← Тафсир

Тафсир · id 37071

زهرة التفاسير

محمد أبو زهرة

Полный текст (8 373 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.

стр. 2941

قوله تعالى: (غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ). بالدعاء عليهم بالغل الفعلي بأيديهم بأن يمنعوا عن العمل الحر، ويعيشوا أسارى أو كالأسارى في ذل، ويكون التعبير من قبيل الجناس بالمشاكلة اللفظية، وإنا نميل إلى هذا، ويرشح له التعبير بأيديهم ب؛ لأن العرف اللغوي جرى على أن التعبير بالأيدي يفيد البطش، والتعبير بالأيادي يفيد النعمة، فيقال لفلان الأيادي على فلان، ولا يقال له الأيدي عليه، والمعنى على هذا الدعاء عليهم أن تغل أيديهم الباطشة فلا يقووا على غيرهم بل يكونون أسارى أو كالأسارى، وما ينالون من قوة ظاهرة أحيانا، فليست منهم، وهي إلى حين، وما كان ذلك إلا من فساد غيرهم. (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ينفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ) هذا رد عليهم، وبسط اليد هنا مجاز عن الجود والفيض والإنعام من الله تعالى على خلقه، وعبر هنا بالمثنى، فقال سبحانه (يَدَاهُ)، للإشارة إلى كثرة الفيض والإنعام، والعطاء العميم كأنه يعطي بيدين لَا بيد واحدة، ولكن إذا كانوا لم يدركوا فيض نعمته، فإنهم لم يدركوا معنى حكمته فإن الله تعالى يبسط يديه بالعطاء على الطريقة التي يراها، وبالحكمة التي يريدها، ولذا قال تعالى: (ينفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ). وهذه الجملة السامية تدل على أمرين: أحدهما - عموم عطائه. وثانيهما - أن شكل العطاء يختلف، فأحيانا يكون لبعض الناس عميما ليختبرهم بكثرة العطاء، وليحاسبوا عليه وتكون النعمة الكثيرة ابتلاء، وأحيانا يعطي حينا ويمنع حينا ليذوقوا النعمة بعد فقدها، ويختبر صبرهم بإيمانهم، كما قال تعالى: (. . . وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً. . .). والمؤمن الصادق الإيمان يصبر في الإعطاء والحرمان، والكافر يطغى بالعطاء بالعطاء ويكفر في الحرمان، ولقد قال تعالى في وصف النفس البشرية: (وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠) إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١١).

стр. 2942

ولقد بين بعد أخلاق اليهود، ومن يشاكلهم من أهل الكتاب، فقال: (وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا) في هذا النص الكريم يبين عدم رجاء الإيمان من أكثر اليهود، ذلك أن اليهود ليسوا طلاب حق، فيهتدوا إن بدت معالمه، وظهر نوره، بل هم قوم أكل الحقد قلوبهم، واستولى الحسد على نفوسهم، فهم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله، فإذا جاءهم النور ممن يحسدونهم لَا يزيدهم ذلك إلا بغيا وظلما وكفرا. وقد أكد فساد قلوبهم بالقسم المطوي باللام الموطئة له، وبنون التوكيد الثقيلة لكي ينتفي الرجاء في إيمانهم، وليعاملهم النبي ﷺ ومن بعده من المؤمنين على أساس مكنون نفوسهم، وخبايا أحاسيسهم، والطغيان: الظلم الذي يتجاوز كل حد معقول، والذي يبعث عليه الشره وفساد النفس، وزيادة الطغيان، وسببه أن ما أنزل إلى النبي جاء على غير ما يريدون، وأنهم حاسدون، وزيادة بالكفر بالإصرار عليه، وبزيادة مقدار ما يكفرون به من آيات، وبالعناد واللجاجة التي استولت عليهم. (وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ). (بَيْنَهم) يعني في جمعهم؛ لأن البين هو الفاصل الذي يكون بين شيئين، ويطلق البين ويراد به ما يلقى أمام الشخص، ومن ذلك قوله تعالى: (. . . مِّنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ. . .). وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّموا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرسوِله. . .). وقوله تعالى (. . فَقَدِّموا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً. . .). والعداوة هي البغضاء المعلنة التي يناوئ فيها المبغض من يبغضه جهارا، والبغضاء هي الكراهية المستكنة والمعلنة، وعندي أنهما معنيان مختلفان، فالعداوة المناوأة الظاهرة، والمقاومة المعلنة، والبغضاء هي الكراهية التي تكون في القلب،

стр. 2943

فهما معنيان متغايران، وإن كانا متلازمين أحيانا، فلا عداوة من غير بغضاء، ولكن قد يفترقان فتوجد البغضاء من غير إعلانها، أي من المناوأة والمقاومة. والضمير في قوله تعالى: (بَيْنَهمُ) يعود على اليهود، لأن الحديث عنهم، ولا يدخل فيه النصارى، وقد فهم بعض المفسرين أنه يعود على اليهود والنصارى، والعداوة بين الفريقين مستحكمة إلا عند الذين غللوا من نصرانيتهم وكادوا يكونون يهودا في أعمالهم. والواضح أن الضمير يعود على اليهود وحدهم، وقد ألقى الله تعالى بينهم العداوة والبغضاء فقد افترقوا على أكثر من سبعين فرقة، كما ورد بذلك الحديث الصحيح، فمنهم الجبرية والقدرية، والشبهة ومنهم من ينكر البعث، ومنهم الربانيون والقراءون، وبينهم العداوة مستحكمة، وهم ينكرون أن يكون اليهود من غير بني إسرائيل، حتى إنهم لَا يعترفون بيهودية من يدخل في دين موسى من غيرهم، فيعادون السامرة الذين لم يكونوا من أصل إسرائيلي. ويصح أن نفسر قوله تعالى: (وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُم الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ). بأن تستقبلهم بين أيديهم العداوة والبغضاء كالبين في قوله: (. . . مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ. . .). وفي قوله تعالى: (. . . لَا تقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسولِهِ. . .). والمعنى على هذا ألقينا بين أيديهم عداوة وبغضاء تكون منهم للناس، ومن الناس لهم ذلك بأن ما في نفوسهم من حسد لجوج، ومادية شرسة، وأثره حاقدة. جعلتهم في عداوة مستمرة مع الناس، وجعلتهم مبغضين إليهم دائما، فهم مكروهون من الناس كارهون لهم يعادونهم ويبغضونهم ولا تجد في قلب أحد محبة لهم، ولو كانوا يناصرونهم أحيانا، لأن نصرنتهم لأنفسهم ليكونوا آلة ينفذون بها مآربهم، والله من ورائهم محيط. (كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ) إن هؤلاء اليهود لحسدهم المستمر للناس، ولكراهيتهم لهم يثيرون الحروب بين الناس، فهم يثيرونها على غيرهم إذا

стр. 2944

كانت فيهم قوة، أو أحسوا أن فيهم قوة، أو اتخذوا ذريعة للإيذاء، وإذا لم يكن فيهم قوة ولم يحسوها، كان عملهم إيقاظ الأحقاد بين الشعوب، وإثارة العداوات التي تعقبها الحروب، هذا شأنهم الدائم المستمر يدفعهم إلى إثارة أسباب الحروب. والتعبير بقوله تعالى: (كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ). يجري على ما كان عليه العرب من أنهم كانوا إذا أرادوا حربا بالإغارة على غيرهم إما انتقاما أو اعتداء أوقدوا نارا يسمونها نار الحرب، ومهما يكن ما عند العرب من عبارات في هذا، فإن التعبير مجاز، إذ عبر عن إثارة الحروب لإيقاد نارها، باعتبار أن الحروب في ذاتها وبما تشتمل عليه من مذابح بشرية تشبه النار المسشعرة. وإن اليهود يوقظون الأحقاد ويثيرون الفتن، ويوقدون نيران الحروب، والله من ورائهم محيط وإنما يطفئ ما يوقدون ويحبط ما يدبرون. (وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) وإنهم إذ يثيرون الفتن، ويشعلون الحروب، لَا يقصدون إلا السعي في الأرض فسادا فكلما مكن لهم في الأرض أفسدوا ولم يصلحوا، وإذا علوا أفسدوا ولم يصلحوا، حتى إذا طغوا وبغوا أرسل الله عليهم شدائد جزاء لفسادهم، ولقد قال تعالى في بيان ما قرره كتابهم وهوِ التوراة والقرآن بشأنهم: (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (٥) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (٦) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (٧) عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (٨). وهذا النص الكريم يفيد أولا - أنهم دأبوا على الفساد من بعد موسى ومن جاء من النبين كداود وسليمان، وأن نتيجة هذا الفساد كانت وبالا عليهم، فجاء

стр. 2945

بختنصر، وأزال سلطانهم ثم جاء من بعده الرومان فأزالوا سلطانهم، وجعلوهم أذلاء في الأرض. وتدل ثانيا - على أن الرسول ﷺ اجتثهم من بلاد العرب (١)، وتدل ثالثا - على أنهم سيدخلون المسجد الحرام كما دخلوه أول مرة، وتدل رابعا - على أنهم سيفسدون فيه كشأنهم، إذ يتبرون ما علوا تتبيرا، وتدل خامسا - على رجاء رحمة الله تعالى بعباده المسلمين إذا عادوا إلى التقوى فيعود عليهم بالنصر، لأن اليهود دائما مفسدون. وقد ختم الله النص الكريم بقوله تعالت كلماته: (وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِين). فالله تعالى لَا يحبهم كما يزعمون ويتوهمون إذ يقولون نحن أبناء الله وأحباؤه؛ لأنه يحب من يعمر الأرض، ولا يفسدها، وأولئك تجار الحروب يفسدون ولا يصلحون، ألم تر أنهم يمنعون كل صلح بين الناس ليتمكنوا من الكسب في صناعة أدوات الحرب، وليستعيدوا مهمتهم في إفساد ما بين الناس. * * *

стр. 2946

(وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ ... (٦٥) * * * كان الحديث من قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْليَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم منكُمْ فإنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ). في شأن أهل الكتاب ومن يتخذهم أولياء دون اليهود، ثم ذكر أحوال اليهود الذين كان بعض أهل الكتاب والمسلمين يواليهم فعلا ويستنصر بهم، وبينت أحوالهم لكي يبتعد المؤمنون عنهم، وفي هذا النص الكريم يبين سبحانه أن باب الإيمان مفتوح غير مغلق، فمن دخله كفَّر عن نفسه سيئاته، فكفرها الله عنه، ومعناه: لو أن أهل الكتاب آمنوا بالله وحده، وصدقوا رسوله الذي بعث رحمة

стр. 2947

للعالمين، وجعلوا بينهم وبين الباطل وقاية وخافوا عقاب الله تعالى ورجوا ثوابه، وتوقعوا حسابه، وامتلأت قلوبهم بخشية الله تعالى، لو فعلوا ذلك لكفَّر تعالى عنهم سيئاتهم أي لسترها، ولرفعها عنهم؛ لأن الحسنات يذهبهن السيئات، ولأن الله غفور رحيم يقبل التوبة من عباده، وأنه لَا تذهب السيئات عنهم فقط، بل إنه سبحانه يثيبهم في الآخرة، فيدخلهم جنات النعيم، فيدخلهم يوم القيامة الجنات التي تكون محل النعيم، وهذا جزاؤهم في الآخرة. أما الدنيا فقد قال فيه سبحانه: * * *

стр. 2948

(وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ ... (٦٦) * * * الضمير يعود إلى أهل الكتاب، وهم اليهود والنصارى، وقد عبر عنهم في الاسم الظاهر بأهل الكتاب للإشارة إلى أن لهم فضل علم يهديهم إلى الحق إن أخلصوا، وطلبوه صفوا غير مكدر بشيء من الأهواء والأحقاد وحسد الناس على ما آتاهم الله تعالى من فضله لو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل بإدراك ما فيهما من غير عوج في التفكير وئنفيذ ما اشتملا عليه من أوامر ونواه، ولم يحرفوا فيهما الكلم عن مواضعه، وأقاموا ما أنزل إليهم من ربهم، وهو القرآن الكريم لو فعلوا ذلك وقاموا بما خوطبوا به حق القيام لأتاهم الرزق من كل ناحية من السماء ومن الأرض، وقيل المراد برزق السماء ما يفيض من غيث وما في الأرض هو الزروع والثمار مما تخرجه الأرض، وما يستنبط من معادن وفلزات. وإن خير الأقوال أن يقال: إن المراد أن بسطه بالرزق يأتيهم من كل ما يحيط بهم، ويعمهم الخير، كما يعبر عن شدة العذاب بأنه يأتيهم من فوقهم ومن أسفل منهم، كما قال تعالى: (قُل هُوَ الْقَادرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فوْقكُمْ أَوْ مِن ئَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعا ويُذِيقَ بَعْفَكُم بَأْسَ بَعْضٍ. . .)، وفى النص الكريم بضع إشارات: أولها - التعبير عن القرآن بـ " ما أنزل إليكم من ربكم " ففيه إشارة إلى أنهم مخاطبون به، وأنه منزل إليهم مع غيرهم، وليسوا خارجين عن التكليف الذي دعا إليه. الإشارة الثانية - أن ما جاء في التوراة والإنجيل حقا هو من عند الله تعالى، وأن القرآن مصدق لما جاء قبله.

стр. 2949

الإشارة الثالثة - أن إقامة الشرع تأتي بالرزق الرغيد لمن أخذ بالأسباب واعتمد على الله تعالى حق الاعتماد، ويجب أن يعلم أن الرزق الحسن لَا يتنافى مع مجهود الابتلاء. (مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ منْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ) وإن هذا النص الكريم يشير إلى أنه لَا يخلو جنس من خير فهؤلاء الكتابيون الذي كان فيهم اليهود لَا يخلون من خير قد يدفعهم إلى الهداية وسلوك الحق المستقيم، فهؤلاء الكتابيون منهم أمة مقتصدة، والأمة: الجماعة من الناس الذين يجمعهم دين أو فكر أو مكان أو جنس أو نحو ذلك، ويقول الخليل بن أحمد: وكل شيء ضم إليه سائر ما يليه يسمى أمة، والاقتصاد من القصد، وهو استقامة الطريق، فالاقتصاد طلب الطريق المستقيم الذي يوصل إلى الهدالة والحق، والمعنى على هذا: منهم جماعة مستقيمة الإدراك تدرك الحق وتذعن إليه، وهي قليلة فيهم، وليست كثيرة، وإن هؤلاء لاستقامة طريقهم وحسن إدراكهم يصلون إلى الحق، ويؤمنون ويتقون، وبجوار هؤلاء كثير منهم تسوء أعمالهم، ويكون من حالهم ما يثير العجب من عظم ما فيها من سوء، فإن كلمة ساء تدل على التعجب من كثرة سوئهم، اللهم اهدنا إلى الحق واجعلنا من أهل القصد والإيمان. * * * (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٦٨) * * *

стр. 2950

فى الآيات السابقة ذكر سبحانه تعالى مواقف اليهود من رسالة محمد ﷺ وامتناع أهل الكتاب عن الإيمان بما جاء به تعصب من عندهم، وإن اختلفوا في معاملتهم، فمنهم من نافق وكذب وغدر، وألب عليه الجموع، وحرض المشركين وحالفهم، ومنهم من اقتصد في المخالفة، وبعض هؤلاء أحسن المعاملة مع الاختلاف ولم يمالئ عليه الأعداء والمشركون من وراء هؤلاء وأولئك يحاربون، ويحاولون أن ينتهزوا الفرص للانقضاض على المسلمين، فكان البلاء شديدا، حروب وفق يريدون إثارتها، وخبال يقصدون إليه، ولذلك أمر الله نبيه بأن يمضي في تبليغ الرسالة غير ملتفت لما يدبرون إلا بمقدار إحباطه، مطرحا عداوتهم وبغضاءهم، فالله تعالى عاصمه منهم، ولذا قال تعالت كلماته:

стр. 2951

(يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ). النداء للنبي ﷺ بوصف الرسالة لتشريفه بهذا الوصف الكريم، ولأنه مصطفى لها: (. . . اللَّه أَعْلَمُ حَيْث يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ. . .). وللتمهيد لما يأمره به من التبليغ، وأن يصدع بأمر الله لَا يراقب أحدا، ولا يخاف من عدو؛ لأنه يبلغ ما أنزل الله تعالى إليه، وقد زكى الأمر بالتبليغ ووثقه بقوله: (مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ). بما أنه منزل إليك من الله تعالى، فأنت الأولى بالتبليغ دون غيرك، والمسئول عن إعلام الناس بما أنزل الله تعالى، وإنك إذ تبلغ الرسالة في حماية الله تعالى وكلاءته، ولذلك قال تعالت كلماته: (مِن رَّبِّكَ). أي الذي خلقك ونماك وقام على رعايتك وهو الذي يحميك، ويدفع عنك السوء والشر، ويبلغك مبلغ الحق من نشر الرسالة ليؤمن من يؤمن عن بينة، ويكفر من يكفر عن بينة: (. . . وَمَا كُنَّا مُعَذّبينَ حَتَّى نَبْعثَ رَسُولًا).

стр. 2952

وقوله: (مَا أنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ). (ما) فيه دالة على العموم، وهي بهذا العموم تدل على معنى (جميع)، أي بلغ جميع ما أنزل إليك من ربك، أي لَا تخف شيئا ولا تكتم شيئا. ولقد روى أن النبي ﷺ قال: " إن الله تعالى بعثني برسالته فضقت بها ذرعا، وعرفت أن الناس يكذبونني، واليهود والنصارى وقريش يخوفونني، فلما أنزل الله هذه الآية: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ). زال الخوف " (١). فالرسول ﷺ بلغ الشريعة كلها غير منقوصة، وما كتم شيئا، ولقد قالت أم المؤمنين عائشة - رضي الله تعالى عنها - وعن أبيها: من قال: إن محمدا كتم شيئا من رسالة الله تعالى فقد أعظم الفرية (٢)، ولقد قال ﵇: " تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا بعدي أبدا كتاب الله تعالى، وسنتي " (٣). ولو كان قد ترك شيئا لمن بعده، لكان قد ترك تبليغ الرسالة، ولكن ذلك محال لقوله تعالى (وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ). أي إن لم تبلغ كل ما أنزل عليك فما بلغت الرسالة؛ ذلك لأن ترك بعض الرسالة ترك لها، فمن كلف تبليغ كتاب لواحد، فأسقط منه أسطرا لَا يعد قد بلغ الكتاب، ومن يؤمر بتبليغ كلام فيحذف بعضه لَا يعد قد بلغ الرسالة؛ لأن الرسالة فيما هو عند الناس كلٌّ لَا يقبل التجزئة، فكيف تقبل رسالة الله تعالى إلى خلقه، تجزئة فينقل بعضها، ويكتم بعضها، وقد عبر عن هذا المعنى الزمخشري في

стр. 2953

الكشاف، فقال " ذلك " أن بعضها ليس بأولى بالأداء من بعض، وإذا لم تؤد بعضها فكأنك أغفلت أداءها جميعا، كما أن من لم يؤمن ببعضها كان كأن لم يؤمن بكلها؛ لإدلاء كل منها بما يدليه غيرها، وكونها كذلك في حكم شيء واحد، والشيء الواحد لَا يكون مبلغا، وغير مبلغ، مؤمنا به، وغير مؤمن به " أي أن تبليغ بعض الرسالة وترك بعضها معناه ترك وجوب الإيمان به فترة بعد وفاة الرسول، وذلك غير معقول في ذاته، وغير مقبول في هذا الشرع الشريف؛ لأن الله تعالى عندما تأذن بموت رسوله قال تعالت كلماته: (. . . الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا. . .). وإنه يجب التنبيه إلى أمور ثلاثة: أولها - أن النبي ﷺ ما انتقل إلى الرفيق الأعلى حتى أتم الرسالة بيانا، وقد يقول قائل إن الشريعة منها ما هو ثابت بالنص، وهذا بلا ريب قد تم بيانه قبل وفاة النبي ﷺ ، وقسم قد ثبت بغير النصوص، فكيف يكون قد تم بيانه،؟! والجواب عن ذلك أن تبليغ الشريعة كان ببيانها، وليس معنى البيان أن يبين حكم كل جزئي من الجزئيات، بل معنى البيان أن تبين الأحكام الكلية والجزئية التي يحتاج بيانها إلى نص، والجزئيات التي لَا تبين يكون من الكليات ما يدل عليها بوجود العلة أو الغاية التي يثبت أن الشارع الحكيم أرادها، ولذلك يقول الإمام الشافعي في الرسالة الأصولية: البيان إما نص قائم، وإما حمل على نص قائم، ولا شك أن كل حكم لَا نص عليه يثبت الحكم فيه بالحمل على نص قائم، سواء أكان الحمل بطريق القياس، أي بإثبات الحكم غير المنصوص عليه في موضعه بالقياس على الحكم المنصوص عليه، في موضع يشبهه، ووجه الشبه العلة المؤثرة في الحكم، أم كان الحمل بطريق وجود المصالح ودفع المضار المتفق مع مقاصد الشرع، وغايات أحكامه، وذلك موضع اجتهاد الفقهاء. الأمر الثاني - أنه يجب التنبيه إلى أن الذين يأخذون ببعض أحكام الشريعة مؤمنين بها، ويطرحون الآخر وراءهم ظهريا يحسبون أن ما اطرحوه ليس من

стр. 2954

الشرع ينكرون تبليغ النبي ﵊ للرسالة كاملة، وذلك انحراف يؤدي إلى الكفر والعياذ بالله. الأمر الثالث - في قوله تعالى: (وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ) فكيف يكون الشرط والجزاء في معنى واحد، لأن الشرط ظاهر معناه أنك إن لم تقم بالتبليغ كاملا صادعا بالحق، فما بلغت الرسالة أي أنك إن لم تبلغ فما بلغت، وجزاء الشرط يجب أن يكون معنى مترتبا على الشرط، وذلك يقتضي المغايرة بينهما، فلا يمكن أن يكونا شيئا، وظاهر النص أنهما شيء واحد. وقد أجيب عن ذلك بجوابين: الجواب الأول - أن المعنى أنك إن لم تقم باداء الرسالة كلها بأن تركت بعضها، فإنك تكون كمن ترك الرسالة كلها، وقد اعترض على ذلك الفخر الرازي بأن ترك بعض الرسالة لَا يمكن أن يكون كترك كلها، والجرم في ترك بعضها ليس كالجرم في تركها كلها، وإني أرى أن اعتراض الإمام فخر الدين الرازي غير وارد، لأن ترك جزء من الرسالة من غير تبليغ يكون تركا للرسالة ذاتها، ولذا عبر في الجزاء بقوله تعالت كلماته: (فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ) أي إن لم تفعل بتبليغها كاملة فما أديت واجب التبليغ، وجرم الجزء كجرم الكل إذا كان يتعلق بالاعتقاد فمن أنكر بعض ما يجب الإيمان به يكون كمن ينكر كله إذ يكون ممن يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض. الجواب الثاني - أن يكون الكلام من قبيل بيان أن الشرط ذاته يكفي أن يكون فيه كمال التخلي عن التبليغ، والمعنى على هذا أنك لم تقم بالتبليغ فحسبك أنك تخليت عما يجب عليك أن تفعله، وهو عملك كرسول - وإن التبليغ يقتضي جهودا وبلاء، وتعرضا للأذى، وقد أشار الله إلى ذلك، وبين أنه في حماية الله تعالى، وكفالته، ولذا قال سبحانه: (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) العصم: الإمساك، ويتضمن الإمساك الحماية، ومنع الأذى، وجاء في مفردات الأصفهاني: عصمة

стр. 2955

الأنبياء حفظه إياهم أولا بما خصهم به من صفاء الجوهر، ثم بما أولاهم من الفضائل الجسمية والنفسية ثم بالنصرة، وبتثبيت أقدامهم، ثم بإنزال السكينة عليهم وبحفظ قلوبهم وبالتوفيق قال تعالى: (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ). ومعنى العصمة من الناس على هذا ألا يُمكَّنوا منه ﵇ ومن دعوته، ومن نفسه، فأوهامهم لَا تعلق بنفسه ونفاقهم لَا يؤثر في دعوته، وخلافهم وعنادهم لَا يمنعان الحق من أن يصل إلى قلوب أهل الهداية والإيمان، ولجاجتهم في الكفر لَا تثنيه عما يدعو إليه، ويستمسك به، وما يثار عليه من حروب لَا تهزمه ما دام هو ومن معه آخذين في الأسباب ناصرين لله وللحق. وليس عصمة الله تعالى أن يكون الوصول إلى الحق هينا لينا سهلا، بل إنه لَا بد من الجهاد، ولا بد من نزول البلاء بل بتوالي الابتلاء، كما قال تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤). فالعصمة هي عصمة النفس والجسم من القتل، والدعوة من أن يعوق طريقها ويقضى عليها، وإن كان الأذى البدني يقع كشج رأسه وكسر ثنياته، وغير ذلك مما كان يفعله المشركون واليهود معه ﵇. والناس لَا يختصون بالمشركين واليهود، بل المراد السلامة مع الجهاد، من كل ما يكون من الناس عامة إذ لَا دليل على التخصيص، وكان ممن آذوا النبي ﵇ كسرى فارس، وما كان من هؤلاء ولا هؤلاء وقد عصمه تعالى منه. وقد ختم الله الآية بقوله تعالت كلماته: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) والهداية التي ينفيها هذا النص الكريم هي الوصول إلى الحق، لأن الجحود قد ران على قلوبهم بما كسبوا من شر، وما اجترحوا من سيئات، وما لجت به نفوسهم من عناد، وهم لَا يصلون إلى النيل من الحق وتعويق الدعوة،

стр. 2956

وعبر عن الكافرين بالقوم للإشارة إلى أنهم مهما تعددت أجناسهم وتباينت عناصرهم يلتقون عند غاية واحدة، وهي معاندتك والكفر بما جئت به، فهم بذلك التآلف في الإنكار صاروا كأنهم قوم متحدون. وإذا كان الكفر قد جمعهم فإنه لَا يفرق بينهم كون بعضهم كتابيا، وبعضهم أميين، فلا فضل للكتابيين على الوثنيين في الكفر، ولا شرف بكونهم أهل كتاب ما داموا لم يؤمنوا به ولم يقيموه، ولذا قال تعالى: * * *

стр. 2957

(قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ... (٦٨) * * * كان أهل الكتاب في البلاد العربية يستعلون على من فيها من أهل الوثنية، لأن عندهم علما من السماء، بأنه سيكون منهم نبي ينصرهم ويؤيدهم، ولأنهم يتبعون نبيا من الأنبياء، وأنه كما حكى الله عنهم، إذ قال تعالت كلماته: (. . . وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ). وكانوا يسمون العرب أميين توهينا لشأنهم، ولبيان شرفهم بالعلم عليهم، فأمر الله تعالى نبيه أن يبين لهم أنهم لَا يمكن أن يكونوا أعلى شأنا من الوثنيين إلا إذا اتبعوا الكتب التي جاءت لأنبيائهم، والكتاب الذي يخاطبون به وهو القرآن؛ لأن شرفهم وفخارهم بهذا العلم، فلا بد أن يقيموه، ويعطوه حقه، وإلا فهو حجة عليهم، وليس حجة لهم، وهو موضع مؤاخذة، وليس سببا للمفاخرة. وأمر الله تعالى نبيه بأن يتولى هو خطابهم؛ لأن الجدل والمعاندة كانت منهم له، ومعنى قوله تعالى: (لَسْتُمْ عَلَى شيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا) إنكم معشر أهل الكتاب لستم على شيء مما يعلو به الإنسان من علم أو دين أو خلق أو فضل، حتى تقيموا التوراة والإنجيل، وما أنزل عليكم من ربكم، وهو القرآن، لأنكم تعتزون بعلم الكتاب فلا شيء لكم من الاعتزاز والفضل إلا إذا أقمتم ما تعتزون به، فلتنفذوا ما جاء في التوراة والإنجيل والقرآن، وبذلك تحققون السبب، فيتحقق المسبب، وهنا إشارتان بيانيتان.

стр. 2958

إحداهما - التعبير بقوله تعالى (لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ) بالتعبير بـ " على " بدل " الباء "، وذلك أن حالتهم كانت حال استعلاء على غيرهم فكان المناسب أن يعبر بحرف ألاستعلاء وهو " على "؛ لنفي ذلك الاستعلاء، والتعدية بالباء تفيد أن النفي منصبّ على ذواتهم، وإنما النفي منصب على استعلائهم. الثانية - التعبير عن القرآن بما أنزل إليكم من ربكم، فلم يقل حتى تقيموا التوراة والإنجيل والقرآن - كان فيه تصريح بأنهم مخاطبون به، وأنهم ممن أنزل لأجلهم، وإلى ذلك يشير قوله ﵊ " لو كان موسى حيًّا ما وسعه إلا أن يؤمن بما جئت به " (١). (وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا) قد تكلمنا في معنى هذا النص الكريم، وما فيه من توكيد، وذكرنا أن القرآن المنصف لَا يحكم على الجميع بالشر، وفيهم أخيار، ولذلك كان حكمه على الكثرة لَا على القلة، وإن طغيانهم هو ظلمهم للحقائق، وإفراطهم فيما يطغون به على أهل الإيمان، وأشرنا إلى علة ذلك وهي حقدهم، وحسدهم، وأن النعمة تجيء إلى المحسود، فتزيد الحاسد حقدا وضغنا. ولكن لِمَ كرر القول هنا وقد ذكر آنفا؟ والجواب عن ذلك أن كلام اليهود الذي حكاه الله تعالى عنهم كان في جنب الله مما يدل على إيغالهم في الكفر والإنكار، وأنهم حاقدون على النبي ﷺ فلا يزيدهم ما أنزل عليه إلا طغيانا وكفرا، أما هنا فقد جاءت عقب الأمر الجازم بوجوب التبليغ وتعميمه - بالنسبة للموضوع، وبالنسبة للأشخاص فيبين سبحانه لنبيه ﵇ أنه مع التبليغ لا يرجو الإيمان: (. . . إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ. . .). ولذلك قال سبحانه بعد ذلك: (فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) الأسى: الحزن، وحقيقته اتباع الفائت بالغم والألم، والمعنى لَا تأس على إصرار الكافرين على كفرهم، ونزول اللعنة والعذاب

стр. 2959

بهم، لَا تتأسف لذلك، لأنك قد بلغت، ولأنه يجب أن تتوقع منهم الكفر والجحود، لأن كثيرا منهم لَا يزيدهم ما أنزل إليك إلا طغيانا وكفرا، ولأن تبعة الخطيئة عليهم دون غيرهم، ولأن الإيمان والهداية كما يريد الله، لَا كما تريد أنت (إِنَّكَ لَا تهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ). اللهم اهدنا للإيمان، واهد المسلمين للإيمان، فلا عزة لهم إلا به، وإنك أنت العزيز الحكيم. * * * (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩) لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (٧٠) وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٧١) * * * في الآيات السابقة أشار سبحانه إلى استعلاء اليهود والنصارى لأنهم أهل كتاب جاءت إليهم الرسل بالتعليم والتوجيه فبين أن الاستعلاء بالإذعان، واتباع ما جاء إليهم والإيمان به، وفي هذه الآية يبين أن الناس جميعا في النجاة سواء، لَا فرق بين يهودي ونصراني، وعبدة للكواكب، فالإيمان يجبّ ما قبله، ويسوي بين المؤمنين:

стр. 2960

(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى) في هذا يبين سبحانه أن أساس النجاة وذريعة الثواب، ومنع العقاب الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح واستشعار خشية الله واتقاء عذابه، وإطاعة ما أمر، والانتهاء عما نهى عنه وزجر. ولا ينظر في ذلك إلى سابق ما كانوا يتدينون، ولا إلى ما كانوا ينتحلون من نحل، فكما أنه لَا تفرقة أمام الله تعالى بالجنسية لَا تفرقة أيضا بالنحلة والملة إذا كانوا ينتهون إلى الإيمان بالله واليوم الآخر، ولذلك أكد أن الذين آمنوا بما جاء به محمد، والذين هادوا أي اليهود، والصابئين والنصارى، من كان منهم يؤمن بالله واليوم الآخر ويعملون صالحا، لَا خوف عليهم من عقاب ولا مؤاخذة عليهم فيما فرط من ذنوب إذ الإيمان يجبّ ما قبله، ويمحو ما سبقه مما ارتكبوا، فهذا النص الكريم كما يفيد التسوية بين النحل السابقة إن استقاموا على الجادة، والتقوا عند منجاة الإيمان يفتح أيضا باب الرجاء، ويقرب التوبة. وهنا أصناف أربعة هم الذين آمنوا، واليهود، والصابئون، والنصارى. فالذين آمنوا هم الذين أذعنوا للحق، وآمنوا بما جاء به محمد ﷺ وصدقوه، وأطاعوه، واليهود هم بنو إسرائيل الذين هم شر البرية بأعمالهم إن أقلعوا عنها، فباب الرحمة مفتوح يدخله كل عباد الله تعالى. والصابئون أو الصابئة طائفة ظهرت في بلاد المشرق، وقد قيل فيها: إنهم يعبدون الكواكب، وبعضهم قال: إنهم يقدسونها من غير عبادة، ولا يخرجهم ذلك عن الشرك؛ لأن تقديس ما لَا سبب لتقديسه نوع من العباده، وإن لم تكن بالصلاة. وقد حدث أن ادعوا الدخول في النصرانية في عهد المأمون، فإنه التقى بهم في إحدى الغزوات، فسألهم من أي أهل الذمة أنتم؟ فقالوا: صابئة، فقال: لَا بد أن تدخلوا في دين من الأديان السماوية أو أخرجكم من ديار الإسلام، لأنه لا عقد ذمة إلا مع أهل دين سماوي، (وذلك أحد الآراء الفقهية وأشهرها) فاختار الأكثرون منهم أن ينتحلوا اسم النصرانية، ومنهم من بقي على عبادة الكواكب،

стр. 2961

وإن أظهروا غير ما يعتقدون، ومنهم من خلط بين النصرانية، وما بقي لهم من بقايا تقديس الكواكب، وهم أكتم الناس لعقائدهم، ولا تزال بقية باقية منهم في تخوم العراق، ولا يستطيع أحد أن يجزم بحقيقة اعتقادهم. والنصارى، وهم طوائف مختلفة، تجمعهم ألوهية المسيح، والتثليث، ومتفرقون فيما وراء ذلك ما بين كاثوليك أو ملكانية، وأرثوذكس أقباط، وطوائف غربية، ونساطرة ومارون، وغيرهم. والنص الكريم كما تلونا هو هكذا: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى) ونرى أن " الصابئون " مرفوعة، وظاهر السياق أن تكون بالنصب، فتكون والصابئين وهذه قراءة ابن كثير، وقراءة الآخرين بالرفع، ولذلك تكلم المفسرون في هذه القراءة التي يقرأ بها الأكثرون. وقد خاضوا في ذلك لأجل التخريج النحوي، وليس لأحد أن يخطِّئ القراءة من الناحية اللغوية، إلا أن يكون كجهلة بعض المستشرقين الذين يحسبون أن قواعد النحو حاكمة على القرآن، وذلك من فساد النظر؛ لأن القرآن فوق النحو، إذ النحو يستقى منه، وهو لا يخضع لما يقرره النحويون، بل هم الذين يخضعون له، وأن القرآن قد ورد بذلك فهو قد دل على أن العطف على اسم إن بالرفع جائز، ولو كان الخبر متأخرا، ولا يحتاج إلى شاهد سواه، وأنه هو الشاهد الأول على سلامة التعبير من الوجهة العربية، ومع ذلك قد جاءت شواهد من كلام العرب بوجوب رفع المعطوف على اسم (إن) قبل وجود الخبر، فقد قال ضابي بن الحارث: فمن يك أمسى بالمدينة رحله ... فإني وقيارٌ بها لغريب وترى أن العطف بالرفع على اسم إن جاء قبل الخبر، وهو مذهب بعض النحويين، ويرجحه القرآن الكريم إذ جاء فيه ذلك، وهو خير شاهد. وقد أخذ النحويون يخرجونه على مقتضى قواعدهم، المانعة عند الذين يمنعون، فقال بعض المخرجين: إن الخبر ليس هو خبر الصابئين، إنما الصابئون مبتدأ خبره محذوف تقديره كذلك، وقال غيرهم: إن اسم (إن) أصلها مبتدأ

стр. 2962

دخلت عليه إن، فروعي معنى الابتداء فيه فرفع على هذا المعنى، وكل هذه تخريجات، النص فوقها، ولا عبرة بها لأنها لَا تحكم على القرآن، بل إن العطف بالرفع جائز، وقوله تعالى: (مَنْ آمَنَ) بعد ذلك خبر للجميع. ومهما يكن من تخريجات أكثر النحويين وتجويز غيرها فإن القرآن أبلغ كلام في الوجود لَا بد أن يكون في عدوله عن النصب الذي هو ظاهر السياق إلى الرفع معنى قائم بذاته. فما هو ذلك المعنى؟ قالوا: إن الصابئين أشد إيغالا في الكفر من اليهود والنصارى، فكان لَا بد من تنبيه خاص بهم؛ ليكون ذلك تأكيدا لمعنى قبول التوبة والغفران؛ لأنهم إذا كانوا يغفر لهم وهم على هذه الحال من عبادة الكواكب، وعدم وجود كتاب، وكتمانهم اعتقاداتهم، فأولى ثم أولى أن يغفر لمن دونهم من ذلك الجحود، وهم اليهود والنصارى، ولأن الصابئين يشير بيان الغفران لهم إلى قبول توبة المشركين إذا آمنوا بعد شرك، كما قال تعالى: (قُل لّلَّذِينَ كفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِن يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأَوَّلِينَ). وقد بين سبحانه خبر إن وهو جزاء الإيمان بعد كفر، فقال سبحانه: (مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ). هذا هو الخبر، وفيه جزاء الإيمان وما تطلبه حقيقته، فذكر سبحانه أمورا ثلاثة هي الإيمان بالله تعالى وذلك يتضمن الإيمان بوحدانيته، وأسمائه الحسنى، وأنه الخالق وحده، والمهيمن على الوجود وحده، وأنه الأزلي الذي ليس له ابتداء، والباقي الذي لَا يعروه الفناء، وأنه لَا يشبه أحدا من خلقه، وليس كالأشياء، لا يُحس، ولا يحتويه مكان، وهو منزه عما تتصف به الحوادث إلى آخر كل ما يقتضيه التنزيه، وليس بوالد ولا ولد، وليس له كفوا أحد، والإيمان باليوم الآخر هو الإيمان بالبعث والنشور، والحساب والعقاب والثواب، وإنها جنة أبدا، أو نار أبدا، وأن الإنسان مجزيٌّ بعمله، وإن خيرا فخير أو شرا فشر: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨).

стр. 2963

وذكر النص القرآني، أمرا ثالثا، وهو العمل الصالح الذي يلقى الله تعالى وهو قائم به، مستمرا عليه، وهذا وإن لم يكن ركنا من أركان الإيمان، ولكنه شرط لما جاء بعد ذلك من عدم الخوف والحزن، فإن المرتكب لَا يمكن أن يكون في أمن من غضب الله، بل يكون حزينا على ما ارتكب، وإن قوى الإيمان إن عمل يكون عنده برد اليقين، والمؤمن الصادق يغلب الخوف على الرجاء، ولو كان طاهرا مطهرا، فكيف لو كان مرتكبا. وقد يقول قائل: لماذا لم يذكر الإيمان برسالة النبي ﷺ -مع أنه ركن من أركان الإيمان، فشهادة أن لَا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله تعالى هي لب الإيمان!. والجواب عن ذلك: أن الإيمان بالرسالة المحمدية التي قامت عليها الأدلة من المعجزات الباهرة ثمرة الإيمان بالله ولازمة له، فلا يمكن أن يكون مؤمنا بالله من يكذب رسوله الذي قامت الشواهد والأمارات على صدق رسالته، والإيمان بالله يقتضي الإيمان بصدق كل ما جاء في كتابه المنزل الذي لَا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهكذا فإن الإيمان بالله تعالى يقتضي الإيمان بالرسالة والرسل والإيمان بما جاءت به الكتب المنزلة. وجزاء هذا الإيمان الصادق والعمل الصالح ألا يكون المؤمن في خوف من قابل حياته في الآخرة، فلا يخاف عذاب يوم القيامة؛ لأن الإيمان هو الحصن الذي يلوذ به الخائفون، ولا يحزن على ما كان منه في كفره، وإنه في الجنة لا همَّ، ولا حزن ولا عذاب. وقد تكلم العلماء في أمرين لَا بد أن نتكلم فيهما: أولهما - أن الله تعالى ابتدأ طوائف الذين يغفر لهم أن آمنوا بالمؤمنين فقال سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا)، وجاء الخبر من بعد: (مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ)، فكيف ينطبق هذا الخبر على الذين آمنوا، وهم قد سبق إيمانهم، فلا يحتاج إلى

стр. 2964

تجديد، ولو كان الخبر مقصورا على الذين هادوا والصابئين والنصارى لكان له موضعه ظاهرا، لأنهم غير مؤمنين. وقد أجاب العلماء عن ذلك بجوابين: أحدهما - أن الذين آمنوا قد يراد بهم الذين أعلنوا الدخول في الإسلام وإن لم تذعن قلوبهم، ولكن هذا الجواب لا نرتضيه لأن المنافقين ومن لم يذعنوا للحقائق الإسلامية لَا يسمون مؤمنين، اقرأ قوله تعالى: (قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا ولَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ. . .). الجواب الثاني - أن معنى آمن بالنسبة لهم استمرار الإيمان، وبالنسبة لغيرهم إنشاؤه، ونرى في هذا الجواب نوعا من دلالة اللفظ على معنيين متقاربين في موضع واحد، إذ يراد الإذعان، والاستمرار عليه، وإني أرى أن الخبر ليس للحكم بقبول الإيمان فقط، بل إنه خبر في معنى الشرط والجزاء فيه إثبات أن الإيمان مناط النجاة والثواب، وذلك ينطبق على المؤمنين ومن يدخلون في الإيمان. الأمر الثاني - هو دخول الفاء في قوله تعالى: (فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ). وقد قيل في ذلك: إن الموصول في (من آمن) في معنى الشرط، والفاء تدخل في خبر الموصول كما تدخل في جواب الشرط.

стр. 2965

(لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا) فتح الله تعالى باب القبول على اليهود والنصارى والصابئين، وقد أخذ سبحانه يبين كيف فتح الباب لهم من قبل ولكن غلقوه على أنفسهم، وقد ذكر سبحانه في هذا النص أمرين: أولهما - أنه تعالى أخذ عليهم الميثاق، والثاني - أنه أرسل رسلا ليسهل تنفيذ هذا الميثاق. والميثاق عقد موثق مشدد فيه، كما يشد الوثاق، وهو مؤكد بيمين الله تعالى، والله تعالى قد أخذ هذا الميثاق على بني إسرائيل بأن يقوموا بالتكليفات التي يكلفهم إياها، ولم يذكر هنا موضوع الميثاق، وقد ذكره في مواضع كثيرة من كتاب الله تعالى، فترك هنا بيانه حملا عليها، ومن نصوص ميثاق الله تعالى على بني إسرائيل قوله تعالى: * * *

стр. 2966

(لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (٧٠) * * * وقد أكد الله سبحانه في الآية الكريمة التي نتكلم في معانيها (أخذ)، باللام وبـ " قد "، وبإضافة الأخذ إليه فقال سبحانه: (لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ). ومع أخذ الميثاق المؤكد، لم يتركهم هملا، بل أرسل إليهم الرسل من عنده ليؤكدوا الميثاق، ويبينوه ويعاونوهم على تنفيذه، وقد جاءت كلمة (رسُلًا) بالتنكير، وهو هنا للتكثير، أي أرسلنا إليهم رسلا كثيرة، ولم تكن نتيجة الميثاق وإرسال الرسل محمودة لهم، بل كانت منهم نكرا، ولذا قال سبحانه: (كلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ) لقد كان الحكم الذي ارتضوا حكومته هواهم وشهواتهم، فما يوافق هواهم اتبعوه، وما لا يوافق هواهم ردوه، فاتخذوا بذلك إلههم هواهم وضلوا عن علم، ووقعوا في الشر، فلم يجعلوا العقل والميزان هو الحكم الذي يقبلون ما يقبله، ويردون ما يرده، وإنه ترتب على تحكيم الهوى وسيطرته عليهم أن كذبوا فريقا واكتفوا بالتكذيب، وأن قتلوا فريقا. وهنا بعض مباحث لفظية تبين منها معنى النص الكريم: أولها - عدم وجود جواب الشرط، وهو " كلما "، فقال الزمخشري: قام مقامه فريقا كذبوا وفريقا يقتلون، أو هو في الحقيقة جواب الشرط، لأن المعنى كلما جاءهم رسول بما لَا تهوى أنفسهم كذبوا فريقا وفريقا قتلوه، وبعضهم قال: إن الجواب محذوف تقديره، و " استكبرتم "، وأخذه من قوله تعالى في آية أخرى: (. . . أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (٨٧). وإن الأوضح هو ما قرره الزمخشري؛ لأن قوله (فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ) تصلح جوابا، فلا حاجة إلى تقدير، وأما الآية الأخرى فقد جاءت الفاء في قوله:

стр. 2967

(فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ) فكانت الجملة غير " صالحة لأن تكون جواب الشرط، فكان لَا بد من التصريح بجواب الشرط. المبحث الثاني - أن الله قسمهم فريقين فريقا كذبوه، وفريقا قتلوه، ولا شك أنه مع القتل التكذيب، ويكون المعنى على هذا أن هناك فريقا اكتفوا بتكذيب الرسول، وفريقا آخر ذهبت بهم اللجاجة في العناد وعداوة الهادين إلى أن يقتلوه. والمبحث الثالث - التعبير عنِ التكذيب بالفعل الماضي فقال: (فَرِيقًا كَذَّبُوا). وعن القتل بالمضارع: (وَفَرِيقَا يَقْتلُونَ). وقد علل ذلك الزمخشري بأن المضارع يدل على استحضار الجريمة البشعة التي ارتكبوها، وهي أن يقتلوا هاديهم ومرشدهم، وهناك تعليل آخر، وهو أنهم على استعداد لأن يقتلوا خاتم الهداة محمدا ﷺ ، وقد هموا ولم ينالوا. * * *

стр. 2968

(وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٧١) * * * الفتنة أصل معناها إدخال الذهب النار لتظهر جودته، وأطلقت الفتن في لغة القرآن على الشدائد التي تنزل ليختبر قلب المؤمن، فإن صبر ظهر إيمانه قويا شديدا، وإن خار ووهن كان من ضعفاء الإيمان ولقد قال تعالى: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنونَ). واليهود لما أنعم الله تعالى به عليهم إذ أخرجهم من قسوة فرعون، ونجاهم بفلق البحر، حتى مروا، وغلقه على فرعون وقومه، حتى غرقوا، وهم ينظرون وأعطاهم من بعد ذلك المن والسلوى وغير ذلك ما أجزله تعالى عليهم من خير، حسبوا أن الإيمان جلب لَا سلب فيه، وهناءة لَا يرنقها تعب، ولذلك حسبوا ألا تكون فتنة تنزل بهم، ولكن الله أنزل عليهم هزائم تتلوها هزائم واختبرهم بقحط ينزل بهم، حتى يصقل إيمانهم، وكان ذلك الحسبان منهم لانغمار نفوسهم بالشهوات، لأنها تعمي وتصم، وترين على البصر بغشاوة فلا يرى، وتضع على الآذان وقرا فلا تسمع.

стр. 2969

ولذلك رتب الله تعالى على حسبانهم ألا فتنة تنزل أن عموا عن إدراك الحق، فلم يصلوا إليه، وأن صموا عن سماع الهادي فلم ينصتوا إليه، وبذلك سدت عليهم منافذ الإدراك، فلا عقل يدركون به إذ غشيته الشهوات حتى أعمته وجعلت عليه غشاوة ولا وعي يستمعون به إلى صوت الهداية. وقد نزلت بهم شدائد صقلت نفوسهم كالشدائد التي أنزلها التتار بهم، فاستيقظت مداركهم وسمعت الحق آذانهم، وجاء الأنبياء أمثال داود وسليمان فأنقذوهم، ولكن ما إن أحسوا ببحبوحة النعمة حتى استولت عليهم الشهوات فعموا وصموا ولكن كانت بقية صالحة، وهنا مباحث لفظية نذكرها، لأنها تقرب إلينا معنى النص الكريم. الأول - أن قوله تعالى: (أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ) بنصب النون في تكون، وقرئ بضمها (١)، والقراءة الأولى على أساس أن " حسب " بمعنى الظن الغالب، والثانية على أساس أن " حسب " بمعنى علم، والقراءتان متواترتان، وهما تنتهيان إلى أنهم ظنوا، ثم لغلبة الشهوات وسيطرتها تحول الظن إلى يقين أو كاليقين. الثاني - أن معنى: (عَمُوا وَصَمُّوا) فيه تشبيه حالهم في غلف قلوبهم واستيلاء الشهوات عليهم وعدم إدراكهم الحق بأنفسهم وعدم استماعهم للداعية بحال الأعمى الذي لَا يبصر، ولا يستمع إلى من يدعوه ليسير في الطريق القويم. الثالث - أن المفسرين أرادوا أن يفسروا متى كانت التوبة التي يسترشدون فيها ثم الصمم الذي يلي الرشاد وقالوا في ذلك أقوالا كثيرة، وعندي أن توبتهم بشديدة تنزل بهم، يخرجهم الله منها، ثم عودتهم إلى ما كانوا عليه متكررا.

стр. 2970

الرابع - أن قوله تعالى: (ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كنِيرٌ منهُمْ) فيه معنى التراخي المعنوي لبعد ما بين التوبة والعمى والصمم. وكثير منهم بدل من الضمير، وفي هذا إشارة إلى تأصل الصمم والعمى حتى صاروا أهلا لأن يحكم على الجميع بسببهم ولكن عدل الله أخرج المهديين منهم. بهذا ختمت الآية، وهي تدل على أن الله ﷻ عليم بما كان منهم علم من يبصر، وهو مجازيهم بأعمالهم، وهو فوقهم، وهو بكل شيء محيط. * * * (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣) أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤) مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥) * * *

стр. 2971

بين سبحانه ضلال اليهود وما كان ضلال فكر، بل ضلال قلب، ذلك لأنهم عرفوا الحق، ولكن حقد قلوبهم وحسد نفوسهم منعهم من الإذعان للحق الذي تبين لهم، وأدركوه، وطمس الله عليهم فجعل قلوبهم غلفا لَا ينفذ الحق إليها، وبعد ذلك ذكر ضلال النصارى، وكان ضلالهم ضلال العقل الذي انحرفوا به تحت تأثير وثنية قديمة، أو فلسفة واهمة سيطرت في زمانهم. فكان الضلال ضلال فكر انحرف فاعتنقوا غير المعقول، وآمنوا بما هو مستحيل، ولا عجب في ذلك إذ استهوت العقول أفكار منحرفة شردتهم عن الجادة المستقيمة، وقد أخذ سبحانه يصور كفرهم فقال تعالت كلماته:

стр. 2972

(لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ) أكد الله كفر الذين قالوا إن الله - تعالى الله عما يقولون - هو المسيح ابن مريم، ويظهر أنه كان من هؤلاء الذين انحرفت عقولهم من زعم أن الله تعالى حل في جسم فكان هو المسيح، مع أنهم يقرون أن مريم ولدته، وأن منهم وهم الأكثرون من يقولون: إنه ابن الله قد حلت فيه الألوهية، وهم بهذا الاعتبار قد قالوا: إن الله هو المسيح باعتبار أن الألوهية حلت فيه، وأنه الإله أو ابن الإله. وحقيقة - هذه النصرانية التي انحرفت عن أصل الديانة - المسيحية التي جاء بها المسيح، أنه بعد أن ترك المسيح هذه الدنيا تعرض المسيحيون لاضطهادات شديدة استمرت نحو ثلاثة قرون كانوا فيها يفرون بدينهم ويختفون وتحرق كتبهم، حتى صار أصل العقيدة معرضا لمنازع مختلفة، ولكن التوحيد هو السائد الغالب، وما أن رفع الاضطهاد عنهم، حتى تعرضوا لفتنة أشد من الأذى البدني، فتعرضوا لأذى في العقيدة ذاتها، وهو أشد وأنكى، إذ أدخلت الوثنية في النصرانية بتأثير قسطنطين ملك الرومان، ولنترك الكلمة لابن البطريق النصراني يتكلم عن الأهواء التي دخلت في عقول المسيحية، فقد فال عن " مجمع نيقية " الذي أعلن ألوهية المسيح، والذي انعقد لمنع دعاية الوحدانية التي حملها أسقف اسمه أريوس، ويتبعه في فكرته أكثر المسيحيين قال ذلك النصراني:

стр. 2973

(بعث الملك قسطنطين إلى جميع البلدان فجمع البطارقة والأساقفة، فاجتمع في مدينة نيقية ثمانية وأربعون وألفان من الأساقفة مختلفين في الآراء والأديان، فمنهم من كان يقول إن المسيح وأمه إلهان من دون الله وهم البربرانية، ومنهم من كان يقول إن المسيح من الآب بمنزلة شعلة نار انفصلت من شعلة نار، فلم تنقص الأولى بانفصال الثانية عنها، وهي مقالة سابليوس وشيعته، ومنهم من كان يقول لم تحمل به مريم تسعة أشهر وإنما مر في بطنها، كما يمر الماء في الميزاب؛ لأن الكلمة دخلت في أذنها، وخرجت من حيث يخرج الولد من ساعتها، وهي مقالة إليان وأشياعه. ومنهم من كان يقول: إن المسيح إنسان خلق من اللاهوت كواحد منا في جوهره، وإن ابتداء الابن من مريم، وإنه اصطفى ليكون مخلصا للجوهر الإنسي صحبته النعمة الإلهية، وحلت فيه بالمجد والمشيئة، ولذلك سمي ابن الله، ويقولون إن الله جوهر قديم وأقنوم واحد، ويسمونه بثلاثة أسماء، ولا يؤمنون بالكلمة ولا بروح القدس، وهي مقالة بولس الشمشاطي بطريرك أنطاكية وأشياعه، ومنهم من كان يقول إنهم ثلاثة آلهة لم تزل صالح وطالح وعدل بينهما، وهي مقالة مرقيون اللعين وأصحابه، وقد زعموا أن مرقيون هو رئيس الحواريين، وأنكروا بطرس. ومنهم من كان يقول بألوهية المسيح، وهي مقالة بولس الرسول، ومقالة الثلاثمائة وثمانية عشر أسقفا). هذه هي الأهواء والآراء التي كانت تذكر في الجماعات المسيحية وظهرت عندما زال الاضطهاد، وحل محله الأمن، ولم يذكر ما كان يقرره أريوس الذي انعقد المجمع لإنهاء دعوته، والحق أن دعوة أريوس كانت هي البقاء على الوحدانية، فقد قرر كتاب تاريخ الأمة القبطية أن دعوة أريوس كانت منتشرة وكانت عامة وكان السائد عند الكثيرين إنكار ألوهية المسيح، فقد كانت كنيسة أسيوط على هذا الرأي، وكان للرأي الأصيل رأى أريوس مشايعون في فلسطين ومقدونية والقسطنطينية. ولكن أُريدَ تحويل المسيحية من التوحيد إلى الوثنية قبل أن يدخل فيها قسطنطين فانتقل للرأي الذي يتفق معها وهو ألوهية المسيح، فاعلن موافقته على

стр. 2974

رأى ٣١٨ (ثمانية عشر وثلاثمائة) من جمع عددهم ثمانية وأربعون وألفان، واضطهد من عداهم، وقامت منازعات بين الوحدانية والوثنية، حتى اختفت أصوات الوحدانية في الأوساط النصرانية. (وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ) في هذا النص الكريم بيان لحقيقة الدعوة التي دعا إليها عيسى ﵇ ونفي نفيا مطلقا ادعاءاتهم الألوهية له فقد كانت دعوته التي كان موطنها بني إسرائيل، وانبثق نورها، من أوساطهم إلى غيرهم من الناس، هي إلى التوحيد في العبادة إذ لَا ألوهية سواه، وزكى التوحيد بقوله: (رَبِّي وَرَبَّكمْ). فإن هذا النص يمنع الألوهية من نواح ثلاث: الناحية الأولى - إثبات أن الله هو ربه الذي خلقه ونماه، وأنشأه كما أنشأ غيره، والناحية الثانية - التسوية بينه وبين غيره من الخلق في التكوين والإنشاء والتربية، فهو في هذا لَا يفترق عن أحد من البشر، والناحية الثالثة أنه لَا يمكن أن يكون فيه عنصر الألوهية؛ لأن الله تعالى رباه ونماه، كما كان بالنسبة لغيره، وليس مما يسوغ للإله أن يأكل ويشرب وينمو كسائر البشر. فذاته العلية منزهة عن الأحداث، ولا يليق بها الاحتياج. وفى النص الكريم إشارة إلى جريمة من جرائم بني إسرائيل، وهي أنهم كذبوا المسيح ﵇ وناوءوه كما ناوءوا محمدا، إذ كفروا بالمسيح مع أنه رسول إليهم، وهموا بقتله، وادعى النصارى أنهم قتلوه، وإن هذه الدعوه التي نادى بها المسيح بين ظهرانيهم وفي قوم لم تجد أرضا خصبه في أوساطهم، وحرضوا على المسيح ﵇ واستمر الاضطهاد للنصارى، حتى غيرت وبدلت لهم في ذلك يد فعالة، وعليهم من وزرها قسط كبير. وقد حذر المسيح من الشرك، فقال ناهيا محذرا: (إِنَّهُ مَن يشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ). ظاهر السياق أنه من كلام السيد المسيح ﵇ لبني إسرائيل الذين كانوا أول من وجه إليهم دعوته، ويصح أن يكون ذلك الكلام مستقلا عن كلام السيد

стр. 2975

المسيح، وأنه تقرير لمقام الوحدانية في العبا دة، وأنه لَا عبادة من غير وحدانية، وأن الشرك ينفي العبادة، بل تكون ضلالا والإشراك بالله يتناول ثلاث شعب. إشراك في الذات، فيجعل ذات الله تعالى كذات الحوادث، وإشراك في الخلق، فيحسب المشرك أن لغير الله تعالى أثرا في الخلق والتكوين، وإشراك في العبادة. والنصارى قد أشركوا في هذه النواحي كلها فحسبوا أن الله تعالى ليس منزها حتى يتصف بصفات الحوادث، زعموا أن الله تعالى يكون له ولد، كما يكون لغيره ولد، وأن هذا الولد شاركه في الخلق والتكوين وأنه يعبد معه، بل لا تكاد تجد ذكرا لعبادة الله تعالى من غير إشراك غيره. . (. . . إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ). وجزاء ذلك الشرك أن الله تعالى يحرم به الجنة، بمنعه منها فلا يدخلها، وهذه عقوبة سلبية، فالحرمان عقاب ومنع النعيم عقاب، وهناك عقوبة إيجابية، وهي دخول النار، وإذا كانت الجنة محرمة فمكان إيوائه النار يدخلها ويخلد فيها أبدا، وإنها للجنة أبدا، وللنار أبدا. ولا يمكن أن ينجيهم من العذاب أحد، ولذلك قال تعالى: (وَمَا لِلظَّالمِينَ مِنْ أَنصَارٍ). أي أنه ليس لظالم من الظالمين نصير قط فالتعبير بقوله: (مِنْ أَنصَارٍ). أي أنه لَا نصير قط لَا من كبير يخاف، ولا من صغير يرجى. * * *

стр. 2976

(لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ... (٧٣) * * * في الآية السابقة ذكر الله كفر من قالوا إن الله هو المسيح أو ما يؤدي إليه من القول بأن المسيح ابن الله، وفي هذه الآية يذكر كلاما آخر للمسيحيين، وهو قولهم إن الله ثالث ثلاثة، ويبدو من ظاهر الكلام أن عند النصارى طائفتين إحداهما تقول إن المسيح هو الله، أو ابن الله، فيكون إلها بهذا الاعتبار، والواقع أن النصارى تقرر عندهم التثليث من قبل نزول القرآن، وبعث النبي ﷺ ، ومن ذلك التاريخ تتميز به عقيدة النصارى، وشعارهم الصليب رمزا إلى صلب المسيح في زعمهم الذي فنده القرآن الكريم على أن التثليث عندهم لم يجئ دفعة واحدة، فقد تقررت ألوهية المسيح على أنه

стр. 2977

ابن الله في زعمهم في مؤتمر نيقية الذي ذكرناه والذي انعقد في سنة ٣٢٥، وبعد ذلك بنحو ست وخمسين في مجمع القسطنطينية تقررت ألوهية روح القدس، وفرض ذلك الرأي بقوة السلطان كما فرض الرأي الأول الخاص بألوهية المسيح بقوة السلطان، وكان المسيحيون يجتمعون لرده. ويلاحظ في مجمع القسطنطينية أمران أحدهما - أن الذين حضروا ذلك المجمع ١٥٠ من رجال دينهم، وما كان هذا ليمثل النصارى أجمعين، ولكن فرض رأى أولئك الذين سموهم أساقفة على النصارى جميعا، وأسكت كل صوت يخالفه، ولقد كان ذلك المجمع كسابقه مفاجأة لعامة النصارى؛ لأنه ليس بإله عندهم وقد أعلن ذلك مقدونيوس وكانت مقالته ليست هي الشائعة بين النصارى، حتى جاء ذلك المجمع القسطنطيني فأتم التثليث. ثانيهما - أن الذي دعا إلى عقده بطريق الإسكندرية، كما أنه هو الذي كان رئيس مجمع نيقية وإن لم تكن له الرياسة في المجمع الأخير، وأن الذي دعا إلى تقرير ألوهية روح القدس هو هذا البطريق، وقال كما نقل كتاب تاريخ البطارقة لابن البطريق: (ليس روح القدس عندنا بمعنى غير روح الله، وليس روح الله شيئا غير حياته، فإذا قلنا إن روح الله مخلوق، فقد قلنا إن حياته مخلوقة، وإذا قلنا إن حياته مخلوقة، فقد زعمنا أنه غير حي، وإذا زعمنا أنه غير حي فقد كفرنا به). وأن هذه السلسلة التي ساقها تنقض لبناتها إذا قلنا روح القدس ليست روح الله، ولكنها جبريل الأمين الذي خلقه، وبذلك تنقطع حلقات السلسلة، حلقة حلقة. وروح القدس في زعمهم هي الروح العامة التي تنشر الحياة بين الأحياء، ومما يسترعي النظر، أن الذي قاد فكرة ألوهية المسيح وروح القدس هو بطريق الإسكندرية التي كانت تسودها في ذلك الإبان الأفلاطونية الحديثة التي كانت خلاصتها، أن الإله الأكبر هو العقل الأول، وقد نشأ عنه العقل الثاني، نشوء

стр. 2978

المعلول عن علته، أي أن وجودها متصل، وعرفوا روح القدس بالتعريف النصراني الذي ذكرناه، وبذلك تلتقي نصرانية النصارى مع فلسفة الإسكندرانية الواهمة وقائد الدعوة لألوهية المسيح وألوهية روح القدس هو هو بطريق الإسكندرية، فليعرف النصارى زمان ابتعادهم عن اتباع المسيح ﵇ وسببه والمصدر الذي انحرفوا إليه ومن أوردهم مورده غير العذب. هناك إذن غند النصارى تثليث، وأن الله تعالى ثالث ثلاثة، وأن الله تعالى قد حكم بأنهم كافرون، فقد قال سبحانه مؤكدا القول: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثة). فمن الخطأ الفاحش ما يقال إن الله تعالى عبر عن النصارى واليهود بأنهم أهل كتاب، فليسوا كفارا. . فقد أكد كفرهم أولا بتكفيرهم لأنهم زعموا أن المسيح هو الله، ويقررون أن الله ثالث ثلاثة، وأكد كفرهم في الحالتين باللام وبقد، فكيف يسوغ المؤمن أن يقول إنهم غير كافرين. والنصان الكريمان واردان على موضوع واحد، وهو النصارى، فالنص الأول وهو: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ) موضوعه هو ذات موضوع النص الآخر: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَة) وكل آية من الآيتين تبين ناحية من نواحي اعتقادهم، واكتفى في الآية الأولى بزعمهم في المسيح ﵇، لبيان مقدار افترائهم عليه ومناقضهم لمن ينتسبون إليه، وأنهم لَا يصح أن يسموا مسيحيين، لأنه بريء منهم، وذكرت الثانية لبيان حقيقة اعتقادهم. (وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ). بعد أن بين كفر من يقول بالتثليث بيّن العقيدة الصحيحة، فقال سبحانه ذلك النص الحكيم، ومؤاده نفي الألوهية نفيا مطلقا عن غير إله واحد، والصيغة تفيد استحالة أن يكون الإله، غير واحد، لأنه لا ينتظم الكون والسماء والأرض، ومن فيهما كما جاء في قوله تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ).

стр. 2979

وكما أن في النص تقريرا لعقيدة التوحيد المستقيمة، فيه أيضا توبيخ موجه إليهم على مخالفتهم المعقول، ومجانبتهم ما يقره أهل العقول، ولذلك حذرهم سبحانه عن أن يسيروا في طريق الغي وأن يعودوا إلى الحق، فقال سبحانه: (وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) هذا تحذير من الله سبحانه لهم عن أن يستمروا في هذا القول الكاذب على الله تعالى، وعلى رسوله المسيح ﵊ ومعنى الانتهاء يتضمن أمرين: أن يعدلوا عن ذلك القول وألا يعتقدوه ولا يؤمنوا به، ولم يكتف بالانتهاء عن العقيدة، ولكن الله سبحانه ذكر انتهاء عن القول للإشارة إلى أن هذا كلام يقولونه، ولا يمكن أن يكون عقيدة يعتنقونها، لأنه كلام لَا يتفق مع العقل، وقد كذبهم عيسى ﵇ بما قرره في دعوته، وبين أن الشرك ظلم عظيم، وأن من يشرك بالله مأواه جهنم، وحرم الله تعالى عليه الجنة. والخلاصة: أن هذا الادعاء قول يرددونه معا فيلحدون به وهو باطل، إذ كيف يولد ويكون إلها، وقد هددهم بالعذاب الشديد يمسهم، وهنا إشارات بيانية: الأولى - التعبير " يمسهم " إذ المراد أنه يصيب جلدهم، وهو موضع الإحساس فيهم، أي أن العذاب المؤلم مستمر؛ إذ يمس جلدهم، ويصيب موضع الإحساس فيهم. الثانية - أن من هنا بيانية أي يمسهم ذلك العذاب ما داموا مصوين على قولهم وكذبهم، وقال: (الَّذِينَ). وعبر بالظاهر دون الضمير للإشارة إلى سبب العذاب وهو كفرهم، لأن التعبير بالموصول يشير إلى أن الصلة هي سبب الحكم. الثالثة - أن الله أكد العذاب الشديد ينزل بهم بالقسم المطوي الذي دلت عليه اللام، والنون المؤكدة، وتنكير عذاب، ووصفه بالألم الشديد؛ لأن التنكير هنا للتعظيم والتكثير. * * *

стр. 2980

(أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤) * * * بعد أن حذرهم سبحانه من الاستمرار على قولهم الإفك، وادعائهم على المسيح ﵇ رغبهم في الإيمان بعد الترهيب من العذاب الأليم، وأن كتاب الله يجمع بين الترغيب والترهيب، ليؤمنوا خوفا من عذاب الله تعالى أو طمعا في ثوابه، أو لهما معا، سيق الكلام لهذا، وليبين أن باب المغفرة مفتوح لمن استغفر، وطلب الغفران. وقوله تعالى: (أَفَلا يَتُوبُونَ) الاستفهام للدلالة على أمور ثلاثة: أولها - توبيخهم على ما كان منهم وأنه يستحق التوبة والاستغفار، وثانيها - فيه تعجب من بقائهم على حالهم من الإفك والإصرار عليه من أنه لَا يقبله عقل، ولا يذعن له مصدق، بل لَا يتصوره متصور. ويدل ثالثا على تحريضهم على التوبة، أي الرجوع إلى الله تعالى، وما تقره العقول، ولا تنبو عنه الأفهام، وعلى طلب الغفران عما سلف منهم من قول، وإن باب الغفران مفتوح، ولذلك ذيل الله الآية بقوله تعالت كلماته: (وَاللَّهُ غَفُورٌ رحِيم). والله ﷻ المعبود، ولا معبود بحق سواه يغفر الذنوب لمن تاب ورجع إليه وهو رحيم بعباده لا يرضيه أن يشقوا، وأن رحمته سبقت عذابه وأنه سبحانه ليفرح بتوبة عبده أكثر من فرح العبد بقبولها، لأن الله تعالى يريد بعبده الصلاح والإصلاح، ولا يريد له الفساد والإفساد، وإذا تاب العبد انقلب من الفساد إلى الصلاح. * * *
следующие страницы →