(وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ) الكلام السابق كان في تخصيص أنصبة لهم غير منقوصة، وتخير هذه الأنصبة من الطيب دون الخبيث، وهنا الكلام في خلط أموالهم بأموال الأوصياء، ومعنى النص الكريم: لَا تضموا أموالهم إلى أموالكم آكلين لها. والآية صريحة في النهي عن خلط مال القاصر بمال الموصى عليه قاصدا أكله؛ لأن الأكل في ذاته حرام، وهي أيضا تتضمن النهي عن خلط مال القاصر، ولو لم يقصد أكله؛ لأنه قد يؤدي إلى ضياعه وعدم تمييزه، إذ يخشى أن يموت من غير أن يعرف مال اليتيم من ماله، فيؤدي الأمر إلى أكله، وإن لم يكن مقصودا، ولذا يقول الفقهاء: إذا مات الموصى على اليتيم مجهلا مال اليتيم اعتبر مستهلكا له.
(إِنَّهُ كانَ حُوبًا كَبِيرًا) الضمير يعود إلى النهي عن أكل مال اليتيم بأي طريق كان الأكل، ومعنى " حوبا كبيرا ": إثما كبيرا، فالحوب معناه الإثم، وفلان يتحوب أي يتأثم، والحوباء النفس المرتكبة للإثم، وإن الإثم في هذا كان كبيرا؛ لأنه اعتداء على ضعيف، والاعتداء على الضعيف أكبر الإثم، ولأنه خيانة للأمانة، ولأنه تضييع لنفس بشرية وهي نفس اليتيم؛ لأنه إذا كان يؤكل ماله فمم يأكل؛ ولأن ذلك ينشئ اليتيم على النفرة من المجتمع، وفي ذلك شر مستطير، (ولْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا).
* * *
(وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣) وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤) وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٥)
* * *
стр. 2032
بين الله في الآية السابقة حق اليتيم من العطف والرعاية ومضار إهماله وعدم إصلاحه والعمل على إذلاله، وفي هذه الآيات يبين حق النساء، والأمر فيهن يتلاقى مع أمر اليتيم، لأنهن ضعاف (١)، فهن في حاجة إلى رعاية وإصلاح وعطف، ومعاملة عادلة لَا شطط فيها ولا جور، ولذا قال تعالى:
стр. 2033
(وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِى الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثلاثَ وَرُبَاعَ. . .).
معنى الإقساط العدل، ومن ذلك قوله تعالى: (. . . إِنَّ اللَّهَ يحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)، وقوله تعالى: (وتقسطوا إليهم) أي تقيموا العدل بيسر ليصل إليهم من غير مجهود، فمن النقص في العدل ألا يصل العدل إلى صاحبه إلا بمشقة وجهد.
ومعنى " خفتم ": ظننتم، ومعنى " ما طاب لكم ": ما حل. وقد تفسر بمعنى ما تستحسنونه من النساء لدين وخلق ونسب وجمال أو لواحد من هذا، و " ما " هنا في موضع العاقل، وعبر بـ " ما "، وهي في أصل وضعها لغير العاقل، إما لأنه أريد الصفات؛ لأن طاب تدل على أن الوصف أساس الاختيار، وإما لأن جماعة الإناث تعامل في نسق القول معاملة غير العاقلين كما قرر الزمخشري، وإما لأنه عند التعميم يستعمل (ما) في موضع (مَن)، و (مَن) في موضع (ما) كقوله تعالى: (. . . فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ. . .)، وذلك هو الذي نختاره. والنكاح هنا معناه العقد، وكلمة النكاح في القرآن الكريم لم تستعمل إلا في موضع العقد، لَا الوطء.
وهنا شرط وجواب، والشرط هو (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطوا فِي الْيَتَامَى) والجواب هو (فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ)، وقد تكلم
стр. 2034
العلماء في العلاقة بين الشرط وجزائه، وتساءلوا ما العلاقة بين الإقساط في اليتامى، والزواج مثنى وثلاث ورباع، إلى آخر النص الكريم؛ وقد أجيب عن ذلك بعدة إجابات:
أولها: أن الرجل تكون في ولايته يتيمة، فيخشى ألا يتزوجها خشية ظلمها، أو يخشى أن يطلبها من وليها فيكون منه الظلم لضعفها وعدم وجود حام لها، فقال الله تعالى ما معناه إن رغبتم في الزواج من اليتيمات، وخشيتم من تحقيق هذه الرغبة ألا تعدلوا في اليتامى فلا تحققوا هذه الرغبة، وأنكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع، وتكون إباحة التعدد وتقييده قد جاءت عرضا، لا بالقصد الأصلي في البيان، وقد روى المفسرون ذلك عن عائشة رضى الله عنها. وثانيها: أن المعنى: إن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فخافوا أيضا ألا تقسطوا في النساء بتزوج أكثر من أربع، أو في دائرة الأربع ولا تعدلوا، أي أنه إذا كان قد تحقق منكم هذا الخوف بالنسبة لليتامى فخافوا بالنسبة للنساء، فلا تتزوجوا أكثر من أربع، وعلى هذا التخريج يكون النص قد سيق لتقدير التعدد لَا لإباحته، وقد قال هذا بعض التابعين.
وثالثها: وقد ذكره الزمخشري، وهو أن يكون المعنى: إن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فخافوا الزنا أيضا، وإذا خفتم الزنا فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع، والربط بين الزنا وظلم اليتامى أن كليهما فيه إضعاف للنسل، فالزنا إضعاف له بإخراج مولود ليس له ولي أصلا، واليتم فقد الولي، فكلاهما فاقد للنصير، ومن حماية الإنسان من الزنا أن ينكح ما طاب له مثنى وثلاث ورباع، ويكون في هذا التخريج بيان التعدد المباح، وإشارة إلى بعض حكمته.
ورابعها: وهو ما اختاره ابن جرير الطبري، أن المعنى إن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى، فخافوا أيضا ألا تقسطوا في النساء إذا تخلفت العدالة عند التعدد فلا تعددوا، وإذا تخلفت العدالة في الواحدة فمما ملكت أيمانكم، فالآية سيقت للعدالة في التعدد وعدم التعدد، وهو قريب من الثاني، فإن كليهما لمنع ظلم
стр. 2035
الفساد، بيد أن الثاني تخريجه على أساس تقييد العدد، أما هذا فسياقه المطالبة بالعدالة، وهما متلاقيان في الجملة.
وعلى كليهما يكون التعدد والعدالة قد سيق الكلام لهما، ولم يكن عرضا، وإنا نختار ذلك، وسياق القول يدل عليه، وذلك أن الكلام في اليتامى قد اختلط بالكلام في النساء، وذلك لأن كليهما ضعيف، وقد كانت حقوق المرأة ضائعة مأكولة كما كانت حقوق اليتيم ضائعة مأكولة، والمرأة في عهد نزول القرآن كانت أسيرة في بيت أبيها وبيت زوجها فأوصى الله برعايتها كما أوصى برعاية اليتيم، ولذلك قيد التعدد بالعدل، وقيد بالقدرة على الإنفاق كما سنبين، وذلك لكيلا يقع ظلم على المرأة.
ولفظ " مثنى " معدول به عن اثنين، اثنين، وثلات معدول به عن ثلاث ثلاث، ورباع معدول به عن أربع أربع، ومعنى جاء الجند مثنى أي جاءوا اثنين اثنين، وجاءوا ثلاث أي ثلاثة ثلاثة، ورباع أي أربعة أربعة، ومعنى الآية على هذا أن لجماعة العاقلين أن يتزوجوا معددين جامعين اثنين أو جامعين ثلاثا، أو جامعين أربعا، والخطاب في قوله تعالى: (فَانكِحُوا) لجماعة المسلمين، أي كونوا أيها المسلمون معددين اثنين أو ثلاثا إلى آخره.
والعطف على نية تكرار العامل، أي انكحوا جامعين اثنين أو انكحوا جامعين ثلاثا أو انكحوا جامعين أربعا، وبهذا النص يستفاد أن الإباحة مقصورة على أربع، وقد ثبت في السنة أن بعض الذين أسلَموا كان معهم في عصمتهم أكثر من أربع فأمرهم النبي ﷺ أن يقتصروا على أربع، ويطلقوا الزائد عنهن (١).
وقد قيد التعدد بقيدين أحدهما القدرة على العدالة، والثاني القدرة على الإنفاق، ولذلك قال بعد ذلك: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا).
стр. 2036
العدالة شرط في كل زواج ولو كان ذا زوجة واحدة، فمن كان غير قادر على العدالة أو على الإنفاق لَا يحل له أن يتزوج، والزواج مطلوب من القادر على العدالة والإنفاق، ولذا قال النبي ﷺ : " يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة (أي تكاليف الزواج من نفقة وغيرها) فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وِجَاء " (١) أي إنه قاطع شهواته بالسيطرة عليها، وإذا كانت العدالة مطلوبة في الزواج الواحد، فهي ألزم في تعدد الزوجات، ومعناها يتسع، فتكون العدالة مع كل واحدة بحيث لَا يظلمها في ذاتها، ويجب عليه أن يساويها مع غيرها، والعدل المطلوب هو العدل الظاهر بالتسوية بينهن في المطعم والملبس والمسكن والبيت، فلا يبيت عند واحدة أكثر من غيرها إلا بإذنها، أما العدل الباطن بمعنى التسوية في المحبة القلبية، فهي غير ممكنة وغير مطلوبة، وقد جاء في أحكام القرآن للجصاص: " أمر الله تعالى بالاقتصار على واحدة إذا خاف الجور ومجانبة العدل. إنها إباحة للاثنتين إذا شاء، وللثلاث إن شاء، وللأربع إن شاء، فإن خاف ألا يعدل اقتصر من الأربع على الثلاث، فإن خاف ألا يعدل اقتصر على اثنتين، فإن خاف ألا يعدل اقتصر على واحدة. . . والعدل المطلوب هو العدل الظاهر، وهو القَسْم بين الزوجين، والمساواة في الإنفاق، والمساواة في المعاملة الظاهرة، وليس هو العدل في المحبة الباطنة فإن ذلك لَا يستطيعه أحد، ولا يكلف الله إلا ما يكون في الوسع، لَا يكلف الله نفسا إلا وسعها، وكان النبي ﷺ لا يسوي بين أزواجه في المحبة القلبية، ولذلك كان يقول عند قَسْمه بين أزواجه: " اللهم إن هذا قسمي فيما أملك، فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك " (٢).
وقد وفق العلماء بين هذه الآية التي تطالب بالعدل، وبين الآية التي تنفي إمكانه، وهو قوله تعالى: (وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا
стр. 2037
تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَروهَا كَالْمُعَلَّقَةِ. . .)، فقالوا إن العدل المطلوب هو العدل الظاهر والمساواة في المعاملة والعدل المنفي المساواة في المحبة القلبية.
وإنه واضح أنه إذا لم يستطع العدل الظاهري وجب الاقتصار على واحدة، وإن لم يستطع العدل معها اكتفى بالدخول بملك اليمين، أي بالدخول بالجارية التي يملكها، وقد زال الرق، فزالت معه تلك الرخصة، فمن لم يستطع العدالة مع زوجه عليه أن يروض نفسه بالصوم، أو يروض نفسه على العدالة.
وقد قيد التعدد بقيد ثان، وهو القدرة على الإنفاق على النسوة اللائي يتزوجهن، وعلى من سيرزقهم الله منهن، وقد أشار القرآن إلى وجوب مراعاة ذلك، فقد قال تعالى: (ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولوا) أي إن هذا التقييد بهذا العدد المحدود، مع قيد العدالة، ومنها القدرة على الإنفاق، أقرب إلى ألا تعولوا، وعال يعول معناها مال، ومنه عال الميزان أي مال، وفسرها بعض العلماء بمعنى ذلك أدنى ألا تجوروا، وروى ذلك التفسير عن عائشة ﵂، ولكن فسرها الإمام الشافعي بألا يكثر عيالكم، وهذا التفسير يؤدي إلى معنى جديد، لم يفهم مما سبق، وقد رجح ذلك الزمخشري بقوله: " والذي يحكى عن الشافعي أنه فسر ألَّا تعولوا: ألَّا تكثر عيالكم فوجهه أن يجعل من قولك عال الرجل عياله يعولهم، كقولهم مانهم يمونهم إذا أنفق عليهم، لأن من كثر عياله لزمه أن يعولهم، وفي ذلك ما يصعب المحافظة على حدود الورع وكسب الحلال والرزق الطيب، وكلام مثله من أعلام العلم وأئمة الشرع ورءوس المجتهدين حقيق بالحمل على الصحة والسداد، وألا يظن به تحريف تعيلوا إلى تعُولوا، فقد روى عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: " لا تظن بكلمة خرجت من فيِّ أخيك سوءا وأنت تجد له محملا "، وكفى بكتابنا " شافي العي، من كلام الشافعي " شاهدا بأنه أعلى كعبا، وأطول باعًا في علم كلام العرب من أن يخفى عليه مثل هذا، ولكن للعلماء طرقا وأساليب، فسلك الشافعي في هذه الكلمة طريق الكنايات ".
стр. 2038
ومع أن التعدد مقيد بالعدالة والقدرة على الإنفاق، وهي تدخل في العدالة، لا يعتبر العقد فاسدا إذا لم يتوافر هذان الشرطان ولم يحدث أن قاضيا أو حاكما اشترط لصحة العقد أو نفاذه ذلك الشرط، والإجماع على أنه لَا أثر لفقد الشرطين في العقد، وكل كلام غير ذلك هو بدعة لم تكن عند السلف، وإنما لم يفسد العقد لأن الفساد يكون بأسباب واقعة، لَا بأسباب متوقعة، والعدالة والإنفاق أمران مقدران في المستقبل، فقد يتوب من الظلم، وربما يجعل الله من عسره يسرا، ولأن الظلم أمر نفسي، والفساد والبطلان لَا يكونان لأمور نفسية خفية لَا يجري عليها الإثبات. وإذا سوغ بعض الناس للقاضي ألا يأذن إلا إذا تأكدت العدالة والقدرة على الإنفاق، فقد جعل للقاضي ما لَا سبيل إلى التأكد منه، ثم إن العدالة والقدرة على الإنفاق لازمان في الزواج (١) لزومهما في الزواج الثاني والثالث، فلماذا يسوغان ذلك للقاضي عند التعدد فقط؟! إن ذلك معاندة لشرع الله تعالى الذي أباح التعدد.
والتعدد لَا بد منه عند استحكام الشهوات؛ لأنه إن لم يعدد اتجه إلى الحرام، والحلال على أية صورة خير من الحرام، واتخاذ الحلائل خير من اتخاذ الخلائل، والتعدد قد يكون علاجا اجتماعيا، عندما تأكل الحرب شباب أمة من الأمم ويكون عدد النساء الصالحات للزواج أكثر من الشباب بأضعاف مضاعفة، ولا سبيل لإكثار النسل إلا بالتعدد، وهو في هذه الحال منع للمرأة من الابتذال ووقوعها في البغاء، وإن التعدد في هذه الحال خير للمرأة بلا ريب، فليس التعدد شرا على المرأة في مجموع عددها، وقد تكون الزوجة في حال تستوجب أن يتزوج الزوج بأخرى لمرضها أو يطلقها، والخير لها حينئذ في بقاء الزوجية. ذلك شرع الله. وقد منع الأوربيون التعدد الشرعي، ففتح الناس باب التعدد الحرام، وفسدت الأسرة هنالك وانحلت، والأسرة الإسلامية ما زالت أقوى الأسر استمساكا، ولا تزال كذلك ما استمرت مستمسكة بدينها، معرضة عن الدعوات التي تريد إبعادها عنه.
* * *
стр. 2039
(وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً ... (٤)
* * *
هذا الكلام في بيان العدالة مع النساء في المعاملة، فلا يصح أن يستهان بحقوقهن التي ينشئها الزواج، وأولها المهر، فالصدقة هنا هي المهر، وسمى صدقة لأن تقديمه يدل على صدق النية، والإخلاص في طلب الزوجة، فمن أخلص في طلب يد امرأة قدم لها ما يليق بمثلها تكريما لمعنى الزوجية، وتشريفا لتلك العلاقة، وقال تعالى: (نِحْلَةً) ومعناها عطاء بطيب نفس، وهي " فِعْلَة " من نَحَلَهُ ينحله بمعنى أعطاه هبة صادق النية، وفسرها بعض العلماء بمعنى فريضة واجبة، وقد فسرها بذلك أبو عبيدة، وقال الزجاج في آتوهن صدقاتهن نحلة (تدينا) أي أن الدين أوجب ذلك، والخطاب لجماعة المؤمنين يوجب أداء المهور صادقي النية طيبي النفوس متدينين بهذا العطاء.
(فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا) الحياة الزوجية لَا تقوم فقط على التكليف الواجب، بل تقوم على المودة الرابطة والتسامح، وقد يجهد الرجل الهر كله، فيقتضي حسن العشرة أن تترك بعض مهرها طيبة النفس، وليست المهور كسائر الديون، إنما هو دين فيه معنى الهدية، ولذلك فتح الشارع الباب لمثل هذه المعاني. ولذلك قال تعالى: (. . . وَلا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)، ومعنى طابت نفسها رضيت من غير تورط، ولا تغرير ولا ضغط ولا إرهاق، وطيبة النفس بالعطاء أرق من الرضا به؛ لأن الرضا قد يتصور مع التورط أما طيبة النفس فلا تتصور إلا بالسماح، بل من غير طلب بالتصريح أو بالإشارة، ومعنى هنيئا، أي لَا ألم في أخذه، ومعنى مريئا حسن العاقبة، وأكل المال أخذه، فلا يراد بالأكل هنا حقيقته، بل يراد الأخذ الذي يؤدي إليه.
وقد كان يحدث أن بعض الناس يرهقون زوجاتهم ليتركوا بعض المهر أو كله، فكان الفقهاء حريصين على أن تتوافر الحرية كاملة في العطاء، ولذا كتب عمر ﵁ إلى بعض قضاته: " إن النساء يعطين رغبة ورهبة، فأيما
стр. 2040
امرأة أعطت ثم أرادت أن ترجع فلها ذلك " وروي أن رجلا أبرأته امرأته من مهرها، ثم طلقها فرجعت (١) فاحتكما إلى عبد الملك بن مروان فحكم لها، وقال شريح في مثل هذه الحال: لو طابت نفسها ما رجعت، وكان الأوزاعي لَا يجيز هبة المهر إلا بعد أن تنجب منه، أو تمضي سنة على زفافها - والنص يشير إلى أنه يحسن ألا تترك له كل المهر، ولذا قال تعالى: (فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شيْءٍ مِّنْهُ) ومن للتبعيض أي عن بعضه، ويظهر أن هذا لتأكيد طيب نفسها، ويجوز الإبراء منه كله.
* * *
стр. 2041
(وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا ... (٥)
* * *
السفهاء جمع سفيه، والسفه اضطراب في الرأي والفكر، وأصله من اضطراب المحسوسات. ويقول الراغب الأصفهاني في مفرداته: " السفه صفة في البدن، ومنه قيل زمان سفيه كثير الاضطراب، وثوب سفيه رديء النسج، واستعمل السفه في صفة النفس لنقصان العقل في الأمور الدنيوية ".
والسفهاء هنا هم الذين لَا يحسنون تدبير الأموال إما لصغر سنهم، وإما لنقص عقولهم، وإما لسوء تدبيرهم وتبذيرهم، والقيام هنا هو الولاية المالية والسلطان، وعبر عن الولاية بالقيام، لأن القيام هو العماد والسناد في اللغة، والولاية المالية المقصود منها أن تكون عمادا وسندا للقاصر المولى عليه، وعلى هذا التفسير يكون معنى السفهاء شاملا لكل العاجزين عن تدبير المال أيا كان سبب العجز. ويكون معنى النص الكريم: لَا تعطوا المال لِلَّذين لَا يحسنون القيام عليه لصغر أو نقص عقل، أو فساد رأى ثابت، والمراد مال هؤلاء، ولكن أضيف المال إلى الأولياء ليحثهم على حفظه وصيانته كأنه مالهم، وقد يكون الخطاب لجميع الأمة بالدعوة إلى المحافظة على أموال العاجزين؛ لأنه من حال الأمة المتضافرة المتعاونة المتكافلة، ورجح الزمخشري أنه خطاب للأولياء، وقال في ذلك: " والخطاب للأولياء وأضاف الأموال إليهم؛ لأنها من جنس ما يقيم به الناس
стр. 2042
معايشهم، كما قال: (. . . وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكمْ. . .)، والدليل على أنه خطاب للأولياء في أموال اليتامى قوله: (وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ) وإنه على أن الخطاب لمجموع الأمة المتكافلة يكون من التكافل رزق اليتامى وعدم قهرهم.
(وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا) معنى الرزق الإنفاق المستمر المنظم على الشخص في طعامه وكسوته، فالكسوة بل المسكن داخلان في ارزقوهم وإنما خص الكسوة بالذكر؛ لأنها كثيرا ما تهمل، وللحث على المبالغة في تكريمهم، ومن مظاهر التكريم الكسوة الحسنة، وقال ارزقوهم فيها واكسوهم، ولمْ يقل ارزقوهم منها للإشارة إلى أن الرزق لَا يقتطع منها، بل يتجر فيها ويعمل فيها ليكون الرزق فيها من الكسب لَا من أصلها، ولهذا قال النبي ﷺ : " اتَّجِروا في مال اليتيم حتى لَا تأكله الصدقة " (١) وقد قال الزمخشري في تفسير ارزقوهم فيها: " اجعلوها مكانا لرزقهم بأن تتجروا فيها وتربحوا حتى تكون نفقتهم من الأرباح لَا من صلب المال " وقد أمر الله تعالى بألا يرهق المحجور عليه، ولا يستذلوا ولا يقهروا؛ ولذا قال: (وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْروفًا) أي قولا غير منكر وغير مسترذل، وغير قاهر وغير مضعف لنفوسهم، ولا مذل لهم، وذلك لكيلا يذهب الحجر بعزة نفوسهم، وليشعروا أنه في مصلحتهم، ولكيلا تضعف شخصيتهم، ويمردوا مع الذلة صغارا؛ فيعادوا الناس كبارا، والله هو الولي وهو نعم المولى ونعم النصير.
* * *
стр. 2043
(وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٦) لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (٧) وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٨) وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٩) إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)
* * *
قلنا إن الآيات الكريمات من أول السورة في بيان العلاقات الإنسانية، وقد نظم العلاقات بين بني الإنسان، وعني ببيان حقوق الضعفاء، وهم اليتامى والنساء، فقد كانت المرأة في الماضي مظنة أن تؤكل حقوقها وتهضم، واليتيم مقهور إلا إذا مَنَّ الله تعالى بكالئ من البشر يحوطه بعنايته، وفي هذه الآيات التالية يبين سبحانه معاملة اليتيم حتى يبلغ، وحقه في الميراث، وكيف تجب حياطته والعناية به وبماله، ولا يدفع إليه ماله إلا إذا رشد.
стр. 2044
(وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا) الابتلاء معناه اختبار حال اليتيم من حيث قدرته على التصرف في ماله، ويُمَرَّن على ذلك قبيل البلوغ، حتى لَا يجيء وقت إلا وقد صار في قدرة على إدارتها، وقد قال القرطبي في بيان اختباره: " لا بأس أن يدفع إليه شيئا من ماله يبيح له التصرف فيه، فإن نماه وحسن النظر فيه فقد وقع الاختبار، ووجب على الوصي تسليم جميع ماله إليه (أي بعد بلوغه) وإن أساء النظر فيه وجب عليه إمساك المال عنده ". . . وقال جماعة من الفقهاء: الصغير لَا يخلو أن يكون غلاما أو جارية، فإن كان غلاما رَدَّ النظر إليه في نفقة الدار شهرا، وأعطاه شيئا نَزْرا ليتصرف فيه، ليعرف كيف تدبيره وتصرفه، وهو مع ذلك يراعيه لئلا يتلفه، فإذا رآه متوخيا سلم إليه ماله عند البلوغ وأشهد عليه، وإن كان جارية رد عليها ما يرد إلى ربة البيت من تدبير بيتها والنظر فيه في الاستغزال والاستقصاء على الغزالات في دفع القطن وأجرته، واستيفاء الغزل وجودته، فإن رآها رشيدة سلم إليها مالها وأشهد عليها وإلا بقيا تحت الحجر.
وإن نهاية اليتيم ببلوغ النكاح، أي بوجود المظاهر التي تدل على الرجولة في الغلام، والتي تدل على مبلغ بلوغ النساء في الفتاة، وإن أقصى مدة البلوغ ذلك المبلغ اختلف الفقهاء فيها، فالجمهور على أن البلوغ بالسن وهو أقصى غاية: لظهور أمارات النكاح ببلوغ خمس عشرة، وأبو حنيفة على أنه سبع عشرة بالنسبة للفتاة وثماني عشرة سنة بالنسبة للصبي. . . وقوله تعالى: (بَلَغُوا النِّكَاح) كناية واضحة عن ظهور أمارات الرجولة الكاملة، وأمارات الأنوثة؛ لأن الاستعداد للزواج هو كذلك، و " حتى " هنا للغاية، وهي داخلة على الجملة، فهي تبين نهاية الصغر، والجملة التي دخلت عليها ظرفية في معنى الشرط.
ولا يدفع المال بمجرد البلوغ، بل لَا بد من الرشد، ولذلك قال تعالى: (فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلا تَكُلُوهَا إِسْرَافا وَبِدَارًا أَن يَكْبَروا) آنس معناها أبصر، ولذلك قال تعالى: (. . . آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا. . .)،
стр. 2045
وقيل آنس معناها أَحَسَّ، وعندي أن معنى الإحساس ثابت في آنس، فهو ليس رؤية فقط، بل هو رؤية، اتصل بها إحساسه ووجدانه، ومعنى الرشد الصلاح في العقل والخلق والمال، ونكّر الرشد، فقال (رشْدًا) للإشارة إلى أنه لَا يطلب من الصغير أن يؤتى الرشد الكامل بمجرد البلوغ بل إنه يكتفى بنوع من استئناس الرشد وتوقع الخير منه، ولا يطلب منه الكمال وإلا ما أعطى صغير يبلغ ماله قط؛ لأن الرشد الكامل لَا يكون إلا بالممارسة المستمرة. ومعنى هذا الكلام أنه لَا بد من فترة بعد البلوغ يستأنس فيها الرشد، بعد الاختبار في الصغر، إلا إذا كان الاختبار في الصغر أثبت رشدا، وإذا بلغ غير رشيد ولم يؤنس منه رشد استمر تحت الولاية عند جمهور الفقهاء مهما تبلغ سنه، وذلك لقوله تعالى: (وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا. . .)، وقال أبو حنيفة: لَا يدفع إليه ماله حتى يبلغ الخامسة والعشرين، فإذا بلغها عاقلا، ولو غير رشيد فليس لأحد عليه سبيل، وعلى هذا الرأي إبراهيم النخعي.
وقد نهى الله الأوصياء عن أن يأكلوا مال اليتامى، فقال: (وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا) أي لَا تأكلوا في مدة وصايتكم أموال اليتامى مسرفين في الأكل، أو مبادرين بالأخذ خشية أن يكبروا، فالإسراف والبدار مصدران وقعا في موقع الحال، وهما في معنى الوصف، وليس المراد أن لهم أن يأكلوا غير مسرفين ولا مبادرين، بل إن ذلك بيان لأشنع الأحوال التي يقع فيها الأوصياء، وهي أن يأكلوا أموال اليتامى بإسراف مبادرين إلى الأكل خشية أن يكبروا فتؤخذ منهم تلك الأموال وتئول إلى أصحابها.
وقد بين سبحانه جواز الأكل من مال اليتيم عند الضرورة فقال: (وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ) قسمت الآية الأوصياء إلى قسمين: غني يقوم برعاية اليتيم من غير أجر حسبة لله تعالى، وقال عنه: (فَلْيَسْتَعْفِفتْ) ومعناها ليُعِفَّ نفسه، وقال الزمخشري: إن الاستعفاف أبلغ
стр. 2046
من العفاف؛ لأنه تحري العفاف وبلوغ أقصى غاياته، ومعنى ذلك أنه لَا يأخذ شيئا، لأن طلب أي شيء من غير حاجة طمع في مال اليتيم، يتنافى مع العفاف الذي ينبغي أن يتحلى به الأوصياء.
والقسم الثاني: فقير أذنه الله تعالى بأن يأكل من مال الصغير بالمعروف أي بالقدر الذي لَا يستنكر، فلا يسرف في الأخذ، وقد قال رجل للنبي ﷺ : إني فقير ليس لي شيء ولي يتيم، فقال له: " كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مبذر ولا متأثل " (١) أي جامع مدخر تتجاوز الحاجة، وقد روي أن عمر بن الخطاب شبه الوالي على المسلمين بالوصي على اليتيم، قال: (ألا إني أنزلت نفسي من مال الله منزلة الولي من مال اليتيم إن استغنيت استعففت، وإن افتقرت أكلت بالمعروف، فإذا أيسرت قضيت).
ونرى من هذا أن الآية تشير إلى أنه لَا تفرض أجرة للغني قط، أما الفقير فيأكل بالمعروف، ولا يكون ذلك أجرة لأنه ممنوع من التأثل والادخار " وذلك لأن اليتيم رعايته فرض كفاية على المسلمين ليخرج أليفا مألوفا، ولا يخرج منابذا الجماعة، شرا عليها.
وجمهور الفقهاء قد قرروا جواز فرض أجرة حتى للغني خشية أن يحجم الناس عن ولاية أمر اليتيم، والله سبحانه يتولاه برعايته، ويحفظه بكلاءته.
(فَإِذَا دَفَعْثمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَفمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكفَى بِاللَّهِ حَسِيب) هذا بيان ما يجب القيام به عند انتهاء الوصاية عليه، وهو أن يدفع إليه ماله كاملا، وللاحتياط من الخصومات والمنازعات يُشْهِد على دفعه المال، والشهادة في هذه الحال حجة لازمة ملزمة للمحجور عليه الذي انتهت الوصاية عليه، فهذا إرشاد
стр. 2047
عظيم من الله لمنع المشاحة وَلإِبْرَاءِ الوصيّ، ولكي يكون اليتيم على بينة من أمره، والكلام يتضمن تقديم حساب عن التصرفات التي تصرفها في مال القاصر، وقد كان علي بن أبي طالب ﵁ وصيا على يتامى، فلما أعطى إليهم أموالهم حاسبهم وحاسبوه، وكان في ضمن الحساب زكوات أموالهم؛ إذ كان يدفعها من هذه الأموال.
وإنه في هذا الحساب يكتفي أبو حنيفة بيمينه إذا كان هناك خلاف في شأنها؛ لأنه أمين لم تعرف خيانته، إذ لو عرفت لعزل، والأمين يصدق باليمين إذا خولف، والمالكية والشافعية والحنابلة لَا يُقْبل الحساب عندهم إلا بالإقرار من القاصر، أو البينة الكاملة، وهي رجلان أو رجل وامرأتان، وإن حساب الناس قد يغادر الكثير، والأمر في ذلك إلى الضمير الديني، والقلب المخلص، ولذلك كان وراء حساب الناس حساب الله الذي لَا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، ولذا قال سبحانه: (وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا) والحسيب هو المحاسب المراقب المشاهد الدقيق الحساب الذي لَا يترك شيئا، وكفى أن يكون هذا الحساب، وكأن المعنى: حاسبوا أنفسكم فقدموا الحساب عن مال اليتيم صادقا؛ فإنكم إن أفلتم من حساب الدنيا فلن تفلتوا أبدا من حساب الله المحيط الدقيق، وإن استطعتم الإخفاء والكتمان والتحايل على الناس، فلن تستطيعوا ذلك عند الله تعالى.
* * *
стр. 2048
(لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ ... (٧)
* * *
هذه قاعدة عامة لأصل التوريث في الإسلام، وهي قاعدة أن الرجال لا يختصون بالميراث، بل للنساء معهم حظ مقسوم، ونصيب مفروض، سواء أكان قليلا أم كان كثيرا، وهذا إبطال لما كان يقع في الجاهلية من حرمان النساء من الميراث وقصره على الرجال. وذكر في هذا الموضع عند الكلام في شئون اليتامى؛ لأن الظلم عليهم كما يقع في أموالهم الثابتة، قد يقع في أموالهم التي تئول إليهم من مُوَرثيهم، فهذا النص أفاد دفع الظلم عن ضعيفين هما المرأة واليتيم، أفاد دفع الظلم عن المرأة بالنص، وأفاد دفع الظلم عن اليتيم بالإشارة، وسيصرح القرآن
стр. 2049
الكريم بذلك في قوله سبحانه: (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ. . .). ولقد روى ابن عباس أنه قال: كان أهل الجاهلية لَا يورثون البنات ولا الصغار الذكور حتى يدركوا، فمات رجل من الأنصار يقال له أوس بن ثابت وترك ابنتين وابنا صغيرا، فجاء ابنا عمه - وهما عصبته - فأخذا ميراثه كله، فأتت امرأته رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وذكرت ذلك، فنزل قوله تعالى: (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ ممَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ والأَقْرَبُونَ) (١).
وقد ذكر سبحانه الحق مرتين، فذكره أولا للرجال فقال: (للرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ والأَقْرَبُونَ) ثم ذكره ثانيا للنساء فقال: (وَلِلنِّسَاءِ) وذلك ليؤكد حقهم، وليبين أنه حق مستقل عن حق الرجل، ثبت لها استقلالا بالقرابة، كما ثبت له استقلالا بالقرابة، حتى لَا يتوهم أحد أن حقها تابع لحقه بأي نوع من أنواع التبعية، ثم أكد سبحانه الحق بقوله:
(مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا) هذا تأكيد لحق النساء في التركة، وقد أكده مرتين - أولاهما - أنه يجب في كل تركة قليلة أو كثيرة فليس حقها تسامحا يعطى، ولكنه حق ثابت، لَا يُقَدم حق للرجل، ويؤخر حق المرأة، بل يثبتان معا في القليل والكثير، ولا تسامح في القليل - ثانيهما قوله: (نَصِيبًا مَّفْرُوضًا) وهي منصوبة على الاختصاص، والاختصاص يفيد العناية أي قدرا عناه الله تعالى وقصده (مَّفْروضًا) أي مقطوعا لَا سبيل إلى الهوادة فيه، والاكتفاء ببعضه نزرا يسيرا، أو مقدارا كبيرا، فلا بد من إعطائه كاملا غير منقوص.
* * *
стр. 2050
(وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٨)
* * *
هذا النص الكريم ورد في الأقارب الذين لَا ميراث لهم كما قال أكثر المفسرين، ولكن القارئ للنص يرى أنه أوسع شمولا؛ لأنه يشمل المساكين واليتامى بإطلاق، وإن لم يكونوا أولي قربى، والمساكين هم الفقراء الذين أسكنتهم الحاجة
стр. 2051
وأذلتهم، وليس المراد من حضورهما أن يكونوا مشاهدين للقسمة؛ لأن قسمة الأموال لَا تكون عادة في حضرة هؤلاء الضعفاء، وإنما المراد العلم بهم من مُقَسِّمي التركة علم حضور ومعاينة، ومعنى الرزق إعطاؤهم مالا ينفقون منه، ويسدون منه حاجاتهم بحيث لَا يكونون أثرياء. والأمر في قوله تعالى: (فَارْرقُوهم). قال بعض التابعين: إنه للندب، فعلى الورثة أن يَرْضَخُوا (١) مقدارا من المال ندبا، وحجة هؤلاء في أن الطلب للندب أنه غير مقدر، والفرض الذي يكون لازما من المال لَا بد أن يكون مقدرا، وقد كان الصحابة يفعلون ذلك، حتى إنه يروى أن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر قسم ميراث أبيه، وأم المؤمنين عائشة ﵂ على قيد الحياة، فلم يدع في الدار أحدا إلا أعطاه.
وقال بعض التابعين: إن ذلك واجب، وهو للقرابة الفقيرة واليتامى والمساكين في التركات، فهو ثابت كثبوت حق الورثة، لَا يزيد أحدهما على الآخر، وعدم التقدير فيه ليس إجمالا، بل ترك الأمر فيه إلى الورثة، وإلى القاضي الذي يقوم على تنفيذ التركات، وقد ادعى بعض التابعين نسخ الوجوب في الآية فرد قوله سعيد بن جبير، فقال: " إن ناسا يقولون نسخت، والله ما نسخت، ولكنها مما تهاون به الناس ".
وإن الذين قرروا أن الأمر للوجوب قصروا العطاء على (النقود) وما يشبهها كالقمح ونحوه دون العقار، وقد روي أن الحسن والنخعي قالا: " أدركنا الناس وهم يقسمون على القرابات واليتامى والمساكين من العين (أي الذهب والفضة " فإذا قسم الذهب والفضة وصارت القسمة إلى الأرضين والرقيق - قالوا لهم قولا معروفا.
وقد قرر من الفقهاء وجوب العطاء - الظاهرية، فقالوا يجب إعطاء هؤلاء من التركة مقدارا يتناسب مع حال الورثة وجال هؤلاء ومقدار التركة، ويقدره القضاء.
стр. 2052
والقول المعروف مطلوب: وهو القول الذي لَا يخدش الكرامة، وليس فيه منة العطاء، وقد قال فيه الزمخشري: (وأن يلطفوا لهم القول، ويقولوا خذوا بارك الله عليكم، ويعتذروا إليهم، ويستقلُّوا ما أعطوهم، ولا يستكثروه ولا يمنوا عليهم).
* * *
стр. 2053
(وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٩)
* * *
واضح أن هذا النص وارد في اليتامى، ويحتمل أن يكون المراد الحث على إعطاء اليتامى غير الوارثين مقدارا يعين على إصلاحهم، ويكون تخصيصهم بالذكر للحث على إكرام اليتيم، وذلك سنن القرآن الكريم دائما، ويحتمل وهو الراجح أن يكون الكلام في شأن نصيب اليتامى في التركات، ويكون المخاطبون غير المخاطبين فيما مضى أو هم، ولكن لعمل آخر وهو المحافظة على حق اليتيم في الميراث فلا يضيع، وقد حث سبحانه على المحافظة على حق اليتيم بأبلغ تعبير، فقال ما معناه: على الذين يتحكمون في مال اليتيم فَيُطَفِّفُونَه أو تكون عندهم هذه النية أن يخافوا على أنفسهم، ويخشوا أن يكون لهم من بعدهم ذرية ضعاف أي أولاد لَا حول لهم ولا طول، ويكونوا يتامى كهؤلاء الذين يتحكمون فيهم، وإذا كانوا كذلك، فليتقوا الله في مال اليتيم ولا ينقصوه ولا يضيعوا له حقا؛ فإن القصاص لسيكون في أولادهم، وقد جعل الله تعالى من شعورهم بالحنان على ذرياتهم باعثا لهم على الحنان على أيتامهم، وخير الناس من يجعل من شعوره بالمحافظة على العزيز عنده شعورا مثله لمن يكونون في مثل أمره.
وقد فسر بعضهم القول السديد هنا بما يقارن القول المعروف، ونحن نرى أن القول السديد هو القول المسدد نحو الحق المصيب للهدف، وذلك بأن يقول القول لا تطييبا لليتامى فقط، بل يقوله للمحافظة على حقوقهم، فإن رأى من المقتسمين رغبة في نقصهم سدد القول وقال الحق ومنع الظلم حتى لَا يؤكل نصيب اليتيم في التركة، أو يضيع حقه في أي تصرف من التصرفات.
* * *
стр. 2054
(إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)
* * *
إن اليتامى مظنة أن يبخسوا في الميراث، فأكل مالهم هنا ظلما هو بخسهم حظهم في الميراث، أو أكل الأوصياء أموالهم والأخذ من مال اليتيم سماه الله تعالى أكلا لما فيه من معنى الأخذ وأن يقصد به تنمية ماله كما ينمي جسمه بالأكل، ولكنها تنمية آثمة مالها البوار " ومن نبت لحمه من حرام فالنار أولى به " (١) وقال سبحانه (ظُلْمًا) لكمال التشنيع على الأكل، إذ هم يظلمون ضعيفا لا يقوى على الانتصاف منهم، وقد ذكر سبحانه إثم ذلك الأكل بقوله: (إِنَّمَا يَأْكلُونَ فِى بُطُونِهِمْ) وهذا تصوير لضرر الأكل عليهم؛ لأنه يكون أكلهم كمن يأكل النار ويضعها في بطنه أي يملأ بطنه بها فهو في ألم دائم حتى يهلك، وكذلك دائما من يأكلون أموال اليتامى لَا يأكلون أكلا هنيئا ولا مريئا، بل هم في وسواس دائم حتى يقضى الله عليهم، وقد رأينا بيوتا خربت لأنها أكلت مال اليتيم. وهذا عقابهم في حاضرهم، أما العقاب الذي ينتظرهم في الآخرة فقال: (وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا) أي ستوقد بهم نار شديدة الأوار، يستمرون في بلاء شديد منها. اللهم ارزقنا رزقا حسنا، وجنبنا ما حرمت، وأقنعنا بالحلال الطيب، إنك سميع الدعاء.
* * *
(يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ
قد بين الله الواجب بالنسبة لليتامى ورعاية حقوقهم، في الأموال التي يرثونها، والأموال التي تئول إليهم. كما بين سبحانه حق الفقراء والمساكين وذوي القرابة الذين لَا ميراث لهم عند تقسيم التركات. وفي هذه الآية يبين حقوق أكثر الوارثين، وهي تقسيم الله .
إن الميراث قد تولَّى القرآن بيان أكثر أحكامه، ولم يُفصِّل أحكاما كما فصّل
أحكام الميراث، وقد قال ﷺ : " العلم ثلاثة: آية محكمة، أو سنة قائمة، أو فريضة عادلة " (١) وقد عده نصف العلم، وهذا العدد دليل على مقدار وجوب العناية به، فقد قال ﷺ : " تعلموا الفرائض وعلموها الناس فإنه نصف العلم، وهو أول شيء ينسى، وأول شيء ينتزع من أمتي " (٢).
والميراث هو وصية الله تعالى بتوزيع التركات على مستحقيها، فإنه إذا كان للعبد وصايا في أمواله من بعد وفاته، فالميراث هو وصيته ووصية الله تعالى أولى بالإيجاب وأحق بالتنفيذ. ولكي تكون وصية الله تعالى لها مكانتها فإنه قد جعل لها الثلثين، ولوصية صاحب المال الثلث، ولذلك قال ﷺ : " إن الله تعالى قد تصدق عليكم في آخر أعماركم بثلث أموالكم فضعوه حيث شئتم ". وقد أراد بعض الصحابة أن يوصي بماله كله، فمنعه النبي ﷺ ، ثم أراد أن يوصي بالثلث فأجازه، وقال: " والثلث كثير، إنك إن تذَر ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس "، أو كما قال النبي ﷺ .
وفى هذه الآيات كما قلنا بيان حقوق طائفة من الوارثين، وهم الأولاد والآباء، والأزواج وأولاد الأم، وقد مزج بين الآباء والأولاد في الحقوق؛ لأن الأولاد لَا يحجبون الآباء أي لَا يمنعونهم من الميراث، ولذلك يعدون طبقة واحدة، وقد قال تعالى في ذلك:
стр. 2057
(يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ) هذا النص الكريم يبين ميراث الأولاد، وقد ذكر لهم ثلاث أحوال: الحال الأولى إذا كانوا ذكورا وإناثا فإن الميراث بينهم يكون للذكر مثل حظ الأنثيين، والحظ هنا النصيب، والتعبير بالحظ إشارة إلى أن عطاء الأنثى، ولو كان نصف عطاء الرجل، قدر كبير لها فيه حظ، أي عطاء فيه كرم وسخاء؛ لأن التكليفات المالية عليها دون التكليفات المالية على الرجل بقدر كبير يعدّ أكثر من النصف.
الحال الثانية: أن الأولاد إن كن نساء فقط، يكون نصيبهن الثلثين، والنص الكريم يقول: (فَإِن كنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ) يفيد بيان نصيب الأكثر من اثنتين، ولم يبين الاثنتين، ولكن يفهم من آية أخرى أن نصيب الثنتين هو الثلثان أيضا؛ لأن الله تعالى قال في توريث الإخوة والأخوات:
(يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ. . .).
ففي الأخوات نص على أن نصيب الأختين الثلثان، وبالأولى يكون نصيب البنتين الثلثين؛ لأن البنتين أقوى قرابة وأكثر اتصالا، وأجدر بالرعاية، فماذا كانت الأختان تأخذان الثلثين فأولى أن تأخذ البنتان الثلثين، فما حذف في آية البنات وجد ما يدل عليه في آية الأخوات. وكذلك حذف في آية الأخوات نصيب الأكثر من أختين، وصرح به في آية البنات، ففهم بطريق الأولى أن الأكثر من أختين تأخذان الثلثين؛ لأنه إذا كان أثر من بنتين يأخذ الثلثين فقط، فأولى أن يأخذ الأكثر من أختين الثلثين. والمعنى أنه حذف من آية البنات ما يفهم بالأولى من آية الأخوات، وحذف من آية الأخوات ما يفهم بالأولى من آية البنات، وذلك بلاغة الإيجاز، وهو من سر الإعجاز.
стр. 2058
الحال الثالثة: أن يترك الشخص بنتا واحدة، وهي في هذه الحال تستحق النصف بصريح الآية: (وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْف).
هذا توريث الأولاد، ويلاحظ ما يأتي:
أولا: أن نصب الأولاد إذا كانوا ذكورا وإناثا يكون بعد أن يأخذ الأبوان والأجداد والجدات وأحد الزوجين أنصبتهم. فإذا كان للمتوفى أب وزوجة وأبناء وبنات، فإن القسمة للذكر مثل حظ الأنثيين تكون بعد أخذ الأب والزوجة نصيبهما.
ثانيا: أن الأولاد يطلقون على كل فروع الشخص من صلبه، أي أبناؤه وأبناء أبنائه، وبنات أبنائه. أما بنات بناته، فإنهن لَا يكن من أولاده. وقد خالف في ذلك الشيعة فلم يفرقوا في نسبة الأولاد بين من يكون من أولاد الظهور ومن يكون من أولاد البطون، أي لَا يفرقون بين من تتوسط بينه وبين المتوفى أنثى ومن لا تتوسط.
ثالثا: أن أبناء الشخص وبناته يقدمن على أبناء أبنائه وبنات ابنه، أي أن الطبقة الأولى تمنع من يليها.
رابعا: إن بنات الابن يأخذن حكم البنات تماما إذا لم يكن للشخص أولاد قط، لَا ذكور ولا إناث، بل إن جمهور الفقهاء يجعل لبنات الابن السدس، وإذا كان للمتوفى بنت واحدة تأخذ النصف، وذلك لحديث ابن مسعود الذي سئل فيه عن رجل توفى عن بنته وبنت ابن ابنه وأخته. . . فأعطى البنت النصف، وبنت الابن السدس، والأخت الباقي، وقال: ذلك قضاء رسول الله ﷺ (١).
стр. 2059
(وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ) هذا ميراث الأبوين، وقد ذكر القرآن الكريم حالا يشترك فيها الأب والأم، وهي أن يأخذ كل واحد منهما السدس إذا كان للمتوفى ولد. والمراد من الولد الفرع الذي لَا يتوسط بينه وبين المتوفى أنثى، وذلك عند الجمهور، وعند الشيعة الإمامية: كل من يتصل إلى الميت من الفروع بطريق الإناث أو الذكور فهو ولد.
والأب قد يأخذ مع السدس باقي التركة إذا كان للمتوفى فروع من الإناث فقط، فإنه عند الجمهور يأخذ السدس مع الباقي، والباقي ثبت بقول النبي ﷺ : " ما بقي بعد أصحاب الفروض فلأقرب رجل ذكر " (١) فبهذا الحديث يأخذ الباقي، وبنص الآية يأخذ السدس.
وحالا ثانية ذكرها للأم صراحة، وللأب ضمنا، فقال سبحانه: (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ) فإن هذا النص يفيد أمرين: أحدهما - أن
الميراث للأبوين إن لم يكن أولاد، وثانيهما - أنه يكون للأم الثلث، وما دام الميراث منحصرا في الأبوين؛ فإنه يكون للمم الثلث والباقي للأب.
وإذا كان معهما زوج أو زوجة، فهل الآية تفيد الحكم؛ ونقول إنها لَا تفيده صراحة، بل تفيده ضمنا، وذلك أنها قررت أنه في حال انحصار الإرث في الأبوين يكون نصيب الأم الثلث، ونصيب الأب الثلثين فهذه الآية قد حددت النسبة، أي أن نصيب الام يكون على النصف من نصيب الأب، وبتطبيق ذلك على حال وجود أحد الزوجين، فإن أحدهما يأخذ فرضه وتأخذ الأم ثلث الباقي، ويأخذ الأب ثلثيه، وهذا رأى ابن مسعود وزيد، وعلي، على أرجح الروايتين عنه، وعمر وعثمان، وهو الذي اختاره الأئمة الأربعة وأكثر فقهاء الأمصار.
стр. 2060
وهناك رأيان آخران أحدهما - أنها تأخذ ثلث التركة كلها، وقد أخذ هذا القول من صريح الآية، وهو يؤدي إلى ألا يكون نصيب الأم على النصف من نصيب الأب، بل يؤدي إلى أن الأب يأخذ أقل من الأم، كأن يكون زوج وأم وأب، فإن الزوج يأخذ النصف والأم تأخذ الثلث، والأب يأخذ الباقي وهو السدس، أي أن الأب يأخذ نصف نصيب الأم، وهذا الرأي رأى الإمامية، وفيه شذوذ كما ترى، وقد نسب إلى ابن عباس، وقيل إنه روي عن علي ومعاذ بن جبل. والثاني - أنها تأخذ ثلث الكل في حال ما إذا كانت زوجة وأب وأم، وتأخذ ثلث الباقي إذا كانت المسألة فيها زوج بدل الزوجة، وذلك لكي لَا يأخذ الأب أقل من الأم. وأسلم الآراء أولها، وهو أوضحها وأعدلها.
وحالا ثالثة بالنسبة للأم أنها تأخذ السدس إذا كان هناك إخوة أو أخوات زادوا على واحد، فإنها تأخذ السدس، وهذه الحال خاصة بالأم، لأن الأب لا يؤثر في نصيبه على الإخوة والأخوات، بل إنهم لَا يرثون معه.
هذا ميراث الأولاد والأبوين، وقد بين حكمة ذلك وأكد تقسيمه بقوله سبحانه:
(آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا) يبين الله أن هذه قسمته، ولا يصح أن تحكِّموا أهواءكم في أموالكم بعد وفاتكم، فإنكم لَا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا، آباؤكم أو أبناؤكم، لأنه عند حكم الهوى يففد العقل تقديره وميزانه فلا يدري أين يكون النفع، وقد صدر الآية بذكر الآباء والأبناء لقوة قرابتهم واتحاد اتصالهم، ومع ذلك لَا يعلمون النافع منهم. وقد أكد الله معنى هذا التقسيم بتأكيدين: أحدهما - قوله سبحانه (فَرِيضَةَ مِّنَ اللَّهِ) أي فرض الله ذلك فريضة وقدره تقديرا فلا يجوز خلافه، لأنه تقدير الله وقسمته، وليس لأحد أن يخالف قسمة الله جلت قدرته - التأكيد الثاني: قوله سبحانه: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا). فإن الله تعالى ذيل النص الكريم بهذه الآية تأكيدا للنفع في هذا التقسيم؛ لأن الله هو الذي قسَّم تلك القسمة العادلة، وهو
стр. 2061
كان دائما عليما حكيما، يعلم كل شيء ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في السماء ولا في الأرض، وهو يدبر الأمر على مقتضى هذا العلم، وبحكمته سبحانه، وهو العزيز الحكيم.
* * *
стр. 2062
(وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ ... (١٢)
* * *
هذا بيان أحوال ميراث الزوج، فإنه يكون له النصف إن لم يكن للمتوفاة ولد، والمراد من الولد أولاد الظهور أي الفروع الذين لَا يتوسط بينهم وبين المتوفاة أنثى، خلافا للشيعة، وإن كان للمتوفاة ولد فإن الزوج يكون له الربع.
(وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَد فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم) وهذا بيان ميراث الزوجة تأخذ الربع إذا لم يكن للمتوفى ولد، وقد بيَّنا معنى الولد، وتأخذ الثمن إن كان للمتوفى ولد. ونرى من هذا أن الزوجة على النصف في التقدير من الزوج، وهو قاعدة عامة في قسمة الميراث بالنسبة للرجل والمرأة، ولم يستثن إلا الإخوة لأم. (وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ) هذا النص في ميراث الإخوة والأخوات لأم، وقد عبر عنهم بالكلالة، والكلالة هم القرابة من غير الأصول والفروع، وقد قيل إن الكلالة مشتقة من الإكليل، وهو الذي يحيط بالرأس من جوانبه، وقرابة الكلالة وهي غير الأصول والفروع تحيط بالشخص من جوانبه، وليست في أصله ولا فرعه، ومعنى (يُورَثُ كَلالَةَ) أي يورث من غير أصوله أو فروعه، وعلى ذلك يكون ميراث المذكورين في الآية شرطه ألا يكون أصول ولا فروع. والميراث بالكلالة ذكر في موضعين: أحدهما هذا الموضع، والثاني قوله تعالى في آخر هذه السورة: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ. . .).
стр. 2063
وقد أجمع الصحابة على أن المراد من الإخوة والأخوات هنا الإخوة لأم والأخوات لأم، كما أجمعوا على أن المراد بالإخوة في آخر السورة الأشقاء ثم لأب. وقد سئل النبي ﷺ عن الكلالة في هذه الآية فذكر أنها أولاد الأم، وبهذا يتبين أن هذا النص الكريم فيه أحوال ميراث الإخوة والأخوات لأم، وقد ذكر لهم حالين: إحداهما - أن يأخذ الواحد أو الواحدة السدس، والثانية أن يأخذ الأكثر من واحدة أو واحد الثلث يشتركون فيه بالسوية بلا فرق بين الذكر والأنثى، لأن الله تعالى يقول: (فَهُمْ شرَكَاء فِى الثّلُثِ) والشركة الأصل فيها التسوية حتى يذكر النص الدال على التفاوت، ولم يوجد في النص ما يدل على التفاوت. وهناك حال فهمت من التعبير بالكلالة، وهي أن هؤلاء لَا يرثون إلا إذا لم يكن فروع ولا أصول.
هذا، ومرتبة الورثة في التقسيم بعد سداد الديون، وبعد تنفيذ الوصايا، فالتركة لَا تقسم إلا بعد سداد الديون، ولا تميز أنصبة كل وارث إلا بعد تنفيذ الوصايا التي لَا تتجاوز الثلث. فنصيب الورثة دائما لَا يكون إلا في الباقي بعد الوصايا، ولذا قال سبحانه في كل قسمة إنها بعد تنفيذ الوصية والدين، فقال بعد ميراث الأبوين والأولاد: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا)، وقال بعد ميراث الزوج: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا) وقال بعد ميراث الزوجة: (مِّنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ توصونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ).
وهنا أمران تجب الإشارة إليهما:
أولهما: أنه كرر في كل حال حق الدائنين والموصى لهم، تبرئة لذمة المتوفى وتأكيدا لحقهم. وهو دليل على أن حق الدائنين والوصايا هو حق للميت نفسه، فهو أولى من غيره. وقدم الوصايا في الذكر، مع أنها مؤخرة عن الدين في السداد، وذلك للتشديد في تنفيذها؛ لأنها مظنة الإهمال أو مظنة الإخفاء، فكان من الأسلوب الحكيم العناية بتنفيذها، وكان من العناية تقديمها في الذكر.
стр. 2064
الأمر الثاني: أنه ذكر عند ميراث أولاد الأم التحريض على الأداء، فقال تعالى: (غَيْرَ مُضارٍّ وَصِيَّةً مِّنَ اللَّهِ) فكان التحريض مرتين، مرة بمنع المضارة، ومرة أخرى بتأكيد أن هذه وصية الله، فمن خالفها فقد تمرد على وصية الله العليم الحليم الذي يعلم كل شيء وإن لم ينزل العقاب فور الجريمة. وكان ذلك في أولاد الأم؛ لأن حقوقهم مظنة الضياع والإهمال، ولا يزال الناس إلى الان يكادون يهملون نصيب أولاد الأم، وإذا ذكروا به، كان ذلك بمنزلة التذكير بأمر غريب، فكان التأكيد لهذا.
وقد كانت أحكام المواريث مظنة التلاعب في الماضي، ولا تزال حقوق النساء فيها موضع التلاعب إلى اليوم، ولذلك أكد الله سبحانه حق الميراث بقوله:
* * *
стр. 2065
(تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣)
* * *
أي أن الميراث حدّ رسمه الله تعالى، فمن أطاع الله تعالى فقد فاز فوزا عظيما. وإن ذكر الجنات في هذا المقام له موضعه؛ لأن هذا الذي يترك التوزيع لله تعالى، ويتغلب على هوى نفسه فيمن يحب أو يكره يجزيه الله تعالى جنات تجري من تحتها الأنهار، وهذا الجزاء هو الفوز العظيم؛ لأن فيه النجاة وفيه النعيم، فمن فعله فقد نال الحسنيين، فإذا كان قد تغلب على منازع الدنيا، فقد نال نعيم الآخرة، ومن ينظر إلى مآل ماله عليه أن ينظر قبل كل شيء إلى مآل شخصه.
* * *
стр. 2066
(وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)
* * *
هذا جزاء من يخالف حكم الله وخصوصا في الميراث، فهو عاص لله سبحانه، وقد تعدى ما رسمه الله من حدود في ماله. وإن جزاءه أن يدخل النار ويخلد فيها، وله عذاب مهين أبلغ إهانة في الآخرة، فهو قد باع آخرته بدنيا غيره، وإذا كان أراد السعادة الدنيوية لغيره بهذا المال فقد نال الشقاء الأخروي بعمله، وإذا كان قد أراد إعزاز بعض من يحب فقد أهان نفسه، والله هو الذي يبين الحق، ويهدي إلى الرشد، كما قال تعالى: (يبين الله لكم أن تضلوا والله بكل شيء عليم).
* * *
стр. 2067
(وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥) وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (١٦) إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨)
* * *
ابتدئت سورة النساء ببيان العلاقة الإنسانية التي تربط الناس بعضهم ببعض، وتثبت أن الناس جميعا أمة واحدة بحكم الخلق والتكوين، وكان ذلك هو الذي ينبغي، ولكنهم اختلفوا من بعد. وبعد الإشارة إلى هذا المعنى الإنساني الجامع، بين - سبحانه - حق الضعفاء على المجموع، ثم أخذ يبين سبحانه حقهمْ في الأسرة، ووجوب رعايتهم.
وفى هذه - الآيات التي نتلوها، يتجه النص الكريم إلى إقامة دعائم الأسرة، التي هي خلية التكوين الإنساني، وخلية البناء الاجتماعي، والمهد الذي يتربى فيه.
стр. 2068
النوع تربية يكون بها الإلف والائتلاف مع المجتمع الذي ينشأ فيه. وقد ابتدأ بإبعاد ما من شأنه إفساد بناء الأسرة، وهو الفاحشة، فإن مثل من يبني الأسرة كمثل من يبني قصرا مشيدا، ينَقى أولا مواد البناء من العناصر التي لَا تجعله قويا متماسكا، أو تكون مواد تنقض بناءه، ولذا قال :
стр. 2069
(وَاللَّاتِى يَأتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ) فحش معناها زاد، وأطلق على الزيادة التي لَا تسر، وأطلق على القبيح من الأفعال، لأنه انحراف عن الفطرة. وقد جاء في مفردات الراغب: " الفُحش والفحشاء والفاحشة ما عظم قبحه من الأفعال والأقوال "، وقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُر بِالْفَحْشَاءِ). (وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْى).
(مَن يَأتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مبَيّنَةٍ)، (إِنَّ الَّذِين يُحِبُّونَ أَنِ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا)، (إِنَّمَا حَرَّم رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ)، (إِلَّا أَن يَأْتينَ بِفَاحِشَةٍ مبَيِّنَةٍ)، كناية عن الزنا، وكذلك قوله تعالى: (وَاللَّاتِي يًأتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَائِكُمْ).
فالفاحشة هنا هي الزنا، والله يعبر عن هذه المعاني التي لا تألفها النفس الكريمة بعبارات تسترها، فتكون الكناية بدل التصريح، وذلك من تأديب الله لنا في التعبير.
وقد ذكر علاج النساء اللائي وقعن في ذلك الأمر المنكر، وقد سماه بهذا الاسم كما سماه بأنه " إدّ " (١)، فكان علاجهن بأمرين أحدهما - يختص بهن، والثاني - يشتركن مع الرجال فيه، فأما الذي يختص بهن فهو إمساكهن في البيوت، وليس الإمساك معناه الحبس والتضييق المجرد، بل الإمساك
стр. 2070
معناه الحفظ والصيانة والرعاية، ويتضمن ذلك معنى الإرشاد والتوجيه والوعظ، ولذا قال الراغب: إمساك الشيء التعلق به وحفظه، قال تعالى: (فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ. . .)، وقال: (وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَن تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ. . .)، أي يحفظها. فمعنى الإمساك في البيوت الحفظ فيها والرعاية والتهذيب بعطف؛ وذلك لأن المرأة تزل إذا فقدت التهذيب، وحرمت من الصيانة فتنطلق غير مقيدة، إذا لم يكن لها هاد مرشد وإذا كان ذلك سبب الزلل، فعلاج الانحراف بالإمساك في البيوت مع الحفظ والرعاية. ويستمر الإمساك حتى الوفاة، أو حتى الزواج، كما قال: (فَأمْسِكُوهُنَّ فِى الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَاهنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا)، أي طريقا واضحا لمنع الزَّلل والابتعاد عنه، وذلك بتحصين نفسها بالزواج.
والرمي بالزنا أفحش ما ترمى به المرأة والرجل، وكثيرات من النساء يمُنَّ فريسة لشائعات كاذبة، ولذلك شدد الله تعالى في إثبات الزنا أبلغ ما يكون التشديد، فقرر أن يكون بشهادة أربعة من الرجال بحيث لَا تقبل في ذلك شهادة النساء، وقرر أن تكون الشهادة بالمعاينة لَا بالسماع، ولذا قال: (فَإِن شَهِدُوا) أي إن ذكروا أنهم عاينوا وشهدوا (فَأَمْسِكُوهُنَّ فِى الْبُيُوتِ)، ولحماية الشارع لعرض المرأة من أن يكون مضغة في الأفواه - قرر عقوبة شديدة لمن يرمي النساء والرجال من غير أن يكون أربعة يشهدون، فقال تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤).
هذا هو العلاج الوقائي الذي خص القرآن به المرأة، حتى لَا تستمر في غيها، وذلك هو طريق الإثبات، أما العلاج الذي يشمل الرجل والمرأة، فهو ما جاء في قوله تعالى:
* * *