وإن هؤلاء الذين لَا يؤدون الأمانة المادية إلا بهذه المطالبة الدائمة، والملازمة المستمرة - هم الذين لَا يتركون التضليل كما أشرنا، فلا يأمن أهل الحق شرهم إلا برقابة مستمرة لمنع تضليلهم، وفتنة الناس عن دينهم، ثم هم يخونون العهود، وطالما خانوا النبي ﷺ في حروبه مع المشركين، حتى اضطر لإجلائهم عن المدينة وما حولها.
وإن هؤلاء يبررون خيانتهم للأمانة المادية بقولهم كما حكى الله عنهم: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ).
أي ذلك الامتناع عن وفاء الحق، وأداء الأمانة والإذعان لبواعث الهداية الذي هو أداء الأمانة المعنوية سببه زعمهم الذي قالوه، ونطقوا به وهو أنهم ليس عليهم سبيل أي تبعة أو ملام أو عتاب في شأن الأميين وأموالهم، وهذا معنى قوله تعالى: (لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ) فالأميون هم العرب، وليسوا أمِّيين، لأنهم لم يكن عندهم علم ولا حضارة، وكانت تغلب عليهم الأمية، وهي الجهل بالكتابة والقراءة، فكان هذا الاسم لهم لغلبة الأمية عليهم، ومعنى سبيل حجة ملزمة؛ لأن السبيل هو الطريق، وهو يطلق بمعنى الحجة باعتبارها طريق الإلزام وتحمل التبعات، وقد قال الزمخشري في تفسير هذه الجملة السامية (لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ) أي لَا يتطرق علينا عتاب وذم في شأن الأمِّيين، يعنون الذين ليسوا من أهل الكتاب، وما فعلنا بهم ما فعلنا من حبس أموالهم والإضرار بهم، إلا لأنهم ليسوا على ديننا، وكانوا يستحلون ظلم من خالفهم، ويقولون لم يجعل لهم في كتابنا حرمة، وقيل: " بايع اليهود رجالا من قريش، فلما أسلموا تقاضوهم قالوا ليس لكم علينا حق، حيث تركتم دينكم ".
وإن هذه أخلاق الذين يظنون في أنفسهم العلو المطلق، ويستخدمون ذلك الظن الباطل، لأكل أموال الناس بالحق، وليفسدوا الأرض وهو ما عليه أهل أوروبا، يقومون بالحق في بلادهم، ويثبتون دعائمه في عشائرهم لَا يضيع عندهم
стр. 1612
حق، فإذا تجاوز الحق أقطارهم أنكروه، ولما لم يذعنوا له، وتقوَّلوا الأقاويل وادعوا أنه ليس للأمم المتخلفة في الحضارة حق كحق غيرها، وأنه ليس للملونين حق كحق غيرهم.
وإن هذا مبدأ اليهود، وهم مغرقون فيه، فقد كانت التوراة تحرم الربا تحريما مطلقا، وكان النص فيه: لَا تأخذ ربا من أخيك إذا أقرضته، فزادوا كلمة أخيك الإسرائيلي لأنهم لَا يشعرون بالأخوة الإنسانية في ذاتها.
وإن المبادئ الخلقية الفاضلة لَا تعرف جنسا ولا لونا ولا ثقافة، ولذا قال تعالى ردا عليهم مبينا كذبهم.
(وَيَقولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) في هذه الجملة السامية رد عليهم بأن ما قالوه من أنه ليس عليهم في الأمِّيين سبيل كلام لَا أصل له في شرع سماوي فهو ليس دينا، وإذا كانوا قد قالوه على الله تعالى فقد كذبوا على الله تعالى، وقد ذكر الله ذلك في قضية عامة تدل على أن من شأنهم أن يقولوا الكذب على الله تعالى، وهم يعلمون أنه كذب فقد كذبوا فادّعوا أنهم أبناء الله وأحباؤه، وكذبوا فادعوا أن إبراهيم كان يهوديا، وكذبوا فادّعوا أنه لا نبي إلا من بني إسرائيل، فكان الكذب على الله تعالى شأنا من شئونهم، ولذلك عبر بالمضارع، أي أن شأنهم أن يقولوا الكذب على الله، قالوه في الماضي، ويقولونه في الحاضر، وسيقولونه في المستقبل، وذلك شأن الذين يحتكرون لأنفسهم حق التكلم في الدين، ويحسبون غيرهم ليس من حقهم أن يتكلموا فيه.
وإن الأمانة كانت توجب عليهم ألا يقولوا إلا الحق، ولكنهم خانوها في الماديات، وما ذلك إلا لأنهم فقدوها في المعنويات، فكان هذا هو أساس ذلك الضلال البعيد، ولقد روى سعيد بن جبير أن النبي ﷺ قال في أهل الكتاب عندما نزل قوله تعالى عنهم: (لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ): قال ﵊:
стр. 1613
" كذب أعداء الله، ما من شيء في الجاهلية، إلا وهو تحت قدمي هاتين إلا الأمانة، فإنها مؤداة إلى البر والفاجر " (١).
ويروى أن رجلا سأل ابن عباس، فقال: " إنا نصيب في الغزو من أموال أهل الذمة الدجاجة، والشاة، فقال ابن عباس: فتقولون ماذا؟ قال نقول: ليس علينا بذلك بأس. فقال حبر هذه الأمة: هذا كما قال أهل الكتاب: (لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ). إنهم إذا أدوا الجزية لم تحل لكم أموالهم إلا بطيب أنفسهم ".
وإن الحق الثابت المقرر أن الفضائل الدينية هي حق على المؤمن لكل إنسان، ويأثم إن لم يؤدها لكل إنسان، ولذا قال تعالى:
* * *
стр. 1614
(بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧٦)
* * *
هذا تأكيد لبيان كذبهم على الله تعالى، وبَلي هنا معناها. إثبات ما نفوه " لأنها تجيء في القول لإثبات المنفي، لقد نفوا أنه ليس عليهم في الأمِّيين سبيل، فقال سبحانه بل عليكم فيهم سبيل، وأنتم معذبون بما تجرمون في شأنهم، ومثابون إن أوفيتم لهم بعهدهم وآمنتم، وقد علل سبحانه ذلك الحكم العادل بقضية دينية عامة ثابتة، وهي قوله سبحانه: (بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ).
وإن معنى هذا النص السامي أن الذي ينال محبة الله تعالى رضاه سبحانه، لابد أن يتحقق فيه وصفان:
أولهما الوفاء بالعهد، فكل ما يلتزمه من عهود، سواء أكان موضوعها أمرا ماديا كأداء الأمانات أم كان الموضوع أمرا معنويا كالقيام بحق من الحقوق - الوفاء به يستوجب رضا الله سبحانه، وكل غدر يكون فيه إبعاد عن رضوان الله سبحانه ومحبته.
стр. 1615
ويدخل في العهود ما أودعه الله سبحانه قلب كل إنسان من إدراك للحق، وفهم له وإدراك لمعنى الدليل، فإذا لم يذعن له ويعلنه لَا يكون موفيا للعهد.
الوصف الثاني المستوجب لرضا الله ومحبته - هو التقوى بأن يشعر بحق الغير عليه ويؤمن به، ويجعل بينه وبين الاعتداء أيا كان نوعه وقاية.
هذان هما الوصفان اللذان يستوجبان محبة الله تعالى، وقد خلا اليهود منهما، فليسوا من محبة الله في شيء، وإن هذين الوصفين متداخلان فالوفاء بالعهد داخل في التقوى، ولذلك قال سبحانه في جزاء الوصفين معا: (فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) أي من أوفى بعهده واتقى فقد استحق محبة الله، لأن محبة الله تعالى لَا يعطيها إلا لأهل التقوى الذين يجعلون بينهم وبين غضب الله تعالى وقاية، فيوفون بالعهد ويعطون كل ذي حق حقه، ويخشون مقت الله وعذابه، وأن الذي يسهل عدم الوفاء بالعهد أعراض الدنيا، وهي ثمن لَا يساوي شيئا في جانب عدم رضا - الله تعالى؛ ولذا قال سبحانه:
* * *
стр. 1616
(إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ ... (٧٧)
* * *
أي إن الذين يتركون عهد الله تعالى في مقابل عرض من أعراض الدنيا يستبدلون ثمنا قليلا بأمر جليل إذ إن من يترك عهد الله الذي عاهد الناس عليه ويمين الله التي وثق بها ذلك العهد يفقد ثقة الناس، ومن فقد ثقة الناس لا يأمنونه، وتلك خسارة كبيرة، وإذا فقد المجتمع الثقة بين آحاده صار كل واحد ينظر إلى الآخر كما ينظر الوحش إلى فريسته، فيذهب الاطمئنان، فتكون الجماعة كقطيع من الذئاب.
وعهد الله تعالى يشتمل معنيين: أحدهما ما التزمه بمقتضى فطرته والتكاليف الدينية والمدارك العقلية من أداء الحقوق والواجبات ومراعاة الأمانات، والثاني ما يعطيه هو من عهود يذكر فيها اسم الله تعالى، ويوثقه بيمين الله تعالى أو لا يوثقه. وإن تراث هذه العهود له أثر في الدنيا وفي الآخرة، أما في الدنيا فالنبذ والطرد. وأما أثره في الآخرة، فذكر سبحانه بعضه بقوله: (أُوْلَئِكَ لَا خَلاقَ لَهُمْ
стр. 1617
فِي الآخِرَةِ) أي أولئك الذين ينكثون بالعهود ولا يحترمون يمين الله لَا نصيب لهم في الآخرة من ثواب، ولكن مغبتهم حساب وعقاب، فخسروا الدنيا والآخرة، وذلك هو الخسران المبين.
(وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّه وَلا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) أربعة أنواع من الجزاء تنالهم أولها: أن الله لَا يكلمهم، وهذا كناية عن عدم محبته، لأن المحب مقبل على حبيبه، متحدث إليه، ومن فقد محبة الله فقد فقد معنى الوجود، وثانيها: أنه لَا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يرعاهم، لأنهم إذا فقدوا النظر إليهم منه سبحانه فقدوا كلاءته وحمايته، فعدم النظر كناية عن أنه لا يحميهم من العقاب، ولا ينزل بهم نعيما، والنوع الثالث: أنه لَا يزكيهم، وذلك كناية عن عدم رضاه سبحانه، لأن من يرضى عن شخص يزكيه ويطريه ويثني عليه. والجزاء الرابع الذي هو نتيجة ما سبق من بغض الله، وسخطه، ومنع حمايته هو أن لهم عذابا مؤلما:
اللهم قنا عذاب النار، وامنحنا رضاك واعف عنا واغفر لنا وارحمنا، وأنت خير الراحمين.
* * *
(وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٨) مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩) وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠)
* * *
стр. 1618
بين الله في الآيات السا بقة كذب اليهود والنصارى الذين عاصروا النبي ﷺ والذين سبقوه، ومن جاء بعد هؤلاء وأولئك، كيف كانوا يكذبون في الوقائع البدهية، فَيدَّعون أن إبراهيم أبا الأنبياء كان يهوديا أو نصرانيا وكيف كان اليهود وغيرهم يدعون أن هداية الله حكر احتكروه، وهي في حِرْزهم لا تخرج عنهم إلى غيرهم، وقد اندفعوا إلى النفاق بإظهار الإيمان وإبطان الكفر، ثم اندفعوا إلى خيانة الأمانات المادية، وأكل أموال الناس باسم أنهم الصنف الممتاز في هذه الأرض الذي يباح له كل شيء. وفي هذه الآيات التي نتكلم الآن في معانيها السامية قد أعظموا في البطلان كما يحكي رب العالمين، فكذبوا على الله تعالى، وهذا الكذب هو أصل الداء، وأبعد غايات الافتراء، كذبوا على الله فحرفوا الكتاب، وقرءوا أهواءهم على أنها من عند الله، وما هي من عند الله، وعلى أنها من الكتاب وما هي من الكتاب ولذا قال تعالى:
стр. 1619
(وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ منَ الْكِتَابِ) هذا من عدل القرآن الكريم في حكمه على الطوائف والجماعة، لَا يعمِّم الحكم على الجماعة كلها، ولكن يخص بالذكر الذين ارتكبوا ابتداءً كِبرَ الشر، وإن عم ضلالُهم من بعدُ الطائفة كلها، ولهذا نسب التحريف ابتداء إلى طائفة منهم، وإن كان الضلال شاملا.
ولَيُّ اللسان معناه، فتْلُه عند النطق لتوجيه الكلام نحو معنى لَا يقصد من ظاهر اللفظ، وهذا يشمل معاني كثيرة، فيشمل إخفاء بعض الحروف عند النطق بكلمة، فيتغير المعنى، كمن يقول: (السلام عليكم) فيخفي (اللام) فتصير الكلمة " السام عليكم " ويكون المعنى مناقضا للمعنى الأصلي، إذ السلام هو: الأمن، والسام هو: الموت، والأول دعاء له، والثاني دعاء عليه، ومن اللَّي، أن يغير لفظا بلفظ آخر، ويومئ اللفظ الثاني إلى معنى غير المقصود من الأول، ومن ذلك قوله تعالى حكاية عن بعض أهل الكتاب: (مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِألْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ
стр. 1620
وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ. . .)، فكان لَيُّ اللسان أن استعملوا كلمة (راعنا) بدل كلمة (انظرنا) وكلمة راعنا - في لغة السريان والعبرانيين - للسب، فهم باختيارها يشيرون إلى معنى السب في هاتين اللغتين، وبذلك يطعنون في الدين، ويسبون النبي ﷺ ، ومن لي اللسان، أن تقرأ عبارات في الكتاب بنغمته، وهي ليست منه. ومِنَ اللَّي المعنوي، تحريف المعاني بتوجيهها إلى غير المراد منها.
وبهذه الأنواع الأربعة كان بعض اليهود والنصارى يلوُون ألسنتهم بالكتاب أي عند قراءته و " الباء " في قوله تعالى: بـ (الْكِتَابِ)؛ بمعنى " في " فهم ينظرون إلى الصحائف التي تحوي التوراة، ويقرءون غير ما فيها بليِّ ألسنتهم إما بحذف حروف يغير المعنى حذفها، أو بتغيير كلماتها، أو بقراءة كلام غيرها بنغمتها وتجويده، أو بتحريف معانيها، ليتجهوا إلى معان ليست فيها؛ وليس شيء من هذا في الكتاب الذي يوهمون سامعيه أنه منه، وليس منه، وبذلك ضلُّوا وأَضلُّوا كثيراً، وضلُّوا عن سواء السبيل، وإن ذلك هو أصل الشر فيهم، وأصل فساد الاعتقاد عندهم.
والضمير في قوله سبحانه: (لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ) وفي: (وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ) يعود إلى ما لوَوْا به ألسنتهم؛ وتكرار الكتاب في النفي.، لبيان شدة براءة الكتاب المنزل على موسى وعيسى ﵉ مما يدعون ويفترون.
(وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) في هذا النص السامي بيان مدى الخطورة في لَي ألسنتهم بالكتاب، وإيهام الناس أن ما يقرءون وما يقولون من كتاب الله حتى يحسبه الناس كذلك، فإنهم إذْ يفعلون ذلك ينسبون لله تعالى ما لم يقله فيقولون: إن كلامهم هو من عند الله، وليس من عند الله، وذكر " هو " في كلامهم يفيد إصرارهم على ما يدعون مع علمهم بأنهم يكذبون ويفترون وذكره في نفي ادعائهم لتأكيد هذا النفي، وبيان أنَه منصبٌّ على كلامهم، لَا على أصل الكتاب، ويقول الزمخشري في قوله تعالى: (وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ)
стр. 1621
تأكيد لقوله (لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ) وزيادة تشنيع عليهم، وتسجيل بالكذب، ودليل على أنهم لَا يعرِّضون، ولا يورون، وإنما يصرحون بأنه في التوراة هكذا، وقد أنزله الله تعالى على موسى ﵇ كذلك؛ لفرط جراءتهم على الله تعالى، وقساوة قلوبهم، ويأسهم من الآخرة. وقد سجل عليهم الكذب بقوله سبحانه:
(وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ) في هذه الجملة السامية بيان مقدار جرأتهم في الباطل، وكذبهم على الحق، فهم يكذبون على الله، وهم يعلمون أنهم كاذبون. وقد أكد شناعة تصوفهم وتبجحهم بأربعة مؤكدات:
أولها: أن كذبهم لم يكن تعريضا، ولا بلسان الفعال، بل كان بالقول الصريح.
وثانيها: أن المفترى عليه هو الله ، فهم لَا يفترون على بشر مثلهم، ربما لَا يعلم افتراءهم عليه، بل إنهم يكذبون على علام الغيوب الذي يعلم ما تنطق به الألسنة وما تكنه القلوب، وإذا كانوا ينكرون علمه واطلاعه، فقد كفروا بهذا الإنكار قبل أن يكفروا بهذا البهتان.
وثالثها: أنهم يعلمون الحق، وينطقون بالباطل، ويعلمون حكم الله تعالى، ويكذبون عليه، ويتقولون الأقاويل، وهم يعلمون أنها غير صادقة.
ورابعها: أنه أكد علمهم بذكر الضمير، في قوله: (وَهُمْ يَعْلَمُونَ)، أي: هم بأعيانهم وأشخاصهم يعرفون كذبهم، وذلك هو الضلال البعيد.
وإن أعظم فرية افتراها بعض أهل الكتاب هي ادعاؤهم أن بعض النبيين دعوهم إلى أن يعبدوهم من دون الله تعالى، أو يتخذوهم أربابا، ولقد أشار الله إلى هذه الفرية العظيمة ببيان أنها غير معقولة في ذاتها، وأعظم الافتراء ما كان منافيا لطبيعة من ينسب إليه؛ ولقد قال تعالى في بطلان هذه
стр. 1622
الفرية:
* * *
стр. 1623
(مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ ... (٧٩)
* * *
لقد ادَّعى النصارى أن المسيح إله وعبدوه، وادّعوا أن ذلك من رسالته، واتخذ اليهود والنصارى الأحبار والرهبان أربابا من دون الله تعالى بمعنى أنهم لم يتصلوا في معرفة الدين بنصوص كتابهم من غير حجاب، بل اتصلوا به عن طريق تفسير الأحبار والرهبان، وأولئك حرفوا وبدلوا، وكانوا ينشرون كلامهم على أنه من دين الله، وما هو منه.
وقوله تعالى: (مَا كَانَ لِبَشَرٍ) استعمال قرآني يفيد نفي الشأن وعدم اتفاق هذا المعنى مع الحقيقة المفروضة في الرسول، وقد قالوا إن كلمة " ما كان " في هذا المقام وما يشبهه في معنى ما ينبغي. وذلك مثل قوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتلَ مؤْمِنًا إِلَّا خَطَئًا. . .)، وقوله تعالى: (مَا كانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ. . .). وقوله تعالى: (مَا يَكون لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ. . .).
والنفي في النص القرآني منصبّ على اجتماع الرسالة مع القول الذي يكذبون به على أنبياء الله، ومعنى النسق هذا، لَا ينبغي لبشر أن يخاطبه الله تعالى ويعطيه الحكم والنبوة أن يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله فليس النفي بالبداهة منصبا على إيتاء الله الكتاب والحكم والنبوة، بل هو منصب على المعطوف، وهو أن يكون منه - مع ما آتاه الله - ذلك الادعاء فيدعو الناس إلى عبادته.
و" الكتاب " المراد به سجل الشريعة التي جاءت، و " الحكم " قيل المراد به الحكمة، ومن ذلك قول أكثم بن صيفي: (الصمت حكم، وقليل فاعله)، وأنا أرجح أن المراد هو الشريعة المنزلة التي يحكم بها بين الناس، و " النبوة " هي الرسالة الإلهية التي حملها النبي من أنبياء الله تعالى، وتلك النعم التي أنعم الله بها على هذا النبي لَا تتفق مع ما ينسب إليه، فالكتاب الذي آتاه حجة عليه والشريعة التي
стр. 1624
جاء بها تتجافى عن " هذا الادعاء، والأمانة التي تحملها برسالته عن الله تعالى تمنعه من أن ينطق بهذا البهتان الصريح؛ فإنه ليس في كتابه ولا شريعته، ولا يتفق مع معنى رسالته، وإذا كان من المستحيل أن يدعي تلك الدعوة فإن المعقول أن تكون دعوته متفقة مع هذه الأمور، ولذا قال سبحانه في دعوته:
(وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كنتُمْ تُعَلّمُونَ الْكتَابَ وَبِمَا كنتُمْ تَدْرُسُونَ) أي:
ولكن يقول أولئك الذين أوتوا علم الكتاب، وعلم الشريعة، وفضل النبوة والسفارة الإلهية للناس: (كُونُوا رَبَّانِيِّينَ) والربانيون، نسبة إلى الرب وقويت النسبة بزيادة الألف والنون، ومعنى هذه النسبة إلى الله تعالى يتضمن أنوارا يتخلق بها المؤمن.
أولها: ألا يعبد إلا الله وحده، فيكون بعقله وقلبه وأحاسيسه خالصا لله ولا يشرك فيها أحداً سواه.
وثانيها: ألا يعرف حقيقة شرع إلا عن الله، فلا يوسط في تعرفها عبادا لهم أهواء وشهوات، يحرفون الكلم عن مواضعه إلا أن يكونوا ذوي فهم في كتاب الله تعالى قد حرم هو منه، فيستعين بهم على فهم كتابه سبحانه لَا أن يأخذ أقوالهم على أنها دين الله.
ثالثها: ألا ينفذ من الأحكام إلا أحكام الرب .
رابعها: أن تكون كل أعماله خالصة لوجه الله فلا يماري ولا ينافق.
خامسها: أن يخضع للحق لذات الحق، وقد بين سبحانه - حكاية عما ينبغي أن يقوله الرسل وقد قالوه - كيف تتربى الربانية في نفس المؤمن، فذكر أنها علم الكتاب المنزل والعكوف على دراسته، فقال: (بِمَا كنتمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كنتمْ تَدْرُسُونَ). أي: أن الذي يربي الربانية هو الاستمرار والدءوب على أمرين اثنين: أولهما: دراسة الكتاب المنزل الذي بينه الرسول، فهو يدرسه مع شارحه، ويقطع كل الحجزات التي تحول بينه وبين هذه الدراسة، فلا يأخذ دين الله عن غير كتاب الله الذي بينه رسول الله تعالى.
стр. 1625
ثانيهما: استيعاب علم الكتاب وتعليمه من البعض ليتمكن الدارسون من أن يعرفوا حقيقة كتاب الله، والاهتداء بهديه. وقُدِّم تعليم علم الكتاب على دراسته الأمرين:
أولهما: الإشارة إلى جرم أهل الكتاب الذين اتجهوا إلى تعليم الناس أهواءهم بدل أن يعلموهم كتاب الله.
وثانيهما: أن بيان الدراسة من غير تعليم وتدريس خبط عشواء. وسير في ظلماء؛ كما يحاول ملاحدة اليوم الذين يريدون أن يفهموا القرآن من غير أن يعلموا شيئا حتى علم العربية:
* * *
стр. 1626
(وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا ... (٨٠)
* * *
في النص القرآني (١) قراءتان إحداهما بضم الراء، ويكون الكلام بها مستأنفا، ومتمما بيان ما لَا ينبغي لرسل الله تعالى. والثانية بفتح الراء؛ بالعطف على أن يؤتيه مع ملاحظة المعطوف الأول عليها، والمعنى: أنه لَا ينبغي لبشر أن يؤتيه الله الكتاب مع قوله كونوا عبادا لي من دون الله، ولا ينبغي له أيضا أن يأمرهم بأن يتخذوا الملائكة والنبيين أربابا بأن يعتقدوا أن الملائكة والنبيين يسيّرون الكون بغير إرادة الله، وأنهم يعبدون من دون الله أو مع الله. وقد وقع في عبادة الملائكة - الصابئة الذين كانوا يقيمون في بلاد الكلدان، وتبعهم بعض المشركين من العرب، والذين عبدوا بعض النبيين هم النصارى فقد اتخذوا المسيح إلها يعبد، وبعض اليهود فقد اتخذت طائفة منهم عزيرا إلها وزعموه ابن الله، تعالي اللهِ عما يقولون علوا كبيرا.
(أَيَأمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلمُونَ) هذا استفهام إنكاري بمعنى النفي أي: أن الرسل لَا يمكن أن يأمروا بالكفر بالله، وقد أوتوا علم الكتاب وفضل السفارة، وتنفيذ شريعة الله تعالى، ذلك لأنهم يكونون مضللين ولا يكونون هادين، وقوله: (بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ) فيه إشارة إلى أن الناس بمقتضى فطرهم يسلمون ويخلصون وجوههم لله ، فهذا شأن من شئونهم، وطبيعة في فطرهم، حتى لقد قال بعض العلماء: إن معرفة الله تكون بالعقل؛ وأوجب
стр. 1627
أبو حنيفة معرفة الله بالعقل وما كان الرسل ليصرفوا الناس عن مقتضى الفطرة والعقل؛ فعبادة الله وحده في فطرة الله التي فطر عليها الناس.
اللهم جنبنا الهوى، واهدنا إلى الرشاد.
* * *
(وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٨٢) أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣)
* * *
بين أحوال اليهود الذين عاصروا الرسالة المحمدية، وكيف كانوا يتعصبون لما عندهم، ويحرفون الكلم عن مواضعه؛ تشددا في التمسك بما عندهم على أن يكون على هواهم. وبين سبحانه كيف أداهم ذلك إلى الظلم، وإلى فساد الاعتقاد. بعد هذا بين وحدة الشرائع السماوية، وأنها يكمل بعضها بعضا. وأنها كالقصر المشيد، كل لبنة منه جزء من كيانه، وهو جماع لبناته وأركانه وأشكاله؛ وأكد سبحانه تلك الوحدة في الرسالة الإلهية ببيان أنها ميثاق الله على الأنبياء، وأن الله سبحانه أخذه عليهم ليصدق بعضهم بعضا فقال تعالى:
стр. 1628
(وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَاب وَحِكْمَة).
الميثاق مأخوذ من الوثاق، وهو ما يشد به الأمر، ويثبت ويؤكد؛ والميثاق الذي أخذه الله على النبيين هو ميثاق بمقتضى الهداية التي جاءوا بها، والحق الذي
стр. 1629
يناصرونه، وهو مشتق من معنى النبوة، والرسالة الإلهية؛ فإن هذه الرسالة بمقتضى وظيفتها وعملها هي عهد موثق بين العبد المختار، والرب الذي اختاره، كمن يرسل رسولا، فإنه يكون ثمة عهد بين الرسول ومن أرسله، بأن يقوم بواجب الرسالة على الوجه الأكمل.
وإنه بمقتضى هذا العهد الموثق الذي اشتق من منصب الرسالة الأسمى، تكون الرسالة الإلهية واحدة في مقصدها وغايتها، وهي إسعاد البشرية، وتنظيم العلاقات الإنسانية على دعائم من الأخلاق الفاضلة المنبعثة من النفس العابدة، والروح الزاهدة، التي لَا تحرم طيبات ما أحل الله.
وإذا كانت الوسائل تختلف أحيانا قليلة، فالغاية واحدة، وهي الرحمة، وإقامة الحق والقسط بين الناس.
وكل نبي متمم ما بدأ به النبي الذي سبقه، أو بالأحرى يؤكد ما جاء به ويوثقه ويقويه، حتى ختم الله أنبياءه بمحمد ﷺ ، فكان خاتم النبيين، ولذلك كان حقا على كل نبي أن يصدق ويؤمن بما يجيء به النبي الذي بعده، والذي أعلمه الله تعالى به، وإذا كان حقا على النبي المبعوث أن يؤمن بمن سبقه، ومن يجيئون بعده ممن أخبره الله تعالى بمجيئهم، فإنه بلا ريب حق على الذين يتبعونه أن يصدقوا ذلك النبي الذي يجيء بعده؛ لأنهم يتبعونه في كل ما يؤمن به؛ فحق على اليهود والنصارى بمقتضى العهد الذي أخذه الله على النبيين، وبمقتضى إيمان هؤلاء النبيين، وتنفيذا لهذا العهد، أن يؤمنوا بالنبي ﷺ ، وإلا ما كانوا متبعين لموسى وعيسى ﵉، إنما يكونون متبعين لأهوائهم وشهواتهم؛ ولذا يقول النبي ﷺ فيما رواه جابر: " لو كان موسى حيا بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني " (١).
стр. 1630
هذا هو معنى النص الكريم بالإجمال، بقي أن ننظر في تخريج هذه المعاني السامية من الألفاظ المقدسة، فنقول: إن في الآيتين قراءتين (١)، إحداهما: القراءة بفتح " اللام " وتكون اللام في هذه الحال هي اللام الموطئة للقسم، التي تُشْعِرُ بأن في الكلام قسمًا تضمنه سابقها، وأن ما بعدها يتضمن الجواب؛ وتكون (ما) شرطية، ويكون معنى الكلام: مهما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لَا معكم لتؤمنن؛ أي أنه ميثاق الله وعهده إن أتاكم علم الكتاب والحكمة، وهي الشريعة الحاكمة، وجاء رسول أن تؤمنوا فالعهد الأساس بينكم معشر الرسل، وبين من أرسلكم، أنه إن جاء كتاب الرسالة، وشريعتها التي هي حكمتها الحاكمة هو أن تؤمنوا بكل رسول يجيء بعدكم مصدقا لَا معكم كإيمانكم بكتابكم: هذا تخريج معاني الآية على قراءة فتح " اللام ".
وثانيتهما القراءة بكسر (اللام) وتكون (ما) بمعنى الذي، فهو اسم موصول، وقوله تعالى: (ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مصَدِّقٌ لمَا مَعَكُمْ) عطف على الصلة، ويكون المعنى: أخذ الله الميثاق على النبيين بسبب الكتاب الذي نزل، والحكمة التي جاءوا بها، وتصديق النبي الذي جاء من بعدهم - أخذ عليهم عهدا بأن يؤمنوا به.
وقوله تعالى: (لَتُؤْمِنُنَّ) جواب القسم الذي تضمنه معنى الميثاق، لأن الميثاق المؤكد الموثق هو في حكم القسم المؤكد الموثق، وقوله تعالى: (وَلَتَنصُرنَّهُ) عطف على لتؤمنن أي أن مقتضى العهد والميثاق على النبيين أن يؤمنوا بما جاء به الرسول الذي صدق ما معهم، وأن ينصروه إذا اختلف مع المشركين. ولكن قد يسأل سائل: إنهم قد مضوا، فكيف تتصور منهم النصرة؛.
إن تصور الإيمان منهم ممكن باعتبار أن الله تعالى مخبرهم بمبعثه، ولكن النصرة غير متصورة، والجواب عن ذلك: أن الكلام بالنسبة للأنبياء فرضي، وبالنسبة لأتباعهم واقعي؛ وكان المراد أن هؤلاء الأنبياء لو كانوا أحياء في عهد
стр. 1631
الرسول الذي يجيء مصدقا لما معهم، لآمنوا به، ولاتبعوه ونصروه وآزروه، لأن ذلك ميثاق الله الذي ربط النبوات بعضها ببعض، فهي متلاقية عند غاية واحدة، وإذا كان النبيون لَا يفرض فيهم إلا ذلك فاتباعهم يجب عليهم أن يفعلوه إن كانوا متبعين لهم.
بعد أن صور الله ذلك العهد الموثق بمقتضى الرسالة الإلهية قال:
(قَالَ أَأَقْرَرْتمْ وَأَخَذْتمْ عَلَى ذَلِكمْ إِصْرِي) في الجملة السابقة بيّن سبحانه عهد الله على النبيين، وفي هذه الجملة يوثقه ويؤكده بأخذ إقرار منهم بهذا الميثاق، وبأخذ عهد آخر عليهم، وهو أن يتولوا هم أخذ العهد على غيرهم بأن يقوموا بعهد الله تعالى الذي عاهدهم عليه، أي أنه سبحانه يأمرهم بأن يأخذوا ذلك العهد على أتباعهم، وهذا معنى (وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي) أي أخذتم من أتباعكم على ذلك الميثاق - أن ينفذوه وأن يتبعوه، وأن يقوموا بحقه عليهم، فثمة إذن عهدان: عهد الله على النبيين، وعهد النبيين على أتباعهم، وهذا هو الإصر الذي أخذوه عليهم. فالإصر هنا هو العهد الموثق الشديد، وقد قال الراغب في أصل اشتقاق " أصر ": " والإصر عقد الشيء وحبسه بقهره يقال أصَرتُه فهو مأصور ". قال تعالى: (وَيَضعُ عَنْهمْ إِصْرَهمْ. . .)، أي الأمور التي تثبطهم، وتقيدهم عن الخيرات، وعن الوصول إلى الثوابات. . و " الإصر " العهد المؤكد الذي يثبط ناقضه عن الثواب، وعن الخيرات، قال تعالى: (أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي).
وإذا كان أتباع النبيين قد. أخذ عليهم العهد بأن يؤمنوا بالرسول ويصدقوه وينصروه، فإنه في عنق اليهود والنصارى أن يؤمنوا بمحمد وينصروه ويؤيدوه، لأن ذلك جزء من الرسالة التي أتوا بها.
ولقد زكى سبحانه العهد الذي أخذه النبيون على أتباعهم بقوله تعالى: (قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ).
стр. 1632
أي أن الله سبحانه قد أخذ هذا الإقرار على أنبيائه، وأخذوا هم ذلك الميثاق على أتباعهم، وبعد ذلك أمرهم سبحانه بأن يشهدوا على أتباعهم بأنهم أخذوا ذلك الميثاق عليهم، فمعنى قوله تعالى: (قَالَ فَاشْهَدُوا) أي فاشهدوا أيها الأنبياء على أتباعكم بأنكم أخذتم عليهم تلك العهود بأن يؤمنوا بالرسول الذي يجيء مصدقا لما معكم، وأنهم إذا لم يفعلوا فقد خالفوا العهد والميثاق، ونقضوا عهد الله تعالى الذي أمر النبيين بأخذه عليهم، ثم أكد تلك الشهادة بشهادته ، وليس كمثله شيء، وهو السميع البصير، ولذا قال سبحانه: (وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ) وأي شهادة أجل وأعظم من شهادة خالق السماوات والأرض ومن فيهما.
وإن هذا كله ينتهي بلا ريب إلى أن اليهود والنصارى عليهم أن يتبعوا النبي ﷺ ، وأن ينصروه، وأن يؤمنوا به، وعليهم أن يعلموا أن ذلك اتباع لدينهم، وأنهم إن ناوءوا الرسول، فإنما يناوئون أنبياءهم، وأنهم بمخالفتهم له قد خرجوا عن دينهم الذي ارتضوا، والذي يزعمون أنهم يناقضون النبي ﷺ لتأييده ونصرته.
وإن هذه الآية السامية تدل على وحدة الرسالة الإلهية إلى أهل الأرض، فما جاء به إبراهيم وموسى وعيسى هو ما جاء به محمد ﷺ ، ولذا قال تعالى: (شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ. . .).
ولهذه الوحدة الدينية في الرسالة الإلهية سمى الله سبحانه كل مكذب لنبي مكذبا لدين الله، ولو كان يدعي أنه يتبع ديناً ولذا سمَّى الخارجين فاسقين فقال تعالى:
* * *
стр. 1633
(فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٨٢)
* * *
أي فمن أعرض بعد ذلك عن الإيمان بمحمد وعن نصرته وتأييده، فأولئك هم الفاسقُون، أي الخارجون على كل دين غير المؤمنين بأي نوع من الإيمان، فلم يؤمنوا لَا بأنبيائهم ولا بمحمد، ولا بمن يدَّعون الإيمان بهم، وقد أكد فسقهم
стр. 1634
بالإشارة بالبعيد، وبتعريف الطرفين الذي يفيد انحصارهم في الفسق وانحصار الفسق فيهم، وأكد أيضا بضمير الفصل الذي يفيد التخصيص.
* * *
стр. 1635
(أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ ... (٨٣)
* * *
هذه الجملة السامية فيها تصريح بوحدة الرسالة، فإن ما يجيء به الرسل جميعا واحد لَا يتغير، وهو دين الله تعالى؛ ومن خالفه فقد خالف دينه سبحانه، ومن آمن ببعض الرسل، وكفر ببعض آخر، فهو يبغى غير دين الله، ويطلب سواه، ومعنى النص الكريم: أنهم إذا أعرضوا عن تصديق محمد طلبوا غير دينه سبحانه.
والاستفهام هنا للتوبيخ، واستنكار ما يفعلون، وبيان أن مؤداه أنهم يطلبون غير دين الله ، وأنهم لَا يمكن أن يكونوا مؤمنين بنبي قط، إذا أنكروا رسالة نبي، من الأنبياء، وخصوصا محمد ﷺ الذي جاء بكتاب مصدقا لمن بين يديه من الكتب.
وفى هذا الكلام إشارة إلى أن دين الله واحد لَا يتجزأ، فمن كفر ببعضه، فقد كفر بكله، وأن حقيقة هذا الدين تتجلى في كل ما جاء به الرسل لَا في بعضه، وأنه يتلاقى كله في مجموعه، ولا يتعارض إلا ما يكون من جزئيات عملية ضئيلة، فلا تختلف رسالات الرسل في قواعد كلية.
وهنا مباحث لفظية. أولها: أن الفاء هنا للترتيب والتعقيب، وهي مؤخرة عن تقديم؛ لأن الاستفهام له الصدارة دائما، والمعنى أنه ترتب على كفرهم بمحمد ﷺ أنه وجه إليهم ذلك الاستفهام الإنكاري توبيخا لهم على ما فعلوا وما أنكروا، وما ضللوا.
وثانيها: إسناد الدين إلى الله تعالى، ففيه إشارة إلى أن من يكفر ببعضه إنما
يكفر بالله، لَا بنبي من الأنبياء فقط.
وثالثها: تقديم المفعول على الفعل، أي تقديم كلمة " غير دين الله " على " يبغون " ففيه تنبيه إلى موضع الإستنكار وهو أنهم أرادوا غير دين الله تعالى، فقدم المفعول لأهميته، إذ هو موضع التنبيه والتوبيخ.
стр. 1636
ورابعها التعبير بـ (يَبْغُونَ) بدل يريدون، فإنه يفيد شدة إلحافهم وإصرارهم، وفي ذلك إشارة إلى أنهم بذلك ظالمون.
وقد بين سبحانه أن ذلك الأمر الذي ابتغوه وطلبوه كان تمردا على الله، وخروجا على طاعته، مع أنه سبحانه قد أسلم له كل من في السماوات والأرض طوعا وكرها؛ ولذلك قال سبحانه:
(وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السمَوَات وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا). أي أنهم يبغون غير دين الله، ويخرجون عن طاعته؛ مع أَنه قد أسلم له من في السماوات والأرض طوعا وكرها؛ وتقديم الجار والمجرور لإفادة القصر، أي له وحده، لَا لأحد سواه، خضع وأخلص كل من في السماوات والأرض من عقلاء. (طَوْعًا وَكَرْهًا) أي أنهم خاضعون مستسلمون له بنوعين أحدهما: بالطاعة، والإخلاص، والإذعان، وقبول كل ما يحكم به، والتقرب منه بعبادته، وأولئك هم الأخيار.
وثانيهما: بالخضوع لقوته القاهرة، وكونه سبحانه مسير الأكوان؛ لأنه لَا أحد من الخلق له أثر في تسييرها، وفيما يكسب من خير وشر، والجميع في قدرته وحفظه، وهذا الخضوع هو الخضوع كرها وقسرا، وهو سار على الأخيار والأشرار.
ثم هددهم سبحانه بقوله تعالى: (وَإلَيْهِ يُرْجَعُونَ). أي إليه وحده المرجع والمآب، يحاسب كلا على ما صنع من خير وشر.
اللهم اغفر لنا وارحمنا، وأنت خير الراحمين.
* * *
(قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٨٤) وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)
* * *
стр. 1637
بين في الآيات السابقة شدة تعصب بعض الذين أوتوا الكتاب، وأنهم غلّقوا بهذا التعصب باب النور فلم تشرق قلوبهم بهداية الإيمان، ثم بين سبحانه أن صرح النبوة واحد، وأن كل نبي متمم لما جاء به سابقه مصدق له، ومبشر بالنبي الذي يجى بعده، وأن ذلك عهد الله وميثاقه، وفي هذه الآية يشير إلى وحدة الرسالة الإلهية، وأن محمدا ﷺ مؤمن بكل رسول جاء من قبله، وأن ذلك الإيمان جزء من رسالته ﵊، ولذلك أمره ربه بقوله تعالى:
стр. 1638
(قُلْ آمَنَّا بِاللَّه وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ) وهذا أمر من الله لنبيه بأن يبين لهم ارتباط شرائع الله، وأنها سلسلة متصلة، كل حلقة منها آخذة بالحلقة الأخرى، لتنتهي معها إلى نهاية واحدة، وهي الإخلاص، وقد ابتدأ سبحانه بذكر الإيمان بالله، فقال: (قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ) والإيمان بالله هو جماع الشرائع كلها، إذ الإيمان بالله يقتضي الإيمان بوجوده واحدا منفردا بالعبودية، ومنفردا بالتكوين والإنشاء، ويقتضي الإخلاص لذاته العلية فيطيعه فيما يأمره به، وينتهي عما ينهاه عنه، وتصديق رسله، وعدم الاستكبار على أحد منهم، وذلك هو الإيمان حقا وصدقا، والإسلام الذي هو دين النبيين أجمعين، وإذا كان الإيمان بالله يقتضي تصديق كل ما جاءت به رسل الله - ذكر سبحانه بعد ذلك الإيمان بما أنزل على النبيين، وهو عطف للمسبب على السبب وللنتيجة على المقدمة، لبيان شرف النتيجة في ذاتها، وأنها غرض مقصود لذاته، وليس فقط تابعا لغيره؛ وذلك لأن ما أنزل على الرسل فيه لُبُّ الشريعة السماوية المشتركة في كل الأديان التي ذكرها الله سبحانه بقوله تعالى: (شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى به نوِحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَموسى وعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّين ولَا تَتفَرَّقوا فِيهِ. . .).
وإن الأنبياء الذين ذكرتهم الآية هم الأنبياء الذين يدعي اليهود والنصارى أنهم يتبعونهم، وفيهم إسماعيل أبو العرب، وفي ذكرهم بيان أن اليهود والنصارى قد خرجوا عن دينهم بكفرهم بالنبي ﷺ .
стр. 1639
والأسباط هم أولاد يعقوب الاثنا عشر، والمراد بما أنز ل على الأسباط هو ما أنزل على ذريتهم كالذي أنزل على داود وسليمان وغيرهما من الأنبياء الذين جاءوا من سلالة هؤلاء الأسباط، فكان المعنى: آمنا بما أنزل على إبراهيم وولديه إسماعيل وإسحاق وحفيده يعقوب، ثم من جاء بعد ذلك من ذرية الأسباط الذين هم أولاد يعقوب، فأنبياء بني إسرائيل لَا يخرجون عن ذلك، ثم خص اثنين من أنبياء بني إسرائيل بالذكر، وهما موسى وعيسى، - فقال: (وَمَا أُوتِيَ مُوسى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ).
وهنا قد يسأل سائل ما الذي أُوتيه موسى وعيسى والنبيون، أهو شيء آخر غير ما أنزل عليهم: ونجيب عن ذلك السؤال بأن ما ذكر بأنه أنزل على النبي ﷺ وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق، هو الجزء الذي لَا تختلف فيه الديانات السماوية قط، وهو لبها وخلاصتها، وأساسه التوحيد المطلق، والإيمان بفضائل الأخلاق، وغيرها مما لَا يقبل النسخ والتغيير، وأما الذي أوتيه موسى وعيسى والنبيون من ربهم فهو ما اختص به كل نبي من أحكام توافق زمنهم، ويصح أن نقول جوابا آخر وهو أن ما أوتيه موسى وعيسى والنبيون هو معجزاتهم التي أقاموا بها الدليل على رسالة ربهم، ويصح أن يكون الجواب شاملا للأمرين معا.
وقد أورد الزمخشري، سؤالا وأجاب عنه هو وغيره، وهو أنه في سورة البقرة، قد قال الله تعالى: (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهيمَ. . .)، فلماذا عبر هنا بقوله تعالى: (أُنزِلَ عَلَيْنَا) وهنالكَ (أُنزِلَ إِلَيْنَا) وقد قال الزمخشري في السؤال وفي الجواب ما نصه: (فإن قلت لم عدَّى لـ " أنزل " في هذه الآية بحرف الاستعلاء، وفيما تقدم من مثلها بحرف الانتهاء (١). قلت لوجود المعنيين جميعا؛ لأن الوحي ينزل من فوق، وينتهي إلى الرسل، فجاء تارة بأحد المعنيين، وأخرى بالأخرى، ومن قال إنما قيل " علينا " لقوله: " قل "، و " إلينا " لقوله: " قولوا " تفرقة بين الرسول والمؤمنين؛ لأن الرسول
стр. 1640
يأتيه الوحي على طريق الاستعلاء، ويأتي هم على طريق الانتهاء - فقد تعسف، ألا ترى إلى قوله: (بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ. . .)، و (أنزلنا إليك)، وإلى قوله تعالى: (آمِنُوا بِالَّذِي أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا. . .).
وإنا نميل إلى ما اعتبره الزمخشري تعسفا؛ لأن الخطاب في الأول من الله لنبيه، والوحي ينزل عليه، فكان من مقتضى الحقيقة أن يعبر بعلى، والثاني خطاب للمؤمنين، والوحي لَا ينزل عليهم، ولكن ينتهي في نزوله إليهم، وكون الله تعالى عبر في مقام النزول على النبي بـ " إلى "، وحكى عن اليهود أنهم قالوا في مقام النزول إلى المؤمنين بعلى، فلأسباب واضحة في مقامها لَا يخل بالتعليل في هذا المقام.
(لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) هذه ثمرة الإيمان بالله وحده لا شريك له، والإيمان بكل رسله، وبكل ما أنزل على رسله، فالنبي والمؤمنون معه إذ يؤمنون بكل ما جاء به الرسل لَا يفرقون بين أحد منهم، فلا يؤمنون بواحد ويكفرون بآخرين، ولا يؤمنون بجماعة ويفردون بالكفر واحدا، بل هم في الإيمان سواء، وإذا كان بينهم تفاضل في أشخاصهم، فاصل الإيمان برسالتهم واجب لا تفرقة فيه؛ ولكن التفضيل يكون بأمور أخرى وراء أصل التصديق والإيمان؛ ولذا قال تعالى: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ. . .).
ثم بين سبحانه الوصف الكامل لأهل الإيمان، وهو الإذعان لذات الله ولذات الحق، فيطلبون الحق مذعنين له مؤمنين به خاضعين، ولذا قال سبحانه: (وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) أي ونحن لله مذعنون مخلصون، لَا نذعن إلا له، فلا نفكر في الأمور تحت تاثير عرض من أعراض الدنيا، أو عصبية جنسية أو دينية، أو حب رياسة وسلطان، بل نطلب الأمر من الأمور وقد أخلصنا في طلبه، وخلصنا أنفسنا من شوائب الدنيا وأعراضها، فالإخلاص لله والإذعان له فيه الخلاص والاستقامة نحو الحق.
стр. 1641
وقد بين أن الإخلاص لله سبحانه والإذعان المطلق هو لب الأديان كلها وروحها، وهو دين الله الحق، ولذا قال سبحانه:
* * *
стр. 1642
(وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ ... (٨٥)
* * *
الإسلام هنا هو الإسلام في قوله تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِندَ الَلَّهِ الإِسْلام. . .)، فهو الإيمان بالله تعالى وحده، وإذعان العقل والنفس والقلب لله ، فهو التوحيد، والانقياد، والإذعان، والإخلاص لذات الله، بحيث يحب الشيء لا يحبه إلا لله. وكان المعنى: من يطلب غير الإخلاص دينا لله تعالى فلن يقبل منه؛ لأن عدم الإخلاص لله تعالى إشراك للهوى ومآرب الدنيا في الاتجاه إليه سبحانه، وذلك نوع من الشرك الخفي، ولذا أكد ذلك بقوله: (فَلَن يقْبَلَ مِنْهُ) أي أنه ليس من شأنه أن يقبل غير الإخلاص إذ إن الله لا يقبل من عباده إلا ما كان خالصا له مجردا من كل هوى من أهواء الدنيا، ومن كان عنده ذلك الإخلاص الحق هو الذي قال في مثله: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَاموا تَتَنَزَّل عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافوا وَلا تَحْزَنوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كنتُمْ تُوعَدُونَ).
وإن الله تعالى إذا كان لَا يقبل ذلك النوع من التدين، وهو الذي خلا من الإخلاص، فإن صاحبه يكون يوم القيامة من الخاسرين، ولذا قال سبحانه: (وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) أي أن الخسران يوم القيامة يكون شأنه، إذ خسر رضوانه تعالى، وخسر النعيم المقيم، وخسر رحمة الله، فألقى به في الجحيم. اللهم هب لنا الإخلاص، وأنِرْ به بصائِرَنا، وامنحْنا قبولك ورضاك يا أرحم الراحمين.
* * *
стр. 1643
(كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٨) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٨٩)
* * *
إن لله سننا محكمة في خلقه، وكما أن الكون يجري على قوانين ثابتة لَا تقبل التخلف إلا إذا أراد الله ، كذلك هناك سنن في النفوس لَا تقبل التخلف إلا أن يشاء ربك، ومن سننه تعالى في النفوس أنه لا يهدي إلا من طلب الحق مخلصا في طلبه، لَا يرين على بصيرته هوى يَظلمها، ولا يعوق طريق الهداية عرض أو عصبية، وإذا كان الله يهدي الضال عن جهالة، فإنه لَا يهدي من يضل عن بينة؛ لأنه أركس نفسه في الشر، وسد ينابيع الخير في قلبه، وسد مطالع النور فلا تصل إليه؛ تلك سنة الله في خلقه ولن تجد لسنة الله تبديلا. وإن أولئك اليهود أضلهم الله على علم، فهم آمنوا بالله تعالى ثم كفروا به، ثم شهدوا بأن الرسول حق وجاءتهم البينات المثبتة المنيرة، ثم بعد ذلك كفروا به، لقد كانوا يعلنون بين المشركين أنه سيجيء رسول يحطم الأصنام، ويستبشرون بِمَقْدِمِه، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به.
ولذا قال في شأنهم وشأن من يماثلهم بعد أن قص الكثير من قصصهم:
стр. 1644
(كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَن الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمً الْبَيِّنَاتُ) هذا استفهام للنفي واستبعاد الإيمان مع الحال التي عليها هؤلاء، فالمعنى أن هؤلاء مع حالهم التي هم عليها، وهي استيلاء الهوى على
стр. 1645
قلوبهم، وسيطرة الغرض على نفوسهم، وطمس العصبية لإدراكهما لَا يمكن أن يتحقق منهم إيمان وإخلاص صادق فلا يهديهم الله، فالنفي الذي اشتمل عليه الاستفهام هو النفي مع هذه الحال؛ ولذا كانت صيغة الاستفهام بلفظ كيف التي يستفهم بها عن الحال، ويكون النفي فيها أيضا مقيدا بهذه الحال التي هم عليها.
وحالهم التي أوجبت هذا النفي مكونة من عناصر أربعة: إيمان في الابتداء، وشهادة بأن الرسول حق، وكون البينات قد جاءتهم موضحة لهذا الحق، ثم بعد ذلك يكفرون، فلو كان حالهم حال ضلال عن غير علم لأنار الله أبصارهم، ولو كانوا مخلصين جهلوا الحقيقة وطلبوها لكانت هداية الله لهم ثابتة، ولكنهم غير ذلك، فهم قد كانوا مؤمنين، ويشهدون بالحق، وذلك عن بينة وعن أدلة يقينية ملزمة، ومع ذلك استولى عليهم التعصب بالباطل، فكان العمى الذي أرادوه، فلا هداية إلى الحق من بعد، وذلك لأن الله تعالى يهدي إلى الحق مَنْ أخلصَ وطلبه، فإن الإخلاص يقذف في القلب بالنور فيكون الإشراق الروحي، وتكون الهداية الربانية، أما من قصد إلى الباطل، ولم يخلص وعكرت بصيرته بالهوى، فإنه يكون محروما من هداية الله، حتى يغير من حاله بأن يتوب عن غيه، ويخلص وينيب.
والآية عامة لَا ريب في ذلك، فهي تبين من يحرِمه الله من هدايته، وهو الذي لَا يذعن للحق إلا إذا كان متفقا مع غرضه، وهو من الذين قال الله تعالى فيهم (وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩).
ولكن المفسرين يذكرون لهذه الآية سببا للنزول، فيروي النسائي عن ابن عباس أنه قال: كان رجل من الأنصار أسلم، ثم ارتد ثم ندم، فأرسل إلى قومه يطلب إليهم أن يسألوا الرسول ﷺ : هل من توبة؟ فنزلت الآية (١). وروي عن
стр. 1646
مجاهد أنه جاء الحارث بن سويد فأسلم عند النبي ﷺ ثم كفر فرجع إلى قومه نادما، فأنزل الله: (كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْما كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ) فحملها إليه رجل من قومه، فقال الحارث: (إنك والله ما علمت لصدوق، وإن رسول الله لأصدق منك، وإن الله لأصدق الثلاثة) ثم رجع وأسلم (١)، وروي عن الحسن البصري أنه قال: إنهم أهل الكتاب من اليهود والنصاوى الذين رأوا نعت النبي ﷺ في كتابهم وشهدوا أنه حق، فلما بعث من غيرهم حسدوا العرب على ذلك وأنكروه وكفروا بعد إقرارهم.
وإن هذا هو الذي أميل إليه، فقد قال تعالى في شأن اليهود: (وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩). وإن قصص القرآن فيه بيان تعصب الَيهود، وَمعاملتهم للمسلمين، وتلقيهم لهداية القرآن، وتواصيهم بالنفاق والكفر.
على أنه مهما يكن سبب النزول فإن الآية تقرر حقيقة ثابتة، وهي أن النفس أتى تشهد بالحق وتؤمن به ثم تكفر للهوى والعصبية لَا يرجى لها هداية إلا أن تزيل منها درن الغرض، وتنخلع عن العصبية الجامحة بالتوبة النصوح.
وفى النص السامي بعض مباحث:
أولها: ما حقيقة الهداية الإلهية في هذا المقام؛ وإنا نقول في الإجابة غير متعرضين لما بين المعتزلة والأشاعرة من خلاف: إن الهداية هنا هي الهداية المطلوبة في قوله تعالى: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقيمَ)، والمذكورة في قوله تعالى: (وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى)، وهي بيان الطريق الحق، والإرشاد إلى سبيل المعرفة الحقيقية، وإن من يكون على هذه الحال، وهي الإيمان، والشهادة بالحق ومجيء البينات السابقة - لَا يحتاج إلى بيان فوق ما جاء إليه، بل يحتاج إلى عقاب صارم يجعله عبرة لكل من يكون على مثل حاله.
стр. 1647
ثانيها: قوله تعالى: (وَشَهدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَق) على أي شيء يكون العطف في العبارة السامية (وَشَهدُوا) وقد ذكر الزمخشري موضع العطف، فقال: " فيه وجهان: أن يعطف على ما في إيمانهم من معنى الفعل؛ لأن معناه بعد أن آمنوا، ويجوز أن تكون الواو للحال، بإضمار قد، بمعنى كفروا وقد شهدوا بأن الرسول حق.
ولماذا لَا تكون عطفا على كفروا نفسها ويكون من باب الجمع بين المتناقضات، كما تقول قتل القتيل وبكى عليه، أي أن حال هؤلاء مذبذبة متناقضة، فهم يكفرون بالرسول ويشهدون بأنه حق، والعطف بالواو لَا يقتضي ترتيبا، فيصح أن يكون الكفر في الوقوع متأخرا عن الشهادة ولكن يجيء سؤال: لماذا ذكر الكفر أولا؟ والجواب عن ذلك أن الكفر هو موضع الاستنكار، فكان تقديمه لهذا المعنى.
ثالثا: أن الله تعالى يذكر أنهم شهدوا بأن الرسول حق، وجاء الحق وصفا للرسول، ولعل الظاهر أن يكون وصفا لما جاء به وهو القرآن، ولكن وصف به؛ لأن اليهود ما كانوا ينكرون الشرائع السماوية، وما كان السبب في كفرهم هو ما جاء به النبي ﷺ ، بل كان السبب هو الحسد لشخصه وللعرب، فأشار سبحانه إلى أنهم كانوا يشهدون لشخصه، فأوصافه عندهم، وكانوا يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، فشهادتهم منصبة على شخص الرسول صلوات الله وسلامه عليه، فهم يعرفون شخصه من أوصافه فهو في علمهم حق وكل ما جاء به هو الحق.
(وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) ذيل الله الآية بهذا النص الحكيم للإشارة إلى أنهم ظالمون، فهم ظلموا أنفسهم، وظلموا الرسول! وظلموا الحقائق وطمسوا على بصائرهم، فلا يمكن أن تدخل الهداية إلى قلوبهم، وفي النص الكريم إشارة إلى أن الظلم يحدث في نفس الظالم ظلمة شديدة لَا ينفع معها ضوء. فتغلق كل الأبواب التي ينفذ منها النور إلى موضع الإدراك، إذ إن أساس الظلم هو تسلط الهوى والغرض الفاسد والحقد والحسد على النفس،
стр. 1648
فتنحرف عن مدارك الحق ومشارق العرفان، فلا يمكن أن يكون للهداية موضع في النفس، فلا يهديه الله سبحانه، وإن الظلم بطبيعته يفسد الإدراك كله؛ لأن إدراك الحقائق يستلزم صدق النفس في طلبها، وصدق النفس في طلب الحقائق لَا يمكن أن يكون مع الظلم. الذي يجعل الهوى مسيطرا، فالظلم ظلمات في النفس، وظلمات يوم القيامة.
* * *
стр. 1649
(أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧)
* * *
بعد أن شرح الله سبحانه نفس الذين سيطر الهوى عليهم بين الله جزاءهم في الدنيا والآخرة، وقوله تعالى: (أُوْلَئِكَ) إشارة إليهم في أوصافهم السابقة، فالإشارة ليست إلى أشخاصهم؛ لأنه لم يذكر أشخاصا، إنما ذكر أوصافا، فالإشارة إلى من عندهم هذه الأوصاف، وقد ذكر سبحانه في هذه الآية الكريمة الجزاء الأول لهم، وهو اللعنة المؤكدة الثابتة المجمع عليها، وهي لعنة من الله، وهي أعلاها، ولعنة من الملائكة، ولعنة من الناس أجمعين، أي أنها لعنة من الخالق والمخلوقين العقلاء سواء منهم من كانت طبيعته روحية ملكية، ومن كانت طبيعته إنسانية لها صلة بأعلاق الأرض ولها صلة بالروحانية السماوية؛ ذلك بأن الظلم أبغض الصفات الإنسانية عند الله والناس، فالله سبحانه قد كتب العدل على نفسه، ولذا روى أنه ورد في حديث قدسي: " ياعبادي إني قد حرمت الظلم على نفسي فلا تظالموا " (١)، والظالمون الذين سيطر الغرض والهوى على نفوسهم فلا يؤمنون بشيء، ولا يذعنون للحق إذا عارض أهواءهم الظالمة، لَا يحبهم أحد، فإن من غلب عليه هواه، وأحب نفسه أبغضه الناس.
ولكن ما اللعنة التي ضربها الله على الذين اتخذوا إلههم هواهم؛ قال علماء اللغة: إن اللعن في الأصل معناه الطرد، وإذا أسند إلى الله تعالى كان المراد الطرد من رحمته، وإني أرى أنه قد يستعمل بمعنى غضب الله تعالى وسخطه، وهذا
стр. 1650
معنى لازم للطرد الذي هو الأصل في المعنى اللغوي؛ لأن الطرد يترتبط عليه السخط والمقت والغضب؛ إذ لَا يُطرد من ﵁، ولا يُطرد محبوب، وعلى ذلك تكون اللعنة هنا بمعنى سخط الله تعالى وغضبه، وسخط الملائكة وغضبهم، ولا مانع من أن يراد الطرد من رحمته إذا اجتمع مع الغضب في مثل قوله تعالى: (وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْه وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا). فهذه معان متلازمة مترتب بعضها علَى بعض، فيترتب على الغضب الطرد من الرحمة، ويترتب على الطرد من الرحمة عذاب السعير، فإنها للجنة أبدا، أو للنار أبدا، كما قال ﷺ (١).
وكون اللعنة تكون من الناس أجمعين معناه أن الفطرة الإنسانية السليمة كلها تتنكر وتلعن تلك القلوب المنحرفة التي لَا تخضع لحق، ولا تؤمن للبينات، بل تتجه إلى طمس المعالم التي تنير وتهدي، فالمراد المعنى الإنساني العام لَا الإحصاء والجمع لآحاد بني الإنسان.
* * *