أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٧) ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (١٠٨)
* * *
في الآيات السابقه ذكر أحكام الطيبات وأنه لَا يجوز تحريمها، وأن المشركين يحرمون على أنفسهم ما أحل الله تعالى، ويدعون أن تحريم ذلك دين متبع، وقد بين بطلان ذلك، وبين أن على المؤمنين أن يحفظوا أنفسهم، ويلتزموا الهدى، وألا ينحرفوا عن الحق، وفى هذه الآيات المقبلة بيان طريق من طرق الإثبات وهو الإثبات بالشهادة، والجملة السابقة كانت لبيان الحق في عامة صوره وأحواله، وهذه الآيات في صورة منه وهي أدق الصور، وهي التي تكون بعد الوفاة، لقد قال تعالى:
стр. 3082
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ) قال فخر الدين الرازي في الربط بين هذه الآية وما قبلها: " اعلم أنه تعالى لما أمر بحفظ النفس في قوله تعالى: (عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ) أمر بحفظ المال في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ)، وموضوع هذه الآية أدق الموضوعات في باب الإثبات، وقد قرر علماء القانون الوضعي دقة الإثبات في موضوعها، وهو الوصية التي تكون في سفر، ويموت صاحبها في هذا السفر، وإنهم قد تساهلوا في طرق الإثبات فيها تحققا من صحة الوصية والأموال ومآلها، حتى لقد قال بعض القانونيين: إنه تثبت الوصية بالكتابة على الرمل لمن حضرته الوفاة، وهو نائم على ذلك الرمل؛ وذلك الأن الإثبات في هذه الحال التي مات فيها صاحب الوصية من غير أن يتمكن من أن يكتب وصيته صعب.
стр. 3083
ولهذا شدد الإسلام في ضرورة كتابة الوصية، والشخص قوي معافى، حتى لا يدركه الموت قبل أن يتمكن، حتى أن عبد الله بن عمر ليقول: (لا يحل لمؤمن إلا أن يبيت ووصيته مكتوبة قد وضعها تحت وسادته).
الخطاب في قوله تعالى للمؤمنين بقوله تعالت كلماته: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ) للإشارة إلى أنه من مقتضيات الإيمان العناية بالوصية، ونقلها وتنفيذها بالعدل، كما قال تعالى: (فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ. . .).
والشهادة على الوصية نصابها اثنان ذوا عدل منكم والعدالة هي الصدق في القول والأمانة على المال والقيام بأوامر الدين، والانتهاء عن منهياته، بحيث لا يجاهر بمعصية، ولا يرتكب منكرا إلا اللمم كما قال تعالى: (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْم وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ. . .)، والقيام على الوصية يكون بتنفيذها كاملة موفورة، والمحافظة على الأموال، ونقل إرادة صاحب تلك الأموال.
وإنه لَا يتوافر العدل في كل الأحوال في الوصية، فإنه قد يكون الموت في سفر، ولا يتوافر العدل من المؤمنين، فقد يكون المصاحب للمتوفى من غير المؤمنين، أو من غير العدول، ففي هذه الحال يتساهل وتقبل شهادة غير المسلمين، ولذا قال سبحانه:
(أَوْآخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ).
قوله تعالى: (أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ) ما المراد بهذا المغاير؛ وذلك يستدعي بلا ريب تفسير (منكم) فقد قال بعض العلماء: إن منكم معناها من قبيلتكم، أو من أقاربكم، ويكون من غيركم معناه من غير قبيلكم أو من غير ذوي قرابتكم، والجميع في دائرة أهل الإيمان، ويتمسك هذا الفريق بأنه لَا تقبل شهادة غير المؤمن، فلا يمكن أن يكون المراد من غيركم الكافرين؛ لأن الكافر لَا تقبل شهادته على المؤمن عندهم.
стр. 3084
وقد قال آخرون: إن المراد بقوله تعالى (مِنكُمْ) هو أن يكون الخطاب للمؤمنين؛ لأن النداء في الذين آمنوا لَا في قبيل منهم، إذ النداء لهم قاطبة لا لفريق منهم، ولذلك يكون الاثنان اللذان من غيرهم من غير المؤمنين، ومقتضى هذا التخريج أن تقبل شهادة غير المسلمين في هذه الحال، وقد أجازها جمع من التابعين منهم سعيد بن المسيب وابن سيرين، ويحيى بن يعمر، وعكرمة، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والشعبي، وإبراهيم النخعي، وقتادة، وشريح القاضي، وهذا رواية عن أحمد بن حنبل، وقد قرروا أن شهادة غير المسلم على المسلم تقبل في حال السفر، وعلى أن تكون الشهادة في وصية كما نص القرآن الكريم، وذلك لمقام الضرورة، ولمنع ضياع الحقوق ما أمكن ولأن ذلك يشبه التحري، ويكون المراد من العدالة الاشتهار بالصدق والأمانة، ومنهم من يكون كذلك، وإن أصاب الضلال اعتقاده، وثانيا لأن قبول شهادتهم استثناء فيقتصر على موضع الوصية، فيقتصر على مورد النص، وهي تقييد الحال بحال السفر، وتقييد الموضوع بأن يكون في الوصية.
وهنا إشارات غير لفظية:
الأولى - قوله تعالى: (إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ). المراد به إذا سافرتم؛ لأن المسافر يضرب في الأرض، وقد أشرنا إلى ذلك من قبل.
الثانية - قوله تعالى: (فَأصَابَتْكم مّعيبَةُ الْمَوْتِ). أي نزل بكم، وسماه مصيبة؛ لأنه بطبيعته يؤلم أو يصحبه أو يقارنه أو يسبقه آلام نفسية، ولأنه حق ليس بمحبوب وخصوصا لمن يموتون حتف أنفسهم، ولا يموتون استشهادا في سبيل الله تعالى، ورجاء لقائه، ولأنهم يفدون بموتهم جماعة المؤمنين؛ فالثمن الذي أخذوه أغلى من الموت الذي قدموه.
الثالثة - أنه عندما ذكر سبحانه الاثنين من غير المؤمنين لم يذكر العدالة ولكن المفروض أن يكونا صادقين اشتهرا بالأمانة، ولكن لم تذكر العدالة؛ لأنه لا يمكن أن يكون غير المؤمن عدلا عدالة مطلقة، بل تكون مقيدة.
стр. 3085
هذا، ويلاحظ أن الأئمة الثلاثة مالكا والشافعي وأبا حنيفة وأصحابه لا يقبلون شهادة غير المسلم على المسلم مطلقا في سفر أو حضر، في وصية أو غير وصية، ويظهر أنهم يسيرون على التخريج الأول.
وقد بين سبحانه طريق أداء الشهادة، فقال: (تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْد الصَّلاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ) الضمير في قوله تعالى: (تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةَ) يعود على الشاهدين ذوي العدل من المسلمين أو من غيرهما، والحبس الإمساك لأداء الشهادة اللازمة حتى تؤدى، والصلاة كما يفسر التابعون الذين تلقوا تفسير أصحاب رسول الله ﷺ يراد بها صلاة العصر؛ إذ يكون وقت استجمام النفس، واستحضار عظمة الله تعالى، وطيب الجو، والفقهاء يعتبرون من السنة سماع الشهادة بعد صلاة العصر، حيث تكون النفوس قارة مطمئنة، وإذا كانا غير مسلمين، فإنهما يسمعان بعد صلاتهم.
وهذا حكم عام، ويلاحظ أن شهود الوصية لهم صفتان: إحداهما - صفة الشاهد العدل المخبر عن الواقع الناطق بالصدق فيه الذي يشهد على مثل الشمس عيانا، الصفة الثانية - أنهما وصيان للميت أمينان على ماله، يحافظان عليه، حتى يصل إلى أهله، ويسلم إليهم موفورا غير منقوص، ولذلك كان حقا عليهما أمانة الله تعالى، ولذلك كان أي ريب فيهما يؤدي إلى ضياع المال وحق المتوفى، وحق ذويه، ولذلك شرع القسم إن كانت ريبة أي ريبة كانت، ولو كانت نفسية ليس لها مظاهر مادية، ولذا قال: (فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتمْ) وهذا النص الكريم يفيد أن الحبس بعد الصلاة والقسم على صدق القول لَا يكون إلا حال الارتياب، وبهذا يرد قول الذين يقولون: إن الشهود لَا يستقسمون، أولا - لأن هؤلاء ليسوا شهودا من كل الوجوه، لأن لهم صفة أنهم أوصياء، والأوصياء يحلفون إن كان ثمة ريبة في تصرفهم، وثانيا - لأن الحال حال استثنائية فيجب ما أمكن الاحتياط، والحلف عند الارتياب، فلا بد من توثيق القول بالوثائق، لكي يكون الاطمئنان بدل الشك والارتياب، وبين سبحانه تتميما للاستيثاق صيغة اليمين، فقال:
стр. 3086
(لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ) الشراء يطلق بمعنى البيع، والمعنى لَا نبيع يمين الله تعالى الذي أقسمنا به، ولا عهدنا الذي عاهدناه بهذه اليمين بأي ثمن كائنا ما كان وبأى قدر كان، فالضمير يعود على القسم بالله المفهوم من قوله تعالى: (فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ). وقال تعالى: (وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى) أي ولو كان الذي يستفيد من شهادتنا ذا قرابة قريبة، فكلمة قربى لَا تطلق إلا على القرابة القريبة التي تحمل غير الأتقياء على الكذب في الشهادة، ومن موضوع القسم، والتغليظ فيه عدم كتمان الشهادة، وكتمانها هنا يشمل ثلاث صور من الكتمان: أولاها - أن يخفى بعض الحق، وثانيها - أن يخفى بعض الموصى به فلا يذكره كله، والصورة الثالثة - لمن لَا ينقل كلاما للموصي يحرر إرادته. ومن مؤكدات القسم أن يقولوا مع قولهم في القسم " لا نكتم ": (إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الآثِمِينَ).
وذلك بأن يقروا على أنفسهم بالإثم إن حادوا أو كذبوا في يمين الله، أو قالوا غير الحق الذي كانوا أوصياء عليه، وقد أكدوا الإثم على أنفسهم في إيمانهم بمؤكدات أربعة: أولها - التعبير بالجملة الاسمية، ثانيها - التوكيد بـ " إنا " - ثالثها - اعتبار الحكم على أنفسهم بالإثم نتيجة منطقية لأعمالهم، ولإخفائهم الحق، ورابعها - أن يخرجوا من زمرة الأبرار الأطهار ويدخلوا في زمرة الآثمين الأشرار، والأمر بالنسبة للذي غيب في التراب، وهو لَا ينطق بما يريد، ويبين ما عليه حاله وماله يوجب الاحتياط فيهما قبل الشهادة، والتحري على أمره بعد وفاته، فعسى أن يكون حق قد ضاع شيء، وقد تبين سبحانه حال العثور عليه، فقال:
* * *
стр. 3087
(فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ ... (١٠٧)
* * *
عثر الرجل يعثر عثرا إذا وقع على أمر لم يكن معلوما من قبله، ولم يقع عليه غيره ممن يهمهم، ويقال: أعثرت فلانا على أمر أطلعته عليه، وكل من اطلع على أمر كان خفيا يقال: قد عثر عليه، والعثور على الشيء يكون في الغالب العلم الذي لم يكن له مقدمات عنده، بل ربما يكون الإطلاع عليه بالمصادفة.
стр. 3088
والأمر في هذه الحال الذي يموت فيها المورث يكون محل جهل إذ يموت في سفر، ولا طريق للعلم إلا عن طريق هذين الشاهدين اللذين لهما مع الشهادة صفة الوصية، والعثور يكون بمثل الاطلاع على شيء من ماله عندهما لم يكن قد جرى ذكره على لسانهما، ومعروف عند ورثته أنه كان يملكه، أو يظهر عليهما يسار مفاجئ ويتبين من قرائن الأحوال أنه كان من ماله، أو يظهر من كتب أرسلها المتوفى قبيل وفاته تدل على ما كان يملكه عند الوفاة، ولم يذكرا في شهادتهما وهكذا يكون العثور على شيء لم يكونوا يعلمونه.
ومعنى قوله تعالى استحقا إثما - أي أنهما خانا في الأمانة، فلم يقوما بحق الوصاية، وكذبا في الشهادة فلم يصدقا، وحلفا يمينا غموسا تغمس صاحبها في النار، فاستحقاقهما للإثمِ بسبب ذلك الكذب وتلك الخيانة، والحلف الكذب، وقوله تعالى: (اسْتَحَقَّا إِثْمًا) تتضمن كل هذه المعاني وغيرها، والإثم هو هذه المعاني كلها، والعثور على ما يتضمن ضياع حقوق الورثة، وذهاب أموالهم، وما قالوه فيه بخس لما يستحقون، وضياع لما يملكون، إذ قوله تعالى حين الوصية أي حين إخبار المتوفى بأمواله وإيصائهم بالمحافظة عليها، وتوزيعها بين مستحقيها وإذا كانت جناية هؤلاء على المستحقين للتركة، فالقول قول المستحقين يدلون به، ولذا قال سبحانه: (فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا). أي فشاهدان آخران يقومان في إحقاق الحق، وإظهار الحقيقة، وبيان ما خفي من إرادة المتوفى وأمواله وما له من حقوق وعليه من واجبات مقام الأولين، وهذا التعبير من ألطف التعابير بعد ظهور الإثم، إذ إنه ينبئ عن التعاون بين هؤلاء الآثمين، والأبرياء في إظهار الحق، إذ إن المجني عليهم يقومان مقام من جنوا.
وقد بين سبحانه مَن الذين يختار منهم الآخران اللذان يقومان، فقال سبحانه: (مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ) في هذا النص السامي بيان من يختار منهم، وكيف يختاران، والضمير في قوله تعالى (اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ) يعود على الإثم المذكور في من استحقا إثما، وهو الفاعل؛ والمعنى أن الذي يكون منهم الآخران
стр. 3089
الذين استحق الإثم عليهم أي حقت آثاره ومغبته عليهم وهم الورثة، وهذا على قراءة الفعل بالبناء للمعلوم، ومعناها - كما رأيت - الذين حقت عليهم مغبة الإثم ونتائجه، وهم المستحقون للمال بعد وفاة المتوفى بوصية المورث أو بوصية الله تعالى بالميراث، وهناك قراءة بالبناء للمجهول (١)، ومعناها الذي استحق عليهم أي أخذ منهم بمقتضى الشهادة الباطلة، والمؤدى في القراءتين واحد.
ذكر النص أنهما الأوليان بالنطق بالحق لأجل الورثة، إما لأنهم أقرب الورثة أو لأنهما أرشدهم، أو ألحق بمحبتهم.
ومعنى النص الكريم على هذا أن اللذين شهدا المتوفى عند وفاته هما أولى الناس بذكر الحقيقة، وإن كان ارتياب يحبسان بعد الصلاة ويستقسمان قسما موثقا، فإن ظهر ما يدعو إلى تكذيب شهادتهما في كلها أو في بعضها، كان للمستحقين للتركة حق الشهادة ويختار أولاهما بالتحدث عن المتوفى، وهذا معنى (أَوْلَيَانِ)، وهي خبر لمبتدأ محذوف، وتدل على طريقة الاختيار، وإن هؤلاء لأن المال يئول إلمهم لَا يقبل قولهم إلا بيمين لأنهم بمنزلة المدعَى عليه بكلام الأوصياء الذين يكذبونهم، ولذا قال سبحانه:
(فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقّ مِن شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ) الفاء هنا للإفصاح عن شرط مقدر، وتقديره إذا كانا يتقدمان لإحقاق الحق فلابد أن يقسما بالله، وهنا إيجاز معجز، إذ يقسمان بالله تعالى على الختل (٢) في الأمانة وعلى ما يريان أنه الحق، ثم يقسمان مع ذلك على أمرين أولهما - أن شهادتهما أحق بالقبول من شهادة الآخرين لصدقها، ولظهور الخيانة في قولهم، ولأنه فقدت قوتها لعدم الأمانة، وثانيهما - أن يقسما على أنهما ما اعتديا، بأخذ
стр. 3090
ما ليس بحقهما، وكان التعبير بنفي الاعتداء؛ لأنهما مطالبان. والمطالب يخشى اعتداؤه؛ لأن كذبه يتضمن اليمين الغموس، ويتضمن الأخذ بغير حق، فيكون اعتداء، ولقد أكد الله عليهم عدم الاعتداء بأن يقولوا: (إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ) وذلك فيه تأكيد لعدم الاعتداء، وبيان أن شهادتهما أحق من شهادة الأولين، إذ لو لم يكونوا صادقين لكانوا ظالمين، وقد أكدوا ظلمهم بأربعة مؤكدات: أولها - الجملة الاسمية، وثانيها - بأن المؤكدة، وثالثها - بإثبات أن الحكم بالظلم له مقدماته فيكون منطقيا، ورابعها - دخولهم في زمرة الظالمين، وخروجهم من طائفة الأبرار الأخيار.
وإن ذلك كله تقريب للحق، وبعد عن الباطل، ولا يمكن أن يكون الحق مؤكدا من كل الوجوه، بل لَا بد من التقريب دون التحديد، ولذلك قال سبحانه:
* * *
стр. 3091
(ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ ... (١٠٨)
* * *
الإشارة في ذلك إلى النظام كله الذي نظمه القرآن الكريم، والنسق الحكيم من الشهادة التي يقوم بها الوصيان تكون ابتداء من أهل التقوى، ويعتمد على تقواهم وعدالتهم، فإن أمسكا بعد الصلاة، وأخذت عليهما الأيمان المغلظة ويتعرف الأمر من ورائهما، ولا يترك من غير تحريات كاشفة، فإن عثر على أن الشهادة فيها إثم أو غير حق استشهد غيرهما من الذين ينقص حقهم بشهادتهما، واختير أولى الناس من المستحقين بالقول، ذلك النظام كله أقرب إلى أن يؤدي الشاهد الشهادة على وجمها، إما لأنه يريد الحق لذات الحق، أو لأنه يخاف أن الأيمان الشاهدة الجارية على لسان غيره بعد يمينه تعلن كذبه على الأشهاد، وخيانته بين الجموع والآحاد، فمعنى ترد أي تترك أيمانهم، وتطرح ويعاد القول إلى غيرهم بعد تكذيبهم.
والنص يومئ إلى أنه إذا عثر على كذب بعد شهادة الأقربين ترد الشهادة على من يليهم حتى لَا يضيع حق قط.
стр. 3092
ولقد يَروي الرواة قصة في هذا الموضوع ويذكرونها على أنها سبب النزول، وإنا نذكرها؛ لأنها موضحة للوقائع، جاء في تفسير ابن كثير " عن ابن عباس عن تميم الدارى في هذه الآية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضر أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ). قال: برئ الناس منها غيري وغير عدي بن بدار، وكانا نصرانيين يختلفان إلى الشام قبل الإسلام (أي إسلامهما) فأتيا الشام لتجارتهما، وقدم عليهما مولى لبني سهم يقال له بديل ابن مريم بتجارة ومعه جام من فضة يريد به الملك، وهو أعظم تجارته فمرض فأوصى إليهما، وأمرهما أن يبلغا ما ترك أهله، قال تميم: فلما مات أخذنا ذلك الجام فبعناه بألف درهم واقتسمناه أنا وعدي، فلما قدمنا إلى أهله دفعنا إلى أهله ما كان معنا، وفقدوا الجام فسألونا عنه، فقلنا ما ترك غير هذا، وما دفع إلينا غيره قال تميم: فلما أسلمت بعد قدوم رسول الله ﷺ المدينة تأثمت من ذلك فأتيت أهله فأخبرتهم الخبر، ودفعت إليهم خمسمائة درهم، وأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها، فوثبوا عليه، فأمرهم النبي ﷺ أن يستحلفوه بما يعظم به على أهل المدينة فنزلت: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ).
إلى قوله: (فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا) فقام عمرو بن العاص، ورجل آخر منهم فحلفا، نزعت الخمسمائة من عدي بن بداء " (١) وهكذا. . . وقد ختم الله تعالى بيان ذلك الحكم الشرعي بقوله تعالت كلماته:
(وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) ختم الله تعالى بيان ذلك الحكم الشرعي الدقيق بأمرين، وذكر أمر كلي، أما الأمر الأول فهو الأمر بالتقوى بأن يملأوا قلوبهم بخشية الله تعالى ومهابته، واتقاء عصيانه، وجعل وقاية بينهم وبين عذابه، وذلك أمر لازم لكل مؤمن، وخصوصا لمن يودعون أسرار الناس، الذين لَا يستطيعون دفع الكذب والباطل عنهم.
стр. 3093
والأمر الثاني - هو ما قرره بقوله سبحانه: (وَاسْمَعُوا) أي اسمعوا قول الحق وعوه، واعملوا به ولا تيئسوا، ولا يأخذكم السأم عن أن تسمعوا كل قول حتى تصلوا إلى الحق الذي تبتغونه.
وأما الأمر الكلي فهو أن الله لَا يهدي القوم الفاسقين، ومعنى عدم هدايتهم أنهم بسبب ما اكتسبوا من سيئات الفسق، وما أحاطت به خطيئاتهم أصبح الحق لَا يدخل إلى قلوبهم، فلا يهتدون لأن الفسق صار شأنا من شئونهم، ولا يمكن أن تلتقي الهداية مع الفسق في قلب من فسق عن أمر ربه. اللهم جنبنا الباطل وأهله، إنك سميع مجيب.
* * *
(يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١٠٩) إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (١١٠)
* * *
الكلام من قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ. . .). كان في أهل الكتاب، ومعاندة اليهود، وتحريف
стр. 3094
النصارى عقيدة المسيح ﵇، ثم بين سبحانه علاقة المسلمين بالمشركين واليهود، ومن جاورهم من النصارى، وبين أن الأخيرين كانت علاقتهم بالمسلمين مودة، وذكر الرهبان عندهم، وبين بهذه المناسبة إباحة القرآن للطيبات، وأشار إلى تحريمه للخبائث في ذاتها بتحريم الخمر، ثم أشار إلى ما حرم من مكان معلوم ووقت معلوم ثم ذكر مكانة الكعبة، وما حرمه المشركون على أنفسهم من غير حجة ولا سلطان مبين، ثم تكلم عن شهادة أوصياء الميت إذا مات غريبا وكان المناسب بعد ذلك أن يتكلم عن حال الناس بعد أن يجمعوا يوم القيامة، ومقالة الرسل لمن بعثوا إليهم، وأخصهم عيسى ﵇ الذي ادعيت أولوهيته، فقال تعالت كلماته:
стр. 3095
(يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوب) قال كثيرون من المفسرين، وعلى رأسهم إمام البلاغة الزمخشري: إن هذه الآية غير مقطوعة عن سابقتها من ناحية السياق اللغوي؛ لأن (يَوْمَ) متعلق بقوله سبحانه: (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا): أي اتقوا الله تعالى واسمعوا الحق وأنصتوا إليه يوم القيامة يوم يجمع الله الرسل، ويسألهم عن إجابة أقوامهم لدعواتهم الحق، ويصح أن تكون متعلقة بقوله تعالى: (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ).
والمعنى، والله لَا يهدي القوم الفاسقين إلى ما فيه نعيم يوم القيامة، يوم يجمع الله الرسل ويسألهم؛ لأن اليوم ليس بيوم تكليف ولكنه يوم جزاء، ويكون الفسق شاملا للكفر؛ لأن الكافر فاسق عن أمر ربه.
وبعض المفسرين، قطع الآية عما قبلها واعتبرها إنذارا مبتدءا، وقالوا إن قوله سبحانه: (يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ). متعلق بمحذوف مقدر هو - اذكر - لأهل الكتاب يوم يجمع الله الرسل. . . . في هذا اليوم المشهود يقول الله تعالى مخاطبا رسله الأكرمين بالتجلى عليهم:
(مَاذَا أُجِبْتُمْ). والمعنى أي إجابة أجبتموها؛ وذكر بالبناء للمفعول، ولم يذكر أقوامهم، فلم يقل ولله المثل الأعلى أي إجابة أجاب أقوامكم، تحقيرا
стр. 3096
لأولئك الأقوام، إذ جهلوا مع أسباب العلم، وكفروا مع قيام ذرائع الإيمان، ولأن الصلة بينهم وبين رسلهم قد قطعت يوم القيامة، فلا ينالون شرف الاتصال بهم، إذ الاتصال كان للهداية وقد حرموها.
وكانت إجابة الرسل: (لا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) أي إنك أنت وحدك العالم علما ليس فوقه علم؛ لأن التعبير بصيغة المبالغة:
(عَلَّامُ الْغُيُوبِ) أي لكل ما يغيب عن الناس أجمعين، وما يغيب عنهم.
ولكن لماذا نفوا عن أنفسهم العلم، مع أن عندهم بعض العلم؟ وقد أجيب عن ذلك بأنهم علموا أن المقصود استنكار حال من بعثوا إليهم وتوبيخهم، فساروا على مقتضى السياق، وقالوا: لَا علم لنا في هذا بل أنت الأعلم، وقيل في الجواب عن هذا: إنهم كانوا في حال ذهول، فنفوا عن أنفسهم العلم في حال ذهولهم، وقيل في الجواب أيضا: إنهم استحقروا علمهم بجوار علم الله تعالى، وقيل: إن علمهم كان بمن عاصروهم لَا بمن جاء بعدهم، وقد جاء في الكشاف في توضيح الجواب الأول ما لَا يغني عنه التلخيص، فقال - أي الزمخشري ﵁:
(فإن قلت: كيف يقولون لَا علم لنا، وقد علموا بما أجيبوا؟ قلت: يعلمون أن الغرض من السؤال توبيخ أعدائهم، فيكلون الأمر إلى علمه وإحاطته بما منوا به منهم وكابدوا من سوء إجابتهم إظهارا للتشكي، واللجأ إلى ربهم في الانتقام منهم وذلك أعظم على الكفرة، وأفتّ في أعضادهم، وأجلب لحسرتهم وسقوطهم في أيديهم، إذا اجتمع توبيخ الله تعالى وتشكي أنبيائه عليهم، ومثاله أن ينكب بعض الخوارج على السلطان وخاصة من خواصه نكبة قد عرفها السلطان، واطلع على كنهها، وعزم على الانتصار له منه، فيجمع بينها، ويقول: ما فعل بك هذا الخارجي، وهو عالم بما فعل به يريد توبيخه وتبكيته، فيقول له: أنت أعلم بما فعل بي، تفويضا للأمر إلى علم سلطانه، واتكالا عليه، وإظهارا للشكاية، وتعظيما لما حل منه، وقيل: من هول ذلك اليوم يفزعون ويذهلون عن الجواب،
стр. 3097
ثم يجيبون بعد ما تثوب إليهم عقولهم بالشهادة على أنفسهم، وقيل معناه: ساقط مع علمك ومغمور؛ لأنك علام الغيوب، ومن علم الخفيات لم تخف عليه الظواهر التي فيها إجابة الأمم لرسلهم، وقيل: لَا علم لنا ما كان منهم بعدنا، وإنما الحكم للخاتمة، وكيف يخفى عليهم أمرهم، وقد رأوهم سود الوجوه موبخين).
ولقد كان الذين أرسل إليهم منهم من حرَّف الدعوة، وجحد بعضها، ومنهم من آمن، ولكن الذين حرفوا من المسيحيين لم يحرفوا الدعوة فقط، بل تكلموا في شخص المسيح ﵇، وأخرجوه من البشرية في زعمهم وافتروا له الألوهية، ولذلك خصه الله تعالى بذكر ما يكون له يوم القيامة، وما أجرى من معجزات على يديه:
* * *
стр. 3098
(إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا ... (١١٠)
* * *
" إذ " هنا بدل من يوم يجمع الله الرسل، أي اتقوا الله واسمعوا يوم الجمع، ووقت أن يخاطب عيسى ﵇ بهذا الخطاب، وعيسى ﵇ بعث في قوم لَا يؤمنون إلا بالمادة، وبالأسباب الظاهرة، ويسندون كل أمر في هذا الوجود إلى سبب يعلمونه، لَا يؤمنون بالروحانيات، ويكفرون بما لَا يعلمون بالأسباب، فجاء عيسى ﵇ روحانيا ظاهر الروحانية، وجاء من غير أب ليكون شخصه خرقا للأسباب، ولتكون مظاهر حياته دافعة للمادة، يخاطب الله عيسى ﵇ بقوله تعالى: (يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ). وفي هذا النداء إشارة إلى أنه ابن مريم لَا ابن أحد سواها فقد ولد من غير أب، والإله أو ابن الإله لَا يمكن أن يكون متولدا، ولا يمكن أن يكون محدثا ومخلوقا، فهذا النداء في ذاته مع بيان حقيقة سيدنا المسيح ﵇ رد عليهم وعلى افترائهم في وقت لَا يستطيعون فيه تمويه الباطل وتزيينه بقول الزور والبهتان الآثم.
стр. 3099
وقد ذكر عيسى ﵇ في ذلك اليوم المحشود، وما كان التذكير إلا للمبطلين الذين افتروا عليه، وهو سرد لنعم الله تعالى على عيسى وأمه، وأنه مخلوق من فضل الله، وما أُعطي من خواص فبفضل من الله تعالى، وهو مانحها ومعطيها، وما دام هو المانح، وهو المعطي، فلا فضل لعيسى على أحد إلا بفضل من أعطى، ولا يمكن أن يكون له ولدا أو قرينا.
وابتدأ سبحانه بتذكير نعمته عليه وعلى أمه، ونعمته على والدته مشهورة في القرآن قد ذكرها في سورة آل عمران فقال: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤) إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٣٦) فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٧).
إلى أن قال سبحانه: (وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (٤٢) يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣).
كانت السيدة مريم - على هذا النسق المتلو - مصطفاة من قوم مصطفين أخيار أطهار وكفلها نبي، وخاطبتها الملائكة حتى قال الأكثرون إن فيها نبوة ولا يعلم أن أنثى كانت من الأنبياء غيرها.
ونعمة الله تعالى على سيدنا عيسى ذكرها الله تعالى بقوله تعالى:
(إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا) نعمتان ذاتيتان كانتا مع شخص المسيح ﵇ وليس فيهما أمر كسبي، بل فيهما خلق روحاني، أما الأولى، وهي التأييد بروح القدس فلها تخريجان أو هما معا، أولهما - أن الله تعالى أيده بطبيعة روحانية مطهرة في وقت سادت فيه المادية
стр. 3100
وسيطرت، فخلق الله تعالى فيه تلك الطبيعة الروحانية، فمعنى قوله روح القدس روح الطهارة والنزاهة والكمال الذي اتسم به، وأي نعمة أجل من هذه النعمة، والتخريج الثاني أن معنى أيدناه بروح القدس أيدناه بجبريل ﵇، فقد عبر في القرآن بروح القدس وأريد به جبريل، كما قال تعالى: (قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ).
وعندي أن الأمرين يجوز جمعهما، وكلاهما صادق فعيسى ﵇ كان روحانيا مطهرا، وكان مملوءا بالروح المطهرة، وأيده جبريل هو وأمه، كما قال تعالى، في تبشيرها بالمسيح ﵇ وولادته: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (١٦) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (١٧) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (١٩) قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠) قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (٢١) فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (٢٢) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (٢٣) فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦) فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (٢٧) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣).
هذه نعمة التأييد، وهناك نعمة أخرى هي في ذاتها نعمة، ولذا ذكرت منفصلة مقرونة بكلمة " إذ " أي اذكر - وهي أنه تكلم في المهد، أي تكلم وهو مولود، فالمهد مكان تربية الطفل عقب ولادته، وذلك تأييد لبراءة مريم البتول
стр. 3101
وذكر كلامه وهو كهل، عندما استوى رجلا مكتملا، للإشارة إلى أن كلامه وهو في المهد يشبه كلامه وهو رجل مكتمل، وتلك حكمة الله تعالى، وبيان أن الأسباب لَا تتقيد بها إرادة الله تعالى.
(وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ) كان ما سبق هداية ربانية صرفة، وتأييدا لصدق أمه وبراءتها، وإرهاصا بنبوته، وهو منحة ليس لكسب العبد فيه إرادة، وهذه النعمة الأخيرة التي جاء بها ذلك النص الحكيم هي نعمة للعبد فيها كسب، وللإرادة البشرية فيها مكان فوق أنها جميعا لله تعالى، ولذلك أضاف سبحانه التعليم إليه، فالتعليم منه سبحانه، والتعلم من عيسى ﵇، والكتاب، يفسره بعض العلماء بالكتابة، فلم يكن عيسى ﵇ أميا، بل كان قارئا لأن معجزاته الكبرى لم يكن كتابا منزلا من عند الله يتحدى به البشر أن يأتوا بمثله، ولأنه لم يكن في قوم أميين، بل كان في قوم فيهم علم الكتابة وفيهم الدراسة والبحث ولهم فلسفة.
وفسر الكتاب بعض العلماء بما سبقه من كتب النبيين كزبور داود وما جاء عن أخبار سليمان وإبراهيم ﵇ وإسحاق ويعقوب والأسباط.
ويصح أن يراد الأمران، وهو ما نختاره، فالله قد ألهمه تعلم الكتابة وقرأ بها كتب النبيين وأخبار من سبقوه.
والحكمة هي في العرف الأدبي العام العلوم النافعة، والكلام المحكم الدقيق العميق الذي يكشف للناس عن أسرار هذا الوجود، ونفوس الناس، ويوجهها إلى الخير، ويدخل في الحكمة على هذا كل التعليمات المرشدة الهادية إلى مكارم الأخلاق، وقد كان سيدنا عيسى ﵇ نبيا حكيما مرشدا أمينا.
وعلم الله تعالى رسوله الأمين التوراة التي نزلت على موسى والإنجيل الذي نزل عليه صلوات الله تعالى وسلامه عليه، ولماذا ذكر التوراة مع أنها قد تكون داخلة في ضمن الكتاب الذي علمه أولا؟ ونقول في الجواب عن ذلك، بأن التوراة تحتمل الدخول في الكتب المذكورة أولا، وتحتمل أن يقصد
стр. 3102
بالكتاب الثقافة العامة الدينية وما كان شائعا من أفكار مدونة في عصره، وبذلك لا تشتمل التوراة، وتحتمل اشتمال كلمة الكتاب الذي يراد به الجنس على التوراة، ويكون تخصيصها بالذكر مقترنة بالإنجيل، للإشارة إلى أنهما متلازمان وأن الإنجيل الذي جاء به عيسى ﵇ متمم للتوراة التي جاء بها موسى ﵇، وأنه منفذ لأحكامها إلا ما جاء به الإنجيل ناسخا لها.
بعد هذا التعليم الذي علمه لعيسى ﵇ أخذ يذكر بعض معجزاته، وهي كبراها، فقال:
(وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي) كل معجزاته ﵇ كانت من جنس طبيعته التي فطره الله تعالى عليها، لقد كانت ولادته خارقة للعادة؛ إذ خلقه الله من غير أب يلقي النطفة في رحم، بل ولد من أم من غير أب، لبيان أن الله تعالى لَا تحكمه الأسباب التي تجري في مجرى العادات، إنما هو سبحانه خالق الأسباب والمسببات فعال لما يريد، لا تخضع إرادته لسلطان ، فمعجزات عيسى كلها بيان لأن الله تعالى فوق قاعدة السببية التي كانت مسيطرة في ذلك العصر المادي الذي كان لا يذعن إلا للأسباب والمسببات المادية.
وهذه المعجزة باهرة قاطعة في أن الخالق لهذا الكون لَا تحكمه الأسباب، إذ إن الناس يجدون أسباب الخلق هو التوالد بأن تحمل الأنثى من ذكر، وتلد، ثم يكون الحي من بعد ذلك، فيكون من خرق الأسباب أن يكون الحي بإجراء الحياة على يد مخلوق لله تعالى، فقد أذن لعيسى ﵇ أن يصور من الطين كهيئة الطير، فمعنى " خلق " هنا هو تصويره جسدا من الطين، وجعله على شكل طائر، ثم نفخ فيه بإذنه سبحانه، فيكون طيرا بإذن الله تعالى.
وذكرت كلمة (بإذني) عند تصوير شكل الطير، وعندما صار طيرا؛ للإشارة إلى أن كل ذلك من عند الله، وأنه الخالق وليس عيسى هو الخالق، ولكنه أجرى الخلق على يديه.
стр. 3103
(وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي) الأكمه هو المولود أعمى، ويقال لمن طمست عينه بفقء أو نحوه: كمهت عيناه، والبرص داء إلى الآن لم يوجد له دواء يشفيه وقد يوجد دواء يجعله أسهل احتمالا مع بقائه.
وقد كان سيدنا عيسى يبرى الأكمه بإذن الله تعالى فيجعله مبصرا، وذلك يشبه إيجاد الحياة في غير الحي؛ لأن إيجاد البصر في غير المبصر، والمولود غير مبصر، وغير قابل للإبصار بحكم الأسباب الطبيعية يعد إنشاء وإيجادا، ويقاربه علاج البرص، لأنه بدوامه يشبه الذي يكون جبلة، وإذا كانوا لَا يعرفون سببا للشفاء فالله تعالى خالق الأسباب أجرى الشفاء على يدي عيسى ﵇، لأنه سبحانه فعال لما يريد، وكان معجزة لعيسى ﵇.
وهناك معجزة رابعة، وهي إحياء الموتى، وقد ذكرت هذه المعجزة في سورة آل عمران على لسان عيسى ﵇ بما حكاه الله تعالى عنه بقوله: (وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ. . .). والمذكور هنا هو قوله تعالى:
(وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي) والنصان يتلاقيان في المؤدى، وإن اختلفا في اللفظ، فالأول يفيد أن سيدنا عيسى ﵇ قد أجرى الله تعالى على يديه إحياء الموتى إذا لم يكن قد دفن، وذلك ما يدل عليه النص الأول، والثاني يدل على أنه قد أجرى الله تعالى على يديه إحياء الموتى بعد دفنها ووضعها في قبورها، فقد كان ﵇ يجري الله تعالى على يديه إخراجها من القبور أي أنها تحيا في قبرها، وتخرج إلى الوجود في حياة.
وإحياء الموتى بعد الدفن أو قبل الدفن غير تصوير الطين طيرا ثم النفخ؛ لأن هذا إيجاد للحياة في جماد، والثاني إعادة للحياة وقد ذكرت كلمة (بإذني) في كل هذا، لبيان أن العمل ليس لعيسى، وإن جرى على يديه، إنما هو لله خالق كل شيء.
وقد كان موجب هذه البينات الباهرة القاهرة أن يؤمنوا، ولكن بني إسرائيل فيهم عناد وطغيان فكفر كثيرون، وهموا بأذى عيسى ﵇ فكانت نعمة
стр. 3104
الله تعالى عليه أن يكفهم عنه، فقال تعالى: (وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ). لا تزيد الحجة المتعنت إلا طغيانا وكفرا، وكلما قويت الحجة تحركت في نفسه عوامل الحسد والحقد، فأوجدت ضغنا فيطمس الله تعالى على بصيرته، فلا يدرك.
جاءهم عيسى ﵇ بالبينات أي الحجج المبينة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، فناوءوه العداوة، لأنه كانت لهم الرياسة الدينية، وهذه الحجج إن اتبعوا ما توجبه حسبوا أن الرياسة تذهب منهم، فقاوموها، ولا يمكن أن يقاوم صاحب الحق إلا بالباطل، ولا يمكن أن يقاوَم صاحب الحجة والبرهان الساطع إلا بالباطل، لذلك قاوموا بطرق ثلاثة كلها شر، حاربوه بتأليب الناس ودعوة أتباعهم إلى الإعراض عنه، وحاربوه ثانيا بالأذى ينزلونه به، والتحريض عليه، والائتمار به، ولكن دعوته كانت تنفذ إلى القلوب من غير حجاب، وذلك لأن الله كف عنه أذاهم، ولما يئسوا منه خلصوا إلى الطريق القاتل، وهو الدس عند ذوي السلطان، وكانت نعمة من الله تعالى عليه أعظم وأوضح، فقد نجاه الله تعالى من أيديهم، كما قال تعالى: (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ ولَكِن شُبّة لَهُمْ. . .). وقوله تعالى: (ومَا قَتَلُوهُ يَقِينًأث بَل رَّفَعَة اللَّهَ إِلَيْهِ. . .).
كف الله تعالى الأذى عن سيدنا عيسى ﵊ وقد كفروا مع ظهور هذه الآيات الباهرة التي فيها البرهان القاطع الذي لَا يقبل جدلا، أشار الله تعالى إلى ما اتخذوه من تعلات بقوله تعالت كلماته: (فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْر مُّبِينٌ).
أي إذا كانت هذه البينات ظاهرة، فهي لَا ترفع اللجاجة من الذين كفروا وجحدوا، لأن الذين يكفرون بالحق عندما يجيئهم يسارعون بالكفر، ثم يحاولون أن يوجدوا ما يبرر كفرهم، كشأن كل من يحكم بالباطل يسارع إليه، لأنه غاية
стр. 3105
مراده له، ثم يتلمس التعلات لكفره، أو بعبارة أخرى يحكمون بالباطل، ثم يحاولون سماع الشهادات الباطلة التي تؤيد ذلك الباطل، لقد قالوا إن كل ما فعله عيسى ﵇ من تصوير الطير والنفخ فيه بالحياة، وإبراء الاكمة والأبرص وإحياء الموتى - ما هو إلا سحر مبين، أي بين واضح مع أنه أمور واقعة محسوسة، وليست تمويها باطلا خادعا، ولا تخييلا غير واقع، مما يدل على أن المبطل اللجوج لَا يقنعه دليل مهما يكن، اللهم اجعلنا مع الحق، وللحق.
* * *
(وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (١١١) إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢) قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (١١٣) قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١٤) قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (١١٥)
* * *
стр. 3106
قوله تعالى:
стр. 3107
(وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي) والوحي معناه الإلهام ويكون على أقسام: وحي بمعنى إرسال جبريل إلى الرسل ﵈. ووحي بمعنى الإلهام كما في هذه الآية؛ أي ألهمتهم وقذفت في قلوبهم؛ ومنه قوله تعالى: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى. . .)، ووحي بمعنى الإعلام في اليقظة والمنام. قال أبوعبيدة: أوحيت بمعنى أمرت، و (إِلَى) صلة؛ يقال: وحى وأوحى بمعنى؛ قال الله تعالى: (بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا).
* * *
قوله تعالى:
стр. 3108
(إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ... (١١٢)
* * *
ما تقدم من الأعراب (هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ) (أَن ينَزِّلَ) يستطيع بمعنى يطيع؛ كما قالوا: استجاب بمعنى أجاب، وكذلك استطاع بمعنى أطاع. وقيل المعنى: هل يقدر ربك، وكان هذا السؤال في ابتداء أمرهم قبل استحكام معرفتهم بالله ؛ ولهذا قال عيسى في الجواب عن غلطهم وتجويزهم على اللَّه ما لَا يجوز: (اتَّقُوا اللَّهَ إِن كُنتُم مؤْمِنِينَ) أي لَا تشكو في قدرة الله تعالى.
وهذا فيه نظر؛ لأن الحواريين خلصان الأنبياء ودخلاؤهم وأنصارهم كما قال: " من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله ". ومعلوم أن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم جاءوا بمعرفة الله تعالى وما يجب له وما يجوز ما يستحيل عليه وأن يبلغوا ذلك أممهم؛ فكيف يخفى ذلك على من باطَنَهُم واختص بهم حتى يجهلوا قدرة الله تعالى؛ إلا أنه يجوز أنه يقال: إن ذلك صدر ممن كان معهم، كما قال بعض جهال الأعراب للنبي ﷺ : اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط (١)، وقيل: إن القوم لم يشكوا في استطاعة الباري سبحانه لأنهم كانوا مؤمنين عارفين عالمين، وإنما هو كقولك للرجل: هل يستطيع فلان أن يأتي وقد علمت أنه يستطيع؛ فالمعنى: هل يفعل ذلك؛ وهل ييجيبني إلى ذلك أم لَا؟ وقد
стр. 3109
كانوا عالمين باستطاعة الله تعالى لذلك ولغيره علم دلالة وخبر ونظر فأرادوا علم معاينة كذلك، كما قال إبراهيم ﷺ : (. . . رَبِّ أَرِنِي كيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى).
على ما تقدم، وقد كان إبراهيم عَلِم لذلك علْمَ خبر ونظر، ولكن أراد المعاينة التي لَا يدخلها ريب ولا شبهة، لأن عِلم النظر والخبر قد تدخله الشبهة والاعتراضات، وعلم المعاينة لَا يدخله شيء من ذلك؛ ولذلك قال الحواريون: (وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا) كما قال إبراهيم: (. . . وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي. . .).
(قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ) أي اتقوا مغاضبه وكثرة السؤال؛ فإنكم لَا تدرون ما يحل بكم عند اقتراح الآيات؛ إذ كان الله إنما يفعل الأصلح لعباده. (إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) أي إن كنتم مؤمنين به وبما جئت به، فتعد جاءكم من الآيات ما فيه غِنى. قوله تعالى:
* * *
стр. 3110
(قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا ... (١١٣)
* * *
نُصب بـ " أنْ ". وقوله: (وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ) عطف كله، بينوا به سبب سؤالهم حين نُهوا عنه. وفي قولهم: (نَأكُلَ مِنْهَا) وجهان: أحدهما - أنهم أرادوا الأكل منها للحاجة الداعية إليها، وذلك أن عيسى ﵇ كان إذا خرج اتبعه خمسة آلاف أو أكثر، بعضهم كانوا أصحابه، وبعضهم كانوا يطلبون منه أن يدعو لهم لمرض كان بهم أو عِلَّة، إذ كانوا زَمْنَى أو عميانا، وبعضهم كانوا ينظرون ويستهزئون. فخرج يوما إلى موضع فوقعوا في مفازة، ولم يكن معهم نفقة فجاعوا وقالوا للحواريين: قولوا لعيسى حتى يدعو بأن تنزل عليهم مائدة من السماء، فقال عيسى لشمعون: (قَال اتَّقُوا اللَّهَ إِن كُنتم مُّؤْمِنِينَ) فأخبر بذلك شمعون القوم فقالوا له: قل له: (نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا) الآية. الثاني - (نَأْكُلَ مِنْهَا) لننال بركتها لَا لحاجة دعتهم إليها، وقولهم: (وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا) يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها - تطمئن إلى أن الله تعالى بعثك إلينا نبيا. الثاني - تطمئن إلى أن الله تعالى قد اختارنا لدعوتنا. الثالث - تطمئن إلى أن الله تعالى قد أجابنا إلى ما سألنا؛ وقيل: أي تطمئن بأن الله قد قبل صومنا وعملنا. (وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا) بأنك رسول الله. (وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ) للَّه بالوحدانية، ولك
стр. 3111
بالرسالة والنبوة. وقيل: (وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ) لك عند من لم يرها إذا رجعنا إليهم.
* * *
قوله تعالى:
стр. 3112
(قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا ... (١١٤)
* * *
اللهم أصلها يا الله، والميمان في " اللهمَّ " بدل من " يا "، (رَبَّنَا) نداء ثان، (أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ) المائدة الخُوَان الذي عليه الطعام، لَا تكون المائدة حتى يكون عليها طعام، فإن لم يكن قيل: خِوان، وهي فاعلة من مَادَ عبده إذا أطعمه وأعطاه؛ فالمائدة تمد ما عليها أي تعطى، وقوله تعالى: (تَكُونُ لَنَا عِيدًا)، (تَكُونُ) نعت لمائدة وليس بجواب.
(عِيدًا لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا) أي لأول أمتنا وآخرها، فقيل: إن المائدة نزلت عليهم يوم الأحد غدوة وعشية؛ فلذلك جعلوا الأحد عيدا. والعيد واحد الأعياد؛ وإنما جمع بالياء وأصله الواو للزومها في الواحد، ويقال: للفرق بينه وبين أعواد الخشب، وقد عيدوا أي شهدوا العيد؛ وقيل: أصله من عاد يعود أي رجع فهو عود بالواو، فقلبت ياء لإنكسار ما قبلها، مثل الميزان والميقات والميعاد؛ فقيل ليوم الفطر والأضحى: عيدا لأنهما يعودان كل سنة. وقيل: سمي عيدا للعود في المَرَح والفَرَح، فهو يوم سرور الخلق كلهم؛ وقيل: سمي عيدا لأن كل إنسان يعود إلى قدر منزلته؛ ألا ترى إلى اختلاف ملابسهم وهيئاتهم ومآكلهم فمنهم من يضيف ومنهم من يضاف، ومنهم من يَرحَم ومنهم من يُرحَم. وقيل: سمي بذلك لأنه يوم شريف تشبيها بالعيد: وهو فحل كريم مشهور عند العرب وينسبون إليه، فيقال: إبل عيدية؛ قال: - " عِيدِيَّةٌ أَرهِنَت فيهَا الدنانِير وقرأ زيد بن ثابت (لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا) على الجمع. قال ابن عباس: يأكل منها آخر الناس كما يأكل (منها) أولهم.
قوله تعالى:
* * *
стр. 3113
(قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ ... (١١٥)
* * *
هذا وعد من الله تعالى أجاب به سؤال عيسى كما كان سؤال عيسى إجابة للحواريين، وهذا يوجب أنه قد أنزلها ووعده الحق، فجحد القوم وكفروا بعد نزولها مُسِخوا قِردة وخنازير. قال ابن
стр. 3114
عمر: إنَّ أشدَّ الناس عذابا يوم القيامة المنافقون ومن كفر من أصحاب المائدة وآل فرعون، قال الله تعالى: (فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ). واختلف العلماء في المائدة هل نزلت أم لَا؟ فالذي عليه الجمهور - وهو الحق - نزولها، لقوله تعالى: (إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ). وقال مجاهد: ما نزلت وإنما هو ضَرْبُ مَثَلٍ ضَرَبه الله تعالى لخلقه فنهاهم من مسئلة الآيات لأنبيائه. وقيل: وعدهم بالإجابة فلما قال لهم: (فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ) - الآية. واستغفروا الله وقالوا: لَا نريد هذا، وهذا القول والذي قبله خطأ، والصواب أنها نزلت. قال ابن عباس: إن عيسى ابن مريم قال لبني إسرائيل: " صوموا ثلاثين يوما ثم سَلُوا الله ما شئتم يُعْطيكم " فصاموا ثلاثين يوما وقالوا: يا عيسى لو عملنا لأحد فقضينا عملنا لأطعَمَنَا، وإنا صمنا وجُعنا فادع الله أن ينزل علينا مائدة من السماء، فأقبلت الملائكة بمائدة يحملونها، عليها سبعة أرغفة وسبعة أحوات، فوضعوها بين أيديهم فأكل منها آخر الناس كما أكل أولهم.
وعن ابن عباس وأبى عبد الرحمن السُلَميّ كان طعام المائدة خبزا وسمكا.
وخرّج التِّرمذيّ في أبواب التفسير عن عمّار بن ياسر قال: قال رسول الله ﷺ : " أنزلت المائدة من السماء خبزا ولحما وأُمِروا ألا يَخونوا ولا يَدَّخروا لغد فخانوا وادّخروا ورَفعوا لغدٍ فَمُسِخوا قِرَدة وخنازير " (١).
* * *
(وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦)
стр. 3115
مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧)
* * *
الكلام إلى الآن في محاسبة الناس يوم القيامة ومجاوبتهم بشأن عيسى ابن مريم من حيث إنهم نحلوه ما ليس فيه، وادعوا ما لم يقله، فادعوا عليه الألوهية هو وأمه فكانت المجاوبة حول هذه الفرية التي افتروها، وذلك الوهم الذي توهموه وادعوه على المسيح ﵇.
стр. 3116
(وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ) العطف هنا على قوله تعالى: (يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّه الرُّسُلَ. . .). فإن
هذا كله صورة للمجاوبة التي تكون يوم القيامة بين الرسل، وأقوامهم، ومن بعثوا إليهم بشكل عام، وخص عيسى ﵇ في هذا المقام بالمجاوبة؛ لأنه كان أكثر الرسل افتراء على شخصه النبوي الكريم، إذ ادعوا عليه الألوهية، وكان نداؤه بذكر: (يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ) للإشارة إلى الولادة الطبيعية التي تنفي أن يكون إلها أو ابن إله، أو فيه عنصر الألوهية بأي وضع من الأوضاع؛ لأن الألوهية والبشرية نقيضان لَا يجتمعان، فلا يمكن أن يكون البشر فيه ألوهية، ولا الإله فيه بشرية، ومعنى (اتخذوني)، اجعلوني، والتعبير بـ اتخذوني أو اجعلوني يدل على أنه ليس له حقيقة، بل هو في ذاته اتخاذ بما لَا أصل له.
والاستفهام للتقرير، أي ليقر عيسى ﵇ بخلافه، ذكر الحقيقة في ذلك اليوم الذي لَا تجزي نفس عن نفس شيئا، والذي يتقرر الجزاء وليس وقت العمل، فيه توبيخ لهم، وتكبير لذنوبهم، وبيان لافترائهم، وعظمه وهو من قبيل إحضار أعمالهم وأقوالهم، وبذلك يرد الاعتراض الذي يورده العلماء إذ يقال كيف يسأل الله تعالى عيسى وهو يعلم أنه لم يقل شيئا من هذا، ولا
стр. 3117
يمكن أن يدعي لنفسه ما ادعوه له؛ فالسؤال ليقر في المشهد العظيم بكذبهم وافترائهم على الله ، وفي ذلك أبلغ توبيخ، وتجسيم لذنبهم وأوهامهم، وافترائهم على الله . والذين قالوا: إن عيسى وأمه إلاهان هم البربرانية من طوائف النصارى، ولم يستنكره غيرهم، فكأنهم أقروه، والذين لم يقروه، قالوا: إن الله ثالث ثلاثة الآب والابن وروح القدس.
والذين قالوا: إن عيسى وأمه آلهان من دون الله لم ينفوا ألوهية الله إذ لم يعرف عنهم أنهم نفوها، حتى يقال عنهم: إنهم قالوا: إن عيسى ابن مريم وأمه إلهان من دون الله أي غيره، والجواب عن ذلك أن من لم يؤمن بوحدانية الله تعالى بل أشرك غيره معه لَا يقال: إنه آمن بالله، واعترف بألوهية الله ، لأنه لَا يعبد إلا الله وحده، أو نفسر (مِن دُونِ اللَّهِ) أي خلاف الله فكأنهم قالوا: إن هناك اثنين مع الله تعالى. . تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.
وقد بين الله تعالى إجابة عيسى ﵇ بقوله:
(قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ) س بحانك معناها تنزيها لك عن هذا القول وتقديسا، وهي منصوبة على أنها مصدر لفعل محذوف، وتصدير سيدنا عيسى في ذلك اليوم المشهود - كلامه بذلك للدلالة على أنه أمر لا يليق في ذاته، فلا يمكن أن يصدر عن عاقل يعي ما يقول ويدركه، ففيه نفي مطلق للشرك وبيان للنزاهة والتقديس، وأنه هو الذي يسبح له وحده ثم بعد هذا التنزيه المطلق الذي كان نفيا مطلقا، أخذ ينفي عن نفسه هذا الكلام المحال، فنفي عنه بأنه ليس من شأنه أن يقول مثل هذا القول، بل ذكر استحالة أن يصدر عنه، وقال: (مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ). وفي هذا تأكيد للنفي من وجوه ثلاثة:
أولها - أنه نفَى أن يكون شأنه ذلك القول، فلا يمكن أن يصدر عنه، فهو لم ينف القول فقط، بل نفَى احتمال أن يقول، ونفَى احتمال القول أقوى في الدلالة من نفي المقولة.
стр. 3118
ثانيها - أن كلامه يدل على أن ذلك غير معقول في ذاته، فكيف يقول.
ثالثها - أنه أثبت أنه مستحيل قوله لأنه ليس بحق. (إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ). هذه الجملة تأكيد لنفي ما سئل. عنه، وهو أنه قال: (اتَّخِذُونِي وَأمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ).
إذ إنه لو كان قد حصل لعلمه الله تعالى، وما دام لم يعلمه، فهو لم يقع، ولا يمكن أن يقع؛ لأن الله لَا يغيب عن علمه شيء في الأرض ولا في السماء، وفى هذا النص فوق دلالته على عدم الوقوع بأبلغ تعبير إثبات شمول علم الله تعالى، وإنه بكل شيء محيط، وقد زكى هذا المعنى الجليل بقوله: (تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ). ففي هذا النص إثبات قصور علم الإنسان بجوار علم الله تعالى، وإثبات أن علم الله تعالى شامل لمطويات القلوب، وعلم الإنسان مقصور على ما يظهر من الجوارح فالله يعلم ما يخفَى في الصدور، والإنسان لا يعلم إلا ما هو ظاهر محسوس، أو ما يكشف عنه الظاهر المحسوس، فلا يعلم ما الخفي إلا ما يظهره الجلي، والنص يدل على نفي الألوهية من جهة ثالثة، لأن علم الله شامل لكل شيء لَا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، وعلم عيسى من النوع القاصر الذي لَا يحيط إلا بالمحسوس أو ما ينبئ عنه المحسوس، فهو نفي للألوهية من طريق العلم، ثم هو موازنة من جهة ثانية بين نفس الإنسان المكشوفة لخالقه، وذات الله تعالى التي لَا يعلم البشر عنها إلا وحدانيتها، وما يعلمه للإنسان منها.
وقد أكد عيسى علم الله تعالى المحيط الذي يعلو عن الصفات البشر بقوله: (إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) أي إنك يا صاحب الجلالة تقدست أسماؤك تعلم الأمور المغيبة عن حسنا، والمكنونة في المستقبل علما دقيقا لَا يخفى منه شيء عليك، ولذلك عبر بصيغة المبالغة الدالة على الكثرة، وعلى الدقة وعلى الإحاطة
стр. 3119
التامة الكاملة وأنه يعلم ما بطن كعلمه بما ظهر، فإن ما ظهر وما بطن هو بالنسبة لنا نحن بني الإنسان، وأما بالنسبة لله تعالى فإن الجميع مكشوف غير مستور.
وقد أكد علم الله تعالى للغيب بأربعة مؤكدات: أولها - بـ " إنَّ " المؤكدة.
ثانيها - بالضمير المؤكد في قوله تعالى: (أَنتَ).
وثالثها - بصيغة المبالغة التي تعد مبالغة بالنسبة للعبيد، ولكنها حقيقة فوق ما نتصور بالنسبة لله تعالى العليم الحكيم، وإن هذا أقصى ما تتسع له لغتنا القاصرة عن التعبير عن الحقائق الإلهية.
رابعها - جمع الغيوب، فلم يفرد الغيب، بل قال الغيوب بكل أنواعها ما وقع في الماضي، وما يقع في المستقبل وما يتعلق بالكائنات كلها الروحاني منها والمادي، والكل خلقه سبحانه، من طيور في الهواء، وأسماك في الماء، وملائكة، وجن، وإنس، وهكذا كل ما هو غيب في ذاته، أو بالنسبة للبشر، أو لطوائف منهم.
* * *
стр. 3120
(مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ ... (١١٧)
* * *
هذا الكلام السامي في تأكيد القول الأول، وهو إثبات تنزيه الله تعالى، وأنه ما دعا إلا إلى الوحدانية، ولقد كان كل هذا في مقام التوبيخ وإثبات الحجة عليهم، وعقابهم على كفرهم، وافترائهم على الله تعالى ربهم، وعلى عيسى ابن مريم رسوله سبحانه إليهم.
والجملة السامية السابقة فيها إثبات استحالة أن يكون قد قال " اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ "، فهي تفى بالدليل، وهي هذه الجملة السامية فيها نفي، وإثبات. فيها نفي القول الذي نسبوه بهتانا إليه، وفيه إثبات ما قاله، ولم يقل سواه، ولذلك كان فيه قصر بالنفي والإثبات، فهو يذكر أنه دعا إلى التوحيد المطلق، وفيه إثبات أنه لا يمكن أن يدعو إلا إلى التوحيد المطلق، وذلك لثلاثة أمور: