(لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ... (٧٣)
* * *
في الآية السابقة ذكر الله كفر من قالوا إن الله هو المسيح أو ما يؤدي إليه من القول بأن المسيح ابن الله، وفي هذه الآية يذكر كلاما آخر للمسيحيين، وهو قولهم إن الله ثالث ثلاثة، ويبدو من ظاهر الكلام أن عند النصارى طائفتين إحداهما تقول إن المسيح هو الله، أو ابن الله، فيكون إلها بهذا الاعتبار، والواقع أن النصارى تقرر عندهم التثليث من قبل نزول القرآن، وبعث النبي ﷺ ، ومن ذلك التاريخ تتميز به عقيدة النصارى، وشعارهم الصليب رمزا إلى صلب المسيح في زعمهم الذي فنده القرآن الكريم على أن التثليث عندهم لم يجئ دفعة واحدة، فقد تقررت ألوهية المسيح على أنه
стр. 2977
ابن الله في زعمهم في مؤتمر نيقية الذي ذكرناه والذي انعقد في سنة ٣٢٥، وبعد ذلك بنحو ست وخمسين في مجمع القسطنطينية تقررت ألوهية روح القدس، وفرض ذلك الرأي بقوة السلطان كما فرض الرأي الأول الخاص بألوهية المسيح بقوة السلطان، وكان المسيحيون يجتمعون لرده.
ويلاحظ في مجمع القسطنطينية أمران أحدهما - أن الذين حضروا ذلك المجمع ١٥٠ من رجال دينهم، وما كان هذا ليمثل النصارى أجمعين، ولكن فرض رأى أولئك الذين سموهم أساقفة على النصارى جميعا، وأسكت كل صوت يخالفه، ولقد كان ذلك المجمع كسابقه مفاجأة لعامة النصارى؛ لأنه ليس بإله عندهم وقد أعلن ذلك مقدونيوس وكانت مقالته ليست هي الشائعة بين النصارى، حتى جاء ذلك المجمع القسطنطيني فأتم التثليث.
ثانيهما - أن الذي دعا إلى عقده بطريق الإسكندرية، كما أنه هو الذي كان رئيس مجمع نيقية وإن لم تكن له الرياسة في المجمع الأخير، وأن الذي دعا إلى تقرير ألوهية روح القدس هو هذا البطريق، وقال كما نقل كتاب تاريخ البطارقة لابن البطريق:
(ليس روح القدس عندنا بمعنى غير روح الله، وليس روح الله شيئا غير حياته، فإذا قلنا إن روح الله مخلوق، فقد قلنا إن حياته مخلوقة، وإذا قلنا إن حياته مخلوقة، فقد زعمنا أنه غير حي، وإذا زعمنا أنه غير حي فقد كفرنا به).
وأن هذه السلسلة التي ساقها تنقض لبناتها إذا قلنا روح القدس ليست روح الله، ولكنها جبريل الأمين الذي خلقه، وبذلك تنقطع حلقات السلسلة، حلقة حلقة.
وروح القدس في زعمهم هي الروح العامة التي تنشر الحياة بين الأحياء، ومما يسترعي النظر، أن الذي قاد فكرة ألوهية المسيح وروح القدس هو بطريق الإسكندرية التي كانت تسودها في ذلك الإبان الأفلاطونية الحديثة التي كانت خلاصتها، أن الإله الأكبر هو العقل الأول، وقد نشأ عنه العقل الثاني، نشوء
стр. 2978
المعلول عن علته، أي أن وجودها متصل، وعرفوا روح القدس بالتعريف النصراني الذي ذكرناه، وبذلك تلتقي نصرانية النصارى مع فلسفة الإسكندرانية الواهمة وقائد الدعوة لألوهية المسيح وألوهية روح القدس هو هو بطريق الإسكندرية، فليعرف النصارى زمان ابتعادهم عن اتباع المسيح ﵇ وسببه والمصدر الذي انحرفوا إليه ومن أوردهم مورده غير العذب.
هناك إذن غند النصارى تثليث، وأن الله تعالى ثالث ثلاثة، وأن الله تعالى قد حكم بأنهم كافرون، فقد قال سبحانه مؤكدا القول: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثة). فمن الخطأ الفاحش ما يقال إن الله تعالى عبر عن النصارى واليهود بأنهم أهل كتاب، فليسوا كفارا. . فقد أكد كفرهم أولا بتكفيرهم لأنهم زعموا أن المسيح هو الله، ويقررون أن الله ثالث ثلاثة، وأكد كفرهم في الحالتين باللام وبقد، فكيف يسوغ المؤمن أن يقول إنهم غير كافرين.
والنصان الكريمان واردان على موضوع واحد، وهو النصارى، فالنص الأول وهو: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ) موضوعه هو ذات موضوع النص الآخر: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَة) وكل آية من الآيتين تبين ناحية من نواحي اعتقادهم، واكتفى في الآية الأولى بزعمهم في المسيح ﵇، لبيان مقدار افترائهم عليه ومناقضهم لمن ينتسبون إليه، وأنهم لَا يصح أن يسموا مسيحيين، لأنه بريء منهم، وذكرت الثانية لبيان حقيقة اعتقادهم.
(وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ).
بعد أن بين كفر من يقول بالتثليث بيّن العقيدة الصحيحة، فقال سبحانه ذلك النص الحكيم، ومؤاده نفي الألوهية نفيا مطلقا عن غير إله واحد، والصيغة تفيد استحالة أن يكون الإله، غير واحد، لأنه لا ينتظم الكون والسماء والأرض، ومن فيهما كما جاء في قوله تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ).
стр. 2979
وكما أن في النص تقريرا لعقيدة التوحيد المستقيمة، فيه أيضا توبيخ موجه إليهم على مخالفتهم المعقول، ومجانبتهم ما يقره أهل العقول، ولذلك حذرهم سبحانه عن أن يسيروا في طريق الغي وأن يعودوا إلى الحق، فقال سبحانه:
(وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) هذا تحذير من الله سبحانه لهم عن أن يستمروا في هذا القول الكاذب على الله تعالى، وعلى رسوله المسيح ﵊ ومعنى الانتهاء يتضمن أمرين: أن يعدلوا عن ذلك القول وألا يعتقدوه ولا يؤمنوا به، ولم يكتف بالانتهاء عن العقيدة، ولكن الله سبحانه ذكر انتهاء عن القول للإشارة إلى أن هذا كلام يقولونه، ولا يمكن أن يكون عقيدة يعتنقونها، لأنه كلام لَا يتفق مع العقل، وقد كذبهم عيسى ﵇ بما قرره في دعوته، وبين أن الشرك ظلم عظيم، وأن من يشرك بالله مأواه جهنم، وحرم الله تعالى عليه الجنة.
والخلاصة: أن هذا الادعاء قول يرددونه معا فيلحدون به وهو باطل، إذ كيف يولد ويكون إلها، وقد هددهم بالعذاب الشديد يمسهم، وهنا إشارات بيانية:
الأولى - التعبير " يمسهم " إذ المراد أنه يصيب جلدهم، وهو موضع الإحساس فيهم، أي أن العذاب المؤلم مستمر؛ إذ يمس جلدهم، ويصيب موضع الإحساس فيهم.
الثانية - أن من هنا بيانية أي يمسهم ذلك العذاب ما داموا مصوين على قولهم وكذبهم، وقال: (الَّذِينَ). وعبر بالظاهر دون الضمير للإشارة إلى سبب العذاب وهو كفرهم، لأن التعبير بالموصول يشير إلى أن الصلة هي سبب الحكم.
الثالثة - أن الله أكد العذاب الشديد ينزل بهم بالقسم المطوي الذي دلت عليه اللام، والنون المؤكدة، وتنكير عذاب، ووصفه بالألم الشديد؛ لأن التنكير هنا للتعظيم والتكثير.
* * *
стр. 2980
(أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤)
* * *
بعد أن حذرهم سبحانه من الاستمرار على قولهم الإفك، وادعائهم على المسيح ﵇ رغبهم في الإيمان بعد الترهيب من العذاب الأليم، وأن كتاب الله يجمع بين الترغيب والترهيب، ليؤمنوا خوفا من عذاب الله تعالى أو طمعا في ثوابه، أو لهما معا، سيق الكلام لهذا، وليبين أن باب المغفرة مفتوح لمن استغفر، وطلب الغفران.
وقوله تعالى: (أَفَلا يَتُوبُونَ) الاستفهام للدلالة على أمور ثلاثة: أولها - توبيخهم على ما كان منهم وأنه يستحق التوبة والاستغفار، وثانيها - فيه تعجب من بقائهم على حالهم من الإفك والإصرار عليه من أنه لَا يقبله عقل، ولا يذعن له مصدق، بل لَا يتصوره متصور. ويدل ثالثا على تحريضهم على التوبة، أي الرجوع إلى الله تعالى، وما تقره العقول، ولا تنبو عنه الأفهام، وعلى طلب الغفران عما سلف منهم من قول، وإن باب الغفران مفتوح، ولذلك ذيل الله الآية بقوله تعالت كلماته: (وَاللَّهُ غَفُورٌ رحِيم). والله ﷻ المعبود، ولا معبود بحق سواه يغفر الذنوب لمن تاب ورجع إليه وهو رحيم بعباده لا يرضيه أن يشقوا، وأن رحمته سبقت عذابه وأنه سبحانه ليفرح بتوبة عبده أكثر من فرح العبد بقبولها، لأن الله تعالى يريد بعبده الصلاح والإصلاح، ولا يريد له الفساد والإفساد، وإذا تاب العبد انقلب من الفساد إلى الصلاح.
* * *
стр. 2981
(مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ... (٧٥)
* * *
في هذا النص الكريم (تسجيل) لحقيقة عيسى ابن مريم وأمه، وأن ما اختصا به لَا يمكن أن يجعلهما إلهين من دون الله كما قالت البربرانية وغيرها من فرق النصارى، وكما حكى الله تعالى عنهم وعن عيسى ﵇ في قوله تعالى له: (. . . أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ. . .).
وأن النص الكريم الذي نحن بصدد ذكر معانيه، فيه بيان أن عيسى وأمه ليس فيهما ما يجعلهما مختصين بصفات ليست في غيرهما فعيسى عليه السلام
стр. 2982
ليس إلا رسولا وقد خلت أي مضت من قبله الرسل فإبراهيم كان رسولا، ومن قبله كان نوح رسولا، وهؤلاء مضوا، ولم يدع الألوهية لهم أحد كما نحلتموها يا معشر النصارى للمسيح ﵇ وإذا كان له معجزة خارقة للعادة بإحياء الموتى، فأولئك كانت لهم معجزات لَا تقل عنها تأثيرا، ولا تقل عنها في ذاتها.
وقد قال الزمخشري في ذلك وتبعه من بعده: (ما هو إلا رسول من جنس الرسل الذين خلوا من قبله جاء بآيات من الله تعالى كما جاءوا بأمثالها أن أبرأ الله الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى على يده، فقد أحيا العصا وجعلها حية تسعى وفلق بها البحر وشق على يد موسى، وإن خلقه من غير ذَكَر فقد خلق آدم من غير ذكر ولا أنثى).
ونزيد على ما قاله الزمخشري أن معجزة كل نبي بما يناسب عصره، فعصر سيدنا عيسى كان عصرا يؤمن بالأسباب المادية، وكان في عهده الفلاسفة الطبيعيون، الذين لَا يؤمنون بغير الأسباب التي يرونها، فكانت معجزات عيسى ﵇ خرقا حسيا صارخا لهذه الأسباب، فولادته كانت بغير السبب المعروف، إذ كان من غير أب، وما كانوا يحسبون أن الأكمه الذي ولد أعمى يبصر، وما كانوا يعلمون أن البرص يشفى منه، فشفاه الله تعالى على يديه، وما كانوا يرون الحياة ترد بعد الوفاة، فأحياها الله تعالى على يديه، كما أجاب لإبراهيم عندما دعا ربه قائلا: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٦٠).
جاء عيسى ﵇ فكانت حياته وآياته كلها داعية لبطلان ذلك الاعتقاد بأنه لَا شيء إلا الأسباب والمسببات. ولكنهم تمكنوا من اتباعه من بعده بثلاثة قرون، فأخرجوهم من اتباعه، وأعادوهم إلى الأسباب والمسببات، وأخرجوه من البشر، وزعموا أنه إله.
стр. 2983
وأمه لَا تخرج عن أنها مخلصة صادقة تابعة للنبيين من قبله وله ﵇، والصدِّيق هو الذي لَا يقول إلا صدقا، ولا يكذب، ويصدق الحق ويدعو إليه، ويستمر عليه، فالصديق هو الصادق في قوله وعمله والمصدق للحق المذعن له إذا جاءه، وقال الأصفهاني في مفرداته: (الصديقون هم قوم دون الأنبياء في الفضيلة) فهم المرتبة الأولى بعد الأنبياء.
ويلاحظ أنه عند ذكر عيسى في القرآن يذكر أنه " المسيح ابن مريم " تأكيدا لبشريته، لأنه يرى بالحس مولودا بعد أن لم يكن، وأن ولادته من مريم البتول فكيف يتركون المحسوس إلى أوهام، وحياتهما تدل على البشرية، ولذا قال سبحانه:
(كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) ذكر الله تعالى هنا بيان خواصهما الآدمية الحيوانية بعد بيان منزلتهما عند الله تعالى، إذ إن الأول رسول، والثانية صديقة، ولا تتجاوز منزلتهما عند الله تعالى ذلك، وهما في الحياة المادية كسائر الأخياء من الأناسي يأكان الطعام ويعملان على ذلك، وهما لهذا محتاجان إلى غيرهما، والإله لَا يحتاج لغيره، ويقول الزمخشري في ذلك: (إن من احتاج إلى الاغتذاء بالطعام، وما يتبعه من الهضم، والنقض - لم يكن إلا جسما مركبا من عظم ولحم وعروق وأعصاب وأخلاط وأمزجة مع شهوة وقرم وغير ذلك مما يدل على أنه مصنوع مؤلف مدبر كغيره من البشر!!) ولكنهم مع كل هذا تركوا الأعراض التي تدل على الآدمية وأماراتها، ولذلك قال تعالى: (انظُرْ كيْفَ نُبَيِّن لَهُمُ الآيَاتِ). أي انظر يا محمد إلى الأدلة على آدميته التي هي قائمة، وكيف بيناها، وصرفنا لهم القول الذي يدل على الحقيقة، ولكنهم ماديون يؤمنون بالمادة وأسبابها، ولذلك انصرفوا عن الحق وعن الإيمان، وخضعوا لأوهام، ولذا قال تعالى: (ثمَّ انطرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ). وقد عبر بـ " ثم "، للدلالة على بعد بين ما تدل عليه الآيات وحالهم، ثم على بُعد ما يقولون عن الحق، إذ يرون بالحس إنسانا يولد، ثم يفرضونه إلها بزعمهم؛ والإفك الصرف عن الحق، يقال:
стр. 2984
أفكه يأفكه إذا صرفه عن الأمر أو الحق، ولذلك يقال للكذب إفك؛ لأنه صرف عن الحقيقة، والمعنى الجملي انظر كيف ينصرفون عن الحق لأوهام لَا يعقلونها مع قيام الأدلة الحسية على بعضها، ولكن ذرهم في غيهم يعمهون. اللهم لَا تصرفنا عن الحق بأوهامنا، إنك سميع الدعاء.
* * *
(قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٧٧) لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩) تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٨١)
* * *
стр. 2985
الكلام موصول بما قبله؛ لأن أولئك النصارى يعبدون عيسى ﵇ ومنهم من يعبد معه أمه، ويقولون هما إلهان من دون الله، ومنهم من يعبد ثلاثة ويجعل الله ﵎ ثالثهم، تعالى الله عن ذلك الوهم الباطل، والكذب الفاحش، وقد بين أن عيسى ﵇ وأمه الصديقة بشر كسائر البشر، يحتاجون إلى غيرهم، وهما آدميان ياكان، ويفعلان كل ما هو من مقتضيات الإنسانية ومظاهرها.
وقد بين مع ذلك كيف يعبدون مع هذه الحالط، فقال لنبيه، قل لهم:
стр. 2986
(أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا). الاستفهام هنا إنكاري لإنكار الواقع، والتعجب مما وقع منهم، وإنكار الواقع، توبيخ على سوء الفعل، وسوء التقدير، فهم يعبدون بشرا أو حجرا ويتركون عبادة الله تعالى، كما في قوله تعالى: (مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا) للعموم، وهي بهذا العموم تشتمل على ما يعبد من حجر وغيره، ولعدم اقتصاره على عيسى وأمه ذكر بلفظ (ما) الدال على العموم، لَا بلفظ (من) الدال على العقلاء.
ومعنى لَا يملك ضرا ولا نفعا: أنه لَا يملك المرض والسقم، ولا البلاء ولا الشدائد، كما لَا يملك النفع بدفع الضر، ولا جلب الخير، ولا إنزال الغيث، ولا إرسال الرياح مبشرات بين يدي رحمته، ولا غير ذلك مما ينفع الوجود كله. وهنا لَا بد أن نتعرض لأمرين: أولهما - كيف يقال إنهم يعبدون من دون الله مع أن المشركين يقولون: (. . . مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى. . .).
والنصارى يعبدون ثلاثة أو اثنين على اختلاف طوائفهم ولم يتركوا عبادة الله ونقول: أن من يشرك العبادة مع الله تعالى لَا يقال إنه عبد الله؛ لأن عبادة الله تعالى تقتضي أن تخلص العبادة له سبحانه، وألا يعبد سواه بأن يفرده بالعبادة وحده إذ لَا يستحق العبادة معه أحد، ويقال حينئذٍ إنه عبد ما دون الله تعالى، إذ كانت عبادته ضد عبادة الله تعالى.
стр. 2987
ثانيهما - أنه قد يقول بعض الجاهلين إن من الناس من يضر ومن ينفع، ونقول: إنه نفع جزئي، وضرر جزئي، ولا يكون إلا بإرادة الله ، ولو اجتمع أهل الأرض على أن يضروك بشيء لم يكتبه الله تعالى عليك، لم يضروك، ولو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله تعالى لك لم ينفعوك، وقد ذيل الله الآية بقوله تعالت كلماته: (وَاللَّهُ هُو السَّمِيعُ الْعَلِيمُ).
أي أنهم يتركون عبادة الله تعالى وحده وهو العالم بكل شيء الذي لا يغيب عن علمه شيء في الأرض ولا في السماء، وهو العالم علم من يسمع ويرى، وهو بهذا العلم المحيط الدقيق الذي أحاط بكل الوجود يكون هو وحده الذي يضرهم وينفعهم، يتركونه ليعبدوا ما لَا ينفع ولا يضر، ولكنه ضلال العقول.
* * *
стр. 2988
(قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ ... (٧٧)
* * *
الغلو: تجاوز الحد، وهو في الدين التعصب له، والتشدد فيه، وتجاوز الحد في أداء ما يطلب كالانهماك في العبادة كما كان يفعل بعض المتشددين في دينهم الذين نهاهم النبي ﷺ ، وقد ورد في الأثر: " لن يشاد أحد هذا الدين إلا غلبه، ولكن سددوا وقاربوا " (١) وكما نهى النبي ﵊ قوما عكفوا على العبادة، وتركوا نساءهم، فقال ﵊: " ما بال أقوام تركوا النساء وقاموا الليل وصاموا النهار وإني أقوم وأنام وأصوم وأفطر ولم أنقطع عن النساء " (٢).
وإن هذا النوع من الغلو، وإن كان غير محمود ولا مستحسن في الإسلام، لا يمكننا أن نعده غير حق في أصله، لأن أساسه حق، وإن غالوا فيه وربما يقول كثيرون إنه غير الحق.
стр. 2989
ونعود إلى النص الكريم. أمر الله تعالى نبيه أن ينادي أهل الكتاب، ويخاطبهم بقوله: (لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ)، والمعنى لَا تتجاوزوا الحد، وتشددوا في دينكم غلوا غير الحق، فكلمة غير الحق وصف لمحذوف، والوصف كاشف لأن الغلو دائما غير الحق عندهم، لأنه مجاوزة للحد، وكل مجاوزة للحد لا يمكن أن تكون حقا، وقد قال الزمخشري أن من الغلو ما هو حق، كالغلو في التنزيه، ومنها ما هو غير حق كالغلو الذي وقع فيه النصارى من الإفراط في تقديس عيسى وأمه، يصح أن يكون (غير الحق) منصوبا على أنه حال من الدين نفسه أي لَا تغلوا وتشددوا في التمسك بدينكم، وتمنعوا أنفسكم عن أن يدخلها النور حال أن دينكم هو غير الحق.
وفى الجملة النص لمنع تشدد النصارى واليهود في التمسك بدينهم غير الحق، والامتناع عن قبول الهداية التي جاءت إليهم، وهم في هذا التشدد يتبعون الأهواء، ولا يتبعون الحق، وهم مقلدون لمن ضلوا وأضلوا.
(وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ) الهوى معناه الميل إلى ما فيه شهوة ولذة، وخير الناس من كان هواه ولذته في طاعة الله تعالى، ولقد قال النبي ﷺ فيما روي في الصحاح: " لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به " (١) ولكن كلمة الهوى لَا تكاد تستعمل في القرآن إلا في مقام الذم في الاتباع، جاء في تفسير فخر الدين الرازي ما نصه: قال الشعبي: ما ذكر الله تعالى لفظ الهوى في القرآن إلا ذمه قال تعالى: (. . . وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سبِيلِ اللَّهِ. . . .) (وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى).
(وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى). (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ. . .). وقال أبو عبيدة: لم نجد الهوى إلا في موضع الشر، لا يقال: فلان يهوى الخير، إنما يقال يريد الخير ويحبه. . وقيل سمي الهوى هوى؛ لأنه يهوي بصاحبه في النار، وأنشد في ذم الهوى:
стр. 2990
إن الهوى لَهُوَ الهوان بعينه ... فإذا هويت فقد لقيت هوانا
جملة القول في ذلك أن الهوى يطلق ويراد به تجنب حكم العقل، والاتجاه إلى حكم الشهوة والإحساس من غير نظر إلى منطق العقل وما يدعو إليه الدليل، وسواء السبيل: وسط الطريق، والمراد أنهم ضلوا عن الحق، وهو دائما بين الإفراط والتفريط، فهم ضلوا عن القصد والحق والاعتدال.
ولنتكلم في معنى النص الكريم، أن الله تعالى في علمه وحكمته ينهى أهل الكتاب عن الاستمرار في الاتباع لقوم قد ثبت ضلالهم قديما، وكانوا من قبل في ضلال بعيد، وهم عبدة الأوثان، ومن كان على شاكلتهم ممن اخترعوا آلهة على هواهم لَا على منطق استقاموا عليه، ولا على نور من السماء اهتدوا بهديه، وقد سلكوا مسلكهم، فأدخلوا الوثنية في دينهم واتبعوا فلسفة ضالة مضلة.
وهؤلاء الذين اتبعوا أهواءهم، وضلوا بسبب ذلك أضلوا خلقا كثيرا، حتى شاع بينهم الانحراف عن الطريق، فكانت وثنية اليونان والرومان والفلاسفة هي التي أضلت خلقا كثيرا، فالضلال الأول هو ضلال الوثنية من قبل وهي التي أضلت النصارى، والإضلال هو سيطرة ذلك على من سيطروا عليهم، والضلال الأخير هو عدم خضوعهم لحكم النبي ﷺ وتركهم سبيل المؤمنين الذي كان فيه القصد والاعتدال فتأثرهم بأهواء من ضلوا من قبل وأضلوا جعلهم يأخذون طريق الضلال الأخير، وهو عدم الأخذ بهداية الرسول ﷺ :
* * *
стр. 2991
(لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ... (٧٨)
* * *
أي لعن الله تعالى الذين كفروا من بني إسرائيل بأن طردهم من رحمته، وجعلهم مظهرا للحسد والبغض في هذه الأرض، وكأن الحق على غيرهم من الناس في جبلتهم الأولين، وقد مسخوا أنفسهم، وشوهوا أخلاقهم فلعنهم الله تعالى، وهنا مسائل لَا بد من الإشارة إليها:
الأولى - لماذا بني (لُعِنَ) الفعل للمجهول ولم يذكر الفاعل؟ والجواب عن ذلك أن الفاعل معلوم، وهو الله تعالى؛ لأن داود وعيسى نبيان يتكلمان عن الله
стр. 2992
تعالى، فما ينطقان عن الهوى، وهما لَا يملكات الطرد من رحمة الله تعالى، وأن في البناء للمجهول فوق ذلك إشعارا بأن اللعن يستحقونه من سوء أعمالهم، ثم إن البناء للمجهول فيه إشارة إلى عموم اللاعنين مع الله ؛ إذ يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون إلا الذين تابوا.
الثانية - أن اللعنة منصبة على الذين كفروا، وليست على عمومهم، وذلك من إنصاف الله في أحكامه، وإن كان الذين آمنوا بنسبتهم للذين كفروا عددا قليلا، كما قال تعالى: (. . . مِّنْهمْ أُمَّةٌ مقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ منْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ). وأنه واضح أن من أسباب لعنتهم كفرهم مع عصيانهم؛ لأن التعبير بالموصول يفيد أن الصلة من أسباب الحكم.
والثالثة - أن الله تعالى ذكر أن اللعن جاءهم على لسان داود وعيسى ابن مريم، وهما نبيان جاءا بعد موسى ﵇ وأحدهما كان نبيا مجاهدا محاربا، قادهم إلى مواطن الظفر، ومع ذلك لعنهم الله على لسانه، والثاني كان رسولا مسالما ومع ذلك لعنهم بأمر الله تعالى، فهم ملعونون في الحرب والسلم على سواء.
ولقد جاء في بعض كتب التفسير عن ابن عباس ﵄ أن أهل إيليا عندما كان اليهود بها ودنسوها، لما اعتدوا يوم السبت، قال داود ﵇: اللهم ألبسهم اللعن مثل الرداء، ومثل المنطقة على الحقوين، ولما طلبوا المائدة، وقال الله تعالى: (. . . إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ. . .). قال عيسى ﵇: اللهم عذب من كذب بعد ما أكل من المائدة عذابا لم تعذبه أحدا من العالمين.
وإن الذي يبدو لنا أن هذا بيان لما نزل بهم من لعن مستمر جاء هذا اللعن على لسان داود ومن جاء بعد حتى كان عيسى، فكان لعن الكافرين عاما، يستوي في ذلك من كان يجاهد بالسيف، والحرب، ومن كان يجاهد بالسلم، فلعنهم الله إلا أن يتوبوا.
стр. 2993
(ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ) هذا بيان لسبب اللعن والطرد من رحمة الله تعالى يوم القيامة، فلم يكن لعنهم لذواتهم، وإنما لأعمالهم وإيذائهم، فجملة أعمال أولئك الذين كفروا من أهل الكتاب عصيان الله ، أمرهم بعبادة الله وحده، فكان منهم إشراك، وأمرهم بالإيمان باليوم الآخر فكان منهم من أنكره، وأمرهم بإطاعة النبيين ففريقا كذبوا، وفريقا يقتلون، وأمرهم بألا يعتدوا يوم السبت فاعتدوا، وأمرهم بألا يأكلوا الربا فأكلوه، وهكذا كانت أعمالهم نكرا وعصيانا، وكان أشد عصيانهم أن اعتدوا على خلق الله تعالى، فكانوا حاقدين على كل مخلوق سواهم، وبالغوا في إعنات الناس أن اشتدوا بمعونة غيرهم، وبالغوا في الإفساد وإيقاد الفتن إن ضعفوا عن المقاومة الظاهرة.
والعصيان لله وأخصه الاعتداء هو سبب الطرد من رحمة الله، وعموم العصيان يدخل فيه كل سبب الطرد واللعن فلا يوجد سبب غيرهما.
وقد عبر عن العصيان بالماضي للإشارة إلى قرار العصيان في طبائعهم ونفوسهم، وثباته فيها، وعبر عن الاعتداء بالمضارع، لأنه مستمر قائم، وبذلك كان الجمع بين الماضي والمضارع للدلالة على الثبات والقرار والاستمرار، ونسب العصيان إليهم جميعا، والاعتداء إليهم جميعا، لأنه كان من بعضهم، وأقره سائرهم أو سكت عنه باقيهم، فكان منهم وقوعا ورضا، ولذا قال سبحانه:
* * *
стр. 2994
(كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)
* * *
هذا النص فيه معنى التفسير للآية السابقة، لأنه يبين عموم العصيان والاعتداء فيهم، لأن الاعتداء في الكثير يقع من بعضهم، فكيف ينسب إلى كلهم، وفي هذا النص إشارة إلى أن سبب فساد الأمم في عمومها هو السكوت على المنكر فيها، والمنكر هو الأمر القبيح في ذاته وينهى الشارع عنه، والتناهي يطلق بإطلاقين، وهو الانتهاء عن الفعل الآثم، ومعنى النص على هذا: أنهم يعصون الله تعالى ما أمرهم ويصرون عليه، ويستمرون على فعلهم، فلا يتوبون ولا يرجعون، ولكن ليس هذا هو الظاهر المشهور.
стр. 2995
والإطلاق الثاني لمعنى التناهي أن ينهى بعضهم بعضا إذا وقع المنكر فيهم وهو الظاهر، والتناهي عن المنكر يشتمل على ثلاثة معان كلها داخل فيه: أولها - أن يوجد فيهم ناه عن الشر يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، سواء أكان الناهي عددا كبيرا، أم كان عددا قليلا، فليست الكثرة مطلوبة، إنما المراد الوقوع منه.
ثانيها - أن يمنع الفعل قبل وقوعه أو يقلله بدفع الكثير منه.
ثالثها - أن يستنكره؛ لأن السكوت عنه رضا، وبذلك يدفع الاعتراض الذي أورده بعض المفسرين وهو كيف يتصور النهي عن الفعل بعده، فنقول: إن النهي عن المنكر بعد وقوعه إنما هو استنكاره، لأنه يمنع الفعل في المستقبل.
وقد نسب الفعل إليهم أجمعين إذ وقع من بعضهم، وسكت عنه سائرهم ولذا قال سبحانه: (لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ). وقد أكد نسبة الفعل إليهم باللام والقسم المطوي، وذمهم ذما مؤكدا، فالفعل بئس يدل على الذم، والذم كان منصبا على الفعل رجاء إيمانهم، وقد روى ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: " من رضي عمل قوم فهو منهم، ومن كثر سواد قوم فهو منهم " (١).
والآية تدل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قوام الأمم، ولا صلاح لهم إلا إذا قاموا بحقه، فالأمم تصلح بالأمر بالمعروف، وتفسد بتركه، ولذلك اعتبره القرآن خاصة الأمة الإسلامية، وبه خيرها، قال تعالى: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ. . .).
стр. 2996
وقد قال ﵊: " والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا من عنده، ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم " (١). ويقول ﵊: " إن الله لَا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم، وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكروه " (٢). ولقد تنبأ رسول الله ﷺ بأن ضياع المسلمين عندما يختفي فيهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقد روى أنس بن مالك، أن بعض صحابة رسول الله ﷺ سألوه قائلين يا رسول الله: متى يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قال ﷺ : " إذا ظهر فيكم ما ظهر في الأمم قبلكم ". قالوا: يا رسول الله، وما ظهر في الأمم قبلنا؛ قال ﷺ : " إذا كان الملك في صغاركم، والفاحشة في كباركم، والعلم في رذالكم " (٣).
فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو عصام الأمة وهو مكون الرأي العام الفاضل، ويقال: إن الأمة كلها تعصي إذا ظهر العصيان، ولم تستنكره.
* * *
стр. 2997
(تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ... (٨٠)
* * *
هذا عمل من أعمال اليهود تذهب بهم بغضاؤهم، وحقدهم على المؤمنين إلى أن ينضم كثيرون منهم للمشركين، فالمراد بالذين كفروا أولئك الذين كفروا بالوحدانية، وبلغوا غاية الكفر وأقصاه، وذلك يدل عليه التاريخ، فقد ذهب قوم من اليهود، وألبوا على النبي ﷺ المشركين، ووالوهم، والتولي الموادة والمناصرة والانضمام إليهم، وفي كل حرب دخلها النبي ﷺ كان اليهود مع عهودهم الموثقة مع المؤمنين يوالون المشركين زاعمين أنهم فاتحو المدينة، فبنو النضير خانوا العهد وبنو قريظة وبنو قينقاع كذلك.
стр. 2998
وفسر بعض العلماء الذين كفروا بالجبابرة من الملوك الكافرين، فهم يتولون كل ذي قوة، ولو كان جبارا عاتيا، وينسب ذلك الرأي إلى محمد الباقر بن على زين العابدين، وفيه غرابة، وإن كان معناه سليما:
(لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ) (بئس) كما ذكرنا تدل على الذم، و (ما قدمت) أيديهم هو ما قدموه من عصيان وعدم التناهي عن المنكر، والاعتداء وتولي المشركين والجبابرة، وقد أكد الذم بالقسم واللام، والتعبير بما قدمت أنفسهم يشمل الفعل والقول، والحقد والحسد والمظهر في هذا الذم ينالهم أمران خطيران، أحدهما - سخط الله تعالى وحسب ذلك شرا في مآلهم، وأنهم مخلدون في العذاب، وقد أكد سبحانه عذابهم بكلمة - هم - وتقديم (فى العذاب)، وتخليده، وقد بين سبحانه أن ولاية المشركين والجبابرة أمر مذموم لأنه ضد الخير، فقال:
* * *
стр. 2999
(وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ ... (٨١)
* * *
إن أولئك اليهود يحسبون أنهم يؤمنون بالله، وأن لهم أنبياء جاءوا إليهم، وكتبًا خوطبوا بها، فيبين الله سيحانه وتعالى أنهم لو كانوا يؤمنون بالله حق الإيمان وأنه واحد أحد فرد صمد، وأن له رسالة بعثها، وأن لهم نبيا خاطبهم عن الله تعالى ما تركوا ولاية الموحدين، واختاروا ولاية المشركين الذين لَا يوحدون الله ولا يؤمنون بنبوة نبي مرسل، ولا بكتاب منزل ولكنهم حاقدون حاسدون متمردون على الحق إشباعا لأهوائهم، ولذلك ختم الآية بقوله:
(وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ) استدراك فيه بيان لحالهم، وسبب تركهم موالاة المؤمنين، فذكر أن كثيرا منهم خارجون متمردون على الحق بسبب ما في قلوبهم من حقد وحسد، ونرى إنصاف القرآن بينا واضحا إذ لم يرمهم جميعا بالفسوق عن أمره، وقد أكد فسوق الأكثرين بوصفهم بالفسق، وكأنه وصف مستمر لهم، وليس حالا عارضا، اللهم اهدنا فيمن هديت، واشف قلوبنا من الغل والحسد.
* * *
стр. 3000
(لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٨٥) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (٨٦)
* * *
كان ما تقدم من آيات من قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ. . .). في شأن المؤمنين في معاملتهم لأهل الكتاب، وقد ذكر أحوالهم مع المؤمنين، وخص اليهود بالذكر؛ لأن عداوتهم لأهل الإيمان كانت مستحكمة، وإيذاءهم للمؤمنين كان مستمرا، ولقد كان القرآن الكريم منصفا للحقيقة كشأنه دائما - عندما فرق بين النصارى من جانب واليهود والمشركين من جانب، ولذلك قال سبحانه: (لَتَجدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً).
стр. 3001
فى هذا النص الكريم يؤكد بالقسم وبنون التوكيد - أن أشد الناس عداوة للمؤمنين اليهود والذين أشركوا، والخطاب للنبي ﷺ وإذا كان الخطاب له ﵊: فإن كلمة:
стр. 3002
(لَتَجِدَنَّ). فيها معنى توكيد العداوة، لأن النبي ﵇ يجدها محسوسة واضح في المعاملات التي تقع بينه وبين اليهود، وبينه وبين المشركين، وما كان من النصارى معه، ويكون من شدة العداوة، وقرب المودة هو ما كان من معاصرى النبي ﷺ من اليهود والذين أشركوا، والذين قالوا إنا نصارى.
ويصح أن يكون الخطاب لكل أهل القرآن الذين يقرءونه ويخاطبون بأحكامه وآياته، من الذين آمنوا، ويلاحظ هنا عدة أمور:
أولها - أنه سبحانه ذكر اليهود قبل الذين أشركوا؛ لأن عداوة اليهود منشؤها الحقد والحسد اللذان قد يرسخان في النفس اليهودية، وهما دائما فيها ما دام اليهود على هذه الحال التي أركسوا أنفسهم فيها، وقد عبر عنهم بالوصف، ولم يقل الذين هادوا للإشارة إلى أن العداوة حال دائمة مستمرة مستحكمة، حتى أن النبي ﷺ يقول: " ما خلا يهودي بمسلم إلا هَمَّ بقتله " (١) ومع أن اليهود أقرب في الاعتقاد من النصارى؛ تجد النصارى في الماضي كانوا أقرب، والقرب في الاعتقاد سببه الشائع بينهم هو الوحدانية، أما النصارى فإن الشائع بينهم هو التثليث ولكن العداوة لَا تتبع القرب أو البعد في الاعتقاد، بل تتبع مقدار الحسد والبغض، وفوق ذلك، فإنه من المقرارت في علم الآراء والمعتقدات أنه كلما تقاربت العقيدتان تنازعتا، وكان التناحر أشد، لطمع كل طائفة في أن تأخذ الأخرى إليها، وقد عبر
стр. 3003
سبحانه عن المشركين بـ " الذين أشركوا "؛ للإشارة إلى أن الشرك قريب الزوال منهم، وهو السبب، أما اليهود فالسبب هو الحقد وليس قريب الزوال، إذ استكنَّ في قلوبهم أن كل مخالف لهم في دينهم عدو لهم يحقدون عليه، ولأنهم كانوا يريدون أن تكون النبوة دائما فيهم لَا تخرج عنهم.
الأمر الثاني - أن العداوة مقابلة بالمودة، فالأمر ليس خلافا في الاعتقاد، بل هو المودة أو العداوة فليس لقرب الاعتقاد أو بعده أثر في العداوة، وعلى هذا كان اليهود أشد عداوة من النصارى، والنص يومئ إلى أنهم أكثر عداوة من الذين أشركوا بتقديم اليهود، لأن المودة لم تقطع من كل الوجوه بين النبي ﵇ والمشركين من قريش، بل إن ما كان يفرقه الاعتقاد يقابله مودة الرحم، وإن كانت حروب.
الأمر الثالث - لماذا عبر عن النصارى بقوله تعالى: (الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى).
وقد أجاب عن ذلك بعض المفسرين بأنه تشريف للنصارى، لأن عيسى ﵇ عندما قال: (. . . مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّه قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّه. . .). فقوله تعالى: (الَّذِين قَالُواً إِنَّا نَصَارَى). تذكير بهذا الموقف الكريم في مقابل قول اليهود عندما دعاهم موسى إلى دخول الأرض المقدسة فقد قالوا: (. . . فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ). هذا كلام بعض المفسرين ولكن يلاحظ أن الذين قالوا نحن أنصار الله هم الحواريون، والذين كانت بينهم مودة المسلمين ليسوا هم أن أولئك هم الحواريون الذين سلمت عقيدتهم، أما الذين يتحدث عنهم فهم كانوا من أهل التثليث ثم تاب الله تعالى عليهم، ولقد ذكرهم بهذا العنوان: (الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى). في مقام الذم، فقد قال تعالى: (وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ. . .).
ولأجل هذا لَا نقول إن التعبير بقالوا إنا النصارى فيه تشريف، إنما هو بيان أن هؤلاء يقولون أنهم نصارى، ولكنهم ليسوا نصارى عيسى ﵇ وإن كانوا من بعد ذلك قد اهتدوا.
стр. 3004
الأمر الرابع - من هم اليهود الذين هم أشد عداوة، ومن هم النصارى الذين كانوا أقرب مودة؛ قال بعض المفسرين: إن المراد منهم الذين عاصروا النبي ﷺ وقد كانوا كذلك حقا، ولكن قال ابن جرير: إن الوصف عام، فاختار أن هذا الكلام ينطبق على كل أقوام كانوا بهذه المثابة.
وعندي أن النصارى ليسوا النصارى في عهد النبي ﷺ فقط، بل كل من ينطبق عليهم وصف المودة في كل عصر، ومن لَا ينطبق عليهم، فهم إلى اليهودية أقرب، وإليها أدنى، وقد قال سبحانه: (ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ). في هذا الكلام بيان السبب، في قرب المودة الذي كان بين المؤمنين والنصارى في عهد النبي ﷺ أن توافرت الأسباب، ولم يكن القسس والرهبان دعاة عداء وبغضاء؛ والقسيس هو عالم النصارى بأحكام دينهم، والمتفحص أحوالهم، والمرشد لهم، وأصله من " قَسَّ " بمعنى تتبع، فالقسيس لَا يترك الإرشاد، والرهبان جمع راهب كركبان جمع راكب، وتطلق كلمة رهبان على المفرد، كما تطلق على الجمع، وهو الرجل الزاهد المتبتل المنصرف للعبادة في زعمهم، وهو يقوم بعمل القسيس في العبادة، بيد أنه ينفرد عنه بالانصراف الكلي عن الدنيا ويتخصص للعبادة والإرشاد والتوجيه.
ولا شك أن حال القسيسين والرهبان في عصر النبي ﷺ كانوا كذلك، وكانوا القائدين للاهتداء بهدْيِ الإسلام، فقد أخذوا بالكثيرين من نصارى الجزيرة العربية، واتبعوا الإسلام، واستمعوا إلى دعوة النبي ﵇، وأن هذا النص ينطبق على كل قسيس يدعو بدعاية الحق، ويكون ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
وفى ذلك الكلام تعريض باليهود الذين تركهم أحبارهم وعلماؤهم في غيهم يعمهون، فكانوا لَا ينتاهون عن منكر فعلوه، ولم ينههم الربانيون والأحبار عما ارتكبوا من جرائم، وما امتلأت به قلوبهم من غل وحقد.
стр. 3005
وهناك مع ما كان القسيسون والرهبان عليه وصف آخر هو السبب في إيمان الكثيرين منهم في الجزيرة العربية، ثم الشام ومصر من بعد ذلك، وهو أنهم: (لا يَسْتَكْبِرُونَ). وقد جعل ذلك سببا قائما بذاته، وأكد سببيته بـ " أن " وبالجملة الاسمية، وعبر سبحانه في خبر الجملة الاسمية بالفعل المضارع لتصوير حالهم في عدم الاستكبار، وأن الاستكبار هو داء اليهود الدوى، وهو داء المشركين فاليهود يحسبون أنهم أبناء الله وأحباؤه، وأنهم من صنف فوق الناس، وأن الجميع دونهم، فذهب بهم غلواؤهم إلى الكفر والضلال، وقتل الأنبياء وتكذيبهم، والمشركون ما كفروا بما جاء به النبي ﷺ ، إلا أنهم رأوا العبيد والفقراء والضعفاء هم الذين يتبعونه، فذهب بهم اعتزازهم بالباطل ألا يتبعوه، وقالوا مقالة قوم نوح له: (. . . وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ. . .).
ونصارى الجزيرة العربية ومن شاكلهم جانبوا الكبر، فقربوا من الحق، وقد بين سبحانه حالهم في اتباع الحق.
* * *
стр. 3006
(وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ... (٨٣)
* * *
الرسول هو محمد ﷺ ، ما أنزل إليه هو القرآن، وأنهم لإيمانهم بالحق، وإخلاص قلوبهم، واطمئنان نفوسهم إلى الحق وقد طلبوه بمجرد أن سمعوا القرآن فتحت نفوسهم له وكأنهم كانوا يطلبونه، وأولئك طائفة من نصارى الشرق منهم من كان يؤمن بأن عيسى رسول الله وأن الإنجيل بَشَّرَ بمحمد ﷺ فلما سمعوا القرآن وسمعوا محمدا، وعندهم صفاته فاضت الدموع من عيونهم فرحا به، إذ قد استشرفوا له فوجدوه فكان بردا وسلاما، وقد يكون مع المشارقة من النصارى طائفة من المثلثين وهو الظاهر، كانوا يحسون أنهم في ضلال، وظلام متكاثف من الأوهام، فلما رأوا النور تمشوا إليه.
ومعنى قوله: (تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ) أن الدمع ينزل من عيونهم فائضا عما تمتلئ به بسبب الحق الذي عرفوه، ومقتضى الكلام أنهم كانوا في حيرة حتى وجدوه، وأثلجت نفوسهم به، وقد قال الزمخشري في
стр. 3007
توجيه الكلام من الناحية البلاغية: " معناه تمتلئ عيونهم من الدمع حتى تفيض، لأن الفيض أن يمتلئ الإناء أو غيره، حتى يطلع ما فيه من جوانبه فوضع الفيض الذي هو من الامتلاء موضع الامتلاء، وهو من إقامة المسبب مقام السبب، أو قصدت المبالغة في وصفهم بالبكاء، فجعلت أعينهم كأنها تفيض بأنفسها أي تسيل من الدمع من أجل البكاء ". هذا كلام الزمخشري في التحرير البلاغي لمعنى تفيض أعينهم، وعندي أن الكلام مبالجة في تأثرهم بدعوة النبي ﷺ واستقامة قلوبهم وعقولهم نحو الحق، وسرورهم به، ومن السرور ما يكون مظهره انبثاق الدموع من العين.
وقد أكد الكلام بأنه لم يعبر عنه بالإخبار، بل عبر عنه بالرؤية المبصرة التي هي أقوى أسباب العلم الحسي، وصور حالهم في التعبير بالمضارع، وقوله تعالى: (مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ).
معناه أن سبب البكاء هو ما عرفوه من الحق، وهذا يدل على أمرين: أولهما: أنه تحقق لديهم ما وجدوه من أوصاف النبي ﷺ . ثانيهما: أنهم كانوا لنفاذ بصائرهم، وعظم مداركهم يحسون بأنهم كانوا في ضلال، فعرفوا الطريق، وكانوا في ظلام فاستناروا وكانوا في حيرة فاطمأنوا.
وإن هذا ينطبق على كل نصراني طالب للحق، لم يطمس الله على بصيرته.
وبعد أن بين سبحانه حالهم المرئية ذكر قولهم بعد اهتدائهم فقال تعالت كلماته:
(يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ) حكى الله قولهم وقد اتجهوا فيه إلى الله تعالى معترفين بربوبيته وحده، وأنه على كل شيء قدير، ومقرين بالإيمان الصادق المنبعث من قلوبهم، وطلبوا من الله تعالى أن يكتبهم من الذين شهدوا بالحق، وشهدوا برسالة النبي ﷺ ، كما قال تعالى: (وَكَذَلِكَ
стр. 3008
جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا. . .).
وكما قال تعالى. (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨).
وهؤلاء الذين آمنوا لَا يجدون غرابة في أن يؤمنوا إنما الغرابة في ألا يؤمنوا، ولذلك حكى الله عنهم قولهم:
* * *
стр. 3009
(وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤)
* * *
الاستفهام هنا إنكاري فيه معنى التعجب، وهو إنكار للوقوع، فهو بمعنى نفي أن يحدث منهم عدم الإيمان لأن موجب الإيمان قد وجد، وهو الإيمان لله تعالى ﷻ ، والحق الذي جاء إليهم وخوطبوا به، ولا يوجد أي مانع يمنعهم من الإيمان، فالسبب قد تحقق ولا مانع، والاستفهام بمعنى النفي، وهو داخل على نفي، ونفي النفي إثبات، فمعناه إصرار على الإيمان، وقوله تعالى: لا نؤمن بالله، حال مما دخل عليه النفي، وصاحب الحال هو: " نا ".
والكلام يومئ إلى أنه كان هناك اعتراض، وكان كلامهم للرد على هذا الاعتراض، والتاريخ يثبت أنه كان اعتراض على من آمنوا من هؤلاء النصارى، والمنطق النفسي للجماعات في قديمها وحديثها أن تستنكر من يغير دينه إلى دين الحق الذي ارتآه، وهؤلاء من الذي قال تعالى فيهم: (وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ. . .). وقال فيهم سبحانه: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣).
(وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ).
стр. 3010
وإن إيمانهم هذا وإذعانهم للحق في وسط إنكارهم لم يجعلهم يجزمون بالجزاء في الآخرة، بل كانوا حقا كصادقي الإيمان يطمعون لَا في الجزاء وحده بل يطمعون في أن يكونوا مع أهل الإيمان الذين يجمعهم الصلاح في الأعمال، ولذا قال سبحانه عنهم: (ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين). فهم لقوة إيمانهم يستصغرون ما عملوا، ويطمعون في أن يدخلهم ربهم الذي خلقهم وأنماهم، وكفلهم برحمته وعنايته أن يدخلوا في ضمن الذين اختارهم الله تعالى واصطفاهم، وهم قوم الله وحزبه، وهم الصالحون المصلحون، والمؤمن المخلص يستقل عمله بجوار أنعم الله تعالى عليه، فهو لَا يستكثر بتقواه، ولا يمن بعبادته، وليس حالهم كحال الذين يمنون على الله تعالى إذ قال تعالى: (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لَا تَمنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ).
ولقد كان ما أعده الله تعالى أكثر مما طمعوا، وإذ أعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار، ولذا قال تعالى:
* * *
стр. 3011
(فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٨٥)
* * *
في هذا النص الكريم إجابتهم إلى ما طلبوا، وهو إجابة الله العزيز الكريم، وهو أكبر مما طلبوا، لقد كانوا يطمعون أن يكونوا من القوم الصالحين وأن يكتبوا مع الشاهدين، فأجابهم بالجزاء الأوفى وهو ما أعد الله تعالى لعباده المتقين، كانوا يطمعون ويرجون، فسمى سبحانه ما أعطاهم جزاء وفاقا، وكانوا يطلبون أن يكونوا مع الصالحين، فسماهم الله تعالى محسنين، أي مجيدين متقين مخلصين.
فكان الجواب هو جواب الحكيم الكريم الذي يقول تعالت كلماته: (هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ). والثواب الرجوع بالشيء إلى حالته الأولى، وكان ثواب العمل من قبيل الرجوع إلى أصل العمل، أي أن ما ينالهم من جنات النعيم، أي من المقام الذي ينعمون، وإنما عاد إليهم من أعمالهم،
стр. 3012
وذلك كرم من الله تعالى إذ جعل جزاءهم من العمل ذاته، وهو ذو الفضل العظيم، وذلك هو الجزاء لمن يحسن.
وجعل الثواب على القول؛ لأنه يدل على الإخلاص، وعلى الإيمان الصادق، والعمل الطيب، فالجزاء على هذا كله الذي دل عليه القول الطيب.
هذا جزاء أولئك الذين آمنوا وصدقوا الله تعالى، أما جزاء الذين كفروا وجحدوا فهو ما ذكر بقوله:
* * *
стр. 3013
(وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (٨٦)
* * *
ذكر جزاء الذين استمروا على كفرهم في مقابل جزاء الذين آمنوا وطمعوا في رحمة الله تعالى، وأدركوا الحق فأذعنوا له، وكان جزاء الكافرين أنهم صاروا أصحاب الجحيم، أي الملازمين لها الذين لَا يفارقونها، والجحيم هي النار المتأججة التي لَا تنطفئ، وقد استحق ذلك العقاب بسببين:
أولهما - كفرهم وجحوددهم بالحقائق الثابتة التي جاءتهم والحي تدركها العقول السليمة، فهم قد استحقوه بكفرهم بها مع أن النفس السليمة تذعن لها من غير تردد، لأنها هي التي تتفق مع العقل والفطرة المستقيمة.
الثاني - أنهم كذبوا بآيات الله تعالى أي الأدلة والمعجزات التي ساقها رب العالمين لتأييد النبي المرسل الذي أرسل إليهم، فهم لم يؤمنوا بهذه المعجزات، ولم يصدقوها.
فكانوا حائرين بائرين، إذ لم يدركوا الحق في ذاته وهو متفق مع العقل المستقيم، ولم يتقبلوا الأدلة القاطعة التي سيقت إليهم للدلالة على الحق الذي لم يدركوه.
وهذان السببان هما اللذان من أجلهما كان العقاب، ولذلك عبر بالموصول الذي يدل على أن الصلة هي سبب الحكم، وعبر بالإشارة، وهي تدل على أن المشار إليه هو سبب الحكم.
стр. 3014
وكلمة الذين كفروا تشمل من كانوا من أهل الكتاب ومن كانوا من غيرهم لأن السبب في ذلك الجزاء الأليم يتحقق في النوعين: إذ كلاهما كفر بالحق لما جاءه، وكلاهما كذب آيات الله تعالى التي ساقها للدلالة على رسالة الرسول، وحيث تحقق السبب تحقق المسبب لَا محالة، وهو العذاب الأليم الدائم.
هدانا الله إلى الحق، وإلى صراط الله العزيز الحميد.
* * *
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٨٨) لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩)
* * *
اعتبر القرآن الذين قالوا إنا نصارى أقرب مودة للذين آمنوا، وزاد أن السبب في ذلك أن فيهم قسيسين ورهبانا، وذكر في نص آخر أن فيهم رأفة ورهبانية ابتدعوها، والرهبانية تقتضي التقشف والحرمان من أكثر طيبات الحياة، والإسلام لم يأت بهذا، بل جاء شريعة وسطا بين المادية الشرسة العنيفة، والروحانية
стр. 3015
المتخلصة من حاجات الجسم تخلصا، بل الإسلام أباح الطيبات وحرم الخبائث، ولم يقرر أن تعذيب الجسم من القربات، وقرر أن المشقات تحتمل إذا كان من الممكن الاستمرار عليها، ولذلك جاء النص الكريم بإباحة الطيبات بعد الإشارة إلى الرهبانية فقال: