(قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كلِمَة سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ) النداء هنا لأهل الكتاب عامة، لَا لطائفة خاصة منهم؛ فهو يشمل اليهود والنصارى جميعا، لا فرق بين طائفة منهم وطائفة، وكان النداء في هذا عاما؛ لأن العيب عام فيهم، والدواء واحد؛ فلوحدة الداء ووحدة الدواء كان النداء عاما؛ ذلك أن عيبهم هو التعصب لما عندهم تعصبا أعماهم عن الحق عند غيرهم، فهم يظنون أنهم وحدهم أهل علم النبوة لَا ينزل على غيرهم ولا يدينون به لسواهم، فهم يزعمون أنهم أبناء الله وأحباؤه، وكل يتعصب لما عنده، فاليهود يقولون: ليست النصارى على شيء، والنصارى يقولون: ليست اليهود على شيء، وكلاهما يقولون: ليس غيرنا على شيء، والدواء واحد أيضا، وهو طلب الحق لذات الحق من غير إذعان لهوى، ولا إفراط في العصبية، وحتى لَا تؤدى إلى الانحراف.
وناداهم سبحانه: بـ (أهل الكتاب) مع أنهم حرفوا فيه الكلم عن مواضعه، وانحرفوا عن مبادئه، وفرقوا في أحكامه، وتفرقوا في فهمه؛ والسبب في هذا النداء هو أولا توبيخهم على ما كان منهم؛ لأن علمهم بالكتاب كان يوجب عليهم الإذعان للحق بدل التفرق فيه، (وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ. . .) ثم هناك سبب آخر، وهو أن علمهم بالكتاب في الجملة يجعل الاحتكام إلى ما بقي منه عندهم كافيا لإذعانهم إن كانت عندهم أثارة من إيمان بالحق وطلب له مع ما هم فيه من تعصب، ولقد أمر الله نبيه بأن يدعوهم بقوله: (كلِمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكمْ) أي كلمة هي مستوية بيننا وبينكم، أي فيها إنصاف لنا ولكم، ونلتقي فيها معكم، وتلتقون
стр. 1577
عندها إن طلبتموها، وكلمة سواء تطلق بمعنى العدل والنصفة وقد قال زهير بن أبى سلمى:
أرونِي خطَّةً لَا ضَيْمَ فيها ... يُسَوِّى بيننا فيها السَّواءُ
فالسواء هنا هو العدل، وأصل السِّوَى، والسُّوى الاسُّتواء، وإذا فتحت السيق منها صارت سواء، ولقد قال تعالى: (. . . مَكَانًا سُوًى)، أي مكانا مستويا.
والمؤدى أن الله أمر نبيه أن يدعوهم إلى كلمة يستوي فيها النبي معهم، وكان ينبغي أن يستووا بالنسبة لها معه، وتلك الكلمة، أو تلك الحقيقة المقررة الثابتة في كل الكتب السماوية التي لَا يفترق فيها كتاب عن كتاب هي ما ذكره بقوله:
(أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ)
فهذه الكلمة التي يستوي فيها الإسلام مع الأديان التي سبقته هي التوحيد، والتوحيد بشمول معناه يشمل التوحيد في العبودية، والتوحيد في الربوبية، والتوحيد في العبودية ألا يعبد إلا الله ، وهذا ما بينه بقوله على لسان نبيه: (أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا). فلا يصح أن يشرك مع الله في الألوهية حجر ولا بشر، فلا يقال: فلان إله، ولا ابن إله ولا عنصر ألوهية قط في حجر.
أما التوحيد في الربوبية، فهو ما أشار إليه سبحانه بقوله تعالى: (وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ) أي لَا يتخذ أحد من البشر في مقام الرب، بأن يكون له فضل في التكوين أو الإنشاء أو التأثير في الخلق بأي نوع من أنواع التأثير، فإن هذا كله من عمل الرب، والله هو رب العالمين وحده، ولا رب سواه، فلا مؤثر في الكون ولا في الأشخاص، ولا في الأشياء سواه، فلا أثر لحجر ولا لبشر كائنا من كان هذا البشر.
стр. 1578
وهناك معنى آخر للربوبية يدخل في مضمونها، وهو أن يكون الشرع كله لله تعالى، فلا يتكلم عن الله أحد إلا نبي يوحى إليه، والجميع بعد ذلك أمام الشرع سواء، إلا أن يكون فهم متميز متفهم متعرف، ومن ادعى أنه يتكلم عن الله باسم الله من غير وحي يعتمد عليه، فقد زعمه ربا يؤخذ عنه؛ ولذلك عبر القرآن عن علماء النصارى واليهود الذين ادعوا أن قولهم دين يتبع، وتقاليد تؤثر، بأنهم قد اتخذوهم أربابا من دون الله، فقال تعالى: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ. . .)، ذلك بأنهم جعلوا لهم الحق في أن يشرعوا باسم الله ما لم يشرعه الله، وأن يخالفوا ما أمر الله ، فهم جعلوهم في مقام الرب ﷻ ، ولقد روي عندما نزل قوله تعالى: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ) قال عدي بن حازم: ما كنا نعبدهم يا رسول الله! فقال الرسول ﵇: " أليسوا كانوا يحلون لكم ويحرمون فتأخذوا بقولهم؟ " قال: بلى.
قال النبي ﷺ : " هو ذاك " (١).
وعن بعض التابعين أنه قال؛ لَا أبالي أطعتُ مخلوقا في معصية الخالق أو صليتُ لغير القبلة!! فكانت التسوية كاملة بين الأخذ في دين الله بغير ما أنزل الله، والخروج عن الإسلام الذي رمز إليه ذلك التابعي الجليل، وهو ألا يكون من أهل القبلة.
عرض النبي بأمر الله تعالى ذلك الأمر الذي يكون فيه نصَفة له (٢) ولهم، وكانت الدعوة إلى أخذ دين الله من ينبوعه الصافي فيهما فائدتان: إحداهما: ألا يتزيدوا على ما أمر الله تعالى وما نهى عنه؛ والثانية: أن أولئك المجادلين هم الذين يبثون في نفوس أتباعهم التعصب الأعمى، محافظة على سلطانهم أن يزول؛ فكانوا في زعامتهم بمنزلة زعماء قريش وأشباههم من أنهم خشوا على سلطانهم من اتباع النبي الكريم ﷺ .
стр. 1579
وإذا كان قد دعاهم إلى هذ لإنصاف وإلى ترك التعصب جانبا، وعدم الخضوع لأسبابه، فإن حال الذين يخاطبهم إحدى حالين: إما أن يخلصوا في طلب الحق، ويجيبوا داعيه، وتلك خير الخصلتين، وإما أن لَا يجيبوا داعيه وتلك هي السوءى، فإن كانت الأولى فتلك هداية الله، وإن كانت الثانية فإن الله تعالى قد كتب عليهم الشقوة، ولا سبيل لأن يدخل النور قلوبهم، فإن من طلب منه الإنصاف فأعرض عنه فلا سبيل إلى هدايته، والجدل معه لَا يجدي؛ ولذا قال : (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ):
أي فإن أعرضوا ونأوا بجانبهم عن إجابة داعي الإنصاف، والدعوة بالتي هي أحسن فلا تجادلوهم ولا تحاجوهم، فإن الجدل مع من لم يجب داعي العدالة لا يزيده إلا لجاجة وعنادا؛ وإن الحقائق تتبعثر على ألسنة المتجادلين، ويتبدد رونقها، ويذهب بهاؤها، وتفقد النفس عند الجدل الإيمان بالحقائق والإذعان لها، بل أمرهم الله تعالى بقوله: (فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) أي يقول النبي ﷺ ومن معه من المؤمنين لأولئك الذين مردوا على الجدال وبعثرة الحقائق في حومة الجدل: اشهدوا بأنا مسلمون، مذعنون لطلب الحق فلا تحاولوا أن تغيرونا عما اعتقدنا وقد أنصفناكم بالدعوة إلى كلمة الحق والإنصاف، فلم تجيبوا، والآن ننصفكم مرة أخرى بأن نشهدكم بأننا مخلصون في طلب الحق مذعنون له؛ ومن جانبنا؛ فإن أذعنتم مثلنا فنعمّا هي، وإن لم تذعنوا فلنا دينُنا، ولكم دينكم، والله يحكم بيننا وهو خير الحاكمين. وإن إعلان الإذعان للحق من جانب المؤمنين فيه دعوة للحق بإعلان المثل الواضح البين السامي، وهو يؤثر في الدعوة إلى الحق أكثر من الجدل، إذ يكون فيه ذكرى لمن له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. وإن الجدل يثير غبارا يجعل الوصول إلى الحق عسيرا وسط عجاجة المتجادلين.
وإن هذه الآية الكريمة صورة سامية من الدعوة إلى الحق. ولذا كان يتخذها النبي ﷺ منهاجه في دعوته، فقد كانت في الصيغة التي اختارها في دعوة الملوك والحكام الكبراء إلى الإسلام، وهذا نص كتابه ﵊ إلى هِرَقْلُ ملك الروم:
стр. 1580
" من محمد عبد الله ورسوله، إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى. أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، وإن توليت فإنما عليك إثم الأريسيين (١)، ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لَا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا، ولا يتخذ بعضنا بعضا أرباب من دون الله، فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون " (٢).
ولقد كان النصارى يحاجون بولادة عيسى، ويتخذون منها دليل ألوهيته، واليهود يتحاجون ويجادلون بما عندهم من توراة، أو بالأحرى بما بقي عندهم منها؛ ولما كان كل من الفريقين يدعي أن إبراهيم أبا الأنبياء كان على مثل دينهم، وذلك ليبينوا أن ديانتهم هي ديانة السابقين، كما هي ديانة المتأخرين، بين الله سبحانه أن مثل هذا الاحتجاج منهم باطل في معناه، كما هو باطل في شكله ومبناه؛ فقال سبحانه:
* * *
стр. 1581
(يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ ... (٦٥)
* * *
أي أنه لَا يسوغ لكم المحاجة في شأن إبراهيم من حيث إنه كان يهودياً أو كان نصرانيا ومن حيث إنكم أتبع الناس له أو أبعد الناس عنه، ومن حيث ما جاء به وحقيقة دعوته؛ فإن التوراة والإنجيل ما جاءا إلا من بعده، فكيف يكون يهوديا يدين بالتوراة قبل أن تجيء التوراة، وكيف يكون نصرانيا يدين بالإنجيل قبل أن ينزل الإنجيل؛ إن هذه محاجة واضحة البطلان.
والمحاجة معناها مبادلة الحجة، فصا هذه المحاجة؛ أكانت مع النبي أم كانت فيما بينهم؛ ظواهر النصوص تفيد بمقتضى السياق أنها كانت مع النبي ﷺ ، فهم يقيمون الحجة على سلامة دينهم بأنه دين إبراهيم الذي كان موضع إجلال الجميع، والذي بنى البيت الحرام الذي هو أول بيت وضع للناس، والذي كان موضع تقديس العرب أجمعين.
стр. 1582
ولكن مع هذا الظاهر روى ابن إسحاق عن ابن عباس أنه قال اجتمعمت نصارى نجران وأحبار يهود عند رسول الله ﷺ ، فقالت الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهوديا، وقالت النصارى: ما كان إبراهيم إلا نصرانيا، فأنزل الله تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ) الآية (١).
وسواء أكانت المحاجة مع النبي ﷺ أم كانت فيما بينهم فإنها غير معقولة في ذاتها؛ ولذا وبخهم عليها بقوئه تعالت كلماته:
(أَفَلا تَعْقِلُونَ) هذا النص الكريم هو نتيجة لهذا الحكم الذي يتحاجون فيه، وهو كون إبراهيم يهوديا أو نصرانيا؛ إذ أن ذلك هو حكم من لَا يعقل! ولذلك كانت الفاء التي تفيد السببية، وهو كون ما قبلها سببا لما بعدها، فتلك الحال التي هم عليها من الغرابة هي السبب في ذلك السؤال عن أصل عقلهم، وإدراكهم لمعناها.
والاستفهام إنكاري؛ فهو نفي لكونهم يعقلون في هذه الأمور التي يتجادلون حولها، وذلك يؤدي إلى السؤال عن أصل وجود العقل عندهم، وإن هذا النفي هو في ذاته توبيخ، وتنبيه إلى ما أدى إليه التعصب الأعمى الذي جعلهم لا يدركون الأمور على وجهها، وينسيهم البدهيات التي لَا تختلف فيها المدارك والعقول، حتى يكون أصل العقل عندهم موضع إنكار.
ولقد زكَّى ذلك التوبيخ، وهذا النفي ببيان مظهر آخر من مظاهر مخالفتهم لما يقتضيه العقل في أمر آخر، يتصل بهذه المسألة، وهو أنهم يجادلون ويتقدمون بالحجج في أمر ليس عندهم أصل العلم به؛ ولذا قال تعالى
* * *
стр. 1583
(هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ ... (٦٦)
* * *
أي أنتم معشر أهل الكتاب حاججتُم وبادلتم الحجة، سواء أكانت داحضة أم دامغة في أمر عندكم أسباب العلم به، سواء أكنتم تجادلون بمقتضى هذا العلم أم
стр. 1584
تخالفون مقتضاه، وتلوون منطقه، وتبعدون به عن الحجج، فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم؛ وبيان ذلك أن اليهود والنصارى عندما كانوا يتجادلون مع النبي ﷺ ، وفيما بينهم كانوا يتجادلون في أمرٍ أسباب العلم به قائمة حاضرة مهيأة وإن كانوا ينحرفون بها عن غاياتها، ويلوونها عن مقاصدها ومراميها تبعا لأهوائهم وشهواتهم، فكانت محاجة في أمر لهم به علم، وإن لم يسيروا على مقتضى أحكام العلم، أما جدلهم في كون إبراهيم كان يهوديا أو نصرانيا، أو في كون النبي ﷺ المبعوث في المستقبل يكون عربيا أو عبريا فجدل ومحاجة في أمر لَا علم لهم به، وإن العاقل ينأى به عقله عن أن يجادل في أمر ليس عنده شيء من أسباب العلم به، ولكن هكذا يتردى أهل العقول عندما تنحرف نفوسهم إلى التعصب، فيتحكم الهوى في العقل.
وهنا مباحث لفظية:
أولها: أن الهاء المكررة في قوله تعالى: (هَا أَنتُمْ هَؤُلَاءِ) هي هاء التنبيه، وتكرارها في موضع واحد للدلالة على غرابة ما هم عليه ومجافاته لكل تفكير ولكل عقل، وكيف دلاهم التعصب في هذا الانحراف الفكري.
وثانيها: أن " هؤلاء " إشارة إلى النصارى واليهود الذين قالوا في إبراهيم ما قالوا، وقد أنزلت التوراة والإنجيل من بعده، فهي تتضمن الأحوال الغريبة التي كانت منهم، وأنها أدت إلى شذوذ عقلي آخر.
ثالثها: أن الزمخشري ذكر أن بعض العلماء قال هنا إن " هؤلاء " بمعنى " الذين " وإن هذا يفيد أن الذي أدى إلى ترديهم العقلي هو أنهم يتكلمون فيما يعلمون وفيما لَا يعلمون.
(وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) ختم الله ببيان علمه تعالى المؤكد، فقرر العلم المطلق له سبحانه، ونفَى عنهم العلم في هذا المقام، فالله هو الذي يعلم حال إبراهيم عميه السلام، ويعلم الحق فيما يتحاجون به بعلم وبخير علم، ويعلم مَن الذي يكون أهلا لرسالته أيكون من
стр. 1585
العرب أم يكون من العجم؛ (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) وهو الذي يعلم بخفايا نفوسهم، والحقد الدفين فيها، والحسد للناس على ما آتاهم الله من فضله. وقد قرر سبحانه أنهم لَا يعلمون، فقال: (وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) فهم لا يعلمون حال إبراهيم ﵇ ولا من هو أهل للرسالة؛ وليس من شأنهم أن يعلموا؛ لأنَّ أحقادهم تحول بينهم وبين أن يدركوا الذي عليه من يخالفونهم، فإنه لَا شيء كالحقد والحسد يحول بين المرء والإدراك السليم والعلم الصحيح.
اللهم رفقنا للحق، وهيى لنا أسباب العلم به، والإذعان له، فإن الهداية منك وإليك، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
* * *
(مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨) وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٦٩) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٧٠) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١)
* * *
ذكر الله سبحانه وثعالى في الآية السابقة ما يشر إلى أن كلتا الطائفتين من اليهود والنصارى كانت تدَّعي أن دينها هو دين الله الخالص، وأنه دين النبيين جميعا، وأنه دين أبي الأنبياء إبراهيم ﵇، وأنهم ما غيروا وما بدّلوا، وكذلك كان يدّعي المشركون؛ لأنهم من سلالة إبراهيم ﵇، وحسبوا هذا
стр. 1586
يسوغ لهم ذلك الإدعاء؛ وقد بين الله في هذه الآية أن إبراهيم ﵇ بريء من هذه النِّحَل؛ لأنه نبي الوحدانية، هادم الأوثان، وحاطمها، والذي تعرض للأذى بالنار لجرأته الكبرى عليها وعلى عُبَّادها، وما نجاه إلا الله، كما قال تعالى: (قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ)، ولقد قال سبحانه في تقرير هذه البراءة من اليهودية والنصرانية والشرك:
стр. 1587
(مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا) وفي هذا النص القرآني الكريم نفي لوصف اليهودية والنصرانية عن خليل الله تعالى، ومرمى النص هو براءته منهم، وفي نفي الوصف على ذلك النحو توكيد لهذه البراءة، وتثبيت لهذه النزاهة؛ إذ إن المؤدى أنه لو كانت اليهودية أو النصرانية على ما هما عليه تنتمي إلى إبراهيم ﵇ لكان متصفا بهما، وهو قد نزهه ربه عن أن يتصف بما عليه اليهود من ضلال؛ فنفَى وصف اليهودية عنه ﵇ تضمن براءته منهم، وفيه التعريض بما فيهما من ضلال لَا يليق أن يلصق بنبي من أنبياء الله، والتنويه بشأن إبراهيم من أن يكون في مثل حمأة اليهود والنصارى الذين عاصروا النبي ﷺ .
وقد ذكر سبحانه على سبيل الاستدراك وصفه الحقيقي، ودينه الحق فقال تعالى: (وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ).
فقد ذكر سبحانه في وصفه الحقيقي ثلاثة أوصاف تتنافى كلها تمام التنافي مع ما عند اليهود والنصارى، وهذه الأوصاف هي أنه: حنيف، ومسلم، وما كان من المشركين.
والوصف الأول وهو حنيف معناه: الميل إلى الحق وطلبه، والاتجاه إليه، وتحريه والاستقامة في الوصول إليه؛ ولقد قال الأصفهاني في مفرداته: " الحَنفُ ميل عن الضلال إلى الاستقامة، والجنف ميل عن الاستقامة إلى الضلال. والحنيف هو المائل إلى ذلك، قال عز رجل: ( ... قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا. . .)، وقال: (حَنِيفًا مُّسْلِمًا) وجمعه حنفاء؛ قال :
стр. 1588
(وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفَاءَ لِلَّهِ)، وتحنف فلان أي تحري طريق الاستقامة ".
ووصفُه ﵇ بأنه حنيف يطلب الحق مستقيما في طلبه فيه بيان منافاة أخلاق اليهود والنصارى لأخلاقه وهديه، فهم لَا يطلبون الحق لذات الحق، ولكن يطلبون هوى أنفسهم، فإن يكن الحق لهم يأتوا إليه مذعنين، وإن يكن الحق عليهم أعرضوا عنه وذلك لمرض قلوبهم.
والوصف الثاني من أوصاف إبراهيم خليل الله أنه مسلم، والإسلام هو الإخلاص لذات الله، والمحبة والانصراف إليه ، حتى لَا يعمر القلب بغير نوره، وهذا أيضا وصف منافٍ لما كان عليه اليهود والنَّصارى، فإلههم هواهم، ومحبتهم لأنفسهم لَا لله، وإنما هي أعراض الدنيا أركست نفوسهم، وأغلقت دون نور الله قلوبهم.
والوصف الثالث: وصف سلبي، وهو أنه كان غير مشرك، وقد نفَى الله عن خليله وصف الشرك بهذه الصيغة الجامعة فقال: (وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْركِينَ) ولم يقل " وما كان مشركا " لأنها تتضمن نفي الإشراك كله وشوائبه عن إبراهيم ﵇، فإن المشركين أصناف وألوان، فمنهم من يعبد الأوثان، ومنهم من يجعل لله ابنا يعبد، ومنهم من يجعل الله ثالث ثلاثة، ومنهم من يتخذون أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، ومنهم من يتخذون وساطة بين العبد والرب، وهكذا، فما كان إبراهيم من أي صنف من هذه الأصناف. وفي ذكر هذه الصيغة السامية في نفي الشرك عن إبراهيم تعريض بين حالهم وما هم عليه من الشرك الظاهر، فكيف يدعون الانتساب لإبراهيم ﵇، وهم على ما هم من الشرك، إنما الذين يعدون أولى الناس هم من قال الله فيهم:
* * *
стр. 1589
(إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا ... (٦٨)
* * *
أي إن أشد الناس ولاية بإبراهيم وأجدرهم بالاتصال به، لَلَّذين اتبعوه، وهذا النبي والذين آمنوا بهذا النبي، فهم أصناف ثلاثة قد أكد سبحانه اتصالهم بإبراهيم بثلاثة
стр. 1590
تأكيدات؛ أولها: " إن " وثانيها: أفعل التفضيل، وثالثها: اللام في قوله تعالى: (لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ). والذين اتبعوه موصول عام يشمل الذين اتبعوا هدايته في حياته، وأجابوا
دعوته، ولم يخالفوه، والذين اتبعوه من بعد وفاته، وإنهم لكثيرون، وكان يمكن أن يكون من هؤلاء اليهودُ والنصارى، لو اتبعوا هديه فطلبوا الحق وأخلصوا لله في طلبه، وتجنبوا الشرك بكل ضروبه وبكل أشكاله، وفي هذا توبيخ لهم على أنهم لم يتبعوه، وادعوا الانتماء إليه. وقد ذكر النبي ﷺ بالنص عليه بالذات على أنه أولى الناس بإبراهيم ﵇، ولم يذكره في ضمن الذين اتبعوه؛ لأن النبي ﷺ تلقى الهداية من السماء كما تلقاها إبراهيم، ولأن محمدا ﷺ خاتم النبيين، ولأنه آخر دعامة في بناء صرح الرسالة الإلهية إلى أهل الأرض. وفي ذكر النبي ﷺ تمهيد لبيان أولوية الذين آمنوا به ﷺ وبسيدنا إبراهيم من اليهود والنصارى؛ لأنهم حنفاء طلبوا الحق، وتحرَّوْهُ وآمنوا به واهتدوا، وأخلصوا دينهم لله تعالى، وصار الله ورسوله أحب إليهم من أنفسهم. والذين آمنوا في الآية هم من آمنوا بمحمد ﷺ ؛ ولقد قال النبي ﷺ : " لكل نبي ولاة من النبيين، وإن وليي منهم أبي وخليل ربي إبراهيم " (١).
وولاية إبراهيم للنبي ومن اتبعهما بإحسان إلى يوم الدين أساسها الإخلاص لله تعالى وتوحيده، فهي من ولاية الله؛ ولذا قال سبحانه: (وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ) أي أن الله ﷻ ، وعظمت قدرته، وتعالت حكمته، وتسامت عظمته، هو ولي المؤمنين وناصرهم، وهم أهل محبته ورضوانه؛ وذلك لأنهم لَا يطلبون إلا رضاه، ولا يبتغون إلا محبته ورضوانه؛ فهم بإخلاصهم قد نالوا ولاء الله ومحبته؛ والله لا يوالي إلا من يؤمن للحق ويذعن له، ولا يطلب سواه.
стр. 1591
وفى هذه الجملة السامية إشارة إلى عدة معان عالية:
أولها: أن اتصال النبي ﷺ والذين اتبعوه، والذين اتبعوا إبراهيم بخليل الله، لأنهم اتصلوا بالله تعالى، والمؤمنون بعضهم لبعض ولي ونصير، لأنهم جميعا أولياء الله. فالمؤمنون برسالة إبراهيم والمؤمنون برسالة محمد كلهم أولياء، لأنهم جميعا أولياء الله تعالى، وفي ذلك يبين سبحانه لليهود وغيرهم الطريق الحق الذي يجعلهم أولى بإبراهيم كالنبي ومن اتبعه.
ثانيها: الإشارة إلى أن ولاية الله هي الغاية الكبرى التي يجب أن يطلبها كل مؤمن، وطريقها الإحسان في كل شيء، وأساس الإحسان الإخلاص، ولذا يقول النبي ﷺ : " الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك " (١).
ثالثها: الإشارة إلى منزلة أهل الإيمان عند الله والوعد بنصرتهم مهما يتكاثف عددهم: (إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ).
* * *
стр. 1592
(وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ ... (٦٩)
* * *
إن اليهود والنصارى كانوا يحسدون المؤمنين على ما آتاهم اللَّه من فضله، كما قال تعالى: (وَدَّ كَثيرٌ منْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا. . .)، فَأولئك الكتابيون كانوا يشعرون أنهم فوق مستوى سائر العرب، فلما جاء النبي ﷺ بهديه فيهم ارتفع مستوى العرب فلم يذعنوا للحق الذي كان عليهم أن يؤمنوا له، بل تمردوا عليه، ولعظم المنزلة التي يعلمونها فيما جاء به محمد ﷺ كانوا يتمنون أن يضل المؤمنون، وأن يتركوا الحق، ولذا قال تعالى: (وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ) أي تمنت طائفة من أهل الكتاب ضلالكم، فلو هنا مصدرية تدل على التمني، أي ودت هذه الطائفة ضلالكم ولم يكن ذلك منهم أمنية يتمنونها فقط، بل كانوا يقرنون القول بالعمل، فكانوا يلقون بالظنون والشكوك والأوهام حول الدعوة المحمدية ليرتاب الذين آمنوا، وكان منهم منافقون ينبثون بين المسلمين باسم أنهم مسلمون، ويلقون بالريب والتشكيك في النبي ﷺ وما جاء به كما
стр. 1593
يفعل اليوم أخلافهم من بعدهم؛ ولقد كان منهم من يجرؤ على الدعوة إلى اليهودية، حتى إنه ليروى أن يهود المدينة دعوا حذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر إلى اليهودية، ولكن ضل سعيهم، وباءوا بالخسران المبين.
وإن الذي يعلم الحق، ويحاول أن يضلل غيره يزداد ضلالا ويعمى عن طريق الهداية، حتى ينتهي الأمر به إلى أن يجهل الذي كان يعلمه، وكذلك كان هؤلاء؛ ولذا قال سبحانه:
(وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهمْ وَمَا يَشْعرُونَ) أي أنهم بسبب غوايتهم وعمايتهم واستيلاء الهوى على قلوبهم أخذوا يثيرون الشك على أهل اليقين، فما أثَّر الشك في أهل الحق، ولكن تأثرت نفوسهم هم بهذا الشك الذي أثاروه ليضلوا غيرهم، فضلوا، فهم حاولوا إضلال المؤمنين، فأكد الله سبحانه أنهم ما أضلوا إلا أنفسهم، وكان ضلالهم لأنفسهم من ناحيتين:
إحداهما ما ذكرناها من أن إيرادهم للشك في الأمر الذي كانوا يعلمون الحق فيه قد أوجد فيهم هم أنفسهم حيرة بعد أن كانوا يعلمون، ومثل هذا مثل الكذوب الذي يكذب ويكرر كذبته حتى يعتقد صدقها.
الناحية الثانية: أنهم كلما لجوا في الدعوة إلى الباطل الذي استمسكوا به بعدوا عن الإذعان للحق، فبمقدار ما كانوا يثيرون حول الحق من أكاذيب كانوا يبتعدون من الإيمان والإذعان، فيزدادون ضلالا فوق ضلالهم، وتلك حال نفسية يقيمون فيها ولا يشعرون بها.
* * *
стр. 1594
(يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٧٠)
* * *
وجه الله بهذه الآية النداء إلى أهل الكتاب يدعوهم إلى الإيمان مبينا لهم في صيغة استفهام إنكاري توبيخي أن دواعي الإيمان قائمة، ودواعي الكفر غير ثابتة، ولذا يستفهم عنها، إنكارا وتوبيخا، وابتدأهم بهذا النداء الكريم، إذ قال: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ) وفي هذا النداء إشارة إلى أن ما أُعْطَوْه كان يقتضي أن يسارعوا إلى
стр. 1595
الإيمان لَا أن يكفروا، ثم وجه إليهم ذلك الاستفهام الإنكاري (لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ) أي لقد كفرتم بآيات الله وبيناته الدالة على صدق الرسالة المحمدية وعندكم علم بها، وأنتم تعلمون صدقها، فالآيات هنا هي آيات نبوة محمد ﷺ ، وهي القرآن الكريم، وما اشتمل عليه، والاستفهام لإنكار هذا الواقع الذي وقع منهم وهو الكفر مع قيام دلائله. ولقد أكد الاستنكار بقوله تعالى:
(وَأَنتمْ تَشْهَدُونَ) أي وأنتم تعلمون صدق الرسول علما يقينيا كعلم المشاهدة والعيان، بما أخبر به في كتابكم، أو: وأنتم تشهدون كل يوم الدلائل الصادقة التي تثبت الرسالة المحمدية.، ولكن اليهود والنصارى الذين عاصروا النبي ﷺ ما كانوا يكتفون بالكفر، بل كانوا يحاولون أن يلبسوا الحق بالباطل، ليفسدوا الإيمان على أهله؛ ولذا قال سبحانه:
* * *
стр. 1596
(يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١)
* * *
صدَّر النداء هنا بـ " أهل الكتاب " زيادة في التوبيخ، وكل توبيخ لهم يُعد قليلا مهما يتكاثر وتترادف عباراته، والاستفهام هنا إنكاري لإنكار ما وقع منهم؛ ذلك بأنهم لبسوا وخلطوا الحق بالباطل، وكتموا الحق الذي يشهد لمحمد ﷺ بالصدق وهم يعلمون به، فكان الاستفهام للتوبيخ على هذا الذي وقع منهم؛ فقد وقع منهم أمران، وثبت فيهم أمر ثالث:
أما الأمر الأول: فهو خلط الحق بالباطل، بأن حاولوا أن يزيفوا الحق، فألبسوه ثوب الباطل، وأظهروه بمظهره إمعانا منهم في التضليل. وقد فسر الكثيرون كلمة " تلبسون " بمعنى تخلطون، وهي في المؤدى كذلك، ولكن لابد أن يلاحظ معنى الستر واللباس في الكلمة، ذلك بأنهم جاءوا إلى الحق المبين فألبسوه ثوب الباطل ليُسْتَبْهَم؛ ولقد قال في هذا المعنى الأصفهاني: أصل اللبس ستر الشيء، ويقال ذلك في المعاني، يقال لبست عليه أمره، قال: (وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبسُونَ)، وقال: (لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ. . .).
стр. 1597
الأمر الثاني: كتمان الحق الذي عندهم فهم يسترون الحق الذي يقدمه النبي ﷺ بلباس الباطل الذي يخترعونه، ويكتمون الذي عندهم، ويشهد بصدق النبي ﷺ ، وهذا أقصى ما يمكن أن يصل إليه الكفر بالحق، يكون عند الكافر دليل الحق، ومع ذلك ينكر الدليل الذي يقدمه صاحب الحق، ويحاول أن يزيفه بالباطل. وكل ذلك وهم يعلمون الحق في ذاته، ولكنهم أضلهم الله على علم.
اللهم اكتبنا فيمن هديتهم، وامنحنا التوفيق؛ وأنقذنا من الضلال، ووفقنا لإدراك الحق، والإذعان له، والإيمان به، إنك سميع الدعاء.
* * *
(وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢) وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤)
* * *
بّين الله في الآيات السابقة أن أهل الكتاب يودون أن يضل المؤمنون، ويعملون على إضلالهم، وكلما أمعنوا في هذا الطريق ازدادوا ضلالا، وما ازداد المؤمنون إلا إيمانا، وإن وجدوا في ضعاف الإيمان ما يشبع نهمتهم وقتيا فإنهم سرعان ما يقوى إيمانهم بالحق، ويرتد أولئك المضلون في طغيانهم يعمهون.
وفى هذه الآيات يبين سبحانه طريق طائفة منهم في إضلال المؤمنين، وإثارة الشك في قلوب ضعاف المؤمنين، وهي أن يظهروا الإيمان والإذعان والاطمئنان
стр. 1598
إلى الحقائق الإسلامية، ليظن فيهم الظن الحسن من لم يعرف مكرهم وكيدهم، حتى إذا اطمأن الناس إليهم أعلنوا كفرهم، بعد مظهر الإيمان ليوهموا المؤمنين أنهم كانوا مخلصين في إيمانهم طالبين الحق بهذا الإيمان، فلما تبين لهم البطلان خرجوا، فقد يخرج بهذا الخروج ضعاف الإيمان، ويلقون بذلك بين المسلمين شكا عمليا. وقد حكى الله عمل هذه الطائفة الماكرة الخبيثة فقال عز من قائل:
стр. 1599
(وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ) أخرج ابن جرير الطبري عن قتادة التابعي أنه قال: " قال بعض أهل الكتاب لبعض: أعطوهم الرضا بدينهم أول النهار، واكفروا آخره، فإنه أجدر أن يصدقوكم، ويعلموا أنكم قد رأيتم فيه ما تكرهونه، وهو أجدر أن يرجعوا عن دينهم ". وأخرج ابن جرير أيضا عن السُّدي أنه قال: " قالوا لبعضهم: ادخلوا في دين محمد أول النهار، وقولوا: نشهد أن محمدا صادق، فإذا كان آخر النهار فاكفروا وقولوا: إنا رجعنا إلى علمائنا وأحبارنا، فسألناهم فحدثونا أن محمدا كاذب، وأنتم لستم على شيء، وقد رجعنا إلى ديننا، فهو أعجب إلينا من دينكم لعلهم يشكُّون، فيقولون هؤلاء كانوا معنا أول النهار فما بالهم، فأخبر الله رسوله بذلك وروى أنهم نفذوا قولهم عملاً؛ والروايات في هذا كثيرة، وكلها متلاقية في المعنى غير متنافرة.
وخلاصتها: أن أولئك المضللين الذين أكل الحسد قلوبهم دعا بعضهم أن يظهروا الإسلام ليبدوا طلاب حقيقة، فإن رجعوا استطاعوا أن يجتذبوا معهم بعض ضعفاء الإيمان.
والمراد بوجه النهار ما يقابل آخره، وهو أول النهار، وعبر عنه بالوجه؛ لأن أول النهار هو وقت إقباله، والوجه هو مظهر الإقبال، والوجه أيضا كناية عن الظهور، وأول النهار هو وقت الظهور ووقت الوضوح، بعكس آخره.
стр. 1600
وهل معنى الاتفاق الذي اتفقوا عليه هو أن يبدءوا في الضحى فيسلموا ثم يكفروا في المساء؛ ظاهر اللفظ ذلك، ولكن يبدو للمتأمل البصير أنهم يريدون أن يسلموا حينا من الزمان حتى تتم الثقة بهم والاطمئنان إليهم، ثم يكفروا من بعد ذلك، على ألا يستغرق إظهارهم الإسلام إلا أمدا يستطيعون فيه جلب الثقة إليهم؛ ويكون حينئذ التعبير كله من قبيل الاستعارة التمثيلية، سيقت لتصور حالهم التي اتفقوا عليها، وهي أنهم يظهرون الإيمان ثم يكفرون بعد أمد قصير.
فالاستعارة لتصوير سرعة الرجوع وإظهار الكفر، وتأكد التعاقب بين إظهار الكفر وإظهار الإسلام، كما يتعاقب ظهور آخره بعد أوله. وقد حكى الله عنهم مقصدهم ومكرهم السيئ بقوله تعالت كلماته:
(لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) فهذا التعبير يفيد بيان مقصدهم وهو رجاء أن يرجع بعض المؤمنين إلى الكفر بعد الإيمان، ولكنهم عبروا عن البعض باسم الكل، فإنه لا يمكن أن يرجعوا جميعا، بل الذي يرجى رجوعه من المسلمين هو الضعيف غير القوي في دينه، غير المطمئن في يقينه، ولكن كفر هذا الفريق بعد إيمان يحدث اضطرابا في جماعة المسلمين، فيكون التظنن فيهم، وحيث جرى الشك في الجماعة كان وراءه التفرق وفقد الثقة، وكان وراءهما الفشل الذريع، وإنهم من بعد ذلك يطمعون أن تعود الجزيرة العربية إلى الشرك بعد هذا الإيمان الذي هددهم في كيانهم؛ وكذلك سولت لهم نفوسهم، فإن الذي يركب رأسَه الشيطانُ توسوس له نفسه بالشر، ويتسع أفق تصوره حتى يتمنى الأماني البعيدة القاصية كأنها قريبة دانية.
وإن تلك الطريقة التي سلكوها من أقوى ما تفتق عنه التدبير الإبليسي؛ فإن إظهار الكفر بعد إظهار الإيمان مع التذرع بتلبيسات مضللة من شأنه أن يدخل الشك في ضعفاء الإيمان، وقد يكون معه الجهر بما يثير الريب حتى في أقوى الحقائق صدقا وأجدرها باليقين؛ ولذلك كانت عقوبة الردة التي ثبتت بقوله ﷺ :
стр. 1601
" من بدّل دينه فاقتلوه " (١) هى القتل؛ وذلك لقطع السبيل على الذين يدخلون في الإسلام ظاهرا، وهم يريدون إثارة الشك حول حقائقه، وليس في ذلك منافاة للحرية الدينية التي قررها الإسلام في قوله تعالى: (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَي. . .)، ولقد كان أولئك الذين أخذوا بذلك الطريق الخبيث لإفساد العقائد يظهرون في عصور الإسلام الوقت بعد الآخر، وهم الزنادقة، فهم كانوا في باطنهم كفارا يستترون بستار الإسلام ليفسدوا الأمر على أهل الإسلام، ويشككوا الناس في عقائدهم.
وإن الفقهاء كانوا يحذرون الناس من سمومهم التي ينفثونها، وقرر جمهورهم أن كل مرتد يستتاب إلا من عرف بالزندقة، فإنه يتخذ التوبة ستارا ليستطيع بها الكيد للإسلام وأهله، فيرد عليه كيده في نحره، وإن ظهر منه الكفر الذي يحاول ستره يؤخذ بالنواصي والأقدام.
وإن أهل الكتاب ليبالغون في التدبير للاحتياط من أن يذهب منهم إلى المسلمين من يؤمنون بالإسلام، فهم يحاولون من جهة بث الشَّك في الإسلام بين أهله، ومن جهة أخرى يعملون على الاحتياط من أن يدخل أحد منهم في الإسلام، ولذلك يثيرون العصبية الدينية فيما بينهم، ويتداعون ألا يذعن أحد منهم لغير طائفته؛ ولذلك يقولون:
* * *
стр. 1602
(وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ ... (٧٣)
* * *
أي لَا تذعنوا مصدقين مقرين بالحق إلا لمن تبع دينكم، أي لَا تنطقوا بالحق الذي تعلمونه مذعنين له إلا لمن تبع دينكم؛ وذلك لأنهم يعرفون محمدا كما يعرفون أبناءهم، وبين أيديهم الأدلة الصادقة الناطقة بصحة دعوته؛ فهم يعرفون ذلك ويتذاكرونه فيما بينهم، ولكنهم يتناهون عن أن يقولوه لغيرهم.
стр. 1603
وقوله تعالى: (أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ) فيها قراءتان، إحداهما: بهمزة واحدة، والأخرى بهمزتين إحداهما سهلة، والثانية قراءة ابن كثير (١)، وإحدى الهمزتين على هذه القراءة تكون للاستفهام الإنكاري.
وقوله تعالى: (قُلْ إِن الْهُدَى هُدَى اللَّهِ) يحتمل أن تكون معترضة، ويكون قوله تعالى: (أَن يُؤْتَى أَحَدٌ. .) متصلا بقوله: (وَلا تُؤْمِنُوا) ويحتمل أن تكون غير معترضة، وتكون متصلة بما بعدها.
وعلى الاحتمال الأول مع قراءة الهمزة الواحدة يكون تخريج القول هكذا: ولا تصدقوا مذعنين ومقرين إلا لمن تبع دينكم كراهة أن يُؤتي أحد بمثل ما أوتيتم من كتاب منزل من السماء منزلة دينية بين الناس، وكراهة أن يحاجوكم بسبب ذلك الإذعان وذلك الأمر من عند ربكم، وقد اعترض بين قولهم بقوله: (قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ) أي إن هداية الله تعالى ملك له وحده يعطيها لمن يشاء، فليست حِكْرا لأحد.، ولا أمرا مقصورا على أحد، بل يعطيها من يشاء.
وسبب ذلك الاعتراض هو المسارعة ببيان بطلان زعمهم من أنهم ذوو المنزلة الدينية وحدهم، ولبيان أن المنزلة منشؤها الهداية، والهداية طريقها وحدها فلهم أن يتبعوها، ولبيان أنهم بذلك التفاهم على الشر والتواصي على الباطل قد خرجوا عن نطاق الهداية فحقت لغيرهم. وعلى قراءة الهمزتين لَا يتغير المؤدى، ويكون تقرير القول هكذا: ولا تذعنوا مصدقين إلا لمن تبع دينكم، أتقرون بذلك لأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم.
هذا هو تخريج الآية الكريمة على احتمال أن قوله تعالى: (قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ) جملة معترضة بيزا متلازمين، أما تخريجها على احتمال أنها متصلة بما يليها فهو هكذا: لَا تذعنوا مكل مصدقين إلا لمن تبع دينكم، بذلك ينتهي قولهم، فيرد
стр. 1604
الله عليهم بقوله (قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ) ثم يبين أن هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم بأن ينزل بينهم وحي السماء كما نزل بينكم، أو يحاجوكم به عند ربكم، و " أو " هنا تكون بمعنى الواو. وعلى قراءة الاستفهام يكون المعنى: أتنكرون أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم.
ذانك الاحتمالان، وإنى أميل إلى الاحتمال الأول، وأن تكون الجملة السامية (قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ) معترضة، وأن قوله: (أَن يُؤْتَى أَحَدٌ مثْلَ مَا أُوتِيتُمْ) من قولهم، وذلك ليستقيم أمر الله بعد ذلك لنبيه بقوله: (قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ) فإنه لَا يتضح معناه إلا إذا كان عقب قولهم، ليكون معنى جديد للأمر الثاني بعد الأمر الأول، إذ لو كان قوله: (أَن يُؤْتَى أَحَدٌ) من كلام الله تعالى المأمور به ما اتضح لنا معنى الأمر الثاني: (قلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ) إلا إذا كان لتكرار هدايته وفضله، والتأسيس أولى من التأكيد.
لقد بين سبحانه بعد ذلك أن الهداية هي فضل من الله تعالى يتفضل به على من يشاء من عباده؛ ولذلك قال سبحانه: (إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ):
فهداية الله تعالى، والنبوة والرسالة التي تنبعث منها هداية المؤمنين الذين يذعنون للحق، ذلك كله فضل من الله تعالى لعباده، فليس حقا عليه لهم، بل هو منه تكرم وعطاء، والمتفضل المتكرم ليس بملزم بالعطاء لأحد، فإن كان قد جعل الرسالة حينا في بني إسرائيل فبفضل منه وبرحمة، وليس ذلك بملزم له، ولا بمسوغ لهم بأن يمنعوها عن غيرهم، ويستنكروا أن تكون في قوم أميين، وعليهم أن يذعنوا للحق أينما كان، ومن أي جهة كان النداء به، فالله أعلم حيث يجعل رسالته؛ وليس فوق إرادة الله إرادة، وليس من حق طائفة من الناس أن تقول نحن أبناء الله وأحباؤه.
стр. 1605
ثم بين سعة فضله وجليل حكمته، وإحاطة علمه، فقال عز من قائل:
(وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) أي أن رحمة الله تعالى واسعة، وفضله عظيم، لا يكون لقبيل دون قبيل، وإن تعدد من يؤتون فضلا لَا يغض من قدر الفضل عند غيرهم، فالذين يريدون أن يحتكروا الهداية، أو يحتكروا بينهم وفي أوساطهم رسالة الله إلى أهل الأرض، إنما يُضيِّقون واسعا، ويحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله من غير أن يعود عليهم من هذا الحسد شيء. ووصف ذاته بأنه واسع مع أن الظاهر سعة فضله؛ لبيان أن شمول فضله شأن من شئونه سبحانه، يظهر آثاره في خلقه، فما من شيء في هذا الوجود إلا وهو بفضله .
وقد اقترن وصف السعة هنا بوصف العلم، للإشارة إلى أن فضله تعالى هو على مقتضى علمه، فهو يعطي من يشاء بمقتضى فضله وعلمه، فما من شيء يكون من الله تعالى لعباده إلا بميزان، وكل شيء عند ربك بمقدار؛ وإنه بمقتضى هذا يختص هذا برحمته، ويختص آخر بنوع آخر؛ ولذا قال :
* * *
стр. 1606
(يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤)
* * *
اختص تستعمل لازمة ومتعدية، فيقال اختصه الله بفضله، ويقال اختص بفضل الله، والله بمقتضى علمه وحكمته يختص برحمة معينة من رحماته خلقا من خلقه، فقد يقول قائل إن كل من في الوجود في رحمة الله تعالى، ما من أحد من خلق الله تعالى إلا ناله نصيب من رحمة الله، ومنهم من يشكر، ومنهم من يكفر، فَلمَ عبر بهذا الاختصاص، ولا عام أعم من رحمة الله، ولا عموم إلا في فضل الله تعالى؟.
والجواب عن ذلك أن الرحمة التي يختص الله تعالى بعض عباده بها هي الرحمة النوعية، فيختص سبحانه هذا بالعلم، وذلك بالمال، وهذا بالجاه، وذلك
стр. 1607
بالراحة، وهذا الفريق بالرسالة والهداية، وذلك الفريق بالغلب والسلطان؛ و " كل ميسر لما خُلق له " (١).
فإذا كان بنو إسرائيل وأشباههم قد نَفِسُوا على بني إسماعيل (٢) أن تكون فيهم النبوة الكبرى التي تختتم بها رسالة السماء إلى الأرض، فذلك مما اختص به بعض عباده بالرحمة، وليس لأحد أن يعترض على فعل الله، فإن فضله على من اختصه عميم، وفضله أيضا على من لم يمنحه هذا النوع من الرحمة عظيم؛ ولذا ختم سبحانه الآية الكريمة بقوله: (وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظيمِ) فلا عظمة تساوي عظمة فضل الله تعالى على خلقه، فالاختصاص النوعي لبعض الرحمات لَا يعارضه عموم الفضل على خلقه، ولا عظمة هذا الفضل.
اللهم مُنَّ علينا بتوفيقك لنعرف فضل نعمتك، ونشكرك ولا نكفرك، وتب علينا، إنك أنت التواب الرحيم.
* * *
(وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧٦) إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٧)
* * *
стр. 1608
بين الله في الآيات السابقة استهانة بعض أهل الكتاب الذين عاصروا النبي ﷺ بالحق وتلبيسهم الحق بالباطل، وكذبهم وافتراءهم على النبيين وعلى رأسهم أبو الأنبياء إبراهيم ﵇، ثم بين تعصبهم، وحرصهم على أن يظهروا بين الناس بأن الهداية في حوزتهم وحدهم، وأن الناس ما عداهم دونهم، ثم ذكر ما يتوَاصَوْن به فيما بينهم من النفاق بأن يؤمنوا أول النهار ويكفروا آخره، لعلهم يفسدون بذلك عقائد المؤمنين؛ وهكذا مما يدل على فساد اعتقادهم وعدم إذعانهم للحق، وكذبهم فيما يدَّعون.
والكذب والخيانة توْأم، كما أن الصدق والأمانة توْأم، وفساد النفس يترتب عليه فساد العمل، وعدم الإذعان للحق في الاعتقاد يترتب عليه عدم الإذعان للحق في المادة، فإذا كان بعض أهل الكتاب قد كان منهم ذلك النفاق الديني، فإنهم قد بدت منهم الخيانة المادية، ولذا قال سبحانه:
стр. 1609
(وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا) قسمان متقابلان أحدهما يبلغ الغاية من الأمانة، فيعطيها عند طلبها مهما تكن قيمتها، ومهما تكن نفاستها، وعبر عن الكثرة بالقنطار من الذهب، ولم يذكر كونه من الذهب؛ لأنه مفهوم من السياق؛ لأن الدينار لَا يكون إلا من الذهب، فلا بد أن يكون القنطار الذي يكون في يد الأمين من الذهب، وهذا القسم الذي يكون على هذا القدر من الأمانة هو الذي يجيب داعي الحق ويؤمن به إذا دُعِي إليه، لأن التسليم بالحق في الماديات التي تصورها الأمانة لَا ينشأ إلا من ينبوع النفس التي تؤمن بالحق في المعنويات، بل إن هذا في الحق ينتهي إلى معنى الأمانة، لأن نصر الحق والإذعان له بعد قيام الدليل عليه نوع من الأمانة، إذ إن الله سبحانه أودعنا هذه القوى المدركة لنجعلها للحق وللنفع، فذو العلم عليه أن يؤدي أمانة العلم، وذو المال عليه أن يؤدي أمانة المال، ومن قام بين يديه الدليل على صدق دعوة إلى الحق لَا يكابر ولا يماري، وكانت الأمانة أن يعلن تلك الحقيقة ويناصرها ويؤيدها، ولذلك قال كثيرون من العلماء: إن الأمانة
стр. 1610
التي حملها الله للإنسان بمقتضى الفطرة هي إدراكها المعنى التكليفات الإنسانية والإلهية وقيامه بحقها، وقد قال تعالى: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢).
هذا هو القسم الأول، وقد قال العلماء إنهم أهل الكتاب الذين آمنوا برسالة محمد ﷺ ، كعبد الله بن سلام، وغيره من اليهود الذين سارعوا إلى الإسلام، وكذلك الشأن في كل كتابي علم الحق في رسالة النبي ﷺ ، وأذعن له؛ لأنه يكون ممن يؤدي الأمانة.
والقسم الثاني هو الذي لَا يؤدي الأمانة، وهو في مقابل الأول؛ لأن الأول في السماك الأعزل، وهذا في الحضيض الأوهد. وصور الله سبحانه الفرق بينهما ذلك التصوير الحكيم البين الواضح بأن الأول لو ائتمن على قنطار من ذهب لأداه، والثاني إن ائتمن على دينار لَا يؤده إلا بالملازمة الدائمة، والتتبع والإلحاف الشديد، وعبر الله عن هذه الملازمة بقوله تعالى: (إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا) أي إلا إذا استمررت مطالبا له مصمما على أن يؤدى مشرفا عليه في غدوه ورواحه. ودام معناها استمر، وقائما معناها ملازما متتبعا؛ ذلك لأن قام في استعمال القرآن الكريم لها تكون كما قال الراغب في مفرداته: " على أضرُب، قيام بالشخص إما بتسخير أو اختيار، وقيام للشيء وهو المراعاة للشيء، والحفظ له، وقيام هو بمعنى العزم على الشيء. . ومن المراعاة للشيء قوله تعالى: (كُونُوا قَوَّامينَ للَّه شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ. . .)، وقوله تعالى: (قَائِمًا بِالْقِسْطِ. . .)، وقوله تعالى: (أَفَمَنْ هُوَ قَائِم عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ. . .)، وقوله تعالى: (لَيْسُوا سَوَاءً مِّنْ أَهْلِ الْكِتَاب أُمَّةٌ قَائِمَةٌ. . .)، وقوله تعالى: (إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا) أي ثابتا على طلبه.
стр. 1611
وإن هؤلاء الذين لَا يؤدون الأمانة المادية إلا بهذه المطالبة الدائمة، والملازمة المستمرة - هم الذين لَا يتركون التضليل كما أشرنا، فلا يأمن أهل الحق شرهم إلا برقابة مستمرة لمنع تضليلهم، وفتنة الناس عن دينهم، ثم هم يخونون العهود، وطالما خانوا النبي ﷺ في حروبه مع المشركين، حتى اضطر لإجلائهم عن المدينة وما حولها.
وإن هؤلاء يبررون خيانتهم للأمانة المادية بقولهم كما حكى الله عنهم: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ).
أي ذلك الامتناع عن وفاء الحق، وأداء الأمانة والإذعان لبواعث الهداية الذي هو أداء الأمانة المعنوية سببه زعمهم الذي قالوه، ونطقوا به وهو أنهم ليس عليهم سبيل أي تبعة أو ملام أو عتاب في شأن الأميين وأموالهم، وهذا معنى قوله تعالى: (لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ) فالأميون هم العرب، وليسوا أمِّيين، لأنهم لم يكن عندهم علم ولا حضارة، وكانت تغلب عليهم الأمية، وهي الجهل بالكتابة والقراءة، فكان هذا الاسم لهم لغلبة الأمية عليهم، ومعنى سبيل حجة ملزمة؛ لأن السبيل هو الطريق، وهو يطلق بمعنى الحجة باعتبارها طريق الإلزام وتحمل التبعات، وقد قال الزمخشري في تفسير هذه الجملة السامية (لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ) أي لَا يتطرق علينا عتاب وذم في شأن الأمِّيين، يعنون الذين ليسوا من أهل الكتاب، وما فعلنا بهم ما فعلنا من حبس أموالهم والإضرار بهم، إلا لأنهم ليسوا على ديننا، وكانوا يستحلون ظلم من خالفهم، ويقولون لم يجعل لهم في كتابنا حرمة، وقيل: " بايع اليهود رجالا من قريش، فلما أسلموا تقاضوهم قالوا ليس لكم علينا حق، حيث تركتم دينكم ".
وإن هذه أخلاق الذين يظنون في أنفسهم العلو المطلق، ويستخدمون ذلك الظن الباطل، لأكل أموال الناس بالحق، وليفسدوا الأرض وهو ما عليه أهل أوروبا، يقومون بالحق في بلادهم، ويثبتون دعائمه في عشائرهم لَا يضيع عندهم
стр. 1612
حق، فإذا تجاوز الحق أقطارهم أنكروه، ولما لم يذعنوا له، وتقوَّلوا الأقاويل وادعوا أنه ليس للأمم المتخلفة في الحضارة حق كحق غيرها، وأنه ليس للملونين حق كحق غيرهم.
وإن هذا مبدأ اليهود، وهم مغرقون فيه، فقد كانت التوراة تحرم الربا تحريما مطلقا، وكان النص فيه: لَا تأخذ ربا من أخيك إذا أقرضته، فزادوا كلمة أخيك الإسرائيلي لأنهم لَا يشعرون بالأخوة الإنسانية في ذاتها.
وإن المبادئ الخلقية الفاضلة لَا تعرف جنسا ولا لونا ولا ثقافة، ولذا قال تعالى ردا عليهم مبينا كذبهم.
(وَيَقولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) في هذه الجملة السامية رد عليهم بأن ما قالوه من أنه ليس عليهم في الأمِّيين سبيل كلام لَا أصل له في شرع سماوي فهو ليس دينا، وإذا كانوا قد قالوه على الله تعالى فقد كذبوا على الله تعالى، وقد ذكر الله ذلك في قضية عامة تدل على أن من شأنهم أن يقولوا الكذب على الله تعالى، وهم يعلمون أنه كذب فقد كذبوا فادّعوا أنهم أبناء الله وأحباؤه، وكذبوا فادعوا أن إبراهيم كان يهوديا، وكذبوا فادّعوا أنه لا نبي إلا من بني إسرائيل، فكان الكذب على الله تعالى شأنا من شئونهم، ولذلك عبر بالمضارع، أي أن شأنهم أن يقولوا الكذب على الله، قالوه في الماضي، ويقولونه في الحاضر، وسيقولونه في المستقبل، وذلك شأن الذين يحتكرون لأنفسهم حق التكلم في الدين، ويحسبون غيرهم ليس من حقهم أن يتكلموا فيه.
وإن الأمانة كانت توجب عليهم ألا يقولوا إلا الحق، ولكنهم خانوها في الماديات، وما ذلك إلا لأنهم فقدوها في المعنويات، فكان هذا هو أساس ذلك الضلال البعيد، ولقد روى سعيد بن جبير أن النبي ﷺ قال في أهل الكتاب عندما نزل قوله تعالى عنهم: (لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ): قال ﵊:
стр. 1613
" كذب أعداء الله، ما من شيء في الجاهلية، إلا وهو تحت قدمي هاتين إلا الأمانة، فإنها مؤداة إلى البر والفاجر " (١).
ويروى أن رجلا سأل ابن عباس، فقال: " إنا نصيب في الغزو من أموال أهل الذمة الدجاجة، والشاة، فقال ابن عباس: فتقولون ماذا؟ قال نقول: ليس علينا بذلك بأس. فقال حبر هذه الأمة: هذا كما قال أهل الكتاب: (لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ). إنهم إذا أدوا الجزية لم تحل لكم أموالهم إلا بطيب أنفسهم ".
وإن الحق الثابت المقرر أن الفضائل الدينية هي حق على المؤمن لكل إنسان، ويأثم إن لم يؤدها لكل إنسان، ولذا قال تعالى:
* * *
стр. 1614
(بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧٦)
* * *
هذا تأكيد لبيان كذبهم على الله تعالى، وبَلي هنا معناها. إثبات ما نفوه " لأنها تجيء في القول لإثبات المنفي، لقد نفوا أنه ليس عليهم في الأمِّيين سبيل، فقال سبحانه بل عليكم فيهم سبيل، وأنتم معذبون بما تجرمون في شأنهم، ومثابون إن أوفيتم لهم بعهدهم وآمنتم، وقد علل سبحانه ذلك الحكم العادل بقضية دينية عامة ثابتة، وهي قوله سبحانه: (بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ).
وإن معنى هذا النص السامي أن الذي ينال محبة الله تعالى رضاه سبحانه، لابد أن يتحقق فيه وصفان:
أولهما الوفاء بالعهد، فكل ما يلتزمه من عهود، سواء أكان موضوعها أمرا ماديا كأداء الأمانات أم كان الموضوع أمرا معنويا كالقيام بحق من الحقوق - الوفاء به يستوجب رضا الله سبحانه، وكل غدر يكون فيه إبعاد عن رضوان الله سبحانه ومحبته.
стр. 1615
ويدخل في العهود ما أودعه الله سبحانه قلب كل إنسان من إدراك للحق، وفهم له وإدراك لمعنى الدليل، فإذا لم يذعن له ويعلنه لَا يكون موفيا للعهد.
الوصف الثاني المستوجب لرضا الله ومحبته - هو التقوى بأن يشعر بحق الغير عليه ويؤمن به، ويجعل بينه وبين الاعتداء أيا كان نوعه وقاية.
هذان هما الوصفان اللذان يستوجبان محبة الله تعالى، وقد خلا اليهود منهما، فليسوا من محبة الله في شيء، وإن هذين الوصفين متداخلان فالوفاء بالعهد داخل في التقوى، ولذلك قال سبحانه في جزاء الوصفين معا: (فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) أي من أوفى بعهده واتقى فقد استحق محبة الله، لأن محبة الله تعالى لَا يعطيها إلا لأهل التقوى الذين يجعلون بينهم وبين غضب الله تعالى وقاية، فيوفون بالعهد ويعطون كل ذي حق حقه، ويخشون مقت الله وعذابه، وأن الذي يسهل عدم الوفاء بالعهد أعراض الدنيا، وهي ثمن لَا يساوي شيئا في جانب عدم رضا - الله تعالى؛ ولذا قال سبحانه:
* * *