(فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٨٥)
* * *
في هذا النص الكريم إجابتهم إلى ما طلبوا، وهو إجابة الله العزيز الكريم، وهو أكبر مما طلبوا، لقد كانوا يطمعون أن يكونوا من القوم الصالحين وأن يكتبوا مع الشاهدين، فأجابهم بالجزاء الأوفى وهو ما أعد الله تعالى لعباده المتقين، كانوا يطمعون ويرجون، فسمى سبحانه ما أعطاهم جزاء وفاقا، وكانوا يطلبون أن يكونوا مع الصالحين، فسماهم الله تعالى محسنين، أي مجيدين متقين مخلصين.
فكان الجواب هو جواب الحكيم الكريم الذي يقول تعالت كلماته: (هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ). والثواب الرجوع بالشيء إلى حالته الأولى، وكان ثواب العمل من قبيل الرجوع إلى أصل العمل، أي أن ما ينالهم من جنات النعيم، أي من المقام الذي ينعمون، وإنما عاد إليهم من أعمالهم،
стр. 3012
وذلك كرم من الله تعالى إذ جعل جزاءهم من العمل ذاته، وهو ذو الفضل العظيم، وذلك هو الجزاء لمن يحسن.
وجعل الثواب على القول؛ لأنه يدل على الإخلاص، وعلى الإيمان الصادق، والعمل الطيب، فالجزاء على هذا كله الذي دل عليه القول الطيب.
هذا جزاء أولئك الذين آمنوا وصدقوا الله تعالى، أما جزاء الذين كفروا وجحدوا فهو ما ذكر بقوله:
* * *
стр. 3013
(وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (٨٦)
* * *
ذكر جزاء الذين استمروا على كفرهم في مقابل جزاء الذين آمنوا وطمعوا في رحمة الله تعالى، وأدركوا الحق فأذعنوا له، وكان جزاء الكافرين أنهم صاروا أصحاب الجحيم، أي الملازمين لها الذين لَا يفارقونها، والجحيم هي النار المتأججة التي لَا تنطفئ، وقد استحق ذلك العقاب بسببين:
أولهما - كفرهم وجحوددهم بالحقائق الثابتة التي جاءتهم والحي تدركها العقول السليمة، فهم قد استحقوه بكفرهم بها مع أن النفس السليمة تذعن لها من غير تردد، لأنها هي التي تتفق مع العقل والفطرة المستقيمة.
الثاني - أنهم كذبوا بآيات الله تعالى أي الأدلة والمعجزات التي ساقها رب العالمين لتأييد النبي المرسل الذي أرسل إليهم، فهم لم يؤمنوا بهذه المعجزات، ولم يصدقوها.
فكانوا حائرين بائرين، إذ لم يدركوا الحق في ذاته وهو متفق مع العقل المستقيم، ولم يتقبلوا الأدلة القاطعة التي سيقت إليهم للدلالة على الحق الذي لم يدركوه.
وهذان السببان هما اللذان من أجلهما كان العقاب، ولذلك عبر بالموصول الذي يدل على أن الصلة هي سبب الحكم، وعبر بالإشارة، وهي تدل على أن المشار إليه هو سبب الحكم.
стр. 3014
وكلمة الذين كفروا تشمل من كانوا من أهل الكتاب ومن كانوا من غيرهم لأن السبب في ذلك الجزاء الأليم يتحقق في النوعين: إذ كلاهما كفر بالحق لما جاءه، وكلاهما كذب آيات الله تعالى التي ساقها للدلالة على رسالة الرسول، وحيث تحقق السبب تحقق المسبب لَا محالة، وهو العذاب الأليم الدائم.
هدانا الله إلى الحق، وإلى صراط الله العزيز الحميد.
* * *
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٨٨) لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩)
* * *
اعتبر القرآن الذين قالوا إنا نصارى أقرب مودة للذين آمنوا، وزاد أن السبب في ذلك أن فيهم قسيسين ورهبانا، وذكر في نص آخر أن فيهم رأفة ورهبانية ابتدعوها، والرهبانية تقتضي التقشف والحرمان من أكثر طيبات الحياة، والإسلام لم يأت بهذا، بل جاء شريعة وسطا بين المادية الشرسة العنيفة، والروحانية
стр. 3015
المتخلصة من حاجات الجسم تخلصا، بل الإسلام أباح الطيبات وحرم الخبائث، ولم يقرر أن تعذيب الجسم من القربات، وقرر أن المشقات تحتمل إذا كان من الممكن الاستمرار عليها، ولذلك جاء النص الكريم بإباحة الطيبات بعد الإشارة إلى الرهبانية فقال:
стр. 3016
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَل اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) النداء موجه للذين آمنوا بوصف أنهم مؤمنون، أي أنه ليس من الإيمان أن تحرموا الطيبات التي أحلها الله تعالى من لحم طرى، وسمك شهي، وشراب سائغ، وزوجات هن زهرات هذا الوجود، فالطيبات هي المشتهيات الحلال، التي تستطيبها النفس ولا تمجها، فإنها بناء الجسم ومصدر قوته على الجهاد، وتطلق الطيبات على ما كان طريق كسبها حلالا لَا خبث فيه، وكلمة (ما أحل الله لكم) إشارة إلى أن الله تعالى أحلها، فتحريمها معاندة لله، ويدخل فاعل ذلك ضمن من يشملهم قوله تعالى: (وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ. . .).
ومعنى تحريمها أن يأخذوا على أنفسهم ميثاقا بألا يتناولوها، فليس التحريم في معنى الترك الجرد، فقد يتركها؛ لأنه لَا يستسيغها، أو يتركها لمرض، أو يتركها عفوا من غير سبب، أما تركها بعهد يعهده وميثاق يأخذ نفسه به فهذا هو التحريم.
وروي في سبب نزول هذه الآية حديث نبوي شريف نذكره مع طوله نسبيا لأنه يبين معنى هذه الشريعة السمحة.
روى أن رسول الله ﷺ جلس يوما فذكر الناس ووصف القيامة، فرق - الناس، وبكوا واجتمع عشرة من الصحابة - رضي الله تعالى عنهم أجمعين - في بيت عثمان بن مظعون الجمحي، وهم علي - كرم الله وجهه -، وأبو بكر ﵁ وعبد الله بن مسعود، وأبو ذر الغفاري وسالم مولى أبي حذيفة وعبد الله بن عمر والقداد بن الأسود، وسلمان الفارسي، ومعقل بن مقرن،
стр. 3017
وصاحب البيت واتفقوا على أن يصوموا النهار، ويقوموا الليل، ولا يناموا على الفرش، ولا يأكلوا اللحم ولا الودك، ولا يقربوا النساء والطيب ويلبسوا المسوح، ويرفضوا الدنيا، ويسيحوا في الأرض، وهَمَّ بعضهم أن يجبَّ مذاكيره، فبلغ رسول الله ﷺ فأتى دار عثمان بن مظعون فلم يصادفه، فقال لامرأته أم حكيم: أحق ما بلغني عن زوجك وأصحابه، فكرهت أن تنكر، إذ سألها، وكرهت أن تبدي على زوجها، فقالت: يا رسول الله إن كان قد بلغك عثمان فقد صدقك، وانصرف رسول الله ﷺ فلما دخل عثمان أخبرته بذلك، فأتى رسول الله ﷺ هو وأصحابه فقال ﵊ أنبئت أنكم اتفقتم على كذا وكذا!!! قال: نعم يا رسول الله، وما أردنا إلا الخير، فقال رسول الله ﷺ : " إن لأنفسكم عليكم حقا، فصوموا وأفطروا، وقوموا وناموا، فإني أقوم وأنام وأصوم وأفطر، وآكل اللحم والدسم، وآتي النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني " ثم جمع الناس وخطبهم فقال: " ما بال أقوام حرموا النساء والطعام والطيب والنوم وشهوات الدنيا، أما إني لست آمركم أن تكونوا قسيسين ورهبانا، فإنه ليس في ديني ترك اللحم والنساء ولا اتخاذ الصوامع، وأن سياحة أمتي الصوم، ورهبانيتهم الجهاد، اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وحجوا واعتمروا وأقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وصوموا رمضان، واستقيموا، فإنما هلك من كان قبلكم بالتشديد، شددوا على أنفسهم، فشدد الله عليهم، فأولئك بقاياهم في الديار والصوامع " (١) وإن هذا الحديث يدل على أمرين:
أحدهما - أن التشدد في الدين يعجز صاحبه عن الاستمرار عليه، ولو كان الناس جميعا رهبانا، يزهدون فماذا يكون المآل أتبقى الدنيا أم تنتهي إلى الانقراض.
الثاني - أن هذا الدين هو دين الحياة لَا يقطع العابد عن الحياة، ولكن يجعله يعيش عاملا فيها غير منقطع عنها، وأن التفاضل بين المؤمنين باستقامة النفس،
стр. 3018
وسلامة العبادة، وكثرة النفع للناس، كما قال ﵇: " خير الناس أنفعهم للناس " (١) ولقد قال في هذا المعنى الحسن البصري واعظ العراق: إن الله تعالى أدب عباده فأحسن أدبهم قال الله تعالى: (لِيُنفِقْ ذُو سَعَة مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ. . .).
ما عاب الله قوما وسع عليهم الدنيا، فتنعموا وأطاعوا، ولا عذر قوما زواها عنهم فعصوه، وإن شرط إباحة الحلال، ومنع تحريمه ألا يكون ثمة اعتداء، ولذا قال تعالى:
(وَلا تَعْتَدُوا إِن اللَّهَ لَا يحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) والاعتداء له شعبتان إحداهما - تكون بالإسراف في البذخ، والتعالي والتفاخر فإن ذلك يؤدي إلى استيلاء الشهوات على نفسه، وذلك يؤدي إلى الضلال إذ يكون عبد شهوته، وتنماع إرداته، ولذلك قال تعالى في آية أخرى: (. . . وَكلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)، وقد قال ﷺ : " كلوا واشربوا والبسوا في غير سرف ومخيلة " (٢).
والشعبة الثانية - أن ينحرف فيعتدي على حقوق الناس ويتناول المحرم، ويتجاوز ما شرعه الله تعالى إلى ما لم يشرعه.
وإن هذا النص كان سلبيا بمنع أن يحرموا على أنفسهم، والنص الثاني إيجابي.
* * *
стр. 3019
(وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٨٨)
* * *
الأمر هنا للإباحة، وقال بعضهم: إنه للندب، وبعضٌ يرى أنه واجب على المؤمن ألا يترك أمرا أباحه الله تعالى تركا مطلقا، ولا يكن قد حرم ذلك على نفسه، والتحريم
стр. 3020
منهي عنه بقوله تعالى: (ولا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ). والرأي عندي أن يكون الأمر للإباحة المستحسنة؛ لأن النبي ﵊ يقول: " إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده " (١) وقد زكى الطلب الإباحي أو الندبي بأمور أربعة:
أولها - أنه جعله مما رزقه الله ؛ وأن الله لَا يرزق إلا ما يكون في تناوله خير، ولقد كان بعض التابعين يحرم على نفسه الفالوذج، فرد الحسن ذلك بأن الله تعالى رزقه إذ قال رضي الله ﵎ عنه: " لعاب النحل بلباب البر مع سمن البقر هل يعيبه مسلم ".
الأمر الثاني - أن الله وصفه بأن يكون حلالا قد أحله الله تعالى ولم يحرمه، فإن إحلال الله تعالى نوع من ضيافته على رزقه، وأنى يسوغ لمؤمن أن يرفض ضيافة الله ، فإذا رزقك الله ثوبا حسنا وأباحه لك؛ لأنه كسب طيب لَا خبث فيه، فاعلم أنه هدية الله تعالى أهداها إليك فإن اخترت خشن الثياب بدلا منه فقد رفضت هدية الله تعالى، وقد روي أن النبي ﷺ نهى عن الكبر، وذكر أنه لَا يدخل الجنة متكبر، فقال بعض الصحابة: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا، ونعله حسنا، فهل هذا من التكبر، فقال ﷺ : " إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس " (٢).
الأمر الثالث - أن الله تعالى وصف الرزق بأن يكون طيبا، والطيب يشمل وصفين أحدهما - أن يكون طريق كسبه طيبا، لَا خبث فيه، فقد يكون الشيء في
стр. 3021
ذاته لم يحرمه الله تعالى، ولم يمنع استعماله، ولكن طريق الحصول عليه كان خبيثا، فالمال الذي اشتراه به كان كسبه خبيثا، كأن يكون من ربا أو سحت أو نحو ذلك من أسباب الكسب الخبيث، والوصف الثاني - الذي تشمله كلمة الطيب أن يكون مرغوبا فيه، فإن كان طعاما يكون بحيث لَا تعافه نفس المتناول، فإن كان كذلك لَا يطلب منه أكله؛ لأن ما تأكله وأنت تشتهيه فقد أكلته، وما تأكله وأنت لا تشتهيه فقد أكلك.
الأمر الرابع - هو أمره بتقوى الله تعالى، وقد زكى طلب التقوى بارتباطه بالإيمان بالله تعالى إذ قال تعالت كلماته: (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنتُم بِهِ مُؤْمِنونَ). وجه التزكية ذكر لفظ الجلالة الذي يربى المهابة بالقلوب، وبيان أن الإيمان يقتضي التقوى، وأكد الإيمان بالله بالجملة الاسمية.
والتقوى أن يلاحظ الشخص حق الله تعالى وحق الناس فيما يتناوله من طيبات، وألا يدفعه ذلك إلى الغرور والتعالي، والتفاخر والاستطالة على الناس، وألا يدفعه طلب الحلال إلى نسيان الحمد والشكر، في كل ما يتناوله، ويناله، وأن يقوم بحق الله تعالى، وحق الناس، وأن ينعم بالنعمة، ويصبر إذا أزالها، ويكون من المتقين الصابرين المذكورين في قوله تعالى: (وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠).
فالنعم تحتاج إلى صبر، وإعطائها حقها من الشكر، والنقم تحتاج إلى صبر.
* * *
стр. 3022
(لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ ... (٨٩)
* * *
كان الذين يحرمون على أنفسهم ما أحله الله تعالى يتخذون الأيمان ذريعة لذلك، فيحلفون ألا يأكلوا أو ألا يأتوا النساء، أو أن يقوموا الليل ويحرموا أنفسهم من متعة النوم وهكذا، فبين الله تعالى في هذه الآية تحلة هذه الأيمان، وأنه يجب
стр. 3023
عليهم، أو يسوغ لهم الحنث في هذه الأيمان، لقول النبي ﵊: " من حلف على شيء فرأى خيرا منه فليحنث وليكفر " (١).
اللغو هو من لغا العصفور وهو صوته، أطلق على كلام من لَا يعتد به ولا يلتفت إليه، كما قال تعالى في أوصاف المؤمنين: (. . . وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (. . . (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا).
ولغو اليمين الذي لَا مؤاخذة عليه بنص القرآن قال بعض الفقهاء ومنهم الشافعي: أنه ما لَا يقصد به الحلف، بل يجيء في مجرى الكلام، مثل لَا والله بلى والله، وروى ذلك عن عائشة ﵂، ويزكي ذلك التفسير قوله تعالى في آية أخرى: (لا يُؤَاخِذكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ. . .).
والذي يقابل ما كسبت القلوب هو ما لَا تكسبه القلوب، وقال الحنفية: هو أن يحلف على شيء مضى على أنه كما قال ثم يتبين أنه غيره، فعلى حسب اعتقاده لَا يكون عليه شيء، وهذا التفسير مأثور عن مجاهد ﵁، وعلى ذلك تكون المعقدة مقابلة للغو.
وظاهر الآية الكريمة أن معقدة الإيمان هي الحلف على الامتناع عن فعل في المستقبل أو الإصرار على فعل، لأن ذلك هو الذي يسير مع السياق من التحريم على النفس، وأصلها من العقد، وهو في الحسيات جمع أطراف الشيء، وفي المعنويات جمع أطراف الكلام، وصيغة التفعيل تدل على توثيق الكلام وتأكيده وقرئ بالتخفيف (٢)، وهي في معنى التضعيف.
والذي يظهر لنا وسط اختلاف الفقهاء في التفسير أن اللغو ما لَا يقصد به اليمين، وما لَا تكسبه القلوب، ولا يوثَق به الكلام بالامتناع، عن الفعل، أو
стр. 3024
توكيد إيقاع الفعل في المستقبل، لَا مؤاخذة عليه، إنما المؤاخذة على ما تكسبه القلوب إذا حنث في يمينه فعدل عما اعتزم، كمن يعدل عن تحريم ما أحل الله، ولذا قال سبحانه:
(فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) الكفارة من الكفَر وهو الستر، فالكفارة ستر الخطيئة وستر الَخطيئة عند الله تعالى إزالة أثر الاعتداء، والضمير يعود على الحنث المقدر في القول، فكفارته أي كفارة خبثه، ولا مانع من أن يعود على الحالف إذا حنث، ويظهر لنا ذلك؛ لأن التكفير يكون عن الشخص، ولا يكون على اليمين، ولا على الحنث فيه إلا على اعتبار أنه محو لسيئة الحالف في الحنث، وعدم البر بيمينه.
وقد خير الحالف إذا حنث بين أمور ثلاثة يختار إحداها، وهو سيختار الأيسر عليه اقتداء بالنبي ﷺ إذ قالت عائشة في أخلاق النبي ﷺ : " ما خُير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما " (١) فالواجب هو واجب مميز بين ثلاثة وليس واحدا منهم بأولى من الباقين إلا أن يكون أيسرهما عليه، فإن كان من تجار الأقمشة كانت الثياب أيسر عليه.
والأمر الأول المميز فيه الطعام، وقد عبر سبحانه بإطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم، فما المراد بالأوسط، وما نوع الواجب أهو الإطعام بالفعل؛ أم يشمل التمليك الذي يكون به الإطعام، وهل العدد مقصود لذاته، أي لا بد أن يكون المطعومون عشرة لَا ينقصون؛.
أما كلمة أوسط، ففيها رأيان: أحدهما - رأى كثيرين من المتقدمين.
أن المراد أمثل ما يطعمون به أهليهم، لأن الأوسط في كثير من الاستعمالات هو الأمثل، قال تعالى: (قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ).
стр. 3025
أي قال أمثلهم فكرًا ونظرًا، ويزكي هذا أن إطعام عشرة مساكين يقابل بالكسوة وعتق الرقبة، ولا يتصور المقاربة إلا إذا كان أمثل الطعام لديهم، ومؤدى ذلك التصوير أن يكون أولئك الفقراء في ضيافة من حنث في يمينه، يستضيفهم؛ لأن رب البيت يقدم لضيفة أمثل ما يستطيعه من طعام.
وقال آخرون: إن الأوسط هو المتوسط الذي يعد المتوسط في طعامه، فليس هو أقل ما يأكله أهله ولا أكثر بل يكون بين ذلك قواما، وقد اختار هذا الرأي ابن جرير، والأكثرون من الفقهاء.
وإن الإطعام يكون بالتمكين من ذلك، وهو الأصل، وخصوصا عند من يفسر الأمثل بالأوسط، وفي هذه الحال يقدم لهم وجبتين من الطعام ليستطيعوا الاعتماد عليها طول اليوم، وإذا لم يكن الإطعام متيسرا، ملكهم من أنواع القوت ما يقابل ذلك، والأكثرون على أنه يقدم نصف صاع من بر، واختلافهم في مقدار الصاع، لَا في أصل التقدير.
والأكثرون من الفقهاء على أنه لَا بد من إطعام عشرة، وقال الحنفية: إذا أطعم واحدا عشر مرات يغني عن إطعام العشر؛ لأن القصد إمداد الفقراء بحاجات تغنيهم، وليست العبرة بمغايرة الاشخاص ولا بالعدد في ذاته، والكسوة يلاحظ فيها أن تكون سابغة في الجملة، ولقد قال مالك وأحمد: لَا بد أن يدفع إلى كل واحد منهم من الكسوة ما يصح أن يصلي فيه رجلا كان أو امرأة كل بحسبه.
وعندي أنه يترك تقدير الكسوة إلى ما يليق بالمعطى مع ملاحظة أن يكون سابغا.
والرقبة أيشترط فيها أن تكون مؤمنة؛ لقد ورد عتق الرقبة موصوفا بأن تكون مؤمنة في كفارة القتل خطأ، فالأكثرون من الفقهاء جعلوه وصفا في كل تكليف بعتق الرقبة؛ لأنه قد اتحد الموضوع، واتحاد الموضوع يكفي في حمل المطلق على المقيد، ولأن المعنى فيه تحرير رقاب المؤمنين، ولأن الصدقات تكون للمؤمنين، وقال الحنفية: لَا يحمل المطلق على المقيد إلا إذا اتحد الموضوع والسبب، وعتق
стр. 3026
الرقاب في ذاته قربة إلى الله تعالى، والرأي عندي أنه لَا يعتق غير مؤمنة إذا كان يملك مؤمنة.
(فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثةِ أَيَّام) الفاء هنا تفصح عن شرط مقدر، والمعنى إذا لم يكن عنده ويريد أن يحنث ولم يجد فصيامه ثلاثة أيام، وثلاثة الأيام يصومها تطهيرا لنفسه، ولتقوى إرادته، وتشتد عزيمته، فالصوم طهرة للنفس، ويزكي العزيمة الصادقة والتجرد الروحي، ولكن أيشترط أن تكون الأيام الثلاثة متتابعة؟ قال كثيرون: لَا يشترط أن تكون متتابعة؛ لأن النص لم يشترط ذلك، ولأن التيسير يتحقق بعدم شرط التتابع، والنبي ﵇، يقول " يسروا ولا تعسروا " (١)، وقال أبو حنيفة ﵁: إن التتابع شرط؛ وذلك لأنه لا يمكن تحقق أنها ثلاثة أيام إلا متتابعة، ولا يتصور أن يكون قد كفر عن يمينه إذا كان يصوم في كل عام يوما، ولأن ذلك رأى كثير من الصحابة منهم عبد الله بن مسعود. ونحن نختار ذلك الرأي، وقبل أن ننتهي من الكفارة لَا بد من أن نتعرض الأمرين:
أولهما - أيسبق الحنث الكفارة ولا كفارة إلا بعد الحنث أم تجوز الكفارة قبل الحنث؟ قال الأكثرون بالأول لأن السبب هو الحنث، وما دام لم يتحقق فإنه لا كفارة، وقال آخرون: يجوز أن تتقدم الكفارة عند نية الحنث، وتقوم النية مقام الحنث بالفعل.
ثانيهما - إذا حلف على شيء فرأى خيرا منها يجب عليه أن يحنث قال الظاهرية ذلك لقول النبي ﷺ " من حلف على يمين فرأى خيرا منه فليحنث وليكفر " (٢) وقال غيرهم: لَا يجب، ونحن نرى أن يوازن بين مقدار الضرر الذي سيترتب على الاستمرار، والخير الذي يجلبه الحنث، فإن رجح الثاني وجب الحنث.
стр. 3027
(ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) ذلك الذي تقدم هو سائر أيمانكم أي ماحي إثمها شرعه الله تعالى لكم رجاء أن تشكروه إذ خفف عليكم وسهل لكم فعل الخير إذا امتنعتم عنه ووثقتموه بيمين، فسهل لكم سبيل الخروج بكفارة سهلة ميسرة، فقوله تعالى: (لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) متصل بقوله: (ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكمْ إِذَا حَلَفْتُمْ)، فسهل لكم الحنث بذلك التفكير السهل.
وحفظ الأيمان يتحقق بألا يكثر منها، ولا يكون مهينا ينطبق عليه قول الله تعالى: (وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ)، وألا يمتغ عن الخير بالحلف، فلا يجعل الله تعالى عرضة ليمينه، وأن يصون يمينه فلا يحلف إلا لإرادة الخير، والله هو المستعان.
* * *
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٩٢) لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣)
* * *
стр. 3028
بين سبحانه أنه لَا يصح تحريم الحلال، وطالب بتناوله، وأنه ليس من الإسلام تعذيب الجسم في سبيل تطهير الروح، بل إن الروح القوي لَا يكون إلا في الجسم السليم الذي يستوفي حاجة الحياة الطيبة التي لَا إثم فيها، وإن المحللات لا تحصى عددا، والمحرمات من الأطعمة تحصى، وهي محصورة.
والمحرمات تكون لأحد أمرين إما لخبث في ذاتها، كالخمر والخنزير والميتة، وإما لاقترانها بما يمس العقيدة، مما يدعو إلى الإشراك، ومن الأشياء ما تكون محرمة لأن الفعل الذي قارنها كان محرما، كالذي يكسب بالميسر، فيحرم سدا للذريعة، وقد ذكر سبحانه بعض المحرمات من الصنفين، فقال تعالت كلماته:
стр. 3029
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلام رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ) الخمر بمعنى المصدر هو الستر، ولذلك يقال لما يستر به الرأس عند النساء خمار، والخمر بمعنى الاسم ما يخمر العقل ويستره، ويمنعه من التقدير الصحيح، والفقهاء اختلفوا في تعريف الخمر الذي جاء في القرآن تحريمها بالنص، فقال بعضهم: إنها ما يتحقق فيها المعنى اللغوي الأصيل، فهي تكون لكل مسكر يخمر العقل ويستره، وبعض الفقهاء قال: إنها اسم المسكر المتخذ من ماء العنب والتمر لما روي عن النبي ﷺ " الخمر من هاتين الشجرتين النخلة والعنبة " (١) وقال بعض الفقهاء إنها لَا تكون للمطبوخ، بل تكون للنَيِّئِ.
وقال الحنفية: إن الخمر المذكور تحريمها بالنص في القرآن الكريم هي النيِّئ من ماء العنب إذا غلا واشتد وقذف بالزبد، فهذه هي الخمر الذي جاء بتحريمها النص القرآني.
وما جاء من الأشربة المحرمة، فقد ثبت تحريمها بالقياس؛ لأنها تشترك مع الخمر المحرمة بالنص في علة التحريم، وهي الإسكار فحرمت لإسكارها لَا لورود النص بها.
стр. 3030
هذه هي الخمر الواردة في القرآن وكلام الناس فيها، والميسر هو القمار، وهو يشمل كل كسب بطريق الحظ المبني على المصادفة من كل الوجوه، وهو يكون للعب على المال: فالنرد على مال للكسب قمار، والشطرنج على المال قمار، وهكذا، وتحريم الميسر لذات الفعل، فالفعل في ذاته حرام، والكسب عن طريقه حرام؛ لأنه سحت، وأكل لمال الناس بالباطل.
والأنصاب تطلق عند عرب الجاهلية بإطلاقين: أحدهما - نصب من الحجارة كانت تعبد، أو تقدس.
والإطلاق الثاني: حجارة مقدسة كانت تخصص للذبح تقربا للأصنام.
والأزلام جمع زلم، وهي السهام التي كانوا يتقاسمون بها الجزور أو البقرة إذا ذبحت، فسهم عليه واحد، وسهم اثنان وهكذا إلى عشرة، وقد حرم القرآن القسمة بذلك لأنها من الميسر.
وقد جمعت هذه الأمور كلها مع تحريم الخمر؛ لأنها متجهة جميعها إلى الخبائث، فالخمر ومعها الميسر كانا مقترنين في التحريم؛ لأنهما عادة كانا مقترنين في الواقع، فيندر أن يلعب الميسر من لَا يشرب الخمر، وشارب الخمر المدمن عليها يمتد به الإثم، حتى يتناول الميسر أيضا.
والأزلام كانت تتخذ لقسمة الذبائح بالميسر، فيسحب الشخص الزلم، ويكون له من اللحم بمقدار ما يعلمه السهم، فإن كان واحدا أخذه، وإن أكثر أخذه بمقدار ما يعلمه.
والنصب جمعت مع هذه، لأنها أصنام وهي الأصل فساد في العقيدة، أو لأنها مقدسة لَا تؤكل الذبيحة إلا إذا ذبحت عليها، فكان جمعها مع الخمر والميسر لصلتها بالميسر، ولأنها نوع من تحريم ما أحل الله تعالى لغير سبب معقول لَا من الشرع ولا من العقل، فهي ذات صلة وثيقة بالآية التي قبلها.
وكان جمع هذه الأشياء مع ما سبق لأن لها مصدرا من الطبع واحدا، وحكما من الشرع واحدا، وهو أنها رجس، ومن عمل الشيطان، والرجس كل ما استقذر،
стр. 3031
وهو يطلق أولا على الأشياء القذرة التي تعافها ولا تستطيبها النفس أو أن عواقبها وبيئة، وتطلق بالإطلاق الثاني على الأعمال السيئة التي لَا يقبلها العقلاء، ولا مبرر لها عند أهل البصر والإدراك، والخمر مستقذرة في ذاتها لأن النفس لَا تستطيبها شرابا، ولولا العادة ما تعودها الناس لعدم مساغها، ونتيجتها مستقذرة لأنها تفقد الشخص الإدراك، يكون قذر العمل، يأتي بما لَا يستحسنه العقلاء، وهي مستقذرة؛ لأنها ضارة بالجسم أبلغ الضرر وأشده، فهي تفسد الكبد، وتضل العقل، ولقد حرمها بعض الجاهلين على نفسه، ولما قدمت له قال: (لا أتناول ضلالي بنفسي) وهي تثير النزوات والشهوات، ويروى أن أعرابية جاءت إلى مكة، فأسقيت الخمر، فلما ثملت قالت: أنساؤكم يشربن الخمر، فلما قيل لها: نعم. قالت: إن نساءكم لزوانٍ.
والخمر أم الخبائث، لأنها تسهل كل الخبائث، فما من شر يريد أن يقدم عليه الشخص، ويتردد في ارتكابه إلا سهلته الخمر، فهي تميت النفس اللوامة، أو على الأقل تضعف صوتها، وتخدر الوجدان، وهو الإحساس بما في العمل الذي يعمله من خطر، ومن أجل ذلك كله حرمت.
ولا يقال إنها حرمت للإسكار فقط، حتى لَا يزعم ناس أنها حلال له؛ لأنه لم يسكر، فذلك قول باطل أولا - لأن النص قاطع في التحريم، وكل اجتهاد مع النص اجتهاد فاسد، وثانيا - لأن كون الشيء مسكرا لَا ينظر فيه إلى الجزئيات بل النظر فيه إلى شأنه، ولا تخرم القاعدة الكلية بشذوذ جزئي. وثالثا - لأنها تميت الضمير والوجدان أو تخفت الصوت اللائم، وتذهب بالحياء وهو عصام الأخلاق والمجتمع السليم.
والميسر مستقذر، لأنه يؤدي إلى الشحناء واكل أموال الناس بالباطل، واتخاذ الأنصاب مستقذر لأنه لَا يتفق مع العقل ولا يدعو إليه الفكر المستقيم، وهو من ضلال العقول وفساد النفوس، والأزلام لون من ألوان الميسر، وشكل من أشكاله، وهو قذر بكل صوره، وبكل أشكاله.
стр. 3032
وإذا كان ذلك كله رجسا، فلماذا يتناوله العقلاء؟ فأجيب بأنه من عمل الشيطان الذي يحسن القبيح، ويقبح الحسن.
(فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تفْلِحُونَ) الضمير في: (فَاجْتَنِبُوهُ) يعود على كلمة رجس، والفاء للإفصاح عن شرط مقدر، وتقدير الكلام هكذا: إذا كان تناول هذه الأشياء، رجسا ومن عمل الشيطان، فاجتنبوه لتنالوا الفوز والفلاح أو لترجوا الفوز والفلاح، فمعنى قوله تعالى: (لَعَلَّكُمْ تفْلِحُونَ) أي لترجو الفوز والفلاح، فلا فوز لقوم يضلون عقولهم بأنفسهم، ويفرون من واجباتهم بالخمر يشربونها، وبالموبقات يتسلون بها وبإضلال عقولهم وضياع تفكيرهم.
و" اجتنبوه " معناها اجعلوه في جانب وأنتم في جانب، وهو أقوى من " لا تشربوها " في الدلالة على التحريم؛ لأن " اجتنبوها " لَا تدل فقط على تحريم الشرب، بل تدل على تحريم الشرب مع جعلها في جانب، وابتعاد، وهي تتضمن النهي عن الشرب، ومجالسة الشاربين، لأن مجالسة الشاربين لَا يتحقق فيها الأمر بالاجتناب، بل إن الاجتناب يتضمن النهي من المرور على الحانات أو غشيانها.
وقد زكى التحريم للخمر والميسر بأمرين باقترانهما باتخاذ الأنصاب والأزلام، ووصف الجميع بالقذارة الحسية المعنوية، وثاني الأمرين ببيان بعض الآثار من إلقاء العداوة والبغضاء، والصد عن ذكر الله فقال:
* * *
стр. 3033
(إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ ... (٩١)
* * *
البغضاء: البغض الشديد، وهو يقطع الصلات، ويثير الأحقاد، ويجعل الناس قلوبهم شتى، وإذا أعلنت البغضاء كانت العداوة المستحكمة، والمنابذة والشحناء، فالعداوة أخص من البغضاء، لأنها بغضاء معلنة متنابذة، أما البغضاء المجردة فتكون مستكنة لَا تظهر، وإن كانت آثارها عنيفة مثيرة للنفور مربية للأحقاد والأضغان.
стр. 3034
وقوله تعالى: (إِنَّمَا يرِيدُ الشَّيْطَانُ) فيه قصر، أي قصر إرادة الشيطان في الخمر والميسر على إثارة العداوة والبغضاء وإلقائهما في الأنفس، والعلاقات الاجتماعية بين الناس بعضهم مع بعض، وهذا يفيد أمرين: أولهما - أن الخمر والميسر لَا يدفع إليهما عقل مدرك مدبر، ولكن يدفع إليهما شهوة نفسية جامحة هي من تحريكات النفس الأمارة بالسوء.
وثانيهما - أنه يترتب عليهما الفرقة المادية بين الناس بالعداوة التي تقام بينهم، وبالبغضاء التي تولد فيهم الإحن المستمرة.
وليست العداوة والبغضاء هما فقط عمل الشيطان، بل له عمل آخر أشد وهو أنه يصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وفي الواقع أن كلا الأمرين متلازمان، فحيث كان الصد أي الإبعاد عن ذكر الله وعن الصلاة، كان إلقاء العداوة والبغضاء في القلوب، لأنه إذا وجد الإعراض عن ذكر الله وعن الصلاة كانت الأنانية، ولا شيء يقطع ما بين الناس، ويثير العداوة والبغضاء أكثر من الأثرة ومجانبة الإيثار.
فالخمر والميسر تناولهما يؤدي إلى أمرين أولهما - العداوة والبغضاء، وثانيهما - الصد عن ذكر الله تعالى وعن الصلاة، أما أداؤها إلى العداوة؛ فلأن الخمر إذا شربت غاب العقل الظاهر، وظهر العقل الباطن، وكشف السكران كل مستور، وبين كل ما في الأنفس، وانطلقت الألسنة، بما لَا يصح الكشف عنه، وقد يبادله الآخر مثل قوله فتكون الشحناء، وتكشف الأستار، وينبش المقبور من الأمور، ووراءه تولد الإحن ونزول المحن، وإن الرجل ليكون كاتما لنفسه لا يتكلم، فإذا سكر انطلق لسانه بكل شيء، وقد يفتري على الحرائر، ويكشف ما في السرائر، وتنزل بالجماعة المحن.
وأما الميسر فإنه يولد حقد القلوب، وإحساس كل بأن الآخر له متربص ومتحفز، ولأمواله طالب متوثب، وهذه الأمور بارزة للعيان غير محتاجة إلى بيان.
стр. 3035
وأما صدهما عن ذكر الله تعالى فلأن الخمر تميت النفس اللوامة، وتخدر الوجدان، وتربط الإنسان بأعلاق الأرض وتكون النفس الأمارة بالسوء، وتوجد في النفس انشراحا وهميا، وسرورا كاذبا، تجعله في لهو، واللهو وذكر الله نقيضان لَا يجتمعان، وكل لهو باطل إلا ما يكون تمهيدا للاستجابة لأمر الله تعالى ونهيه؛ وما يصد عن ذكر الله تعالى يصد عن الصلاة؛ لأنها ذكر لله تعالى، واستحضار لعظمته تعالت قدرته.
والميسر لَا يشغل عن الله وعن الصلاة فقط، بل يشغله عن أهله وعن أولاده، وعن عمله الذي يكتسب منه، بل عن ثيابه التي يكسو نفسه بها فهو غمرة طاغية لَا ينقذه منها إلا إطاعته أمر الله تعالى ونهيه.
(فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ) الفاء هنا للإفصاح عن شرط مقدر، مؤاده إذا كنتم قد علمتم ما في الخمر والميسر من مضار وصوارف عن الله تعالى. وما يؤديان إليه من شحناء وبغضاء، وما يفسدان به الجماعات أفأنتم بعد ذلك منتهون عنهما تاركون لهما أم أنكم ما زلتم في غيكم تعمهون، سادرين عن أمر الله تعالى، فالاستفهام هنا للإنكار، ومؤاده: انتهوا عما أنتم فيه، ولقد أجاب الكثيرون من أصحاب رسول الله: انتهينا.
وفى التعبير بالانتهاء والأمر به إشارة إلى تمهيدات سابقة للتحريم، فقد استنكرها القرآن الكريم من أول نزوله، فلم يعتبرها رزقا حسنا، كما قال تعالى: (وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ والأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا. . .).
فجعل السكر وهو الخمر مقابلا للرزق الحسن، ثم جاء التحريم غير الحاسم في قوله تعالى: (يَسْألُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسَِْ)، والنتيجة تنتهي إلى التحريم لأن ما كثر ضرره وقل نفعه يكون حراما، ثم حرمت في أثناء النهار وطرفا من الليل، وذلك في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِين آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ. . .).
стр. 3036
وهكذا كان الإشعار بالتحريم، ولكن لم يكن انتهاء حتى جاء التحريم الحاسم الخالي من كل ظن، فكان لابد من الانتهاء.
وجاء في الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: " إنه نزل تحريم الخمر، وهي من خمسة: العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير، والخمر ما خامر العقل " (١) وترى الرسول عدَّد خمسة ثم عمم: وهي ما خامر العقل. هكذا أمر الله وهكذا أمر رسوله، قد قال تعالى:
* * *
стр. 3037
(وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ... (٩٢)
* * *
الواو هنا قال بعض المفسرين: إنها عاطفة على قوله تعالى: (فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ). ويكون قوله: (إِنَّمَا يُرِيدُ) في مقام التعليل للنهي، وقوله (فهل أنتم منتهون) في مقام تأكيد النهي أو تأكيد معناه، ويكون الكلام كله في مساق واحد، ويكون قوله تعالى: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ) في مقام تأكيد المنهيات السابقة وغيرها، وكان ذلك كله لمقام تأثر العرب بالخمر، وتعلقهم السابق بها، فاقترن بها الأمر بالإطاعة، وتحميلهم التبعة، والأكثرون لم يذكروا أن الواو عاطفة، ومفهوم كلامهم أنها استئنافية، والمؤدى واحد، لأن في ذكرها عقب تحريم الخمر بالأمر العام بالطاعة تأكيدا للنهي وتوثيقا له.
وأمر سبحانه بإطاعة الله، ثم أمر بإطاعة الرسول مع أن إطاعتهما واحدة.
لقوله تعالى: (مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ. . .). ولأن النبي يتكلم عن الله ، فقد قال تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤).
وكرر سبحانه الأمر بالطاعة لتأكيد الدعوة إلى الطاعة، وتشريف الرسول، وتأكيد رسالته بذكر طاعته بجوار طاعة الله تعالى:
стр. 3038
(فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ) نبههم الله إلى وجوب طاعة الله وطاعة رسوله، وأن يحذروا غضب الله تعالى وعذابه، واقتران الحذر بوجوب الطاعة فيه تنبيه إلى ضرورة اجتناب الخمر التي تصد عن ذكر الله تعالى، وتميت الضمير، وتخفت صوت الوجدان، وتسهل الاندفاع وتمنع الحذر.
وفى هذا النص الكريم تأكيد لمعنى التحذير السابق، وتنبيه إلى سوء العاقبة، والمعنى: إن أعرضتم عن الطاعة، وتجنبتم الحذر، ووقعتم في المحظور، وغفلهم عن المأمور به فقد وقعتم في الخطيئة، وستحاسبون عليها حسابا عسيرا، واعلموا أنه على رسولنا البلاغ الواضح المبين للحقائق والواجبات، فقوله تعالى: (فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِين) مبني عن جواب شرط مقدر ينبئ عن تحملهم وحدهم لتبعة إجرامهم ومعاندتهم لربهم مثل قوله تعالى: (قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ. . .). أي فإنه عدو لله؛ لأنه نزله على قلبك بإذن الله، فالرسول مبين للحق، وليس مسئولا عن إيمان من يبين لهم، كقوله تعالى: (. . . إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ).
وكقوله: (إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢).
وفي إضافة الرسول إليه في قوله: (عَلَى رَسُولِنَا). تشريف للرسول وتوكيد لإقراره سبحانه، وبيان أن الرسول ما ينطق إلا عنه، وأن عصيانه عصيان لله تعالى، وفي التعبير بقوله تعالى: (فَاعْلَمُوا). تنبيه بصيغة الأمر، ليتعظوا ويتحملوا تبعة أعمالهم، ويكونوا في حذر مستمر، والله الهادي.
* * *
стр. 3039
(لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا ... (٩٣)
* * *
كان بعض المؤمنين يحرمون على أنفسهم بعض المباحات، ويحسبون أن ذلك من الورع والتقوى، وقد بين النبي ﷺ خطأهم، ونزل القرآن الكريم بتحريم ذلك عليهم، وجاء في مطوي الكلام تحريم الخبائث لَا تحريم الطيبات، ِ وفي هذا النص الكريم بيان أنه لَا إثم في تناول المباحات؛ لأن العبرة بالإيمان وتقوى القلوب،
стр. 3040
فالخبر في الإيمان وفي القلب لَا في ترك المباحات، وهذا يشير إلى أن الآيات حكمها عام، وهو كذلك، وإن كان لها سبب فالعبرة بعموم اللفظ.
والأكثرون من المفسرين على أن سبب نزولها أنه لَا نزل تحريم الخمر المشدد فيه، والتحذير منها، وقد كانت من قبل في مرتبة العفو، وقد كان هناك من المؤمنين من يشربها، حتى كان منهم من استشهد في الجهاد، وفي بطنه خمر فتساءل بعض المؤمنين عمن شربها ومات، وعمن كان يشربها من الأحياء، كما تساءل بعض الذين كانوا يصلون إلى بيت المقدس عن صلاتهم قبل تغيير القبلة إلى الكعبة، فنزلت هذه الآية: (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ). كما نزل هنالك قوله تعالى: (. . . وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رحِيمٌ).
وقد وصف الله الذين لَا جناح عليهم في شربهم في الماضي بأنهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وكلمة: " طعموا " معناها ذاقوا، وهي تطلق على المشروب، والمأكول، كما قال تعالى في شأن النهر الذي حرم القائد شربه: (. . . وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي. . .)، وقد ذكر بعد نفي الإثم قوله تعالى: (إِذَا مَا اتَّقَوْا وآَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ). ففهم بعض الناس أن ذلك شرط لنفي الإثم، أي لَا إثم بالشرب مع التقوى وعمل الصالحات، ونقول في الجواب عن ذلك:
أولا - إن المراد بتقوى الله تعالى امتلاء القلب بخشيته، وقد ذكر في أوصاف الخمر والميسر أنهما يلقيان بالعداوة والبغضاء والصد عن ذكر الله تعالى فإذا كان الإثم قد رفع عن التناول لأنه كان قبل التحريم، فهل يرفع الإثم عن العداوة والبغضاء والصد عن ذكر الله تعالى وعن الصلاة؛ إنه لَا تقوى مع التناول.
وثانيا - إن في هذا الشرط تحريضا على الإيمان وتقوى الله تعالى، والامتلاء بهيبته.
стр. 3041
وكرر الله تعالى التقوى، فقال تعالت كلماته: (ثُمَّ اتَّقَوْا وآَمَنُوا). لبيان أنه يجب استمرارهم على التقوى، وحث غيرهم عليها، وكان التعبير بـ " ثم " لتأكيد معنى الاستمرار على التراخي، وهناك معنى يفيده التكرار، وهو تأكيد أن الماضي مهما يكن لَا يؤثر في الحاضر، إذا كان الحاضر نقيا، وقد تأكد هذا بقوله سبحانه:
(ثُمَّ اتَّقَوْا وَّأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) العطف بـ " ثم " هنا هو أيضا لتأكيد معنى الاستمرار مع الزمن، والتقوى كما قلنا هي امتلاء القلب بالخشية، وهذا للحث عليها، ولتشريف الذين يستمرون عليها، والإحسان إن اعتبرناه متعديا يكون مؤاده الإحسان إلى غيرهم بالمعاونة، وفعل الخير وإسدائه، والجود بالمال وغيره، ويصح أن يكون لازما والمراد الإحسان في ذات أنفسهم، كما قال النبي ﵇: " الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك " (١) وهذا أعلى مراتب التقوى وهو ما نراه، والله ﷻ يحب المحسنين لأنهم قريبون منه.
* * *
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٩٤) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٩٥)
стр. 3042
أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩٦)
* * *
ذكر أشياء محرمة لذاتها لأنها مستقذرة، خبيثة في ذاتها، وفى نتائجها، وهناك محرمات لمكانها وحال التناول لها، وليست في ذاتها حراما، ومن ذلك المحرمات في الحج أو في الإحرام بشكل عام، سواء أكان للحج أم كان للعمرة أم كان لهما - وبعد أن أشار إلى بعض المحرمات لخبثها، ولذاتها وهي الخمر، ذكر المحرمات لمكانها وحال التناول لها، فقال :
стр. 3043
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ) البيت الحرام في واد غير ذي زرع كما قال إبراهيم ﵇ فيما حكاه الله تعالى عنه إذ قال: (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧).
وكان على المسلمين أن يعملوا على توفير الطعام لهم، حتى تتحقق إجابة ذلك الدعاء، إذ فرض الله الحج إلى ذلك البيت المطهر، ففرض الحج إليه كما قال تعالى: (. . . وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا. . .).
فكان الناس يذهبون إليه من كل فج عميق، وإذا كان من مقاصد الحج التوسعة على المقيمين في هذا البيت، لَا يصح أن يكون وجودهم سببا للتضييق عليهم ولو كان الصيد مباحا، وهم يسكنون البادية، ومن موردهم الصيد، ولو فتح باب الإباحة للمحرمين لكان من المتصور أن يستنفذوا كل عام أكثر الصيد
стр. 3044
الذي يكون حول مكة، فيجيئوا بالحرمان بدل التوسعة، وبالضيق عليهم بدل الترفيه، فكان لَا بد من منع المحرمين من قتل الصيد، حتى لَا يكون أهل مكة في ضيق، فوق ضيق المكان، وبعده عن الزرع والثمار.
النداء في النص القرآني الكريم للذين آمنوا، لأنه من مقتضيات الإيمان ذلك الخطاب، ولم يكن تحريم الصيد للمحرمين لهذا فقط، بل لاختبار النفس المؤمنة، ولتعويدها الصبر، ولتربية العزيمة، إن العزيمة تتربى في صغار الأمور، كما تتربى في كبارها، وإن كبارها تحتاج إلى قوة جسمية، وإرادة نفسية، أما الأمور الهينة اللينة، فإنها تحتاج إلى عزيمة روحية، ولذا قال تعالى: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ). وإنه يكفي المنع من شيء ليطلبه الممنوع منه، وفي الأمثال: كل ممنوع متبوع، وجاء في ذريعة الأصفهاني أنه ورد في بعض الآثار أن الناس لو مُنعوا من البعر لفتوه، وقالوا ما حُرِّمَ علينا إلا لشيء فيه.
والكلام في قوله تعالى: (لَيَبْلُوَنَّكُمُ). اللام هي التي تدل على القسم، والنون هي المؤكدة، والمعنى لنعاملنكم معاملة المختبر، الكاشف لحقيقة نفوسكم، وعزائمها، وإراداتكم وتصميمكم، وصبركم النفسي، وكان ذلك الاختبار النفسي الكاشف لعزائمكم في أمر صغير في واقعه، كبير في معناه، فموضوع الاختبار عبر عنه بقوله تعالت كلماته:
(بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ) وهذا الموضوع للاختبار يتسم بأمور ثلاثة: أولها - أنه شيء قليل لأن التنكير هنا للتقليل، كما يدل عليه ما بعده، والثاني - أنه بعض الصيد، والثالث - أنه قريب منكم يغري النفس، ويحرضها على فعل المنهي عنه، إذ إن أيديكم تستطيع تناوله إذ كان قريبا صغيرا، وتستطيع رماحكم أن تناله إذا كان كبيرا أو بعيدا بعدا نسبيا. وإن الاختبار الذي يجعل النفس في مشقة هو في هذا القرب، فالاختبار ليس في أمر يشق على الأجسام كالجهاد إذ يحتاج إلى قوة جسم، ومهارة، وفن عقلي، ولكن الاختبار في أمر
стр. 3045
هين لين، ولكن فيه مشقة على النفس، وجهاد النفس عن شوقها وعن شهوتها لا يقل عن جهاد الجسم المرن، والعقل المدرب الماهر، ولعل ذلك جهاد أكبر.
وإن الذي ينجح في ذلك البلاء يكون ممن يخاف الله تعالى في غيبه عنه، وفى مشهده له، بل إنه يحس دائما بمقام المشاهدة (١)، فلا يحس بأنه غيب عن الله تعالى قط، ولذلك قال تعالت كلماته: (لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ). أي ليظهر الله تعالى فيمن يخافه بالغيب، ولكن ما الغيب وما حال من يخافه، قال بعض المفسرين: إن المراد غيب يوم القيامة، أي أن من يحرم الصيد وأشباهه على نفسه، ويعقد عزيمته على ذلك يظهر إيمانه بالآخرة وهي مغيبة عنه، ويخافها لأن نفسه تكون من النفوس الصابرة المبتعدة عن أهواء الدنيا، فلا تغمرها شهواتها، فتنفذ طيبة إلى الآخرة، وقال بعض المفسرين: إن المراد غيب الله تعالى أي أن من تكون له تلك العزيمة القوية فيكون ممن يراقب الله تعالى دائما، فيعبد الله كأنه يراه، فالله في قلبه دائما يخافه ويتقيه، ولا مانع من الجمع بين المعنيين.
(فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَليمٌ) الاعتداء تجاوز الحد ومخالفة أوامر الله تعالى، كما قال تعالَى: (. . . وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ. . .).
ومعنى النص الكريم: ومن تجاوز ما أمر الله تعالى بعد إعلامه بأنه اختبار من الله لتربية نفسه وتهذيبها وإشعار بمخافة الله تعالى، وهو غائب بأن يمتلئ قلبه بالإيمان به، ويطيع الله كأنه يراه، من اعتدى بعد هذا فهو يعاند الله تعالى ويكابره، ومن يكون قلبه ممتلئا بالمكابرة والمعاندة، فإن الإيمان لَا يسكن قلبه، ويكون له عذاب أليم.
стр. 3046
وقد يقول قائل: إن الله تعالى ذكر جزاء من قتل الصيد متعمدا فقال تعالى على ما سنتلو إن شاء الله تعالى: (وَمَن قَتَلَهُ منكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ) وذلك ليس عذابا أَليما، ويجاب عن ذلك: بأن ذلك ليس مجرد جزاء للذنب الذي ارتكبه كله، ولكنه جزاء دنيوي يعود به على الذين في بيت الله، أما الجزاء الأخروي، فإن الله مستقبله به يوم القيامة، وفوق ذلك أن ما ذكره تعالى في جزاء القتل للصيد، إنما هو جزاء الفعل والعذاب الأليم جزاء الكابرة والمعاندة التي تدل على نقص الإيمان، بل تدل على عدم الاستسلام لله تعالى.
* * *
стр. 3047
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ... (٩٥)
* * *
الخطاب للمؤمنين بوصف الإيمان، فالإيمان يقتضي ألا يقتلوا الصيد وهم محرمون، وقوله: (وَأَنتُمْ حُرُمٌ) معناه وأنتم محرمون، فكلمة حرم جمع لحرام، وحرام قد تكون وصفا للمحرِم، فيقال: رجل حرام، وامرأة حرام إذا نوت الحج واتخذت شعاره، وجمع حرام حرم، والمحرم أو الحرام هو الذي يؤدي الحج أو العمرة، واتخذ شعارهما، إذ يصبح ما كان حلالا له بإطلاق، مقيدا في إحلاله، ويكون عليه مشاعر يجب أداؤها.
والنهي منصب على قتل الصيد، فما هو الصيد المحرم، وهو بلا ريب صيد البر، كما خصصت ذلك الآية من بعد، فقد قال تعالى من بعد ذلك:
стр. 3048
(أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا) فمن هذا النص يتبين أن التحريم مخصوص بصيد البر، ويخرج منه صيد البحر، وذلك لأن البحر بعيد عن الحرم، والمحرم قد يحرم في منطقة قد تكون فيها بحار، فتحريم صيد البحر يكون إجهادا وحرجا وضيقا من غير فائدة تعود على المقيمين حول البيت الحرام.
والنهي منصب على الصيد نفسه لَا على قتله؛ لأن التحريم يتجه إلى محاولة صيد الحيوان، لَا إلى قتله فقط، وقد دل على ذلك قوله تعالى من قبله: (. . . غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حرُمٌ. . .).
стр. 3049
وقوله تعالى: (وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا).
وأجيب عن ذلك بأن الغاية هو القتل للأكل غالبا، فعبر عن السبب وأريد المسبب، والقتل منهي عنه بالذات.
ولكن ما هو الصيد المحرم أيقع على كل حيوان بري، فيحرم صيده من غير قيد يقيده؛ لقد ورد عن النبي ﷺ أنه استثنى من تحريم الصيد الفواسق، فقال ﵇ فيما رواه الصحيحان " خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح، الغراب والحدأة والعقرب، والفأرة، والكلب العقور " (١) وهذه رواية مالك عن نافع عن ابن عمر، ورواية عائشة أم المؤمنين أن رسول الله ﷺ قال: " خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم: الغراب والحدأة، والعقرب والفأرة والكلب العقور. . " (٢).
وقد اتفق الفقهاء على أن قتل هذه غير ممنوع.
وقد جرى الخلاف فيما وراء ذلك، وكان أساس الخلاف هو أن النص معلل واختلفوا في تعليله، ففريق قال: ليست ثمة علة إلا الأذى، وعلى ذلك يكون محرما صيد ما عدا هؤلاء، إلا إذ كان مؤذيا بالفعل فيحرم الوحش إلا إذا كان قد ساور المحرم، وقال بعض الفقهاء: إن كل حيوان لَا يؤكل ومن شأنه مساورة الإنسان لإيذائه كالنمر والأسد وغيرهما يباح صيده، واختلفت الروايات والأقوال في المذاهب فقيل: لَا يباح صيد أي حيوان إلا ما جاء النص بإباحته، وما يساور الإنسان فعلا ليؤذيه، وقيل: يباح ما من شأنه المساورة، وقيل: إنه يباح صيد كل ما لَا يؤكل، وهو قول الشافعي، وإنا نميل إلى هذا القول؛ لأن التحريم معلل، وليس تعبديا خالصا، والحكمة واضحة، وهي منع التضييق على أهل الحرمين الشريفين، ولأن الصيد في غالب أحواله لَا يتجه إلا إلى ما يؤكل فيندر من
стр. 3050
يصطاد ثعلبا أو ضبعا، ولأن القياس يثبت على الغراب والحدأة فهي حيوان لا يؤكل، وهذا هو الذي نراه معقولا، وهل يباح لحم ما يصطاد للمحرم إذا اصطاده غير محرم؟ لقد اختلف الفقهاء في ذلك، وأساس الاختلاف، الاختلاف في ذات الممنوع، أهو الأكل أم الصيد؟.
قال كثيرون من الصحابة والتابعين منهم ابن عباس: إنه يحرم على كل حال؛ لأن الصيد ذريعة إلى الأكل، وليس تحريم الصيد لذاته، ولكن لكيلا يكون أهل مكة في ضيق.
وقال آخرون: يحل ما دام لم يتول الاصطياد، وقد قال ذلك علي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان، وجمع من الفقهاء.
القول الثالث: أنه إذا صيد لأجل المحرم كضيافته ونحوه فإنه يحرم، لا يكون كاصطياده.
والقول الرابع: أنه إذا لم يعاون المحرم في الصيد، ولو بالإشارة فهو حلال.
وهذا الذي نميل إليه؛ لأنه إذا كان قد عاون في الاصطياد، ولو بالرأي فقد اصطاد، وإذا لم يكن شيء من ذلك، فهو حلال، وإلا امتنعت الضيافات، وكان الناس في حرج وضيق السبيل إلى تبادل المودة، وهي مطلوبة في الإسلام.
(وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَم) المتعمد أن يكون عالما بالتحريم أو أن يكون من شأنه العلم بالتحريم؛ إذ يكون مقيما في دار الإسلام، وأن يكون قد قصد القتل ولم يقصد سواه وإلا فلا، كأن يساوره سبع يريد قتله، فيضربه، فيصيد صيدا، أو يرى عن بعد سبعا مفترسا ثم يرى شبحا يظنه هو فيتبين أنه غيره، فلا يعد في هذه الحال متعمدا الصيد ويكون فعله خطأ.
وعلى ذلك يكون ما عدا من اشتملت عليه هذه القيود خطأ، ويكون الخطأ قسمين: خطأ في الفعل بألا يريد الصيد فيقع الصيد كالصورة السابقة، أو خطأ