(وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)
* * *
هذا جزاء من يخالف حكم الله وخصوصا في الميراث، فهو عاص لله سبحانه، وقد تعدى ما رسمه الله من حدود في ماله. وإن جزاءه أن يدخل النار ويخلد فيها، وله عذاب مهين أبلغ إهانة في الآخرة، فهو قد باع آخرته بدنيا غيره، وإذا كان أراد السعادة الدنيوية لغيره بهذا المال فقد نال الشقاء الأخروي بعمله، وإذا كان قد أراد إعزاز بعض من يحب فقد أهان نفسه، والله هو الذي يبين الحق، ويهدي إلى الرشد، كما قال تعالى: (يبين الله لكم أن تضلوا والله بكل شيء عليم).
* * *
стр. 2067
(وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥) وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (١٦) إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨)
* * *
ابتدئت سورة النساء ببيان العلاقة الإنسانية التي تربط الناس بعضهم ببعض، وتثبت أن الناس جميعا أمة واحدة بحكم الخلق والتكوين، وكان ذلك هو الذي ينبغي، ولكنهم اختلفوا من بعد. وبعد الإشارة إلى هذا المعنى الإنساني الجامع، بين - سبحانه - حق الضعفاء على المجموع، ثم أخذ يبين سبحانه حقهمْ في الأسرة، ووجوب رعايتهم.
وفى هذه - الآيات التي نتلوها، يتجه النص الكريم إلى إقامة دعائم الأسرة، التي هي خلية التكوين الإنساني، وخلية البناء الاجتماعي، والمهد الذي يتربى فيه.
стр. 2068
النوع تربية يكون بها الإلف والائتلاف مع المجتمع الذي ينشأ فيه. وقد ابتدأ بإبعاد ما من شأنه إفساد بناء الأسرة، وهو الفاحشة، فإن مثل من يبني الأسرة كمثل من يبني قصرا مشيدا، ينَقى أولا مواد البناء من العناصر التي لَا تجعله قويا متماسكا، أو تكون مواد تنقض بناءه، ولذا قال :
стр. 2069
(وَاللَّاتِى يَأتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ) فحش معناها زاد، وأطلق على الزيادة التي لَا تسر، وأطلق على القبيح من الأفعال، لأنه انحراف عن الفطرة. وقد جاء في مفردات الراغب: " الفُحش والفحشاء والفاحشة ما عظم قبحه من الأفعال والأقوال "، وقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُر بِالْفَحْشَاءِ). (وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْى).
(مَن يَأتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مبَيّنَةٍ)، (إِنَّ الَّذِين يُحِبُّونَ أَنِ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا)، (إِنَّمَا حَرَّم رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ)، (إِلَّا أَن يَأْتينَ بِفَاحِشَةٍ مبَيِّنَةٍ)، كناية عن الزنا، وكذلك قوله تعالى: (وَاللَّاتِي يًأتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَائِكُمْ).
فالفاحشة هنا هي الزنا، والله يعبر عن هذه المعاني التي لا تألفها النفس الكريمة بعبارات تسترها، فتكون الكناية بدل التصريح، وذلك من تأديب الله لنا في التعبير.
وقد ذكر علاج النساء اللائي وقعن في ذلك الأمر المنكر، وقد سماه بهذا الاسم كما سماه بأنه " إدّ " (١)، فكان علاجهن بأمرين أحدهما - يختص بهن، والثاني - يشتركن مع الرجال فيه، فأما الذي يختص بهن فهو إمساكهن في البيوت، وليس الإمساك معناه الحبس والتضييق المجرد، بل الإمساك
стр. 2070
معناه الحفظ والصيانة والرعاية، ويتضمن ذلك معنى الإرشاد والتوجيه والوعظ، ولذا قال الراغب: إمساك الشيء التعلق به وحفظه، قال تعالى: (فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ. . .)، وقال: (وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَن تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ. . .)، أي يحفظها. فمعنى الإمساك في البيوت الحفظ فيها والرعاية والتهذيب بعطف؛ وذلك لأن المرأة تزل إذا فقدت التهذيب، وحرمت من الصيانة فتنطلق غير مقيدة، إذا لم يكن لها هاد مرشد وإذا كان ذلك سبب الزلل، فعلاج الانحراف بالإمساك في البيوت مع الحفظ والرعاية. ويستمر الإمساك حتى الوفاة، أو حتى الزواج، كما قال: (فَأمْسِكُوهُنَّ فِى الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَاهنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا)، أي طريقا واضحا لمنع الزَّلل والابتعاد عنه، وذلك بتحصين نفسها بالزواج.
والرمي بالزنا أفحش ما ترمى به المرأة والرجل، وكثيرات من النساء يمُنَّ فريسة لشائعات كاذبة، ولذلك شدد الله تعالى في إثبات الزنا أبلغ ما يكون التشديد، فقرر أن يكون بشهادة أربعة من الرجال بحيث لَا تقبل في ذلك شهادة النساء، وقرر أن تكون الشهادة بالمعاينة لَا بالسماع، ولذا قال: (فَإِن شَهِدُوا) أي إن ذكروا أنهم عاينوا وشهدوا (فَأَمْسِكُوهُنَّ فِى الْبُيُوتِ)، ولحماية الشارع لعرض المرأة من أن يكون مضغة في الأفواه - قرر عقوبة شديدة لمن يرمي النساء والرجال من غير أن يكون أربعة يشهدون، فقال تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤).
هذا هو العلاج الوقائي الذي خص القرآن به المرأة، حتى لَا تستمر في غيها، وذلك هو طريق الإثبات، أما العلاج الذي يشمل الرجل والمرأة، فهو ما جاء في قوله تعالى:
* * *
стр. 2071
(وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا ... (١٦)
* * *
هذا حكم الذكر والأنثى إذا أتيا تلك الفاحشة، وهي الأمر الإدُّ، وهي المنكر الذي تنكره العقول. والعلاج في هذه الحال ليس علاجا نفسيا لهما فقط، بل هو
стр. 2072
زجر اجتماعي ليرتدع غيرهما، وهذا العلاج هو العقوبة الشديدة المؤذية في البدن وفي النفس، وكانت هذه علاجا نفسيا؛ لأن النفس المنحرفة لَا تقوَّم إلا بشدة كالعود المعوج لَا يقوَّم إلا بعمل شديد ليس بسهل، ولكن يلاحظ ألا ينكسر العود، وألا تنكسر النفس وتهون، ولذا كان العلاج بالإمساك والحفظ والرعاية.
ولقد ذكرت العقوبة هنا مجملة غير واضحة المقدار، بل كانت مجرد الإيذاء، وذكرت بعد ذلك مفصلة بينة المقدار في قوله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢) الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣).
ففي هذا النص عقوبتان مؤدبتان: إحداهما الجلد، والثانية منع الزواج من الزاني والزانية، وذلك ليحملهما على التوبة. وقد يقول قائل: إن الله تعالى ذكر علاجا تهذيبيا للمرأة، وهو الإمساك والرعاية في البيت، ولم يذكر علاجا تهذيبيا للرجل. نقول إنه ذُكر له علاج تهذيبي، وهو منع الزواج منه كالمرأة، وذكر علاج له في السنة وهو التغريب سنة (١)، لأن التغريب سنة يبعده عن الجو الذي عاش فيه آثما وأعلن فيه إثمه، وإنه في ذلك سيكون تحت رقابة الحاكم ورعايته، فهذا التغريب يقابل الإمساك في البيوت. ولم يعاقب الرجل بالحبس؛ لأن الرجل مطلوب منه الكدح والعمل لنفقته ونفقة من يعوله، فكان التهذيب مدة معلومة أنسب له، والإمساك في البيوت أليق بالمرأة.
وإذا تكررت الجريمة تكرر العقاب، إلى أن تكون التوبة والإقلاع عن ذلك المنكر، ولذا قال تعالى:
стр. 2073
(فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا) عالج الإسلام نفس المذنب ليتوب، ودعا إلى التوبة دعوة صريحة بفتح باب المغفرة. وفي هذه الجريمة التي تعد من أكبر الكبائر، كما أنه قد عالج نفس المذنب، بالإمساك في البيوت للحفظ والرعاية والصيانة، وبالتغريب بالنسبة للرجل ليسترد كرامته التي هانت بالجريمة والعقوبة المعلنة، وبمنع الزواج من الزاني والزانية حتى تكون التوبة. فإذا تم العلاج، وشفي المذنب من الداء، وكانت التوبة الصحيحة، وكان من الواجب الإعراض عنهما وعدم تذكيرهما بالجريمة، فالإعراض هنا ليس معناه الصُّدُودَ والاستنكار بل معناه ألا يذكَّرا بجريمتهما، وأن يعاملا معاملة الأطهار الأبرار، وأن يكون لهما كل تقدير واعتبار، فإن الإصرار على وصف الجريمة يجعل النفس تهون، وإذا هانت سهل عليها الهوان، وأغراها الشيطان بالمعاودة. ويروى أن النبي ﷺ عاقب شاربا للخمر بعقوبة الشرب، وبعد تمامها قال له بعض الحاضرين: " أخزاك الله "، فقال النبي ﷺ : " لا تعينوا عليه الشيطان " (١)؛ لأن الخزي يشعر النفس بالصغار، ومع الصغار يسهل الإجرام. وقد ذكر مع التوبة الإصلاح، فقال: (فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا)، والإصلاح هو إصلاح النفس، وصلاح العمل، وذلك دليل التوبة الصادقة، وقد قرن الله تعالى التوبة دائما بالعمل الصالح، مما يدل على أن العمل دليل الإقلاع؛ لأن النفس إذا انحرفت، وأحاطت بها الخطيئة، لَا يكون الخروج من دائرتها بالقول فقط، بل بالقول والنية والعمل وإن الله تعالى حينئذ يقبل التوبة، ولذا ذيل الله تعالى الآية بقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَّحِيمًا) أي أن الله تعالى يقبل التوبة عن عباده دائما. وقد أكد ذلك بـ " إن "، وبـ " كان " التي تدل على الدوام، وبصيغة المبالغة " توابا "، وأشار سبحانه
стр. 2074
إلى أن ذلك من رحمته التي وسعت كل شيء، ولقد سبقت رحمته عذابه، وإن الله تعالى ليفرح بتوبة العبد أكثر من فرح العبد بإقلاعه عن ذنبه.
* * *
стр. 2075
(إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ ... (١٧)
* * *
التوبة هي الرجوع إلى الله تعالى وإلى أوامر دينه بعد الانحراف عنها، ويعرف الأصفهاني التوبة في الشرع بأنها ترك الذنب لقبحه والندم على ما فرط منه، والعزيمة على ترك المعاودة، وتدارك ما يمكنه تداركه من الأعمال بالإعادة، والتوبة على هذا النحو أعلى درجات الاعتذار، وذلك أن الاعتذار على أنواع ثلاثة، أحدها: وهو أدناها إنكار الوقوع، وهذا لَا يتأتي بالنسبة للعلام الخبير الذي لا تخفى عليه خافية في السماء ولا في الأرض، وثانيها: تبرير الفعل، وذلك أيضا لَا يمكن أن يكون أمام الله تعالى، وثالثها: وهو أعلاها الاعتراف بالوقوع وبأنه لَا مبرر له، وأنه يرجو الصفح والغفران، وأنه مقلع عما ارتكب، وذلك هو التوبة.
والتوبة إذا كانت قريبة من وقوع الذنب فقد وعدنا الله تعالى، ووعده الصدق الحق، بأن الله تعالى يقبلها. وتفضل الله تأكيدا للوعد، وحثا على التوبة، فعبر سبحانه بأن الغفران حق عليه، ولذا عبر سبحانه بلفظ " على " فقال: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ) أي أن قبول التوبة حق على الله تعالى، وذلك أبلغ درجات الصفح والغفران، سبحانك إنك التواب الرحيم، غفار للذنوب.
وعبر بـ " إنما " الدالة على الحصر، أي لَا يكون قبول التوبة حقا على الله تعالى إلا بتحقق شروط ثلاثة: أولها: أن يكون ذنبه ليس كثيرا ولم يُحِط بنفسه وقلبه، ولذلك قال تعالى: (يَعْمَلُونَ السُّوءَ) أي يقع منهم ما يسيء من غير أن تُرْكَس نفسه في السيئات وتحيط بها. وثانيها: أن يكون الفعل (بِجَهَالَة) أي أنه وقع في حال غَفْوَةِ الضمير والضعف النفسي، ومن غير إدراك للعواقب، ولا قصد للنتائج، وقد قال السلف: إن كل ذنب على هذا النحو يكون
стр. 2076
بجهالة. وثالثها: أنهم (يَتُوبُونَ مِن قَرِيب)، بحيث لَا يسترسل في الشر استرسالا، ويستمرئه ويكرره ويستمر عليه، وهؤلاء ممن قال الله تعالى فيهم: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ).
وذلك لأن من يفعل الذنب على ذلك النحو لَا يستغرق قلبه، وقد ورد في الأثر " إن المذنب إذا أذنب نُكِتَتْ نُكْتَةٌ سوداء في قلبه، ثم تتوالى النكَت السوداء حتى يَرْبَدَّ قلبه "، ومن يعمل السوء بجهالة ثم يتوب من قريب ليس كذلك، وقد أكد الله قبول التوبة فقال: (فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا).
أي هؤلاء الذين أرتكبوا عن جهالة بعض الذنوب، ولم تَرْبَدَّ قلوبهم بتكرار الذنوب وتعددها واستمرائها والاستمرار عليها، يتوب الله عليهم أي يقبل توبتهم، ويأخذ بأيديهم إلى الهداية ويطهر نفوسهم من أرْجاس الذنوب، وهذا ما تضمنه النص السامي (يتُوبُ اللَّهُ) أي يسبغ التوبة عليهم، وهي تتضمن معنى الاهتداء والاتجاه إليه سبحانه، وإسباغ التوبة عليهم هو إلقاء الطهر عليهم فتتطهر نفوسهم، وقد بين سبحانه أن ذلك مقتضى علمه وحكمته، فقال: (وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) أي أن الله تعالى يعلم النفوس وحركاتها وخلجاتها وسكناتها وميولها وانحرافاتها، ويعلم ما يطهرها، وما يركسها، وما يهديها وما يغويها، وهو بحكمته يعالج أدواءها. وقبول التوبة أبلغ علاج، والصفح في أكثر أحواله دواء للأسقام التي تعرض للنفوس، ولم تستقر فيها استقرارا.
* * *
стр. 2077
(وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ ... (١٨)
* * *
بعد أن بين سبحانه الذين أخذ العهد أن يقبل توبتهم، وهم الذين قد كانت حالهم ما ذكره سبحانه، بين حال الذين لَا تقبل توبتهم، فقال تعالت كلماته: (وَلَيْسَتِ التَوْبَةُ) هنا نفي لوقوع التوبة؛ لأن حقيقة التوبة كما بينا تقتضي أن يكون العبد في فسحة من الوقت تمكنه من معاودة الخير، فمن يقول عند حضور الموت: (إِنِّي تُبْت الآنَ) ليس بتائب.
وإذا لم تتحقق منه التوبة فإنه لَا يستحق من الله تعالى القبول؛ إذ لَا موضوع له.
стр. 2078
ومن هم أولئك الذين لَا توجد منهم التوبة، حتى لَا يتصور قبولها؛ ذكر الله فريقين: فريق العصاة من المسلمين، وفريق الذين يموتون وهم كفار، أما فريق العصاة من المسلمين فقد ذكر لهم وصفين أو أمرين: أحدهما - أنهم يعملون السيئات، أي تتعدد أنواع السوء، وتكثر وتشيع في النفوس، حتى يَرْبَدَّ القلب بها وَيَسْوَدَّ، وهم الذين قال الله تعالى في أمثالهم: (بَلَى مَن كَسَبَ سيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)، فالفرق بين هؤلاء ومن سبقوا أن الأولين ارتكبوا في غفوة من الضمير، ولم يمت. وأما هؤلاء فقد مات وجدانهم الديني، كأولئك الذين نراهم سادرين في الفساد وقد استهانوا بكل المحرمات الدينية والتكليفات الربانية. والوصف الثاني أنهم لَا ينطقون بالتوبة في وقت الاختيار، بل ينطقون بها في وقت الاضطرار؛ ولذا قال سبحانه: (حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ).
أي أنهم يستمرون في غيهم يعمهون، لَا يستيقظ لهم ضمير، ولا يقلعون عن معصية، حتى إذا أزفت الآزفة، وحضر الموت، ولم يكن مناص من أخذهم، قال قائلهم: إني تبت الآن، ولم يقل سبحانه عن حالهم إنهم تابوا، بل حكى قول أحد: (إِنِّي تُبْتُ الآنَ) مما يدل على أنهم لم تقع منه توبة قط، وقوله لا يعد توبة في حقيقته، وإن سماه هو توبة.
وقد ذكر سبحانه من عصاة المسلمين فريقين:
أحدهما: الفريق الذي يتوب من قريب وقد ارتكب السوء بجهالة، وقد وعد سبحانه بأنه يقبل التوبة منه، وتفضل سبحانه فجعل القبول حقا عليه، وهو فوق عباده.
والفريق الثاني: أولئك الذين استمروا في غيهم حتى أدركهم الموت. وبقي ثالث لم يذكره سبحانه، وهو الذي لم يتب من قريب، ولكنه تاب قبل أن يحضره الموت، فما شأن هذا الفريق الثاك؛ قال مفسرو السلف إنه يعدُّ قد تاب من قريب، وإن تأخر في الزمان بالنسبة لأجله، ما دام قد تاب قبل أن يحضره
стр. 2079
الموت، وكان في فسحة من الوقت، وقد رووا في ذلك آثارا عن النبي ﷺ ، منها ما روي عن عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ قال: " ما من عبد يتوب قبل الموت بشهر إلا قبل الله منه " (١). فمقياس القرب هو ألا تكون التوبة وقت حضور الموت، ووقته علمه بأنها دنت، أما إذا كانت التوبة وهو صحيح يرجو الحياة، فإنها مقبولة، وأجل الإنسان كله قرِيب. وقد بين سبحانه بعد ذلك الذين لَا تقبل توبتهم من غير المسلمين فقال: (ولا الَّذِينَ يَمُوتونَ وَهُمْ كُفَّارٌ).
أي أن الله تعالى لَا يعتبر توبة الكفار عن ذنوبهم توبة لأنهم لم يؤمنوا، فأساس الطاعات الإيمان. وإن تابوا قبل أن يموتوا وهم في فسحة من الوقت، فإن توبتهم غير مقبولة، وإنما تكون مقبولة إذا آمنوا ولم تكن من قبيل قول فرعون عند الغرق: (. . . آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ).
(أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) أي أولئك الذين لم يتوبوا، هيأنا لهم عذابا مؤلما وجيعا، وهذا يشمل عصاة المؤمنين، والذين ماتوا وهم كفار، غير أن الكفار خالدون في النار، وأما عصاة المؤمنين فبمقدار ذنوبهم. . اللهم نجنا من عذاب النار واقبل توبتنا، (رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ. . .).
* * *
стр. 2080
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (١٩) وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٢١)
* * *
الكلام في الأسرة، وإن حماية الأسرة تكون بحماية ضعفائها، ومن لا يستطيع الذود عن نفسه، ولذلك تكلم القرآن الكريم في شأن اليتامى، ثم في شأن النساء. وقد تكلم سبحانه في الميراث وتقسيمه العادل، وفي هذه الآيات التالية يشير سبحانه إلى نوع من الميراث ظالم، كان من عادات بعض أهل الجاهلية، لم يكن موضوع الميراث فيه مالا، ولا حقا يقبل التوريث، بل كان موضوع الميراث في زعمهم حق امرأة المتوفى في نفسها، فقد زعموا أن من يموت زوجها، لا تكون مالكة لأمر نفسها بموته بل يكون أمر زواجها بيد أوليائه الذين يرثون ماله، فإنهم يرثون مع ماله الولاية على زوجه، فلا تتزوج إلا بإذنهم أو تزويجهم، ولذا قال سبحانه:
صدر النص السامي بالنداء للذين آمنوا، للإشارة إلى أن ذلك لَا يتفق مع الإيمان، بل إنه من مظالم الجاهلية. وإذا كان مثله يصدر عن أهل الشرك، فإنه لا يسوغ مع الإيمان، ولا يليق أن يصدر عن المؤمنين؛ لأن حقوق الأشخاص لا تورث، وليست المرأة ولا حق زواجها متاعا يقبل التوريث.
ولقد روى الزهري أنه كان من عادات أهل الجاهلية أنه إذا مات الرجل يُلْقِي ابنه من غيرها أو أقرب عصبته ثوبه على المرأة، فيصير أحق بها من نفسها ومن أوليائها، فإن شاء تزوجها بغير صداق إلا الصداق الذي أصدقها الميت، وإن شاء زوجها من غيره وأخذ صداقها، ولم يُعْطِها شيئا، وإن شاء عضلها من الزواج، أي منعها منعا مشدَّدا لتفتدي نفسها بما ورثته من الميت أو تموت فيرثها!!
ومغزى هذه الرواية أنهم يجدون لهم حقا في إمساكها ومنعها من الزواج، بما كان قد دفع لها زوجها من صداق، وبما كان له عليها من حق الإمساك. ونهى القرآن الكريم عن ذلك بقوله: (لا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا)، ومعنى النص الكريم على هذا أنه لَا يصح أن يرث أولياء الميت حق تزويج نساء المتوفين كرها عنهن من غير توكيل، فليس الميراث هو ميراث ذات المرأة كزوجة، بحيث يملك زواجها بغير عقد، بل المراد حق تزويجها من نفسه أو من غيره، من غير أن تكون لها إرادة حرة في الزواج.
وبعض العلماء فهم أن المراد من الميراث هو ميراث الزوجية نفسها، بحيث تكون المرأة زوجا من غير عقد، كما فهم آخرون أن المراد لَا يحل أن ترثوا أموالهن. ولكن الظاهر من مجموع الروايات، أن المراد بالميراث هو ميراث حق التزويج، وميراث ما أعطيت من صداق. وقد عبر الله ولكلامه المثل الأعلى - عن النهي عن هذا العمل بقوله تعالى: (لا يَحِلُّ) بدل لَا ترثوا للإشارة إلى أنه أمر غير مستحسن في ذاته، فهو في ذاته غير حلال وغير لائق، فلا يحتاج في نفي الحل إلى نهي ينشئ التحريم، بل إن الفطرة السليمة تدرك عدم
стр. 2083
حله، وقد كان الجاهليون في ضلال مبين وظلم شديد، إذ كانوا يفعلونه، ولذلك استنكره كثيرون منهم، وكان العمل من بعضهم، لَا من كلهم.
(وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ) العضل هنا معناه التضييق والتشديد لمنع الزواج، أو الظلم الشديد من الأزواج، وقد قال الراغب في معنى العضل: " العَضَلة كل لحم صلب في عصب الرجل، ورجل عَضِلٌ مكتنز اللحم، وعَضَلْتُه شددته بالعَضَل نحو عصبته، وَتُجُوِّزَ به في كل معنى شديد " قال تعالى: (وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ) والمراد هنا التضييق الشديد، والخطاب هنا إما أن يكون لأولياء الميت، وتكون (لا تَعْضُلُوهُنَّ) معطوفة على (أَن تَرِثُوا النِّسَاءَ) وتكون (لا) لتأكيد النفي، والمعنى على هذا: لَا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها، ولا تعضلوهن وتمنعوهن من الزواج لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن، أي لتضيقوا عليهن حتى يتركن حقهن في المهر الذي أخذنه، أو بقي لهن، ومعنى (لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ) تضيعون حقوقهن، إذ يقال ذهب بالأمر أو بالحق: أضاعه، ومن ذلك قوله تعالى: (. . ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَّا يُبْصِرُونَ).
هذا احتمال في النص الكريم، وهناك احتمال آخر في توجيه الخطاب، وهو أن يكون ذلك نهيا مستأنفا، محمولا في النسق على نفي الحل السابق، ويكون الخطاب للأزواج، فيكون المعنى على هذا: لَا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها، فتتزوجوهن أو تزوجوهن بغير رضاهن، وكذلك لَا تعضلوهن بأن تضيقوا عليهن وتظلموهن وترهقوهن وهن زوجات، لتكرهوهن على طلب التفريق في نظير أن تأخذوا بعض ما آتيتموهن. وإذا كان التضييق لأخذ بعض المهر منهيا عنه، فأولى أن يكون في موضع النهي التضييق عليهن لأخذ المهر كله.
وإنا نختار أن يكون الخطاب موجها للأزواج، ويكون النص السامي قد اشتمل على بيان التحريم في موضعين: أولهما - إكراه المرأة على زواج لَا تريده، وذلك بدعوى حقهم في ميراث حق تزويجها. والثاني - النهي عن إكراه المرأة
стр. 2084
على طلب التفريق حتى يضيع عليها بعض حقها في المهر، وبالأولى إكراهها حتى يضيع حقها كله، والمؤدى في الأمرين هو حماية المرأة من أن يتحكم فيها أولياء زوجها ببطشهم، أو يتحكم فيها الزوج بسلطان الغلب والزوجية.
ولكن قد تكون المرأة ظالمة لزوجها، فهل يحل أخذ شيء من مهرها لأنها أفسدت الحياة الزوجية؛ قد بين النص الكريم أنه يحل ذلك بقوله تعالى: (إِلَّا أَن يَأْتينَ بِفَاحِشَةٍ مبَيِّنَةٍ).
الاستثناء هنا منقطع، معناه لكن إن يأتين بفاحشة مبينة يحل أخذ المهر الذي أوتينه أو بعضه، ومؤدى هذا الكلام تحريم وتحليل، أما التحريم فهو ما بين في الكلام السابق، وهو أنه لَا يصح أن يعضل امرأته ظالما لها كارها، ويريد طلاقها ويفعل ذلك ليكرهها على طلب الطلاق في نظير ما أعطى كله أو بعضه. وأما التحليل فهو إباحة أن يطلقها في نظير بعض ما قدم لها أو كله، إذا كانت ظالمة له مفسدة للحياة الزوجية. والفاحشة المبينة هي الفاحشة الواضحة المعلنة التي تعلن نفسها، وتكشف أمرها؛ لأن المُبيِّن يكون بيَّنا دائما، فعبر عن البيِّن بلفظ المُبين مبالغة في وضوحه وبيانه وإعلانه. وما هي الفاحشة؛ قال بعض العلماء هي الزنا، والمعنى أنه يباح في هذه الحال، استرداد المهر كله، ولو بغير رضاها، وقد قال الإمام مالك ذلك. والتعبير عن الزنا بلفظ الفاحشة تعبير يجري في القرآن كثيرا، وأصل الفحش الأمر السيئ الذي يزيد عن كل معقول مقبول، فالعقول تمجه في كل صوره ولا شيء أكثر من الزنا في ذلك.
وقال بعضهم: الفاحشة هي النشوز وإفساد الحياة الزوجية بكل طرق العناد والمشاكسة والمباغضة. وقال آخرون: البذاءة والفحش في القول والعمل والمكارهة بالعبارات والفعل. وفي الحق إن الفاحشة البينة الواضحة تشمل كل هذا، وهي في كل صورها إفساد المرأة للحياة الزوجية، وقد اتفق العلماء على أنه في هذه الحال يحل للزوج أن يأخذ كل ما أعطى أو بعضه.
стр. 2085
وهذا هو موضوع قوله تعالى: (وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا. . .).
هذا، وإن الرجل هو الراعي، وهو المسئول عن هذه الرعية، ولذلك خاطب الله تعالى الأزواج بقوله تعالى:
(وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) أمر الله الأزواج بالعشرة الحسنة، بالمعروف، وإن العشرة هي المخالطة والممازجة بحيث تلتقي النفسان، ومن طبيعتها أن تكون في ألفة لَا في نفرة، وقد أطلقت العشرة على المعاملة، والمراد بالمعروف أن يعامل الرجال أزواجهم معاملة تليق بأمثالهن من غير أن يكون منهم ما يستنكر عقلا أو شرعا، أو عادة، فهو يؤنسها ولا ينفرها، ويقربها ولا يبعدها، وكان الأمر بالعشرة الحسنة بعد الإشارة إلى ما قد يكون منهن من نشوز وبذاءة وفحش في القول، لبيان أنه لَا يسوغ لرجل أن يفترق لمجرد ظهور النشوز منها، بل يعالجها بالرفق، وإزالة أسباب النفرة إن أمكن. وإن الصحابة ﵃ كانوا يعاشرون أزواجهم على أكمل ما تكون العشرة، ويقربونهن بكل وسائل التقريب، حتى إن ابن عباس كان يقول: إني أتزين لامرأتي كما تتزين لي. وقد يكون سبب النفرة من الرجل نفسه، وإنه ليروى في ذلك أن امرأة ذهبت إلى الإمام عمر بن الخطاب ﵁ تطلب الفراق من زوجها، فرأى عمر الزوج، وإذا هو أشعث أغبر خَلِق الثياب مستطيل الشر، فأدرك بثاقب نظره أن النفرة من هذه الحال، فأخلها وأرسله إلى المغتسل فاغتسل، وألبسه ثيابا حسنة، وأزال شعثه، ثم ناداها، فسألها: أمُصِرة على ما تطلب؟ فلما رأت زوجها على حاله الجديدة عدلت عن طلب الطلاق.
وإن معاملة المرأة بالحسنى دليل على كمال الرجولة والْخُلقُ، ولذا قال النبي ﷺ : " خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلى " (١).
стр. 2086
ثم بين أنه لَا يصح للرجل أن يسترسل في كراهيته إن عرضت له أسباب الكراهية، بل يتعرف المحاسن، ولا يقتصر على النظر إلى المساوئ، ولذا قال تعالى: (فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا).
إن العشرة الحسنة مطلوبة ولو في حال كراهية الزوج لزوجته، فإنه لو أظهر الكره لكانت المباغضة، ولاسترسل في غواية تضله، فيصر على الكراهية، وقد كان في الإمكان أن يرى فيها السرة بدل المضرة، وأسباب المحبة بدل البغض.
وإن النص الكريم يشير إلى معنى سليم، ويدعو إلى إدراك معان مختلفة كثيرة: أولها - أن ينظر إلى الحياة الزوجية من جميع نواحيها، لَا من ناحية واحدة منها، وهي البغض والحب، فينظر إلى مصلحة أولاده، وإلى نظام بيته، وإلى محاسنها بدل أن ينظر إلى مساويها. وثانيها - أن يفكر في من يعقبها: أهي خير منها أم لَا؛ وثالثها - أن ينظر في شأن العلاقة بعين العقل والمصلحة المشتركة لا بعين الهوى المسيطر الجامح. ورابعها - وهو أعظمها أن ينظر إلى المسألة بالقلب الديني، وأن يتذكر في وقت الكراهية العشرة الحلوة السابقة، ولذا قال الله : (فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا)، والخير الكثير يتكشف للرجل في الأمر المكروه بإحدى حالين: إما بالنظر الثاقب الذي يتغلب فيه العقل على الهوى، وإما بعد فوات الوقت، فيعرف الخير الذي فاته بفعله، فلا يمكن التدارك، ويكون الندم المرير، ولات حين مَنْدمَ.
وإن هذا النص يشير إلى معنى جليل عام لَا يخص الحياة الزوجية وحدها،
وهو ألا يبت في الأمور تحت تأثير الكراهة، فإنها عارض وجداني قد يزول، وقد يكون في المكروه الخير الكثير الذي غاب عنه في وقت إدراكه، فيفوته النفع العظيم تحت تأثير الكراهية التي قد يبعث عليها أمر حسي عارض. وفي الحديث الصحيح. " لا يَفْرَك مؤمن مؤمنة، إن سخط منها خلقا رضي منها آخر " (١) والفَرَكُ
стр. 2087
البغض الكلي الذي تنسى فيه كل المحاسن. وروى مكحول عن ابن عمر أنه كان يقول: " إن الرجل ليستخير الله تعالى فَيُخَار له، فيسخط على ربه ، فلا يلبث أن ينظر في العاقبة، فإذا هو قد خير له ".
* * *
стр. 2088
(وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا ... (٢٠)
* * *
بين سبحانه في النصوص الكريمة السابقة حال أخذ الرجل بعض ما آتاه إذا أتت المرأة بفاحشة بينة واضحة تعلن نفسها، وذكر سبحانه علاج الرجل لنفسه إذا أحس بكراهية، لكي يتجنب الطلاق الذي قال فيه النبي ﷺ : " ما أحَلَّ الله شيئا أبغضه كالطلاق " (١)، فإذا استرسل في الكراهية، واختار أبغض الحلال، فإنه لا يصح أن يسترد منها أي مقدار أعطاها إياه ولو كان قنطارا من فضة أو ذهب، فالتفريق هنا بمجرد إرادته لَا بسبب من جانبها، ولذا قال: (وَإِنْ أَرَدْتُّمُ) وعبر في التعليق بـ " إن " وهي لَا تكون لوقوع الفعل مؤكدا، لينبه إلى أن الإرادة قد تكون غير سليمة، وغير مبنية على أسباب قوية، والاستبدال طلب البدل، بأن يطلق واحدة ويتزوج أخرى. وقوله تعالى: (وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا) لبيانه أنه لَا يُسترد شيء مهما يكن كبيرا؛ إذ القنطار أقصى ما يتصور من مهور. والقنطار أصله من قَنْطَرْتُ الشيء إذا رفعته، ومنه القنطرة؛ لأنها بناء مرتفع مشيد، وقد قال الشاعر:
كَقَنْطَرَةِ الرُّومِى أقْسَمَ رَبُّهَا ... لَتكْتَنفَنْ حَتَّى تُشَادَ بِقَرْمَدِ (٢)
وخلاصة المعنى أنه لَا يصح أن يأخذ شيئا ما دام التفريق بإرادته وبسبب من جانبه، ولم يكن لها فيه أي عمل، وهذا لَا يتعارض مع قوله تعالى: (. . . وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَن يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ. . .)، فإن الآية التي نتكلم فيها كان الطلاق بسبب من جانبه وهو إرادته
стр. 2089
الاستبدال، وأما الآية الأخرى، فإنها عند ما تريد المرأة ذاتها التفريق غير مَعْضولةٍ ولا مبخوسة أي حق من حقوق الزوجية المفروضة على الزوج.
وقد وبخ على الأخذ عند إرادة الاستبدال بنصين كريمين: أولهما قوله تعالى:
(أتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا) هذا توبيخ واستنكار للأخذ، والبهتان هو الكذب غير المعقول الذي يتحير فيه العقل، ويطلق على كل أمر يتحير العقل في إدراك سببه، أو لَا يعرف مبررا لوقوعه، كمن يعتدي على الناس من غير عداوة سابقة ولا نفع مجلوب، ولا غرض مقصود. والإثم الذنب العظيم، والمبين الواضح الذين يعلن نفسه ووضوحه، ويكشف عن مقدار الأذى فيه. وقد قال العلماء: إن البهتان والإثم مصدران قصد بهما الوصف، أي أتأخذونه باهتين فاعلين فعلا تتحير العقول في سببه، آثمين بفعله إثما واضحا معلن الوضوح مستنكر الوقوع، ويصح أن يكون المصدران مفعولين لأجله، ويكون ذلك توبيخا أشد، ويكون المعنى عليه: أتأخذونه لأجل البهتان والإثم المبين؛ ويكون في التعليل توبيخ أشد، وهذا هو الذي نراه.
هذا، هو النص الأول الموبِّخ، والنص الثاني هو قوله تعالى:
* * *
стр. 2090
(وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٢١)
* * *
الإفضاء معناه الخلوص، أي يخلص كل واحد للآخر، وفسر بأنه الخلوة بين الرجل وزوجه ليس معهما أحد، لأن الفضاء هو الذي يكون بينهما. والاستنكار هنا للحال الواقعة، فالأول كان استنكارا لذات الأخذ، وهنا الاستنكار لما أحاط بالأخذ من أحوال. والمؤدى أن الأخذ عند إرادة الاستبدال أمر مستنكر في ذاته، ثم هو مستنكر لأجل الأحوال التي كانت بين الزوجين. وقد ذكر سببين للاستنكار: أحدهما - الإفضاء وخلوص زوج لنفس صاحبه حتى صارا كأنهما نفس واحدة. وثانيهما - الميثاق الغليظ أي الشديد القوي الثابت الذي هو عهد ثقيل لَا يصح منه التخلص. وذلك الميثاق، هو الارتباط بين الزوجين أمدا
стр. 2091
صارت فيه نفس كل واحد قطعة من الآخر، وهو أمر الله تعالى إذ يقول: (. . . فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ. . .)، وليس الأخذ من التسريح بإحسان، وهو المودة التي تظل بين الزوجين في مدة الحياة الزوجية التي صورها الله : (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١).
هذا، وقبل أن نختم الكلام في هذه الآيات نقرر أمرين:
أحدهما - أن الرجل في افتراقه عن زوجه لَا يحل له دينا أن يأخذ منها شيئا إذا كان النشوز من جانبه، ولا يحل أن يأخذ أكثر مما أعطى إذا كان النشوز من جانبها، وما أخذ في غير ذلك يكون كسبا خبيثا، وقد اتفق على ذلك العلماء.
ثانيهما - أن قوله تعالى: (وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا) تدل على أنه ليس للمهر حد أعلى، وقد استدلت بذلك امرأة أمام أمير المؤمنين عمر عندما قال: (ألا لَا تغالوا في صَدُقات النساء، فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها رسول الله ﷺ ؛ ما أمهر قط امرأة من بناته ولا نسائه فوق اثنتي عشرة أوقية). وجعل ﵁ ذلك حدا أعلى، فقالت امرأة: (يعطينا الله وتحرمنا)، وتلت الآية، فقال الإمام العادل: (أخطأ عمر وأصابت امرأة)، ولكن عمر كان ينظر بنور الله وروح الإسلام، فإن أخطأ في الحد بمقدار، فإنه لم يخطئ في منع المغالاة في المهور، ولله عاقبة الأمور.
* * *
стр. 2092
(وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (٢٢) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣)
* * *
كانت الآيات السابقة في بيان تحريم ظلم المرأة في حال الزوجية وظلمها بعد وفاة زوجها، وظلمها عند إرادة الافتراق عنها. وفي هذه الآيات يبين الله سبحانه من يحل من النساء الزواج بهن، ومن لَا يحل، وإذا كانت الآيات السابقة لدعم الأسرة بمنع الظلم؛ لأن العدل به قوام الأسرة وقوتها، ومنع الظلم تقوية سلبية، فالآيات التي تبين المحرمات من النساء تبين أسباب قوة الأسرة من ناحية المودة التي تربط بين الزوجين برباط الرحمة والمحبة، وتجعل الزواج مثمرا ثمراته الطيبة من العلاقة الزوجية التي لَا تُرنّقَها علاقة أخرى. وقد ابتدأ سبحانه ببيان تحريم زوجة
стр. 2093
الآباء إذا افترقوا عنها، فكما أن الرجل لَا يحل له أن يرث حق تزويج زوجة أصله كذلك لَا يحل له أن يتزوجها. وقد ابتدأ بهذا النوع من التحريم لتناسبه مع منعِ ميراث حق التزويج للنساء. ولذلك قال سبحانه:
стр. 2094
(وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ).
كان فاشيا بين العرب في الجاهلية أن يتزوج الرجل امرأة أبيه إذا مات عنها أبوه، وكان ذلك يؤدي إلى منعها من حرية الاختيار في الزواج، وقد نهى الله عن ذلك في الماضي من الآيات الكريمات، وهنا يمنع تزوج الولد ممن كانت زوجة أبيه، بل ممن كانت زوجة آبائه على وجه العموم، وذلك لأن كلمة " آباؤكم " تشمل كل الأصول من الرجال أي تشمل الأجداد جميعا سواء كانوا من جهة أبيه أم كانوا من جهة أُمه، وذلك من قبيل الإطلاق المجازي.
والنكاح هو عقد الزواج، وهو لَا يستعمل في القرآن إلا على الزواج، وقد يطلق على المباشرة نفسها، ولكنه لم يطلق في القرآن إلا على العقد، ولذلك قال الشافعي وكثيرون من الفقهاء، إن النكاح حقيقة في العقد، وإذا أريد به المباشرة كان ذلك مجازا من قبيل إطلاق السبب وإرادة المسبب، وذلك أنه لَا يكون إلا في المباشرة الحلال، والحنفية قالوا إنه حقيقة في المباشرة مجاز في العقد. والذي يتفق مع تعبير القرآن هو رأي الشافعي.
ولما كان ذلك النوع من الزواج كثيرا في الجاهلية، وربما وقع فيه بعض المؤمنين في الجاهلية قبل الإسلام، أشار سبحانه إلى أن ما كان في الجاهلية هو موضع عفو لَا يعاقب الله تعالى عليه، ولذا قال سبحانه: (إِلا ما قد سلف) أي أنكم لَا تؤاخذون على ما قد مضى منكم في الجاهلية، والاستثناء هنا منقطع، و " إلا " بمعنى " لكن "، والمعنى: لكن ما قد سلف لَا تؤاخذون عليه، والله يعفو عنكم، وهو ينتهي بهذا التحريم، فمن كان متزوجا ممن كانت امرأة أبيه، فإنها حرام عليه من وقت نزول ذلك النص الكريم، وعفا الله عما سلف، ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام.
стр. 2095
والتحريم له حكمته. فإنه يتنافى فيما للآباء من وقار، وما يجب لهم من حسن صحبة، ولأن امرأة الأب لَا تحتشم على الابن، فلو كانت تحل له بعد الفراق لتطلعت النفس إليها، وقد ترغب فيه، فتفارق الأب أو تغاضبه طمعا في ابنه، ولا إساءة إلى الأب أبلغ من هذا، فكان المنع لأجل الرحم والمودة في القربى، وحسن الصحبة. والعقد ذاته سبب التحريم، فإذا عقد الأب أو الجد فإنها تكون حراما على الأبناء والأحفاد، ولو لم يدخل بها، لأن ذلك ما يقتضيه الإحسان إلى الوالدين.
وفى النص إشارة إلى أنه لَا عقوبات من غير نص محرِّم، وهؤلاء كانوا يرتكبون ما يرتكبون مستحلين له، فلما جاء النص القاطع الحرم كان العقاب، ولا عقاب قبل النص الحرم.
وإن ذلك النوع من النكاح سيئ في ذاته، لَا يقدم عليه كريم، ولذا قال فيه:
(إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا) هذه أوصاف ثلاثة وصف الله بها ذلك النوع من العقود: أولها أنه فاحشة، أي أمر زائد في القبح شرعا وخلقا، والفحش هو الأمر الزائد زيادة قبيحة، فهو زيادة قبيحة على موجب الفطرة المستقيمة. والوصف الثاني أنه مقت، وهو مصدر وصف به أي أنه ممقوت من ذوي المروءات لَا يقبلونه ولا يرضونه. والثالث أنه أسوأ سبيل لطلب الولد؛ إذ يكون ابنه أخا لأخيه من أبيه وبنته أختا لأخيه أو لأخته من أبيه، وذلك نوع من المجوسية، فهو لذلك كان سبيلا سيئا.
وقد قال الزمخشري في هذا النص: " كانوا ينكحون روابهم (أي تنكح المرأة ربيبها)، وناس منهم كانوا يمقتونه من ذوي مروءاتهم ويسمونه نكاح المقت، وكان المولود عليه يقال له المقتي، ومن ثم قيل (ومَقتا)، كأنه قيل إنه فاحشة في دين الله بالغة في القبح، قبيح ممقوت في المروءة، ولا مزيد على ما يجمع القبحين ".
بعد ذلك بين الحرمات من الأقارب فقال تعالى:
* * *
стр. 2096
(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ)
* * *
هذا النص الكريم لبيان تحريم أربع طوائف من القرابة، فمعنى حرمت عليكم أمهاتكم، أي حرم عليكم نكاح أمهاتكم.
والطوائف الأربع أولاهن: الأمهات والجدات، لأن الأمهات يراد بهن الأصول، إذ الأم تطلق على الأصل، كما قال تعالى: (. . . وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ)، ويصح أن يراد من الأمهات الصُّلبيات، ولكن يثبت تحريم الجدات بطريق الأولى، لأنه إذا كانت العمة والخالة حراما، فأولى أن تكون الجدة حراما، لأن الأمّ هي طريق الوصول في القرابة إلى هؤلاء، وقد أجمع المسلمون على تحريم الجدات.
والطائفة الثانية: الفروع من النساء، وذلك ثبت بقوله تعالى: (وَبَنَاتُكُمْ) بالعطف على (أُمَّهَاتُكُمْ)، وقد ثبت تحريم البنات بالنص، وبقية الفروع من النساء ثبت تحريمهن بالأولى، لأن النص يحرم بنت الأخ وبنت الأخت، وإذا كانت بنت الأخ والأخت، حراما، فأولى بالتحريم بنت البنت وبنت الابن، لأن البنت أقرب من الأخت.
والابن أقرب من الأخ، فأولادهما أولى بالتحريم، وقد انعقد الإجماع على تحريم الفروع من النساء مهما تكن طبقتهنّ.
والطائفة الثالثة: فروع الأبوين، وهن الأخوات، وبنات الإخوة والأخوات، وثبت تحريمهن بقوله تعالى: (وَأَخَوَاتكُمْ) ثم قوله تعالى: (وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ)، وذلك يشمل الأخوات شقيقات أو لأب أو لأم، كما يشمل فروع الإخوة والأخوات جميعا؛ لأن كلمة (بنات الإخوة والأخوات) تشمل كل الفروع على سبيل المجاز، ولأن التحريم يثبت بالأولى، لأن عمة الجد حرام بالنص فأولى بالتحريم بنت ابن الأخ، وبنت بنت الأخ أو الأخت؛ لأنهن أقرب، وقد انعقد الإجماع على تحريمهن.
стр. 2097
والطائفة الرابعة: العمات والخالات، وقد ثبت التحريم بقوله تعالى: (وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ) بالعطف على الأمهات من حيث التحريم، والعمات والخالات، يشملن عمات الأب والأم وخالات الأب والأم، وعمات الجد والجدة، وخالات الجد والجدة؛ لأن هؤلاء يطلق عليهن عرفا اسم العمة والخالة، واللغة لا تمنع ذلك، وقد انعقد الإجماع على ذلك. والنص على تحريم العمة والخالة والاقتصار على ذلك يدل على أنه لَا يكون تحريما لبنت العم وبنت الخال والخالة، أيا كانت طبقة العمومة والخئولة، فبنت عم الأب حلال، وبنت خال الجد حلال أيضا.
وإن هؤلاء المحرمات قد ثبت تحريمهن في الشرائع السماوية كلها؛ لأن تحريمهن مشتق من الفطرة، وفي الزواج بهن إيجاد نسل غير قوي، لأن التجارب العلمية أثبتت أن التلاقح بين سلائل مختلفة الأرومة ينتج نسلا قويا، والتلاقح بين حيوانات متحدة الأرومة ينتج نسلا ضعيفا، وعلى ذلك يكون التزاوج بين القرابة القريبة منتجا نسلا ضعيفا. ولقد ضعف آل السائب؛ لأنهم كانوا لَا يتزاوجون إلا فيما بينهم، فقال لهم الإمام عمر: (قد أضويتم يا آل السائب فانكحوا النوابغ). وإن الزواج من القرابة القريبة يفسد علاقة القرابة والعواطف الشريفة التي تربط بينهم، فعلاقة الأمومة والبنوة والأخوة والعمومة والخئولة يفسدها الزواج بما يكون بين الزوجين من مباسطات أو منافرات أحيانا، والحياة الزوجية على القبض والبسط، والرضا والسخط، والمداعبة والهجر أحيانا، وكل ذلك يفسد القرابة.
(وَأُمَّهَاتكُمُ اللَّاتِى أَرْضعْنَكمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ) الأم الرضاعية هي التي أرضعته، والأخت الرضاعية هي التي أرضعتها أمه، أو رضعت من ظئر رضع هو منها، أو بعبارة عامة التقيا على ثدي واحدة، ولا يشترط أن تكون الرضاعة من لبنه أو لبنها، بل إن كل من ترضع ولدا تحرم عليه بناتها جميعا صغيرة أو كبيرة.
وقد قرر جمهور الفقهاء أنه يعتبر من الأخوات الرضاعيات كل من رضعت من امرأة أبيه إذا كان اللبن الذي رضعته كان أبوه هو السبب فيه. وهذه العلاقة
стр. 2098
الرضاعية نشأت من قبل أبيه لَا من قبل أمه، فمن رضعت من لبن أخيه لأبيه أو أخته لأبيه تعد أختا رضاعية له.
والأمهات الرضاعيات يشملن الأم التي أرضعته وجداته اللائي كانت العلاقة بينه وبينهن رضاعية، في أي طبقة من الطبقات، سواء اكن جدات رضاعيات له من جهة أبيه أم من جهة أمه.
وإنه يلاحظ أنه لَا يحرم بالرضاعة الأمهات والأخوات فقط، بل البنات والعمات والخالات، وبنات الأخ والأخت، وإن نزلت درجاتهن في القرابة. وقد فهم كثيرون من المفسرين تحريم هذا كله من الآية الكريمة؛ وذلك لأنه لما سمى المرضع أما، وابنة المرضع أختا، فقد نبه بذلك إلى أنه أجرى الرضاعة مجرى النسب، ففهم بفحوى الخطاب باقي المحرمات رضاعا اللائي يعتبرن نظيرا للقريبات، وإنه قد نص على تحريم الأخت رضاعا، وليست الأخت أقرب من بنت البنت الرضاعية، فتحرم عليه بالأولى، ولقد جاءت السنة موضحة ذلك المعنى، فقد روى أنه لما طُلِبَ إليه ﵊ أن يتزوج ابنة عمه حمزة قال: " لا تحل لي، إنها ابنة أخي من الرضاعة، ويحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب " (١) وروى أن عائشة كانت قد رضعت من امرأة أبي القُعَيْس، فجاء أخوه أفلح يستأذن عليها، فقالمت: أرضعتني امرأة أخيه، فلا آذن له، حتى أستأذن رسول الله ﷺ ، فلما ذكرت ذلك لرسول الله قال: " ائذني له فإنه عمك تَربت يداك " (٢)، وذلك لأنها لما رضعت من امرأة أخيه على ولد أخيه اعتبر أبا رضاعيا لها، فيكون هو عمها.
стр. 2099
والرضاعة المحرمة عند مالك وأبي حنيفة هي كل مقدار قل أو كثر، وعند الشافعي وأحفد لَا يحرم إلا خمس رضعات مشبعات ليمكن أن يكون الولد جزءا ممن أرضعته؛ إذ يكون قد أخذ منها غذاء يوم كامل. ولا بد أن تكون الرضاعة في الصغر، لقوله ﵊: " إنما الرضاعة من المجاعة " (١) وذلك يكون في السنتين الأوليين من حياة المولود، ولذا قال سبحانه: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ. . .). وقال أبو حنيفة: إن الرضاعة المحرمة هي ما تكون في الثلاثين شهرا التي أعقبت الولادة.
والحكمة من التحريم بالرضاعة أن المولود يتكون جسمه من جسم التي أرضعته فيكون جزءا منها، كما هو جزء من أمه، التي حملته، وإذا كانت هذه غذته بدمها في بطنها، فتلك غذته بلبنها في حجرها، وربما تكون مدة الإقامة في حجرها أطول كثيرا من مدة الحمل، فكان لابد أن يثبت لهذه الأم الرضاعية ما يثبت للأم النسبية من حُرْمَة وكرامة، وإن تكريم المرضعات بذلك التحريم الذي يكون للأمهات الحقيقيات يشجع النساء على الرضاعة، فلا يضيع الأطفال الذين فقدوا أمهاتهم، وفي هذا التحريم فوق ذلك تنبيه إلى أن يتخير الآباء من يرضعن أولادهم؛ لأنهم إذا علموا أن أولادهم ستتكون أجزاؤهم ممن يرضعنهم تخيروهن من ذوات الأجسام القوية، والدماء النقية التي لَا يدنسها مرض ينتقل بالوراثة، ولقد كان العرب والسلف الصالح يتخيرون مراضع أولادهم لهذه المعاني. .
(وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ) هذه النصوص تعرضت للمحرمات بسبب المصاهرة، وهي تتم ما ابتدأه سبحانه
стр. 2100
بقوله تعالى؛ (وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ) التي تعرضنا لذكر أحكامها في ابتداء القول في المحرمات، وهذه النصوص شملت ثلاث طوائف.
أولاها: (أُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ) وأمهات من كانت زوجة للشخص يكُن حراما سواء أكن أمهات صلبيات أم جدات، فيشمل النص كل الجدات، لما ذكرنا من أن كلمة الأمهات تشمل الجدات، ولإجماع الفقهاء على ذلك، ولبيان النبي ﷺ .
وأما من عقد عليها وافترق تحرم عليه، سواء أدخل بها أم لم يدخل؛ لأن الأم توحش صدر ابنتها إذا تزوجت من مطلقها، ولأن الأم لَا يليق بها أن تتطلع إلى الزواج ممن كان زوج ابنتها، ولو لم يدخل بها، فإن ذلك مخل بكرامة الأمومة وشرفها وحنانها، وهو سبيل لقطع رحمها، وشيوع ذلك يؤدي إلى الفساد.
والطائفة الثانية بينها الله تعالى بقوله: (وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِى حُجُورِكُم مِّن نّسَائِكُمُ اللَّاتِى دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ).
والربيبة هي ابنة الزوجة لأن الزوج في أكثر الأحوال يَرُبُّهَا أي يربيها ويعطف عليها، وهي في غالب الأحوال تكون في حجره، أي في بيته وتحت رعايته، فقوله تعالى: (اللَّاتِي فِى حُجُورِكُم) كناية عن الرعاية والحياطة والعطف، وغيرها من أنواع البر التي يحوط بها أولاد زوجته من غيره إن كان رجلا عطوفا كريما، وهذا الوصف جار مجرى العادة، والتعبير فيه مجازي لبيان قبح من يتزوج بنات امرأته، وقد اشترط للتحريم أن يكون قد دخل بزوجته التي افترق عنها، وأراد أن يتزوج ابنتها، ولذلك صرح بالحل، إن لم يكن قد دخل بالام وافترق عنها وأراد الزواج بالبنت، إذ قال سبحانه: (فَإِن لَّمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكمْ) أي لَا إثم عليكم في أن تعقدوا عليهن، وإن المعاني التي من أجلها حرم الزواج بالأم عند العقد على البنت ليست قوية في حال التزوج بالبنت بعد الافتراق عن الأم، فالأم لها من الحنان والعطف والشفقة ما يجعلها تغفر لابنتها تزوجها ممن كان زوجها إذا لم يكن دخول، ولأن البنت ليس
стр. 2101
فيها من الكرامة والاحترام والشرف ما للأم الرءوم العطوف، لذلك اشترط في التحريم الدخول بها.
والحكمة في التحريم واضحة، لأنه لو كانت الإباحة، فيباح للرجل أن يطلق الأم المدخول بها ويتزوج ابنتها، ويطلق البنت ويتزوجها، لأدى ذلك إلى إلى تقطيع الأرحام بين الأم والبنت، ولأدى إلى التضييق في الأسرة، فلا يباح للرجل أن يضم إليه أولاد امرأته، ولا يباح له أن يعطف على بناتها، ويؤويهن عنده إن كن في حاجة إلى إيواء، خشية أن يؤدي ذلك إلى الرغبة في الزواج بواحدة منهن.
والطائفة الثالثة بين تحريمها بقوله: (وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ) والحلائل جمع حليلة وهي الزوجة التي تحل، والأبناء يشملون الأولاد من الطبقة الأولى والطبقات الأخرى، وقد انعقد الإجماع على ذلك، فمن كانت زوجة ابنه أو ابن ابنه أو ابن بنته لَا تحل له لأنها كانت حليلة لأحد هؤلاء، والتحريم ثابت سواء أدخل بها فرعه أم لم يدخل، وقوله تعالى (مِنْ أَصْلابِكُمْ) - معناها من ظهوركم، وكان في ذكر كلمة (أبنائكم) ما قد يغني عن ذكر (أَصْلابِكُمْ)، ولكنها ذكرت ليخرج الذين يُتَبَنَّوْنَ، فقد كان العرب يعتبرون المتبنَّى ولدا له كل حقوق الأولاد، ويحرمون على أنفسهم الزواج من أزواج التبنين، وقد سماهم القرآن أدعياء، ولذلك قال الله تعالى: (مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤) ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥).
ومن أجل إباحة الزواج بمن كانت زوجة المتبنى أمر الله نبيه بأن يتزوج امرأة زيد بعد أن يطلقها لأنه كان متبنى للنبي ﷺ في الجاهلية، ولذا قال سبحانه عند الأمر بزواجها: (فَلَمَّا قَضي زَيْدٌ فِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
стр. 2102
حَرَج فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا).
(وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ) هذا نوع جديد من التحريم المؤقت، وهو ألا يجمع الرجل بين امرأة وأختها في عصمته، فلا يصح أن يتزوج أخت زوجته، وهي في عصمته، أو يكون قد افترق عنها وعدتها لم تنته، فإن ذلك حرام؛ لأنه يؤدي إلى قطع الرحم بينهما، ومثل الجمع بين الأختين الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها وابنة أخيها وابنة أختها، وقد ثبت تحريم الجمع بين هؤلاء لقول النبي ﷺ فيما رواه أبو هريرة: " لا تنكح المرأة على عمتها، ولا على خالتها، ولا المرأة على ابنة أخيها، ولا ابنة أختها "، وزاد في بعض الروايات: " إنكم إن فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم " (١)، وقد انعقد إجماع من يعتدّ بإجماعهم على ذلك. وقد قال بعض المفسرين: إن تحريم الجمع بين هؤلاء يثبت من نص القرآن في قوله تعالى: (وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَينِ)؛ ذلك لأن التحريم لخشية إيحاش قلب الأختين بالعداوة، ويكون بينهما ما بين الضرائر من مبادلة الأذى، وإن ذلك أظهر في الجمع بين المرأة وخالتها أو عمتها، فأولى أن يكون التحريم في الجمع بينهما، ولأن العمة والخالة بمنزلة الأم.
(إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا) يظهر أن هذا كان يقع من العرب في الجاهلية، ومنهم بعض الذين آمنوا، ولذلك بين الله سبحانه أن ذلك موضع
стр. 2103
عفو الله تعالى، ولذا قال سبحانه: (إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ) والاستثناء هنا منقطع، و (إلا) بمعنى (لكن) والمعنى: لكن ما قد سلف منكم في جاهليتكم قبل ذلك التحريم موضع عفو الله تعالى، وذلك لأن الله تعالى غفور رحيم، فقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفورًا رَّحِيمًا) في موضع التعليل لعفو الله في هذا الاستثناء المنقطع، والمعنى أن الله يعفو، لأنه كان وما زال غفارًا للذنوب رحيما بعباده، ومن رحمته بعباده ألا يعذبهم من غير نذير، وألا يؤاخذهم على ما اكتسبوا إلا بعد بيان واضح، وإن كان العقل يدرك حسن الأشياء وقبحها، والله بكل شيء عليم.
* * *
стр. 2104
(وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٢٤)
* * *
قوله تعالى (وَالْمُحْصَنَاتُ) بالضم معطوف على أمهاتكم في آية التحريم السابقة التي صدرت بقوله تعالى: (حرِّمَتْ عَلَيْكمْ أُمَّهَاتُكُمْ)، فهذه الآيات تتمّة لبيان المحرمات. ثم بعد ذلك بيَنت المحللات من النساء بعبارة جامعة، ثم بعبارة مفصلة لحل الإماء. وأحْصَنْ متلاقية في المعنى مع كلمة الحصن، وهو المكان المحكم الذي يُتقى به أذى العدو، فمعنى أحْصَنَ المرأة جعلها في حصن الفضيلة، وقد جاء في مفردات الأصفهاني: (يقال حصان للعفيفة، ولذات حرمة، وقال
стр. 2105
تعالى: (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا. . .). وقال تعالى: (وَفَإِذَا أُحْصِنَّ. . .)، أي تزوجن، و " أُحْصِنَّ " زُوِّجن، والحَصَان في الجملة المحصنة إما بعفتها أو بتزوجها أو بمانع من شرفها وحريتها).
وبهذا يتبين أن المرأة المحْصَنة هي التي صانت نفسها وتحصنت بحصن الفضيلة والبعد عن الفحشاء، وإحصانها بزواجها، أو بعفافها المجرد، أو بحريتها وشرفها، ولذلك تطلق كلمة المحصَنَات، ويراد بها أحيانا العفيفات، وتطلق بمعنى الحرائر، وفي هذه الآيات استعملت كلمة المحصنات بالمعاني الثلاثة، فقوله (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ) المراد المتزوجات، وقوله تعالى (الْمُحْصَنَات الْمُؤْمنَات)، المراد الحرائر، وقوله (مُحْصَنَاتً غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ)، المراد العفيفات، وقوله تعالى: (فَعَلَيْهِنَّ نِصْف مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِن الْعَذَابِ) المراد بهن الحرائر.
(وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانكمْ) المحصنات هنا المتزوجات اللائي يكنّ في عصمة أزواجهن، ويدخل في عموم المحصنات المعتدات، فزوجة الغير ومعتدته لَا تجوز، وتحريمهن ثابت بمقتضى الفطرة والطبيعة الإنسانية، وسنَّة الله تعالى في الخلق والتكوين، ولكن استثني من ذلك الدخولُ بغير الزوجات المملوكات، فإنه يجوز الدخول بهن، والاستثناء هنا منقطع بمعنى لكن،، لأن الكلام في العقد لَا في الدخول، إذ إن قوله تعالى: (حُرِّمتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتكُمْ) إلى قوله: (وَالْمُحْصَنَاتُ) كل هذا في تحريم العقد، لَا في تحريم الدخول فقط، فالاستثناء بعد ذلك في الدخول بملك اليمين، لَا يكون على منهاج الاستثناء المتصل، وقد قرر العلماء أن السبايا اللائي يدخلن في الرق لَا يلتفت إلى زواجهن السابق، بل تصير ملكا يحل للمالك أن يدخل بها بمقتضى الملك، لقوله تعالى: (وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ)، وهذا متفق عليه، وهو مما ينطبق عليه النص الكريم، فقط ينتظر حتى تستبرئ رحمها من الحمل.