غيرهم، والنفي بهذه الصيغة فيه تعريض بالملحفين، وبه يبدو فضل المتعففين.
وفى الحقيقة إن نفي السؤال قد فهم فهما ضمنيا واضح الدلالة من الأوصاف السابقة؛ أما الوصف الأخير فهو ينفي عنهم ما يقع من غيرهم وهو الإلحاف، ويندر أن يكون سائل غير ملحف، وذلك لأن السؤال حيث وقع يكون التعفف قد زال، وإذا زال التعفف وجد الطلب والرغبة في الأخذ، وعند ذلك يكون الإلحاف، حتما.
وإنه بلا شك يجب على المعطي أن يبتدئ في عطائه بأولئك المتعففين الذين لا يسألون؛ لأنهم الذين يستحقون، وهم المساكين كما قال النبي ﷺ : " ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان، إنما السكين المتعفف، اقرءوا إن شئتم (لا يَسأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا " (١).
وإنه إذا أعطى هذا المتعفف يجب عليه أن يستر حاله، ولا يكشف أمره، ليكون ذلك عونًا له على تعففه وتحمله، وكل كشف له أذى، والأذى من آفات الصدقات.
стр. 1288
وإذا فضل شيء بعد كفاية المتعفف أعطى السائل؛ فإن مذلة السؤال توجب العطف؛ ولذا ورد " للسائل حق ولو جاء على فرس " (١) وإن على من يعطي سائلًا أن يتعرف حاله أهو يسأل متكثرا، وهو غني أم هو فقير يسأل مستعينا؛ وليتهم نفسه وشحه قبل أن يتهم السائل؛ ولأن يخطئ في إعطاء غني عن جهالة خير من أن يخطي بمنع فقير تظنُّنًا وتأثمًا؛ فإن في الأول ثوابًا له بنيته، وفي الثاني إثما عليه بتغليب شح نفسه، وتركه فقيرًا يتضور جوعًا، مسوغًا ذلك بالظن الآثم والتهمة.
وإن الإثم في ترك السائلين يسألون إنما هو في عدم تنظيم الإحسان، وإغناء الفقراء عن مذلة السؤال.
ولقد تكلم العلماء في السؤال أهو سائغ من الفقير أم غير سائغ؛ فاتفقوا على أنه جائز عند الضرورة، وأنه لَا يصح أن يسأل من عنده قوت يكفيه. ولقد روى الإمام أحمد بن حنبل أن رسول الله ﷺ قال: " المسألة لَا تحل إلا لثلاثة: لذي فقر مدقع، أو لذي غرم مفظع، أو لذي دم موجع " (٢).
وإن السؤال في غير هذه الأحوال غير سائغ، وهو داخل في عموم النهي؛ ولقد قال النبي ﷺ : " لَأَنْ يَغْدُوَ أَحَدُكُمْ، فَيَحْطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ، فَيَتَصَدَّقَ بِهِ وَيَسْتَغْنِيَ بِهِ مِنَ النَّاسِ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ رَجُلًا، أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعَهُ " (٣) فالسؤال حيث القدرة على العمل غير جائز.
ولقد قال النبي ﷺ : " من سأل وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من جمر جهنم " قالوا يا رسول الله: وما يغنيه؟ قال: " ما يغديه أو يعشيه " (٤).
стр. 1289
وإن كل سائل وعنده ما يغنيه يعد ملحفا، والإلحاف بكل صوره منهي عنه؛ ولذا قال ﷺ : " من استعف أعفه الله، ومن استغني أغناه الله، ومن يسأل الناس، وله عدل خمس أواق فقد سأل الناس إلحافًا " (١).
وفى الجملة إن السؤال ذل وأمر قبيح لَا يلجأ إليه المؤمن إلا عند الضرورة، وعلى من يرى سائلًا أن يعطيه إن كان المعطِي في سعة، وإن قام في نفسه أنه غنى لا يعطيه، ولكن عليه أن يحتاط لدينه كما يحتاط لصدقته؛ وخصوصًا في عصرنا هذا الذي أهمل فيه حق الفقير، فلا يجري عليه رزق دائم من الدولة، وليس للناس مروءات يغنون بها ذوي الحاجات، فكان حقا على الناس أن يعطوا هؤلاء المحرومين، كما قال تعالى: (وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ للسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ).
(وَمَا تنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) هذه الجملة السامية ختمت بها الآية الكريمة، لثلاثة أمور:
أولها: تربية الشعور بمراقبة الله في نفس المؤمن، فإنه إذا أحس أن الله مطلع دائمًا على كل ما يعمل من خير ومن شر، أحس بمراقبته سبحانه، ودام ذكره له، وشعوره بعظمته، فيكون في مقام العبودية الرفيع، ويعبد الله كأنه يراه، كما قال ﷺ : " اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك " (٢).
ثانيها: هو الإحساس برضا الله عنه عند فعل الخير، إذ إن الله يراه وهو يفعله، والإحساس بمرضاة الله مقام جليل، فرضوان الله أكبر من كل نعيم.
стр. 1290
ثالثها: العلم بالجزاء الأخروي؛ فإن الله إذا كان يعلم الخير من الأخيار، فإنه يثيبه عليه؛ لأن الله لايضيع أجر من أحسن عملًا.
стр. 1291
(الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَلْوَالَهُم بِالَّليْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً) هذا ختام آيات الإنفاق في سبيل الله، وقد ختم سبحانه هذه الآيات كما بدأها؛ بدأها بالجزاء الأوفى لمن يتصدق وينفق في سبيل الله، وختمها بالعاقبة الحسنى لمن يتحرى في الصدقات مواضعها، أيا كان زمنها، وأيا كان حالها، فتستوي نفقة الليل ونفقة النهار، وصدقة السر وصدقة العلن، ما دامت الصدقات قد قصد بها مرضاة الله تعالى، وسلمت من آفاتها وهي المن والأذى والرياء.
وقوله تعالى: (الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِالَّليْلِ وَالنَّهَارِ) فيه بيان عموم الأزمان، فليس للصدقات وقت معلوم تقبل فيه، وآخر ترد وترفض، بل هي خير كلها، المقصود منها النفع العام، وهو متحقق فيها ليلًا ونهارًا، وغدوة وعشيا، وفي الضحى وفي الأصيل، فالعبرة بالفعل ونيته ونتيجته لَا بزمانه ولا بوقته. وقوله تعالى: (سِرًّا وَعَلانِيَةً) فيه بيان عموم الأحوال، ما دامت الصدقة قد خلت مما يرنِّق صفو الإخلاص فيها، ولا يجعلها خالصة لوجه الله الكريم. ولقد قالوا إن تقديم الليل على النهار، والسر على العلانية فيه إيماء إلى أن الأولى الإخفاء والستر؛ وإن ذلك واضح؛ لأن في الإخفاء والستر احتياطا للنفس وصونا لها عن كل ما يؤدي إلى الرياء؛ فإن الإعلان قد يؤدي إلى الحمد والثناء، وقد يستمرئ المعطي ذلك، ويستطيبه، ثم يطلبه ويقصده، وعند ذلك يدخل الرياء، إذ يجد الثغرة في هذا الموضع فينفذ إلى النفس منها.
وهناك نوع من التعميم آخر في الآية غير عموم الزمان والحال، وهو عموم الإنفاق؛ فقد قال تعالى: (الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم) ولم يقل مثلًا يطعمون، فالإنفاق باب واسع يشمل الإطعام والكسوة، كما يشمل سداد الدين ودفع المغارم، وإعداد العدة في سبيل الله تعالى، وإمداد المحاربين، وشراء ما يخصص للنفع العام، كشراء عثمان بئر رومة؛ فكل هذا من الإنفاق، وعمم مع الإنفاق الأموال التي تنفق، فكله خير وكله له جزاؤه.
стр. 1292
(فَلَهُمْ أَجْرهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنونَ) هذا جزاء الذين ينفقون بإخلاص غير مقيدين بزمان ولا حال ولا مكان، ولا قدر من الإنفاق، ولا نوع منه. والجملة موقعها من الإعراب أنها خبر والمبتدأ الذين ينفقون، ودخلت الفاء في الخبر، لأن الموصول في معنى الشرط فتدخل الفاء في خبره جوازًا، كما تدخل جواب الشرط.
والجزاء الذي ذكره ثلاثة أنواع:
أولها: الثواب يوم القيامة، وفي الدنيا، وذلك بالبركة، وبفضل التعاون الذي توجده الصدقة والإنفاق في سبيل الله؛ ثم بالنعيم المقيم يوم القيامة. وقد سمى ذلك أجرًا، وسماه في مواضع أخرى جزاء، مع أنه المعطي والمانع، والرازق والباسط، وذلك تفضل منه وكرم، ولنتعلم من الله عدم المنِّ في العطاء.
والثاني من الجزاء: الأمن من الخوف؛ إذ قال سبحانه: (وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) والصدقة تؤمن من الخوف في الدنيا وفي الآخرة، فهي أمن من عذاب الله يوم القيامة؛ إذ إنها تكفر السيئات، كما قال تعالى: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ. . .)، وكما قال ﷺ : " الصدقة تطفئ الخطيئة " (١)، أما الأمن من من الخوف في الدنيا، فلأن الإنفاق في مواضع الإنفاق وقاية للمجتمع من غوائل الفقر، وعوامل التخريب، فلا يحصن مال الغني إلا الإنفاق في كل ما يعود على الفقير والمجتمع بالنفع، وإن الأمن من الخوف بالإنفاق واضح كل الوضوح في الإنفاق لإمداد القوات المجاهدة في الدفاع عن الأمة، كما هو واضح في سد حاجات الفقير، وتهيئة فرص الحياة الرفيعة والعمل له.
стр. 1293
والثالث من أنواع الجزاء: نفي الحزن، والبعد عن أسبابه. والحزن هم نفسي؛ ولذا عبر عنه بالفعل الذي يصور النفس والشخص فقال سبحانه: (وَلا هُمْ يَحْزَنونَ) وهَم النفس يُدْفع بالاعتماد على الله، وطلب رضاه، واطمئنان الضمير، وبرد اليقين، وذلك كله يتحقق في الدنيا بالصدقة، وزوال الحزن في الآخرة بها أعظم وأكبر.
هذا والآية عامة تشمل كل من يسارع إلى الإنفاق في وقت الحاجة إليه في سر أو في إعلان في ليل أو في نهار، غير قاصد بما أنفق إلا الخير يبتغيه، ومرضاة الله ، لَا يرائي ولا يمنُّ ولا يؤذي، ولقد ذكر العلماء أن الآية مع عمومها وجدت روايات في سبب نزولها.
وهذه الروايات كلها لَا تمنع عمومها، وإنها تبين فضل المنفق المخلص الذي يعم إنفاقه، ويجيء في وقت الحاجة إليه، و " الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه " (١).
* * *
(الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ) كلها في الصدقات؛ بينت مقاصدها، وبينت آفاتها، وبينت وعاءها، وما يكون الإنفاق منه، ثم بينت مواضع الصدقات، وما ينبغي الإنفاق فيه؛ وفي هذه الآية الكريمة يبين سبحانه قبح الربا، وإن المناسبة بين الإنفاق في سبيل الله والربا، هي المناسبة بين الضدين؛ فإنه إذا تذكر الشخص أحد الضدين سبق إلى ذهنه ضده؛ وإن التضاد ثابت بين الإنفاق في سبيل الجماعة والربا من عدة نواح: من ناحية النفس التي ينبعث منها الربا، والنفس التي تنبعث منها الصدقة، فنفس الربوي نفس محب لذاته يريد أن يحتاز كل شيء، ونفس المنفق في سبيل الله نفس محب للناس ألوف، يؤثر على نفسه ولو كان به خصاصة، ومن ناحية الحقيقة، فالربا أكل لأموال الناس بالباطل، والإنفاق بذل لمال النفس في سبيل الغير ورفعة شأن الجماعة، وأكل أموال الناس نقيض لإعطاء الناس من حر ماله. ومن ناحية النتيجة فالربا يقطع التعاون بين الناس، أو يكون التعاون قائمًا على الإثم والعدوان، بينما الإنفاق في
стр. 1296
سبيل الله يقيم التعاون بين الجماعة والآحاد على أساس من الفضيلة، والبر والتقوى، ثم الربا يوجد قلق المرابي، والصدقة توجد اطمئنانًا وقرارًا.
فالربا والإنفاق في سبيل الله نقيضان لَا يجتمعان؛ ولذا جعلهما متقابلين تقابل الأضداد، في قوله تعالى: (وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ ومَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ).
وقد ابتدأ سبحانه في بيان حقيقة الربا وحكمه ببيان أثره في نفس المرابي، ليعلم كل إنسان أن أثره شر في نفس صاحبه، وأن أول من يناله الضرر هو المرابي نفسه، فهو بمقدار ما يكثر من مال يكثر من الهموم؛ ولذا قال سبحانه: (الَّذِينَ يَأْكلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ) فهذه الجملة السامية تصوير لحال المرابي، واضطراب نفسه، وقلقه في حياته، فالله يمثل المرابي في قلقه المستمر وانزعاجه الدائم بحال الشخص الذي أصيب بجنون واضطراب، فهو يتخبط في أموره وفي أحواله، وهو في قلق مستمر.
ومعنى التخبط الضرب في غير استواء؛ ولذا قيل في المثل: خبط عشواء. والمعنى على هذا أن الذين يأكلون الربا، ويتخذونه سبيلًا من سبل الكسب هم في حال لا يقرون فيها ولا يطمئنون، فلا يقومون ولا يتحركون إلا وهمُّ المال قد استولى على نفوسهم، والخوف عليه من الضياع مع الحرص الشديد قد أوجد قلقا نفسيا دائما في عامة أحوالهم، فهم كالمتخبط بسبب ما مسَّه الشيطان.
وإن تشبيه حال المرابين بحال المجنون الذي مسه الشيطان فيه إشارة إلى أن الشيطان قد يمسُّ نفس الإنسان فيصيبه. وقد أنكر ذلك الزمخشري في تفسيره، وخرج الآية الكريمة على غير المعنى الذي يفيد هذا فقال في الكشاف في هذا التعبير الكريم: وتخبط الشيطان من زعمات العرب، فورد على ما كانوا يعتقدون، والمس الجنون، ورجل ممسوس، وهذا أيضا من زعماتهم وأن الجني يمسه فيختلط عقله،
стр. 1297
وكذلك جُنَّ الرجل معناه ضربته الجن، ورأيتهم لهم في الجنِّ قصص وأخبار وعجائب، وإنكار ذلك عندهم كإنكار المشاهدات.
وإن هذا الكلام يفيد بفحواه أن العرب يزعمون صلة بين الجنون والجن، وأنه من مسِّ شياطين الجنِّ، وأن القرآن ورد التعبير فيه على مثل ما كانوا يعبرون، وإن لم يكن ذلك حقيقة مقررة في الإسلام عند الزمخشري.
ولكن وردت أحاديث تفيد أن الشيطان يمس الإنسان، ويكون لمسِّه أثر في فكره وعقله، فهل نترك ظواهر هذه الأحاديث مثل قوله ﷺ فيما رواه النسائي: " اللهم إني أعوذ بك من التردي والهدم والغرق والحريق، وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت، وأعوذ بك أن أموت في سبيلك مدبرًا، وأعوذ بك أن أموت لديغًا " (١).
وفى الحق إن البحوث الروحية التي يجريها العلماء الآن في أوربا أثبتت أن الشياطين من الجن تخبط نفس الإنسان أو تمسها فيكون الجنون، وأن تلك العبارات التي كانت تجري على ألسنة العرب حقائق ثابتة الآن، فلا يسوغ لنا أن نؤول القرآن الكريم بغير ظاهره، لإنكار لَا دليل عليه.
وإن ظاهر الآية الكريمة يفيد أن هذا التمثيل هو لبيان حالهم في الدنيا، فهو تصوير لاضطرابهم وقلقهم وتخبطهم في حياتهم، وإن بدوا منظمين فهو تنظيم مادي، ومعه القلق النفسي، والانزعاج المستمر.
هذا هو ظاهر الآية، وبه قال بعض المفسرين، ولكن قال الزمخشري ومعه الكثيرون: إن ذلك التخبط من أكلة الربا هو يوم القيامة، فقال في الكشاف: " المعنى أنهم يقومون يوم القيامة مخبلين كالمصروعين، تلك سيماهم يعرفون بها عند أهل الموقف، وقيل الذين يخرجون من الأجداث يوفضون إلا أكلة الربا، ينهضون
стр. 1298
ويسقطون كالمصروعين؛ لأنهم أكلوا الربا فأرباه الله في بطونهم حتى أثقلهم فلا يقدرون على الإيفاض ". ونرى من هذا أن الكشاف يقصر تلك الحال التي صورها التمثيل على الآخرة. وإني أرى أنه يصور حالهم في الدنيا والآخرة؛ فهم في الدنيا في قلق مستمر، وفي الآخرة تثقلهم سيئاتهم فيتخبطون، وكأنهم المصروعون.
ولا عجب في أن تكون تلك حالهم في الدنيا، فالربويون أكثر الناس تعرضًا للأزمات القلبية، كما يعرَضون الجماعات للأزمات الاقتصادية؛ ولقد قرر الأطباء أن نسبة ضغط الدم، وتصلب الشرايين، والشلل والذبحة الصدرية عند الربويين أضعافها عند غيرهم، وما علمت ربويا مات إلا سبقه الشلل أو أخواته قبل أن يجيء إليه الموت ليستقبل نار جهنم؛ وذلك لأنهم (لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّدي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ) والله أصدق القائلين.
والربا معناه واضح يفهمه العامة وهو الزيادة في الذين في نظير الأجل، ولكن الذين يحاولون تطويع الشريعة لتكون أمةً ذليلة للاقتصاد الربوي عقدوا معنى الربا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، ولذلك وجب أن نتكلم بإيجاز في معنى هذه الكلمة.
أصل الربا من " ربا " يربو بمعنى " زاد "، أو " نما "، ثم أطلقت كلمة ربا على ذلك النوع من التداين، وهو أن يزيد المدين في الدَّين في نظير الزيادة في الأجل، وقد صار إطلاق كلمة الربا على هذا المعنى حقيقة لغوية، أو هو عرف لغوي، وهذا هو الربا المذكور في قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذينِ آمُوا لَا تَأْكلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضاعَفَةً. . .) وقوله تعالى: (ومَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ. . .)، وقوله ﷺ " ألا إن ربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أبدأ به ربا عمي العباس بن عبد المطلب " (١) وهذا الربا يسمى ربا النسيئة؛ ولقد ورد في
стр. 1299
الأثر (إنما الربا النسيئة) (١) ولم يشك أحد من الفقهاء في أن هذا محرم، فتحريمه ثابت بالنص القرآني، والحديث النبوي، والإجماع الفقهي؛ ولقد سئل الإمام أحمد عن الربا المحرم قطعًا، فقال ﵁: أن تزيد في الدين في نظير الزيادة في الأجل.
وهناك نوع سمي الربا في الشرع الإسلامي، لَا في الحقيقة اللغوية، وهو ربا العقود، الثابت بقوله ﷺ : " الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح مثلًا بمثل، يدًا بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى، والآخذ والمعطي فيه سواء " (٢).
وهذا النوع من الربا لم يكن معروفًا في الجاهلية، بل هو حقيقة إسلامية وردت في مقام النهي؛ ولذا يقسم الجصاص الربا قسمين: ربا غير اصطلاحي، وهو ربا الجاهلية عرفته اللغة، ولا مجال للريب فيه؛ وربا اصطلاحي، وهو الربا الذي جاء الإسلام بتحريمه.
ومع وضوح معنى الربا الجاهلي ذلك الوضوح، وهو الذي جاء بتحريمه القرآن الكريم، وجدنا ناسًا يحاولون أن يشككوا الناس في حقيقته، ليحلوا بذلك التشكيك ربا الصارف، وقد سلكوا للتشكيك مسلكين:
أولهما: أن قوله تعالى: (يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً. . .)، فهموا منه أو بالأحرى حاولوا أن يفهموا الناس أن الربا المحرم هو ما يكون بمضاعفة الدين، وما دون ذلك حلال، وأهملوا قوله تعالى: (وَإِن تُبْتمْ فَلَكمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ)، مع أن قوله تعالى:
(أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً مهو حال من (الربا) وهو الزيادة، أي لَا تأكلوا تلك الزيادة التي
стр. 1300
تتضاعف عاما بعد عام، فالمضاعفة في الزيادة لَا في أصل الدَّين، وفوق ذلك فالوصف جار مجرى الواقع من تكرار الزيادة حتى تصل إلى قدر الدَّين أو تزيد. ثم إنه من المقرر فقهًا أن النهي إذا ورد عاما ثم جاء نهي في بعض أفراد هذا العام لا يكون ثمة تعارض حتى يخصص العام، بل أقصاه أن بعض أفراد العام ورد فيه النهي مرتين، فله فضل تأكيد، وكذلك الأمر، كما في قوله تعالى: (حَافظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى. . .).
المسلك الثاني من مسالك التشكيك أنهم قالوا: إن الربا المحرم هو ما قصد فيه المقترض أن يستدين للاستهلاك لَا للاستغلال؛ فمن يقترض لشراء حاجات لازمة لنفسه أو أهله لَا يصح أن يؤخذ منه زيادة نظير الأجل، ومن اقترض ليوسع تجارته، أو ليصلح زراعته، فهو مستغل بما اقترض، فالزيادة لَا تكون ربا، بل هي مشاركة في الربح.
ذلك قولهم بأفواههم، والله يقول الحق، وهو يهدي السبيل. وإنه ينقض ذلك الزعم أمران:
أحدهما: عموم النص القرآني، فهو عام في كل قرض قد جر زيادة فوق رأس المال، بدليل (وَإِن تبْتمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ. . .). وثانيهما: أن الذين كانوا يقرضون تجارًا، وكان ربا الجاهلية في مكة التي اشتهرت بالتجارة، وكان تجارها ينقلون بضائع الروم إلى الفرس والفرس إلى الروم، وكانت أمن والشام فيهما الجلب والعرض، كما قال تعالى: (لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢)، فشيوع الربا في ذلك الجو التجاري يدل على أنه كان ثمة ربا استغلال، وأن ربا الاستهلاك والاستغلال كلاهما حرام.
ولا يصح أن يسمى ربا الاستغلال مشاركة في الربح؛ لأن أصول المشاركة أن يكون ثمة شركة في المغنم والمغرم معا، لَا أن تكون الشركة في المغنم دون المغرم.