(وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ): (الْفُرْقَانَ) هنا هو: القرآن، وكرر ذكره بعد أن ذكرت التوراة والإنجيل، للإشارة إلى الاتصال الكامل بين شرائع الله تعالى، وأنه تتميم لما سبقه، وأنه كمال هذه الشرائع كلها، وأن رسالة النبي ﷺ هي آخر لبنة في صرح الشرائع الإلهية، وبنزولها كمل دين الله (١). وكرر ذكره أيضا لوصفه بالفرقان، فهو أتى بمعنى جديد لَا يغني عنه ذكر الكتاب أولا. ووصف القرآن الكريم بالفرقان، لأنه فارق بين الحق والباطل، ومبين للصادق من الكتب السابقة، ولأنه فارق بين عهدين في الرسائل الإلهية؛ فقد كانت رسالات الرسل من قبل لأمم خاصة، ومن بعد كانت الرسالة المحمدية للناس كافة، فمن قبله كانت الرسالات لعلاج أحوال عارضة وقتية؛ أما رسالة القرآن فعلاج لأدواء الإنسانية، وتقرير الصالح لها مهما تختلف الأمصار، وتتباعد الأقطار، ولأنه ميزان الحقائق إلى يوم القيامة؛ ولذلك قال تعالى: (اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ. . .).
(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ) ذكر سبحانه عقاب الذين يكفرون بآيات الله، أي معجزاته الباهرة، وآياته المتلوة القاهرة، بعد أن ذكر كتب الديانات الثلاث: اليهودية، والنصرانية، والإسلام؛
стр. 1367
للإشارة إلى أن الذين يكفرون بمحمد إنما يكفرون بشرائع الله المنزلة كلها؛ لأن شريعته كمالها، وبها تمامها وختامها، وللإشارة إلى أن اليهود والنصارى الذين لَا يتبعون محمدا، إنما يكفرون بحقيقة النصرانية نفسها، واليهودية ذاتها إذ يكفرون بمحمد ﷺ ؛ فليست رسالة محمد إلا الخطوة الأخيرة في الشرائع الإلهية، وهي الكمال، وقد بشرت به الكتب السابقة كلها، فالكفر به كفر بها، والإسلام سيمر بالشرع الإلهي إلى أقصى غايته؛ ولو كان موسى حيا ما وسعه إلا الإيمان بما جاء به محمد كما أشار بذلك النبي ﷺ . ومن أجل هذا كان الذين يكفرون بمحمد لهم عذاب شديد، وخصوصا إذا كانوا من اليهود والنصارى، لأنهم حينئذ يكفرون بكل آيات الله تعالى.
ثم وصف سبحانه ذاته الكريمة بما يفيد أنه غالب، وأنه لَا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، فقال: (وَاللَّه عَزِيزٌ ذو انتِقَامٍ) أي أنه سبحانه بعزته غالب على كل شيء، مسيطر على كل شيء، ليس فوقه أحد، وهو القاهر فوق عباده. وهو ذو انتقام؛ أي أنه سبحانه له انتقام شديد لَا يدرك كنهه؛ ولذلك نكَّر الانتقام. والانتقام إنزال النقمة والشدة في مقابل ما يرتكبه الشخص؛ فإن كان من عادل حكيم كان عقوبة عادلة، وجزاء وفاقا؛ وكذلك يكون عقاب الله تعالى، فانتقام الله ليس تشفيا وشفاء غيظ كما هو الشأن من البشر، بل انتقام الله عقوبة عادلة، وقصاص رادع. وعبر بـ (ذو انتِقَام)، أي صاحب انتقام، للإشارة إلى أن هذا الانتقام في قدرته سبحانه وسلطانه ينزله أنى شاء، ومتي شاء بمقتضى حكمته وإرادته وقدرته، وعلمه الذي يحيط بكل شيء؛ ولذا قال بعد ذلك:
* * *
стр. 1368
(إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٥)
* * *
هذه الجملة السامية تفيد تمام إحاطة الله تعالى في علمه، فهو يتجلى له كل شيء، ولو كان خافيا عن الناس أو من شأنه الخفاء؛ ولذلك جاء التعبير عن العلم الكامل، ببيان نفي الخفاء عليه سبحانه؛ وذلك لأن العالِم المحيط قد يخفى عليه شيء، لكن علم الله غير ذلك، فهو علم لَا خفاء معه في شيء مطلقا؛ وإذا كان الله عليما بكل شيء لَا يخفى عليه شيء فهو يعلم القلوب وما تخفيه، وما تكنه السرائر، وما تكنه الضمائر، فهو يعلم البواعث على الكفر، وأنها ليست نقصاً في الدليل، ولكنها مآرب الدنيا، والعصبية الجنسية والمذهبية، فليس الذين ينكرون ما جاء به محمد مخلصين في إنكارهم، بل هي لجاجة العناد، وجحود المستيقن. وذكر سبحانه السماء والأرض للإشارة إلى أن علمه قد وسع كل شيء؛ وسع السماوات والأرض، وليس الإنسان وما تحدثه به نفسه إلا شيئا صغيرا في هذا الملكوت العظيم، وذلك العالم بأرضه وسمائه. وأكد نفي الخفاء بتكرار " لا " في قوله تعالى: (وَلا فِي السَّمَاءِ) فَذكرُها ثانيا تأكيد لأنه لا يخفى عليه شيء.
* * *
стр. 1369
(هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ ... (٦)
* * *
هذا بيان لسبب علم الله بعامة، وعلمه بالإنسان بخاصة، فإنه علمُ المكوِّن المنشئ، الخالق المبدع، ومن ذا الذي لَا يعلم ما أنشأه وكونه وأبدعه على غير مثال سبق؟! ولذا قال تعالى: (وأَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ). فهذه الآية الكريمة في مقام التعليل للآية السابقة؛ إذ الأولى بينت أن الله لَا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، وهي تتضمن الإشارة إلى أن ما تخفيه السرائر من بواعث على الإيمان أو الكفر، والوفاق أو العناد، يعلمه سبحانه لأنه لَا يخفى عليه شيء
стр. 1370
فى الأرض ولا في السماء. وهذه الآية تفيد أن الله يعلم الإنسان لا بعد أن استوى وصار في أحسن تقويم، بل يعلمه وهو نطفة لُفِظَت، ثم استقرت في الأرحام، ويعلمه كذلك علم المكوِّن المنشئ المربي الذي يتولى بقدرته تصويره حتى يصير بَشَرا سَوِيا.
والتصوير: مأخوذ من مادة صار إلى كذا بمعنى تحول إليه، أو من صَارَهُ إلى كذا بمعنى أماله وحوله، فالتصوير معناه إذن تحويل شيء من حال إلى حال مغمَّرا في شكله وهيئته بإمالته من مشابهة شيء إلى مشابهة شيء آخر؛ وكذلك صنع الله تعالى في النطفة؛ فإنه يحولها إلى علقة، ومن علقة إلى مضغة، ثم يجعل الضغة عظاما، وهكذا، وتحويل الله وتصويره ليس تغييرا في الشكل، بل هو تنمية، وتكوين، وتدرج في هذا التكوين يستمر من وقت إيداع النطفة في مستودعها، حتى يصير إنسانًا في أحسن تقويم، بل يستمر التكوين حتى يبلغ أشده.
والأرحام: جمع رحم، وهو مستودع النطفة في المرأة الذي فيه يتربى وينمو، ويجري تصوير الله له وتكوينه إياه، حتى يبرز في الوجود حيا يحس ويسمع، ثم يعلم ويتعلم؛ والله على كل شيء قدير.
وقوله تعالى: (كَيْفَ يَشَاءُ) فيه بيان لأمرين:
أحدهما: أن هذا التكوين تبع لشيئة الله وإرادته، فلم يكن وجوده كوجود المعلول من علته، وكالمسبب من سببه، إنما وجوده وتكوينه ونموه بإرادة الله تعالى ومشيئته، وهو فعال لما يريد.
الأمر الثاني: بيان أن الله وحده هو الذي يجعله ذكرا أو أنثى، وجميلا أو دميما، وأبيض أو أسود، بل إنه سبحانه يكتبه وهو في رحم أمه شقيا أو سعيدا، مؤمنا أو كافرا، عالمًا أو جاهلا، تعالى الله سبحان في علمه علوا كبيرا.
стр. 1371
ولقد ذكر بعض المفسرين أن هذه الآية الكريمة فيها رد على بعض النصارى الذين اعتبروا المسيح عيسى ابن مريم إلها؛ لأنه ولد من غير أب؛ فالله يبين في هذه الآية أنه هو الذي صوره وكونه في رحم أمه، كما يُكوِّن سائر الناس، وما كان الإله قابلا للنمو من الصغر إلى الكبر، ومن النطفة إلى العلقة، فالمضغة، فالعظام، وإذا كان رب البرية قد ألقى في رحم مريم ما هو من جنس النطفة البشرية من غير أب يودعها فإن التكوين الذي يسري على البشر سرى عليه فكيف يكون إلها؛ ويزكي هذا أن الآيات من أول السورة إلى ثمانين آية كان سبب نزولها - فيما يروى في أسباب النزول - وفد نجران ومناقشة النبي ﷺ ، وسواء أصح ذلك سببا للنزول أم لم يصح فإن الآية فيها رد على من يدَّعي ألوهية المسيح.
(لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) في هذه الجملة السامية تقرير للوحدانية وانفراده بالألوهية وحق العبودية، بعد أن قدم ما هو دليل على هذه الوحدانية، وهو العلم الشامل لكل شيء الذي لَا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، وبعد أن أشار سبحانه إلى أنه المكون لكل شيء وخص الإنسان بالذكر؛ لأنه هو الذي يتمرد ويضل، وكل ما في الوجود مسخر له كما قال تعالى: (هُوَ الَّذي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَميعَا. . .).
ثم ختم بالعزة والحكمة، لبيان كمال سلطانه في ملكه الذي خلقه، وإثبات أنه لَا سلطان لأحد معه حي يشترك في عبادته ، وكيف يكون إله لَا سلطان له! ولبيان أن الله سبحانه يدبر هذا الكون بواسع علمه وعظيم حكمته، إنه على كل شيء قدير، وهو نعم المولى ونعم النصير.
* * *
стр. 1372
(هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧)
* * *
في الآيات السابقة ذكر سبحانه منزلة القرآن بين الكتب السماوية، وأنه فرقانُها وميزانها، وذكر أنه العليم بكل شيء، الذي لَا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، فهو العليم بخلقه، والعليم بما ينزل عليهم من آيات بينات، والعليم بمداركهم البشرية، وطاقاتهم العقلية، يطالبهم بما يدركون ويكلفهم ما يستطيعون؛ وفي هذه الآية يبين أقسام القرآن من حيث قوة إدراكهم له، وتطلعهم لفهمه، وتباين مقاصدهم في طلب حقيقته ومعناه، وغايته ومرماه؛ وفيها بيان أنه قسمان: قسم لَا تدركه كل العقول، وقسم تدركه كل العقول الميزة، وأن ما يعلو على الإدراك، أصله ما أدركه كل الناس. ولذا قال سبحانه: (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ) الضمير يعود إلى الذات العلية التي وصفت في الآيات السابقة، إذ قد وصف ذاته - جلت قدرته - بأنه الحي القائم على كل شيء، والذي به يقوم كل شيء، وبأنه منزل الكتب من السماء، وجاعل القرآن ميزانها، وأنه سبحانه لَا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، وأنه سبحانه الذي يعلم الإنسان منذ يكون نطفة في بطن أمه إلى أن يصير إنساناً مستويا كامل التكوين، وهو الذي يصوره ذلك التصوير، ويكونه ذلك التكوين، وهو العزيز الغالب المسيطر على كل شيء خلقه، ولا شيء في الوجود إلا كان خلقه، الذي يتصرف في هذا الكون بمقتضى حكمته وعلمه بكل شيء؛ فقوله تعالى:
стр. 1373
(هُوَ الَّذِي أَنزَلَ) الضمير يعود إلى المتصف بهذه الصفات. وقوله: (الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ) معناه أن هذا الكتاب العظيم الشأن الذي هو ميزان الكتب السابقة وفرقانها، أنزله الله العلي القدير المتصف بهذه الصفات عليك، وقد اختارك موضع رسالته، وأداء أمانته، و (اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ. . .). وهو أعلم بشأن الكتاب وما جاء فيه، وتلقي الناس له، ومقدار إدراكهم لما فيه، وقد شاء بحكمته الواسعة أن يجعله قسمين؛ أحدهما: يدركه كل الناس، والثاني: فوق مستوى عامة الناس، ولذا قال بعد ذلك: (مِنْهُ آيَات مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ) أي أن القرآن من حيث بيانه وإدراك الناس له: محكم، ومتشابه؛ ولقد وجدنا القرآن الكريم وصف بأنه كله محكم في مثل قوله تعالى: (الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ. . .).
أي أنها نزلت حكمة لَا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها؛ ووصفه الله بأنه متشابه؛ فقد قال تعالى: (كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقلُوبُهمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ. . .)، ومعنى التشابه هنا هو أنه على شاكلة واحدة من حيث قوة تأثيره، وتآخي معانيه، وإحكام نسقه، وفصاحة ألفاظه، وقوة تأثيره بألْفَاظه ومعانيه، فهو في هذا متشابه، أي يشبه بعضه بعضاً.
وفى هذه الآية التي نتكلم في معانيها وُصف القرآن بأن منه آيات محكمات، وأخر متشابهات، فلا شك أن معنى مُحكم هنا غير معناها في قوله تعالى: (كتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ. . .) ومتشابه غير معناها في قوله تعالى: (اللَّهُ نَزَّلَ أً حْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ. . .) وإن ذلك يتضح من تفسير كلمة محكم ومتشابه في أصل معناها اللغوي. وهذا ما جاء في كتب اللغة: العرب تقول: حاكمت وحكمت وأحكمت بمعنى رددت ومنعت، والحاكم يمنع الظالم من الظلم، وحكمة اللجام هي التي تمنع الفرس من الاضطراب.
وروى إبراهيم النخعي: أَحْكِمْ اليتيمَ كما تُحْكِمْ ولدك. أي امنعه عن الفساد.
стр. 1374
وقال ابن جرير الطبري: أحْكموا سفهاءكم أي امنعوهم، وبناء محكم أي وثيق يمنع من تعرض له. وسميت الحِكمة حكمةً لأنها تمنع عما لَا ينبغي. وأما المتشابه فهو أن يكون أحد الشيئين مشابها للآخر، بحيث يعجز الذهن عن التمييز؛ قال تعالى: (إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا. . .)، وقال في وصف ثمار الجنة (وَأُتوا به مُتَشَابِهًا. . .)، أي متفق المنظر مختلف الطعوم، وقال تعالى: (تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ. . .). ومنه يقال: اشتبه عليَّ الأمران، إذا لم يفرق بينهما وقال ﵊: " الحلال بين، والحرام بيّن، وبينهما أمور متشابهات ". وفي رواية أخرى " مشتبهات " (١). ثم لما كان من شأن المتشابهين عجز الإنسان عن التمييز بينهما سمي كل ما لَا يهتدي الإنسان إليه بالمتشابه إطلاقا، سواء أكان له مشابه أم لم يكن له مشابه (٢).
وعلى هذا الأساس اللغوي، نقول: إن المتشابه في القرآن أطلق على ما لا يمكن فهمه مطلقا، أو ما لَا يمكن معرفة حقيقته على الوجه الأكمل، أو ما يدق ويختفي على العامة، ولا يستغلق على الخاصة. هذان هما الوجهان اللذان يحتملهما معنى المتشابه؛ فإما أن نقول إنه ما لَا يمكن معرفة حقيقته على الوجه الأكمل في هذه الدنيا، وإما أن نقول إنه ما يمكن معرفته ولكن لبعض الخاصة الراسخين في العلم، والمحكم هو ما يقابل المتشابه، وهو الواضح البين للعامة والخاصة الذي لَا تتفاوت في إدراكه الأنظار، وما يمكن معرفة حقيقته على الوجه الأكمل، وهو أم الكتاب، لأنه الأصل الذي يجب على كل مؤمن معرفته، والجزمُ بمعناه، والتصديق بمغزاه. فالآيات الحكمات أم الكتاب، أي أصله الذي يرجع إليه، ويحمل المتشابه عليه، ويخرج بتخريج لَا يناقضه إن كان ممكن الإدراك على الوجه الكامل. فالآيات المحكمات هي الحكم الذي يفصل بين التأويل الزائغ، والتأويل الصادق، فما شهدت له، فهو الصادق الذي يتفق مع أصل التنزيل، وما يخالفه فهو الزيغ في الدين، والخروج عن جادته.
стр. 1375
والمتشابه ينتهي كما ذكرنا إلى أحد معنيين؛ إما أن نقول إنه الغيب الذي لا يستطيع الإنسان معرفته، كحقيقة الروح، وحقيقة الجن والملائكة، وما يكون يوم القيامة، وكيف يكون نعيم الجنة الحسي، وعذاب الجحيم المادي، وكيف ينشئ الله الخلق، وكيف يعيده، وكيف يتجلى سبحانه يوم الحساب، وهكذا مما غيبه الله تعالى علينا؛ لأن عقولنا مأسورة بالحس الذي نحسه، وبالمادة التي ندركها، وعلم الغيب قد أخفاه الله سبحانه عنا؛ لأنه يعلو عن مداركنا في هذه الدنيا، وعلينا أن نؤمن بما أخبرنا به القرآن الكريم، وما جاءت به السنة الصحيحة؛ فإن من صفات أهل الإيمان الإيمان بالغيب، إذ قال سبحانه في أوصافهم: (الَّذينَ يُؤْمنُونَ بِالْغَيْب وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ).
هذا هو الوجه الأول الذي يحتمله تفسير كلمة المتشابه.
أما الوجه الثاني فمعنى المتشابه أنه الذي يدق معناه إلا على طائفة خاصة من أهل العلم، كبعض العبارات القرآنية الخاصة بالكون وتكوين السماء والأرض، وبعض ما ذكر في القرآن من أوصاف لله ، ونحو ذلك من الحقائق التي لَا يخوض فيها إلا أهل الذكر، وهي دقيقة في معناها.
هذان هما الوجهان اللذان تحتملهما الآية الكريمة، ويدخل في عمومهما كل الأقوال التي قيلت في هذا المقام (١). ونرى أن كلا الوجهين تحتملهما الآية، من غير ترجيح لأحدهما على الآخر، بل يصح لنا أن نقول:
стр. 1376
إن الوجهين معا مرادان، وسنختار ذلك، ونبين وجهه عندما نتكلم في تأويل المتشابه إن شاء الله تعالى.
وإن وجود هذين القسمين في القرآن الكريم كان سببا في أن وَجَدَ الذين زاغوا وأضلهم الله على علم سبيلا لأن يفتنوا الناس عن دينهم ويضلوهم؛ وذلك بمحاولة تأويل المتشابه من غير أن يلاحظوا الموافقة بينه وبين الآيات المحكمات وهن أم الكتاب؛ ولذا قال سبحانه:
(فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ) في هذه الآية الكريمة يبين أن الذين يتلقون هدى القرآن قسمان، كما أن آيات القرآن قسمان، ولكلام الله تعالى المثل الأعلى؛ فالقسم الأول يتلقى الهدى القرآني مستضيئا بنوره آخذا بهديه؛ ما يعرفه يهتدي به، وما لَا يعرِفه يؤمن به، ويفوض فيه الأمر إلى ربه، ويقول: (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ومَا أَنَا مِن الْمُتَكَلِّفِينَ). والقسم الثاني زاغ، فَأزاغه اللَّهُ عن الحق. وقد ذكر الله ذلك القسم، ويفهم القسم الأول من قوله تعالى في حق الراسخين في العلم أنهم يقولون:
стр. 1377
(رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا).
والزيغ أصل معناه في اللغة: الميل عن الاستقامة. والتزايغ التمايل، ورجل زائغ: أي مائل عن الطريق المستقيم في طلب الحق. والمعنى على هذا: أن الذين في قلوبهم زيغ، أي ميل عن طلب الحق وعدم أخذ بالمنهج المستقيم، لَا يتجهون إلى المحكم يطلبون منه حكم القرآن، بل يتبعون ما تشابه من القرآن؛ لأنه بُغيتُهم، ويجدون في الاشتباه ما يتفق مع اعوجاج نفوسهم، وعدم استقامة تفكيرهم، وما ينطوي عليه مقصدهم الباطل؛ فإن اعوجاج القلوب يجيء من تحكم الهوى في
стр. 1378
النفس، وإذا تحكم الهوى وسيطرت الشهوات المختلفة كشهوة التسلط والغلب وحب السلطان، وشهوة المال، وشهوة النساء، وشهوة المفاسد، فإن القلوب تركس، وتفسد، وتعوج، فلا تطلب الحق لذات الحق، بل تطلب ما يحقق شهوة النفوس، وأولئك لأنهم لَا يطلبون الحق يتبعون المتشابه يتقصَّوْنه ويتعرفون مواضع الريب، ليثيروا الشبهات حول الحق، ويشككون الناس فيه، ولذا قال سبحانه: (ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ) أي طلبًا لفتنة الناس عن دينهم وخدعهم، وإثارة الريب في قلوبهم، بأوهام يثيرونها حول المتشابه الذي جاء في القرآن، مثل أن يقولوا: ما نعيم الجنة وما جحيمها؟ و (أَئِذَا كنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ. . .).
وكيف يخلق الله العالم؟ وهكذا يثيرون هذه الأوهام المشتقة من مألوف الحياة الفانية، ليشككوا في حقيقة الحياة الباقية. فابتغاء الفتنة مقصودهم الأول؛ ولذا ذكر أولا، ثم أعقبه سبحانه بابتغاء التأويل فقال: (وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ) فهم قد ابتغوا التأويل بانبعاث من الهوى والرغبة في تضليل الناس وإثارة الشكوك حول حقائق الدين، فالرغبة في الفتنة هي المقصد الأول، والرغبة في التفسير أو معرفة المآل جاءت تابعة إذ لَا تتحقق الفتنة إلا بها.
والتأويل في أصل معناه اللغوي كما قال الأصفهاني في مفرداته " من الأَوْل أي الرجوع إلى الأصل، أي رد الشيء إلى الغاية المقصودة منه علما أو فعلا " فهو معرفة الغاية، إما بمعرفة المراد المقصود؛ ولذلك أطلق التأويل على التفسير ومعرفة ما يخفى من الحقائق وإرادة غير الظاهر لقرينة تدل عليه؛ وإما بمعرفة المآل والنتيجة عملا، كما في قوله تعالى: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٥٣).
والتأويل الذي يبتغيه الزائغون هو معرفة المآل في الدنيا، كأن يطلبوا إنزال العذاب الذي يهددون به، وكأن يطلبوا إحياء بعض الموتى، وقد يفسرون تفسيرات
стр. 1379
المقصود منها تشويه الحقائق وتضلل العقول، وقد قصدوا في الأمرين الضلال. وإن الله قد بين بعد ذلك أن صرفة المآل عند الله تعالى وحده، وصرفة المعنى قد يدركها الراسخون، فقال سبحانه:
(وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ منْ عِندِ رَبِّنَا) في هذا النص الكريم قراءتان: إحداهما بالوقف عند لفظ الجلالة، والابتداء بقوله تعالى في استئناف للقول: (الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ). وهذه القراءة يستفاد منها أن معرفة التأويل والعلم به هي لله وحده، وعلى هذا يكون التأويل بمعنى معرفة مآل ما اشتمل عليه القرآن من أخبار اليوم الآخر وغيره من مغيبات عن الحس. والقراءة الثانية بالوصل من غير وقف، بعطف الراسخين في العلم على لفظ الجلالة؛ ومعنى هذا أن العلم بالتأويل عند الله، ويعرفه الراسخون في العلم من غير زيغ مع استقامة المنهاج، ووضوح الغاية، والتأويل هنا بمعنى التفسير وتعرُّف المراد علما.
وإذا كانت قراءات القرآن سنة متبعة وكل قراءة هي بذاتها قرآن متلو مبين، فمجموع القراءتين يشير إلى أن التأويل قسمان، أحدهما: علم بالمآل والغاية، وهذا لَا يعلمه إلا الله، كما أشارت القراءة الأولى، والقسم الثاني من التأويل علم بالتفسير والمراد من الألفاظ، وهذا يعلمه الله، وقد يعرفه الراسخون في العلم، وهم في الحالين يقولون آمنا، أي صدقنا وأذعنَّا، كل من عند ربنا، فهم مفوضون مؤمنون مذعنون في حال علمهم وجهلهم، مصدقون بأن المحكم والمتشابه من عند الله. فمعنى (كُلٌّ منْ عِندِ رَبِّنَا) أي كل واحد منهما يجب الإيمان به من غير تشكيك. وهذا هو الفرق بين الزيغ، واستقامة الفكر، فالمستقيم المفكر المؤمن يتقدم الإيمان على طلب التأويل، أما الآخر فيطلب التأويل ليلقي بالريب والشك.
стр. 1380
وإن هذا المنهاج المستقيم الذي يطالب به الإسلام هو منهاج أهل العقول الراجحة المستقيمة، وهم الثابتون في تفكيرهم وإيمانهم، الذين لَا تعبث بإيمانهم الأهواء، لأنه إيمان عميق، وسماهم العلي الحكيم: " الراسخين " في العلم، من الرسوخ وهو الثبات والتمكن، فالراسخ في العلم المؤمن الثابت الإيمان المتحقق الذي لَا تعرض له شبهة إلا أزالها بنور بصيرته، إذ الشبهة كالظلمة يبددها الضوء الساطع. وقد بين سبحانه أن أولئك هم الذين يتذكرون القرآن، ويتدبرون معانيه، ويدركون مراميه، وهم ذوو الألباب حقا وصدقا، ولذلك ختم الله الآية بقوله:
(وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الأَلْبَابِ) أي ما يدرك الحقائق الدينية ويعتبر بها، ويتذكر ما في القرآن من عبر ومواعظ وهداية إلا أصحاب العقول الراجحة التي لا تخضع للهوى والشهوة. وفي التعبير عن إدراك الحقائق الدينية والمعاني القرآنية وتفويض الأمور إلى الله تعالى فيما يعلم ويجهل بقوله: (وَمَا يَذَّكَّرُ) إشارة إلى أن المعاني الدينية في فطرة كل إنسان، ولكن يطمسها الهوى عند بعض الناس فلا يتذكرون، وتتكشف هذه الفطرة عند الذين لم تسيطر عليهم الأهواء فيتذكرون، والله أعلم بالأنفس.
هذه آية المحكم والمتشابه تكلمنا في معانيها التي تفهم من ألفاظها، ولكن بعض العلماء يتكلمون في موضوع هذه الآيات المتشابهة؛ وقبل أن نخوض في ذكر بعض ما قالوا نقرر أن الذي يستخلص من مصادر الشريعة ومواردها أن الآيات المتشابهة لَا يمكن أن يكون موضوعها حكما تكليفيا من الأحكام التي كلف عامة المسلمين أن يقوموا بها، وإنه لَا يمكن أن تكون آية من آيات الأحكام التكليفية قد انتقل النبي ﷺ إلى الرفيق الأعلى من غير أن يبينها، ولا تشابه فيها بعد أن بينتها السنة النبوية؛ لأن الله تعالى يقول: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ. . .)، ولا شكَّ أنَّ مِنْ أوَّلِ بيان ما نزل إليهم بيان الأحكام التكليفية، ولو تصور أحد أن من آيات القرآن التي تشتمل على أحكام
стр. 1381
تكليفية لم يبينه النبي ﷺ لكان معنى ذلك أن الرسول الكريم لم يبلغ رسالة ربه، وهذا مستحيل. لذلك نقول جازمين: إنه ليس في آيات الأحكام آية متشابهة، وإن اشتبه فهمها على بعض العقول لأنه لم يطلع على موضوعه فليس ذلك لأنها متشابهة في ذاتها، بل لاشتباه عند من لَا يعلم، واشتباه من لَا يعلم لَا يجعل آية في القرآن متشابهة.
وأكثر العلماء يقولون إن آيات الصفات التي توهم التشبيه هي من المتشابه كقوله تعالى: (يد الله فوق أيديهم)، وقوله تعالى: (كُلُّ شيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ. . .)، وقوله تعالى: (الرَّحْمَن عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)، فقالوا إن السلف يفوضون فيقولون آمنا به كل من عند ربنا، والخلف يؤولون، فيقولون: إن اليد هي القدرة، والاستواء الاستيلاء، والوجه هو الذات؛ وهكذا يعتبرون تلك الآيات من المتشابه. وقد وجد من العلماء من لم يعدوا آيات الصفات من المتشابه إنما المتشابه عند أكثرهم هو ما يكون خاصا بالغيب الذي لَا نعلمه، ولم يعلمه لنا، كحقيقة الروح، وما يكون من نعيم اليوم الآخر، والعقاب والثواب فيه؛ من حيث إنه لَا يعرف ماله إلا الله تعالى، وما أخبره الله تعالى إن هو إلا تقريب، ففي الجنة ما لَا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطرَ على قلب بشر. وهؤلاء الذين نفوا أن آيات الصفات من المتشابه، لهم ثلاثة مناهج:
المنهاج الأول: منهاج ابن حزم؛ فهو يقول إن آيات الصفات لَا تشابه فيها، فهي كلها أسماء للذات العلية؛ فاليد كناية عن الذات، والوجه كذلك، والاستواء فعل للذات العلية. . وهكذا، وقصَر المتشابه على الحروف التي تبدأ بها السور، والأقسام التي يقسم بها الله تعالى.
والثاني: منهاج للغزالي ذكره في بعض كتبه، وهو " إلجام العوام عن علم الكلام "، وقد ذكر فيه أن بعض هذه الألفاظ التي توهم التشبيه هي استعمال مجازي مشهور، وليس تأويلا؛ فإنه يقال: وضع الأمير يده على المدينة،
стр. 1382
فيفهم كل عربي أن معنى ذلك أنه استولى عليها وسيطر، ويكون من هذا القبيل: (يد الله فوق أيديهم). فعبارات الغزالي في هذا الكتاب تفيد أن هذه العبارات مجاز عربي مشهور لَا يحتاج إلى تأويل، ولكن يجب بعد هذا الفهم الظاهر التفويض وأن نقول: (آمَنَّا بهِ كُلٌّ منْ عِندِ رَبِّنَا).
المنهاج الثالث: منهاج ابن تيمية، وهو يرى أن هذه الآيات ظاهرة في معانيها، فهو يقول: إن لله يدا ولكن ليست كأيدينا، ووجها ولكن ليس كوجوهنا وإن هذه معان حقيقية، ويقول إن ذلك هو مذهب السلف، وهو في هذا تابع لطائفة من الحنابلة ادعوا أن ذلك منهاج الإمام أحمد. ولكن رد عليهم ابن الجوزي، وأنكر أن يكون ذلك مذهب أحمد فقال: " رأيت من أصحابنا من تكلم في الأصول بما لَا يصلح، ورأيتهم قد نزلوا إلى مرتبة العوام، فحملوا الصفات على مقتضى الحس، فأثبتوا له سبحانه صورة ووجها زائدا على الذات؛ وقد أخذوا بالظاهر في الأسماء والصفات، ولا دليل لهم في ذلك من النقل ولا من العقل، ولم يلتفتوا إلى النصوص الصارفة عن الظواهر إلى المعاني " ثم يقول: " يا أصحابنا أنتم أصحاب نقل واتباع، وإمامكم الأكبر أحمد بن حنبل ﵀ يقول وهو تحت السياط: كيف أقول ما لم يقل! ثم قلتم في الأحاديث تحمل على ظاهرها، فظاهر اليد الجارحة، ومن قال استوى بذاته المقدسة فقد أجراه سبحانه مجرى الحسيَّات، وينبغي ألا يهمل ما يثبت به الأصل، وهو العقل، فإنا به عرفنا الله تعالى، وحكمنا له بالقدم " ثم يقول " لا تُدخلوا في مذهب هذا الرجل الصالح ما ليس فيه ".
* * *
стр. 1383
(رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨) رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٩) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (١٠) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١١) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٢)
* * *
(رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا) هذه ضراعة يجب على كل مؤمن أن يتضرع بها إلى ربه. وقد قال بعض العلماء إنها من مقول الراسخين في العلم، فهم يقولون: (آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِندِ رَبِّنَا) ويقولون أيضاً: (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا) وكأنهم إذ يعلنون الإيمان والإذعان يضرعون إلى الله تعالى أن يحفظه ويبقيه بإبعادهم عن الزيغ والاضطراب في العقيدة.
وقال بعض المفسرين: إن هذا كلام جديد، وهو تعليم من الله تعالى للمؤمنين ليدعوا بهذا الدعاء، والمعنى على الحالين: ربنا أي يا خالقنا والعليم بنفوسنا والقيوم على أمورِنا (لا تُزِغْ قلُوبَنَا): لَا تبتلينا بابتلاء واختبار تَزيغ معه قلوبنا، وتضطرب معه نفوسنا، فتكون الإزاغة عن الطريق المستقيم والمنهاج الحق. والزيغ يبتدئ دائما بسيطرة الأهواء على النفوس، فتضطرب فتحيد، فيكتب الزيغ فتزيغ؛ وهذا كقوله تعالى: (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ. . .).
وروت أم سَلَمة ﵂ أن أكثر دعاء الرسول ﷺ : " يا مقلب القلوب ثبت
стр. 1384
قلبي على دينك " فقالت له يا رسول الله ما أكثر دعاءك يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك؟ فقال: " يا أم سلمة، إنه ليس آدمي إلا وقلبه معلق بين أصبعين من أصابع الله، فمن شاء أقام، ومن شاء أزاغ " (١).
(وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) هذا بقية الدعاء والضراعة التي تجري على ألسنة الراسخين في العلم، وهي من تعليم الله ، وهذا الدعاء يتضمن طلب الرحمة، وقد تضمن الأول طلب تثبيت الإيمان، وهو أول أبواب الرحمة، والأصل لكل رحمة؛ فبعد أن علمنا الضراعة بأن لَا تميل قلوبنا، وجهِّنا لطلب الأثر كذَلك وهو الرحمة، ورحمة الله تفضُّل وإنعام على العبد؛ لأنه وما يملك ملك لله تعالى يتصرف فيه كما يتصرف المالك في ملكه، وليس لأحد عند رب العالمين حساب. والرحمة المطلوبة كلمة شاملة جامعة، فتجمع النصر في الدنيا والقرار والاطمئنان فيها، والنعيم في الآخرة. والتعبير بقوله تعالى: (مِن لَّدُنكَ) أي من عندك، وَلَدُن لَا تستعمل بمعنى عند إلا إذا كانت العندية في موضع خطير جليل عال. والمعنى على هذا أن الرحمة فيض من فيوض الله ينزل على عباده كما ينزل المطر من مرتفع السماء إلى الأرض. وقد ختمت الآية الكريمة بما يدل على أن هبة الرحمة شأن من شئون العلي القدير، ووصف من أوصافه، فقال سبحانه على ألسنة الضارعين المبتهلين: (إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ) في هذا تأكيد رحمة الله تعالى بعدة مؤكدات، منها " إنَّ " التي للتوكيد، ومنها تأكيد الضميو بقوله " أنت " ومنها القصر، أي لَا يهب أحد سواك، وذلك بتعريف الطرفين، ومنها التعبير بصيغة المبالغة، وهي: الوهاب، وإنه سبحانه قد انفرد بالرحمة وهبة الرحمة لمن يشاء، وإن رحمته وسعت كل شيء.
* * *
стр. 1385
(رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٩)
* * *
هذه هي الضراعة الثانية التي اقترنت بآية المحكم والمتشابه في القرآن، والكلام فيها كالكلام
стр. 1386
في الآية السابقة، من حيث كون هذا الدعاء من مقول الراسخين في العلم، أو تعليم من الله للراسخين في العلم من المؤمنين، وكلاهما ينتهي إلى أن هذه الضراعة إن صدرت عن القلب تكون مانعة له من الزيغ، فإن الإيمان باليوم الآخر لبُّ الإيمان، وهو يربي الإذعان، وفيه كل معاني التفويض، وبه يستعين المؤمن على محاربة داعي الهوى والشهوة. وقوله تعالى على لسان المؤمن الراسخ في العلم: (رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ) تنبيه إلى أنه في هذا اليوم يتبين الحق، ويواجه الحق والمبطل، ويعلن الذين يزيغون والذين يذعنون، ويتبين زيغ الزائغ وجزاؤه، وثمرات الإيمان وجزاؤه. وفي هذا تنبيه أيضا إلى أن اليوم الآخر لا ينبغي أن يكون محلَّ ريب، لأن الذي أخبر به هو الذي خلق الخلق، فهو الذي بدأهم، وهو الذي يعيدهم، ولأنه سبحانه ما خلق الخلق عبثا، وما ترك الأمر للباطل والمبطلين يرتعون في الأرض ويفسدون، بل جعل للحق سلطانا، وجعل له العلو، فإن لم يكن في الحال، فإنه سيكون لَا محالة في المآل، والله على كل شيء قدير.
والأساس في العلم باليوم الآخر هو إخبار الله تعالى الذي لَا يحتمل إخلافا؛ ولذلك قال سبحانه بعد ذلك: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ) أي إن اليوم الآخر الذي لَا ينبغي لمؤمن أن يرتاب فيه هو وعد الله الذي وعد به المتقين، ونذيره الذي أنذر به الجاحدين الضالين، والله لَا يخلف اليعاد. وفى هذه الجملة السامية (إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ) إشارة إلى الجزاء الأخروي وما فيه من جزاء بعد الحساب، فهي تتضمن تبشيرا للمؤمنين، وإنذارا للعاصين الكافرين. جعلنا الله من المتقين المهتدين، الذين لَا يزيغون في فهم دينه، وتفهم قرآنه، والمذعنين للحق الطالبين له.
* * *
(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ... (١٠)
* * *
كان السبب في كفر من كفر، وزيع من يزيغ، هو اغترارهم في هذه الحياة الدنيا بكثرة المال، وعزة النفر، وقوة العصبية، مما جعلهم يبغون على الناس، ويبغون على أنفسهم،
стр. 1387
فتطمس مسالك النور إلى قلوبهم؛ وإنه لَا شيء يُدَلِّي بالنفس فتعمى عن الإدراك
أكثر من الغرور؛ ولذلك ذكر أن هذه الأموال وأولئك الأولاد وإن كانوا العصبة أولي القوة لن تغني عنهم شيئاً. وقد أكد القول سبحانه في موضعين في قوله:
стр. 1388
(إِنَّ الَّذينَ كَفَرُوا) وبهذا يؤكد سبحانه وقوع الكفر منهم، ويؤكد النفي سبحانه في قوله، (لَن تغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئَا) إذ نفي بـ: " لن "؛ فالخبران مؤكدان: الإثبات والنفي؛ فكفرهم وعدم نفع أعراض الدنيا مؤكدان، وكأن مجرى القول هكذا: غرتهم أماني الدنيا بالأموال والأولاد فكفروا كفراً مؤكدا مع أنه من المؤكد أنها لن تنفعهم بأي نفع، ولن يكون فيها ما يغني عن رحمة الله التي حرموها بسبب كفرهم المؤكد، وهنا بعض إشارات بيانية منها قوله: (لَن تُعْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ) فقد قال بعض المفسرين: إن معناها لن تدفع عنهم من عذاب الله شيئا. فـ تغني معناها تدفع، والدفع المنفي هو منع العذاب، ولكن كلمة تغني لَا تدل على معنى الدفع إلا على سبيل المجاز، الذي يرشح له ويقويه قوله تعالى: (مِّنَ اللَّهِ) و " من " هنا بمعنى البدلية، والمعنى يكون على هذا: لَا تكون الأموال والأولاد مغنية أي غناء ونافعة أي نفع بدل رحمة اللهِ تعالى وقدرته وإرادته ونفعه لعباده؛ فالغاية أن الأولاد والأموال لَا تجلب رحمة بدل رحمة الله تعالى ونفعه لعباده شيئا من الغَنَاء أو النفع.
ثم قوله في نفي نفع الأولاد بعد نفي نفع الأموال (وَلا أَوْلادُهُم) إشارة إلى أن قوة النفع بمقتضى الفطرة والعادات الجارية في الأولاد أكثر؛ ولذا أكد النفي فيه بعد تأكيده أولا بتكرار " لا " كأن نفي نفع الأموال أسهل قبولا من نفي نفع الأولاد، ولذا زاده توكيدا بعد توكيد؛ وإن أولئك الكافرين إذا كانوا قد حرموا نفع الأولاد والأموال، ولم يستبدلوا برحمة الله شيئا، فلهم مع ذلك عذاب شديد، ولذا قال سبحانه بعد ذلك:
стр. 1389
(وَأُوْلَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ) الإشارة في قوله: (وَأُوْلَئِكَ) إلى أولئك الكافرين الذين غرهم غرور الأموال والأولاد فضلوا لفرط اعتزازهم بسلطان المال والعصبية، وفي الإشارة إليهم وهم موصوفون بالكفر المؤكد الذي لَا سبيل إلى الشك فيه ولا الريب بيان أن السبب في العقاب الذي ينزله الله بهم هو هذا الكفر الذي دفع إليه الغرور والاعتزاز بغير الله وبغير الحق " والجملة السامية (وَأُوْلَئِكَ هُمْ وَقُود النَّارِ) دالة على عقابهم الشديد يوم القيامة. وقد أكد الخبر بثلاثة مؤكدات:
أولها: الإشارة إلى البعيد بـ (وَأُوْلَئِكَ) الدالة على غلوهم في الكفر، وإيغالهم فيه، وكلما قوى السبب قوى المسبب، وكلما اشتدت الجريمة اشتد العقاب، فهي مَثُلَةٌ للجزاء.
وثانيها: ذكر ضمير الفصل " هم "، فهو يؤكد، إذ فيه تكرار لذكر الموضوع الذي يَرِد عليه الحكم، وكل تكرار فيه تأكيد فوق ما يدل عليه من الاختصاص.
وثالثها: التعبير عن العقوبة النارية التي تنزل بهم، بأنهم يكونون وقود النار؛ فإن الوَقُودَ هو الحطب الذي تُحرَق به النار، وأصله من وقدت النار تقد إذا اشتعلت، والمصدر الوُقود، وبالفتح ما يكون به الاتقاد والاشتعال. والمعنى على هذا أن الكافرين يكونون وقود النار؛ أي أن النار يشتد اشتعالها فيهم حتى كأنهم هم مادتها التي بها تتقد وتشتعل. وقرئ (وُقُود) (١)، وهذا يكون فيه مبالغة في شدة احتراقهم، أي أنهم يحترقون بالنار ويسجرون فيها حتى كأنهم الاشتعال لا مادة الاشتعال، ولا من يكوى بهذا الاشتعال.
وإن هذا العقاب هو الذي ينتظر الكفار جميعا، وإن حال منكري الإسلام في الإنكار والجحود والغرور بالمال والولد، والعزة بالنفر والعصبية، كحال من سبقوهم، ولذا ينزل بهم ما نزل بأولئك؛ ولهذا قال سبحانه وتعالت آياته:
* * *
стр. 1390
(كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ... (١١)
* * *
الدأب: العادة والشأن، وأصله من دأب الرجل في عمل يدأب دأبا ودءوبا إذا جد فيه واجتهد، ثم أطلق الدّأبُ على العادة والشأن؛ لأن من يدأب في عمل ويستمر عليه أمدا طويلا يصير شأنا له، وحالا من أحواله، وعادة من عاداته؛ فهو من باب إطلاق اسم السبب وإرادة المسبب. وآل فرعون، وهم نصراؤه وأهل حوزته ومعاضدوه، قد استمرءوا الطغيان وألفوه حتى صار الكفر دأبا وعادة وشأنا من شئونهم.
وقد شبه الله حال الكافرين الذين كفروا بمحمد ﷺ وما جاء به، بحال آل فرعون والذين سبقوا فرعون من الطغاة العتاة القساة المغرورين، وقد كان وجه الشبه في أمرين:
أولهما: أن الغرور هو الذي دفع إلى الجحود واللجاجة فيه والإصرار عليه، حتى إنهم ليردون الدليل تلو الدليل، وما تزيدهم الآيات إلا كفورا، وما تزيدهم الموعظة إلا عُتوا في الأرض وفسادا.
وثانيهما: في الجزاء.
وهنا يرد سؤالان أولهما: لِمَ ذكر آل فرعون، ولم يذكر فرعون؟، والثاني: لماذا نص على قوم فرعون من بين الذين سبقوهم بالكفر والجحود ومعاندة النبيين؟ والجواب عن السؤال الأول: أن ذكر آل فرعون يتضمن ذكر فرعون؛ لأنه إذا كان العناد في التابع فهو في المتبوع أشد؛ وفوق ذلك فإن آل فرعون وحاشيته ونصراءه هم السبب في طغيانه، وهم الذين سهلوا له سبيل الطغيان وضنوا بالموعظة في إبَّانها، وهم الذين حرضوه على الاستمرار في الشر والإيغال فيه، فهم اتبعوه أولا، ثم حرضوه على الطغيان ثانيا بمبالغتهم في مرضاته، واستحسان ما يفعل.
وأما الجواب عن السؤال الثاني، وهو اختصاص فرعون وآله بالذكر، فلأن فرعون كان أقوى الطغاة وأشدهم، وكان أكثرهم مالا، وأعزهم نفرا،
стр. 1391
وأكثرهم غرورا، أليس هو القائل: (أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي. . .)، أليس هو الذي ذهب به فرط غروره إلى أن يقول في حماقة ظاهرة: (يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى. . .)، ولقد كان مستكبرا يصم آذانه عن سماع الحق حتى لقد قال سبحانه فيه: (وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بغَيْرِ الْحَقِّ. . . -).
ولقد بين نتيجة الغرور في آل فرعون والذين من قبلهم، وهو التكذيب بآيات الله، وقد ترتب على التكذيب نؤول العقاب الشديد، سنة الله في الذين كفروا ولجوا ولم يثوبوا إلى رشدهم، وينيبوا إلى ربهم، فقال سبحانه:
(كَذَّبُوا بِآيَاتنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ) هذا هو الدأب والعادة، وهو الغروَر المُرْدي، وهذه نتائجه التي تجمع بين المغرورين دائما، وهو التكذيب بآيات الله تعالى. وفي هذه الجملة السامية يقرر الله سبحانه ثلاث حقائق ثابتة، اثنتان منها تتعلقان بالكافرين المغرورين، وهما: التكذيب بآيات الله تعالى، والعقاب الذي يأخذهم به، والثالثة بيان شأن من شئون الله تعالى جلت قدرته، وهو أنه شديد العقاب، كما أنه سبحانه غفور رحيم، وأنه المنتقم الجبار، كما أنه اللطيف الخبير.
فأما الحقيقة الأولى فقد قال سبحانه فيها (كَذَّبُوا بِآيَاتنَا) أي كَذبوا بالآياتِ والأدلة التي تثبت رسالات الرسل، وتثبت وحدانية الله تعالى. وأضاف سبحانه الآيات إليه جلت قدرته، للإشارة إلى عظم دلالتها وقوة إثباتها، وأنها آيات الخالق لتعريف خلقه، وأدلة الواحد الأحد لإثبات وحدانيته، ومع ذلك لجوا واستمروا في غيهم يعمهون.
والحقيقة الثانية: قال فيها: (فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ) أي أنه يعاقبهم على هذه الذنوب بما يساويها، وبما يقابلها، وعبر عن العقاب بهذا التعبير، لأنه يفيد أُمورًا ثلاثة:
стр. 1392
أولها: أن الأخذ يفيد الوقوع التام في سلطان الله تعالى، فهو سبحانه أخذهم كما يؤخذ الأسير، لَا يستطيع من أمره فكاكا.
ثانيها: أن التعبير بالباء يفيد أمرين: المصاحبة والمقابلة؛ فهم قد أخذوا مصاحبين ومتلبسين بذنوبهم لم يقلعوا، ولم يتوبوا، بل استمروا على حالهم ملابسين لها ومقترنة بهم، كما تدل على أن العقاب مقابل للذنوب، فهو بدل ببدل، وكما أنهم قدموا الذنب، فليتسلموا العقاب.
وثالثها: أن هذا التعبير فيه إشارة إلى عدل الله الكامل؛ فالذنب هو الذي ولد العقاب، وهو يماثله تمام المماثلة، وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون.
والحقيقة الثالثة: قال فيها: (وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ) وفي ذكر هذا الوصف للذات العلية إشارة إلى شدة العقاب لشدة الجريمة، وإشارة إلى أن العدالة الإلهية تقتضي شدة العقاب؛ لأنه لَا يستوي الذين يحسنون والذين يسيئون، ولا يستوي الأخيار والأشرار؛ فإن المساواة هي الظلم في هذه الحال.
ثم في هذا الوصف للذات العلية تعليم للناس بأن كل فعل يجب أن يكون له جزاؤه (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ).
وهذا النص الكريم فوق ذلك يربي المهابة في النفس، ويجعل كل مؤمن يغلِّب الخوف على الرجاء، فإن الخوف يجعل العابد يستشعر الطاعة دائما ولا يَدِل بالعبادة، وتغليب الرجاء يمكن للنفس الأمارة بالسوء أن تسيطر، ويجعل العابد يَدِل بعبادته.
* * *
стр. 1393
(قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٢)
* * *
اغتر المشركون بأموالهم وأولادهم وقوتهم في الأرض، فكفروا وعتوْا عتوا كبيرا؛ فبين الله أنهم سَيُغْلَبون في هذه الدنيا، وأنهم في الآخرة سيحشرون إلى جهنم؛ ولذا أمر الله نبيه أن يقول فيهم هذه الحقيقة فقال سبحانه: (قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا).
стр. 1394
فهذه الآية الكريمة إنذار للمشركين بأن الهزيمة ستلحقهم في الدنيا، وأن العذاب سيستقبلهم في الآخرة. وقد أمر الله سبحانه نبيه بأن يواجههم بهذا الخطاب، ولم يوجهه إليهم، لأن أولئك المغترين المفتخرين كانوا يدلّون بقوتهم على النبي ﷺ ، ويعتزون بها في مخاطبته ﷺ ، فكانوا يقولون له: (نَحْنُ أَكثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ). وكانوا يأخذون من عزتهم في الدنيا دليلا على عزتهم في الآخرة، فكان حالهم كحال هذا العامل الذي حكى الله سبحانه عنه بقوله: (وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (٣٥) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (٣٦).
وهكذا الطبيعة الإنسانية إن استغنت طغت في حاضرها، وغرها الغرور في قابلها: (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧).
وإذا كانوا يجابهون النبي ﷺ بذلك فإنه يكون من المناسب أن يتولى هو الرد، وهو الذي جُرِّدَ من المال والولد، ولا ناصر له إلا الله .
وإن ذلك الاغترار كان من المشركين واليهود الذين كانوا يجاورون النبي ﷺ بالمدينة، وقد جابهوا النبي ﷺ بذلك عندما دعاهم إلى الإسلام بعد واقعة بدر التي انتصر فيها المسلمون، فإنه يروى أن النبي ﷺ جمعهم في سوق بني قينقاع، وقال لهم: " يا معشر اليهود، احذروا مثل ما نزل بقريش، وأسلموا قبل أن ينزل بكم ما نزل بهم، فقد عرفتم أني نبي مرسل ". فقالوا: لَا يغرنك أنك لقيت أقواما أغمارا لَا يعرفون القتال، إنك والله لو قاتلتنا لعرفت أننا نحن الناس، وأنك لم تلق مثلنا (١).
وإذا كان الاغترار من الفريقين فإنه يصح أن نقول إن الخطاب للكفار جميعا الذين يغترون مثل هذا الغرور، وخصوصا أن النبي ﷺ أمر بأن يخاطب بهذا الذين كفروا، سواء أكانوا من هؤلاء أم كانوا من أولئك، وإن الكفر بالحقائق
стр. 1395
الواضحة البينة التي تدركها العقول السليمة يكون سببه دائما اغترارا بأمر مادي مسيطر على النفس يجعل عليها غشاوة فلا يدرك العقل، ولا يؤمن القلب.
وهنا يرد بحث لغوي وهو: لماذا أدخل السين في قوله تعالى: (سَتُغْلَبُونَ) ولم يقل تعالت كلماته: ستحشرون؟
والجواب عن ذلك: أن السين لتأكيد القول، والذي كان موضع شك عند هؤلاء هو كون النبي ﷺ سيهزمهم في الدنيا، والحشر قد أكده في كثير من آي الكتاب. وفوق ذلك فإن السين مقدرة في تحشرون باعتبارها معطوفة على " ستُغلَبون " والعطف على نية تكرار العامل.
ولقد أشار سبحانه إلى أن الحشر سيكون تجميعا للكفار يساقون بعده إلى نار جهنم، وجهنم هي الجزء العميق في النار؛ ولأنه بعد الحشر يكون السَّوق إلى نار جهنم وتعدت كلمة يحشرون بـ " إلى "، إذ قد تضمنت مع معنى التجمع معنى السَّوق والأخذ إلى نار جهنم. ثم أشار سبحانه إلى شدة العذاب بقوله تعالى:
(وَبِئْسَ الْمِهَادُ) أي أنها ليست مُقَاما محمودا بالنسبة لهم، بل هي مقام مذموم منهم يصح أن يقال فيه بالنسبة لهم " بئس المهاد " فجهنم ليست موضع ذم في ذاتها باعتبارها دار جزاء عادل، ولا يذم الجزاء العادل ولو كان قاسيا، ولكن هي موضع الذم ممن ينزل به لأنه سيتلقى قسوته. ومعنى المِهَاد: الفراش المبسوط السهل اللين المريح، فيقال: مهد الرجل الأمر بسطه وهيأه وأعده، وعلى هذا فالتعبير فيه نوع من التهكم بهم، إذ هي لَا تكون أمرا ممهدا.
* * *
(قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنهم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ) هذه الآية نزلت بعد غزوة بدر، فالفئتان المشار إليهما في الآية: المسلمون، والمشركون. والمسلمون الفئة التي تقاتل في سبيل الله، أي في سبيل إعلاء كلمته وطلبا لمرضاته، والأخرى الكافرة: المشركون. والمعنى على هذا أن الله سبحانه إذ ينذر الكافرين بأنهم سيغلبون في الدنيا، ينذرهم بما قامت عليه البينات، وظهرت به الأمارات، وذلك لأن لهم آية أي أمارة ودلالة تدل على صدق ما يوجهه النبي ﷺ من أنهم سيغلَبون، وتلك الآية الدالة على صدق ذلك التهديد والإنذار الشديد هي في حال الطائفتين اللتين التقتا في حرب قوية، إذ انتصرت الفئة التي تقاتل في سبيل الله وهي القلة، على الفئة الكافرة وهي الكثرة، ومع أن أولئك الذين يقاتلون في سبيل الله كانوا يعلمون أن أولئك أكثر عددا، وأكثر عُدَّة.
ونريد أن نبحث هنا في بعض الألفاظ التي لها إشارات بيانية:
فقوله تعالى عن الفئة الكافرة: (وَأُخْرَى كَافِرَةٌ) فيه إشارة إلى بُعد ما بين الفريقين من حيث الغاية من القتال، ففيه إشارة إلى تقدم الأولى معنويا، وتأخر الثانية؛ فالأولى تقاتل لَا لعرض من أعراض الدنيا، ولا لغاية مادية مبتغاة، بل للحق، وفي سبيل الحق، ومرضاة للحق ﷻ ، والأخرى تكفر بكل هذه المعنويات فتقاتل في الباطل وللباطل ولنصرة المادة، ولأعراض الدنيا، وفرق ما بين الفئتين عظيم، فإن كانت الأولى فقيرة في المال قليلة في العدد، فهي قوية بالمقصد والغاية، والثانية على نقيض ذلك تماما، فهي كثيرة المال وكثيرة العدد، ولكنها فقيرة في الإيمان.
وقوله تعالى: (يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ) فيه بيان أن المؤمنين يرون المشركين (مِّثْلَيْهِمْ) أي أكثر منهم مرتين، فالمثل معناه المساوي، والمثلان لأمرٍ ضِعفُه، والمعنى على هذا أن المؤمنين الذين أعطاهم الله ذخيرة من الإيمان واليقين وطلب الحق يرون أعداءهم رأي العين لَا بالوهْم والخيال ضعفهم، ومع ذلك
стр. 1398
لم يجبنو ولم يضعفوا فالتعبير بقوله (رَأْيَ الْعَيْنِ) تأكيد الرؤية بأنها رؤية بصرية، لَا رؤية تقديرية؛ فهم يعاينون معاينة لَا لبس فيها ولا غموض أنهم ضعفهم. فالذين يعتزون بالكثرة عليهم أن يعرفوا أي الفريقين غلب، والذين يعتزون بالمادة عليهم أن يعرفوا لمن كانت النصرة: أهي للمادة أم للروح والإيمان؟ فالذين رأوا خصومهم مثليهم هم المؤمنون. وهذا ترجيح ابن جرير الطبري. وقد رجح الزمخشري أن الذين رأوا: هم المشركون، قد رأوا المؤمنين مثليهم. وإن الأول في نظرنا أولى؛ لأن المسلمين في غزوة بدر كانوا فعلا أقل عددا من المشركين، وأقل عدة، ولأن التعبير بقوله تعالى (رَأْيَ الْعَيْنِ) يفيد أن رؤية هذه الكثرة كانت بصرية بالمعاينة، لَا بالتقدير أو التخيل أو التوهم، ولا يمكن أن يتحقق ذلك في رؤية المشركين للمؤمنين؛ لأنه كان يكذب، ولذلك نختار أن الرؤية كانت رؤية المؤمنين للمشركين، ولكن قد ورد اعتراضان: أحدهما: أن المشركين في بدر كانوا ثلاثة أمثال المؤمنين تقريبا ولم يكونوا ضعفهم.
ثانيهما: أن الله سبحانه قد قال في غزوة بدر: (وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولاً. . .) وإن رد الاعتراض الأول سهل؛ فإن العين لَا تقدر تقديرا عدديا، ولكنها تقدر تقديرا تقريبيا؛ فثلاثة الأمثال قد تُرى رأي العين مثلين. وقد يقال إن المراد بكلمة مثلين ليس التثنية إنما المراد مجرد التكرار وذلك استعمال عربي، كما في قوله: (ثم ارْجِع الْبَصَرَ كَرَّتَينِ ... )، فالمراد تكرار النظر، لا التقدير بمرتين اثنتين؛ كذلك هنا المراد التكرار العددي لَا مجرد مثلين اثنين، وإن ذلك شائع، فيقال مثلا: اقرأ هذا مرتين ولا تكتف بالنظرة الأولى، والمراد التكرار.
أما الاعتراض الثاني، فقد أجاب عنه ابن كثير في تفسيره المستمد من الأثر، بأنهم عندما أرادوا حسبانهم رأوهم ضعفهم أو يزيدون، فلما ألقى في قلوب الذين
стр. 1399
آمنوا البأس والقوة، والتقوا بهم استهانوا بهم؛ ولذا روي عن ابن مسعود أنه قال في غزوة بدر: " نظرنا إلى المشركين فرأيناهم يضعفون علينا، ثم نظرنا إليهم فما رأيناهم يزيدون علينا رجلا واحدا؛ وتلك حكمة الله العلي الخبير؛ رأوهم يزيدون عليهم أضعافا، وذلك هو الحس الواقع، ولكن عند اللقاء صغروا في أعينهم ليكون النصر؛ لأن القاتل إن استكثر قوة خصمه عند اللقاء ضعف أمامه فيكون الانهزام، وإن استهان مع الحرص كان النصر؛ ولذا سئل علي ﵁: كيف كنت تصرع من يبارزك؟ فقال: " كنت أكون وهو على نفسه " أي أن عليا يقدم مستعليا بإيمانه على خصمه، وخصمه يحس بالخوف فتكون عليه قوتان ينتفع بهما علي: قوة من نفسه، وقوة من نفس خصمه ولَّدها الخوف.
(وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ)
اشتمل ذلك النص الكريم على حقيقة مقررة، ودعوة إلى التأمل والاستبصار لأولي الأبصار، ليمتنع الناس عن الاغترار بالقوة والاعتزاز بغير الله تعالى. أما الحقيقة فهي أن الله ينصر من يشاء، فهو الذي سينصر ويخذل، وأن من يعتمد على قوته وحده من غير اعتبار بما تجري به المقادير يخذله الله، وإن شأن الذين يغترون بالقوة المادية دائما ويعتزون بها لَا يعتمدون على الله تعالى، ولا يعملون حسابا للقدر الذي يجريه خالق الكون حسب مشيئته وتدبيره، وأنهم إذ ينسون هذا يأتي هم القدر من حيث لَا يحتسبون، فينهزمون حيث يرتقبون النصر؛ وإذا كان النصر والخذلان بيد الله تعالى، فالله سبحانه ينصر من ينصره، ويخذل من يكفره، كمال قال تعالى: (إِن تَنصُروا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ)، وكما قال تعالى: (ولَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ).
وأما الدعوة إلى الاعتبار فقد ذكرها رب البرية بقوله تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأَبْصَارِ) أي إن ذلك الذي رأوه وشاهدوه وهو أن الفئة القليلة المؤمنة التي تقاتل في سبيل الله، غلبت الفئة الكثيرة الكافرة التي تقاتل في سبيل الشيطان
стр. 1400
مع كثرتها وعدتها وأموالها فيه اعتبار بأن يجعلوا منه سبيلا لإدراك المستقبل؛ فإن العبرة معناها في اللغة وفي عرف القرآن والناس أن يؤخذ من الأمور الواقعة المحسوسة دليل على ما يمكن أن يأتي المستقبل غير المحسوس والمكشوف، فكان على هؤلاء أن يعرفوا من هذه الواقعة التي انتصر فيها الإيمان مع قلة أهله على الكفر مع كثرته، أن القوة المادية ليست كل شيء؛ وإن الذي يدرك ذلك هم أولو الأبصار، أي أصحاب المدارك الصحيحة التي تفهم الأمور على وجهها، فالمراد من الأبصار ليس البصر الحسي بل البصر المعنوي العقلي ولكن الذين طمست عليهم المادة لَا يدركون الأمور على وجهها، كما قال تعالى: (لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩).
وإنه لكي تخرج النفس من ربقة المادة تذكر الله دائما، كما قال تعالى:
(الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قلُوبهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ).
اللهم ثبت قلوبنا على دينك والإيمان بنصرك وعدلك يارب العالمين.
* * *
(زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤) قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (١٥)
стр. 1401
الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٦) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ (١٧)
* * *
في الآيات السابقة بيّن سبحانه اغترار المشركين بأموالهم وأولادهم وكثرتهم، وكثرة النفر الذين يعاضدونهم، وأشار إلى اغترار آل فرعون بسلطانهم، وعاقبة أمرهم؛ وفي هذه الآية يبين سبحانه مصدر الغرور وأسباب الاغترار في هذه الدنيا، وما ركز في قلوب الناس من حب الشهوات التي يؤدي الاشتداد في طلبها إلى الانحراف في التفكير وإلى أن يطمس على البصيرة فلا تدرك الأمور على وجهها؛ ثم يبين سبحانه منزلة ما في هذه الدنيا من مُتَع فانية بجوار ما في الآخرة من نعيم دائم. وإذا كان قد بيّن أولا مآل المغترين المعتزين بأعراض الدنيا، فقد بين في هذه الآيات مال المتقين وأوصافهم، ومقدار فهمهم لزخارف هذه الحياة وما فيها من شهوات مردية عند الانحراف في طلبها. ولقد ابتدأ سبحانه بما ركز في فطرة كل إنسان من حب وطلب لهذه الشهوات في مواضعها، فقال سبحانه:
стр. 1402
(زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ) هذه زينة الحياة الدنيا، وهذه متعها، وهي مصدر الخير، ومصدر الشر فيها، وبها تكون الرفعة، وبها يكون السقوط، وبها تكون العزة، وبها تكون الذلة؛ والإرادة الإنسانية هي التي تجعلها في أحد الطريقين، فإن كانت الإرادة قوية حازمة جعلت من هذه الأمور مصدر خير وطريقا إلى الجنة، وإن تحكم الهوى وغلب الشيطان، وضعف الوجدان الديني، كانت هذه الأمور مصدر شر وطريقا إلى النار؛ فهي طريق الجنة عند الأبرار، وطريق النار عند الأشرار، وكل امرئٍ وما تهوى نفسه.
стр. 1403
وإن هذه الأمور محببة لنفس الإنسان، مجبول بفطرته على الميل إليها، والاستشراف لها وطلبها، فهي طَلِبَةُ النفس الإنسانية؛ إذ هي من طبيعتها، وهي تتقاضاها طبيعة الإنسانية، ومن يحاول أن ينزع الميل إلى هذه الأشياء الستة من نفسه، فإنما يحاول اقتلاع الخاصة الإنسانية من كونه، فالطبيعة الإنسانية قد ركز فيها حب هذه الأمور، ولا تخرج هذه الأمور من النفس الإنسانية إلا إذا بعد الإنسان عن طبعه.
ولأن هذه الأمور في الفطرة الإنسانية عبر بالبناء للمجهول، فقال سبحانه:
(زُينَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ) فأبهم سبحانه مَنْ زَين حب هذه الأمور للإشارة إلى أنها في الفطرة الإنسانية، نشأت في الإنسان منذ خلقه سبحانه وأنزله إلى هذه الدنيا، فهو قد كوَّنه سبحانه ومعه تلك الطبيعة الإنسانية، وإنه ينتهي الأمر إلى أن الذي زين هذا الحب هو الله ، وقد يؤكد ذلك قراءة مجاهد (زيَّنَ لِلنَّاسِ) (١) بالبناء للفاعل، ويكون الفاعل ضميرا يعود على الله . ومعنى (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ): أودعت فطرتهم حب هذه الشهوات، وأنهم لَا يرون فيها نقصا ولا مخالفة للكمال والشهوات المراد بها موضع الشهوات، فهي من باب ذكر المصدر وإرادة اسم المفعول؛ فهذه الأمور الستة هي المشتهيات، وليست هي الشهوات، ولكن أطلق عليها اسم الشهوات للإشارة إلى شدة محبتها والحرص عليها. ولقد قال الزمخشري في ذلك: " جعل الأعيان التي ذكرها شهوات مبالغة في كونها مشهاة محروصا على الاستمتاع بها " فالمراد أنهم يحبون هذه الأشياء، ويرون محبتها أمرا حسنا، ولا غضاضة فيه.
ويرى الزمخشري أن قوله تعالى: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ) فيه إشارة إلى خساسة هذه الأمور، ويقول في ذلك: " والوجه أنه يقصد تخسيسَها فيسميها شهوات، لأن الشهوة مسترذلة مذموم من اتبعها شاهد على نفسه
стр. 1404
بالبهيمية، وقال: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ) ثم جاء بالتفسير ليقرر في النفوس أن المزين لهم حبه ما هو إلا شهوات لَا غير، ثم يفسره بهذه الأجناس فيكون أقوى لتخسيسها، وأدل على ذم من يستعظمها ويتهالك عليها ويرجح طلبها على طلب ما عند الله ".
ولسنا نرى رأي الزمخشري في أن هذه خسيسة في ذاتها، أو يقصد إلى تخسيسها في ذاتها، وإنما نرى أنها فطرة الله يبينها الله ، ويشير إلى أنها مطلوبة من كل إنسان، وأن المقتصد يُجمل في الطلب ويجعله للخير، وغير المقتصد يسرف فيفحش، فيكون الشر. وزينة الله التي خلقها ليست حراما، وهي من قبيل هذه المشتهيات، فيقول تعالى: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ. . .). وقال تعالى: (خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)، وقال تعالى (وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءَ فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَات رِزْقًا لَّكُمْ. . .). وقال ﷺ في الخيل: " الخيل معقود بنواصيها الخيرَ إلى يوم القيامة " (١).
وقال في الحرث وهو الزرع: " ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه إنسان أو دابة إلا كان له به صدقة " (٢). وقال ﷺ : " حَبب إليّ من دنياكم: النساء، والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة " (٣). وقال ﷺ : " ألا أخبركم بخير ما يكنز المرء؛ المرأة الصالحة، إذا نظر إليها سرته، وإذا غاب عنها حفظته، وإذا أمرها أطاعته " (٤). وقال تعالى: (ومِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ).
стр. 1405
وبهذا يتبين أن هذه الأعيان ليست خسيسة في ذاتها، ولا يقصد تخسيسها، وإن كانت هي دون نعيم الآخرة ومتعها.
وقوله تعالى: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ) فيه إشارة إلى أن الناس يحبون هذه الشهوات ويستحسنون هذه المحبة؛ وذلك لأن الإنسان قد يحب شيئا ولكنه في محبته له غير راض عن نفسه، كأولئك الذين يميلون إلى بعض الآفات الاجتماعية، كالخمر، والميسر؛ فإنهم مع ميلهم إليها يستنكرون حالهم، ولا يحمدون ما يفعلون، إلا إذا كانوا قد طمس الله على بصيرتهم، فعموا وضلوا، وَزيّن لهم سوءُ أعمالهم فرأوْه حسنا، ولكن الناس جميعا مع محبتهم لهذه الأمور يستحسنون هذه المحبة، ويرضون عن أنفسهم في ميلهم إليها؛ وإن ذلك الاستحسان من عامة الناس يدل على أن محبة هذه الأمور من فطرة الإنسان ومن طبيعته؛ وإن هذا الميل لَا يدل على خسة في الطبع، ولكنه يدل على أنها في الفطرة.
وإن محبة هذه الأشياء، وهي رمز للطبيعة الإنسانية ليست بدرجة واحدة، بل تختلف بمقدار قوة نزوع النفس إليها، وتختلف بمقدار ما تشبع به الحاجات والغرائز الإنسانية.
وقد يقول قائل: وكيف يكون حب الذهب والفضة فطريا، مع أنه ليس من الفطرة؟ والجواب عن ذلك: أن الذهب والفضة يشبعان الحاجات الإنسانية، فهما من الوسائل للوصول إلى النساء وغيرهن، وهما في خدمة تلك الفطرة، وأحبهما الناس لأنهما يوصلان دائما إليها، ثم صار حبهما لذاتهما، وأشبه أن يكون من الفطرة.
ولنذكر هذه الأمور الستة، وهي مرتبة مراتب بترتيب القرآن الكريم: المرتبة الأولى: النساء، وحبهن فطري في الطبيعة الإنسانية مستكن فيها، لا يختلف فيه الناس إلا من إيفَت (١) مشاعره وفسدت طباعه، وهن زهرة هذا