← Тафсир

Тафсир · id 37071

زهرة التفاسير

محمد أبو زهرة

Полный текст (8 373 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

بالشهادة الإثبات، أي أن الكتابة والإشهاد عليها أقوم طريق للإثبات والحكم. وقد فهم بعض العلماء من هذا أنه يجوز أن يستعين الشاهد بما كتب وقت المعاينة عند تحمل الشهادة. والأمر الثالث: أنها (أَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا) أي الأوامر السابقة والوصايا إذا نفذت على وجهها أقرب إلى ألا يكون ريبا وتظننا في التعامل، والريب والتظنن ونحوهما يفقد الثقة، وإذا فقدت الثقة بين المتعاملين فسد التعامل، وانحلت عرى التضافر الاجتماعي، والتعاون الإسلامي، والاقتصادي. (إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا) التجارة الحاضرة التي تدور بين التجار، هي التي يجري فيها التقابض في المجالس، أو التي يتأخر فيها الأداء ساعة أو بعض يوم أو نحو ذلك، ووصفت بأنها تدور، لأن هذا يعطي وذاك يأخذ، وقد يطلب هذا بضاعة ويدفع ثمنا مرة، ثم يعطي بضاعة أحيانا، وسميت حاضرة، لأن المبيع والثمن كلاهما حاضر؛ فهذا النوع من التعامل ليس هناك جناح أو إثم في ألَّا يكتب؛ وإن الاستثناء على هذا يكون استثناءً منقطعا؛ لأنه إذا كانت التجارة حاضرة بمعنى أن الثمن والمبيع كلاهما حاضر مهيأ للدفع، وإن تأخر أحدهما قليلا من الزمن لَا يعد تأجيلا، فإنه ليس ثمة دين داخل فلا أمر بالكتابة حتى يكون الاستثناء منه، فـ " إلا " هنا بمعنى " لكن ". وفي نفي الجناح والإثم إشارة إلى أمرين: أولهما - أن الأولى الكتابة، وثانيهما - أن غير ذلك يأثم فيه من لَا يكتب؛ فالكتابة واجبة في غير موضع الاستثناء، لأن الامتناع عن موضع الإثم واجب. (وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ) هذه وصية جديدة من وصايا التعامل، وهو الإشهاد على البيع. وقد قرر الظاهرية أن الإشهاد على البيع واجب بحيث لو لم يُشهد المتبايعان على البيع يأثمان، وإن كان البيع يقع صحيحًا، وذلك لأن الظاهرية قرروا أن الأمر للوجوب حتى يوجد دليل يمنع الوجوب، ولم يوجد عندهم الدليل. وقال الجمهور: إن الإشهاد في البيع غير واجب، وإنما هذا إرشاد وتعليم مجرد؛ وذلك

стр. 1332

لأن النبي ﷺ كان يتبايع ولا يشهد، حتى لقد جحد البائع العقد مرة فشهد له خزيمة (١). . وعندي أن الإشهاد في بيع الأشياء التي تبقى يجب، حتى يعلم الناس انتقال اليد فيه، وانتقال الحوزة، وليمنع الجحود. (وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ) كلمة " يُضَارَّ " تحتمل أن تكون للفاعل، ويحتمل أن تكون بالبناء للمجهول، والمعنى على الأول نهي الكاتب والشاهد عن أن ينزلا ضررا بأحد المتعاملين، بأن يبخس الكاتب أحدهما، أو يشهد الشاهد بغير الحق " والمعنى على الثاني - وهو الظاهر - لَا يصح أن ينزل ضرر بالكاتب أو الشاهد لحملهما على كتابة غير الحق أو قول غير الحق، فإنهما أمينان، وإضرار الأمناء يحملهم على الخيانة وفي ذلك ضياع للأمانة، وذهاب للثقة؛ ولذا قال تعالى بعد ذلك: (وَإِن تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ) أي إن تفعلوا الضرر بالشاهد والكاتب، وتنزلوا الأذى بهما فإن ذلك يكون فسوقًا بكم، أي معصية وخروجًا عن جادة العدل يحل بكم، وينزل في جماعتكم فتضيع الحقوق، وتذهب الأمانات، وتمحى الثقة في التعامل، ولا يمكن إقامة حق وخفض باطل، فخير الجماعة في حماية الذين يوثقون الحقوق من كاتبين وشاهدين. (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهً بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) ختم الله هذه الآية بما يربي المهابة للأوامر العلية والوصايا الإلهية؛ وقد اشتمل ذلك الختام الكريم على ثلاثة أمور: أولها: تقوى الله، فإنها نور القلب، وهي الشعور بمراقبة الله، وفي ذلك إشارة إلى وجوب مراقبة الله عند التعامل، ونية الأداء، ثانيها: الإشعار بأن هذا تعليم من الله اللطيف الخبير، ليحسن التعامل، ويقوم على أسس من الثقة والاطمئنان ومنع الريب.

стр. 1333

ثالثها: الإشعار بإحاطة علم الله، فما يأمر به هو أمر عليم حكيم يعلم وجه المصلحة، وهو عليم بالضمائر، وهو الذي يتولى السرائر. * * * (وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨٣) لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤) * * * في الآية السابقة بين وجوب الكتابة، عند من يقول: إن الأمر للوجوب، أو وصى بالكتابة وأرشد إليها، وفي هذه الآية يبين سبحانه حال الترخص من الكتابة، وهي الحال التي لَا تكون الكتابة فيها ممكنة، إذ يكون المتداينان على سفر، ولا يوجد كاتب؛ فإنه في هذه الحال يترخص في عدم الكتابة، ويعوض عن الكتابة والشهادة في الاستيثاق بالرهن، وإن لم يكن رهن فإنه يكون الاعتماد على الأمانة المطلقة حيث تعذر الاستيثاق بالأمور المادية، وهي: الكتابة والشهادة عليها، ثم الرهان المقبوضة، فيقوم مقام هذه الأمور الأمانة والذمة.

стр. 1334

(وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَانِبًا فَرِهَانٌ مقْبُوضَةٌ) الرهان: جمع رهن بمعنى مرهون، فرهن ليس معناها المصدر، بل معناها العين المرهونة، وقرئ (فَرُهُنٌ مقبوضة). وقد خرج بعضهم هذه القراءة على أن (رُهُن) جمع رهان بمعنى رهن.

стр. 1335

وخرجه بعضهم على أنه جمع رَهْن كسقْف وسُقُف، وفَرْشٍ وفُرُش، وحَلْقٍ وحُلُق، وهكذا. وقرئ بدل (وَلَمْ تَجِدوا كَاتِبًا): (ولم تجدوا كتابا). والمعنى فيما يظهر: إذا كنتم مسافرين ولم تجدوا كاتبا يكتب، أو قرطاسا يكتب فيه، أو لم تتيسر أسباب الكتابة لأي سبب من الأسباب، فإنه يقوم مقام الكتابة رهن يستوثق به في أداء الدين، وإنه لَا يقوم مقام الكتابة فقط بل يقوم أيضًا مقام الشهادة. وهنا إشارتان بيانيتان ويجب التنبيه عليهما: أولهما: أن الله يعبر عن المسافر في حال بيان الرخصة التي ترخص له بسبب السفر بقوله تعالى: (عَلَى سَفَرٍ) وقد عبر سبحانه بذلك في حال رخصة الإفطار، ورخصة ترك الكتابة، ورخصة التيمم عند عدم وجود الماء؛ وذلك لأن معنى (عَلَى سَفَرٍ) ي تضمن معنى الركوب، أي راكبين فوق سفر؛ وذلك يشير إلى اضطراب الحال والقلق والانزعاج، فليست الحال حال استقرار، إذ من كان مركبه سفرا وانتقالا مستمرا، فهو غير مستقر ولا مطمئن. وتلك الإشارة تتناسب مع الترخيص في الإفطار، والترخيص في ترك الكتابة، والترخيص في التيمم. ثانيهما؛ أن في الآية قراءتين متواترتين كما بينا، إحداهما: (وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا) والأخرى (وَلَمْ تَجِدُوا كِتَابًا) وإذا كانت القراءتان متواترتين فكلتاهما قرآن مقروء مفهوم بمعناها، ومجموع القراءتين يؤدي معنى تتضافران في أدائه، وهو أنه في حال السفر يقوم الرهن مقام الكتابة والشهادة إذا لم يوجد كاتب، أو وجد الكاتب ولم يوجد الكتاب، أو أي أداة من أدوات الكتابة. والفقهاء في ظل هذا النص الكريم يتكلمون في مسائل فقهية، ويقتبسون معانيها من إشاراته وعباراته؛ وإنا نوجز المسائل التي يتكلمون فيها في ثلاث: أولها: إن الذين يقولون: إن الأمر في الكتابة والاستشهاد على الدين للوجوب يقول بعضهم: إن الترخص في الرهن بدل الكتابة والشهادة إنما يكون في

стр. 1336

حال السسفر، وكل حال يتحقق فيها المعنى المسوغ للترخيص في السفر، وهو عدم وجود الكاتب الذي يكتب، أو الأداة التي يكتب بها، أو القرطاس الذي يكتب عليه، ولو كان في حضر لَا في سفر، لأن المعنى وهو تعذر أو تعسر وجود الكاتب أو ما يكتب به يتحقق في هذه الحال كما يتحقق في السفر، ولكن ذكر السفر، لأنه مظنة لذلك التعذر، وهو فيه كثير عند العرب لغلبة الأمية عندهم، أما في الحضر فذلك نادر، وإن وجد فإنه يطبق عليه حكم السفر. وبعض هؤلاء الذين قالوا إن الكتابة واجبة والشهادة عليها مثلها قالوا: إن الترخص مقيد بالسفر، ولا ترخص بغير الكتابة في الحضر. وكأنهم بهذا يرون أن من الضروري أن يكون في كل قرية أو حي كاتب وأدوات كتابة، وأن على أهل هذه القرية أن يهيئوا الأسباب لذلك؛ لأنه فرض كفاية إن تركه الجميع أثموا، وإن قام به بعضهم سقط الحرج عن كلهم. الثانية: أن الرهن يقوم مقام الشهادة والكتابة في الاستيثاق من أداء الدين، ولذلك فإن المعقول أن يكون قريبًا من الدين في قيمته. وقد استنبط مالك ﵁ من هذا أنه إذا اختلف الدائن والمدين في مقدار دين موثق برهن ولم يكن للدائن بينة تثبت مقداره فإنه لَا تُوَجَّه اليمين إلى المدين، بل يُحكَّم الرهن، فما يشهد له الرهن يكون القول قوله، فإن كان مثل ما يقول المدين أو أقل فالقول قول المدين، وإن كان مثل ما يقول الدائن أو أكثر فالقول قول الدائن، وقال أبو حنيفة والشافعي: إن اليمين في كل الأحوال على المدين ما لم تكن بينة للمدعي. وحجة مالك أن الرهن قائم مقام الشهادة والكتابة فهو شهادة وكتابة معا، فما يشهد به يكون الحكم على مقتضاه. الثالثة: قوله تعالى: (فَرِهَانٌ مقْبُوضَةٌ) فقد أخذ بنص الآية الكريمة أبو حنيفة وأصحابه، وقرروا أن الرهن لَا يتم إلا بالقبض فإن لم يكن قبض لَا يتم، فإذا افترق العاقدان من غير قبض فالرهن غير صحيح. وقال مالك ﵁: إن الرهن يتم من غير القبض، ولكن القبض حكم من أحكامه، فمن حق المرتهن وهو الدائن بعد تمام عقد الرهن أن يطالب بقبض العين المرهونة، فالقبض حكم للعقد،

стр. 1337

وليس ركنا من أركانه، ولاشرطا لتمامه. وقال الشافعي: إن الرهن يتم من غير حاجة إلى القبض، وإنما الرهن للاستيثاق من الوفاء بالدين، ووصف " مقبوضة " جرى مجرى العرف، وليس وصفًا له مفهوم يعطي تخلفه غير حكمه، بل يكون الرهن مقبوضًا أو يكون غير مقبوض، وأثره في حال عدم القبض أن يتعلق حق الدائن بالعين بحيث يمنع صاحب العين من التصرف فيها حتى يستوفى الدين، وأنه إذا حل الأجل من غير أن يوفي المدين فإنه تباع العين في سبيل أداء الدين. وكأنه في المذهب الشافعي كما هو في القانون المدني المصري الرهن ينقسم إلى قسمين: رهن حيازة، وهو الذي يتم فيه القبض، ويكون أكثر ما يكون في المنقول؛ ورهن تأميني، وهو الذي يستمر تحت يد المدين، ولكن يؤمن به الدين ويوثق، وهو أكثر ما يكون في العقار. (فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ) هذا تدرج حكيم؛ الكتابة في الديون والإشهاد عليها مطلوبان، فإن تعذرت الكتابة والشهادة فإنه يترخص حينئذ بالرهن المقبوض، ولكن إذا كان طالب الدين ليس عنده رهن يوثق به الدين، وهما في سفر ولا كاتب ولا شهيد أيمتنع القرض ويكون الحرج على المدين، وقد يكون في ضرورة للاستدانة وهو مليء في دياره يستطيع الأداء عند عودته؛ إنه لم يبق إذن إلا الاعتماد على أمانته، وهذا هو الذي يتبين في ذلك النص الكريم؛ والمعنى: إذا أمن الدائن المدين، واعتمد على ذمته ومقدار أمانته، فليؤد الدين في ميعاده؛ لأنه أمانة في عنقه، ولأن الدائن اعتمد على حسن أدائه وعلى مقدار ما عنده من أمانة، فلا يضيع رجاء الخير فيه؛ ولأن الله سبحانه عليم بما في الصدور، فليتق الله ربه. وإذا كان النص الكريم قد جاء في مساق الدين وتوثيقه، فإن اللفظ عام يعم وجوب أداء الأمانات كلها سواء أكانت ديونًا في الذمة، أم كانت ودائع مقبوضة، أم كانت أمانات مرسلة حمل المؤتمن أداءها. وفى النص الكريم عدة إشارات بيانية، تتضافر في مجموعها، وتؤكد وجوب أداء الأمانة.

стр. 1338

أولها في قوله تعالى (فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا) فإن التعبير بـ (أَمِنَ) بدل أعطى أو أودع، إشارة إلى الجانب الذي أعتمد عليه وهو خلق الأمانة في صاحبه، فهو لَا يرى فيه إلا جانبًا مأمونا لَا يتوقع منه شرا من جحود أو خيانة. ثانيها: ذكر الظاهر بدل الضمير في قوله تعالى: (فَلْيؤَدِّ الَّذِي اؤْتمِنَ) فإن التعبير بالموصول هنا يشير إلى علة وجوب الأداء، أو إلى توثيق الأداء؛ لأنه ائتمنه، فحق عليه أن يؤدي الأمانة. ثالثها: في إضافة الأمانة في قوله تعالى: (أَمَانَتَهُ) فإن الأمانة هي في الواقع للدائن أو المعطي من حيث إنه مالك للدين وللوديعة ونحوها، ولكن أضيفت إلى المدين من حيث إنها عبء عليه يجب أن يُؤدى، وبأدائه يزيل ما عليه من عبء فإن الأمانة عبء ثقيل لمن عرف حقها. رابعها: قوله تعالى: (وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ) فإذا كان صاحب الحق لم يوثق حقه بكتاب أو شهادة أو رهن، فإن التقوى هي الوثيقة الكبرى التي لَا تعدلها وثيقة. وقوله تعالى: (وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ) فيه طلب للتقوى مؤكد بالأمر، وبالتعبير بلفظ الجلالة الذي يربي ذكره الهابة في النفس، إذ يحس القارئ بعظمة الخالق وجبروته وألوهيته، ومؤكد أيضًا بالتعبير بربه؛ إذ فيه إشارة إلى أنه خالقه وبارئه ومربيه، والمهيمن الدائم عليه. (وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ) بيَّن سبحانه في النص السابق وجوب أداء الأمانة عامة، ولأن الكلام في الديون وطرق توثيقها كانت دالة على وجوب أداء الأمانة في الديون خاصة. وفي هذا النص الكريم يبين نوعا من الأمانات يجب أداؤه، وأداؤه أشد وجوبا، وأغلظ تكليفا، وهو أمانة الشهادة؛ فإن العلم بصاحب الحق أمانة في عنق العالم به يجب عليه أداؤها عند طلب ذلك منه أمام القضاء أو أمام غير القضاء؛ وإن هذه الأمانة كانت أغلظ الأمانات لأنها تُناط بها الحقوق، وانتظام المعاملات، وقيام المجتمع على أساس من الثقة وتبادل المنافع؛ ولهذا قال تعالى: (وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ) وكتمان الشهادة ألا يقول ما عاين، بأن

стр. 1339

يمتنع عن الذهاب إلى مجلس القضاء مطلقا، أو يذهب ويقول لَا أعلم؛ فإن ذلك فوق أنه كتمان كذب، أو يقول بعض ما يعلم. والأداء أن يقول كل ما يعلم حيث طلب إليه أن يقول، ولا يترك شيئًا مما يعلمه متصلا بموضوع الشهادة. وقد وصف الله سبحانه من يكتم الشهادة بالإثم، وأسند الإثم إلى القلب، فقال سبحانه: (وَمَن يَكْتمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ) وقد أسند الإثم إلى القلب خاصة مع أن الإثم يسند إلى الشخص، وهذا من قبيل المجاز، وهو تعبير عن الكل باسم الجزء؛ لأن لذلك الجزء مزيد اختصاص في موضع الحكم، لأنَّ الإثم في كتمان الشهادة عمل القلب لَا عمل الجوارح، ولأن القلب أساس كل خير وكل شر ولو كان الإثم من عمل الجوارح، فهو المضغة التي إن صلحت صلح الجسم كله، وإذا فسدت فسد الجسم كله. ولقد قال الزمخشري في هذا المعنى: " كتمان الشهادة هو أن يضمرها، ولا يتكلم بها، فلما كان إثما مقترنا بالقلب أسند إليه؛ لأن إسناد الفعل إلى الجارحة التي يعمل بها أبلغ؛ ألا تراك إذا أردت التوكيد تقول: هذا مما أبصرته عينى، ومما سمعته أذني، ومما عرفه قلبي؛ ولأن القلب رئيس الأعضاء والمضغة التي إن صلحت صلح الجسد كله، وإن فسدت فسد الجسد كله؛ فكأنه قيل: فقد تمكن الإثم في أصل نفسه، وملك أشرف مكان فيه، ولئلا يظن أن كتمان الشهادة من الآثام المتعلقة باللسان، ولِيُعْلَمَ أن القلب أصل متعلقه، ومعدن اقترافه، واللسان ترجمان عنه؛ ولأن أفعال القلوب أعظم من أفعال سائر الجوارح، وهي لها كالأصول التي تشع منها، ألا ترى أن أصل الحسنات والسيئات الإيمان والكفر، وهما من أفعال القلوب؛ فإذا جعل كتمان الشهادة من آثام القلوب، فقد شهد له بأنه من معاظم الذنوب ". وهنا يسأل سائل: إن ما يهم به القلب لَا يحاسب عليه الشخص؛ ألا ترى أن من هم بسيئة فلم يفعلها لم يكتب عليه شيء، فكيف يكون إثم في عدم أداء الشهادة، وهي ليست إلا عملا قلبيا لَا أثر له في الجوارح؟ والجواب عن ذلك: أن

стр. 1340

أعمال القلب ليست معفاة من الإثم دائمًا، إنما الذي يعفى من العقاب ما يجول بخاطره ويتمناه من غير أن يكون له أثر في الجوارح، أما ما يعتزمه ويصمم عليه، ويتجه إليه، ولكن يفوت التمام لأمر خارج عن إرادته وليس له قبل به، كمن يعتزم قتل شخص ويذهب إليه ليفترسه، وقد عقد النية، واستحصد العزيمة، ولكن أفلت من يده، أفلا يكون ثمة إثم؛ وأحيانا تكون عزيمة القلب وحدها هي موضع المؤاخذة، وذلك إذا كان عمل القلب كف الجوارح عن العمل في موضع يجب فيه العمل، فترك الواجبات كلها موضع مؤاخذة، ومن ذلك ترك الشهادة. وفي الشرع الإسلامي جرائم تسمى جرائم الترك، وهي الجرائم التي يكون الجزاء فيها ليس على الفعل، ولكن على ترك واجب، كمن يرى شخصا يموت جوعا ومعه مال ولا يسد غائلة جوعه، وكمن يرى أعمى يتردى في بئر ويتركه قاصدًا بالترك أن يموت، وهكذا؛ ومن ذلك النوع كتمان الشهادة، فهو ترك الواجب، وهو إثم وجريمة بسبب ذلك الترك. (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) ختمت الآية الكريمة بهذه الجملة السامية، للوعد والوعيد، ببيان علم الله ذي الجلال والإكرام المنتقم الجبار علمًا دقيقًا بما يعمله كل إنسان؛ يعلم الخير والشر، ويعلم ما تخفي الصدور، وما تكنه القلوب، وما يظهر على الجوارح، فيجازي على الإحسان إحسانًا، وعلى السوء سوءا؛ فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره، ومن يأكل أموال الناس بالباطل إنما يأكلون في بطونهم نارَّاً ويصلون سعيرًا. * * *

стр. 1341

(لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ... (٢٨٤) * * * في هذه الجملة السامية بيان لشمول ملك الله ، وفي ذكر هذا الشمول بعد الآيات التي بينت أحكام الأموال ببيان مصارف البر، ومواضع التحريم، وطرق التعامل، وما يوجد الثقة - إشارة إلى معان عامة وخاصة: أما العامة فهي بيان أن ما في يد الإنسان عارية مُستردَّة، وأن المالك في الحقيقة هو الله ، فلا يغتر ذو مال بماله، ولا تذهب به النهمة إلى طلبه من غير حلال، فإن يده زائلة عنه لَا محالة، وعليه أن يجمل في الطلب، وأن ينتهز

стр. 1342

فرصة وجود المال بين يديه ليكثر من البر وفعل الخير، فهو الباقي والدائم، وأنه المسيطر على كل شيء المعطي الوهاب، فهو الذي أعطى ذا المال وبسط له الرزق، وهو الذي قدر رزق الفقير، فليس لغني أن يعتز بغناه، ولا ذي فقر أن يذل لفقره، فالعزة لله وحده، والخضوع له وحده؛ وإنه سبحانه إذا كان المالك لكل ما في السماوات والأرض، فله وحده العقاب والثواب، وليس لأحد من عباده إلا ما ينعم به عليه من نعم. وأما الإشارة إلى المعنى الخاص، فهو أنه ذكر في الآية السابقة أنه عليم بكل ما يعملون؛ وإن من أسباب هذا العلم الدقيق أنه مالك لكل ما في السماوات والأرض، لأنه خالق ما في السماوات والأرض (أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ)، وإذا كان الله عليما بكل ما يعمله الناس، ومالكا لكل ما في السماوات وما في الأرض فإنه يحاسب على كل ما يفعله الإنسان سواء أكان من حركات النفس أم كان من حركات الجوارح، ولذا قال سبحانه: (وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ): في هذا النص الكريم يبين سبحانه أنه يعلم السر والعلن، ما ظهر وما بطن، وأنه يعلم حركات النفس وما تصر عليه وما تعزمه من فعل، سواء أعلنته أم لم تعلنه، وإن هذا النص كما يفيد علم الله بما ظهر وما بطن من أعمال النفوس، يفيد بصريحه أنه يحاسب الإنسان على النيات وما تكسبه القلوب، سواء أأخفاه الشخص أم أظهره، فما تكسبه القلوب موضع مؤاخذة بهذا النص؛ وقد قال تعالى: (لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بمَا كَسَبَتْ قلُوبُكُمْ. . .)، ولكن قد اعترض على ذلك بقول النبي ﷺ : " إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها، ما لم يتكلموا أو يعملوا (١)

стр. 1343

ولقد ادعى بعضهم لهذا الحديث أن الآية منسوخة؛ لأن حديث النفس لا يمكن التخلص منه؛ وأنها نسخت بقوله تعالى: (لا يُكلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا. . .)، ولكن ذلك القول غير مقبول؛ لأنه لَا تعارض بين الآيتين، حتى تنسخ إحداهما الأخرى، كما أنه لَا تعارض بين الآية والحديث الشريف؛ لأن حديث النفس ليس هو ما تكسبه النفس، ويعزمه القلب، وينويه الشخص ويصر عليه؛ وإنما هو تلك الخواطر النفسية التي تعرض للإنسان فتوجهه نحو الهوى والشهوة؛ فإن سار وراءها حتى اعتزمها وأرادها وأصر عليها، ولكن عاقه عائق عن تنفيذها، لَا يكون حديث النفس، بل يكون كسب النفس، ولكل نفس ما كسبت، وعليها ما اكتسبت؛ فالمرتبة الأولى وهي تلك الخواطر ليست موضع مؤاخذة، بل إن التغلب عليها، وكفها بعد مكافحتها موضع ثواب؛ لأنه جهاد النفس، وجهاد النفس هو الجهاد الأكبر، كما ورد في الأثر " رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر " (١) ويقصد به جهاد النفس؛ إنما موضع المؤاخذة الإصرار بعد الخواطر. وعلى ذلك: نقول إن موضع التجاوز هو حديث النفس، وموضع الحساب هو الإصرار والنيات، والاتجاه القلبي إلى الأذى والانتقام وقد بينا ذلك من قبل. (فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ) وإن هذه نتيجة الحساب، فيستر الله ذنوب من يشاء ويعفو عنه، وإنه ليعفو عن كثير كما ذكر سبحانه، ويعذب من يشاء جزاء ما اقترف من آثام؛ وإن مشيئة الله لَا قيد يقيدها، ولا شيء يحدها، ولكنه سبحانه يغفر لمن سار في طريق الهداية، ولم تركس نفسه في المعاصي، ولم تُحِط به خطاياه حتى تستغرق نفسه، وتستولي على حسه، ويغلب عليه حب الخير؛ وهذا معنى قوله تعالى: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ). أما من استولت عليه الشهوات، وأحاطت به

стр. 1344

الخطايا، وغلب عليه الشر والأذى، ولم يكن منه الخير إلا لماما، فإن الله محاسبه بما كان؛ لأنه لَا حسنات تذهب بالسيئات؛ والله هو المالك للإنسان وما يصنع الإنسان، فلا قيد يقيد إرادته ﵎. (وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) هذا ختام الآية الكريمة، وهو في بيان شمول قدرة الله تعالى وعموم إرادته سبحانه، فهو القادر على الثواب والعقاب، وهو القاهر فوق عباده، ولا سلطان فوق سلطانه، وهو الذي يلهم التوفيق لمن كتب له التوفيق، وهو الذي يترك من يقع في غواية الشيطان، وهو الذي يسهل التوبة لمن يتوب، غافر الذنب، قابل التوب، شديد العقاب؛ فالإنسان وما يملك، وخواطره وهواجسه، وأحاسيسه، ونياته واعتزاماته؛ كل ذلك تحت سلطان القادر، وقوة القاهر. اللهم اجعلنا من عبادك الطائعين الخاضعين، الراضين بقضائك وقدرك، إنك أنت العزيز الحكيم. * * * (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥) لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٨٦) * * *

стр. 1345

بهاتين الآيتين الكريمتين ختصت هذه السورة، وهي أطول سورة في القرآن، وفيها لب الإسلام، ومغزاه ومرماه؛ فيها بيان أخلاق الناس، واختلاف تلقيهم للحق الذي يدعون إليه؛ فمن مؤمن يُذعن للحق بقلبه وجوارحه، ومن منافق يظهر الإذعان ويبطن الكفر، ومن معاند مشرك بالله يعرض عن الحق، وقد لاحت بيناته، وأضاءت الوجود آياته. ثم بينت أصل الخليقة، وبها تبيين الطبائع الإنسانية والطبائع الإبليسية، والإخلاص الملائكي ثم ضرب سبحانه الأمثال وقص سبحانه قصص النبيين: موسى وإبراهيم وإسماعيل، وبني إسرائيل، وفيهم يتمثل الإيمان أحيانًا، والطبائع الإنسانية يتسلط عليها الشيطان في أكثر الأحيان، ويتمثل الطبع الإنساني في قوته وضعفه. ثم ذكر سبحانه أحكاما للجماعة في القتال، وفي السلام، في الأسرة وفي المجتمع، وفي التعاون بين الآحاد بالإنفاق في سبيل الخير وإعلاء كلمة الحق والفضيلة، ثم في الأسباب المفرقة بين الجماعات كالربا، ثم في المعاملات الفاضلة التي تحفظ فيها الثقة المتبادلة بين آحاد الجماعات الإسلامية. بيَّن ذلك، ثم ختم السورة ببيان أمرين: أحدهما: أن رسالة محمد ﷺ هي امتداد للرسالات السابقة كلها، وأن لب الدين واحد في كل الرسالات الإلهية. وثانيهما: بيان أن كل التكليفات الدينية يسر لَا عسر فيها، وأنها تهذيب روحي وتعاون اجتماعي. وقد بينت الآية الأولى من الآيتين الكريمتين الأمر الأول وبينت الثانية الأمر الثاني ولنبتدئ بالكلام فيما اشتملت عليه الآية الأولى:

стр. 1346

(آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ) وفي هذا الجزء من الآية الكريمة يبين الأصل الأول من أصول الإيمان، وهو الإيمان بما جاء به وما نزل عليه؛ فهو ﷺ ومعه المؤمنون يؤمنون بما أنزل إليه من ربه ﷺ ، الذي أنشأه ونماه وكمله، وخصه بالخصال التي تؤهله للرسالة، وتعده للنبوة: (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ. . .).

стр. 1347

والإيمان بما أنزل الله يشمل الإيمان بالتوحيد المطلق للذات العلية وبكل ما اشتمل عليه القرآن من غيبيات، والإيمان بكل ما اشتمل عليه القرآن من تكليفات على أنها من عند الله اللطيف الخبير، سواء أكانت تتعلق بالعبادات أم كانت تتعلق بالمعاملات؛ فيؤمن النبي ومعه كل المؤمنين الصادقي الإيمان بأن الله حرم الربا كما حرم الشرك وكما حرم الاعتداء على النفس والمال، وحرم الزنا كما حرم الخمر والخنزير وأكل الميتة؛ وأمر بالزكاة كما أمر بالصلاة، وأمر بإقامة الحدود كما أمر بالحج؛ فالإيمان بما أنزل الله إيمان بكل ما اشتمل عليه الوحي المحمدي. ومن قال إن منه ما يناسب عصر النبي ﷺ ولا يناسب عصرنا فهو لم يؤمن بما أنزل إليه من ربه، ولم يكن من المؤمنين الذين اقترن إيمانهم بإيمانه ﷺ . ونشير هنا إلى معنى سام تفضل به الله على المؤمنين، وهو أنه قرن إيمان المؤمنين بإيمان النبي ﷺ وجمعهما في نسبة واحدة، وفي ذلك إشارة إلى أن المؤمنين الذين يصدقون في إيمانهم بما أنزل الله يقاربون في منزلتهم منزلة النبيين. وفى تأخيرهم في الذكر إشارة إلى تأخر التابع عن المتبوع، وإشارة إلى أن النبي ﷺ أول من يؤمن بما أوحي إليه، وأنه أقوى الناس إيمانا بوجوب طاعة الله، وأنه أول من أطاع الله؛ فكانت نبوته ﷺ تصديقًا منه وطاعة. (كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرسُلِهِ) بهذا النص الكريم يبين سبحانه معنى الإيمان الجامع من حيث الاعتقاد، وذلك الإيمان يتضمن الإيمان بالله تعالى أولا، ثم بملائكته، وهم وسائط التبليغ لمن يختارهم لرسالته من خلقه، ثم بكتبه، وهي سجل شرائعه التي تنزل من السماء، ورسله، وهم المصطفون الأخيار من البشر الذين اختيروا لتبليغ ما اشتملت عليه الكتب. فهذا تدرج قويم؛ فابتدأ بالإيمان بالله المنعم بكل شيء في هذا الوجود؛ ثم ثنى بالملائكة الأطهار وهم غيب لَا يرى ولا نعرف شيئًا عنهم إلا بالإخبار منه سبحانه، وهو الذي أمرنا بالإيمان بهم، فالإيمان بهم نوع من الإيمان بالله سبحانه. وكذلك الكتب والرسل.

стр. 1348

وقد يقال لماذا ذكر الإيمان بهؤلاء بجوار الإيمان بالله تعالى؟ والجواب عن ذلك أن بعض المنحرفين من أهل الأديان السابقين كانوا يذكرون بغير الخير وبالعداوة بعض الملائكة كجبريل الأمين، فبين سبحانه أن الملائكة جميعا من غير استثناء يجب الإيمان بهم، والإذعان لكل ما ينزلون به من رسالات ربهم، وكذلك الكتب السابقة، والنبيون السابقون، فمن بني إسرائيل من قتلوا بعض النبيين، وكفروا ببعضهم وحرضوا على قتله، فبين سبحانه وجوب الإيمان بكل الرسل من غير استثناء، لأنهم المبلغون للناس رسالات الله، وفوق ذلك فإن هذا الذكر المفصل يفيد اشتراك المؤمنين جميعا في عناصر الإيمان، وأن الإسلام امتداد لسائر الأديان المنزلة؛ وهو الخطوة الأخيرة في شرائع السماء إلى الأرض، وأن من يؤمن بالإسلام يؤمن بكل الأديان والشرائع التي أنزلت على الرسل غير محرفة ولا مبدلة؛ فهو دين الوحدة الإنسانية، كما هو دين التوحيد الإلهي. والإيمان بالله تعالى هو الإيمان بوحدانيته تعالى في الذات، فليس لله مشابه له من الحوادث (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شيْءٌ وهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)، وبوحدانية الله في الخلق والتكوين، فهو سبحانه الخالق لكل شيء، وليس لأحد مهما يكن شركة لله سبحانه في الخلق والتكوين؛ ووحدانية العبودية؛ فلا يعبد مع الله أحدًا؛ لأنه المنعم بهذا الوجود، وليس أحد يستحق معه العبادة؛ إذ لَا يماثله أحد؛ تعالى الله عما يقوله المشركون علوا كبيرا. وهنا ملاحظة لفظية يجب أن نشير إليها، وهي لفظ " كل " وعدم إضافته، إذ قال سبحانه: (كلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ) و " كل " سواء أضيفت باللفظ أم لم تضف، على نية الإضافة؛ فالمعنى: كل فريق من هذين الفريقين، وهما الرسول والمؤمنون وذكر كل على هذا فيه إشارة إلى مرتبة النبيين، وأنها أعلى من مرتبة المؤمنين ولو كانوا صادقين، وإن جمعهما المولى القدير في نسبة واحدة، تعالت كلمات الله سبحانه. (لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ) هذا التفات في القول، وهو منهاج بلاغي، فبعد أن كان الكلام بصيغة الحكاية عن النبي ﷺ والمؤمنين، صار بصيغة المتحدثين عن أنفسهم هم، وهي أن حالهم في هذا الإيمان أنهم لايفرقون بين رسول ورسول،

стр. 1349

فيؤمنوا ببعض ويكفروا ببعض، وهناك قراءة أخرى، وهي: (لا يفرق بين أحد من رسله) والضمير في الفعل " يفرق " يعود في هذه القراءة على " كل " ولفظ " كل " مفرد، فيعود الضمير عليه مفردًا وإن كان معناه جمعًا، وقد يعود الضمير جمعًا ملاحظًا في ذلك المعنى لَا اللفظ. ومعنى هذه الجملة السامية هو تصريح بما تضمنه ما قبلها، لأن ما قبلها تضمن أنهم يؤمنون بكل الرسل، ومقتضى ذلك أنهم لايفرقون في الإيمان بهم وكونهم مبعوثين من عند الله بين رسول ورسول، وعدم التفرقة لَا صلة لها بالتفضيل في الدرجات؛ لأنَّ ذلك من فضل الله إذ يقول: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ... )، ولأن موضوع التفرقة وعدم التفرقة هو في الإيمان. (وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) في هذه الجمل السامية يبين خواص الإيمان التي لَا تفارقه إلا إذا اعتراه نقص، وبمقدار نقصها يتخلف المؤمن عن مراتب الكمال، ودرجات الفوز. وأول خاصة من خواص الإيمان، ومظهر من مظاهره - الاستماع لما يدعو إليه استماع متعرف طالب لحقيقته متقص لغاياته، متجرد من الأهواء والشهوات، حتى إذا عرف الحق في الشرع سائغًا أطاعه غير متململ، وصبر على تكليفه غير متضجر؛ فمن طلب الدين مؤولا نصوصه على غير وجهها خضوعًا لأهواء زمانه، أو خضوعا لهواه، فهو غير مستمع ولا طائع، نعوذ بالله العزيز الكريم. والخاصة الثانية - أن يحس المؤمن بالتقصير مهما يكن مؤديًا لواجب الطاعة، فإن ذلك الإحساس يرهف الوجدان، ويجعله على مخافة من الزلل، فيتجنب الشطط، ويلتزم الاعتدال؛ ولذلك قال في هذه الخاصة رب النفوس ومقلب القلوب: (غُفْرَانَكَ رَبَّنَا) أي أنهم لفرط إحساسهم وخشية التقصير، لأن هذا الدين متين، يضرعون إلى الله دائمًا طالبين المغفرة، ويقولون: (غُفْرَانَكَ رَبَّنَا) أي اغفر لنا غفرانك الذي هو من مقتضى رحمتك ونعمك التي تفيض علينا دائما، وأنت ربنا الذي خلقنا وربَّانا ونمانا، والعليم بأحوالنا.

стр. 1350

وإن هذا هو مقام الخوف الذي يجب أن يُغلِّبه المؤمن؛ ولذا كان محمد ﷺ يقول: " إني أخشاكم لله " (١) ومقام الخوف من قوة الإيمان، والغرور من ضعف الإيمان، فلا يليق بمؤمن أن يغتر بعبادته، فإن هذا ينقصها أو دليل على نقصها، ويقول الصوفية: إن معصية أورثت ذلا واستخذاء خير من طاعة أورثت عزا وافتخارًا. والخاصة الثالثة - التفويض إلى الله تعالى، والإيمان باليوم الآخر؛ ولذا قال تعالى عنهم: (وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) وإن هذا مقام التفويض والإيمان بالقدر خيره وشره، وهو مع ذلك يتضمن الإيمان باليوم الآخر؛ فالمؤمن الحق يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، ويذعن للحق ويعمل به غير مغتر بعمله؛ بل يرجو عفو ربه وغفرانه، ثم يفوض أموره إلى ربه، عالِمًا بأن المآل إليه ومصيره عنده . * * *

стр. 1351

(لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ... (٢٨٦) * * * قال الزمخشري في تفسيره: " الوسع ما يسع الإنسان ولا يضيق عليه ولا يحرج فيه، أي لَا يكلفها إلا ما يتسع فيه طوقه، ويتيسر عليه دون مدى الطاقة والمجهود. وهذا إخبار عن عدله ورحمته كقوله تعالى: (يرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ... )، لأنه كان في إمكان الإنسان وطاقته أن يصلي أكثر من الخمس، ويصوم أكثر من الشهر، ويحج أكثر من حجة)، وهذا الكلام يستفاد منه أن الوسع غير الطاقة، فالطاقة هي غاية المجهود وأقصاه، وما يفعله الإنسان قادرا عليه ولكن في تعب وجهد، والوسع ما يكون في الإمكان، ولكن تكون بعد الأداء سعة من قدرة على أداء غيره، ولكن لَا يؤدي الزيادة إلا بجهد. ولا يفهم من هذا أن تكليف الوسع لَا تكون فيه مشقة قط، بل إن كل تكليف هو أمر بما فيه كلفة، وهي المشقة؛ وعلى ذلك تكون التكليفات الشرعية لها ثلاث خواص ملازمة: وهي أن فيها مشقة محتملة، وأنها تكون في الوسع والقدرة من غير حرج ولا ضيق، وأنها تكون من غير مجهود شديد يكون

стр. 1352

أقصى الطاقة. تلك هي خواص تكليف الله تعالى لكل نفس كما تدل عليه الجملة السامية. (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) هذه الجملة السامية تبين أن كل تكليف قد اقترن بجزائه، وأن كل امرئٍ سيجزى على الخير خيرا، وعلى الشر شرا. وما تضمنه ذلك النص الكريم هو نتيجة لما تضمنه النص السابق؛ لأن النص السابق أفاد أن ثمة تكليفا، ولا ينتج التكليف نتائجه إلا إذا كان ثمة جزاء؛ والنص السابق أيضًا أفاد أن الله لَا يكلف إلا بما يكون في القدرة من غير إرهاق، بل بإرادة حرة ويسر لَا عسر فيه. وذلك أساس للقيام بالتكليف بإرادة حرة، ومقدرة غير مرهقة؛ وذلك يوجب الجزاء العادل. وقد اتفق العلماء على أن قوله تعالى: (لَهَا مَا كَسَبَتْ) المراد بها الحسنات التي يثيب الله عليها؛ وقوله تعالى: (وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) المراد به السيئات التي التي يعاقب الله تعالى عليها. وقد أخذوا هذا من النص باللام في الجملة الأولى، والنص بعلى في الجملة الثانية؛ فإن التعبير باللام التي تفيد الملكية المفيدة في مقابل على التي تفيد التحميل، ووضع الشيء على الشخص، يجعل الأولى مفيدة للجزاء ثوابا، والثانية مفيدة للجزاء عقابًا؛ وإذا لم يكن ذلك التقابل، فإنه يعبر باللام في موضع الثواب والعقاب؛ فيقول سبحانه: (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ. . .)، و (لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ... )، إذ لَا قرينة تدل على الملكية المفيدة؛ فتكون اللام لمطلق الاختصاص. وهنا سؤال لفظي: لماذا عبر سبحانه عن هذا الخير بقوله: (لَهَا مَا كَسَبَتْ) وعن الشر بـ (اكْتَسَبَتْ) مع أن الكسب يكون للخير وللشر كما في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا. . .)؟ وقد أجاب عن ذلك الزمخشري بقوله: " فى الاكتساب اعتمال؛ فلما كان الشر مما تشتهيه النفس، وهي منجذبة إليه وأمَّارة به، كانت في تحصيله أعمل وأجد؛ فجعلت لذلك مكتسبة

стр. 1353

فيه " وهذا التعليل قد يشير إلى أن الشر الكبير الذي تعتمله النفس وتجد فيه، وتلح وتستمر عليه، هو موضع المؤاخذة، والضئيل قد يكون موضع العفو، أي ما تفعله النفس من خير فكله موضع ثواب، قلَّ أو جلَّ، وذلك معنى صحيح. ولكن هناك تعليلًا آخر نراه، وهو أن التعبير بـ اكتسب يفيد معنى الاعتمال، وهو ما يفعله الإنسان غير منساق إليه، والطبيعة الإنسانية تنحو نحو الخير، والشر ضد الفطرة وضد الوجدان والضمير، ومن يفعله يغالب فطرته ثم لَا يلبث إلا قليلا حتى يذوق شجرة الشر فينساق، وإن الإنسان ليرى ذلك في كل من يرتكب الجرائم، فهو يبتدئ بالجريمة مغالبًا نفسه ثم تطاوعه ثم ينساق، فالقاتل كذلك، والسارق، والزاني، أول جريمة يرتكبها بتعمل، ثم يألف الارتكاب فيكون سهلا، لذلك عبر عن الشر بالاكتساب، لأنه ضد الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وضد الضمير، وعبر عن الخير هنا بالكسب لأنه الفطرة. وبعد بيان سنة الله في التكليف وجزائه ذكر سبحانه حال المؤمن المخلص في ضراعته، وضراعته بالالتجاء إلى ربه ودعائه، وقد ذكر سبحانه ستة أدعية تفيد هذه الضراعة وتشير إلى رحمة الله تعالى وخواص شرعه الشريف. (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) هذا هو الدعاء الأول، وقد ابتدأ بنداء الله سبحانه بـ " ربنا " لكمال الضراعة والشعور بالربوبية، وكمال إنعام الله تعالى، وضعف المخلوق أمام الخالق، ووفاء المنعم عليه أمام المنعم، وللإشعار بأن ما تضمنه الدعاء من النعم التي أنعم بها، وكمال الربوبية التي ربَّ الناس بها. والمؤاخذة معناها المجازاة، وأصلها من الأخذ. وفي التعبير عن المجازاة بالمؤاخذة إشارة إلى أن ما يستحقون من عقاب هو في نظير ما أخذوا من نعم لم يعرفوا حقها، فهم أخذوها وجحدوها، فأخذهم الله تعالى بحقها.

стр. 1354

وقد سأل سائل: لماذا ذكر الله سبحانه عن أحوالهم هذا الدعاء مع أنه مرفوع عن أمة محمد بقوله ﷺ : " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه "؟ (١) وقد أجاب عن ذلك الزمخشري فقال: " إنهم كانوا متقين الله حق تقاته، فما كانت تفرط منهم فرطة إلا على وجه النسيان والخطأ، فكان وصفهم بالدعاء بذلك إيذانًا ببراءة ساحتهم عما يؤاخذون به، كأنه قيل: إن كان النسيان والخطأ مما يؤاخذ به فما فيهم سبب المؤاخذة إلا الخطأ والنسيان ويجوز أن يدعو الإنسان بما علم أنه حاصل له قبل الدعاء من فضل الله لاستدامته والاعتداد بالنعمة فيه ". هذه إجابة قيمة، وأزيد عليها أن المتقين أرهفت ضمائرهم وقويت نفوسهم، واشتدت خشيتهم من الله، حتى لقد أحسوا من فرط حساسيتهم أنهم محاسبون على ما لَا حساب عليه؛ وإن المؤمن التقي يستكثر هفواته، ويستقل حسناته، وإن النسيان والخطأ قد توهموا فيهما أن يكون سببهما الإهمال وعدم العناية، وهما كذلك أحيانًا، فكان فرط إحساسهم مرجحًا لجانب المؤاخذة على جانب العفو، وجانب الخوف على جانب الرجاء، فكان الدعاء. (رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا) الإصر: هو العبء الكبير، مأخوذ من أصرَ بمعنى حبَس، فكأنه لثقله يحبس صاحبه في مكانه فيمنعه من الحركة، وحمل عليه بمعنى وضع عليه وألقى عليه. وهذا هو الدعاء الثاني، ومعناه أن أولئك المتقين حالهم حال ضراعة لربهم بألا يلقى عليهم آصارًا شدادًا من التكليفات تثقل عليهم حتى يعجزوا عن أدائها أو لَا يؤدوها إلا في حال من الشدة، كما حمل الله جلت قدرته وعلت حكمته على الذين من قبلهم. ولكن ما هذه الآصار، وتلك الأعباء؛ أهي أعباء من التكليفات تتعلق بالأوامر الشرعية والنواهي، أم هي ما يبتلى به المؤمن من شدائد واختبارات كما ابتلى الذين من قبلهم في قوله تعالى: (أَمْ حَسِبْتمْ أَن تَدْخلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ

стр. 1355

وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤). وإني أميل إلى أن الآصار هي من هذا النوع من الابتلاء، كأنهم لرغبتهم في نصر الله تعالى يضرعون إليه أن يمدهم بعونه في حمل عبء الجهاد في سبيل نشر الإسلام والدعوة إليه. ويزكي ذلك قوله تعالى في ختام السورة (فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) ولكن هل معنى ذلك أنهم لَا يريدون أن يختبروا كما اختبر أقوياء الإيمان ممن سبقوهم؟ وأقول في الإجابة عن ذلك: إن طالب الحق المؤمن به يستكثر فعل الخير من غيره، ويستقل حال نفسه وفعله، وكأنهم يعترفون بفضل من سبقوهم، ويحسبون أنهم دونهم، فيطلبون عون الله تعالى، وذلك دليل قوة الإيمان، وأنهم ليسوا أقل منهم، بل يزيدون بذلك الاعتراف الكريم. (رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ) الطاقة: قال فيها الراغب الأصفهاني ما نصه: " الطاقة اسم لمقدار ما يمكن الإنسان أن يفعله بمشقة؛ وذلك تشبيه بالطوق المحيط بالشيء؛ فقوله تعالى: (لا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ) أي ما يصعب علينا مزاولته، وليس معناه لَا تحملنا ما لَا قدرة لنا به؛ فالطاقة على هذا تكون فيما يمكن فعله بأقصى القدرة. وهذا هو الدعاء الثالث وقد كررت فيه كلمة " ربنا " لكمال الضراعة ولبيان أن حالهم دائمًا يتجدد فيها الشعور بالربوبية، وحق الخالق المنعم عليهم. وهذا هو الدعاء هو تدرج مترتب على الدعاء السابق. لقد ضرعوا إلى الله ألا يختبرهم ذلك الاختبار الشديد الذي أُلقيَ على عاتق من سبقوهم أو يخشون ألا يقوموا بحقه كما قام من قبلهم ثم يضرعون الآن ألا يكلفوا إلا ما يطيقون، أي أنهم على أتم استعداد لأن يبذلوا أقصى قدرتهم، وغاية قوتهم؛ فإن الطاقة أقصى القدرة كما بينا ونقلنا. فمعنى الجملة السامية: لَا تحملنا ما فوق الطاقة ونحن على استعداد بعونكم لما هو كل الطاقة. وهذه حال من الإيمان سامية. وعبر هنا بالفعل المضعف " تحمِّلنا " وفي الأول من غير تضعيف؛ لأن الإصر نفسه والتعبير بعلى فيهما بيان شدة الاختبار، فلا حاجة إلى مبالغة في صيغة الحمل؛ أما هنا فالاختبار بما هو في الطاقة وإن كانت المشقة شديدة، فكان ثمة متسع في المبالغة في الصيغة.

стр. 1356

(وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا) هذه هي الأدعية الثلاثة الأخيرة وكلها في باب واحد، وهو باب الإحساس بالمصير في القيام بالواجب، وهي مرتبة من الإيمان سامية؛ لأن المؤمن يفرض التقصير في نفسه ليسعى إلى الكمال، وليرجو رحمة الكبير المتعال، لَا يفرض في نفسه الكمال حتى لَا يدلى بغرور، ويكون ممن زُين له سوء عمله فرآه حسنًا. وحال الرسول مع المتقين حال الشاعرين بالتقصير مهما يكن مقدار ما قاموا به؛ وإذا ضرعوا بهذا الدعاء؛ طالبوا بالعفو بألا يحاسبهم على ما عساه يكون منهم من هفوات، أو ما تتحدث به نفوسهم من إصرار على شر ولا نية له، وما يكون موضع الحساب يضرعون إلى ربهم أن يكون موضع غفرانه، فيستر ذنوبهم ولا يفضحهم، ثم يضرعون إلى الله بعد ذلك أن يمنَّ عليهم برحمته في الدنيا والآخرة، وإنهم لفرط إحساسهم بالتقصير لَا يعتبرون الثواب جزاء، بل يعتبرونه رحمة ومنةً وفضلا من رب العالمين. (أَنتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) هذه هي الوثيقة الربانية، يستمسكون بها، وهي إحساسهم بأن الله مولاهم، أي معينهم وكالئهم وناصرهم وممدهم بفضله، وقد طلبوا منه النصرة الدائمة على القوم الكافرين. وإن هذا الدعاء الأخير يقوي المعنى الذي قررناه في تفسير قوله تعالى: (وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا). وإنا نضرع إلى المولى جلت قدرته أن يعفو عنا، ويغفر لنا، ويرحمنا، إنه الغفور الرحيم، والعفو القدير. * * *

стр. 1357

(سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ) بين يدي السورة هذه أولى آيات سورة آل عمران، وهي مدنية، وقد سُميت بآل عمران لاشتمالها على قصتهم؛ إذ قال سبحانه (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ)، إلى آخر كلامه العزيز في تلك العبرة التي ساقها. موضوعات السورة: وإن هذه السورة الكريمة: (١) فيها تنويه بذكر القرآن وأقسامه، وإشارة إلى محكمه والمتشابه منه، وأقسام الناس في تلقي ذلك الهدى الإلهي الذي لَا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. (٢) وفيها قصة آل عمران، وولادة مريم البتول، ويحيى النبي، وعيسى الرسول، وما اكتنف ولادتهم من آيات تدل على كمال إرادة الله تعالى في خلقه. (٣) وفيها إشارات إلى معجزات عيسى ﵇، وكفر من دعاهم بعد هذه المعجزات الظاهرة القاطعة، وإن ذلك يدل على أن العناد يضع غشاءً على العين فلا تبصر، وعلى البصيرة فلا تدرك. (٤) وفيها مجادلة النبي ﷺ مع النصارى واليهود، وبيان طائفة من أخلاق اليهود واعتقادهم أن الإيمان احتكار لذهب، وتغليق القلوب عن غيره؛ إذ قالوا: (وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ -) إلى آخر كلامه العزيز في تلك العبرة. (٥) وفيها بيان أن الإسلام في لُبِّه ومعناه هو دين كل الأنبياء السابقين؛ لأنه دين الله السرمدي، سبق بالدعوة إلى حقيقته النبيون، وختم الله الدعوة بخاتم النبيين محمد الأمين ﷺ .

стр. 1358

(٦) وفيها بيان فريضة الحج المحكمة وبيان الوحدة الإسلامية، وفي جمعها مع الحج في موضع واحد إشارة إلى أن الحج من وسائلها، وأعقب ذلك ببيان فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأنها ركن الوحدة الإسلامية ودعامتها، والذريعة لجعل هذه الوحدة على ألسس فاضلة مشتقة من هَدْي الدين الحكيم. (٧) وفيها بيان واجب قادة المؤمنين من ألا يتخذوا بطانة من غير المؤمنين؛ إذ هم في حقيقة أمرهم لَا يألون المؤمنين خبالا ويودون عنتهم، ثم فيها تفصيل محكم لغزوة أحد، وبيان سبب الهزيمة وأعقابها، والعبرة في هذه الغزوة التي كانت فيها هزيمة ولكن لم يكن فيها خذلان، بل كانت العبرة فيها والاعتبار بها باب الفتح المبين. وفي أثناء القصة وختامها بيان حال قتلى المؤمنين وأنهم أحياء عند ربهم يرزقون. (٨) وفيها إشارة إلى أعمال المنافقين في النصر والهزيمة، واتباع ضعاف الإيمان لوسوستهم، وصيانة الله لأقوياء الإيمان من أعمالهم. (٩) ثم فيها عزاء للنبي ﷺ بذكر ما كُذِّب به الأنبياء السابقون مع أنهم أتوا بالبينات والأدلة الحسية القاطعة إذ قال سبحانه: (فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ). (١٠) وفيها بيان أن الله سبحانه سيبتلي المؤمنين ويختبرهم، وفي الابتلاء صقل إيمانهم. (١١) وفيها بيان أخلاق المؤمنين وتفكرهم في خلق السماوات والأرض وما بينهما، وضراعتهم إلى ربهم، واستجابة الله تعالى لهم، وجزاؤهم يوم القيامة، والمقابلة بينه وبين جزاء الكافرين الذين اغتروا بالحياة الدنيا مع أن متاعها قليل، وفيها إنصاف كريم لبعض أهل الكتاب الذين آمنوا وصدقوا ولم يسرفوا على أنفسهم بالإنكار والتكذيب مع قيام الدلائل الواضحة القاطعة.

стр. 1359

(١٢) ثم ختم سبحانه بدعوة المؤمنين إلى مجاهدة المشركين با لتقوى وبالصبر وبإعداد العدة، فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اصْبِروا وَصَابِروا وَرَابطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكمْ تُفْلِحُونَ). * * * بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٤) إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٥) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦) * * *

стр. 1360

(الم) هذا الاسم القرآني الذي سَمى به القرآن هذه السورة، وهذه حروف تقرأ في القرآن الكريم بأسمائها، وهي ألف لام ميم. والمعنى الذي تدل عليه هذه الحروف غير معلوم على وجه اليقين كما أسلفنا في سورة البقرة والله أعلم بمراده منها، ولا يستطيع عالم يعتمد على الحقائق العلمية أن يقرر المراد من هذه الحروف، والمعنى المحرر لها، وأقصى ما ذكره العلماء لها حِكَم يدل عليها ذكرها، ومن أحسن ذلك أن يقال: إن هذه الحروف تشير إلى أن القرآن الكريم من جنس ما يتكلم به العرب، وأنه مكون من الحروف التي يتكون منها كلامكم، ومع ذلك تعجزون عن أن تأتوا بمثل سورة منه؛ فهي إشارة إلى العجز مع الطمع في أن يحاولوا، ولن يأتوا بسورة من مثله. ومن أحسن ما يقال أيضا أن النبي الأمي كان ينطق بهذه الحروف التي كان لَا يعرفها إلا من يقرأ ويكتب، فاشتمال القرآن عليها مع أميته ﵇ دليل على أنه من عند الله. ومن ذلك أيضا

стр. 1361

ما قيل من أن هذه الحروف الصوتية التي اشتملت عليها بعض أوائل السور إذا أنطق بها الناطق مع ما فيها من مد طويل أو قصير، استرعى ذلك الأسماع فاتجهت إليه، وإن لم يُرد السامعون. ويروى في ذلك أن المشركين من فرط تأثير القرآن قد تفاهموا على ألا يسمعوا لهذا القرآن: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَروا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ). فكانوا إذا قرعت آذانهم هذه الحروف بمدها، التفتوا مرغمين، ثم هجمت على قلوبهم من بعد ذلك الآيات البينة المحكمة، تعالت كلماته سبحانه:

стр. 1362

(اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّوم): هذه الجملة السامية تبين أصل التوحيد، وتقرر معناه، فابتدئت بلفظ الجلالة الذي يدل على كمال الألوهية، وانفراده - سبحانه - بحق العبودية، إذ إنه الإله وحده الذي أنشأ الخلق ورباه ونماه، ولا مالك لهذا الوجود ومن فيه وما فيه سواه. ولفظ " الله " علم على الذات العلية المتصفة بكل كمال والمنزهة عن كل نقص، والتي لَا تشابه الحوادث، ولا يشبهها شيء من الحوادث: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ). ثم صرح بما تضمنه لفظ الجلالة وهو الانفراد بالألوهية وحق العبودية فقال سبحانه: (لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) أي لَا معبود بحق إلا هو، أوْ لَا إله في الحقيقةِ والواقع إلا هو، وكل ما يدعى له الألوهية من شخص أو وثن فهو ليس إلا أسماءٌ سماهم بها المشركون الضالون، وليس من حقيقة الألوهية في شيء (إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ. . .)، ثم بين سبحانه الأوصاف التي تبين استحقاقه وحده لحق العبودية، فقال سبحانه: (الْحَيُّ الْقَيُّومُ) أي الدائم الحياة الذي لَا يفنى، ويفنى ما سواه، ولا يستمد حي حياته إلا بإرادته سبحانه، وهو القائم بنفسه، والقائم على كل شيء، والمدبر لكل شيء. فهذا معنى القيوم (١).

стр. 1363

(نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ... (٣) الكتاب: هو القرآن الكريم، وإن أكثر السور التي تبتدئ بتلك الحروف تقترن فيها الحروف بالتنويه بذكر القرآن، وإعلاء شأنه، مما جعل المفسرين يعتبرون تلك الحروف أسماءً للسور، سماها القرآن بها، وفواصل محكمة بين سورة وأخرى من سور القرآن الكريم، وقد أشرنا إلى ذلك من قبل. وقد عبر عن نزول القرآن الكريم بـ (نَزَّلَ) للإشارة إلى أن النزول كان تدريجيا، ولم يكن دفعة واحدة، إذ إن التنزيل يدل على التدرج في النزول، وكذلك كان القرآن الكريم؛ فقد نزل منجما ينزل في الوقائع، أو الأسئلة ليكون السبب الذي اقترن بنزوله معِينا على فهمه وإدراك بعض مغازيه. وقد ذكر تنزيل القرآن مقترنا بأمرين متصلا بهما: أولهما: أنه حق في ذاته، ومبين للحق مشتمل عليه، وداع إليه، فقال الله تعالى: (بِالْحَقِّ) أي مصاحبا له مقترنا به ملازما له، فهو حق لأنه نزل من عند رب العالمين، واشتمل على الحق، فكل ما فيه من قصص وأخبار وشرائع وأحكام وعقائد حق لَا شك فيه، وهو يدعو إلى الحق والعدل، فهو الحق الملازم للحق، الناصر للحق. وثاني الأمرين: أنه مصدق لما بين يديه؛ أي الشرائع الإلهية التي سبقته؛ ولذا قال سبحانه: (مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ) فهو في لبه ومعناه مبين لكل الشرائع مصدق لصدقها؛ وهذا يدل على أن الشرائع الإلهية واحدة في لبها ومعناها وأصولها؛ ولذا قال سبحانه: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ. . .). فالإسلام هو لب الأديان وغايتها؛ ولذا قال سبحانه (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلامُ. . .). (وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ) هذا تصريح ببعض ما تضمنته الجملة السامية السابقة؛ إذ قد تضمنت الجملة السابقة أن القرآن يصدق الثابت النازل من عند الله

стр. 1364

في الشرائع السابقة، وهي تتضمن أنها كانت هداية للناس؛ وهذه الجملة تصرح بأن التوراة أنزلت هي والإنجيل من عند الله هداية للذين أنزلت لهم. وفي هذه الجملة إشارة إلى معنى آخر، وهو أن لكل أمة كتابا وهداية خاصة، وإن كانت في معناها مشتقة من الهدى الإلهي العام، حتى إذا كانت دعوة محمد ﷺ كانت هي الهدى العام الخالد إلى يوم القيامة. (التَّوْرَاةَ) اسم للكتاب الذي اشتمل على شريعة موسى ﵇، ونزل عليه من رب العالمين، وليست هي التوراة التي يتلوها اليهود اليوم؛ لأن هذه التي تسمى بهذا الاسم الآن تشمل ما نزل في عهد موسى، وتشمل ما جاء بعد ذلك في عهد النبيين الذين بُعثوا في بني إسرائيل كداود وسليمان وغيرهما، وفوق ذلك فإن القرآن الكريم أشار في عدة مواضع إلى أن أهل الكتاب نسوا حظا مما ذكروا به، وحرفوا الكلم عن مواضعه، وغيروا وبدلوا، ثم كانت التخريبات التي حلت بأورشليم في عهد بختنصر أولا، ثم في عهد الرومان ثانيا سببا في أنهم نسوا حظا مما ذُكَروا به، فليست التوراة المذكورة في القرآن هي التوراة الشائعة الآن. (وَالإِنجِيلَ) كلمة يونانية (١) معناها البشارة، والإنجيل هو الكتاب الذي نزل على عيسى، وليس هو هذه الأناجيل التي يقرؤها المسيحيون اليوم، فإن هذه مؤلفات ألفت بعد السيد المسيح عيسى ﵇؛ نسبت إلى بعض الحواريين من أصحابه؛ ولقد كان للمسيح ﵇ إنجيل غير هذه الأناجيل، وهو الذي ذكره القرآن الكريم على أنه هداية للناس. ولقد قرر الأحرار من النصارى ذلك؛ فقد قال أكهارن من مؤلفي تاريخ النصرانية: " إنه كان في ابتداء المسيحية رسالة مختصرة يجوز أن يقال إنها هي الإنجيل الأصلي، والغالب أن هذا الإنجيل كان للمريدين الذين لم يسمعوا أقوال المسيح بآذانهم ولم يروا أحواله بأعينهم، وكان هذا الإنجيل بمنزلة القلب، وما كانت الأحوال المسيحية مكتوبة فيه على الترتيب " (٢).

стр. 1365

وقد ذكرت ذلك الإنجيلَ الأناجيلُ المنسوبة لبعض الحواريين وهي المعروفة الآن، فقد جاء في إنجيل متى ما نصه: " وكان يسوع يطوف كل الجليل، يعلِّم في مجامعهم، ويكرر ببشارة الملكوت، ويشفي كل مرض وكل ضعف في الشعب " وبشارة الملكوت هي ترجمة دقيقة لكلمة إنجيل، فإن كلمة إنجيل يونانية كما نوهنا، فقد كانت إذن بشارة أي إنجيل غير هذه الأناجيل، وهو المذكور في القرآن، وإن لم يعلم الآن.

стр. 1366

(وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ): (الْفُرْقَانَ) هنا هو: القرآن، وكرر ذكره بعد أن ذكرت التوراة والإنجيل، للإشارة إلى الاتصال الكامل بين شرائع الله تعالى، وأنه تتميم لما سبقه، وأنه كمال هذه الشرائع كلها، وأن رسالة النبي ﷺ هي آخر لبنة في صرح الشرائع الإلهية، وبنزولها كمل دين الله (١). وكرر ذكره أيضا لوصفه بالفرقان، فهو أتى بمعنى جديد لَا يغني عنه ذكر الكتاب أولا. ووصف القرآن الكريم بالفرقان، لأنه فارق بين الحق والباطل، ومبين للصادق من الكتب السابقة، ولأنه فارق بين عهدين في الرسائل الإلهية؛ فقد كانت رسالات الرسل من قبل لأمم خاصة، ومن بعد كانت الرسالة المحمدية للناس كافة، فمن قبله كانت الرسالات لعلاج أحوال عارضة وقتية؛ أما رسالة القرآن فعلاج لأدواء الإنسانية، وتقرير الصالح لها مهما تختلف الأمصار، وتتباعد الأقطار، ولأنه ميزان الحقائق إلى يوم القيامة؛ ولذلك قال تعالى: (اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ. . .). (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ) ذكر سبحانه عقاب الذين يكفرون بآيات الله، أي معجزاته الباهرة، وآياته المتلوة القاهرة، بعد أن ذكر كتب الديانات الثلاث: اليهودية، والنصرانية، والإسلام؛

стр. 1367

للإشارة إلى أن الذين يكفرون بمحمد إنما يكفرون بشرائع الله المنزلة كلها؛ لأن شريعته كمالها، وبها تمامها وختامها، وللإشارة إلى أن اليهود والنصارى الذين لَا يتبعون محمدا، إنما يكفرون بحقيقة النصرانية نفسها، واليهودية ذاتها إذ يكفرون بمحمد ﷺ ؛ فليست رسالة محمد إلا الخطوة الأخيرة في الشرائع الإلهية، وهي الكمال، وقد بشرت به الكتب السابقة كلها، فالكفر به كفر بها، والإسلام سيمر بالشرع الإلهي إلى أقصى غايته؛ ولو كان موسى حيا ما وسعه إلا الإيمان بما جاء به محمد كما أشار بذلك النبي ﷺ . ومن أجل هذا كان الذين يكفرون بمحمد لهم عذاب شديد، وخصوصا إذا كانوا من اليهود والنصارى، لأنهم حينئذ يكفرون بكل آيات الله تعالى. ثم وصف سبحانه ذاته الكريمة بما يفيد أنه غالب، وأنه لَا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، فقال: (وَاللَّه عَزِيزٌ ذو انتِقَامٍ) أي أنه سبحانه بعزته غالب على كل شيء، مسيطر على كل شيء، ليس فوقه أحد، وهو القاهر فوق عباده. وهو ذو انتقام؛ أي أنه سبحانه له انتقام شديد لَا يدرك كنهه؛ ولذلك نكَّر الانتقام. والانتقام إنزال النقمة والشدة في مقابل ما يرتكبه الشخص؛ فإن كان من عادل حكيم كان عقوبة عادلة، وجزاء وفاقا؛ وكذلك يكون عقاب الله تعالى، فانتقام الله ليس تشفيا وشفاء غيظ كما هو الشأن من البشر، بل انتقام الله عقوبة عادلة، وقصاص رادع. وعبر بـ (ذو انتِقَام)، أي صاحب انتقام، للإشارة إلى أن هذا الانتقام في قدرته سبحانه وسلطانه ينزله أنى شاء، ومتي شاء بمقتضى حكمته وإرادته وقدرته، وعلمه الذي يحيط بكل شيء؛ ولذا قال بعد ذلك: * * *

стр. 1368

(إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٥) * * * هذه الجملة السامية تفيد تمام إحاطة الله تعالى في علمه، فهو يتجلى له كل شيء، ولو كان خافيا عن الناس أو من شأنه الخفاء؛ ولذلك جاء التعبير عن العلم الكامل، ببيان نفي الخفاء عليه سبحانه؛ وذلك لأن العالِم المحيط قد يخفى عليه شيء، لكن علم الله غير ذلك، فهو علم لَا خفاء معه في شيء مطلقا؛ وإذا كان الله عليما بكل شيء لَا يخفى عليه شيء فهو يعلم القلوب وما تخفيه، وما تكنه السرائر، وما تكنه الضمائر، فهو يعلم البواعث على الكفر، وأنها ليست نقصاً في الدليل، ولكنها مآرب الدنيا، والعصبية الجنسية والمذهبية، فليس الذين ينكرون ما جاء به محمد مخلصين في إنكارهم، بل هي لجاجة العناد، وجحود المستيقن. وذكر سبحانه السماء والأرض للإشارة إلى أن علمه قد وسع كل شيء؛ وسع السماوات والأرض، وليس الإنسان وما تحدثه به نفسه إلا شيئا صغيرا في هذا الملكوت العظيم، وذلك العالم بأرضه وسمائه. وأكد نفي الخفاء بتكرار " لا " في قوله تعالى: (وَلا فِي السَّمَاءِ) فَذكرُها ثانيا تأكيد لأنه لا يخفى عليه شيء. * * *

стр. 1369

(هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ ... (٦) * * * هذا بيان لسبب علم الله بعامة، وعلمه بالإنسان بخاصة، فإنه علمُ المكوِّن المنشئ، الخالق المبدع، ومن ذا الذي لَا يعلم ما أنشأه وكونه وأبدعه على غير مثال سبق؟! ولذا قال تعالى: (وأَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ). فهذه الآية الكريمة في مقام التعليل للآية السابقة؛ إذ الأولى بينت أن الله لَا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، وهي تتضمن الإشارة إلى أن ما تخفيه السرائر من بواعث على الإيمان أو الكفر، والوفاق أو العناد، يعلمه سبحانه لأنه لَا يخفى عليه شيء

стр. 1370

فى الأرض ولا في السماء. وهذه الآية تفيد أن الله يعلم الإنسان لا بعد أن استوى وصار في أحسن تقويم، بل يعلمه وهو نطفة لُفِظَت، ثم استقرت في الأرحام، ويعلمه كذلك علم المكوِّن المنشئ المربي الذي يتولى بقدرته تصويره حتى يصير بَشَرا سَوِيا. والتصوير: مأخوذ من مادة صار إلى كذا بمعنى تحول إليه، أو من صَارَهُ إلى كذا بمعنى أماله وحوله، فالتصوير معناه إذن تحويل شيء من حال إلى حال مغمَّرا في شكله وهيئته بإمالته من مشابهة شيء إلى مشابهة شيء آخر؛ وكذلك صنع الله تعالى في النطفة؛ فإنه يحولها إلى علقة، ومن علقة إلى مضغة، ثم يجعل الضغة عظاما، وهكذا، وتحويل الله وتصويره ليس تغييرا في الشكل، بل هو تنمية، وتكوين، وتدرج في هذا التكوين يستمر من وقت إيداع النطفة في مستودعها، حتى يصير إنسانًا في أحسن تقويم، بل يستمر التكوين حتى يبلغ أشده. والأرحام: جمع رحم، وهو مستودع النطفة في المرأة الذي فيه يتربى وينمو، ويجري تصوير الله له وتكوينه إياه، حتى يبرز في الوجود حيا يحس ويسمع، ثم يعلم ويتعلم؛ والله على كل شيء قدير. وقوله تعالى: (كَيْفَ يَشَاءُ) فيه بيان لأمرين: أحدهما: أن هذا التكوين تبع لشيئة الله وإرادته، فلم يكن وجوده كوجود المعلول من علته، وكالمسبب من سببه، إنما وجوده وتكوينه ونموه بإرادة الله تعالى ومشيئته، وهو فعال لما يريد. الأمر الثاني: بيان أن الله وحده هو الذي يجعله ذكرا أو أنثى، وجميلا أو دميما، وأبيض أو أسود، بل إنه سبحانه يكتبه وهو في رحم أمه شقيا أو سعيدا، مؤمنا أو كافرا، عالمًا أو جاهلا، تعالى الله سبحان في علمه علوا كبيرا.
следующие страницы →