هذه إجابة الدعاء المتكرر الذي ابتهلوا به لربهم، وقد تكررت ضراعتهم لله تعالى بتكرار كلمة (ربنا)، إذ قد تكررت خمس مرات، وقد قال الحسن البصري: (ما زالوا يقولون ربنا حتى استجاب لهم) وقال الإمام جعفر الصادق: (من حزبه أمر، فقال خمس مرات (ربنا) أنجاه الله مما يخاف، وأعطاه ما أراد، قيل: وكيف كان ذلك؛ قال: اقرءوا إن شئتم: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١) رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (١٩٢) رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (١٩٣) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (١٩٤).
والمراد من قول حفيد الرسول ﷺ أن نذكر (ربنا) ضارعين خاضعين خاشعين، مدركين معنى الربوبية والألوهية، ومذعنين لأحكامه.
* * *
стр. 1997
(فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى ... (١٩٥)
* * *
الفاء للترتيب، فالاستجابة معقبة لهذا الدعاء الضارع، والاستجابة معناها هنا الإجابة، وأصل معنى الاستجابة التحري والتهيؤ للجواب، وإذا كان معناها هنا الإجابة، فالمؤدى أنها إجابة مهيأة معدة لهم قد محصوا قبلها، وإجابة الله لهم دليل على استحقاقهم لرحمته، وقد أجابهم سبحانه إجابة تدل على كمال عدله، فقد قال سبحانه: (أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ منكم) فإذا كان سيجزيهم الجزاء الأوفى فلأنهم عملوا خيرا، وسبحان الله الشاكر العليم، هم يطلبون الجنة منحة من الله، لأنهم لا يعتقدون أن عملهم يدخلهم الجنة استصْغارا لأعمالهم بجوار نعمة رب العالمين عليهم، والله الكريم المنان يبين لهم أن ما ينالون من خير من عملهم، وأن الله إذا لم يثبهم لكان مضيعا لعمل ابخير الذي قاموا به، وإن الله لَا يضيع أجر من أحسن عملا، ففي الآية الكريمة إشارة إلى عدله ورحمته، وبيان القانون الأمثل للعدل، وهو أن يكون الجزاء من جنس العمل (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨).
стр. 1998
وبين سبحانه تعميم الجزاء لكل عامل بذكر النوعين اللذين خلقهما الله تعالى في هذا الوجود، فقال: (مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى) فلا فرق في الجزاء بين الذكر والأنثى. ويروى أن السيدة أم سلمة ﵂ قالت: يا رسول الله ألا أسمع ذكر النساء في الهجرة بشيء فأنزل الله تعالى: (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيع عَملَ عَامِلٍ منكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى) (١).
وفى التعبير باللفظ السامي (ربهم) إشارة إلى أن الذي يجزيهم هو خالقهم ومربيهم والمنعم عليهم، وفيه مشاكلة بين لفظ الدعاء والإجابة، ومعنى قوله تعالى: (بَعْضُكُم مِّنْ بعْضٍ) أي أن الذكر من الأنثى والأنثى من الذكر، فأنتم جنس واحد يتمم بعضه بعضا، فلا تُحرَم الأنثى جزاء ولا يحابى الذكر دونها، فهذا النص السامي فيه تعليل لمعنى التسوية في الجزاء بين الذكر والأنثى. وبعض العلماء فسر قوله تعالى: (بَعْضُكُم مِّنْ بَعْضٍ) أنها لعموم أجناس الناس، أي أنكم جميعا أيها الناس بعضكم من بعض لَا فرق بين عربي وأعجمي، ولا أسود ولا أبيض، فالجزاء من جنس العمل أيا كان العامل (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ. . .)، وهذا النص الكريم يشير إلى عدة معان سامية:
أولها: أن المرأة ليست شيطانة ولا نجسا، بل لها كل ما للرجل وإن كان له درجة في الدنيا لتنظيم الحياة.
وثانيها: أن العمل له جزاؤه من غير نظر إلى قبيلة العامل أو لونه.
ثالثها: أن استجابة الله ثابتة من وقت عمل العامل.
وقد بين سبحانه الأعمال التي استحقت الإجابة من هؤلاء الأبرار، فقال: (فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ).
стр. 1999
في هذا النص تعداد للأعمال الصالحات التي قام بها هؤلاء المؤمنون الأولون، واستحقوا بها نعيم الجنة، وتوقوا بها عذاب النار، وهي أمور ثلاثة: آخذ بعضها بحجز بعض، ومتلاقية في معناها ومغزاها.
أول هذه الأمور أنهم هاجروا وأخرجوا من ديارهم فهم هجروا مغانيهم التي تربوا فيها غير راغبين ولا محبين للخروج، بل ملجئين مضطرين، ولذلك روى أن النبي ﷺ قال مخاطبا مكة عندما خرج منها: " إنك أحب أرض الله إليَّ، ولولا أن أهلك أخرجوني ما خرجت " (١) ويروى أن ورقة بن نوفل قال للنبي ﷺ : ليتني أكون جذعا إذ يخرجك قومك. فقال له ﵊: " أو مخرجيّ هم " قال: ما أوتى أحد بمثل ما أوتيت إلا عودي (٢) والله تعالى يقول: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ. . .)، فكان الإخراج سبب الهجرة.
ولقد جاء في التفسير الكبير للفخر الرازي أن كلمة هاجروا يراد بها الهجرة اختيارا، والإخراج هو الإخراج اضطرارا، وإني أقول: إن هذه التفرقة لم تكن في عصر النبي ﷺ ، وربما تكون من بعد ذلك، فمن الناس من يخرج من ديار الشرك أو الكفر مختارا ليكون قوة لأهل الإسلام، ومنهم من يخرج اضطهادا وإيذاء، كما فعل كفار اليوم باللاجئين المسلمين.
والأمر الثاني الذي استحقوا به الجزاء الأوفى هو أنهم تحملوا الأذى في سبيل الله تعالى، فهم أوذوا في مكة قبل الهجرة، واستمر الإيذاء بعدها، وكل ذلك في سبيل الله، وفي سب بل الحق وإعلائه، وجعل كلمته هي العليا، وكلمة الباطل هي السفلى، وإن هذا يزكي الخير فيهم، فإنهم ما أخرجوا من ديارهم، وهجروا أحباءهم وذويهم إلا في سبيل الله تعالى.
стр. 2000
والأمر الثالث أنهم قاتلوا في سبيل الله تعالى فجاهدوا الأعداء واستشهدوا في هذا القتال، فلهم فضلان: فضل القتال والتقدم، وفضل الاستمرار فيه والشهادة في سبيل الحق، وقد بين الجزاء بقوله تعالت كلماته: (وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ).
السيئات هي ما تسوء، ومعنى تكفيرها المبالغة في سترها، حتى تعتبر نسيا منسيا، وهذا أولى الجزاء، والثاني: إدخالهم الجنة، وقد صورها بأقرب صور نراها للنعيم في الدنيا، وهي الجنة التي تجري الأنهار من تحتها. هذا، وإن نعيم الجنة حسي، وهو فوق ما نراه في الدنيا، وإن كان تصويره لَا يكون إلا بما نراه، فإن فيها ما لَا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وفي تقديم تكفير السيئات على إدخال الجنة ما يسميه العلماء التخلية قبل التحلية، أي تطهيرهم مما كان منهم من سيئات، ثم تحليتهم بأعظم نعيم يكون في الآخرة.
وقد أكد ذلك الجزاء بـ " اللام " الدالة على القسم، و " بنون التوكيد " الثقيلة، وبتوكيد معنى الكلام كله بالمصدر (ثَوَابًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ) إذ هو مصدر لما تضمنه معنى (لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ) ومعناه: لأثيبنهم ثوابا، وقد أكد ذلك الثواب بأنه من عند الله تعالى ذي الجلال والإكرام، وإذا كان من عند الله فهو يتضمن رضوانه، ورضوانه أكبر، كما قال تعالى: (وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَر. . .).
والثواب أصله من رجوع الشيء إلى حالته، فكأن الجزاء على العمل رجوع بالعمل إلى الحال التي يكون عليها أو يستحقها، وقد قال الراغب في ذلك: " والثواب ما يرجع إلى الإنسان من جزاء أعماله، فيسمى الجزاء تصورا أنه هو هو (أي أن الجزاء هو ذات العمل) ألا ترى كيف جعل الله الجزاء نفس العمل: (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ)، ولم يقل جزاه، والثواب يقال في الخير والشر، لكن الأكثر المتعارف في الخير، وعلى هذا قوله : (ثَوَابًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ).
стр. 2001
وقد ختم النص الكريم بقوله تعالى: (ثَوَابًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ) لبيان اختصاصه سبحانه بالثواب الحسن كأن كل جزاء للأعمال في الدنيا لَا يعد حسنا بجوار ما أعده الله تعالى للمحسنين من عباده وما في الدنيا من ثمرات الأعمال لَا يعد شيئا، وهذا تمهيد لقوله سبحانه:
* * *
стр. 2002
(لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦)
* * *
في الآيات السابقة إشارات إلى سطوة المشركين، إذ آذوا المؤمنين، وأخرجوهم من ديارهم، وقاتلوهم وقتلوا منهم، وقد بين سبحانه أنه سيجزي المؤمنين على صبرهم وهجرتهم، وجهادهم، ولكن قد يعرض للخاطر: لماذا يكون هؤلاء المشركون في هذه القوة وتلك النعمة الدنيوية؛ فجاء النهي الكريم ليمنع من توسوس له نفسه من أن يغتر بما عليه هؤلاء المشركون من قوة وسطوة ومتاع دنيوي، والنهي موجه للنبي ﷺ ، ومعناه: لَا يصح أن تُغر بما عليه المشركون من قوة ومال، وهو نهى لكل المؤمنين، وفيه إشارة إلى أن هذه الحال من شأنها أن تغر وتخدع من لَا يؤمن بالله واليوم الآخر، فكان النهي لهذا، وليس من مقتضى النهي أن يكون قد وقع من النبي ﷺ غرور، فالنهي عن أمر من شأنه أن يقع في النفوس ليس دليلا على وقوعه، ولذلك روى أن قتادة قال: والله ما غروا نبي الله ﷺ حتي قبضه الله. ولقد قال الزمخشري في توجيه النهي للنبي ﷺ : " فيه وجهان " أحدهما: مدرة (١) القوم ومتقدمهم خاطب بشيء فيقوم خطابه مقام خطابهم جميعا، فكأنه قال لَا يغرنكم. والثاني: أن رسول الله ﷺ كان غير مغرور بحالهم، فأكد ما كان عليه وثبت ما كان على التزامه كقوله: (وَلا تَكُن مَّع الْكَافِرِينَ)، (وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)، (فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِين)، ومعنى غره أصاب غِرته، والغرة غفلة في اليقظة.
والتقلب التصرف، ومن ذلك قوله تعالى: (وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ)، ومعنى تقلب هؤلاء الأعداء في البلاد تصرفهم فيها حاكمين
стр. 2003
مسيطرين أقوياء ينتقلون أحرارا من بلد إلى بلد، وجملة معنى النص الكريم لا يصح أن يُخدع أحد بما عليه أولئك الناس من قوة وسطوة وتصريف في شئون البلاد، فإن هذا إلى أمد قصير، وهو متاع قليل، ولذا قال سبحانه:
стр. 2004
(قَلِيلٌ ثمَّ مَأوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ).
المتاعِ الشيء الذي يجعل الانتفاع به ولا يبقى طويلا، من ذلك قوله، تعالى: (ومَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ)، وهي هنا خبر لمبتدأ محذوف دل عليه الكلام الذي قبله، والمعنى أن تقلبهم وتصرفهم في البلاد متاع قليل، فهو انتفاع عاجل ومقداره قليل، ثم تعقبه بعد ذلك حسرات، ولذلك ذكر ما يعقبه فقال: (ثُمَّ مَأوَاهمْ جَهَنَّم) العطف بـ " ثم " ليس للدلالة على التراخي الزمني فقط، بل للدلالة على تفاوت ما بين حالهم في الدنيا، وما يكونون عليه في الآخرة، والمأوى هو المكان الذي يأوي إليه الشخص ليستقر فيه ويطمئن، فكان استقرارهم هو جهنم، وهي اسم لنيران يوم القيامة، والمهاد هو المكان الممهد والفراش اللين، ويكون التعبير عن مآلهم بالمهاد من قبيل التهكم. ويصح أن يقال إنهم هم الذين مهدوه لأنفسهم، ويكون المعنى بئس الذي مهدوا به لأنفسهم، أي أنهم بأعمالهم في الدنيا قد مهدوا لأنفسهم فراشا من اللظى والجحيم وبئس هذا المهاد.
وفى هذا تعزية للمؤمنين أبلغ تعزية، وقد روى الترمذي أن رسول الله قال:
" ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم إصبعه في اليم، فلينظر بما يرجع " (١).
* * *
стр. 2005
(لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ... (١٩٨)
* * *
الاستدراك هنا بـ " لكن " للمقابلة بين المتقين الأبرار والمشركين الفجار بالنسبة للمآل، فالكفار مآلهم جهنم ومتاعهم دنيوي قليل، والمتقون لربهم المدركون لمعنى الربوبية الشاكرون لنعمته مآلهم جنات تجري من تحتها الأنهار، وليست مدتها
стр. 2006
قليلة، بل لهم فيها الخلود، فالنعيم كثير والزمن طويل، بينما الآخرون نعيمهم ضئيل قصير، وعذابهم دائم كثير.
(نُزُلًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ للأَبْرَارِ) " النُّزُل " ما يعد للضيف لإكرامه والحفاوة به، ونصب (نزلا) على التمييز كما تقول كان لك هذا هبة، أي من نوع الهبة، وفي هذا بيان لمقدار عناية الرحمن الرحيم بهم، وإدخالهم مدخل صدق، وإنزالهم منزلا مباركا، وقد بين العطاء الروحي بعد العطاء المادي، فقال سبحانه:
(وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْر لِّلأَبْرَارِ)، وقد حاول بعض المفسرين أن يقول إن الأبرار مرتبة أعلى من مرتبة المتقين، سيرا على قاعدة (حسنات الأبرار سيئات المقربين)، ويكون تفسير النص السامي على نظرهم، ومعناه أن ثمة للأبرار منزلة روحية، وتكريما رضوانيا هو خير من المذكور، ومع هذا لَا مانع من أن نقول إن الذين اتقوا هم الأبرار، والمعنى إن الله أعد لهم شيئا خيرا من النزل، وهو الرضوان والنعيم الروحي مع النعيم المادي.
* * *
стр. 2007
(وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ... (١٩٩)
* * *
بين سبحانه ما كان من أهل الكتاب، وما كانوا ينزلونه بالمؤمنين، وما يسمعونهم من أذى، كما قال سبحانه: (وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثيرًا. . .).
وفى هذا النص الكريم يبين الله سبحانه باب الرحمة المفتوح لهم، فذكر سبحانه مؤكدا القول بـ " إن " وبـ " اللام " الدالة على القسم اهتداء فريق منهم، وذلك أن هؤلاء المهتدين قد تحلوا بخلال خمس: أولها أنهم يؤمنون أقوى الإيمان وأخلصه، والإيمان يزيل العناد والغطرسة فيطلبون الحق لذات الحق. والثانية أنهم يؤمنون بما أنزل على النبي ﷺ بأن يعلموا أنه آخر لبنة في صرح النبوة، وأنه لو كان موسى حيا لآمن بمحمد. والثالثة أن يؤمنوا بحقيقة ما أنزل إليهم، ويعرفوا أن الرؤساء حرفوا الكلم عن مواضعه، وأن يعرفوا أن ما أنزل إليهم أو إلى أسلافهم
стр. 2008
هو ما جاء به محمد مخبرا عنه والرابعة الخشوع، وهو الخوف من الله تعالى مع الضراعة إليه وطلب رضاه دون سواه. والخامسة ألا يؤثروا شيئا على آيات الله تعالى هي أماراته البينات، وقد ذكرت هذه في آخر الآية بقوله سبحانه: (لا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا) أي لَا يتركون آيات الله البينة لشرعه ودينه في نظير ثمن هو عرض من أعراض الدنيا فهو قليل مهما يكن كثيرا في نظر الضالين، وهذه الأمور الخمسة يترتب بعضها على بعض، فيترتب على الإيمان الصادق بالله الإيمان بمحمد والإيمان بما نزل على النبيين الصادقين، ويترتب على هذا كله الخشوع، وأولى ثمرات الخشوع ألا يتركوا آيات الله تعالى لأي عرض من أعراض الدنيا، هؤلاء ينالون جزاءهم، ولذا قال سبحانه: (أُوْلَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ) أي أولئك المتصفون بهذه الصفات التي تدل على الخلوص لله لهم جزاؤهم عند ربهم، وإنه عاجل لهم في الآخرة، كما أن العذاب لمن لم يؤمنوا عاجل، ولذلك قال سبحانه مؤكدا: (إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ).
* * *
стр. 2009
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)
* * *
كانت سورة آل عمران مبينة لألوان الجهاد الذي يقوم به المؤمنون، ففيها جهاد بالحق والبرهان، وجهاد بالقتال وتحمل مرارة الهزيمة، ولذلك ختمها سبحانه بهذا النداء السامي الذي يجب أن يكون شعار كل مؤمن، وابتدأ النداء بـ يا أيها الذين آمنوا، لإشعارهم بأن ما يطلب منهم هو من ثمرات الإيمان ومن مقضياته، وقد أمر بأمور أربعة: الصبر، والمصابرة، والمرابطة، والتقوى. والصبر: معناه ضبط النفس عن أهوائها، وتحمل المكاره راضيا غير ساخط، والقيام بالطاعات على وجهها، وتجنب العاصي، وتحمل آثار الهزيمة، والعمل على النهوض بعد الكبوة، وتحمل أذى الأعداء وسخريتهم، فالصبر معنى نفسي في الصابر يجعله يعلو على الحوادث والنوازل، ويستولي على نفسه، ويحملها على ما تحب وتكره، والصبر كما يكون في الفقر يكون في الغنى، وصبر الغني بقمع شهواته، وعدم البطر، وعدم الفرح السرف الفاخر المستعلي.
стр. 2010
والمصابرة هي المغالبة بالصبر، وهي تكون في الجهاد مع الأعداء في الملحمة، أو في المجادلة، أو في أي مغالبة على أي لون كانت، والمرابطة هي القيام على الثغور الإسلامية لحمايتها من الأعداء، فهي استعداد ودفاع وحماية للديار الإسلامية، وقد قال ﵊: " رباط يوم في سبيل الله خير عند الله من الدنيا وما عليها " (١)، وكان كبار الزهاد يرابطون نصف السنة، ويطلبون قوتهم بالعمل في النصف الآخر: والتقوى هي لب كل عمل صالح، وهي النية المحتسبة للخير، فالمرابطة والمصابرة إن لم تكن منبعثة من التقوى لإرضاء الله تعالى فإنه لَا خير فيها، وإن هذه الأمور الأربعة هي التي يرجى بها الفلاح، أي الفوز في الدنيا والآخرة، ولذا قال سبحانه: (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) أي رجاء أن يكتب لكم الفوز بالنصر في الدنيا والجزاء في الآخرة. اللهم اكتبنا برحمتك في عبادك الفائزين برضاك.
стр. 2011
(سُورَةُ النِّسَاءِ)
* * *
تمهيد
* * *
قبل أن نتجه إلى التفسير التحليلي لآيات هذه السورة، لابد من تمهيد موجز يعطي القارئ صورة لما اشتملت عليه.
لقد اتفق الرواة على أن هذه السورة مدنية، أي نزلت بعد الهجرة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم، وأن ما اشتملت عليه يدل على أنها نزلت بعد أن كان للإسلام دولة تنظم علاقاتها بغيرها، وبعد أن منَّ الله تعالى على الذين استُضعِفُوا في الأرض وجعلهم أئمة يهدون بأمر الله تعالى فيها. وقد روي أن ابن عباس ﵄ قال: " ثماني آيات نزلت في سورة النساء خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت. أولهن: (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكمْ سننَ الَّذِينَ مِنِ قَبْلِكُم وَيَتُوبَ عَلَيْكمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) والثانية: (وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوِاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظيمًا)، والثالثة: (يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا)، والرابعة: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْهَا وَيُؤْت مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا)، والخامسة: (وإِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكًفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُم وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا)، والسادسة:
(إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يشْرَكَ بِهِ وَيغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لمَن يَشَاءُ وَمن يشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضلالًا بَعِيدًا)، والسابعة: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا)، والثامنة: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠).
стр. 2012
وإن صحت هذه الرواية عن ابن عباس (١) فإنها تدل على أنه اتجه إلى عدل الله ورحمته بعباده، وفتحه باب التوبة والمغفرة. وإلا فإن القرآن كله بكل سورة وآياته خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت.
وسورة النساء هي سورة الإنسانية، ففيها عَيَّن القرآن الكريم العلاقات الإنسانية التي تربط الناس بعضهم ببعض، وما ينبغي أن تنهجه المجتمعات الفاضلة في جعل العلاقة الإنسانية الأصيلة تسير في مجراها الطبيعي الذي رسمه رب العالمين بمقتضى الفطرة، وفيها ما حده الله - تعالى - لعلاج الانحراف الذي ينحرف به ذوو الأهواء من الآحاد والجماعات.
ابتدئت السورة الكريمة ببيان الارتباط الإنساني الجامع الذي تلتقي عنده البشرية جميعها، فقال - سبحانه -: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَبئَ مِنْهَا زَوْجَهَا. . .)، وإذا كان الناس جميعا ينتهون إلى أصل واحد فإنه لَا بد من التساوي، ولا بد من التراحم لهذه الرحم الواصلة، ثم إن أول مظاهر التراحم هو الأخذ بيد الضعفاء، وأوضح الضعفاء مظهرا أولئك اليتامى الذين لَا عائل يعولهم، وإن اليتيم المقهور هو الذي يتولد فيه الانحراف، ومن الانحراف تكون العداوة، ويكون الشر المستطير، ولذلك ابتدئت السورة بعد إثبات الوحدة الجامعة بعلاج اليتم لتكون الجماعات في طريق المودة.
واليتيم لَا يحتاج فقط إلى الغذاء والكساء بل يحتاج إلى المودة والإصلاح في نفسه وماله: (وَلْيَخْشَ الَّذين لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا).
وفى سبيل بيان حقوق اليتامى يبين - سبحانه - نظام التوزيع المالي للأسرة عندما يموت واحد منها، فيبين الميراث وأنه حد لله تعالى للحقوق المالية لمن يخلفون المتوفى في ماله، وأن الانحراف عنه عصيان لله تعالى.
стр. 2013
وبعد ذلك أخذ يبين الله تكوين الأسرة الإسلامية، وأساس التكوين هو العلاقة بين الرجل والمرأة، أو بتعبير القرآن السامي العلاقة بين النفس وزوجها، فنفى أن تكون العلاقة بينهما كالعلاقة بين أنثى الحيوان والذكر، بل العلاقة بينهما أسمى وأعلا، ولذلك أشار إلى عقوبة من ينزل إلى مرتبة الحيوان فقال: (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥).
وبين أن باب التوبة مفتوح لمن يقع في هذه الخطيئة الحيوانية، ثم أخذ يرسم الطريق السليم للعلاقة بين الرجل والمرأة، وهو الزواج، وحرم ما كان عليه أهل الجاهلية من وراثة النساء وسمَّى ذلك مقتا، ثم أخذ يبين سبحانه شرائط العقد الصحيح، والنساء اللائي يحرمن في الزواج، ثم نفَى سبحانه أن يكون اتخاذ الأخدان سبيلا من سبل تكوين الأسرة ومن اتخاذ الأخدان ما يسمى بالمتعة وهو اتخاذ المرأة لأمد محدود في نظير أجر معلوم.
وبعد أن بين سبحانه العماد الذي تقوم عليه الأسرة، وهو الزوجان، أخذ يبين علاقة الإنسان بغيره من الناحية المالية فقال : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩).
ولقد كانت العلاقة بين الرجل والمرأة موضع نظر الماضين كما هي الآن موضع النظر والقول، فوضع الله الحدود التي تبين حقوق كليهما، فبين الله أن لكل منهما نصيبه من الكسب (. . . لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ ممَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا). وبين مع ذلك أن للرجال فضل الرياسة والقوامة، وأن ذلك يظهر فيما للرجل على امرأته من ولاية التأديب، وقد ذكر سبحانه ضروب التأديب التي يملكها الرجل على زوجه، وكلها من غير قسوة ولا شذوذ ولا طغيان، ثم بين سبحانه العلاج إذا أصابت الأسرة آفة الشقاق، فقال سبحانه
стр. 2014
وتعالى: (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (٣٥).
وبعد أن بين سبحانه ماهو قوام الأسرة وعمادها - وقد أشار إلى العلاقات المالية بين الناس، وأن أساسها التراضي - أخذ يبين لنا العلاقة بين العبد وربه، والعلاقة بين العبد والناس بغير التجارة، فَأما العلاقة بين العبد وربه فهي العبادة لله وحده، لَا يشرك به أحدا، وأما العلاقة بينه وبين الناس فهي الإحسان، وأول من يجب له الإحسان الوالدان، ثم الإحسان إلى ذوي القربى واليتامى أيَّان كانوا؛ لأنهم إن أهملوا تربت بينهم وبين المجتمع روح العداوة، ثم الإحسان إلى الجار المجاور، والجار القريب لك، ومن تصاحبه في طريق أو عمل، والإحسان إلى ابن السبيل والضعفاء جميعا، والتضامن والتواضع، ولذا قال تعالى: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦).
وبين سبحانه التلازم بين الاختيال والفخر والبخل، وبين عاقبة كليهما، وذكر أن من المختالين البخلاء من ينفقون أموالهم رئاء الناس، وأن هذه العيوب النفسية هي من وسوسة الشيطان، وبين عقاب هؤلاء في الدنيا والآخرة وكيف يحضرون يوم القيامة: (يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢).
وقد بين الأساس الذي تقوم عليه العلاقة الإنسانية، وهو الضمير، والضمير لَا يتربى إلا بالصلاة، ولذلك أخذ يشير إلى أحكامها، مشيرا إلى تحريم أم الخبائث وهي الخمر، فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا. . .).
стр. 2015
ثم بين سبحانه حال أولئك الذين ماتت ضمائرهم مع ما أُوتُوه من علم الكتاب، وهم اليهود، فقد اتخذوا منه ذريعة للسلطان والسيطرة، وبذلك عملوا على إضلال غيرهم، وإفساد عقائد مَن كانوا يجاورونهم، وبين في هذا محاولتهم إيذاء النبي والتهكم عليه في دعوته، وفي أثناء بيان رسالته، وربط حاضرهم بماضيهم، وأشركهم سبحانه مع المشركين في قرن، وقد بين سبحانه أن الباعث على هذا الضلال والتضليل هو إرادتهم الملك والحسد، ولذا قال سبحانه: (أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (٥٣) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤).
وبين سبحانه من بعد ذلك عاقبة الذين يكفرون بآياته سواء أكانوا ممن أُوتوا الكتاب من قبل أم كانوا من المشركين. وقابل هذه العاقبة بما أفاضَهُ الله - تعالى - من نعيم أُخرَوي على المؤمنين.
وقد بين من بعد ذلك أساس الحكم الإسلامي، فذكر أنه العدل والأمانة، وأن أمثل طريق لتحري العدل والأمانة هو إطاعة الله ورسوله، وأن الحاكم عليه أن يردَّ كل تنازع إلى حكم الكتاب والسنة، وأن التحاكم إلى غير كتاب الله تعالى وسنة رسوله تحاكم إلى الطاغوت، وأن المنافق هو الذي يرتضي حكم الطاغوت بدل حكم الله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا)، وقد بين أن أمارة الإيمان هو تحكيم الكتاب والسنة (فَلا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).
وإن الحق يجب أن ينصر، وإن المؤمن لَا يصح أن يستسلم للاعتداء، وإذا كان العدل وأداء الأمانة وإطاعة الله ورسوله أساس الحكم الإسلامي، فإن العدل مع المخالفين هو أساس العلاقة بين المسلمين وغيرهم، وإن القتال إذا كان العدل يستوجبه يكون أمرا لازما، فإذا اعتُدِي على الإسلام وأهله وجب القتال، ووجب أخذ الأهبة، وكان الحذر من الأعداء بقتالهم: (فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ
стр. 2016
الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (٧٤) وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا (٧٥).
وإن الخروج للقتال هو العلاقة المميزة بين أقوياء الإيمان وضعفاء الإيمان ومنهم المنافقون، فهؤلاء وأولئك يقولون: (. . . لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ. . .). وشأن الضعاف أن يزيلوا عن أنفسهم مظنة التقصير، وينسبوا ما يصيبهم من سيئة لغيرهم، وينكروا فضل ذوي الفضل: (. . . وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨).
وإن أولئك يخالفون الرسول، فالله سبحانه أكد لهم أن من يطع الرسول فقد أطاع الله، وأن ذلك كله من هجرهم لأوامر القرآن، وعدم تدبرهم لإعجازه ومراميه، وأن عليهم أن يردوا ما يستغلق عليهم فهمه إلى سنة الرسول وإلى العلماء منهم.
وإن أولئك المنافقين معوِّقون، ولذا أمرالله نبيه بألا يلتفت إليهم: (فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِين كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلًا).
وقد بين سبحانه أن المعاملة بالمثل هي أساس الإسلام، وأن الجزاء مجانس للعمل دائما، والله سيجمع الناس جميعا يوم القيامة.
وقد ذكر ما ينبغي أن يعامل به المنافقون الذين هم كالداء الوبيل في جسم الأمة، فبين الله أن يعاملوا باحتراس ولا يتخذوا نصراء ولا أولياء، فلا تتخذوا منهم أووصاء حتى يخلصوا في دين الله تعالى، وإذا
стр. 2017
خرجوا من دياركم أيها المؤمنون فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا. إلا إذا لجأوا إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق، أو قوم ليس بينكم وبينهم حرب ولا يريدون أن يحاربوكم، فإن قاعدة الإسلام احترام المواثيق، وأن من سالم أهله لَا يرفع عليه سيف، ولذا قال : (. . . . فَإِن اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّه لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً). وإذا كان العدل هو أساس الحكم الإسلامي، وأساس العلاقات الإسلامية، فإن من الواجب أخذ الجاني بجريمته، ولذلك اتجه إلى بيان ما ينبغي لحماية الأنفس في الداخل بعد أن بين طريق حمايتها في الخارج، وهذا بالقتال، وكانت الحماية في الداخل بالعقوبات المقررة الثابتة في الإسلام، فذكر عقوبة القتل الخطأ من المؤمنين أو من قوم بيننا وبينهم ميثاق، ثم ذكر عقوبة القتل العمد الأخروية لأنه ذكر القصاص في سورة البقرة، وقال سبحانه: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ. . .).
وبهذا بين الله سبحانه احترام الإسلام لحق الحياة، ولذلك لَا يُطل دم (١) في الإسلام، وهو لَا يحترم حق الحياة للمسلمين فقط، بل يحترمها للناس كافة إلا في حال الاعتداء، ولذلك أمر بالاحتراس في الحرب من أن يقتل غير مقاتل، أو يحارب غير محارب، وأمر المؤمنين عند القتال والخروج إليه ألا يقتلوا من يلقى السلام، فقال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٩٤).
وإن العدل لَا تقوم أركانه في الأرض إلا بأمرين: أحدهما: استعداد أهل الحق لدفع شر الأعداء للحق، وإن للمجاهد فضلا على من لم يجاهد، ولذا قال
стр. 2018
سبحانه: (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً. . .).
الأمر الثاني: ألا يرضى مؤمن بالبقاء في ذلة تحت سلطان عدو الله وعدو الحق، بل عليه أن يهاجر من أرض الذلة، ولذا قال سبحانه: (إِنَّ الذِينَ تَوَفَاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِروا فِيهَا. . .).
وقد بين وجوب الهجرة على القادر عليها، وفضلها.
وإن الجهاد فريضة محكمة، والصلاة ذكر الله، ولذلك لَا تسقط فريضة الصلاة في الجهاد، بل هي واجبة، ولها نظام خاص يلتقي فيها الجهاد مع أداء الصلاة جماعة بإمام واحد، فيبتدئ الإمام مع فريق والآخر يحرس الجماعة المجاهدة من الغارة، حتى إذا كان نصف الصلاة ذهب الذي ابتدأ معه للحراسة، وجاء الذي لم يبتدئ، وأتم الإمام صلاته معه، ثم يكمل كل ما فاته. وله فضل الجماعة.
وإن الصلاة قد اتخذت منها قوة معنوية، ولذلك أمرهم بالثبات بعد الصلاة، فقال سبحانه: (وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٠٤).
وإن النبي ﷺ في جهاده إنما يجاهد للحق، وهو الحكم العدل، ثم بين العدو الداخلي وهو النفاق والمنافقون، وكيف كان ﷺ لَا يكشفهم ولا يظهرهم، فيقول سبحانه: (وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (١٠٧) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (١٠٨)، وبين سبحانه عدله الكامل، ورحمته الشاملة، أما عدله فبجعله الجزاء موافقا للعمل (وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ. . .).
стр. 2019
وأما الرحمة فبفتحه باب التوبة وباب المغفرة (وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا). وإن الفضلِ والرحمة والعدالة فيما أنزل سبحانه: (. . . وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا).
وقد بينِ سبحانه أن الاستخفاء بالأقوال والأفعال عن الرسول أكثره لَا خير فيه: (لا خَيْر فِي كَثِيرٍ من نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ. . .)، فالنفاق استخفاؤه ضلال، والإيمان استخفاؤه إصلاح، ونفع، ثم بين أن الموالاة بين المنافقين والمشركين مشاقة لله ورسوله، (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)
ولقد بين الله دعوة الله تعالى ودعوة الشيطان. فدعوة الله تعالى إلى تحكيم العقل، ودعوة الشيطان إلى الضلال والغواية، فالشيطان يدعو إلى تقطيع آذان الأنعام، وتغيير خلق الله، ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا، وبين عاقبة المتبعين لله ولرسوله، وعاقبة المتبعين لأهوائهم، وكيف يرجون الخير ولا يعملون إلا الشر، وهي أماني كاذبة (وَمَنِ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ ولا يُظْلَمًونَ نَقِيرًا)، وقد أشار سبحانه إلى أحسن الأديان، وهو الاتجاه إلى الله وحده وإحسان العمل، واتباع النبيين.
وإن الإسلام هو القسط، وقد اتجه سبحانه إلى إصلاح الأسرة بمنع الظلم عن المرأة، فإن شكَتْ مِنْ زوجها نشوزا عالجته هي بالإصلاح، فإن لم تجد استعانت بمن يصلحه من أقارب، وإن لم يجد إصلاحا (وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِّن سَعَتِهِ. . .)، وإن تقوى الله في كل الأعمال هي المطلوبة، وهي التي تصلح النفوس. ولذلك صرحت الآيات الكريمة بأنها أمر الله الدائم إلى يوم القيامة، أمر به من سبقوا ومن لحقوا.
стр. 2020
وبعد هذا بين أمره الخالد، وهو العدالة المطلقة التي لا تعرف وليا ولا عدوا (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا. . .).
وأمر بعد ذلك سبحانه بالإيمان بالله ورسوله، وبهذا يشير إلى أن العدالة قرين الإيمان.
وبعد هذا البيان الرائع الذي يصور حقيقة الإيمان وعماده أخذ يصور حقيقة النفاق والمنافقين تصويرا قرآنيا، وإن أدق صورة بيانية للنفاق والمنافقين قوله تعالى: (مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا). والله سبحانه برحمته التي وسعت كل شيء يفتح باب التوبة حتى للمنافقين ثم يقول: (مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا). أدبنا أدبا عاليا، وهو منع الجهر بالسوء؛ لأن الجهر به دعوة إليه، ولكن رخص للمظلوم أن يتكلم في ظالمه بالحق (لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا)، وقد بين سبحانه بعد ذلك أحوال اليهود، فقد فرقوا بين الرسل، آمنوا ببعض وكفروا ببعض، وقد بين تعنت الماضين، مع أنهم أُوتُوا تسع آيات بينات، ومع ذلك طلبوا أن يَروُا الله جهرة، ثم اتخذوا العجل إلهًا من بعد ما جاءتهم البينات، ورفع الجبل فوقهم وأُخِذت عليهم العهود الموثقة، وأُمِروا ألا يَعْدُوا في السبت، ومع كل هذا خالفوا، فطبعت قلوبهم على القسوة، وعقولهم على الإنكار، والبينات تجدي طالب الهداية فقط ولم يطلبوها، وقد استمروا على افترائهم فافتروا على مريم البتول، وادعوا أنهم قتلوا المسيح (. . . وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّة لَهُمْ. . .).
وبهذا الظلم وتلك القسوة والجشع المادي حرم الله عليهم طيبات أحلت
стр. 2021
لهم؛ ليفطم نفوسهم - وليسوا جميعا سواء؛ ولذلك ذكر الله تعالى الراسخين في العلم منهم ومقامهم من الحق والإيمان بهم.
ولقد بين سبحانه وحدة الرسالة الإلهية، فما أوحي إلى النبي هو ما أوحي إلى الأنبياء قبله، وإن الله يشهد والملائكة يشهدون بصدق ما جاء به، وإن الكافرين صدوا عن سبيله وضلوا وطريقهم إلى جهنم. ثم بين سبحانه ضلال أهل الكتاب، فقد غالوا في أنبيائهم، فقال النصارى: الله ثالث ثلاثة! وذلك ليس الحق (لَن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ. . .).
ثم بين أن القرآن حجته فيه، فقال سبحانه: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ من رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا).
وقد ختم السورة بما ابتدأ به، وهو أمر بعض أحكامِ الأسرة، لبيان أن الأسرة هي حمى المجتمع وموضع صيانته، فقال سبحانه: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦).
هذه إشارة موجزة إلى ما اشتملت عليه السورة التي تعلو بالإنسانية إلى أعلى مراتبها، قدمناها بين يدي تفسيرها ليكون التفسير تفصيلا لهذه الإشارات، والله تعالى هو الذي يمدنا بعونه وتوفيقه. إنه هو الحكيم العليم.
* * *
стр. 2022
معاني السورة الكريمة
قال تعالى:
* * *
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١) وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (٢)
* * *
قلنا في الاستعراض الذي ذكرناه لسورة النساء: إنها سورة المجتمع الإنساني، وتنظيم العلاقات بين الآحاد والجماعات والدول، فهي تنظم الأسرة، والمجتمع الصغير، والمجتمع في الأمة الإسلامية، وحالها في الدفاع عن نفسها، ودفع عناصر الفساد فيها، وتنقيتها من كل بواعث السوء، وعلاقتها بغيرها ممن ألقوا السلم، وممن نابذوها العداوة. ولذلك كان ابتداؤها بهذا النص السامي الشامل في معناه، فقال سبحانه:
стр. 2023
(يَا أَيّهَا النَّاس اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ).
يذكر بعض المفسرين أن النداء بـ " يا أيها الناس " يخاطب به أهل مكة، والنداء بـ " يا أيها الذين آمنوا " يخاطب به المؤمنين، وأخذوا ذلك من أن أكثر الآيات التي ابتدئت بـ " يا أيها الناس " نزلت بمكة، وأكثر الآيات التي ابتدأت بـ " يا أيها الذين آمنوأ نزلت بالمدينة، ولا شك في أن " يا أيها الذين آمنوا " خاصة في ندائها بأهل الإيمان؛ لأن صلة الموصول تعيّن ذلك. أما " يا أيها الناس " فتخصيصها بأهل مكة تخصيص بغير مخصص، إنما تسري على عمومها، وهو عموم الخطاب لمن يعقلون، وذلك اللفظ وما هو مضمون النداء عام شامل جميع
стр. 2024
الناس، فكلمة الناس تشمل كل بني الإنسان، وما في مضمون النداء من إنذار وتبشير وبيان للحقائق الوجودية والكونية، والأدلة والبراهين أمور عامة لَا تختص بقبيل دون قبيل، ولا بقوم دون قوم. وفي النص الكريم الذي نتكلم فيه يتضمن النداء حقيقة عامة نفسية تجمع بني الإنسان مهما تختلف أجناسهم وألوانهم وألسنتهم، فهو يثبت أن الأصل هو " نفس واحدة " كلهم يرجعون إليها، ويتصلون بها، وهذا النص يشبه قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وقَبَائِلَ لِتَعَارَفوا إِنَّ أَكْرَمَكمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ. . .).
بيد أن النص الذي نتحدث عنه يثبت أن الذكر والأنثى من طبيعة واحدة، ويثبت في مضمونه الصلة الرحيمة التي تربط الناس جميعا، وما ينبني عليها من تعاطف وتواد وتراحم، والنص الآخر يبين وجوب التعارف الذي هو الطريق للتراحم والتواد، فهنا بيان الغاية، وهنالك بيان طريقها.
نادى الله الإنسانية، ذلك النداء الخالد ونبههم إلى الوحدة في أمرين:
أولهما: وحدة الربوبية، فإن ربكم واحد، إذ قال : (اتقوا ربكم) الذي هو رب الجميع، رب الأبيض والأسود والعربي والأعجمي، والعالم والجاهل، فصلة الجميع به واحدة، وهي صلة الربوبية، وإن هذه الصلة توجب أن يشعر الجميع بأنه لَا فضل لجنس على جنس، ولا للون على لون إلا بمقدار الاتصال الروحي بخالق الخلق، وذلك بالتقوى، فهذه الصلة مقوية للأمر بالتقوى، وأنها مناط التفضيل، وهي سبيل قوة الصلة الرابطة.
والثاني: وحدة التكوين والإنسان، فالكل ينتهي إلى نفس واحدة هي الجنس العام الجامع، مهما يَعْلُ ابن آدم أو ينخفض فإلى هذه النفس ينتمي، وبهذه الأخوة العامة يرتبط.
والأمر بالتقوى في هذا المقام لبيان الصلة التي تربط الإنسان بالرب الذي أنعم بهذا الوجود على كل من في هذا الوجود، وكان ذلك الأمر ممهدا لأمر آخر،
стр. 2025
وهو أن يلاحظ كل إنسان تلك الأخوة الرابطة في كل عمل يعمله، وكل غاية يتغياها ويريدها، وما أجود ما قاله الزمخشري في هذا المقام، فقد قال جار الله ﵁: " أراد بالتقوى تقوى خاصة، وهي أن يتقوه فيما يتصل بحفظ الحقوق بينهم، فلا يقطعوا ما يجب عليهم وصله، فقيل اتقوا ربكم الذي وصل بينكم، حيث جعلكم صنوانا مفرغة من أرومة واحدة فيما يجب على بعضكم لبعض، فحافظوا عليه ولا تغفلوا عنه، وهذا المعنى مطابق لمعاني السورة ".
والنفس الواحدة هي آدم أبو الأناسي في هذا الوجود، والمعنى على هذا الكلام يتطابق مع قول النبي ﷺ " كلكم لآدم وآدم من تراب " (١) وهذا نظر الأكثرين من المتقدمين، وهو الذي يتلاقى مع قوله بعد ذلك: (وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً).
وقد ذكر الرازي في مثل هذا المقام أنه قد يراد بنفس واحدة أن البشر جميعا متجانسون متحدون في المنشأ ونفوسهم متشابهة متلاقية، فهم جميعا ينتهون إلى نوع من النفوس واحد، وقد ذكر هذا المعنى في قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا. . .)، فقد نقل عن القفال في تأويل هذه الآية أنه تعالى ذكر هذه القصة على سبيل ضرب المثل، والمراد خلق كل واحد منكم من نفس واحدة، وجعل من جنسها زوجها إنسانا يساويه في الإنسانية، وارتضى أن يكون هذا أحد التأويلات.
وعلى هذا الكلام يكون المعنى: إن الله تعالى خلق نفسا واحدة تلتقي عندها كل الأنفس متشابهة متشاكلة، وإن ذلك يقتضي التشابك في كل بني الإنسان، ومع التساوي في الخلق يكون التساوي في الحقوق والواجبات.
(وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً) الزوج القرين المجانس أو المقابل غير المجانس، وقد قال في ذلك الأصفهاني: " يقال لكل واحد من القرينين
стр. 2026
من الذكر والأنثى في الحيوانات المتزاوجة زوج، ولكل قرينين فيها وفي غيرها زوج، ولكل ما يقترن بآخر مماثلا له أو مضادا زوج. قال تعالى: (فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأنثَى)، قال: وزوجك الجنة (١)، وزوجة لغة رديئة، وجمعها زوجات. قال الشاعر: " فشكا بناتي شجوهن وزوجتي ".
وإن كثيرا من المفسرين على أن المراد من الزوج حواء، وقد خلقت من آدم، وقد أخذوا من ظواهر آثار وردت عن الصحابة، وعن تفسير بعض التابعين، ومن ظاهر قوله ﷺ : " إن المرأة خلقت من ضلع أعوج وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته وإن استمتعت بها استمتعت بها وفيها عوج " (٢).
وإن كثيرين من المفسرين قالوا إن المراد من جنسها أي من طبيعتها، ومن خواصها، وذلك مثل قوله تعالى:
(وَمِنْ آيَاته أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً. . .). ومثل قوله تعالى: (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً. . .). وقوله تعالى: (فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١).
وإذا كانت الزوج من جنس النفس العامة فإنه يسكن إليها ويطمئن عندها كما ذكر في آيات أخرى غير الآية التي هي موضوع كلامنا.
وقد كانت نتيجة ذلك الازدواج النفسي والجسدي، أن كان البشر، ولذلك قال سبحانه: (وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كثيرًا وَنِسَاءً). والبث معناه النشر والتفريق، ومن ذلك
стр. 2027
قوله تعالى: (وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَة)، وإن هذا يدل على أن البشر الذين تفرقوا في هذا الوجود رجالا وإناثا، وانشعبوا قبائل متفرقة في أقصى الأرض وأدناها، كلهم ينتمون إلى هذه النفس الواحدة بلا فرق بينهم في أصل الانتماء، وفوق هذا يدل الكلام على أن طبيعة المرأة من طبيعة الرجل، وأنها ليست من جنس مرذول يجري الشيطان في عروقه ولا يجري في عروق الرجل، وأنها لعنة الله في الأرض كما تجري عبارات بعض المتكلمين في المسائل الدينية من غير المسلمين، وإن الآيات المتضافرة التي تدل على أن الزوج من نفس الزوج فيها إشارة إلى وجوب التجانس النفسي بين الزوجين، وأن الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف، وكل رجل يكون كنصف دائرة يسبح في الوجود حتى يلتقي بنصف الدائرة الذي يساوي قطره فيكون الالتئام وتتكون الحياة الزوجية الهنيئة.
(وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِى تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ) تساءلون أصلها تتساءلون فأدغمت التاء في السين، وقرئ تساءلون بطرح إحدى التاءين، ومعناها يوثق بعضكم مطالبه من أخيه ومسألته له بالله تعالى أي يسأل بعضكم مزكيا مسألته بذكر الله تعالى، وبذكر الأرحام الرابطة بينكم، ووشائج القربى.
والأمر بالتقوى تكرر لتربية المهابة في النفس، ولتوكيد الطلب، ولأن مقام التقوى في الثاني غير مقام التقوى في الأول، فمقام التقوى في الأول هو مقام التقوى التي تتجلى في شكر الرب على ما أنعم، وبقيام الواجب نحو الخلق للصلة الجامعة الوثيقة، فهي تقوى الربوبية والإنعام، ومقام التقوى في الثاني تقوى الألوهية، ولذلك ذكر لفظ الجلالة الدالة على كل معاني الألوهية، فهي تقوى العابد الخائف الراجي رحمته، والأولى تقوى الشاكر المحس بجلائل الإنعام.
والأرحام قرئت بفتح الميم (١)، ويكون المعنى اتقوا الله واتقوا الأرحام، ومعنى اتقاء الأرحام ألا يقطعوها، بأن يجعلوا لها وقاية من المودة الواصلة،
стр. 2028
والأرحام هنا هي كل الصلات الإنسانية التي وصل بها بين الخلق بخلقهم من نفس واحدة، وبالأولى تدخل الأرحام الخاصة، والقرابات القريبة.
ويصح أن يكون المعنى اتقوا الله الذي تتساءلون به وبالأرحام، وتكون الواو واو المعية، وتتلاقى هذه مع قراءة الكسر (١)، وقراءة الكسر قد تتعارض مع قواعد النحاة الذين قد يقولون إن العطف لَا يكون على ضمير موصول مجرور، ولكن قراءات القرآن المتواترة فوق قواعد النحاة، وهي أصدق في الفصحى.
(إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) هذا ختام للآية الكريمة فيه حث على المبالغة في التقوى ورعاية الرحم، والصلات الإنسانية التي تربط بين الناس بعضهم للوحدة الإنسانية الشاملة، وكان الحث على التقوى لإشعارهم جميعا بقوة رقابة الله . وقد ذكر العلي القدير رقابته مؤكدة بأوثق توكيد، فأكدها بـ " إنَّ " وبتكرار لفظ الجلالة الذي يربي في نفس المؤمن كل معاني العبودية، وبالتعبير بـ " كان " الدالة على الدوام والاستمرار، وبذكر الفوقية في قوله تعالى (عَلَيْكمْ) وهي دالة على معنى الاطلاع الدائم مع السيطرة والقهر، وأخيرا بصفة المبالغة إذ قال. (رَقِيبًا) وإن الله يؤكد صلة الأرحام بهذا وباقترانها به في الذكر وباقترانها به عند السؤال باسم الله تعالى، ويقول الزمخشري: " وقد آذن إذ قرن الأرحام باسمه - أن صلتها منه بمكان كما قال تعالى: (. . . أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا. . .)، وعن الحسين: إذا سألك بالله فأعطه، وإذا سألك بالرحم فأعطه ".
* * *
стр. 2029
(وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ ... (٢)
* * *
أوجب الرحمة العامة في الآية السابقة وأخصها ما كان في الأسرة الواحدة، وقد ابتدأ في هذا بأحق الناس بالرحمة العاطفة، والمودة الواصلة، وهم الذين نزلوا إلى هذا الوجود من غير حامٍ غير الله تعالى يحميهم، ولا قلب يحنو عليهم حنو الوالد الشفيق، وأولئك هم اليتامى، واليتم معناه: (الانفراد) واليتيم هو الصغير الذي مات أبوه، وقد حث الله تعالى على إكرام اليتامى في آيات كثيرة، وأحاديث نبوية
стр. 2030
مستفيضة قد تضافرت كلها على وجوب إكرامه ومنع قهره وإذلاله، ذلك أن اليتيم يحتاج إلى إصلاح وعطف ومحبة تعوضه عما فقد من رعاية، وإن العواطف الإنسانية تنمو في الطفل وهو صغير بالمجاوبة النفسية بينه وبين من يحيطون به.
فإذا انقطعت تلك العاطفة في الصغر نفر ونظر إلى الجماعة كلها نظرة العدو إلى عدوّه، فيكون من هؤلاء الذين فقدوا عطف الأبوة ولم يكن ما يعوضها - الشذاذ وقطاع الطرق، وبعبارة عامة من ليس عندهم ضمائر، ولا نفوس لوَّامة.
وقوله تعالى: (وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ) فيه أمر واضح بالرعاية من ناحية المال، فلا يمنعون حقهم المالي، والأمر بالإيتاء أمر لعموم الجماعة الإسلامية بأن تتضافر في تمكين اليتيم من أن يصل إليه ماله، فلا يأكله الورثة وَيُضيعون حقه، وعلى ذلك يكون معنى الإيتاء تخصيص نصيب لليتامى كاملا غير منقوص، فتحفظ لهم حصتهم في أبيهم أو في مورثهم، ويحفظ لهم نصيبهم في كل غلة لأموالهم، ويكون وصف اليتامى على حقيقته؛ لأن ذلك وهم صغار، وفسر بعض العلماء الإيتاء بالإعطاء لهم إذا بلغوا رشدهم، ويكون التعبير عنهم باليتامى باعتبار ما كان.
وقوله تعالى: (وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ) معناه: لَا تجعلوا لهم خبيث المال بدل الطيب، ويكون الطيب معناه الجيد، والخبيث معناه الرديء، فعلى هذا يكون المعنى الجملي: لَا تجعلوا رديء المال لهم بدل الجيد، فإذا كانت التركة شاءً فلا تجعلوا لهم الهزيلة، ولكم السمينة، وإذا كانت نقدا فلا تجعلوا لهم الزيوف، وتجعلوا لأنفسكم الجيد، ومعنى التَّبدل، جعل شيء بدل شيء أي يجعلون الرديء بدل الجيد، والباء في مادة التبدل يجوز أن تدخل على المتروك، ويجوز أن تدخل على المأخوذ، وهي هنا على المتروك، لأنه يترك عنهم الجيد، ويؤخذ لهم الرديء وفسر بعضهم الخبيث بالحرام، والطيب بالحلال، ويكون المعنى: لَا تجعلوا الحرام عليكم بدلا عن الحلال، أي لَا تأخذوا الحرام من مالهم وتتركوا الحلال الطيب من أموالكم، وبهذا فسر الزمخشري.
стр. 2031
(وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ) الكلام السابق كان في تخصيص أنصبة لهم غير منقوصة، وتخير هذه الأنصبة من الطيب دون الخبيث، وهنا الكلام في خلط أموالهم بأموال الأوصياء، ومعنى النص الكريم: لَا تضموا أموالهم إلى أموالكم آكلين لها. والآية صريحة في النهي عن خلط مال القاصر بمال الموصى عليه قاصدا أكله؛ لأن الأكل في ذاته حرام، وهي أيضا تتضمن النهي عن خلط مال القاصر، ولو لم يقصد أكله؛ لأنه قد يؤدي إلى ضياعه وعدم تمييزه، إذ يخشى أن يموت من غير أن يعرف مال اليتيم من ماله، فيؤدي الأمر إلى أكله، وإن لم يكن مقصودا، ولذا يقول الفقهاء: إذا مات الموصى على اليتيم مجهلا مال اليتيم اعتبر مستهلكا له.
(إِنَّهُ كانَ حُوبًا كَبِيرًا) الضمير يعود إلى النهي عن أكل مال اليتيم بأي طريق كان الأكل، ومعنى " حوبا كبيرا ": إثما كبيرا، فالحوب معناه الإثم، وفلان يتحوب أي يتأثم، والحوباء النفس المرتكبة للإثم، وإن الإثم في هذا كان كبيرا؛ لأنه اعتداء على ضعيف، والاعتداء على الضعيف أكبر الإثم، ولأنه خيانة للأمانة، ولأنه تضييع لنفس بشرية وهي نفس اليتيم؛ لأنه إذا كان يؤكل ماله فمم يأكل؛ ولأن ذلك ينشئ اليتيم على النفرة من المجتمع، وفي ذلك شر مستطير، (ولْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا).
* * *
(وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣) وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤) وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٥)
* * *
стр. 2032
بين الله في الآية السابقة حق اليتيم من العطف والرعاية ومضار إهماله وعدم إصلاحه والعمل على إذلاله، وفي هذه الآيات يبين حق النساء، والأمر فيهن يتلاقى مع أمر اليتيم، لأنهن ضعاف (١)، فهن في حاجة إلى رعاية وإصلاح وعطف، ومعاملة عادلة لَا شطط فيها ولا جور، ولذا قال تعالى:
стр. 2033
(وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِى الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثلاثَ وَرُبَاعَ. . .).
معنى الإقساط العدل، ومن ذلك قوله تعالى: (. . . إِنَّ اللَّهَ يحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)، وقوله تعالى: (وتقسطوا إليهم) أي تقيموا العدل بيسر ليصل إليهم من غير مجهود، فمن النقص في العدل ألا يصل العدل إلى صاحبه إلا بمشقة وجهد.
ومعنى " خفتم ": ظننتم، ومعنى " ما طاب لكم ": ما حل. وقد تفسر بمعنى ما تستحسنونه من النساء لدين وخلق ونسب وجمال أو لواحد من هذا، و " ما " هنا في موضع العاقل، وعبر بـ " ما "، وهي في أصل وضعها لغير العاقل، إما لأنه أريد الصفات؛ لأن طاب تدل على أن الوصف أساس الاختيار، وإما لأن جماعة الإناث تعامل في نسق القول معاملة غير العاقلين كما قرر الزمخشري، وإما لأنه عند التعميم يستعمل (ما) في موضع (مَن)، و (مَن) في موضع (ما) كقوله تعالى: (. . . فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ. . .)، وذلك هو الذي نختاره. والنكاح هنا معناه العقد، وكلمة النكاح في القرآن الكريم لم تستعمل إلا في موضع العقد، لَا الوطء.
وهنا شرط وجواب، والشرط هو (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطوا فِي الْيَتَامَى) والجواب هو (فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ)، وقد تكلم
стр. 2034
العلماء في العلاقة بين الشرط وجزائه، وتساءلوا ما العلاقة بين الإقساط في اليتامى، والزواج مثنى وثلاث ورباع، إلى آخر النص الكريم؛ وقد أجيب عن ذلك بعدة إجابات:
أولها: أن الرجل تكون في ولايته يتيمة، فيخشى ألا يتزوجها خشية ظلمها، أو يخشى أن يطلبها من وليها فيكون منه الظلم لضعفها وعدم وجود حام لها، فقال الله تعالى ما معناه إن رغبتم في الزواج من اليتيمات، وخشيتم من تحقيق هذه الرغبة ألا تعدلوا في اليتامى فلا تحققوا هذه الرغبة، وأنكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع، وتكون إباحة التعدد وتقييده قد جاءت عرضا، لا بالقصد الأصلي في البيان، وقد روى المفسرون ذلك عن عائشة رضى الله عنها. وثانيها: أن المعنى: إن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فخافوا أيضا ألا تقسطوا في النساء بتزوج أكثر من أربع، أو في دائرة الأربع ولا تعدلوا، أي أنه إذا كان قد تحقق منكم هذا الخوف بالنسبة لليتامى فخافوا بالنسبة للنساء، فلا تتزوجوا أكثر من أربع، وعلى هذا التخريج يكون النص قد سيق لتقدير التعدد لَا لإباحته، وقد قال هذا بعض التابعين.
وثالثها: وقد ذكره الزمخشري، وهو أن يكون المعنى: إن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فخافوا الزنا أيضا، وإذا خفتم الزنا فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع، والربط بين الزنا وظلم اليتامى أن كليهما فيه إضعاف للنسل، فالزنا إضعاف له بإخراج مولود ليس له ولي أصلا، واليتم فقد الولي، فكلاهما فاقد للنصير، ومن حماية الإنسان من الزنا أن ينكح ما طاب له مثنى وثلاث ورباع، ويكون في هذا التخريج بيان التعدد المباح، وإشارة إلى بعض حكمته.
ورابعها: وهو ما اختاره ابن جرير الطبري، أن المعنى إن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى، فخافوا أيضا ألا تقسطوا في النساء إذا تخلفت العدالة عند التعدد فلا تعددوا، وإذا تخلفت العدالة في الواحدة فمما ملكت أيمانكم، فالآية سيقت للعدالة في التعدد وعدم التعدد، وهو قريب من الثاني، فإن كليهما لمنع ظلم
стр. 2035
الفساد، بيد أن الثاني تخريجه على أساس تقييد العدد، أما هذا فسياقه المطالبة بالعدالة، وهما متلاقيان في الجملة.
وعلى كليهما يكون التعدد والعدالة قد سيق الكلام لهما، ولم يكن عرضا، وإنا نختار ذلك، وسياق القول يدل عليه، وذلك أن الكلام في اليتامى قد اختلط بالكلام في النساء، وذلك لأن كليهما ضعيف، وقد كانت حقوق المرأة ضائعة مأكولة كما كانت حقوق اليتيم ضائعة مأكولة، والمرأة في عهد نزول القرآن كانت أسيرة في بيت أبيها وبيت زوجها فأوصى الله برعايتها كما أوصى برعاية اليتيم، ولذلك قيد التعدد بالعدل، وقيد بالقدرة على الإنفاق كما سنبين، وذلك لكيلا يقع ظلم على المرأة.
ولفظ " مثنى " معدول به عن اثنين، اثنين، وثلات معدول به عن ثلاث ثلاث، ورباع معدول به عن أربع أربع، ومعنى جاء الجند مثنى أي جاءوا اثنين اثنين، وجاءوا ثلاث أي ثلاثة ثلاثة، ورباع أي أربعة أربعة، ومعنى الآية على هذا أن لجماعة العاقلين أن يتزوجوا معددين جامعين اثنين أو جامعين ثلاثا، أو جامعين أربعا، والخطاب في قوله تعالى: (فَانكِحُوا) لجماعة المسلمين، أي كونوا أيها المسلمون معددين اثنين أو ثلاثا إلى آخره.
والعطف على نية تكرار العامل، أي انكحوا جامعين اثنين أو انكحوا جامعين ثلاثا أو انكحوا جامعين أربعا، وبهذا النص يستفاد أن الإباحة مقصورة على أربع، وقد ثبت في السنة أن بعض الذين أسلَموا كان معهم في عصمتهم أكثر من أربع فأمرهم النبي ﷺ أن يقتصروا على أربع، ويطلقوا الزائد عنهن (١).
وقد قيد التعدد بقيدين أحدهما القدرة على العدالة، والثاني القدرة على الإنفاق، ولذلك قال بعد ذلك: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا).