سبيل الله يقيم التعاون بين الجماعة والآحاد على أساس من الفضيلة، والبر والتقوى، ثم الربا يوجد قلق المرابي، والصدقة توجد اطمئنانًا وقرارًا.
فالربا والإنفاق في سبيل الله نقيضان لَا يجتمعان؛ ولذا جعلهما متقابلين تقابل الأضداد، في قوله تعالى: (وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ ومَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ).
وقد ابتدأ سبحانه في بيان حقيقة الربا وحكمه ببيان أثره في نفس المرابي، ليعلم كل إنسان أن أثره شر في نفس صاحبه، وأن أول من يناله الضرر هو المرابي نفسه، فهو بمقدار ما يكثر من مال يكثر من الهموم؛ ولذا قال سبحانه: (الَّذِينَ يَأْكلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ) فهذه الجملة السامية تصوير لحال المرابي، واضطراب نفسه، وقلقه في حياته، فالله يمثل المرابي في قلقه المستمر وانزعاجه الدائم بحال الشخص الذي أصيب بجنون واضطراب، فهو يتخبط في أموره وفي أحواله، وهو في قلق مستمر.
ومعنى التخبط الضرب في غير استواء؛ ولذا قيل في المثل: خبط عشواء. والمعنى على هذا أن الذين يأكلون الربا، ويتخذونه سبيلًا من سبل الكسب هم في حال لا يقرون فيها ولا يطمئنون، فلا يقومون ولا يتحركون إلا وهمُّ المال قد استولى على نفوسهم، والخوف عليه من الضياع مع الحرص الشديد قد أوجد قلقا نفسيا دائما في عامة أحوالهم، فهم كالمتخبط بسبب ما مسَّه الشيطان.
وإن تشبيه حال المرابين بحال المجنون الذي مسه الشيطان فيه إشارة إلى أن الشيطان قد يمسُّ نفس الإنسان فيصيبه. وقد أنكر ذلك الزمخشري في تفسيره، وخرج الآية الكريمة على غير المعنى الذي يفيد هذا فقال في الكشاف في هذا التعبير الكريم: وتخبط الشيطان من زعمات العرب، فورد على ما كانوا يعتقدون، والمس الجنون، ورجل ممسوس، وهذا أيضا من زعماتهم وأن الجني يمسه فيختلط عقله،
стр. 1297
وكذلك جُنَّ الرجل معناه ضربته الجن، ورأيتهم لهم في الجنِّ قصص وأخبار وعجائب، وإنكار ذلك عندهم كإنكار المشاهدات.
وإن هذا الكلام يفيد بفحواه أن العرب يزعمون صلة بين الجنون والجن، وأنه من مسِّ شياطين الجنِّ، وأن القرآن ورد التعبير فيه على مثل ما كانوا يعبرون، وإن لم يكن ذلك حقيقة مقررة في الإسلام عند الزمخشري.
ولكن وردت أحاديث تفيد أن الشيطان يمس الإنسان، ويكون لمسِّه أثر في فكره وعقله، فهل نترك ظواهر هذه الأحاديث مثل قوله ﷺ فيما رواه النسائي: " اللهم إني أعوذ بك من التردي والهدم والغرق والحريق، وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت، وأعوذ بك أن أموت في سبيلك مدبرًا، وأعوذ بك أن أموت لديغًا " (١).
وفى الحق إن البحوث الروحية التي يجريها العلماء الآن في أوربا أثبتت أن الشياطين من الجن تخبط نفس الإنسان أو تمسها فيكون الجنون، وأن تلك العبارات التي كانت تجري على ألسنة العرب حقائق ثابتة الآن، فلا يسوغ لنا أن نؤول القرآن الكريم بغير ظاهره، لإنكار لَا دليل عليه.
وإن ظاهر الآية الكريمة يفيد أن هذا التمثيل هو لبيان حالهم في الدنيا، فهو تصوير لاضطرابهم وقلقهم وتخبطهم في حياتهم، وإن بدوا منظمين فهو تنظيم مادي، ومعه القلق النفسي، والانزعاج المستمر.
هذا هو ظاهر الآية، وبه قال بعض المفسرين، ولكن قال الزمخشري ومعه الكثيرون: إن ذلك التخبط من أكلة الربا هو يوم القيامة، فقال في الكشاف: " المعنى أنهم يقومون يوم القيامة مخبلين كالمصروعين، تلك سيماهم يعرفون بها عند أهل الموقف، وقيل الذين يخرجون من الأجداث يوفضون إلا أكلة الربا، ينهضون
стр. 1298
ويسقطون كالمصروعين؛ لأنهم أكلوا الربا فأرباه الله في بطونهم حتى أثقلهم فلا يقدرون على الإيفاض ". ونرى من هذا أن الكشاف يقصر تلك الحال التي صورها التمثيل على الآخرة. وإني أرى أنه يصور حالهم في الدنيا والآخرة؛ فهم في الدنيا في قلق مستمر، وفي الآخرة تثقلهم سيئاتهم فيتخبطون، وكأنهم المصروعون.
ولا عجب في أن تكون تلك حالهم في الدنيا، فالربويون أكثر الناس تعرضًا للأزمات القلبية، كما يعرَضون الجماعات للأزمات الاقتصادية؛ ولقد قرر الأطباء أن نسبة ضغط الدم، وتصلب الشرايين، والشلل والذبحة الصدرية عند الربويين أضعافها عند غيرهم، وما علمت ربويا مات إلا سبقه الشلل أو أخواته قبل أن يجيء إليه الموت ليستقبل نار جهنم؛ وذلك لأنهم (لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّدي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ) والله أصدق القائلين.
والربا معناه واضح يفهمه العامة وهو الزيادة في الذين في نظير الأجل، ولكن الذين يحاولون تطويع الشريعة لتكون أمةً ذليلة للاقتصاد الربوي عقدوا معنى الربا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، ولذلك وجب أن نتكلم بإيجاز في معنى هذه الكلمة.
أصل الربا من " ربا " يربو بمعنى " زاد "، أو " نما "، ثم أطلقت كلمة ربا على ذلك النوع من التداين، وهو أن يزيد المدين في الدَّين في نظير الزيادة في الأجل، وقد صار إطلاق كلمة الربا على هذا المعنى حقيقة لغوية، أو هو عرف لغوي، وهذا هو الربا المذكور في قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذينِ آمُوا لَا تَأْكلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضاعَفَةً. . .) وقوله تعالى: (ومَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ. . .)، وقوله ﷺ " ألا إن ربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أبدأ به ربا عمي العباس بن عبد المطلب " (١) وهذا الربا يسمى ربا النسيئة؛ ولقد ورد في
стр. 1299
الأثر (إنما الربا النسيئة) (١) ولم يشك أحد من الفقهاء في أن هذا محرم، فتحريمه ثابت بالنص القرآني، والحديث النبوي، والإجماع الفقهي؛ ولقد سئل الإمام أحمد عن الربا المحرم قطعًا، فقال ﵁: أن تزيد في الدين في نظير الزيادة في الأجل.
وهناك نوع سمي الربا في الشرع الإسلامي، لَا في الحقيقة اللغوية، وهو ربا العقود، الثابت بقوله ﷺ : " الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح مثلًا بمثل، يدًا بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى، والآخذ والمعطي فيه سواء " (٢).
وهذا النوع من الربا لم يكن معروفًا في الجاهلية، بل هو حقيقة إسلامية وردت في مقام النهي؛ ولذا يقسم الجصاص الربا قسمين: ربا غير اصطلاحي، وهو ربا الجاهلية عرفته اللغة، ولا مجال للريب فيه؛ وربا اصطلاحي، وهو الربا الذي جاء الإسلام بتحريمه.
ومع وضوح معنى الربا الجاهلي ذلك الوضوح، وهو الذي جاء بتحريمه القرآن الكريم، وجدنا ناسًا يحاولون أن يشككوا الناس في حقيقته، ليحلوا بذلك التشكيك ربا الصارف، وقد سلكوا للتشكيك مسلكين:
أولهما: أن قوله تعالى: (يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً. . .)، فهموا منه أو بالأحرى حاولوا أن يفهموا الناس أن الربا المحرم هو ما يكون بمضاعفة الدين، وما دون ذلك حلال، وأهملوا قوله تعالى: (وَإِن تُبْتمْ فَلَكمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ)، مع أن قوله تعالى:
(أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً مهو حال من (الربا) وهو الزيادة، أي لَا تأكلوا تلك الزيادة التي
стр. 1300
تتضاعف عاما بعد عام، فالمضاعفة في الزيادة لَا في أصل الدَّين، وفوق ذلك فالوصف جار مجرى الواقع من تكرار الزيادة حتى تصل إلى قدر الدَّين أو تزيد. ثم إنه من المقرر فقهًا أن النهي إذا ورد عاما ثم جاء نهي في بعض أفراد هذا العام لا يكون ثمة تعارض حتى يخصص العام، بل أقصاه أن بعض أفراد العام ورد فيه النهي مرتين، فله فضل تأكيد، وكذلك الأمر، كما في قوله تعالى: (حَافظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى. . .).
المسلك الثاني من مسالك التشكيك أنهم قالوا: إن الربا المحرم هو ما قصد فيه المقترض أن يستدين للاستهلاك لَا للاستغلال؛ فمن يقترض لشراء حاجات لازمة لنفسه أو أهله لَا يصح أن يؤخذ منه زيادة نظير الأجل، ومن اقترض ليوسع تجارته، أو ليصلح زراعته، فهو مستغل بما اقترض، فالزيادة لَا تكون ربا، بل هي مشاركة في الربح.
ذلك قولهم بأفواههم، والله يقول الحق، وهو يهدي السبيل. وإنه ينقض ذلك الزعم أمران:
أحدهما: عموم النص القرآني، فهو عام في كل قرض قد جر زيادة فوق رأس المال، بدليل (وَإِن تبْتمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ. . .). وثانيهما: أن الذين كانوا يقرضون تجارًا، وكان ربا الجاهلية في مكة التي اشتهرت بالتجارة، وكان تجارها ينقلون بضائع الروم إلى الفرس والفرس إلى الروم، وكانت أمن والشام فيهما الجلب والعرض، كما قال تعالى: (لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢)، فشيوع الربا في ذلك الجو التجاري يدل على أنه كان ثمة ربا استغلال، وأن ربا الاستهلاك والاستغلال كلاهما حرام.
ولا يصح أن يسمى ربا الاستغلال مشاركة في الربح؛ لأن أصول المشاركة أن يكون ثمة شركة في المغنم والمغرم معا، لَا أن تكون الشركة في المغنم دون المغرم.
стр. 1301
هذه حقيقة الربا، وهي واضحة إلا عند الذين يتقبلون تشكيك المشككين وقد كان أهل الجاهلية يسوغون الربا مع إحساسهم الفطري بأنه ليس أمرًا حسنا، وكانوا يسوغونه بعقد المشابهة بينه وبين البيع، ولذا قال الله تعالى فيهم وفي الرد عليهم: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) لقد عقد أولئك المشركون مقايسة بين البيع والربا، فقالوا: إن البيع يماثل الربا، فكما أن كسب البيع حلال، فكسب الربا حلال أيضا، ولا فرق بينهما في نظرهم الكليل، كالذين قالوا مقالتهم في ظل الإسلام، لَا في حكم الجاهلية. ولكن ما الوصف الجامع في نظرهم بين البيع والربا؛ لعلهم نظروا إلى أن البيع قد يكون فيه بيع ما يساوي عشرة بخمسة عشر، فكان كسبه من تلك الزيادة، وهي حلال، فكذلك إعطاء مائة وأخذ عشرين ومائة حلال أيضا؛ وإلى أن من يقترض مالا ليتجر فيه يكسب منه وكسبه حلال بالبيع والشراء، فكذلك يكون الربا بالمشاركة في هذا الكسب؛ وإلى أن البيع بثمن مؤجل أكثر من الثمن العاجل حلال، فكذلك تأجيل الدَّين في نظير زيادة يكون حلالاً، وتكون الزيادة كسبًا طيبًا.
ذلك قولهم، وقد ردَّ الله قولهم بقوله: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) فهذه الجملة السامية رد من الله لقولهم، وعلى ذلك جمهور المفسرين، ويؤيده قوله تعالى: (فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ من رَّبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ).
ومرمى الرد الحكيم، أن طالب الحق من عند الله يجب عليه أن يتلقى حكم الله من غير محاولة تشكيك ولا اعتراض، والله قد حرم الربا وأحل البيع، فحق على كل امرئ يؤمن بالله أن يذعن لحكم الله، من غير تململ ولا اعتراض؛ وإنه نظام الله الذي ارتضاه، ولم يرتض سبحانه سواه، وإن هذا الكلام جدير بأن يخاطب الذين يحاولون التخلص من النهي عن الربا بالتفرقة بين الاستدانة للاستهلاك، والاستدانة للاستغلال.
وإن التفرقة بين البيع والربا واضحة، فإن البيع موضوعه عين مغلة أو منتفع بها مع بقاء عينها، أو يجري عليها الغلاء والرخص، فكان من المعقول أن يجري
стр. 1302
فيها الكسب أما الدَّين فموضوعه نقد لَا يغل بنفسه، ولا ينتفع من عينه، ولا يجري عليه الغلاء والرخص؛ لأنه ميزان لقيم الأشياء، فلا تتغير قيمته في الأمة، وإن اختلفت قوة الشراء به، فالتفرقة بين البيع والربا ثابتة، ولكن الله يعلمنا الأدب في تلقى أحكامه، فلا يصح أن نقايس أمام أمر الله ونهيه، لتناقض عموم أمر الله ونهيه، وكل تفكير فيه معارضة لأوامر الله أو لنهيه فهو رد على صاحبه.
ولقد كان مقتضى القياس الظاهري أن يقاس الربا على البيع فيقال: إنما الربا مثل البيع، لَا أن يقاس البيع على الربا فيقال: (إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْل الرِّبَا) ولكن جاء سياق القول على ذلك النحو؛ للإشارة إلى أن أولئك يؤمنون بالربا أشد الإيمان، حتى إنهم ليجعلونه أصلًا في التشبيه، فيشبهون البيع به، وكأن حلَّه أصل، والبيع فرع. ولقد ذكر ابن كثير أنهم بقولهم هذا إنما يعترضون على الله في تحريمه، فاقتضى ذلك أن يكون أصلًا، وكأن مرادهم أن يقولوا: إن البيع يشبه الربا تماما، فما دام الإسلام قد حكم بتحريم الربا، فكان ينبغي أن يحكم بتحريم البيع؛ ولذلك رد ذلك عليهم بقوله: (وَأَحَلَّ اللَّهَ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) وما كان لهم أن يعترضوا على أحكام ربهم، وهو العليم بكل أمورهم، الخبير بالصالح لهم، وينبغي أن يتلقوا أوامره ونواهيه بالإذعان الكامل؛ ولذا قال بعد ذلك: (فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَة مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ).
الموعظة: اسم لما يأمر الله زاجرًا للناس إن خالفوا، مبينًا لهم أن المصلحة في اتباعه، ضاربًا لهم الأمثال على أن فيه مصلحتهم في معادهم ومعاشهم؛ والمعنى: من جاءه الأمر من الله أو النهي عنه فعليه اتباعه والتفكير فيه والاتعاظ به، بالبحث عن حكمته، لَا أن يعترض عليه، ويجعل الشريعة تبعًا لهواه، ويخالف قول الرسول ﷺ : " لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به " (١) بأن يخضع الشريعة لأهواء الناس. وإن انتهى من جاءته موعظة
стр. 1303
الله فله ما سلف من أمره، أي لَا يعاقبه سبحانه على ما سلف من أمره قبل وجود الأمر والنهي فالإسلام يَجُبُّ ما قبله، وقانونه لَا يطبق على الماضي قبله، فما أكله المرابي من قبل تحريم الربا فلا عقاب عليه وهو ملك له، وليس له أي حق ربوي بعد التحريم، وليس كذلك من أكل الربا بعد التحريم فإنه لَا تَجُبُّه توبة حتى يعطي المال لصاحبه، لأنه أكل لمال الناس بالباطل، وقد أكل بعد النص على التحريم، فإن لم يعرف له صاحب فإن عليه أن يتصدق به، ولعل الله يقبل توبته.
ولقد قال الله سبحانه: (وَأَمْرهُ إِلَى اللَّهِ) أي أمر المرابي الذي رابى قبل التحريم إلى ربه، وهو العفو الغفور الرحيم؛ وفي هذا إشارة إلى أن ما يحرمه الشارع الإسلامي لَا يكون مباحًا قبل التحريم بل يكون في مرتبة العفو من الله سبحانه، وأمره إلمِه تعالت حكمته.
هذا شأن من انتهى، أما من عاد إلى الحرم بعد تحريمه، فقد بينه سبحانه بقوله: (وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ).
أي ومن عاد إلى حكم الجاهلية بعد إذ بين سبحانه حكم الإسلام فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون. وفي هذا التعبير الكريم إشارات بيانية إلى عدة معان، منها:
أولا: تأكيد العقاب النازل بهم بالتعبير بـ " أولئك " التي تدل على البعيد، فإنهم بعيدون عن رحمة الله تعالى، والتعبير بالجملة الاسمية، وفيه فضل توكيد؛ وتأكيد القول بـ " هم "؛ والتعبير بـ " أصحاب "، فإنه يدل على ملازمة العقاب. وثانيا: أنه سبحانه قال (فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ) ولم يقل فعقابهم، للإشارة إلى الملازمة بين الجريمة والعقاب، وإلى أن العقاب ثمرتها.
وثالثًا: الإشارة إلى أن المعاند لإرادة الله ، والمستحل لما حرم الله تعالى إذ يحكم بالحل وقد حكم سبحانه بالتحريم كافر؛ ولذا حكم الله سبحانه بأنه خالد في النار، ولا يخلد في النار مؤمن.
стр. 1304
(يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ... (٢٧٦) المحق النقص والذهاب، ومنه محاق القمر: أي انتقاصه في الرؤية شيئًا فشيئًا حتى لَا يُرى، فكأنه زال وذهب؛ والله يمحق الربا في الدنيا والآخرة؛ ففي الآخرة عقاب أليم، وعذاب مقيم، وفي الدنيا ينقص ماله، كما قال ﷺ : [" الرِّبَا وَإِنْ كَثُرَ، فَإِنَّ عَاقِبَتَهُ تَصِيرُ إِلَى قُلٍّ "] (١) أو تمحى من المال البركة، بحيث لَا يمكن الانتفاع به، إما لهمٍّ دائم وقلق مستمر، وإما لمرض يصيبه فيكون المال الكثير مع عدم القدرة على الانتفاع به، كمن عنده طعام شهي ولكنه لَا يستطيع أن يتناوله؛ لأنه يكون وبالاً عليه؛ وإما لمقت الناس له، فيفقد تعاونهم، وفي ذلك شر عليه، والربوي لَا يمكن أن يخلو في الدنيا من واحد من هذه الأمور، فكان الربا ممحوقًا دائما.
هذه نتيجة الربا، أما الصدقات فإن الله يربيها وينميها، إما بالكسب الوفير، وإما بفضل التعاون وبالهدوء والاطمئنان، ثم بالنعيم المقيم يوم القيامة؛ كما قال ﵊: " إن صدقة أحدكم لتقع في يد الله فيربيها كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله، حتى يجيء يوم القيامة، وإن اللقمة لعلى قدر أحُد " (٢).
والصدقة ليس المراد منها مجرد العطاء، بل تشمل كل نفع عام أو خاص لا يقصد به المؤمن المنفعة الشخصية التي تنبع من الهوى، وعلى ذلك يكون القرض الحسن الذي يقصد به التعاون على الاستغلال من الصدقة أيضا، وهو من خير الصدقات أيضا، وهو من خير الصدقات التي يربيها الله في الدنيا والآخرة.
(وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ) هذا تهديد لمن استحلوا الربا، أو ارتكبوه، وقد ذُكروا في ذلك الكلام العام للإشارة إلى أن المرابين يسترون الحق، ويعوقون عن الخير؛ إذ معنى " كفَّار " من كفر بمعنى سترَ وأخفى وجحد، فهي صيغة مبالغة لكافر؛
стр. 1305
ومعنى أثيم معوق مبطئ عن الخير (١)، فالذين يرابون ويأكلون أموال الناس بالباطل يدخلون في عموم قوله تعالى: (كُلَّ كُفَّارٍ أَثِيمٍ) وقد جمع بين الوصفين للإشارة إلى أن إيمان المرابين ناقص إن لم يستحلوه، وهم كفار إن استحلوه؛ وهم في الحالين آثمون معاقبون، ولكل حال مقدارها من الإثم، فليس إثم من جحد بآيات الله كإثم من نقص إيمانه بترك العمل بها، فذلك كافر، وهذا فاسق، وفرق ما بين الأمرين عظيم. ويصح أن نقول: إن الكافر هو الكفَّار بنعمة الله والتمادي في كفرانها، بأن يتخذ ما أنعم الله به عليه من نعم كالمال، في الإيذاء لا في النفع، فيأكل أموال الناس بالباطل بسبب ما أعطاه الله من مال، وإن ذلك توجيه حسن، وهو في هذا المقام مناسب.
ونفي حب الله تعالى بحرمان الآثمين من رضاه؛ إذ إن محبة الله تعالى شأن من شئونه، ومن مظهره الرضا، ومن حرم من رضا الله فقد حرم خير الدنيا والآخرة، وإلى الله عاقبة الأمور.
* * *
(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩) وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠) وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)
* * *
стр. 1306
بيَّن الله في الآية السابقة الجرم العظيم الذي يقع فيه آكل الربا، والأثر الذي ينال نفوسهم وعقولهم من مغبة إثمهم، والعذاب الأليم الذي يرتقبهم يوم القيامة، ثم بيَّن سبحانه بعد ذلك جزاء الصالحين الذين لَا يأكلون الربا، والذين يستبدلون بأكل أموال الناس بالباطل الزكاة يؤدونها، والفرائض يقيمونها، وحق الله والناس في أنفسهم وأموالهم يأتون به على الوجه الأكمل، وبعد بيان تلك المرتبة العالية لأهل الإيمان، ذكر الطريق لتوبة أكلة الربا، والمسلك الذي يسلكونه ليرتفعوا إلى مرتبة الطاهرين، وعاقبة السوء إن استمروا في غيِّهم يعمهون. ابتدأ سبحانه ببيان الأطهار في مالهم وأنفسهم فقال سبحانه:
стр. 1307
(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ) ذكر سبحانه ذلك الصنف الفاضل الذي جعله الله تعالى من صفوة عباده، فوصفه بأربع صفات، هي: الإيمان. . والعمل الصالح. . وإقامة الصلاة. . وإيتاء الزكاة. أما الوصف الأول فهو الإيمان، فهو نور القلب به يشرف وبه يهتدي، وإذا قوي الإيمان تطهرت النفس من كل أدران الهوى ومقاصد السوء. وذكر القرآن الإيمان في أول أوصاف الأبرار لثلاثة أمور:
أولها: إن الإيمان بالله ورسوله إذا استغرق النفس، واستولى على القلب وُجد الإخلاص للناس وطلب الحق، فاتجه الإنسان بكل جوارحه إليه؛ والإخلاص هو النور الذي يهتدي به الإنسان ويحميه من كل حيرة.
وثانيها: إن الإيمان الذي هو الوصف الثابت للمؤمنين هو والربا نقيضان لا يجتمعان؛ فما من شخص يأكل الربا أو يبيحه إلا كان منشأ ذلك نقصًا في إيمانه، واضطرابا في يقينه، إذ يكون إيمانه بالمال أكثر من إيمانه بالله.
وثالثها: إن الإيمان يتضمن معنى الإذعان للحق، ومن ادعى الإيمان ولم يذعن للحق، فقد جافى حقيقته.
من أجل هذه المعاني صُدِّرت أوصاف الذين لَا يأكلون الربا بوصف الإيمان.
стр. 1308
والوصف الثاني من أوصاف الذين لَا يأكلون الربا: هو العمل الصالح، والعمل الصالح هو كل عمل فيه خير للمجتمع الذي يعيش فيه المؤمن، يبتدئ فيه بالأسرة: الأقرب فالأقرب، ثم بالجيران: الأدنى فالأدنى، ثم بالعشيرة كلها، ثم بقومه، ثم بأمته.
وإن اقتران الإيمان دائما بالعمل الصالح يدل على أن الإسلام يدعو إلى العمل الإيجابي للخير، فليس الإيمان في الإسلام مجرد نزاهة روحية، وتعبد في الصوامع، إنما الإيمان مظهره عمل إيجابي فيه نفع للناس؛ فالإسلام يدعو إلى العمل الإيجابي، لَا مجرد التقديس السلبي.
وإذا كان العمل الصالح هو النفع العام والنفع الخاص، فإنه يفترق عن الصلاة والزكاة، من حيث إن هذه هي الفرائض الوقتية المنظمة للعلاقات بين العبد وربه، وبين العبد والناس، أما العمل الصالح فهو الحال الدائمة للمؤمن التي لا تتقيد بزمان ولا مكان، ولا حال، فكما أن الإيمان حال دائمة، فالعمل الصالح أي النفع الدائم المستمر للإنسان هو الذي ينبغي أن يكون حالا دائمة مستمرة للمؤمن.
وذكر هذا الوصف في مقابل أكل الربا فيه إشارة إلى التقابل بين الشر والخير، والإثم والبر، فإن الإثم إيذاء للناس ومن ذلك الربا، وأخلاق المؤمن العمل النافع الدائم للناس، وهو الخير وهو البر.
والوصف الثالث: إقامة الصلاة، أي الإتيان بها مقومة غير معوجة بحيث يستذكر فيها المصلى ربه، ولا يسهو فيها عن ذكره سبحانه، وما ذكرت الصلاة في مقام المدح للمصلين إلا ذكرت بالإقامة، لأن إقامتها هي التي تهذب النفس، وتبعدها عن الفواحش والمنكرات، كما قال تعالى: (إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ. . .).
وإنَّ ذكر الصلاة بجوار العمل الصالح فيه إشارة إلى أن الإسلام يلتقى فيه وصفان جليلان: التهذيب الروحي، والنزاهة النفسية التي تكون بالصلاة والمداومة
стр. 1309
على إقامتها، والعمل النافع المستمر وجلب الخير للناس، ففيه نزاهة الروح والنفع العام.
والوصف الرابع من أوصاف المؤمنين إيتاء الزكاة، والزكاة هي الفريضة الاجتماعية التي فرضها الله ، وبها يأخذ ولي الأمر من مال الغني ما يسد به حاجة الفقير، فهي قدر معلوم قدره الشارع الحكيم، بحيث يأخذه من مال الغني قسرًا أو اختيارًا، وذكر الله في هذه الجملة أولئك الذين يؤتون الزكاة طواعية واختيارًا، فهم يعطونها محتسبين النية معتقدين أن الزكاة مغنم لهم ومطهرة لأموالهم، وليست مغرمًا لهم، ولا منقصة لأموالهم. وقد أشار النبي ﷺ إلى أن المسلمين بخير ما حسبوا الزكاة مغنمًا، ولم يحسبوها مغرمًا، ولقد قال تعالى: (خُذْ مِنْ أَموَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِيهِم بِهَا. . .).
وذكرت الزكاة في هذا المقام؛ لأنها مقابلة للربا كما بينا في الآية السابقة، وقد تلونا فيما سبق قول الله تعالى: (وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩).
(لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) هذا جزاء الذين يؤمنون، ويعملون العمل الصالح في سبيل النفع، ويطهرون نفوسهم بالصلاة، ويطهرون أموالهم بالزكاة، وقد ذكر لهم أنواعا ثلاثة من الجزاء. أولها: الأجر، وهو عوض ما قاموا به من خير، واعتبر إنعامه عليهم بأضعاف ما صنعوا أجرًا وعوضًا وهو المنعم المتفضل، حثا على فعل الخير، وتعليم الناس الشكر، ومقابلة الخير بالخير.
والثاني من أنواع الجزاء: الأمن وعدم الخوف، فلا مزعج يزعج فاعل الخير، إذ إنه بالعمل للنفع العام، وتطهير النفس، وإعطاء الفقير حقه المعلوم قد وقى نفسه ووقى مجتمعه من ذرائع الفتن ونوازع الشر، هذا في الدنيا؛ أما في الآخرة، فالأمن من عذاب الله تعالى.
стр. 1310
والجزاء الثالث: أنهم لَا يحزنون، وذلك لأنهم باستقامة قلوبهم، وامتلائها بالإيمان وتهذيب أرواحهم وأدائهم ما عليهم من واجب في حق أنفسهم ومجتمعهم - قد حصنوا أنفسهم من أسباب الهم والغم، فلا يأسون على ما يفوتهم، ولا يجزعون لما يصيبهم، لأن نفوسهم روحانية تعلو عن متنازع الأهواء التي تملأ النفس بأسباب الهم والغمِّ.
وإن ذكر هذه الأحوال في مقام مقابل لحال الربويين الذين لَا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المسِّ - له مغزاه ومعناه، إذ فيه بيان للنعيم في مقابل الجحيم، وللراحة والاطمئنان، في مقابل الجزع والاضطراب، وكل امرئ بما كسب رهين.
* * *
стр. 1311
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨)
* * *
في هذه الآية الكريمة يبين طريق التوبة من الربا، والخروج من مآثمه، ويحث على هذه التوبة بإثبات أنها من مقتضيات الإيمان، وأول طرق التوبة لن خوطبوا بالقرآن أول نزوله، أن يتركوا ما بقي من الربا، فما كسبوه قبل الخطاب بالتحريم فإنه في مرتبة العفو، أما ما يجيء من بعد ذلك ولو كان بعقد سابق فإنه حرام، ولذا خاطبهم بقوله: (يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) وفي ذلك نهي عن أخذ ما استحق بالعقود السابقة. وقد تأكد النهي بثلاثة مؤكدات:
أولها: تصدير النداء (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) فإن ذلك التصدير لبيان أن ترك الربا من شأن الإيمان ومقتضياته، فليس من خلق أهل الإيمان بالله ورسوله وكتابه وما اشتمل عليه من أخلاق سامية ومبادئ اجتماعية عالية، أن يأكلوا الربا وأن يتعاملوا به، لأنه ضد تهذيب النفس وسمو الروح، إذ هو شَرَهٌ مادي وكسب بغير الطريق الطبعي، ولأنه يقوض بنيان الاجتماع، ويجعل كل واحد من آحاده ينظر إلى الآخر نظر القنيصة التي يقتنصها والفريسة التي يفترسها، فتنقطع الأوصال، وينتثر العقد الجامع.
стр. 1312
ثانيها: قوله تعالى: (اتَّقُوا اللَّهَ) فهذا النص يفيد أن من مقتضيات التقوى اجتناب الربا، لأن التقوى معناها أن يجعل المؤمن بينه وبين الآثام وقاية، وأن يجعل بينه وبين غضب الله تعالى وقاية، وأن يجعل بينه وبين إيذاء الناس وقاية. والربا ضد هذا كله، لأنه يعرض المرء للمآثم، فإنه بمجرد أن يعجز المدين عن الوفاء - وذلك كثير - تتوالى المطالبة المصحوبة بالأذى والترصد المستمر حتى قصبح عيشة المدين ضنكًا، وقد يبخع نفسه تخلصًا من تلك المآثم المتوالية المستمرة.
ثالثها: أنه سبحانه جعل ترك الربا شرطا للاستمرار على الإيمان، فقال في ختام الآية الكريمة: (إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) أي إن كنتم مستمرين على حكم الإيمان، مذعنين لأحكام الديان.
وهنا بحثان أحدهما لغوي، والآخر موضوعي:
أما البحث اللغوي فهو في معنى كلمة " ذَرُوا " فإن معناها اتركوا. وقد قال النحويون: إن ماضي " ذروا " ومصدرها قد أماتهما العرب كالشأن في دع ويدع، وقد قال في ذلك الراغب الأصفهاني: " يقال في ذلك فلان يذر الشيء أي يقذفه لقلة اعتداده به، ولم يستعمل ماضيه؛ وهذا الكلام يدل على أن الماضي قد مات، وعلى أن " يذر " لَا تستعمل في مطلق الترك، بل تطلق على الترك الذي يصحبه عدم اعتداد بالمتروك، فكأن معنى (وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا) اتركوه غير معتدين به، بل اتركوه مهملين له، لأنه أذى في ذاته.
والزمخشري يقرر ذلك في أساس البلاغة ولكنه يقرر أن المصدر هو الذي مات، وليس الماضي، ولذا قال في أساس البلاغة: (ذره واحذره، والعرب أماتت المصدر منه، فيقولون: ذر تركًا، وإذا قيل لهم ذروه قالوا وذرناه). وهذا معنى جديد أتى به الإمام الزمخشري في معنى ذره، لأنه يدل على ترك الشيء مع الحذر منه، فكأن معنى (وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ): اتركوه غير معتدين به حذرين من أن تنالوا منه شيئًا فإنه إثم كله.
стр. 1313
هذا هو البحث اللغوي الذي يظهر لنا بعض ما في النص الكريم من دقة وإحكام وإشارات بينة محكمة.
أما البحث الموضوعي، فهو (مَا بَقِيَ) الذي أوجب الله تركه في قوله: (وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا) ما المراد منه: أهو الجزء الباقي من الربا الواجب التنفيذ بمقتضى العقد؛ وهل الجزء الذي تسلموه من قبل مباح أو في موضع العفو؟ قال العلماء ذلك؛ أي أن الآية خاصة بالذين كانوا يتعاملون بالربا، ولهم عقود ربوية قد قبضوا بعضها، فإن لهم ما سلف، أما الباقي فليس لهم أن يقبضوه، وإن كان بعقود ربوية عقدت قبل التحريم. ويزكي هذا المعنى قوله تعالى من قبل: (فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ من رَّبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ. . .).
ولقد روي في سبب نزول هذه الآية أنه كان بين قوم من ثقيف، وبني المغيرة من بني مخزوم عقود ربًا في الجاهلية، فلما جاء الإسلام وحرم الربا ودخلت ثقيف في الإسلام طالبوا بني مخروم بالربا الذي تعاقدوا عليه من قبل، فقال أولئك؛ لا نؤدي الربا في الإسلام بكسب الإسلام، فكتب في ذلك عتاب بن أسيد نائب مكة إلى رسول الله ﷺ ، فنزلت هذه الآية (١).
وترى من هذا أن ما أخذ قبل التحريم فأمره إلى الله تعالى، وما كان بعد التحريم لَا يحل، ولو كان العقد قبله، ولذلك كانت الأحكام الإسلامية واجبة التطبيق على العقود التي تعقد قبل الإسلام إذا كانت مستمرة التنفيذ بعده وأحكامها تشتمل على أمر منهي عنه في الإسلام.
هذا حكم الله، ومن امتنع عن تنفيذه فإنه يحاد الله ورسوله، ولذا قال تعالى بعد ذلك:
стр. 1314
(فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ... (٢٧٩) أي فإن لم تفعلوا وأخذتم ما بقي من الربا فأنتم معاندون لله ولرسوله، وأنتم في حرب معهما، ومن حارب الله فإن الله غالبه، وهو مهزوم لَا محالة، وإن الله سيعاقبه على عظيم ما ارتكب.
وهنا عدة كلمات فيها إشارات بيانية تبين عظيم ما يتعرض له من يعاند الله ورسوله، ويخالف أحكامه التي يقررها الله تعالى لتنظيم المجتمع الإسلامي، وتبين أيضًا عظيم عمل من يحترم أحكام الله تعالى:
أولى هذه الكلمات: إن الله تعالى يقول: (فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوأ أي لم تتركوا ما بقى من الربا؛ فعبر عن الترك هنا بالفعل، فلم يقل: فإن لم تتركوا، بل قال: (فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا) وذلك لأن الذين يتركون ما بقي من عقود عقدوها، يقاومون رغباتهم ويقاومون أهواءهم وشهواتهم، فهذه المقاومة، وذلك الكف فعل نفسي جليل يحرِّضهم عليه، ويدعوهم إليه، فإن فعلوه كان لهم الثواب المقيم والرضا الكريم، وإن لم يفعلوا فقد أعلنوا الحرب على الله ورسوله. والكلمة الثانية: أن الله يقول للذين لَا يتركون ما حرم الله من ربا (فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ) أي فاعلموا بأنكم في حرب؛ وذلك لأن أذن هنا بمعنى علم، وفي قراءة " فآذنوا " بحرب. ويقول الزمخشري في هذه القراءة إن معناها " فأعلموا بها غيركم " وعلى ذلك يكون آذنوا بالحرب معناها الإعلام بها، وأما أذنوا بحرب فمعناها العلم بها؛ ولكن الراغب الأصفهاني يقول: " إن الإذن بالحرب والإيذان بها بمعنى واحد "، ولماذا عبر عن معاندتهم لله وحربهم لشريعته بقوله: (فَأذَنُوا بِحَرْبٍ) ولم يقل فأنتم في حرب؛ للإشارة إلى أن الجهالة توهمهم أنهم ليسوا بخارجين عن إرادة الله تعالى إن طالبوا بأحكام العقود التي عقدوها من قبل، فالله أعلمهم بأنهم في أخطر مخالفة وأشد معاندة.
والكلمة الثالثة: إنه تعالى قال في الحرب: (فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِه) ولم يقل في حرب الله ورسوله، وقد بين السر في ذلك الزمخشري في الكشاف بقوله: " كان هذا أبلغ؛ لأن المعنى فأذنوا بنوع من الحرب عظيم من عند الله
стр. 1315
ورسوله " أي أن في هذا التعبير الكريم تهويلا لشأن هذه الحرب من ناحيتين: ناحية التنكير، فهي حرب هائلة لم يدركوا كنهها، والناحية الثانية ناحية التصريح بإضافتها إلى الله ورسوله، فهي حرب معهما، والنتيجة في هذا مؤكدة محتومة.
وهذه الحرب أهي مجازية، أم حقيقية؟ يبدو بادي الرأي أنها مجازية من حيث إن كل معاندة لله ولرسوله عن عمد وبسبق إصرار، فيها معاندة لأحكامه سبحانه، ومصادمة لأوامره ونواهيه، وكل مصادمة لأوامر الله تعالى ونواهيه نوع من الحرب والمحادة له سبحانه.
ولكن بعض المفسرين يقول: إن ذلك كان إيذانًا فعلًا بالحرب؛ كما حارب أبو بكر أهل الردة عندما منعوا الزكاة، وزكّوا ذلك بأن النبي ﷺ عندما بلغه صنيع ثقيف من مطالبتهم بربا كان ثمرة لعقود عقدوها من قبل، قد آذنهم بحرب، وكتب إلى عتاب بن أسيد والي مكة من قبله يقول له: " إن رضوا وإلا فآذنهم بحرب " (١)
أي أنه ﷺ اعتبرهم مرتدين يقاتلون باستمرارهم على أكل الربا؛ وذلك لأنه ﵊ عندما صالح ثقيفًا بعد حرب كان مما نص عليه في هذا الصلح أن ما لهم من ربا على الناس، وما كان للناس عليهم من ربا موضوع.
وما أجدر بعض الذين يتكلمون في هذا اليوم مستحلين الفوائد على أنها ليست من الربا أن يعتبروا ببني ثقيف وبني مخروم!! فإن أولئك كانوا يأخذون من الثقفيين ليتجروا، وليربوا، فوضع الله الربا الجاهلي كله، واعتبر المطالبة بما بقي حربا لله ولرسوله. . ألا فليمتنع هؤلاء عن قولهم حتى لَا يخاطبوا بقول الله: (فَأذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ).
(وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ) أي أن من يقع في الربا وأراد أن يتوب إلى الله ويرجع إليه، فليعلم أنه ليس له أن يأخذ بعد تحريم الربا إلا رأس المال. وإن الاقتصار على رأس المال لَا يكون فيه ظلم للدائن، لأنه
стр. 1316
وصل إليه مثل ما أعطى وليس له وراء ذلك حق، ولا ظلم فيه على المدين لأن أداء الحق لَا ظلم فيه، وإن امتنع عن إعطاء رأس المال كان ظالمًا، ما دام يمتنع عن قدرة، لأن النبي ﷺ قال: " مطل الغني ظلم " (١).
وفى النص الكريم إشارة إلى أمرين:
أحدهما: أن من يعطي الربا ليس له إلا رأس المال، وأن الزيادة أكل لمال الناس بالباطل أيا كانت هذه الزيادة قليلة كانت أو كثيرة، فلا عبرة بالمقدار مهما يكن ضئيلا، ولا عبرة بالدين أيا كان نوعه. والتعبير عن أصل الدين برأس المال نص في أن الربا يكون إذا كان الدين قد اتخذ أصلا للاتجار والكسب؛ أي أن الدين الذي يؤخذ للاستغلال الربا فيه حرام، وبالأولى الدين الذي يؤخذ للاستهلاك واختيار ذلك اللفظ بالذات يومئ إلى أن الربا كان يتخذ سبيلا للاستغلال. والتعبير بـ " رأس " أيضًا يحسم الخلاف، لأنه لو عبر بالدين فربما يدعي الربوي أن الدين هو الأصل والزيادة معًا.
ثانيهما: الذي يدل عليه النص الكريم: أن طريق التوبة دائمًا أن ينقي التائب ماله من كل مال خبيث، فكل زيادة عليه ترد إلى أصحابها، وإلا يتصدق بها.
* * *
стр. 1317
(وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ ... (٢٨٠)
* * *
أي إن كان المدين غير قادر على الأداء لعسرة ملازمة له كملازمة الصاحب لصاحبه فانتظار إلى وقت يتيسر فيه، فلا يزيد عليه ليرهقه، فيعجز عن الوفاء، بل ينتظر حتى يجيء الوقت الذي يستطيع الأداء وهنا بعض عبارات فيها إشارات بيانية جديرة بالتنبيه:
أولها: التعبير بذو عسرة في قوله (وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ) أي كان صاحب عسرة وضيق شديد يلازمه كملازمة الصاحب، لأن كلمة ذو تدل على المصاحبة؛
стр. 1318
وفرض أن بعض المدينين ذو عسرة يدل على أن مدينين آخرين يستطيعون الوفاء، ومنهم الذين يقترضون للاستغلال.
ثانيها: قوله تعالى: (فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ) معناها: فالحكم أو الأمر انتظار إلى ميسرة، وهناك قراءة أخرى، وهي (فنَاظِرُهُ إِلَى مَيْسَرَة) أي فمنتظره إلى ميسرة.
ثالثها: قوله (إِلَى مَيْسَرَةٍ) فالميسرة بفتح السين وضمها كمَقبَرة ومقبُرة: هي حال اليسر، فليست الميسرة هي مجرد اليسار، بل هي اليسار المستقر الثابت الذي يتمكن فيه المدين من وفاء دينه كله مقدما القوي على الضعيف، أي أن الدائن ينتظر المدين حتى يقف من عثرة العسرة ويستقيم أمره، لَا أن يترقب أي مال حتى يأخذه كما يأخذ الصائد قنيصته.
(وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْر لَّكمْ إِن كُنتمْ تَعْلَمُونَ) أي أنه إذا ثبت العجز وتقرر، وأصبح احتمال اليسار غير قريب فتصدقوا بالدين على صاحبه وأبرئوه منه؛ فإن ذلك يكون خيرًا لكم في الدنيا والآخرة؛ أما في الدنيا فلأنكم إذا فقدتم الأمل في الاستيفاء فكل جهد في سبيله ضائع، وكل تعقب في سبيله يورث الإحن من غير جدوى؛ ويثير الأحقاد المستمرة من غير فائدة، فيكون من الخير العفو والإبراء، والإبقاء على الأخوة، والعلاقات الاجتماعية، وأما في الآخرة فالنعيم المقيم.
وهذا الجزء من النص الكريم فيه إشعار للدائنين بأنه إذا ذهب دينهم بالتَّوى (١)
وعجز المدين عن الوفاء فلا تذهب أنفسهم حسرات، وليعلموا أن التصدق أجدى إن كانوا يعلمون. وذكر سبحانه هذه الجملة السامية: (إِن كنتُمْ تَعْلَمُونَ) لأن غمرة الألم لفقد الدين قد تنسيهم ما ينبغي في مثل هذه الحال فنبههم إلى ما ينبغي ليكونوا في حال وعي نفسي دائم، ولا ينسيهم المال الحال والآل.
* * *
стр. 1319
(وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)
* * *
ترقبوا وخافوا يومًا يردكم الله إليه فلا تملكون من أموركم شيئا فيه؛ فإذا ملكتم المال في الدنيا، ففي هذا اليوم لَا تملكون شيئا، وإذا ملكتم المنح والمنع اليوم ففي اليوم الآخر لَا تملكون شيئا. وفي هذا اليوم (تُوَفَّى كلُّ نَفْسٍ ما كسَبَتْ) أي جزاء ما كسبت إن خيرًا فخير، وإن شرا فشر، وكأن ما توفاه عين ما كسبت للمماثلة بين الجزاء والعمل (وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) أي لَا ينقصون شيئا من ثواب ما عملوا، ولا يعاقبون على ما لم يعملوا.
وتمت آيات الربا بهذه الآية ترغيبًا وترهيبًا، ترغيبا في القرض الحسن، وترهيبًا من أكل الربا.
ومن الحق علينا أن نختم الكلام في هذه الآيات بكلمات ننقلها عن الأستاذ الإمام محمد عبده، لقد قال ﵀:
" يقول كثير من الذين تعلموا وتربوا تربية عصرية، وأخذوا الشهادات من المدارس، ومن هو أكبر من هؤلاء: إن المسلمين مُنوا بالفقر وذهبت أموالهم إلى أيدي الأجانب، وفقدوا الثروة والقوة بسبب تحريم الربا، فإنهم لاحتياجهم للأموال يأخذونها بالربا من الأجانب، ومن كان غنيا منهم لَا يعطي بالربا، فمال الفقير يذهب، ومال الغني لَا ينمو. . وهذه أوهام لم تُقل عن اختبار؛ فإن المسلمين في هذه الأيام لَا يُحكمُون الدين في شيء من أعمالهم ومكاسبهم ولو حكموه في هذه المسألة ما استدانوا بالربا وجعلوا أموالهم غنائم لغيرهم، فإن سلمنا أنهم تركوا أكل الربا لأجل الدِّين فهل يقول المشتبهون إنهم تركوا الصناعة والتجارة والزراعة لأجل الدِّين ".
هذه كلمة الأستاذ الإمام الذي تجنَّى عليه المنحرفون، وقالوا عليه ما لم يقل، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
* * *
стр. 1320
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢)
* * *
وجه المناسبة بين هذه الآية وما قبلها أن الآيات كلها موضوعها المال، فالآيات الأولى كانت في بيان الحقوق المتعلقة بالمال، وهي الإنفاق في سبيل الله، وإعطاء السائل والمحروم؛ وآيات الربا كانت في الحدود المحرمة التي لَا يصح لصاحب المال أن يرتع فيها، وهي أكل أموال الناس بالباطل؛ وهذه الآية في بيان حق صاحب المال
стр. 1321
إن خرج من يده، وهو الاستيثاق من الوفاء، وذلك بكتابة الدين والإشهاد عليه، ويشمل الإشهاد على المعاملات المالية ذات الأثر الباقي بين المتعاملين.
وثمة مناسبة خاصة بين هذه الآية وآيات الربا؛ فإن الربا استغلال آثم غير حلال ويؤدي إلى الأكل لأموال الناس بالباطل؛ إذ إنه كسب لَا يتعرض للخسارة، فهو غنم لَا غرم فيه، بل لَا تعرض فيه للغرم؛ وفي آية الديون إشارة إلى طريق كسب حلال؛ فإن من الديون ما يكون سَلَمًا وهو أن يبيع شخص لآخر شيئًا غير حاضر، ولكنه معرف بجنسه ونوعه ووصفه، ويكون التسليم مؤجلا إلى أجل معلوم على أن يقبض البائع الثمن معجلا فيكون البائع مدينًا بذلك المبيع المعرف بالأوصاف، فقد ثبت دينًا في الذمة؛ وإن هذا السلم باب حلال من أبواب الاستغلال، فدافع النقود ينتفع لأنه سينتفع من فرق السعر بين العقد وبين التسليم، وفى غالب الأحوال يكون علو السعر متوقعًا، وينتفع البائع من أخذ الثمن يستغله في أي باب من أبواب الاستغلال؛ فالدافع ينتفع مع التعرض للخسارة. وهذا هو الفرق بين الربا والسلم في المعنى.
وثمة وجه خاص للمناسبة بين هذه الآية وآخر آية الربا؛ فإن آخر آية الربا (وَإِن كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ) وقد بين طريق الاستيثاق من وفاء الدين وعدم جحوده، وهو كتابته والإشهاد عليه، وإن الدين المؤجل يحتاج دائمًا إلى الاستيثاق من الوفاء.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مسَمًّى فَاكْتُبُوهُ) التداين معناه: التعامل بالدين، أي أن يستدين بعضهم من بعض على نية الجزاء. والدَّين يطلق على المال الثابت في الذمة الذي يكون معرفًا بالجنس والوصف والنوع، فهو يشمل اقتراض النقود، واقتراض المثليات بشكل عام، كما يشمل الدَّين الذي يكون مبيعًا في باب السلم؛ بل روي عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في سَلَم أهل المدينة.
ولقد يرد سؤال: لماذا صرح بقوله (بِدَيْنٍ) مع أن (تَدَايَنتُم) لَا يتحقق معناها إلا في الديون؟
стр. 1322
ولقد أجيب عن ذلك بجوابين:
أحدهما: بأن معنى تداينتم هو تعاملتم، والتعامل يكون بالدين وغيره، فلما ذكرت كلمة (بِدَيْنٍ) كانت صريحة في أن التعامل كان بالدين. وعندي أن استعمال تداين بمعنى تعامل هو توسع، وإن التفسير الخاص لها هو أن التداين معناه التعامل بالدين، لَا مطلق تعامل.
والجواب الثاني: هو ما أجاب به الزمخشري في الكشاف بقوله: (ذكر الدين ليرجع الضمير إليه في قوله: (فاكتبوه) إذ لو لم يذكر لوجب أن يقال فاكتبوا الدين فلم يكن النظم بذلك الحسن، ولأنه أبين لتنويع الدين إلى مؤجل وحالّ). ومقتضى هذا الكلام أنه صرح بالدين لأنه موضوع القول لَا مجرد التعامل به؛ وإن هذا التخريج أوجه من قول غيره إن ذكره لمجرد التأكيد، مثل قوله تعالى: (وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ ... ).
وعبر بـ تداينتم بدل استدنتم، أو أدنتم، لأن تداينتم تعم الفريقين: الدائن والمدين، فكلاهما متداين؛ ذلك بالعطاء، وهذا بالأخذ. أما استدنتم فإنها تطلق على المدين فقط، والثانية تطلق على الدائن، والمطالبة بالكتابة موجهة إلى الدائن والمدين معًا، فالكتابة ليست حقا للدائن، بل هي واجب عليه، وإن كان الذي يتولاها هو المدين.
ووصف الأجل بالمسمى، للإشارة إلى وجوب إعلام الأجل، فيذكر الشهر الفلاني، أو إلى وقت الحصاد، ونحو ذلك مما يكون معرفًا تعريفًا يمنع من الجهالة.
والدين يشمل دين القرض، ويشمل أثمان المبيعات إذا كانت مؤجلة، ويشمل المبيع في السَلم إذا كان الثمن معجلا والمبيع مؤجلا ومعرفا بالوصف والنوع والجنس؛ فكل هذه ديون مؤجلة إلى آجال مسماة، على خلاف في القرض، فإن الحنفية والشافعية قالوا: إنه لَا يصح أن يسمى له أجل، وذلك لأن القرض تبرع، والأجل شرط، والشروط لَا تلزم في عقود التبرعات، ولأن القرض عارية، ولا ينقلب مضمونًا إلا باستهلاكه على رأى البعض، ولذلك يقول فقهاء هذين المذهبين:
стр. 1323
عارية الدراهم والدنانير قرض ويقول القانونيون في مثل هذا إنه عارية استهلاك، أي عارية لَا ينتفع بالعين فيها إلا باستهلاكها والتصرف فيها.
وقال المالكية وأكثر الحنابلة: إنه يصح الأجل في القرض وتجب تسميته وتعريفه، لنص هذه الآية، إذ هو دين داخل في عموم الدين في الآية الكريمة، ولأن القرض لَا فائدة فيه للمدين إلا إذا كان مؤجلا، فكانت المصلحة في أن يعين الأجل ويتفق عليه بينهما دفعا للمشاحة، ومنعًا للنزاع وإن ذلك الرأي هو الأظهر وهو الذي يشمله عموم النص، وهو الأقرب إلى عرف الناس، والمصلحة فيه.
والأمر بالكتابة هنا أهو للطلب الملزم الذي لَا محيص للمكلف عنه، أم للإرشاد أو الندب؟ قال جمهور العلماء: إنه للندب؛ وذلك لأن النبي ﷺ ما ألزم الدائنين بكتابة ديونهم، ولا المدينين بأن يكتبوها، لأن النبي ﷺ قال: " إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب " (١) ولأن الله قال بعد ذلك: (فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانتَهُ. . .)، وإن ذلك بلا ريب تسويغ لعدم الكتابة، والاعتماد على مجرد الأمانة، فإنه مع الكتابة لَا ائتمان، أو لَا اعتماد على الأمانة.
وقال الظاهرية: إن الأمر هنا للوجوب، ومن لم يفعل كان آثمًا، ذلك لأن الأصل في الأمر أنه للوجوب، ولا يخرج عن الوجوب إلى غيره إلا بدليل من النصوص، ولم يوجد الدليل؛ ولأن طلب الكتابة تأكد بطرق عدة؛ منها النص على الكتابة في الصغير والكبير من الديون بقوله تعالى: (وَلا تَسْأَمُوا أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ) ومنها النص على أنه الأقسط والأقوم للشهادة، والأدنى للمنع من الارتياب؛ ومنها التعميم واستثناء صورة واحدة، وهي حال التجارة الدائرة بين التجار، وقصر نفي الإثم عليها دون غيرها، فإنه إذا كان نفي الإثم مقصورًا على هذه الحال فمعنى ذلك أن الإثم ثابت في غيرها، وإن الائتمان لَا يتنافى مع الكتابة،
стр. 1324
بل إنه مع الكتابة الائتمان قائم، على أن قوله تعالى: (فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ. . .)، سيق في حال السفر عند تعذر الكتابة.
هذا وإن تصدير الآية الكريمة بالنداء (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنوا) يشير إلى أمرين:
أحدهما: أنه ليس من مقتضى الإيمان أن تلزموا المساجد والصوامع، بل إن الإيمان أن تهذبوا نفوسكم، وترهفوا وجدانكم وتشعروا بمراقبة ربكم، لتكون دنياكم فاضلة، ويكون تعاملكم، وإدارة المال بينكم على نهج ديني فاضل، فالمال ليس طلبه ممنوعا، بل إنه من طريقه الحلال مشروع ومطلوب.
الأمر الثاني: أن الإسلام ليست أوامره مقصورة على العبادات، بل جاء لتنظيم المعاملات، بل إن العبادات فيه طريق لإصلاح التعامل الإنساني؛ وكذلك كل الأديان السماوية، فإنه من الجهل الادعاء بأن الأديان جاءت لتنظيم العلاقة بين العبد والرب فقط، ولا تتدخل في العلاقة بين الإنسان والإنسان.
(وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ) في النص السابق أمر بالكتابة وحث عليها، وفى هذا النص يبين الكاتب، فبين أن الذي يكتب شخص يجيد الكتابة، وعنده فقهها وعلمها، بأن يكون على علم بشروط العقود وتوثيقها، وما يكون من الشروط سائغا في الشرع وما يكون غير سائغ؛ وقيَّد كتابته بأن تكون بالعدل بألا يزيد ولا ينقص في الدين الذي يكتبه، ولا يقيد أحد العاقدين بشروط شديدة، ويحل الآخر من كل القيود والشروط، بل يكون مراعيًا العدل في كتابة أصل الدين، ومراعيًا العدل في الالتزامات بين الفريقين، ثم إن العدل يتقاضى مع هذين أيضًا أن يكون الكاتب خبيرًا بمعاملات الناس، وما يقع بينهم، وما يمكن تنفيذه من الشروط وما لا يمكن.
وهكذا فالكاتب الذي يتولى ميزان العدل بين العاقدين يمنعهما من الشطط، ويمنعهما من التجانف لإثم. وقد ذكر في النص السامي بوصف " كاتب " للدلالة على مهارته في الكتابة، وكونها له كالملكة.
стр. 1325
(وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ) هذا نهي لمن كان قادرًا على الكتابة من أن يمتنع عن الكتابة، فلا يصح لمن يحسن الكتابة من حيث جودة الخط واستبانته، ومن حيث العلم بفقه العقود، والقدرة على تحقيق العدالة بين العاقدين في وثيقة العقد؛ لَا يصح له أن يمتنع عن الكتابة إذا دعي إليها وإنه ليأثم إن تعين للكتابة ولم يوجد موثوق به فيها سواه، وامتنع عن الكتابة، ولقد قال الفقهاء: إن الكتابة فرض كفاية بمعنى أنه إذا امتنع كُتَّاب أهل قرية عن الكتابة أثموا، بل إنه يجب على أهل كل قرية أن يخصصوا ناسًا لكتابة الوثائق فيها.
وإنه على هذا يجب أن تعمل الدولة على تهيئة ناس لتوثيق العقود وكتابتها.
وإن الكتابة لطلابها من التعاون على البر والتقوى، فهي صناعة، وهي علم، وواجب على الصانع أن يُعِين من لَا يحسن، فقد قال ﷺ : " إن من الصدقة أن تعين صانعًا، أو تصنع لأخرق " (١) والامتناع عن الكتابة ككتمان العلم، وقد قال ﷺ : " من كتم علمًا يعلمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار " (٢).
وقوله تعالى: (كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ) فيه بحثان لغويان:
أولهما: في التشبيه بالكاف في قوله: (كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ) ما المعنى الذي يفيده؟ ذكر الزمخشري أن معناه إما أن يكون تشبيها بين علم الكتابة والواجب على الكاتب، أي أنه كما أن الله علمه الكتابة ويسَّرها له، وجعله أهل خبرة، عليه واجب المعاونة بالكتابة لغيره، فالتشبيه تشبيه بين نعمة الكتابة، والواجب المتعلق بها، فما من نعمة إلا تتولد عنها واجبات مساوية لها، فنعمة الكتابة يقابلها ويشابهها ويماثلها واجب معاونة غيره بها، وهو بقدرها، ويأثم عند الترك بمقدار علمه.
هذا أحد وجهي التشبيه، أما الوجه الآخر، فهو أن التماثل بين ما يكتب على القرطاس وما آتاه الله الكاتب من فقه وعلم بالعقود والالتزامات؛ والمعنى على
стр. 1326
ذلك: لتكن كتابة وثيقة الدين على مقتضى العلم والفقه الذي فقَّه الله به الكاتب، أي تكون الكتابة على مقتضى أحكام الشرع، فلا تكون فيها شروط ليست في كتاب الله، أو لَا يسوغها الشرع، أو لَا يمكن تنفيذها.
الأمر الثاني: إن قوله: (كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ) ما مُتعلقه؟ أهو متعلق بـ " يكتب " الأولى، أو " فليكتب " الثانية؟ يجوز الأمران، وعلى الأول يكون المعنى: لَا يمتنع أن يكتب كما علمه الله؛ ثم أكد المعنى بعد ذلك بتكرار الأمر بالكتابة، فقال سبحانه: (فَلْيَكْتُبْ)؛ وعلى الثاني وهو أن يتعلق بقوله (فَلْيَكْتبْ) يكون المعنى: لَا يأب كاتب أن يكتب؛ فهذا نهي عن الامتناع؛ ثم قال ذلك في كيفية الكتابة (كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ) أي لتكن على قدر علمه وفقهه، ومساوية في روحها لنعمة العلم بها.
(وَلْيمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْة شَيْئًا) في الجمل السامية السابقة بيان طلب الكتابة والكاتب، وفي هذه الجملة بيان من يتولى الإملاء؛ فقال سبحانه: (وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ) أي ليُمْلِ على الكاتب الذي عليه الدين ويلتزم بأدائه، وذلك ليكون إملاؤه إقرارًا بالدين وبالحقوق التي يجب عليه الوفاء بها.
والإملال معناه الإملاء، وهما لغتان في الإملاء. وقال بعض اللغويين: إن الأصل هو الإملال، وعلى أي حال قد وردت اللغتان في القرآن، فقد قال تعالى: (اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا).
وإذا كانت تبعة الإملاء قد وضعت في عنق من عليه الحق فإن عليه عند الإملاء واجبين: تقوى الله، وعدم البخس؛ ولذا قال تعالى: (وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ) أي لَا ينقص (مِنْهُ شَيْئًا) وقد وثق سبحانه الأمر بالتقوى بأن جعل التقوى من الله، وهو رب كل شيء ورب من عليه الحق، أي عليه عند الإملاء أن يراقب الله ﷻ الواحد القهار الغالب على كل شيء المسيطر على كل شيء الذي يغلب ولا يغلب، فلا يتلاعب بالعبارات حتى لَا يذهب بحق صاحب الحق؛ ثم
стр. 1327
ليعلم أن الذي عليه أن يتقيه هو ربه الذي ذرأه ورباه ونماه، ووهب له المواهب التي توجب الشكر، ولا تسوغ التلاعب بالحقوق.
وإذا كان لَا يسوغ أن يتلاعب بالعبارات فلا يسوغ أن ينقص من الدين أو يزيد في الأجل، أو يضع شروطا في مصلحته وليست في مصلحة الدائن، فإن ذلك وغيره بخس لحق صاحب الحق.
(فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ) في هذه الجملةَ السامية بيان الحكم إذا كان من عليه الحق لَا يحسن الإملاء، وقد أظهر في موضع الإضمار فلم يقل تعالت كلماته: (فإن كان سفيها) وإنما أظهر للتوضيح؛ ولأن الذي عليه الحق المبين الفاهم المتكلم القادر وهو المذكور أولا، غير الذي عليه الحق السفيه أو الضعيف أو الذي لَا يستطيع.
وقد ذكر سبحانه في هذا النص ثلاثة لَا يحسنون الإملاء، وهم: أولا: السفيه، وهو الجاهل بالعقود والتصرفات، أو الذي لَا رأي له، أو المبذر المتلاف الذي لَا يحسن تدبير أموره وإدارة أمواله؛ وكل هذه معانٍ تدور حول الجهل بالعقود، أو فساد الرأي في التصرفات.
وثانيا: الضعيف وهو الصبي والشيخ الهرم.
ثالثا: من لَا يستطيع، وهو معقود اللسان، أو من لَا خبرة له بهذه العقود.
والولي: هو النصير الموالي ذو الصلة بمن عليه الحق الذي يهمه أمره، ويهمه ألا يضيع حقه، سواء أكان النصير وليا بالمعنى الشرعي، أو قيما أقامه القاضي المختص، أم كان وكيلا أقامه صاحب الشأن معبرًا عن إرادته مصورًا لما يعتزم عليه.
وذكرت كلمة العدل في هذا المقام، للإشارة إلى أن ذلك الولي عليه العدل، ويجب أن يلاحظه من ثلاث نواح: من ناحية صاحب الحق، فلا يبخسه ولا ينقصه، ومن ناحية من عليه الحق الذي يتكلم باسمه ويملي عنه، فعليه ألا يمالئ
стр. 1328
الطرف الثاني في أمره، ومن ناحية الشرع فلا يذكر شرطًا أو التزامًا يخالف الشرع الشريف.
(وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ) احتاط الشارع الحكيم للديون المؤجلة، فأمر بكتابتها، ولم يكتف بذلك، بل أمر بالإشهاد عليها حتى لا تتعرض للضياع، ودعا المتداينين إلى أن يطلبوا شهودًا عدولا يشهدون عند كتابة الدين، توثيقا للدين وتوثيقا للكتابة، ولذا قال تعالى: (وَاسْتَشْهِدُوا) أي اطلبوا وابحثوا وتحروا، فالسين والتاء للطلب. (شَهِيدَينِ) أي شاهدين عدلين؛ لأن " شهيد " صيغة مبالغة من شاهد، والمبالغة في معنى الشهادة تحري معنى العدالة فيها، وأسباب المعاينة، وأن يكون التحمل على وجه التعيين والجزم، فالتعبير بشهيد دون شاهد إشارة إلى ضرورة العدالة وقوة الضبط وقوة الصدق والمروءة فيهما. (مِن رِّجَالِكمْ) خرج به شهادة النساء من غير حضور الرجال، وشهادة غير المسلمين.
وقال بعض المفسرين: إنه خرج به أيضا شهادة العبيد؛ لأن (مِن رِّجَالِكُمْ) أي من أحراركم، وبنوا على ذلك بطلان شهادة العبيد من المسلمين، وهو قول الجمهور؛ وخالف في ذلك الإمام أحمد بن حنبل وقرر أن شهادة العبيد من المسلمين، جائزة تلزم القضاء، وإنما نميل إلى ذلك الرأي من بين آراء الفقهاء، فإذا كان الموالي تقبل روايتهم عن رسول الله ﷺ ، فكيف لَا تقبل شهادتهم في أمور الناس؟
ولأن (مِن رِّجَالِكُمْ) يدخل في عمومها العبيد؛ لأن الخطاب للمؤمنين، وهم من الرجال المؤمنين، وإخراجهم يقتضي إخراجهم من الخطاب بـ يَا أيُّهَا الذين آمنوا، فكيف يخرجهم مفسر من ذلك الخطاب؟
(فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ) في هذا بيان لشهادة النساء مع الرجال، وهو أنه إذا لم يكن رجلان يشهدان، يقوم مقامهما رجل وامرأتان؛ والمعنى: فإن لم يكن الشاهدان رجلين فرجل وامرأتان يشهدان. واشترط فيهما ما هو الشرط في كل شهادة، وهو أن يكونوا (مِمَن تَرْضَوْنَ مِنَ الشّهَدَاءِ) أي
стр. 1329
من الذين يرتضى قولهم ويقبل، أي من العدول الذين يمارسون الشهادة ويقولون الحق، ويقيمونها على وجهها الحق، ويشهدون ولو على أنفسهم أو الوالدين والأقربين. والتعبير بقوله: (مِمَّن تَرْضَوْنَ) أدق في الدلالة على صدق الشهادة من العدالة؛ لأنَّ العدل قد يكون مرضيًا في دينه وخلقه ولكنه ممن يتأثرون بالمشاهد المؤثرة، فتخونهم ذاكرتهم في وقت الحاجة إليها، وقد يكون في الناس ذوو مروءات يمنعهم جاههم ومقامهم في الناس من أن يكذبوا، وإن كان منهم بعض العاصي.
(أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى) هذا بيان العلة في أن المرأتين تقومان مقام الرجل؛ فالمعنى كانت المرأتان بدل رجل لتوقع أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى؛ فإن المرأة لقوة عاطفتها، وشدة انفعال نفسها بالحوادث، قد تتوهم ما لم تر، وهذا هو الضلال؛ فهو نسيان مع اعتقاد غير الواقع، أو ظن غير الواقع، وهذا النوع من الضلال يكثر في النساء والأطفال؛ فالحوادث تفعل في نفوس هؤلاء ما يجعلهم يتخيلون ما لم يقع واقعيا؛ ولهذا الضلال كان لابد أن يكون مع المرأة أخرى بحيث يتذاكران الحق فيما بينهما، وليس من المعقول أن يتحد الضلال؛ ولذلك كان من المقررات الفقهية أن الرجال تسمع شهاداتهم على انفراد بحيث يسمع كل شاهد منفردًا من غير أن يسمعه الآخرون من الشهود؛ أما المرأتان فتسمعان معًا، لتتذاكرا إن كان ضلال من إحداهما أو منهما بحيث تذكِّر كل واحدة الأخرى بما غاب عنها متوهمة سواه.
وهنا سؤال وهو: لماذا أظهر في موضع الإضمار، فقال سبحانه: (أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى) ولم يقل فتذكرها الأخرى؟ والجواب عن ذلك فيما يبدو لي: أن إحداهما معناها واحدة منهما فالمعنى فيه: أن تضل واحدة منهما؛ فتذكر كل واحدة تضل الأخرى، فهما يتبادلان الخطأ ويتبادلان التذكير، فكان في إظهار المضمر إشارة إلى هذا المعنى، وإشارة إلى أنهما معًا فيهما شهادة رجل متذكر غير ناس، إذ إن التصريح بـ (إِحْدَاهُمَا) ثانية تصريح بأن إحداهما والأخرى شهادة لا نسيان فيها، فهي شهادة رجل متذكر.
стр. 1330
(وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا) أي لَا يأب الذين اشتهروا بالعدالة ووثق الناس بهم واطمأنوا إليهم عن الشهادة إذا دعوا إليها، سواء أكانت الدعوة للحضور وتحمل الشهادة كالشهادة في التوثيق بالكتابة، أم كانت الدعوة لأداء الشهادة عند الإنكار في مجالس القضاء، وإن هذا يدل على أن الشهادة إذا تعين الشاهد فرض أداؤها، وهذا تطبيق لقوله تعالى: (وَلا تَكْتمُوا الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ. . .).
وقال بعض العلماء: إن أداء الشهادة عند الدعوة واجب، ولكن ليست إجابة الدعوة إلى تحمل الشهادة بحضور الكتابة ونحوها فرضًا.
(وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ) أي لَا تملوا من كتاب الدين إلى أجله بأن تحدُّوه وتبينوا أجله، سواء أكان الدين كبيرًا أم كان الدين صغيرًا، فلا يذهب بكم احتقار الصغر إلى إهماله وعدم كتابته؛ لأن الصغر والكبر لَا حدود لهما، فقد يكون صغيرًا في نظر غني مليء، ويكون كبيرا خطيرا عند غيره؛ ولأن إهمال الصغير يؤدي إلى جحوده، وعندئذ تذهب الثقة، وإذا ذهبت ساد التناحر والتنازع؛ ولأن التهاون في الصغير قد يؤدي إلى التهاون في الكبير؛ وإن التشديد في كتابة الصغير والكبير يدل على أن الأمر بالكتابة للوجوب كما بينا.
(ذَلِكمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا) الإشارة هنا إلى كل ما ذكر من الأمر بالكتابة، والنهي عن الامتناع عنها، والأمر بالاستشهاد، والنهي عن الامتناع عن الشهادة، والأمر بكتابة الصغير والكبير؛ وإن هذه الجملة السامية فيها تعليل للتشديد في الأوامر السابقة، وقد تعللت هذه الأوامر والوصايا بثلاثة أمور: أولها: أنها أقسط عند الله، أي أنها أعدل في ذاتها، لأنها أعدل عند الله تعالى، وكل ما يكون أعدل في علم الله تعالى فهو الأعدل في ذاته، وكانت الأعدل في ذاتها؛ لأنها حماية لنفس المدين من الجحود، وحماية لحق الدائن من الضياع، فهي حماية للفريقين.
والأمر الثاني: أنها (أَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ) أي أن الكتابة والشهادة على الكتابة أشد تقويمًا للشهادة والإتيان بها مقومة عادلة ثابتة لَا زيف فيها ولا اضطراب؛ والمراد
стр. 1331
بالشهادة الإثبات، أي أن الكتابة والإشهاد عليها أقوم طريق للإثبات والحكم. وقد فهم بعض العلماء من هذا أنه يجوز أن يستعين الشاهد بما كتب وقت المعاينة عند تحمل الشهادة.
والأمر الثالث: أنها (أَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا) أي الأوامر السابقة والوصايا إذا نفذت على وجهها أقرب إلى ألا يكون ريبا وتظننا في التعامل، والريب والتظنن ونحوهما يفقد الثقة، وإذا فقدت الثقة بين المتعاملين فسد التعامل، وانحلت عرى التضافر الاجتماعي، والتعاون الإسلامي، والاقتصادي.
(إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا) التجارة الحاضرة التي تدور بين التجار، هي التي يجري فيها التقابض في المجالس، أو التي يتأخر فيها الأداء ساعة أو بعض يوم أو نحو ذلك، ووصفت بأنها تدور، لأن هذا يعطي وذاك يأخذ، وقد يطلب هذا بضاعة ويدفع ثمنا مرة، ثم يعطي بضاعة أحيانا، وسميت حاضرة، لأن المبيع والثمن كلاهما حاضر؛ فهذا النوع من التعامل ليس هناك جناح أو إثم في ألَّا يكتب؛ وإن الاستثناء على هذا يكون استثناءً منقطعا؛ لأنه إذا كانت التجارة حاضرة بمعنى أن الثمن والمبيع كلاهما حاضر مهيأ للدفع، وإن تأخر أحدهما قليلا من الزمن لَا يعد تأجيلا، فإنه ليس ثمة دين داخل فلا أمر بالكتابة حتى يكون الاستثناء منه، فـ " إلا " هنا بمعنى " لكن ". وفي نفي الجناح والإثم إشارة إلى أمرين: أولهما - أن الأولى الكتابة، وثانيهما - أن غير ذلك يأثم فيه من لَا يكتب؛ فالكتابة واجبة في غير موضع الاستثناء، لأن الامتناع عن موضع الإثم واجب.
(وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ) هذه وصية جديدة من وصايا التعامل، وهو الإشهاد على البيع. وقد قرر الظاهرية أن الإشهاد على البيع واجب بحيث لو لم يُشهد المتبايعان على البيع يأثمان، وإن كان البيع يقع صحيحًا، وذلك لأن الظاهرية قرروا أن الأمر للوجوب حتى يوجد دليل يمنع الوجوب، ولم يوجد عندهم الدليل. وقال الجمهور: إن الإشهاد في البيع غير واجب، وإنما هذا إرشاد وتعليم مجرد؛ وذلك
стр. 1332
لأن النبي ﷺ كان يتبايع ولا يشهد، حتى لقد جحد البائع العقد مرة فشهد له خزيمة (١). .
وعندي أن الإشهاد في بيع الأشياء التي تبقى يجب، حتى يعلم الناس انتقال اليد فيه، وانتقال الحوزة، وليمنع الجحود.
(وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ) كلمة " يُضَارَّ " تحتمل أن تكون للفاعل، ويحتمل أن تكون بالبناء للمجهول، والمعنى على الأول نهي الكاتب والشاهد عن أن ينزلا ضررا بأحد المتعاملين، بأن يبخس الكاتب أحدهما، أو يشهد الشاهد بغير الحق " والمعنى على الثاني - وهو الظاهر - لَا يصح أن ينزل ضرر بالكاتب أو الشاهد لحملهما على كتابة غير الحق أو قول غير الحق، فإنهما أمينان، وإضرار الأمناء يحملهم على الخيانة وفي ذلك ضياع للأمانة، وذهاب للثقة؛ ولذا قال تعالى بعد ذلك: (وَإِن تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ) أي إن تفعلوا الضرر بالشاهد والكاتب، وتنزلوا الأذى بهما فإن ذلك يكون فسوقًا بكم، أي معصية وخروجًا عن جادة العدل يحل بكم، وينزل في جماعتكم فتضيع الحقوق، وتذهب الأمانات، وتمحى الثقة في التعامل، ولا يمكن إقامة حق وخفض باطل، فخير الجماعة في حماية الذين يوثقون الحقوق من كاتبين وشاهدين.
(وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهً بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) ختم الله هذه الآية بما يربي المهابة للأوامر العلية والوصايا الإلهية؛ وقد اشتمل ذلك الختام الكريم على ثلاثة أمور:
أولها: تقوى الله، فإنها نور القلب، وهي الشعور بمراقبة الله، وفي ذلك إشارة إلى وجوب مراقبة الله عند التعامل، ونية الأداء، ثانيها: الإشعار بأن هذا تعليم من الله اللطيف الخبير، ليحسن التعامل، ويقوم على أسس من الثقة والاطمئنان ومنع الريب.
стр. 1333
ثالثها: الإشعار بإحاطة علم الله، فما يأمر به هو أمر عليم حكيم يعلم وجه المصلحة، وهو عليم بالضمائر، وهو الذي يتولى السرائر.
* * *
(وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨٣) لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤)
* * *
في الآية السابقة بين وجوب الكتابة، عند من يقول: إن الأمر للوجوب، أو وصى بالكتابة وأرشد إليها، وفي هذه الآية يبين سبحانه حال الترخص من الكتابة، وهي الحال التي لَا تكون الكتابة فيها ممكنة، إذ يكون المتداينان على سفر، ولا يوجد كاتب؛ فإنه في هذه الحال يترخص في عدم الكتابة، ويعوض عن الكتابة والشهادة في الاستيثاق بالرهن، وإن لم يكن رهن فإنه يكون الاعتماد على الأمانة المطلقة حيث تعذر الاستيثاق بالأمور المادية، وهي: الكتابة والشهادة عليها، ثم الرهان المقبوضة، فيقوم مقام هذه الأمور الأمانة والذمة.
стр. 1334
(وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَانِبًا فَرِهَانٌ مقْبُوضَةٌ) الرهان: جمع رهن بمعنى مرهون، فرهن ليس معناها المصدر، بل معناها العين المرهونة، وقرئ (فَرُهُنٌ مقبوضة). وقد خرج بعضهم هذه القراءة على أن (رُهُن) جمع رهان بمعنى رهن.
стр. 1335
وخرجه بعضهم على أنه جمع رَهْن كسقْف وسُقُف، وفَرْشٍ وفُرُش، وحَلْقٍ وحُلُق، وهكذا. وقرئ بدل (وَلَمْ تَجِدوا كَاتِبًا): (ولم تجدوا كتابا).
والمعنى فيما يظهر: إذا كنتم مسافرين ولم تجدوا كاتبا يكتب، أو قرطاسا يكتب فيه، أو لم تتيسر أسباب الكتابة لأي سبب من الأسباب، فإنه يقوم مقام الكتابة رهن يستوثق به في أداء الدين، وإنه لَا يقوم مقام الكتابة فقط بل يقوم أيضًا مقام الشهادة.
وهنا إشارتان بيانيتان ويجب التنبيه عليهما:
أولهما: أن الله يعبر عن المسافر في حال بيان الرخصة التي ترخص له بسبب السفر بقوله تعالى: (عَلَى سَفَرٍ) وقد عبر سبحانه بذلك في حال رخصة الإفطار، ورخصة ترك الكتابة، ورخصة التيمم عند عدم وجود الماء؛ وذلك لأن معنى (عَلَى سَفَرٍ) ي تضمن معنى الركوب، أي راكبين فوق سفر؛ وذلك يشير إلى اضطراب الحال والقلق والانزعاج، فليست الحال حال استقرار، إذ من كان مركبه سفرا وانتقالا مستمرا، فهو غير مستقر ولا مطمئن. وتلك الإشارة تتناسب مع الترخيص في الإفطار، والترخيص في ترك الكتابة، والترخيص في التيمم.
ثانيهما؛ أن في الآية قراءتين متواترتين كما بينا، إحداهما: (وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا) والأخرى (وَلَمْ تَجِدُوا كِتَابًا) وإذا كانت القراءتان متواترتين فكلتاهما قرآن مقروء مفهوم بمعناها، ومجموع القراءتين يؤدي معنى تتضافران في أدائه، وهو أنه في حال السفر يقوم الرهن مقام الكتابة والشهادة إذا لم يوجد كاتب، أو وجد الكاتب ولم يوجد الكتاب، أو أي أداة من أدوات الكتابة.
والفقهاء في ظل هذا النص الكريم يتكلمون في مسائل فقهية، ويقتبسون معانيها من إشاراته وعباراته؛ وإنا نوجز المسائل التي يتكلمون فيها في ثلاث: أولها: إن الذين يقولون: إن الأمر في الكتابة والاستشهاد على الدين للوجوب يقول بعضهم: إن الترخص في الرهن بدل الكتابة والشهادة إنما يكون في