وقد يقول قائل: إن الله تعالى ذكر جزاء من قتل الصيد متعمدا فقال تعالى على ما سنتلو إن شاء الله تعالى: (وَمَن قَتَلَهُ منكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ) وذلك ليس عذابا أَليما، ويجاب عن ذلك: بأن ذلك ليس مجرد جزاء للذنب الذي ارتكبه كله، ولكنه جزاء دنيوي يعود به على الذين في بيت الله، أما الجزاء الأخروي، فإن الله مستقبله به يوم القيامة، وفوق ذلك أن ما ذكره تعالى في جزاء القتل للصيد، إنما هو جزاء الفعل والعذاب الأليم جزاء الكابرة والمعاندة التي تدل على نقص الإيمان، بل تدل على عدم الاستسلام لله تعالى.
* * *
стр. 3047
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ... (٩٥)
* * *
الخطاب للمؤمنين بوصف الإيمان، فالإيمان يقتضي ألا يقتلوا الصيد وهم محرمون، وقوله: (وَأَنتُمْ حُرُمٌ) معناه وأنتم محرمون، فكلمة حرم جمع لحرام، وحرام قد تكون وصفا للمحرِم، فيقال: رجل حرام، وامرأة حرام إذا نوت الحج واتخذت شعاره، وجمع حرام حرم، والمحرم أو الحرام هو الذي يؤدي الحج أو العمرة، واتخذ شعارهما، إذ يصبح ما كان حلالا له بإطلاق، مقيدا في إحلاله، ويكون عليه مشاعر يجب أداؤها.
والنهي منصب على قتل الصيد، فما هو الصيد المحرم، وهو بلا ريب صيد البر، كما خصصت ذلك الآية من بعد، فقد قال تعالى من بعد ذلك:
стр. 3048
(أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا) فمن هذا النص يتبين أن التحريم مخصوص بصيد البر، ويخرج منه صيد البحر، وذلك لأن البحر بعيد عن الحرم، والمحرم قد يحرم في منطقة قد تكون فيها بحار، فتحريم صيد البحر يكون إجهادا وحرجا وضيقا من غير فائدة تعود على المقيمين حول البيت الحرام.
والنهي منصب على الصيد نفسه لَا على قتله؛ لأن التحريم يتجه إلى محاولة صيد الحيوان، لَا إلى قتله فقط، وقد دل على ذلك قوله تعالى من قبله: (. . . غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حرُمٌ. . .).
стр. 3049
وقوله تعالى: (وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا).
وأجيب عن ذلك بأن الغاية هو القتل للأكل غالبا، فعبر عن السبب وأريد المسبب، والقتل منهي عنه بالذات.
ولكن ما هو الصيد المحرم أيقع على كل حيوان بري، فيحرم صيده من غير قيد يقيده؛ لقد ورد عن النبي ﷺ أنه استثنى من تحريم الصيد الفواسق، فقال ﵇ فيما رواه الصحيحان " خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح، الغراب والحدأة والعقرب، والفأرة، والكلب العقور " (١) وهذه رواية مالك عن نافع عن ابن عمر، ورواية عائشة أم المؤمنين أن رسول الله ﷺ قال: " خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم: الغراب والحدأة، والعقرب والفأرة والكلب العقور. . " (٢).
وقد اتفق الفقهاء على أن قتل هذه غير ممنوع.
وقد جرى الخلاف فيما وراء ذلك، وكان أساس الخلاف هو أن النص معلل واختلفوا في تعليله، ففريق قال: ليست ثمة علة إلا الأذى، وعلى ذلك يكون محرما صيد ما عدا هؤلاء، إلا إذ كان مؤذيا بالفعل فيحرم الوحش إلا إذا كان قد ساور المحرم، وقال بعض الفقهاء: إن كل حيوان لَا يؤكل ومن شأنه مساورة الإنسان لإيذائه كالنمر والأسد وغيرهما يباح صيده، واختلفت الروايات والأقوال في المذاهب فقيل: لَا يباح صيد أي حيوان إلا ما جاء النص بإباحته، وما يساور الإنسان فعلا ليؤذيه، وقيل: يباح ما من شأنه المساورة، وقيل: إنه يباح صيد كل ما لَا يؤكل، وهو قول الشافعي، وإنا نميل إلى هذا القول؛ لأن التحريم معلل، وليس تعبديا خالصا، والحكمة واضحة، وهي منع التضييق على أهل الحرمين الشريفين، ولأن الصيد في غالب أحواله لَا يتجه إلا إلى ما يؤكل فيندر من
стр. 3050
يصطاد ثعلبا أو ضبعا، ولأن القياس يثبت على الغراب والحدأة فهي حيوان لا يؤكل، وهذا هو الذي نراه معقولا، وهل يباح لحم ما يصطاد للمحرم إذا اصطاده غير محرم؟ لقد اختلف الفقهاء في ذلك، وأساس الاختلاف، الاختلاف في ذات الممنوع، أهو الأكل أم الصيد؟.
قال كثيرون من الصحابة والتابعين منهم ابن عباس: إنه يحرم على كل حال؛ لأن الصيد ذريعة إلى الأكل، وليس تحريم الصيد لذاته، ولكن لكيلا يكون أهل مكة في ضيق.
وقال آخرون: يحل ما دام لم يتول الاصطياد، وقد قال ذلك علي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان، وجمع من الفقهاء.
القول الثالث: أنه إذا صيد لأجل المحرم كضيافته ونحوه فإنه يحرم، لا يكون كاصطياده.
والقول الرابع: أنه إذا لم يعاون المحرم في الصيد، ولو بالإشارة فهو حلال.
وهذا الذي نميل إليه؛ لأنه إذا كان قد عاون في الاصطياد، ولو بالرأي فقد اصطاد، وإذا لم يكن شيء من ذلك، فهو حلال، وإلا امتنعت الضيافات، وكان الناس في حرج وضيق السبيل إلى تبادل المودة، وهي مطلوبة في الإسلام.
(وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَم) المتعمد أن يكون عالما بالتحريم أو أن يكون من شأنه العلم بالتحريم؛ إذ يكون مقيما في دار الإسلام، وأن يكون قد قصد القتل ولم يقصد سواه وإلا فلا، كأن يساوره سبع يريد قتله، فيضربه، فيصيد صيدا، أو يرى عن بعد سبعا مفترسا ثم يرى شبحا يظنه هو فيتبين أنه غيره، فلا يعد في هذه الحال متعمدا الصيد ويكون فعله خطأ.
وعلى ذلك يكون ما عدا من اشتملت عليه هذه القيود خطأ، ويكون الخطأ قسمين: خطأ في الفعل بألا يريد الصيد فيقع الصيد كالصورة السابقة، أو خطأ
стр. 3051
في القصد بأن يكون القصد ذاته غير سليم إذ يصوب سهمه على شبح فتبين أنه صيد.
وعلى ذلك يكون الجزاء لأجل التعمد، ولا جزاء في الخطأ.
ولكن الفقهاء اتفقوا على أن محظورات الصوم خطؤها كعمدها يوجب الفداء فكيف يعتبر الخطأ؟ ولقد أجاب عن ذلك ابن جرير، بأن جزاء الصيد ثبت بالكتاب، وجزاء الخطأ ثبت بالسنة، وقد أخرج الشافعي وغيره عن عمرو بن دينار أنه قال: رأيت الناس جميعا يغرمون في الخطأ، وبعض الفقهاء قال: إن جزاء العمد ثبت بالنص وجزاء الخطأ ثبت بالقياس أي أنه ثبت قياس الخطأ على العمد.
وعندي أن النص الظاهر في أن الجزاء مقيد بأن يكون القتل عمدا، وكل جزاء في حال الخطأ البحث فيه يكون إهمالا لقيد العمدية، ولذلك تقيد العمدية، بما يشمل الخطأ في القصد وغيره، فالعمدية القصد إلى الصيد ولو كان ناسيا لأنه محرم، أو جاهلا أنه محرم، وبذلك يكون سريان النص مع ما ورد من آثار فإن الأثر الوارد عن النبي ﷺ كان فيه الصائد ناسيا إحرامه، فقد روى أنهم وهم في الحج عنَّ عير (حمار وحشي) فحمل عليه أبو اليسر، فطعنه برمحه فقتله، فقيل له قتلته وأنت محرم، فأتى الرسول ﷺ فسأله عن ذلك فنزلت الآية (١)، وعلى ذلك اعتبر أبو اليسر قاتلا عمدا، وقد كان ناسيا أنه محرم، وذلك لمجرد أنه قصد القتل من غير نظر إلى أي ناحية نفسية أخرى، وبذلك يكون التوفيق بين الكتاب والسنة، وإنهما لمتوافقان، فالناسي يعد عامدا، وقاصد غير الصيد يكون مخطئا.
وقد ذكر أن الجزاء يكون بالمماثلة بين الصيد، وحيوان يقاربه في الحجم من النعم، وهي الإبل والبقر والغنم، وهكذا فسر بعض الفقهاء المماثلة، وقصرها على ذلك أكثر الفقهاء، وهو ظاهر النصوص؛ لأن الله تعالى
стр. 3052
قرر أنه يحكم بالمماثلة ذوا عدل من المؤمنين، ولأنه قرر احتمال العجز عن المثل، فجعل بدله كفارة إطعام مساكين، فإن لم يجد يكون عدل ذلك صياما، ولأنه قرر أنه إذا وجده يرسله هدْيا إلى الكعبة.
وقال أبو حنيفة: إن المثل يكون بالقيمة، ولا شك أن ذلك القول قد يشكل ظاهرا مع ما ورد من نصوص إلا أن يقوّم الصيد، ويشترى بالقيمة هديا، فقد جزى بمثل ما قتل من النعم، والخلاصة أن القيمة تكون تعويضا يخير فيه بين أن يشتري هديا أو طعاما، فإن لم يستطع فالصوم.
وقد بين سبحانه طريق معرفة الجزاء ومآله وأنواعه فقال سبحانه:
(يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا) الهدى اسم لما يذبح في الحج مهدًى إلى فقراء مكة، والنص صريح في أن الهدْي يبلغ إلى الكعبة، وكونه يكون هديا يصل إلى الكعبة يشير إلى حكمة منع الصيد في البيت الحرام، وهو أن الحجيج الكثيرين إذا أبيح لهم الصيد قطعوه عن أهل مكة، وجعلوهم في ضيق وحرج.
وذوو العدل من المسلمين هم أهل الشهادة ذوو الخبرة الدقيقة في تقدير الحيوان، بحيث يكونون ممن يصفقون في أسواق النعم، أو من أهل المعرفة بها الذين يعلمون الأسعار بملاحظة مكانها وزمانها.
وهذان الحكمان يعينان المماثلة، سواء أكانت المماثلة بتوسط القيمة، أو كانت بالمماثلة في الهيئة والحجم ونحو ذلك، وذلك لأن الحنفية يقررون أنه في القيميات، أي التي لَا تتعلق وحداتها - تكون المماثلة بتعرف القيمة، ولا سبيل غير ذلك، فلا يمكن أن يكون الحيوان مماثلا للحيوان إلا بتعرف قيمتهما.
وإذا قدرت القيمة اشترى بها هديا، وبلغ الكعبة، وذبح هنالك تعويضا، وإذا تعذر شراء الهدْي، أو تعذر الوصول إلى الكعبة تصدق به على المساكين، بحيث يكون لكل مسكين نصف صاع من بُر، أو صاع من الذرة أو الشعير أو
стр. 3053
قيمة ذلك، فإن تعذر على المعتدي شيء من هذا لفقره كان عليه أن يصوم يوما لكل إطعام المساكين، ولا شك أن التخيير هنا ليس على حقيقته، إنما هو ترتيب مراتب على حسب القدرة على كل رتبة، فالأصل بلا ريب شراء هدْي، وذبحه عند الكعبة، فإن تعذر ذلك كان الطعام، فإن تعذر كان الصيام، وقوله تعالى: (أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ) أي ما يساويه من الصيام على أساس أن يكون لطعام المساكين وجبتين - صوم يوم، وقدرت الوجبتان بنصف صاع من بُر أو قيمته، أو صاع من غيره أو قيمته.
هذا هو الظاهر عند الحنفية، وروي عنهم أنهم قالوا بالتخيير إذا عرفت القيمة بين الذبح عند الكعبة، وبين إطعام المساكين، وبين الصوم، وعندي أن الترتيب حسب القدرة أوضح، وذلك هو رأي أحمد وزفر.
والمذاهب الأخرى تتلاقى في الجملة مع المذهب الحنفي بيد أنها تعتبر المماثلة في الأوصاف، وعندي أن المذهب الحنفي أوضح وأسهل تطبيقا، وأدق في تعرف المثل، وقد اضطروا إليه عند استبدال الطعام بالذبح، إذ لَا يعرف مقدار الطعام إلا بمعرفة القيمة.
(لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ) الوبال: العاقبة السيئة، ومعنى ليذوق أي ليدرك عاقبة الأمر الذي وقع فيه إدراك من يحسه ويذوقه؛ وذلك لأنه عمل على حرمان ناس من أن يذوقوا طعاما شهيا، كانوا ينالونه، فعليه أن يغرم نفسه مثله من طعام يذوقه في نظير ما حرمهم منه، فالعقاب من جنس الاعتداء: (. . . فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ. . .). وأن ما كان منهم من قبل، فإنه موضع عفو، لا يحاسب الله تعالى عليه في الدنيا ولا في الآخرة، فمعنى قوله تعالى: (عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ) أي أنه سبحانه لَا يطالب بتعويضه منهم؛ لأنه سلف ومضى منهم قبل التحريم، ولا يطبق القانون إلا على ما يجيء بعده، ولذلك قرر مؤكدا، أن العقاب يكون لما يقع بعده وللعائدين، وقال سبحانه: (وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ).
стр. 3054
أى من عاد بعد تحريم الله للصيد فإن الله تعالى ينتقم، ونرى أن " الفاء " وقعت في جواب الشرط في غير ما سوغ فيه دخول الفاء، وأوَّلوا لذلك وقدروا محذوفا بجعل الجملة اسمية، وبعضهم جعل " من " اسما موصولا، والفاء تدخل في خبر الموصول، والحق أن القرآن فوق قواعد النحويين، وقد ورد دخول الفاء في شرط من، فقد قال تعالى: (وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا).
وقواعد النحويين غالبة تلزم الناس، ولا تلزم القرآن. والعود هو تكرار قتل الصيد، وذلك يدل على الاستهانة بأمر الله ونهيه، فيستحق صاحبه النقمة، ونقمة الله تعالى أشد النقم، ولذا قال تعالى: (وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَام) أي والله تعالى غالب فوق العباد، لَا يترك الأشرار يرتعون، فهو ذو انتقام كما أنه الرحيم، بل إن انتقامه من رحمته؛ لأن الرأفة بالأشرار ليست من الرحمة، ولذلك قال بعض العلماء: إن القاصد إلى الصيد معاندا لَا تقبل منه الكفارة، ويكون عذابه يوم القيامة لاستهانته بأمر الله ونهيه.
* * *
(أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا ... (٩٦)
* * *
في هذا النص الكريم نجد الله تعالى بين فيه ما حرم، وما حلل للمحرم، فأحل صيد البحر وطعام صيد البحر الذي يجوز أكله، وحرم عليهم صيد البر ما داموا محرمين مسستمرين على الإحرام، فالحلال في كل الأوقات والأماكن، والحرام في حال معينة محدودة فهو ذكر لنعمة الله تعالى وفيه إشارة إلى حكمته فيما حرم، وأباح سبحانه أن يصطاد الصائد من البحر، وأن يطعم منه، فأبيح الفعل والأكل لكم، والمتاع الانتفاع، ومعنى السيارة: المسافرون السائرون الذين لا يستقرون في مكان معلوم، فلكم أن تأكلوا لحما طريا من البحار لأنكم عابرو السبيل، والحرام فيما يتعلق بالبر حال الإحرام لكيلا تضيقوا على سكان مَن حول البيت الحرام. . وختم الله تعالى الآية بالأمر بالتقوى والتذكير بالاجتماع أمام الله تعالى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ). وفي هذا تذكير بتقوى الله، حتى يعلموا أن الدنيا مهما يكن متاعها لها نهاية، وأن الإنسان محاسب على ما يتناول يوم
стр. 3055
الحشر، أي يوم الجمع من غير تفرقة، والله وحده، هو العالم القادر المنتقم الجبار الرءوف الرحيم.
* * *
(جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٩٧) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨) مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (٩٩) قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠٠)
* * *
كانت الآيات السابقة تقرر منع الصيد، وتؤكد المنع، وذكرنا أن ذلك ليس تعبديا فقط، بل فيه حكمة ومعنى ذلك أن الذين حول الكعبة يسكنون واديا غير ذي زرع عند بيت الله المحرم، وكانت دعوة إبراهيم ﵇ أن يجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم، وقد استجاب الله تعالى دعاءه، ولكي يتحقق لهم الرخاء منع الصيد عن أولئك الذين جاءوا إليهم حاجين أو معتمرين، حتى لا تستنفذ كثرتهم ما حول مكة من صيد يمدهم باللحم طول العام، وفي هذا النص الكريم الذي نتكلم الآن في معناه إشارة بينة إلى هذا المعنى، فقد قال تعالت كلماته:
стр. 3056
(جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ)
نتقدم قبل الكلام في معنى النص إلى بعض نواح لفظية تمهد للكلام في المعنى: أولها - أن (جَعَلَ) إما أن نفسرها بمعنى خلق أو شرع الأحكام أو بمعنى صيَّر، وعلى الأولين تكون متعدية إلى مفعول واحد، ويكون المعنى على هذا خلق
стр. 3057
الله تعالى الكعبة، وهي البيت الحرام وشرع لها تلك الأحكام التي تصونها وتصون شجرها وحيوانها لتكون قواما للناس في معاشهم ومعادهم، ويكون فيها نهوض لمقاصدهم وغاياتهم، وتروية لمتاجرهم، وليرزقوا بين الناس، وعلى أن (جَعَلَ) بمعنى صير يكون قوله تعالى: (الْبَيْتَ الْحَرَامَ) مفعولا ثانيا، ويكون المعنى صير الله تعالى الكعبة بييتا محرما، لتكون قياما للناس.
الثاني - من النواحي اللفظية هو في كلمة " الناس " أيراد بهم العرب الذين يعيشون حول الكعبة، ويتحقق بذلك الاستجابة لدعوة إبراهيم، أم يراد بهم الناس عامة الذين من شأنهم أن يحجوا إلى ذلك البيت؛ ويكون المعنى على الثاني، جعل الله الكعبة لها تلك المكانة لتكون قياما لكل الناس الذين يفدون إليها وهم المسلمون عامة؛ إذ يتعارفون فيها، ويتبادلون المودة الإسلامية الرابطة، ويوثقون الصلات الإنسانية والدينية والخلقية، يتراحمون فيما بينهم، ويحسون بالتجرد الروحي، والضيافة الربانية، وفي ذلك كله قيام لهم، وليس القيام هو القوام المادي فقط، بل المادي والروحي والخلقي.
الثالث - في قوله تعالى: (وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ). الشهر الحرام قيل ذو الحجة، ونرجح أن المراد أربعة الأشهر الحرم، والهدْي ما يساق، وأخصها ذات القلائد، وهو ما يوضع عليها من شعارات من قلادة من بعض الأشجار تدل على أنها للبيت الحرام كما قال تعالى: (وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ. . .).
ويكون معنى القلائد على هذا ذوات القلائد ويذكر بعض العلماء أن معنى القلائد هي ذات القلائد التي قرر الشارع أن توضع إشعارا لها بأنها للحج، وفى ذلك تكريم للبيت، وإعلاء، وإشعار لمكانته القدسية وذلك عائد على الناس عامة وعلى أهل مكة خاصة، وسيقت هذه الكلمات: (وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ) لبيان أنها قيام للناس.
وعلى ذلك تكون نعم الله تعالى بالبيت الحرام أربع:
стр. 3058
أولها - البيت ذاته، وما منح من قدسية، وكان الناس لَا يحسون بالأمن، حيث يتخطف الناس في كل مكان، كما قال تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (٦٧).
وفى ذلك الوقت الذي لم يكن بالبلاد العربية حكومة تفرض سلطانها في أي مكان، قد ألقى الله تعالى في قلوب العرب بمهابة البيت حتى كان الرجل يلقى قاتل أخيه أو قاتل أبيه فلا يمسه بسوء، وحرم على المحرم الصيد، حتى يتوافر الخير طول العام لأهلها.
الثانية - الشهر الحرام، والمعنى فيه هو الجنس على رأى كثيرين، وهو ما نختاره إذ كان الناس يتقاتلون فإذا جاء ذلك الشهر امتنعوا عن القتال، فتعود القضب إلى أجفانها وتهدأ النفوس بعد ثورتها، وتقر بعد اضطرابها، والأشهر الحرم هي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب الذي بين جمادى وشعبان، فيتمكن الناس من زيارة البيت الحرام آمنين مطمئنين حتى يتحللوا.
الثالثة - نعمة الهدى يساق إلى الكعبة من حيث الحجيج يحرمون، وقد يكون ذلك من أماكن بعيدة، فخير الأرض يصل إليهم موفورا، وخيرهم لَا تمتد إليه يد مجرم.
الرابعة - نعمة القلائد. وقد جاء في تفسير فخر الدين الرازي في بيان وجه النعمة فيها: (والوجه في كونها نعمة أن من قصد البيت في الشهر الحرام لم يتعرض له أحد، ومن قصده في غير الشهر الحرام، ومعه هدْي وقد قلَّده، وقلَّد نفسه من لحاء شجرة الحرم لم يتعرض له أحد، حتى أن الواحد من العرب يلقى الهدْي مقلدا، أو يموت جوعا فلا يتعرض له ألبتة).
(ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) الإشارة للقيام، جعل الله تعالى ما شرعه للكعبة والحج من محرمات وشعائر، ومن تحريم الصيد، ومن الهدْي جعل كل هذا لتعلموا أن الله تعالى يعلم ما في السماوات وما في الأرض. . . . وهنا توجد عدة أمور تثير النظر.
стр. 3059
أولها - لماذا كانت تلك الشرائع المتعلقة سبيلا لمعرفة علم الله لما في السماوات وما في الأرض؟.
وثانيها - عند عطف الأرض على السماوات كرر ما في المعطوف والمعطوف عليه.
وثالثها - لماذا قرن علم الله تعالى بما في السماوات والأرض بعلمه تعالى بكل شيء، ولماذا تكون أحكام الحج والكعبة سبيلا لمعرفة علم الله تعالى العام المحيط بكل شيء.
والجواب عن هذه الأمور هو أن ما شرعه الله تعالى لمكة وما حولها وما فيها دليل على أن الله تعالى بعلم ما في السماوات وما في الأرض؛ لأن مكة في أرض جدبة لَا ماء فيها ولا شجر، وأنها جبال لَا ثمرة فيها، وأنه لَا خير يرجى من طبعها، كما قال إبراهيم ﵇: (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرع عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِْ. . .). فالسماء لَا تجود عليها بغيثها منتظما والأرض لَا تجود عليها بإخراج إنزالها من معادن وفلزات سائلة وغير سائلة، فجعل الله الحج إليها. وحرم على المحرمين ما حرم من صيد ليبقى لهم ما عندهم من وفر في الحيوان المتأبد، ولتحمل من الأراضي الخصبة والغنية والتي فيها الثروات إلى تلك الأرض الجدبة؛ فينقل سبحانه من الفيض إلى الغيض ليعم الخير، وكانت بمكة كعبة للمسلمين، لأنها أرض لَا ترام من غاصب، ولا تراد من ظالم، ثم هي في وسط الأرض حتى قال علماء الأرضين: إن بيت الله تعالى الحرام في وسط أرض الله الواسعة، فهي نقطة الارتكاز في قطرها.
وقد يقال إن أرض العرب فيها البترول وفيها الزرع، ونقول إن ذلك بعيد عنها بمئات الأميال، بل ربما تجاوزت الحسبة الألف، فبينها وبين البترول البيداء الجرداء، فكان المتفهم لذلك التشريع لَا بد أن يؤمن بعلم الله بما في الأرض والسماء.
стр. 3060
والجواب عن السؤال الثاني، هو أن تكرار (ما في) في قوله تعالى: (مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ) فيه إشارة إلى دقة العلم، وأنه لَا يغادر صغير ولا كبيرة إلا أحصاها، وتقديم السماوات على الأرض؛ لأن السماوات فيها مصدر الرزق، كما قال تعالى: (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ).
والجواب عن السؤال الثالث، في كل جزء من شرع الله تعالى فيما شرعه يدل على أنه صادر عن العليم الخبير، فشريعة الله تعالى في الميراث تدل على أنه من عند الله تعالى العليم، وشريعته في تكريم البيت الحرام وما حرم فيه من صيد البر، وما أبيح من صيد البحر وطعامه وتحريمه القتال في الشهر الحرام، وإيجابه سوق الهدْي وغير ذلك من شعائر الحج، ومباحاته ومحظوراته دليل على علم الله تعالى العزيز الحكيم الذي لَا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
* * *
стр. 3061
(اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨)
* * *
كان النهي عن قتل الصيد وهم حرم سهلا على نفوس الأتقياء شديدا على نفوس الأشقياء الذين يسيرون وراء أهوائهم، وكل أمر ممنوع متبوع، وقد ابتلاهم الله تعالى بالصيد تناله أيديهم ورماحهم، وهم قريبون منه وهو قريب منهم فكان لَا بد من شكائم قوية تحكم النفس وتمنعها من الانطلاق وراء إشباع الرغبات، وهي على مقربة منها، والإرادة الحازمة المسيطرة على هوى النفس صبر قوى وضبط للنفس، وقد نبه سبحانه إلى العقاب الشديد للمخالف، كما نبه إلى رجاء الرحمة والغفران لكي يكون الصبر على رجاء الله وخوفه، فيخشى عقابه، ويرجو رحمته وثوابه، فالمؤمن في خوف، وقد روى أن رسول الله ﷺ قال: " لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لتعادلا " (١). فهذا النص لتقوية إرادة المؤمن، والآية فيها عبارات تنبئ عن التشديد، فيما اشتملت، فابتدأت بالأمر الحازم (اعْلَمُوا) وفي ذلك تنبيه شديد وإيقاظ للضمير، ليكون ما ينبه إليه من بعد، أوثق في القلب وأشد تثبيتا، ثم أكد الخبرب " أن " في بيان في ذكر الله تعالى وصفه بشدة العقاب، وصفه بالغفران
стр. 3062
والرحمة، ثم تكرر ذكر لفظ الجلالة لتربية المهابة في النفس، وتوكيد شدة عقابه سبحانه، وتوكيد غفرانه ورحمته.
والغفران ستر الذنوب، والرحمة الثواب، وأن ذلك عدل الله تعالى فلا يستوي من يحسن ومن يسيء، وبعد أن نبه الناس إلى الخير والسداد على ألسنة الرسل، قال سبحانه:
* * *
стр. 3063
(مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (٩٩)
* * *
في هذا النص السامي ترشيح وتقوية لمعنى الإنذار والتبشير في النص السابق، وفي هذا النص ما يفيد بالمعنى الضمني أن الرسول عليه التبليغ، وأنه لَا تبعة عليه بعد التبليغ، وأن المكلفين بعد تبليغه تكون تبعة الشر على الذين بلغوا، وجزاء الخير لهم، وأن الحساب بعد ذلك لله تعالى، وإنه لمحاسبهم على الشر إن فعلوه، ومجازيهم على الخير إن أدوه، ويقبل توبة العصاة إن تابوا وذلك بغفرانه ورحمته، وأن ذلك الجزاء على الخير خيرا وعلى الشر شرا يكون من عليم خبير، لَا تخفى عليه خافية، فهو يعلم ما تخفيه السرائر وتكتمه، ويعلم ما يظهر على الجوارح وتعلنه، فهو يعلم السر وأخفى، يعلم ما يبدونه وما يكتمونه، والخير له جزاؤه والشر له عقابه.
* * *
стр. 3064
(قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ ... (١٠٠)
* * *
أمر الله تعالى نبيه أن يذكر لهم أن الخير والشر لَا يستويان، وأن الخبيث والطيب لَا يتساويان، فلا يمكن أن يكون معاملة أهل الخبيث كمعاملة أهل الطيب، وأمر الله تعالى نبيه أن يقول ذلك، ويبينه للناس على أنه جزء من رسالته يبينه للناس ويعرفهم به أو يذكرهم إياه وهو ما ترتضيه الفطر السليمة وتدركه العقول المستقيمة، وهو بيان لطبائع هذا الوجود.
والخبيث هو الأمر المستقذر، إما لأنه في ذاته قذر تعافه النفوس والطبائع السليمة، وإما لأن سبب الحصول عليه خبيث، فجاءه الخبث من سببه، إذ انسحب السبب على المسبب فلوثه، وإما لأنه مخل بالمروءة، فالمستقذر هو
стр. 3065
الخبيث، وهو حسي، وأدبي، والطيب ما يكون حسنا في ذاته وفي طريق كسبه، وترضاه النفوس المستقيمة والعقول المدركة، وتأتي الشرائع بإباحته.
وإذا كانت تلك هي القاعدة الإنسانية العالية، والعادلة، فإنه لَا بد من عقاب المسيء، وثواب المحسن، ولكن الباطل له لجاجة وفيه كثرة، لأنه مجاوبة للذائذ الشهوات، وما يستلذ يكثر، وما يطاوع الهوى يزيد، وما يكون فيه صبر وضبط نفس يقل، وإن كان طيبا، ومهما يكثر الشر لن يتساوى مع الخير، ولذا قال سبحانه: (وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثرَةُ الْخَبِيثِ). أي ولو أثار نفسك وعجبك واسترعى نظرك كون الخبيث كثيرا، إن الشر مهما يكثر لَا يمكن أن يستحسن شرعا أو ترضى به الأخلاق، ولا يمكن أن ينقلب بالكثرة مساويا للخير بل إنه كلما كثر، وجبت مقاومته، بشدة وبمقدار كثرته، تكون شدة المقاومة، وذلك فرق ما بين شريعة الله تعالى وقوانين العباد، فإن قوانين العباد، تستمد قوتها من الكثرة، وعرف الناس، ولو كان فاسدا، أما شريعة الله، فهي للخير المحض، وإذا كثر الشر لَا تتبعه، بل تقاومه، ولا ترضى به، لأنها جاءت لنشر الخير، ولا يمكن أن ترضى، وإلا ما كانت رسالات الرسل، ولا جهاد الأنبياء والصديقين والشهداء الصالحين، ولذلك أمر سبحانه بمقاومة الشر مهما كثر، فقال تعالت كلماته: (فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) قال الله تعالى في الآية السابقة: (لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ). وأن هذه الجملة السامية تصلح الكبرى لقياس طويت صغراه، وهي مفهومة من قوله تعالى: (اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ زَحِيمٌ). إذ الكلام يكون هكذا ولكلام الله تعالى المثل الأعلى الذي لا يصل إلى مثله البشر. . لَا مساواة بين الخير والشر، والله يعاقب على الشر، ويثيت على الخير، والنتيجة لهاتين المقدمتين، أن الأشرار سيعاقبون، والأخبار سيثابون لَا محالة، ولازم هذه النتيجة أن يحذر الناس فيرجوا ثواب الله ويخافوا عقابه، وذلك الحذر يكون بتقوى الله تعالى بامتلاء القلب بخشيته، والعمل على اتقاء عذابه؛ ولذا قال:
стр. 3066
(فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) أي إذا كان كل امرئٍ مجزيًّا بعمله إن خيرا فخير وإن شرا فشر، فاملأوا قلوبكم بتقوى الله وخشيته وملاحظة أنه يعلم ما تبدون وما تكتمون، فاعبدوه كأنكم ترونه، فإن لم تكونوا ترونه، فاعلموا أنه يراكم، وهو يعلم سركم وجهركم، فإن خشية الله تعالى في أعمالكم على هذا النحو يُرجى منها الفلاح والفوز؛ لأنها سبب لذلك، فالرجاء في: (لَعَلَّكُمْ) من العبيد، لَا من الله؛ لأنه سبحانه يرجى ولا يرجو إنه بكل شيء عليم.
* * *
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١) قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ (١٠٢)
* * *
في الآيات السابقة بين الله ﵎ أنه لَا يصح أن نحرم ما أحل، وإذا حرمناه بأيمان أقسمنا بها - بين تحلة أيماننا. ثم أشار من بعد إلى ما حرمه، وهو ما يكون مستقذرا في ذاته، أو يكون تحريمه مؤقتا بزمان ومكان، وليس تحريمه على التأبيد، ولكن العرب كانوا يحرمون على أنفسهم حلالا من الطيبات بأوهام يتوهمونها من غير تنزيل جاء بتحريمها، وليس في ذاتها ما يستقذر، وجنسها يحللونه ولا يحرمونه، ثم كان من المؤمنين من يسأل عن هذه الأمور فبين سبحانه أنه لَا أمر ولا نهي إلا ما جاء به القرآن، وأنه لَا يجوز أن يتقدموا بأسئلتهم حتى يبينه القرآن فكل حكم يكون في وقته المعلوم لتستأنس فيه القلوب بأحكام الشرع جزءا جزءا حتى يتمه الله تعالى قبل أن يقبض رسوله إليه ولذلك قال سبحانه:
стр. 3067
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْألُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسؤْكُمْ) كان المسلمون الأولون كثيري السؤال للنبي ﷺ عن أحكام، يسألونه عن أمور يشددون بها على أنفسهم، ويسألونه عن أمور تتجافى عن مبادئ الإسلام، ولكن لم يئن وقت تحريمها - لأن الإسلام شريعة عامة خالدة، وقد ابتدأ مخاطبا العرب بهذه الأحكام، ومنها من لم يكن عندهم أنس بتحريمها فاحتاجوا إلى التدرج، حتى يشربوا روح الإسلام، فينزل عليهم التحريم، وقد استأنست قلوبهم ببعض معالي الإسلام، ولقد كان منهم مخلصون يطلبون الحق في الأمور، ولا يلتفتون إلى مبادئ التدرج في الشرع، ومنهم غير مخلصين يريدون الإعنات، ومنهم بين أولئك وهؤلاء من يظهرون بألسنتهم التفقه والذين طلبوا التشديد. وقد سكت النبي ﷺ ليطلب الناس ما يتيسر لهم، وما يمكن أن يكون أقواهم قادرا على أشده، ويروى أنه عندما فرض الحج في القرآن الكريم إذ قال تعالى: (. . . وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا. . .). وقال ﵊: " إن الله كتب الحج فحجوا " فسأله عندئذ أعرابي قائلا " أكل عام يا رسول الله " فقال ﵇: " ويحك، ماذا يؤمنك أن أقول نعم، ولو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت لكفرتم، ألا إنما أهلك الذين من قبلكم أثمة الحرج، والله لو أنِّي أحللت لكم جميع ما في الأرض، وحرمت عليكم منها موضع خف لوقعتم " (١).
كانت هذه الأسئلة تقع من المسلمين الأولين، والذي نراه خاصا بالآية التي نتكلم في معناها الأسمى ما كان يجري على الألسنة من أسئلة خاصة بأمر الشرع الذي لم ينزل فيه إباحة ولا تحريم كالخمر التي حرمت تحريما قاطعا بعد أن أشرب المؤمنون حب الإسلام، ونبذوا عادات الجاهلية التي لَا تتفق مع مبادئه، ونحسب أن هذه هي موضوع الآية الكريمة.
стр. 3068
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) والمعنى على هذا السياق لَا تسألوا عن أحكام أمور لم يجئ حكمها المبتوت في الإسلام، وشرع الله تعالى فيما كتب في علم الله العلي الحكيم أنها محرمة، ولو أبدى سبحانه هذا التحريم لهم لساءهم ذلك البيان لعدم الفهم، ولأنهم لَا يزالون متأثرين ببعض أحكام الجاهلية، كالخمر، فإن الشرع الإسلامي كرهها، ولو سئل عنها، فإنه لا يمكن أن يصرح بإباحتها، ولا يمكن إلا أن يكون بتحريمها، والتحريم القاطع قبل خلع الربقة الجاهلية تماما يسوء بعض النفوس، وهذا معنى قوله تعالى: (إِن تُبْدَ لَكمْ تَسُؤْكُمْ) ولو أنهم تركوا السؤال حتى نزل القرآن بالحكم في ميقاته الذي وقته الله تعالى ما كان في الحكم مفاجأة تسوء؛ لأنه يكون بعد إشراب القلوب بأخلاق الإسلام، ولذا قال سبحانه: (وَإِن تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا) والمعنى الظاهر من هذا أن القرآن عندما ينزل بها تحريما ومنعا أو إجازة وإباحة تكون النفس المؤمنة قد استعدت لتلقيها كما تهيأ الأرض الخصبة للزراعة فيجيء البذر والماء في إبانهما فتنبت نباتا حسنا بإذن ربها، وإن نزلت في القرآن كان السؤال في وقته وفي موضعها استفساراتها، ويكون بيان النبي ﷺ تفسيرا، وعبر في حرف الشرط ب " إن " للإشارة بقلة السؤال؛ لأن البيان يكون كاملا من كلامه تعالى ومن سنة النبي ﷺ .
وقوله تعالى: (عَفَا اللَّهُ عَنْهَا) الضمير في عنها قال أكثر المفسرين: إنه عائد على الأسئلة التي تضمنها قوله تعالى: (لا تَسْألُوا). ولكن ذلك التضمين ليس بواضح، والأولى عندي أن نقول: إن الضمير يعود على الأشياء نفسها، لأن الضمير في " عنها " يعود إلى الأشياء، وبمقتضى النسق البياني لن يعود الضمير إلى شيء، ولذلك العفو عن الأشياء مغزاه الشرعي؛ لأن الناس قد يتساءلون عن هذه المحرمات قبل تحريمها، فيتساءلون عن الخمر قبل تحريمها، ويتساءلون عن تحريم زواج المؤمنة بالكافر قبل التحريم، وعن التبني قبل التحريم، وعن زواج امرأة
стр. 3069
الأب قبل التحريم، وقد أجيب عن كل هذا، عفا الله عما سلف، فالمعنى عفا الله عن هذه الأشياء قبل التحريم، وبهذا يتحقق معنى العفو، وهو رتبة بين المباح والمطلوب، وأن الأشياء التي كان مسكوتا عنها أمدا طال أو قصر في الإسلام ثم حرمت بعد ذلك لَا يمكن أن تكون مباحة، لأنه لَا تنطبق عليها حقيقة المباح " إذ إن حقيقة المباح أنه يكون متساوي الضرر والنفع بالنسبة للمتناول، ويرجح أحدهما التناول، أو الحاجات الشخصية، ولا يقال عن شيء حرمه الشارع تحريما قاطعا لَا شبهة فيه إنه متساوي النفع والضرر، وما دام لم يوجد ما يثبت طلب الكف عنه، فإنه يكون في فترة السكوت مع كونه ضارا قد عفا الله تعالى عنه.
(وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ) هذا ختام ذلك النص، ختم بهذين الوصفين للذات الكريمة للإشارة إلى أن جعل هذه الأشياء القبيحة في ذاتها كالخمر والتبني وزواج امرأة الأب في موضع العفو، ما دام لم ينزل شرع بتحريمها لَا يكون إلا من غفور يغفر الذنوب، ولا يحاسب إلا أن يكون نذير يمنع وينذر بالعقاب، كما قال سبحانه: (. . . وَمَا كُنَّا معَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا).
وكان وصفه بالحلم، وهو فيما يتعلق بالعباد التأني وأخذ الأمور بالتؤدة والروية، وبالنسبة لله تعالى علم الحكيم الذي يقدر لكل وقت ما يقتضيه، وللناس ما يصلحهم في معاشهم ومعادهم، فهو يؤخر التحريم، حتى تستأنس القلوب ويستمكن الإيمان، وهو لَا يأخذ بالهوادة ما يتعلق بأصل الإيمان كالتوحيد وترك الشرك، بل يبتدئ به من غير مواناة، ويقول لنبيه: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ)، لأنه لب الدين، ليس فيه هوادة، ولا لأحد فيه إرادة.
* * *
стр. 3070
(قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ (١٠٢)
* * *
هذا قصص للعبرة ساقه لأولئك الذين كانوا يتعرفون أحكام الأشياء قبل ميقاتها ويتلهفون على معرفة حكم الله في أمور كانوا يريدون بيان الحكم فيها، وكان موجب ذلك السؤال والتلهف على معرفة الحكم أن يستجيبوا لداعي الله تعالى بالأمر والنهي، ولكنهم بعد أن
стр. 3071
جاء الحكم المقرر الثابت تركوه هاجرين له، بل منكرين وجاحدين، فليست العبرة بتعجل المعرفة إنما الاعتبار للإيمان به، وأخذ الأنفس بتنفيذه، والمبادرة بالاستجابة.
والضمير في قوله تعالى (سَأَلَهَا) يعود إلى الأشياء على تقدير السؤال عن حكمها، وسأل تتعدى بنفسها، كما تتعدى بـ " عن "، وقد كان سؤالهم قبل الميقات الذي عينه الله تعالى، ثم لما حان الميعاد جاء التحريم، مع أنهم كانوا يسألون قبل الميقات جحدوه وكفروا به، وفي الكلام مقدر محذوف دل عليه السياق، وهو أنهم سألوا في غير الموعد، ثم نزل الحكم في الموعد، فأصبحوا كافرين، وفي الكلام بعض إشارات بيانية، يتقاضانا البحث ذكرها.
الأولى - حذف إنزال التحريم، وحذفه لأنه ليس العبرة فيه، إنما العبرة في أنهم سألوا ولجوا في السؤال ثم لما جاء التحريم كفروا.
الثانية - التعبير بـ " ثم " الدالة على التراخي؛ لأنه يدل على التباعد المعنوي بين اللجاجة في السؤال ثم الجحود والكفر بعد ذلك كأنهم كانوا يريدون حكما على هواهم، فلما جاء بما لَا يهوون كفروا.
الثالثة - التعبير بقوله تعالى: (ثُمَّ أَصبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ). فكلمة أصبحوا تدل على أنهم كانوا مؤمنين، والتحريم حولهم من الإيمان إلى أشد الجحود، إذ صاروا كافرين، أي أن الكفر صار وصفا لهم، ولم يكن حالا عارضة لهم والله الهادي إلى سواء السبحل.
* * *
(مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٣) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا
стр. 3072
حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٠٤) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)
* * *
كان العرب يحرمون على أنفسهم أنواعا من النعم، ويحسبون ذلك دينا يتبع، ويتقرب به إلى منشئ الخلق من غير دليل، ولكنه وَهْمٌ سيطر عليهم، واستمكن في قبائل مختلفة منهم، فبين الله تعالت كلماته أن هذا ليس من شرع الله في شيء ولا سبب له إلا وهم مسيطر، ونسبوه إلى الله تعالى افتراء عليه، ولأنهم لَا يعقلون ما ينبغي في التحريم والتحليل لأن التحليل لذات الشيء، وقد خلقها الله تعالى طيبة، وكان كسبها طيبا، والتحريم، إما لأذى في ذات الشيء، أو أن فيه أذى لغيره كتحريم الصيد في ميقات الحج.
وقوله تعالى:
стр. 3073
(مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَة) معنى " جعل " هنا أنشأ وشرع، والمعنى ما أنشأ الله تعالى شرعا في التحريم في شيء من البحيرة والوصيلة والسائبة والحام، أي هذه الأشياء ما شرع الله تعالى أحكاما خاصة بنعم متصفة بهذه الأوصاف، بل هي وسائر النعم سواء، والتفرقة بينها وبين غيرها من وهم كان عندهم، لَا من حقيقة ثابتة تدركها العقول، ويظهر أن العرب كانوا متفقين في الجملة على تحريم هذه الأنواع فلا يأكلونها أو لَا يأكلها العامة منهم؛ إذ تنذر للكهنة، وذلك على اختلاف القبائل في أماكن بلاد العرب، ومع اتفاقهم على أصل التحريم بالنسبة لهذه الأشياء، قد اختلفت الروايات في حقيقتها، واختلف اللغويون باختلاف الروايات في حقيقة معناها. ويظهر أنه ليس اختلاف رواية أو أختلاف روايات متعارضة، إنما هو اختلاف قبائل العرب، وليس لنا أن نحصي
стр. 3074
الروايات عدًّا ونراجح بينها، فنحن نميل إلى تصديقها جميعا، على أنها اختلاف بين القبائل، والمهم في القضية أنهم يحرمون بأوهامهم، ويفرقون بين النعم بأخيلة وأوهام من غير أي أصل ديني ثابت.
ولنكتف في تقريب هذه الأصناف برواية واحدة، وبلغوي واحد، وهو الراغب الأصفهاني، فالبحيرة عنده هي الناقة التي تلد عشرة أبطن فتبحر أذنها أي تشق، وتترك ويسيبونها فلا تركب ولا يحمل عليها، وقد قال تعالى في ذلك: (مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ) وذلك ما كانوا يجعلونه بالناقة إذا ولدت عشرة أبطن شقوا أذنها، فيسيبونها، فلا تركب ولا يحمل عليها، والسائبة عندهم هي التي تسيب في الرعي فلا ترد عن حوض، ولا علف، وذلك إذا ولدت خمسة أبطن، وواضح أن الفرق بينها وبين البحيرة في المزايا أن ركوبها والحمل عليها لا يمنع، بينما يمنع في البحيرة.
والوصيلة هي: الشاة التي تلد توءمين ذكرا أو أنثى، قالوا وصلت أخاها، فلا يذبحونه من أجلها كما لَا يذبحونه، والحام هو كما قيل الفحل إذا ضرب عشرة أبطن يقال حمى ظهره، فلا يركب.
هذه تعريفات موجزة من بين الروايات المختلفة ذكرنا هذه الرواية لنقرب معناها، وكان تقديسها أو تكريمها لمعنى الولاد فيها، وأن بعضهم كان ينذرها نذرا لآلهتهم، وبعضهم كان يبيحها للكبراء دون الضعفاء ويحسبون ذلك دينا، وما هو إلا افتراء على الدين، ولذا قال سبحانه:
(وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) أصل الفرى معناه: القطع، والافتراء في القرآن الكذب القاطع، فمعنى افتروا على الله الكذب، قالوا كذبا مقطوعا بأنه كذب، وما ذكر الافتراء إلا مقترنا بالكذب للإشارة إلى أنه كذب مقطوع بأنه كذب، ومعنى النص الكريم: أن الله تعالى لم ينشئ في شرعه شيئا من البحيرة والوصيلة، ولكن الذين كفروا بسبب كفرهم وضلالهم قد قالوا بهتانا فحرموا على أنفسهم ما أحل الله، ونسبوا التحريم بهتانا
стр. 3075
إلى الله تعالى، وما دفعهم إلى ذلك إلا أوهام مسيطرة على أكثرهم فلا يعملون عقولهم، ولا يفكرون في أمورهم تفكير العقلاء، بل أوهامهم هي المتحكمة فيهم، ولذا ختم النص بقوله تعالت كلماته (وَأَكثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ).
ومع هذا الضلال المبين لايستجيبون لداعي المرشد الهادي الذي يدعوهم إلى ما أنزل الله، ولذا قال سبحانه:
* * *
стр. 3076
(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ... (١٠٤)
* * *
ما كان بالنسبة للحلال والأطعمة صورة مما هم عليه من الأوهام، وهي وإن لم تكن في ذاتها أمورا كبيرة تدل على عقل جامد لَا ينفذ إليه الحق السائغ الذي تستقيم عنده العقول، وترتاح إليه، فإن صغائر الأمور تدل على النفوس التي تتردى في كبارها، وأولئك لجمود تفكيرهم وطمس بصائرهم إذا قيل لهم تعالوا، أي تساموا واعلوا بتفكيرهم لتدركوا ما أنزل الله تعالى من قرآن يتلى، وما بين به النبي ﷺ من نيرات واضحات، إذا قيل لهم أعرضوا بجانبهم، تولوا وقالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا، وتلك حجة كل ضال مقلد لمن سبقوه وترك كل هداية مرشدة، والامتناع عن الإصغاء إلى الحق.
ولم يذكر الفاعل في قوله تعالى: (وَإذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا) وذلك لكثرة الدعاة وتكرار الدعوة، فالله يدعوهم إلى الحق، والنبي ﷺ يدعوهم، والمؤمنون بأقوالهم ولسان حالهم يدعونهم، والدعوة لهم مكررة ليست واحدة حتى يذكر قائلها، ويندد الله عليهم بقوله:
(أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ) والمعنى أيقولون حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا، ويقلدونهم، ويتبعونهم، ويغلقون باب الهداية عليهم ولو كان آباؤهم لَا يعلمون شيئا من الدين، ولا من الحلال والحرام، ولا يهتدون إذا بين لهم الطريق، أي ولو كانوا حائرين بائرين لَا يدركون الحق في ذاته ولا يهتدون إليه إذا أرشدوا وبين لهم.
стр. 3077
ولقد كان النبي ﷺ شديد الرغبة في هدايتهم، حتى خاطبه ربه بقوله: (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ).
وكان كذلك المؤمنون، فبين الله أنهم غير مسئولين عن إيمانهم بعد أن يرشدوهم، فقال تعالت كلماته:
* * *
стр. 3078
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا ... (١٠٥)
* * *
كان المؤمنون يعجبون من حال الكفار كيف يتبعون آباءهم على غير بينة وكيف يستمرون في غيهم، ومنهم ذوو قربى، فكانوا يرشدونهم، ويجزعون لإصرارهم، فبين الله تعالى في هذا النص الكريم أنهم بعد البيان ليس عليهم إثمهم، بل عليهم أن يلزموا بعد التوجيه أنفسهم، ومعنى قوله تعالى: (عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ). احفظوا أنفسكم وصونوها عن الاتباع من غير تفكير، فلا تقلدوا آباءكم من غير بينة، واهتدوا بهدْي الله، ولا يضركم ضلال من ضل واستمر على غيه بعد أن أرشد إلى وجه الحق، ولكن لم يدخل قلبه بل استمر على ضلاله القديم، فهذا النص الكريم يفيد أمرين: أولهما - أن يحفظوا أنفسهم، ويقوها شر التقليد المردِي، ويعملوا على أن تبقى الهداية منيرة سبيلهم عامرة قلوبهم بها. وثانيهما - أنه لَا يضرهم ضلال الضالين، ما داموا قد تجنبوا طريق الغواية هم، وأرشدوهم إلى الحق.
ولعل ظاهر الآية يوهم أنه لَا يضر ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ما دام لَا يضر المؤمن ضلال من ضل، وقد ظهر ذلك الفهم الخطأ في عهد صديق هذه الأمة أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، فقال: إنكم تقرءون هذه الآية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) وتضعونها في غير موضعها، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن الناس إذا رأوا المنكر فلم ينكروه يوشك أن يعمهم الله تعالى بعقاب " (١) والآية ليس فيها دليل ناهٍ عن الأمر
стр. 3079
بالمعروف والنهي عن المنكر، والآيات الآمرة بهما، والأحاديث الواردة فيهما لا تزال قائمة ولا ينسخها وهم يسبق إلى ذوي الأوهام من غير نص يدل عليه، ولقد سئل النبي ﷺ عن مقام هذه الآية بالنسبة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقال ﵊: " بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شرا مطاعا، وهوى متبعا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأى برأيه، فعليك بخاصة نفسك ودع العوام، فإن من ورائكم أياما الصابر فيهن مثل القابض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلا يعملون كعملكم " (١) وروي عن بعض التابعين أنه قال: كنت في حلقة فيها أصحاب رسول الله ﷺ فتذاكروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقلت أنا: أليس الله تعالى قال في كتابه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُم). فأقبلوا على بلسان واحد، وإني لأصغرهم سنا، وقالوا: أتنزع آية من القرآن لَا تعرفها، ولا تدري ما تأوليها؟! فتمنيت أني لم أكن تكلمت، وأقبلوا يتحدثون، فلما حضر قيامهم، قالوا: إنك غلام حديث السن، وإنك نزعت آية ولا تدري ما هي، وعسى أن تدرك ذلك الزمان، إذا رأيت شرا مطاعا وهوى متبعا، وإعجاب كل ذي رأى برأيه، فعليك بنفسك لَا يضركم من ضل إذا اهتديت.
وخلاصة المروي عن آثار رسول الله ﷺ والذين اتبعوهم بإحسان أن الآية لا تمنع القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل القيام به واجب محكم وإنه لَا يتم الاهتداء المنصوص عليه في الآية إلا بالقيام بهذا الواجب الخطير، وإنه، لا يترك إلا بحقه، وذلك إذا كان النداء بالحق يورث الفتن عندما يكون الهوى مطاعا والشر متبعا ولا يستطيع منادي الحق، أن يجد مصيخا (٢) وقوله يزيد حدة الخلاف، ولا يكون سماع لذوي الكيس والرشد، ولقد قال عبد الله بن المبارك: إن هذه الآية أوكد في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن الخطاب لجماعة
стр. 3080
المؤمنين، ومؤداها احفظوا أنفسكم معشر جماعة المؤمنين، ولا يهمكم ضلال غيركم من الأمم، ولا يجعلكم تغيرون أموركم إلى فساد، ولا شك أن من حفظ جماعة المؤمنين القيام بذلك الواجب العظيم.
وفى الحق إن القيام بهذا الواجب هو خاصة الأمة الإسلامية كما قال تعالى: (كنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّه وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ).
ولا يصح أن يُتخلى عنه، وليس في مصادر الشريعة ولا في مواردها ما يسوغ التخلي، وأن ترك القول في أيام الفتن الطحياء (١) التي يكون القول مؤديا إلى زيادة في الفتن والاتهام، فلا يجدي قول، ولا يهدي فكر إلى الرشاد، فيكون السكوت أولى من الكلام، حتى تهدأ عجاجة الفتنة، وتعود القلوب إلى جنوبها، ويوجد السميع، ولكن في هذه الحال يكون الإنكار القلبي، وإرشاد القابلين للإرشاد، في غير ضجيج ولا عجيج والله راد الحق إلى نصابه، والقضب إلى أجفانها، وهو بكل شيء عليم.
* * *
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦) فَإِنْ عُثِرَ عَلَى
стр. 3081
أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٧) ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (١٠٨)
* * *
في الآيات السابقه ذكر أحكام الطيبات وأنه لَا يجوز تحريمها، وأن المشركين يحرمون على أنفسهم ما أحل الله تعالى، ويدعون أن تحريم ذلك دين متبع، وقد بين بطلان ذلك، وبين أن على المؤمنين أن يحفظوا أنفسهم، ويلتزموا الهدى، وألا ينحرفوا عن الحق، وفى هذه الآيات المقبلة بيان طريق من طرق الإثبات وهو الإثبات بالشهادة، والجملة السابقة كانت لبيان الحق في عامة صوره وأحواله، وهذه الآيات في صورة منه وهي أدق الصور، وهي التي تكون بعد الوفاة، لقد قال تعالى:
стр. 3082
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ) قال فخر الدين الرازي في الربط بين هذه الآية وما قبلها: " اعلم أنه تعالى لما أمر بحفظ النفس في قوله تعالى: (عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ) أمر بحفظ المال في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ)، وموضوع هذه الآية أدق الموضوعات في باب الإثبات، وقد قرر علماء القانون الوضعي دقة الإثبات في موضوعها، وهو الوصية التي تكون في سفر، ويموت صاحبها في هذا السفر، وإنهم قد تساهلوا في طرق الإثبات فيها تحققا من صحة الوصية والأموال ومآلها، حتى لقد قال بعض القانونيين: إنه تثبت الوصية بالكتابة على الرمل لمن حضرته الوفاة، وهو نائم على ذلك الرمل؛ وذلك الأن الإثبات في هذه الحال التي مات فيها صاحب الوصية من غير أن يتمكن من أن يكتب وصيته صعب.
стр. 3083
ولهذا شدد الإسلام في ضرورة كتابة الوصية، والشخص قوي معافى، حتى لا يدركه الموت قبل أن يتمكن، حتى أن عبد الله بن عمر ليقول: (لا يحل لمؤمن إلا أن يبيت ووصيته مكتوبة قد وضعها تحت وسادته).
الخطاب في قوله تعالى للمؤمنين بقوله تعالت كلماته: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ) للإشارة إلى أنه من مقتضيات الإيمان العناية بالوصية، ونقلها وتنفيذها بالعدل، كما قال تعالى: (فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ. . .).
والشهادة على الوصية نصابها اثنان ذوا عدل منكم والعدالة هي الصدق في القول والأمانة على المال والقيام بأوامر الدين، والانتهاء عن منهياته، بحيث لا يجاهر بمعصية، ولا يرتكب منكرا إلا اللمم كما قال تعالى: (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْم وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ. . .)، والقيام على الوصية يكون بتنفيذها كاملة موفورة، والمحافظة على الأموال، ونقل إرادة صاحب تلك الأموال.
وإنه لَا يتوافر العدل في كل الأحوال في الوصية، فإنه قد يكون الموت في سفر، ولا يتوافر العدل من المؤمنين، فقد يكون المصاحب للمتوفى من غير المؤمنين، أو من غير العدول، ففي هذه الحال يتساهل وتقبل شهادة غير المسلمين، ولذا قال سبحانه:
(أَوْآخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ).
قوله تعالى: (أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ) ما المراد بهذا المغاير؛ وذلك يستدعي بلا ريب تفسير (منكم) فقد قال بعض العلماء: إن منكم معناها من قبيلتكم، أو من أقاربكم، ويكون من غيركم معناه من غير قبيلكم أو من غير ذوي قرابتكم، والجميع في دائرة أهل الإيمان، ويتمسك هذا الفريق بأنه لَا تقبل شهادة غير المؤمن، فلا يمكن أن يكون المراد من غيركم الكافرين؛ لأن الكافر لَا تقبل شهادته على المؤمن عندهم.
стр. 3084
وقد قال آخرون: إن المراد بقوله تعالى (مِنكُمْ) هو أن يكون الخطاب للمؤمنين؛ لأن النداء في الذين آمنوا لَا في قبيل منهم، إذ النداء لهم قاطبة لا لفريق منهم، ولذلك يكون الاثنان اللذان من غيرهم من غير المؤمنين، ومقتضى هذا التخريج أن تقبل شهادة غير المسلمين في هذه الحال، وقد أجازها جمع من التابعين منهم سعيد بن المسيب وابن سيرين، ويحيى بن يعمر، وعكرمة، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والشعبي، وإبراهيم النخعي، وقتادة، وشريح القاضي، وهذا رواية عن أحمد بن حنبل، وقد قرروا أن شهادة غير المسلم على المسلم تقبل في حال السفر، وعلى أن تكون الشهادة في وصية كما نص القرآن الكريم، وذلك لمقام الضرورة، ولمنع ضياع الحقوق ما أمكن ولأن ذلك يشبه التحري، ويكون المراد من العدالة الاشتهار بالصدق والأمانة، ومنهم من يكون كذلك، وإن أصاب الضلال اعتقاده، وثانيا لأن قبول شهادتهم استثناء فيقتصر على موضع الوصية، فيقتصر على مورد النص، وهي تقييد الحال بحال السفر، وتقييد الموضوع بأن يكون في الوصية.
وهنا إشارات غير لفظية:
الأولى - قوله تعالى: (إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ). المراد به إذا سافرتم؛ لأن المسافر يضرب في الأرض، وقد أشرنا إلى ذلك من قبل.
الثانية - قوله تعالى: (فَأصَابَتْكم مّعيبَةُ الْمَوْتِ). أي نزل بكم، وسماه مصيبة؛ لأنه بطبيعته يؤلم أو يصحبه أو يقارنه أو يسبقه آلام نفسية، ولأنه حق ليس بمحبوب وخصوصا لمن يموتون حتف أنفسهم، ولا يموتون استشهادا في سبيل الله تعالى، ورجاء لقائه، ولأنهم يفدون بموتهم جماعة المؤمنين؛ فالثمن الذي أخذوه أغلى من الموت الذي قدموه.
الثالثة - أنه عندما ذكر سبحانه الاثنين من غير المؤمنين لم يذكر العدالة ولكن المفروض أن يكونا صادقين اشتهرا بالأمانة، ولكن لم تذكر العدالة؛ لأنه لا يمكن أن يكون غير المؤمن عدلا عدالة مطلقة، بل تكون مقيدة.
стр. 3085
هذا، ويلاحظ أن الأئمة الثلاثة مالكا والشافعي وأبا حنيفة وأصحابه لا يقبلون شهادة غير المسلم على المسلم مطلقا في سفر أو حضر، في وصية أو غير وصية، ويظهر أنهم يسيرون على التخريج الأول.
وقد بين سبحانه طريق أداء الشهادة، فقال: (تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْد الصَّلاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ) الضمير في قوله تعالى: (تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةَ) يعود على الشاهدين ذوي العدل من المسلمين أو من غيرهما، والحبس الإمساك لأداء الشهادة اللازمة حتى تؤدى، والصلاة كما يفسر التابعون الذين تلقوا تفسير أصحاب رسول الله ﷺ يراد بها صلاة العصر؛ إذ يكون وقت استجمام النفس، واستحضار عظمة الله تعالى، وطيب الجو، والفقهاء يعتبرون من السنة سماع الشهادة بعد صلاة العصر، حيث تكون النفوس قارة مطمئنة، وإذا كانا غير مسلمين، فإنهما يسمعان بعد صلاتهم.
وهذا حكم عام، ويلاحظ أن شهود الوصية لهم صفتان: إحداهما - صفة الشاهد العدل المخبر عن الواقع الناطق بالصدق فيه الذي يشهد على مثل الشمس عيانا، الصفة الثانية - أنهما وصيان للميت أمينان على ماله، يحافظان عليه، حتى يصل إلى أهله، ويسلم إليهم موفورا غير منقوص، ولذلك كان حقا عليهما أمانة الله تعالى، ولذلك كان أي ريب فيهما يؤدي إلى ضياع المال وحق المتوفى، وحق ذويه، ولذلك شرع القسم إن كانت ريبة أي ريبة كانت، ولو كانت نفسية ليس لها مظاهر مادية، ولذا قال: (فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتمْ) وهذا النص الكريم يفيد أن الحبس بعد الصلاة والقسم على صدق القول لَا يكون إلا حال الارتياب، وبهذا يرد قول الذين يقولون: إن الشهود لَا يستقسمون، أولا - لأن هؤلاء ليسوا شهودا من كل الوجوه، لأن لهم صفة أنهم أوصياء، والأوصياء يحلفون إن كان ثمة ريبة في تصرفهم، وثانيا - لأن الحال حال استثنائية فيجب ما أمكن الاحتياط، والحلف عند الارتياب، فلا بد من توثيق القول بالوثائق، لكي يكون الاطمئنان بدل الشك والارتياب، وبين سبحانه تتميما للاستيثاق صيغة اليمين، فقال: