← Тафсир

Тафсир · id 37071

زهرة التفاسير

محمد أبو زهرة

Полный текст (8 373 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.

стр. 3116

(وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ) العطف هنا على قوله تعالى: (يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّه الرُّسُلَ. . .). فإن هذا كله صورة للمجاوبة التي تكون يوم القيامة بين الرسل، وأقوامهم، ومن بعثوا إليهم بشكل عام، وخص عيسى ﵇ في هذا المقام بالمجاوبة؛ لأنه كان أكثر الرسل افتراء على شخصه النبوي الكريم، إذ ادعوا عليه الألوهية، وكان نداؤه بذكر: (يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ) للإشارة إلى الولادة الطبيعية التي تنفي أن يكون إلها أو ابن إله، أو فيه عنصر الألوهية بأي وضع من الأوضاع؛ لأن الألوهية والبشرية نقيضان لَا يجتمعان، فلا يمكن أن يكون البشر فيه ألوهية، ولا الإله فيه بشرية، ومعنى (اتخذوني)، اجعلوني، والتعبير بـ اتخذوني أو اجعلوني يدل على أنه ليس له حقيقة، بل هو في ذاته اتخاذ بما لَا أصل له. والاستفهام للتقرير، أي ليقر عيسى ﵇ بخلافه، ذكر الحقيقة في ذلك اليوم الذي لَا تجزي نفس عن نفس شيئا، والذي يتقرر الجزاء وليس وقت العمل، فيه توبيخ لهم، وتكبير لذنوبهم، وبيان لافترائهم، وعظمه وهو من قبيل إحضار أعمالهم وأقوالهم، وبذلك يرد الاعتراض الذي يورده العلماء إذ يقال كيف يسأل الله تعالى عيسى وهو يعلم أنه لم يقل شيئا من هذا، ولا

стр. 3117

يمكن أن يدعي لنفسه ما ادعوه له؛ فالسؤال ليقر في المشهد العظيم بكذبهم وافترائهم على الله ، وفي ذلك أبلغ توبيخ، وتجسيم لذنبهم وأوهامهم، وافترائهم على الله . والذين قالوا: إن عيسى وأمه إلاهان هم البربرانية من طوائف النصارى، ولم يستنكره غيرهم، فكأنهم أقروه، والذين لم يقروه، قالوا: إن الله ثالث ثلاثة الآب والابن وروح القدس. والذين قالوا: إن عيسى وأمه آلهان من دون الله لم ينفوا ألوهية الله إذ لم يعرف عنهم أنهم نفوها، حتى يقال عنهم: إنهم قالوا: إن عيسى ابن مريم وأمه إلهان من دون الله أي غيره، والجواب عن ذلك أن من لم يؤمن بوحدانية الله تعالى بل أشرك غيره معه لَا يقال: إنه آمن بالله، واعترف بألوهية الله ، لأنه لَا يعبد إلا الله وحده، أو نفسر (مِن دُونِ اللَّهِ) أي خلاف الله فكأنهم قالوا: إن هناك اثنين مع الله تعالى. . تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا. وقد بين الله تعالى إجابة عيسى ﵇ بقوله: (قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ) س بحانك معناها تنزيها لك عن هذا القول وتقديسا، وهي منصوبة على أنها مصدر لفعل محذوف، وتصدير سيدنا عيسى في ذلك اليوم المشهود - كلامه بذلك للدلالة على أنه أمر لا يليق في ذاته، فلا يمكن أن يصدر عن عاقل يعي ما يقول ويدركه، ففيه نفي مطلق للشرك وبيان للنزاهة والتقديس، وأنه هو الذي يسبح له وحده ثم بعد هذا التنزيه المطلق الذي كان نفيا مطلقا، أخذ ينفي عن نفسه هذا الكلام المحال، فنفي عنه بأنه ليس من شأنه أن يقول مثل هذا القول، بل ذكر استحالة أن يصدر عنه، وقال: (مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ). وفي هذا تأكيد للنفي من وجوه ثلاثة: أولها - أنه نفَى أن يكون شأنه ذلك القول، فلا يمكن أن يصدر عنه، فهو لم ينف القول فقط، بل نفَى احتمال أن يقول، ونفَى احتمال القول أقوى في الدلالة من نفي المقولة.

стр. 3118

ثانيها - أن كلامه يدل على أن ذلك غير معقول في ذاته، فكيف يقول. ثالثها - أنه أثبت أنه مستحيل قوله لأنه ليس بحق. (إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ). هذه الجملة تأكيد لنفي ما سئل. عنه، وهو أنه قال: (اتَّخِذُونِي وَأمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ). إذ إنه لو كان قد حصل لعلمه الله تعالى، وما دام لم يعلمه، فهو لم يقع، ولا يمكن أن يقع؛ لأن الله لَا يغيب عن علمه شيء في الأرض ولا في السماء، وفى هذا النص فوق دلالته على عدم الوقوع بأبلغ تعبير إثبات شمول علم الله تعالى، وإنه بكل شيء محيط، وقد زكى هذا المعنى الجليل بقوله: (تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ). ففي هذا النص إثبات قصور علم الإنسان بجوار علم الله تعالى، وإثبات أن علم الله تعالى شامل لمطويات القلوب، وعلم الإنسان مقصور على ما يظهر من الجوارح فالله يعلم ما يخفَى في الصدور، والإنسان لا يعلم إلا ما هو ظاهر محسوس، أو ما يكشف عنه الظاهر المحسوس، فلا يعلم ما الخفي إلا ما يظهره الجلي، والنص يدل على نفي الألوهية من جهة ثالثة، لأن علم الله شامل لكل شيء لَا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، وعلم عيسى من النوع القاصر الذي لَا يحيط إلا بالمحسوس أو ما ينبئ عنه المحسوس، فهو نفي للألوهية من طريق العلم، ثم هو موازنة من جهة ثانية بين نفس الإنسان المكشوفة لخالقه، وذات الله تعالى التي لَا يعلم البشر عنها إلا وحدانيتها، وما يعلمه للإنسان منها. وقد أكد عيسى علم الله تعالى المحيط الذي يعلو عن الصفات البشر بقوله: (إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) أي إنك يا صاحب الجلالة تقدست أسماؤك تعلم الأمور المغيبة عن حسنا، والمكنونة في المستقبل علما دقيقا لَا يخفى منه شيء عليك، ولذلك عبر بصيغة المبالغة الدالة على الكثرة، وعلى الدقة وعلى الإحاطة

стр. 3119

التامة الكاملة وأنه يعلم ما بطن كعلمه بما ظهر، فإن ما ظهر وما بطن هو بالنسبة لنا نحن بني الإنسان، وأما بالنسبة لله تعالى فإن الجميع مكشوف غير مستور. وقد أكد علم الله تعالى للغيب بأربعة مؤكدات: أولها - بـ " إنَّ " المؤكدة. ثانيها - بالضمير المؤكد في قوله تعالى: (أَنتَ). وثالثها - بصيغة المبالغة التي تعد مبالغة بالنسبة للعبيد، ولكنها حقيقة فوق ما نتصور بالنسبة لله تعالى العليم الحكيم، وإن هذا أقصى ما تتسع له لغتنا القاصرة عن التعبير عن الحقائق الإلهية. رابعها - جمع الغيوب، فلم يفرد الغيب، بل قال الغيوب بكل أنواعها ما وقع في الماضي، وما يقع في المستقبل وما يتعلق بالكائنات كلها الروحاني منها والمادي، والكل خلقه سبحانه، من طيور في الهواء، وأسماك في الماء، وملائكة، وجن، وإنس، وهكذا كل ما هو غيب في ذاته، أو بالنسبة للبشر، أو لطوائف منهم. * * *

стр. 3120

(مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ ... (١١٧) * * * هذا الكلام السامي في تأكيد القول الأول، وهو إثبات تنزيه الله تعالى، وأنه ما دعا إلا إلى الوحدانية، ولقد كان كل هذا في مقام التوبيخ وإثبات الحجة عليهم، وعقابهم على كفرهم، وافترائهم على الله تعالى ربهم، وعلى عيسى ابن مريم رسوله سبحانه إليهم. والجملة السامية السابقة فيها إثبات استحالة أن يكون قد قال " اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ "، فهي تفى بالدليل، وهي هذه الجملة السامية فيها نفي، وإثبات. فيها نفي القول الذي نسبوه بهتانا إليه، وفيه إثبات ما قاله، ولم يقل سواه، ولذلك كان فيه قصر بالنفي والإثبات، فهو يذكر أنه دعا إلى التوحيد المطلق، وفيه إثبات أنه لا يمكن أن يدعو إلا إلى التوحيد المطلق، وذلك لثلاثة أمور:

стр. 3121

أولها - أنه هو الذي أمر ربه، ولم يؤمر بغيره، وهو رسول من عند الله، ولا يمكن أن يكون الرسول قد أدى الرسالة على وجهها إلا إذا بلغ ما أمر به دون سواه، ولذا قال ﵇: (مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ). ما أمرتني أن أقوله وأبلغه، وإلا أكن غير مؤد للرسالة. ثانيها - أنه لم يكتف ببيان أنه أدى ما أمر به إجمالا، بل ذكر حقيقة ما دعا مفسرا غير مجملا، إذ قال: (أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ). فإن هي المفسرة، فهو يفسر ما أمر به وهو بين لَا إبهام فيه. وثالثها - أنه أقام الدليل على استحقاقه وحده للعباده سبحانه: (رَبِّي وَرَبَّكمْ). أي أنه هو المستحق للعبادة لأنه هو وحده الذي خلقني، فأنا مخلوق، فكيف أكون إلها، وهو الذي خلقكم وحده فكيف تعبدون غيره؟!، وفي هذا التعبير أثبت وحدانية الخلق والتكوين ووحدانية الذات، كما أثبت تصريح اللفظ وحدانية العبادة. وقد أكد ﵇ أنه بلغهم تلك الحقائق، فقال كما حكى عنه ربه: (وَكنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ). أي كنت مشاهدا لهم رقيبا عليهم تعلم ما حاولوه من الزيغ والتحريف مدة بقائي فيهم، فما تركت تنبيههم إلى التوحيد في العبادة والذات والصفات والتكوين مدة إقامتي بينهم، ولما تركت الدنيا كنت أنت الرقيب. (فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) في النص الكريم السابق ذكر ﵇ شهادته عليهم وهو حي، قائم برسالته مؤد لها على وجهها، وفي هذا النص يذكر انتهاء مهمته بوفاته، ويفوض أمرهم إلى ربهم في ألطف تعبير وأدق إشارة. والفاء للتفصيل كما تدل على الحالية والبعد به، والمعنى عند حد وفاتي ومن قبلها، ومن بعد كنت أنت وحدك الرقيب عليهم العالم بحالهم وأنت على كل شيء عالم بحالهم تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. وفقنا الله لما يحب ويرضى. * * *

стр. 3122

(إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨) قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١٩) لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠) * * * الكلام العظيم موصول في حديث السيد المسيح عيسى ابن مريم ﵊ يوم يجمع الله تعالى الرسل يوم القيامة. ولقد كان من المجاوبة بين الله تعالى، وبين السيد المسيح ﵇ في شأن الأوهام التي توهمها من يدعون النسبة إليه، وذكرت هذه الأوهام كأنها واقعة في زمن المسيح ﵇ وهي قد وقعت من بعده ولم يحضرها، ثم المجاوبة تكون من بعد ذلك، إذ إنها تكون يوم القيامة يوم يجمع الله تعالى الرسل، ويسألهم عما كان من شأن إجابات أقوامهم، واختص بالذكر عيسى لما ذكرنا من أنه أشد الأنبياء افتراء عليه إذ ادعوا أنه ابن الله وأن الله ثالث ثلاثة، وذكرت أخبار يوم القيامة - كأنها حاضرة لتحضر بين يدي النصارى الذين ادعوا ما ادعوا بالصيغة الإنكارية التي تكون من المسيح ﵇ يوم، ليتبينوا أن المسيح ﵇ بريء منهم، ومما يتكلمون به حول ذاته النبوية البشرية. وخلاصة تلك المجاوبة: أن العلي القدير سأله سؤال العالم بالجواب (أَأَنتَ قلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ)، وكان الجواب بالنفي؛ لأن الله تعالى يعلم أنه لم يقع وما

стр. 3123

كان لهم أن يعتقدوا في السيد المسيح ﵇ أو أمه ألوهية؛ لأنهما كانا يأكلان الطعام، ويمشيان في الأسواق، وذلك شأن البشرية، لَا شأن من يكون إلها. وقد تضمن الجواب تأكيد النفي بأنه ليس من شأنه، ولا يحق له؛ لأنه بشر مخلوق لله ، فالبشرية لَا تتخلى عنه، وأنه لَا يمكن أن يكون إلها، يشارك الله تعالى في خلقه، فالله خالقه، ولا يمكن أن يكون المخلوق كالخالق، ولأن الله تعالى هو الذي يربه بعد خلقه، وهو الذي علمه الحكمة، وهو الذي جعله يتكلم كما يتكلم الراشدون في المهد، فكان كلامه في المهد ككلامه وهو كهل، أي رشيد قد اكتملت رجولته، واستوى خلقه، وهذا يدل على أن السيد المسيح ﵇ عاش إلى أن بلغ سن الكهولة، فقد بلغ أشده، وبلغ أربعين، وإن كانت كتب النصارى الحاضرين تومئ إلى أنه لم يصل إلى الأربعين. وقد ذكر سيدنا عيسى ﵇ أنهم في رقابة الله تعالى من بعده، يعلم حالهم، ومآل أمرهم وانحرافهم عن الجادة التي أرشدهم - إليها الله تعالى على لسان نبيه الأمين عيسى ﵇. وأنه هو تعالى الذي شاهد أعمالهم، وأنه محاسبهم بها مجازيهم عليها، والأمر في شأنهم إليه، وأمورهم مفوضة إليه، وهو العزيز الحكيم، والغفور الرحيم، فإن شاء أخذهم بذنوبهم كاملة، وإن شاء عفا عن بعضها، وإن شاء تغمدهم برحمته وغفرانه إن تابوا، وآمنوا بالله وحده وآمنوا بمحمد ﷺ ، ولذلك قال تعالى حكاية عن بقية كلام عيسى في ذلك المشهد العظيم.

стр. 3124

(إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ). وإنا نجد في هذا النص الذي يذكر الحال يوم القيامة ينبئ عن رأفة المسيح ﵇، ورفقه، ورغبته في ألا يكون الناس في عذاب إلا أن تكون تلك إرادة الله تعالى، فالنص تفويض لله تعالى، وهو يشبه في هذا طلب إبراهيم أبي

стр. 3125

الأنبياء ﵈ الغفران لأبيه كما حكى الله عنه بقوله تعالى: (وَاغْفِرْ لأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ). فالمسيح ﵇ يحكى الله تعالى عنه في ذلك اليوم المشهود قوله: (إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادًكَ) أي إن تعاقبهم العقاب الشديد فهم عبادك تملكهم، ولا حق لهم عندك، وهم قد أذنبوا، فبحكمتك وعزتك كان عقابهم، وإن تغفر لهم وتستر سيئاتهم وتصفح عنهم فإن ذلك جائز منك، وهو صفح الغالب القاهر، الذي يضع الأمور في مواضعها وأفعاله في دائرة الحكمة والتدبير المصون عن العبث. وهنا قال العلماء: كيف يسوغ أن يطلب عيسى ﵇ في المشهد العظيم الغفران للكفار الذين أشركوا بالله تعالى، فجعلوا عيسى وأمه إلهين وقالوا إن الله ثالث ثلاثة، وقالوا إن المسيح ابن الله؟ وقد أجابوا عن ذلك بإجابات مختلفة أدقها ما قيل من أن الغفران للكفار جائز عقلا، وليس مستحيلا، ولقد كان طلب عيسى ﵇؛ الغفران لهم من قبيل طلب إبراهيم ﵇ الغفران لأبيه، فهو ناتج من فرط الشفقة، والرأفة، على أن عيسى ﵇ ما طلب الغفران، بل فوض الأمر لرب العالمين تعالت حكمته، وإذا كان ما يناقش في هذا المقام فهو أنه فرض جواز الغفران، ونحن نرى أن ذلك الفرض يتفق مع النسق التاريخي الذي وقع، وذلك بأن نفرض أن المسيحيين الذين أشركوا منهم من كان على ضلاله القديم بعد أن بلغته الدعوة المحمدية، ومنهم من استمر على غيه بعد أن تبلغه الدعوة المحمدية إلى التوحيد، وتبين حقيقة الدعوة المسيحية كما جاء بها الإسلام، وهؤلاء الأخيرون لَا مساغ لفرض الغفران لهم شرعا؛ لأنهم أشركوا الأولون فقد كانوا على فترة من الرسل وكانوا على جهالة عمياء لا تسمح لهم أن يعرفوا حقيقة دعوة المسيح ﵊، وذلك أنه قد نزل بهم بعد المسيح ﵇ من الاضطهادات والشدائد والكوارث ما جعلهم يستخفون بدينهم، ويفرون بها، ولا شوكة لهم، وقد قارنت هذه الشدائد المسيحية

стр. 3126

فى نشأتها من بعده وفي تكونها وليدا وفي تدرجها، واستمرت هذه الشدائد نحوا من ثلاثة قرون، نزل فيها أشد ما ينزله الإنسان بأخيه الإنسان حتى أنه كان يتخذ منهم مشاعل تسير في موكب الإمبراطور الروماني نيرون، إذ تطلى أجسامهم بالقار، وتشعل فيها النيران، ويسار بهم في موكبه. ولم يكشف عنهم البلاء إلا بعد أن اختفت المصادر الحقيقية لدينهم، وادعى التثليث تدريجيا، وما كان عندهم من علم يعلمونه ويحاسبون به، وهؤلاء أحسب أن فرض عيسى غفران الله تعالى كان فرضا سليما يتفق مع عزة الله تعالى وحكمته، وشمول علمه. * * *

стр. 3127

(قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ... (١١٩) * * * بعد أن ذكر سبحانه من مغيبات الأمور اليوم الذي يجمع الله الرسل وأقوامهم، وتكون المجاوبة بين عيسى وربه، وهو الحق الذي بعث به، وفيها بيان مقامه ممن افتروا عليه الكذب، وضلوا في افترائهم وإذا كان ذلك فيه إشارة إلى العذاب الذي يستقبل أولئك المفترين على الرسول والذين جاءتهم المعجزة الباهرة التي لَا يمارِي فيها إلا من ران على قلبه. بين سبحانه جزاء الذين يذعنون للحق، وسماهم سبحانه الصادقين وأن الذي ينفعهم هو صدقهم، والصدق شعبة مما طلبه الحق، ولكنه سبحانه جعله شعار المؤمنين، وذلك لأن الصدق هو وصفه الإيمان الذي يلازمه، ويروى في ذلك أن النبي ﷺ سئل: " أيكون المؤمن جبانا؟ فأجاب ﵇: يكون المؤمن جبانا. وسئل أيكون بخيلا؟ فأجاب ﵇: يكون بخيلا، وسئل أيكون كذابا؟ فقال: لَا يكون المؤمن كذابا " (١). فالكذب والإيمان نقيضان لَا يجتمعان، والإيمان يلازمه الصدق، وقد قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ). والصدق يلازمه الإخلاص، ويكون معه القرب من الله تعالى، ولقد

стр. 3128

قال ﵊ " إنَّ الصدق يهدي إلى البر، والبر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق حتى يكتب عند الله صديقا " (١). وإن الصدق ذو شعب ثلاث، أقربها الصدق في القول، فلا ينطق إلا بالحق، ولا ينطق إلا بما يجول بصدره، ولا يماري ولا يداهن، ولا يرفث في قول، والثانية صدق النفس فلا يغش نفسه، ولا يخدعها، بل يحاول أن يطلع على عيوبها ويعالج هذه العيوب، ولا يخدع نفسه ليكذب عليها، والثالثة، صدق الإنصاف، فلا يغمط غيره، ولا يحقد ولا يحسد، ولا يضغن، وينصف أعداءه من نفسه. ومن كانت هذه حاله ينفعه صدقه؛ لأنه صدق القول والنفس والعمل، له جزاؤه في الجنة جنات تجري من تحتها الأنهار، وفي ذلك النعيم خالد خلودا أبديا لا نهاية له، وفوق هذا الجزاء المادي الحسي، هناك جزاء معنوي وهو رضوان من الله، وهو أكبر من كل جزاء، ولذلك رضي الله عن الصادقين فهم مقربون إليه زلفى، وهم لَا يرضون بربهم بديلا ولا شريكا في عبادة أو قربى، أو استعانة أو استجابة، فالله ملء قلوبهم يعبدونه كأنهم يرونه. وإن ذلك هو الفوز العظيم الذي لَا فوز يماثله أو يقاربه. * * *

стр. 3129

(لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠) * * * في هذا النص الكريم بيان للحق الذي لَا مجال للريب فيه، وبيان لسلطان الله تعالى على كل ما في السماوات وما في الأرض، وأنه ذو سلطان في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وهو القادر على كل شيء يريده، لَا يعجزه شيء في السماء ولا في الأرض، وفي الكلام إشارات بيانية نذكرها. الأولى - إثبات أن الله وحده هو الجدير بالألوهية، والمستحق للعبادة، لأنه ذو السلطان الكامل المالك لكل شيء.

стр. 3130

الثانية - أن تقديم لفظ الجلالة يفيد وحدة سلطانه وملكه وقدرته أي أنه وحده المالك لكل شيء. الثالثة - ذكر السماوات والأرض، والتصريح بما فيهن للإشارة إلى أن كل شيء فيهن مخلوق له سبحانه، وليس فوقه أحد فلا يقال: إن أحدا له سلطان بجوار سلطانه وإن المعجزات التي تجري على أيدي بعض النبيين من خلقه هو الذي خلقه على يديه وليس النبي خالقها. الرابعة - إثبات أنه قادر على كل شيء لَا يتقيد بالأسباب والمسببات، لأنه على كل شيء قدير، وهو خالق الأسباب. الخامسة - تقديم الجار والمجرور يفيد كمال قدرة الله تعالى على الأشياء إنه حميد مجيد، سميع بصير عزيز حكيم. * * *

стр. 3131

(سُورَةُ الْأَنْعَامِ) تعريف ٤ سورة الأنعام قالوا إنها نزلت بعد سورة الحجر، وإن عدد آياتها خمس وستون ومائة آية كلها نزل بمكة ما عدا عدة آيات قالوا: إنها نزلت بالمدينة هي الآيات ٠ ٢ و ٢٢ و ٩١ و ٩٢ و ١٤ ١ و ١٤١ و ١٥١ و ١٥٢ و ١٥٣ - وهي آيات نزلت في بيان أحكام تتعلق بالحلال والحرام من التكليفات العملية، وهي لهذا كانت أنسب بالمدينة؛ ذلك لأن ما يتعلق بالعقيدة قد اختص بمكة؛ إذ كان فيه بيان الوحدانية في الذات وفي الصفات والخلق والإنشاء والعبادة والألوهية، وأنه لَا إله إلا هو، وبيان رسالة الله وأخبار الرسل السابقين، وما جاءوا به، وما نزل بأممهم، وما جاء من أحكام بمكة كان أكثره على ألسنة الأنبياء السابقين وما كانوا يدعون إليه أقوامهم، فدعوة شعيب ﵇ إلى الإيفاء بالكيل والميزان، ونهيهم عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وغير ذلك. أما القرآن المدني، فقد نزلت به الأحكام التكليفية العملية؛ لأنه قد كونت دولة للإسلام، فكان لَا بد من نظم تقيمها، وأحكام تنظم علاقات آحادها، وقد ابتدأت العبادات بالصلاة المفروضة في مكة لمناسبتها للألوهية، ومعاني العبودية، ثم أُكملت في المدينة ليتكوَّن رأي عام فاضل، ومجتمع متضافر متعاون. ابتدأت السورة ببيان استحقاق الله تعالى وحده للحمد؛ لأنه خالق السماوات والأرض وحده، وجاعل الظلمات والنور، وبيان أن أصل خلق الإنسان من طين، وبيان كمال سلطان الله تعالى في خلقه، وعلمه بالسر وما يخفى، وبيان آيات الله تعالى في كونه، وتلقي الجاحدين، وما كانوا يكذبون به الحق، إذ يجيئهم ويستهزئون به لإعراضهم عن الآيات البينات المثبتة الموضحة الكاشفة.

стр. 3132

وإن كان المشركون لم يؤمنوا لإعراضهم عن البينات، فقد أنذرهم سبحانه بعاقبة أمرهم، ببيان عاقبة من سبقوهم بعد جحودهم، وأشار إلى طموس مداركهم، وجحود نفوسهم، وعدم تلقيهم للنور والهداية، وأنه لَا يجدي معهم توجيه، ولا دليل حتى أنهم - لو نزل إليهم من السماء كتاب في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الجاحدون: إن هذا إلا سحر مبين، كما قال الجاحدون برسالة عيسى ﵇ عند إحيائه الموتى، وإبرائه الأكمه والأبرص، ونزول المائدة، قالوا: إن هذا إلا سحر مبين. وأن الجاحدين شأنهم الاستهزاء بالحق إذ جاءهم، وأن على النبي ﷺ أن يتأسى في استهزائهم به بما كانوا يفعلون مع الأنبياء السابقين، وبين سوء عاقبتهم. ولقد بين سبحانه من بعد ذلك طائفة من ضلال تفكيرهم باستهزائهم عند ذكر خالق السماوات والأرض، ويتولى ﵊ الإجابة مبينا أن الله كتب على نفسه الرحمة، وأن من رحمته أن يجمع الناس يوم القيامة، بيَّن ثواب المحسن وعقاب المسيء ثم بين ملكه لكل شيء وسلطانه الذي فوق كل شيء، وإذا كان الله مالك كل شيء وفاطر السماوات والأرض - لا يمكن أن يتخذ الرسول وليا نصيرا غيره سبحانه، وأن يكون أول من يسلم وألا يكون من المشركين، وأن يخاف عذابه إن عصى، ولا فوز إلا لمن يصرف عنه عذاب يوم القيامة. وإذا كان سبحانه يملك كل شيء، فهو كاشف الضر إن مس الإنسان، وهو القادر على النفع، وهو القاهر فوق عباده، وهو الحكيم الخبير، وإذا كان المشركون يستمرون على عنادهم فالله هو الشاهد الحكيم بين الرسول وبينهم، وشهادته أكبر شهادة، وأن هذا القرآن أوحى به إلى الرسول لينذر به المشركين ومن يبلغه دعوة النبي ﷺ ، وإن كنتم أيها المشركون تشهدون أن مع الله آلهة أخرى فالنبي ﷺ لا يمكن أن يوافق على هذه الشهادة، بل لَا بد أن يكذبها.

стр. 3133

وأن أهل الكتاب الذين أوتوا علما بالرسالات يعرفون الرسول كما يعرفون أبناءهم، ومع ذلك لَا يؤمنون لأنهم غيروا دينهم أو كتموه، ولا أحد في هذا الوجود أكثر ظلما ممن افترى على الله الكذب، أو كذب بالدلائل القائمة الثابتة الدالة على الحق، ولا يمكن أن يفلح ظالم بكتمان الحق أو إظهار الشرك. وقد بين سبحانه حال المشركين يوم القيامة، وأنهم لهول يوم القيامة ينكرون أنهم كانوا مشركين. ومن هؤلاء المشركين من يكون على قلوبهم مثل الأكنة عند الآيات البينات، ولا يؤمنون بأي آية، وإذا جاءوا يجادلون قالوا عن الآيات: إن هي إلا أساطير الأوَّلين، وهم يبتعدون عن الحق، وينهون غيرهم عن اتباعه، وهم في الحالين هالكون بما يفعلون. ثم يصور سبحانه حالهم في الآخرة فيقرر أنها مفارقة لحالهم في الدنيا، إذ يبدو لهم ما كانوا يخفون، وهم بذلك قد خسروا خسرانا مبينا وجاءتهم الساعة بغتة من حيث لَا يحتسبون، وأن الدار الآخرة هي دار البقاء، والحياة، وكانوا يتوهمون أنه لَا حياة بعد الدنيا، والدنيا بجوارها لهو ولعب، وذكر سبحانه عزاء النبي ﷺ بالرسل قبله إذ جحدوا، ثم لَا مناص من أن يبلغ النبي ﷺ وألا يكبر عليه إعراضهم مهما تكن حالهم. وليعلم أن الذين يستجيبون لدعوته الذين يسمعون ويتعظون هم الأحياء حقا، والآخرون موتى وسيبعثهم الله، ويعاقبهم، وهم الذين لَا يسمعون، ويطلبون آيات أخرى غير التي أعرضوا عنها، وقد ذكرهم سبحانه بأن الأحياء جميعا من الحيوان والطيور أمم، والكتاب المحفوظ يحوي كل شيء. وبين سبحانه أن الذين يعرضون عن الآيات صم لَا يستمعون إليها، وبكم لا ينطقون بالحق، ويعيشون في ظلمات لَا يبصرون، ولقد ذكرهم سبحانه بندائهم لله تعالى في حال شدتهم أو موتهم أو قيامهم أيدعون غير الله، وبين سبحانه أنه

стр. 3134

يختبر الأمم بالضر يصيب أجسامهم، وبالبؤس يصيب نفوسهم، ولقد زين لهم الشيطان سوء أعمالهم فظنوه حسنا، وأنهم كما نسوا ما ذكِّروا به اختبروا بالنعمة، ثم أخذوا بغتة، وهم لَا يشعرون، وقطع دابرهم بسبب ظلمهم، وذكرهم سبحانه بأنه إذا أخذ سمعهم وبصرهم لَا يدركون، وذكر أنه يصرف لهم الآيات، ويوجههم إلى الحقائق الثابتة عساهم يفقهون الأمور على وجهها. وقد بين سبحانه عمل الرسل وهو التبشير للمتقين والإنذار للمكذبين، وأن محمدا ﷺ لَا يقول لهم: عندي خزائن الله أصرفها كما أشاء، ولا يقول لهم: إنه يعلم الغيب، ولا يقول لهم: إنه ملك، بل إنه يتبع ما يوحى إليه، والناس مختلفون بعد ذلك في تلقى نور الوحي، وجزاؤهم على حسب حالهم فلا يستوي المحسن والمسيء كما لا يستوي الأعمى والبصير. وإن الإنذار يكون أثره في قلوب الذين يخافون يوم القيامة وما يكون فيه من هول. وإنه يجب أن يكرم أهل الإيمان، ولا يطردوا لفقرهم أو ضعفهم، فإنه من فتنة الناس بعضهم ببعض أن يوفق للحق الضعفاء، ويكذبه الأقوياء ليقولوا أهؤلاء منَّ الله عليهم من بيننا، ويجب على النبي ﷺ أن يرحب بالمؤمنين ويبين الحق لهم، وأن الله تعالى كتب على نفسه الرحمة، وهي العدالة وجزاء الحسن بالحسن، والعفو عن السيئ الذي ارتكب بجهالة، وأمر الله نبيه أن يتخذ من نفسه قدوة حسنة، فيقول: إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دونه وألا أتبع أهواءكم، وأنه على بينة من ربه، وأنه ليس بيده العذاب الذي يستعجلونه، ولو كان عندي لقضى الأمر الذي بيني وبينكم والله أعلم بالظالمين. وإن الغيب كله عند الله تعالى، فعنده سبحانه مفاتحه لَا يعلمها إلا هو، ويعلم ما في البر والبحر، ويعلم ما نكسب بالنهار ويتوفانا بالليل، ويستمر الإنسان بين الليل والنهار، حتى يُقضى أجل مسمى، ثم يكون المرجع إلى الله تعالى. وأنه سبحانه فوق هذا العلم المحيط، له القوة الكاملة، فهو القاهر فوق

стр. 3135

عباده، وهو الذي يحفظ عباده، والمرجع إليه سبحانه، وهو المنجي من كل سوء، وهو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو ينزل بكم ما هو أشد، فيجعلكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض، وأن قومك قد كذبوك وما تدعو إليه وهو الحق، ولكل خبر عظيم مستقر يستقر عنده، ولست عليهم بوكيل مسئول عما يسيئون به. وإنك واجد منهم لجاجة في الإنكار، فذكِّر، ولا تقعد معهم إذ يخوضون في آياتنا، وما عليك ولا على من معك من المتقين من حسابهم من شيء، فذرهم؛ لأنهم اتخذوا دينهم هزوا ولعبا وغرتهم الحياة الدنيا، ولكن ذكِّرهم فقط حتى لَا يسقطوا في الشر إلى أقصى درجاته، وينالوا من بعد ذلك عذاب الجحيم، وقل لهم: أندعوا من دون الله ما لَا يضرنا ولا ينفعنا، ونرد على أعقابنا بعد ذلك إذ هدانا الله كالذي أصابته حيرة باستهواء الشياطين له في الأرض، فيدفعه الشيطان إلى التردي، ويدعوه أصحابه إلى الهدى، وهو حائر، وأن الهدى هدى الله، وأمرنا أن نسلم لرب العالمين وأن نقيم الصلاة، وأن نؤمن بالله وهو الذي خلق السماوات والأرض ويوم يقول: كن، فيكون، وقوله الحق، وله الملك يوم القيامة، وهو الحكيم الخبير، عالم الغيب والشهادة. ولقد بين قصة الخليل إبراهيم أبي الأنبياء وأخبار ذريته، وفى هذه القصة بين سبحانه كيف يكون إدراك العقل لله سبحانه ووحدانيته، مستمدا ذلك من الفطرة السليمة - رأى الخليل بفطرته أن الأصنام لَا يمكن أن تكون آلهة، وخاطب أباه بذلك، واعتبره ضلالا، ثم اتجه إلى تعرف الإله الأوحد، ظنه في كوكب، ولكنه أفل فزال، والإله لَا يزول، ثم ظنه القمر إذ رآه بازغا، ولكنه أفل أيضا، واعتبر نفسه تسير في ضلالة، وأنه إن لم يهده ربه الذي يؤمن بوجوده ليكونن من الضالين، فلما رأى الشمس بازغة قال: هذا ربى؛ لأنها أكبر، فلما أفلت أدرك أن الله تعالى لَا يكون أمرا محسوسا، فقرر البراءة من الشرك واتجه إلى الخالق الذي تدل آثاره على وجوده، ومخالفته لمخلوقاته، فقال: (إِنِّي وَجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ)

стр. 3136

وأخذ بعد هذه الهداية يحاجُّ قومه ويحاجُّونه ويذكر لهم أن أوثانهم لا تضر ولا تنفع، فليسوا موضع خوف منه، وهم الجديرون بأن يخافوا؛ لأنهم يشركون بالله ما لم ينزل به حجة تدل على صحة الإيمان بهم، ثم قال: (. . . فَأيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ). لَا شك أن أحق الفريقين بالأمن الذين لم يخلطوا إيمانهم بشرك، وتلك حجة الله تعالى الذي أجرأها على لسان إبراهيم ﵇ وأجراها من بعده على ألسنة الأنبياء من بعده، وعلى نوح من قبله. وقد ذكر الأنبياء من ذريته، وقد آتاهم الله الكتاب والحكم والنبوة، وكان من أقوامهم من آمن، ومنهم من كفر، فإن يكفر المشركون من العرب الذين بعث إليهم محمد ﷺ فغيرهم مؤمن؛ وهم يقاومون الشرك، وقد بين العبرة في قصصهم، فقال: (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (٩٠). وقد بين بعد قصة إبراهيم أن الذين يشركون ما قدروا الله حق قدره، وقد نفوا رسالة الله تعالى، فسأل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى، وقد كان يعرف أن لليهود كتابا، وقد بين أن اليهود يخفون بعضه وهو كثير ويظهرون بعضه، ولا يصح أن يقتدوا بآبائهم؛ لأنهم علموا ما لم يعلموا من قبل، ولم يعلمه آباؤهم. وذكر سبحانه بعد ذلك منزلة القرآن، وهو أنه كتاب مستمر بهدايته واتباعه، وأنه نزل على محمد الذي علمتموه أمينا عدلا لَا يكذب، ولا أحد أظلم ولا أكذب ممن يدعى أنه أوحى إليه، ولم يوحَ إليه بشيء. . ومن قال: سأنزل مثل ما أنزل الله من المشركين وأشباههم، وصور حال الظالمين، وهم في غمرات الموت باسطي أيديهم بالمنجاة، ويقال لهم: اليوم أخرجوا أنفسكم بما كنتم تقولون على الله غير الحق، وكنتم عن آياته تستكبرون، وأنهم سيذهبون إلى الله مجردين عن الأتباع والنُّصَراء، وتركوا ما مكنوا فيه من أموال وبنين وأولياء وراء ظهورهم، وكانوا كما خلقهم أول مرة، وليس معهم الشركاء الذين

стр. 3137

زعموا أنهم يشفعون لهم: (. . . لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ). بعد هذه الأدلة الساطعة، والقصص المذكِّر، والتوجيه المنبه، بين سبحانه أنه وحده المنشئ على غير مثال سبق، فهو الذي يفلق الحب فيكون منه النبات، ويفلق النوى فيكون منه الشجر، وهو يبدع الحياة في هذا النبت الجامد، ويخرج ذلك البذر الجامد من الأغصان الرطيبة، وهو الذي يخرج الإصباح من الظلام، ويجعل الليل سكنا واطمئنانا بعد كدح النهار، وهو الذي يجعل الشمس والقمر بحسبان، وكل ذلك بتقديره، وهو العزيز العليم، وهو الذي زيَّن السماء بالنجوم لتهتدوا بها في ظلمات البحر، وذلك ليكون أمارة وجوده ووحدانيته لقوم يعملون عقولهم، ولا تتسلط عليهم أوهامهم، وبعد أن بين ذلك التوجيه العام في خلقه؛ اتجه إلى بيان خلق الإنسان فأنشأ بني الإنسان من نفس واحدة، واستقر في هذا الوجود، وأودع الأرحام ودائعها، وتلك آيات لمن يؤمن، وينفذ ببصيرته إلى حقائق الأمور، وبين من بعد ذلك، الثمرات التي تكون من التقاء السماء بمائها بالأرض فيكون أطيب الثمار، وأطيب الزرع، وما فيه من عجائب، وبين تنوع الخلق، فأشار سبحانه إلى النخيل والأعناب والزيتون والرمان، والمتشابه، وغير المتشابه، وما يكون من ثمرات، وفي كل ذلك لمن يؤمن بالحق ويذعن للحقائق. ومع كل هذه الآيات البينات التي يدركها من يعقل، ويصل إلى الحقائق فيها من يفقه، ويذعن لها من يؤمن بالحق ولا يماري فيه - مع كل هذه الآيات وجد من جعلوا له شركاء من الجن وهو الذي خلقهم، ومن يحمقون، فيدعون أن لله بنات وبنين سبحانه وتعالى عما يصفون. إنه سبحانه خلق السماوات والأرض كيف يكون له ولد ذكر أو أنثى وليست له صاحبة، وإذا كان الله تعالى خالق كل شيء فهو وحده المستحق للعبادة وحده، وهو سبحانه المنمِّي لكل شيء بعد خلقه.

стр. 3138

وقد بين بعد ذلك بعض صفاته، فهو لَا تدركه الأبصار؛ لأنه غير محسوس، وهو يدرك الأبصار، وهو العالم علما دقيقا لكل شيء، وأن كل ما سبق؛ فيه ما يبصركم بالحق، والتبعة عليكم بعده، (فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ)، وإن هذا كله تصريف في القول المعجز، ليؤمنوا وليقولوا: درست على ربك. ومن بعد ذلك أمر الله تعالى نبيه الكريم بأن يتبع ما يوحى إليه، وأن يعرض عن المشركين، والله تعالى هو الذي كتب عليهم الكفر، وما كان النبي ﷺ حافظا يمنع عنهم الكفر، ولا حاميا يدافع عنهم. ولقد علم الله المؤمنين الحكمة بأن ينظروا إلى مآلات أقوالهم ولو كانت حقا، فلا يسبوا ألهة المشركين حتى يندفعوا فيسبوا الله تعالى ظالمين جاهلين، ثم هم معاندون، يقسمون أنهم إن جاءتهم معجزة غير القرآن يؤمنوا، فردهم سبحانه بأنه يختار من الآيات ما يكون مناسبا وله الحكمة، والله سبحانه هو مقلب القلوب، فليتركوا في ضلالهم وعمايتهم بعد البيان المرشد الحكيم. وأن هؤلاء كتب الله تعالى عليهم الشقوة إلا أن يرحمهم فيتركوا ما هم فيه من ضلالة، فلا تجدي فيهم الآيات إلا أن يشاء الله تعالى، فلو أنزل الله تعالى عليهم الملائكة، وكلمهم الموتى معلنين بعثهم، وجمع عليهم كل شيء يكون في المستقبل ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله، والله قد اختبر الأنبياء فجعل لهم من شياطين الإنس والجن أعداء يزخرف بعضهم لبعض القول ويغرونهم، ولو شاء الله تعالى ما فعلوه، فذرهم وما يفترون، وأنه لتصغى إليه أفئدة الذين لَا يؤمنون بالغيب والآخرة، بل لَا يفهمون إلا ما بين أيديهم، وبذلك يقترفون الآثام التي يقترفونها لأنهم يقولون إن هذه الحياة الدنيا هي وحدها الحياة. وأنه لَا يمكن أن يكون للمؤمن حكم غير الله؛ لأنه هو الذي أنزل الكتاب مبينا فيه كل شيء وأهل الكتاب يعرفون ذلك، ولا يصح أن يكون ذلك موضع شك، وأنه ببيان القرآن تمت كلمة ربك صدقا وعدلا، وهو السميع العليم، ولا يجوز التقليد للآباء والبيئات، فإنه إن يطع النبي من في مكة أو بلاد العرب يضل عن

стр. 3139

سبيل الله، لأن سبيل الله تعالى هي الحق والعقل، وهم يتبعون الظن ويخرصون، وربك أعلم بمن يضل عن سبيله، وهو أعلم بالمهتدين. وإن من شركهم أن يذبحوا الذبائح باسم الأصنام فنهى الله تعالى المؤمنين عن أن يأكلوا مما لم يذكر اسم الله تعالى عليه، بل إنهم يأكلون ما ذكر اسم الله تعالى عليه، ولا يصح أن يوجد ما يمنعهم إلا من يكون في حال اضطرار، والله أعلم بالمعتدين، وعلى المؤمنين أن يذروا ظاهر الإثم وباطنه، وألا يأكلوا مما لم يذكر عليه اسم الله تعالى، ولا شك أن المشركين سيجادلون في تحريم هذا وإحلال غيره، وعلى المؤمنين ألا يطيعوهم، وإلا كانوا مشركين مثلهم، وإنه لا يتساوى الميت مع الحي، وكذلك لَا يتساوى الضال الذي هو كالميت مع المؤمن الذي يحيا حياة طيبة وله نور يمشي به في الظلمات، ولكن زين لهم سوء أعمالهم. وإنه ليس بغريب أن يناوئ محمدًا ﷺ أكابر من قريش، فإن كل قرية يكون فيها أكابر مجرميها، يمكرون فيها ويسيطرون عليها، والعاقبة عليهم وما يشعرون، وهم يحسدون رسل الله تعالى فيطلبون أن يؤتوا مثل ما أوتي رسل الله، وذلك شرط لإيمانهم، والله أعلم حيث يجعل رسالته، وسيصيبهم صغار بسبب إجرامهم وعذاب شديد بسبب كفرهم ومكرهم السيئ لخفض كلمة الله تعالى. ومن يرد الله تعالى الخير له يشرح صدره للإيمان، ومن يرد غير ذلك منه يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء من شدة ضيق صدره وتوالي أنفاسه، وبذلك يكون عليه الرجس وعلى الذين لَا يؤمنون، وهذا صراط الله تعالى مستقيما قد فصلنا الآيات وبينَّاها لقوم يذكرون. ولقد بين اختصاص المؤمنين، فذكر أن لهم دار الأمن والاطمئنان والسلام عند ربهم الذي خلقهم وهو وليهم، وذلك جزاء عملهم، وإن الله تعالى يوم يجمعهم جميعا يناديهم يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس، وأولياؤهم من الإنس يقولون قد استمتع بعضنا ببعض، وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا، فذكر سبحانه أن النار هي المثوى الذي ينتهون إليه، وكذلك يمكن بعض

стр. 3140

الظالمين من بعض بسبب ما كانوا يكسبونه، ثم في هذا الجمع الجامع ينادي رب البرية (يَا مَعْشَرَ الْجِنِ وَالإِنسِ. . .)، ويذكرهم بمن بعث إليهم من رسل يذكرون لهم آياته سبحانه، وينذرونهم لقاء يومهم هذا، فيشهدون على أنفسهم، ولكن غرتهم الدنيا وزخرفها، وأطغاهم أن الله تعالى لَا يهلك القرى بسبب ظلمها، وأهلها غافلون. ولكل درجات بسبب أعمالهم، والله لَا يترك عمل عامل، وهو الغني ذو الرحمة إن شاء يذهبهم، ويستخلف من بعدهم قوما غيرهم، وما وعد به سبحانه آت لَا محالة لأنه لَا يعجزه أحد، وأمر الله نبيه أن يدعو قومه إلى أن يعملوا ما فيه رفعة مكانتهم واجعل نفسك قدوة لهم في العمل، وستعلمون من تكون له عاقبة الدار. وذكر سبحانه وهْمًا من أوهامهم إذ جعلوا لله تعالى مما خلق من الإبل والبقر والغنم نصيبا وجزءا لما يزعمون آلهة، فما يجعلونه للشركاء يكون لهم، وما يكون لله لَا يصل إليه، ويصل إلى شركائهم، وساء ما يحكمون به في هذه القضية وغيرها. ومنهم من كان قد زين لهم الشيطان قتل أولادهم بوهم للآلهة التي يزعمون، فأردوهم، ولبسوا عليهم دينهم ولو شاء ربك ما فعلوه وهو افتراء فذرهم أيها الرسول ﷺ بعد أن بينت، وحرموا على أنفسهم بأوهامهم، فجعلوا بعض الأنعام للأكل والحرث وأنعام لَا يطعمها كل الناس، وأنعام ممنوعة، وأنعام حرم ركوبها، وأنعام يأكلونها من غير ذكر اسم الله، وكل ذلك افتراء سيجزيهم الله تعالى عليه، وقالوا: ما في بطون هذه الأنعام للذكور منا، ويحرم على أزواجنا، وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء وسيجزيهم الله تعالى على ذلك، إنه حكيم عليم. وكانوا يقتلون أولادهم سفها بغير علم، ويحرمون ما رزقهم الله افتراء على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين.

стр. 3141

ولقد بين سبحانه أنه أباح الطيبات وهو الذي خلقها وأنشأها للناس، فذكر أنه أنشأ جنات معروشات كالأعناب وغير معروشات كالبرتقال وغيره، والنخل والزرع مختلنما أكله من قمح وشعير وفول وبقول والزيتون والرمان متشابها آحاده وأنواعه وغير متشابه، وخلق ليؤكل، كلوا من ثمره، وآتوا ما عليه من زكوات يوم حصاده ولا تسرفوا في الأخذ حتى لَا تطغوا إن الله لَا يحب المسرفين، وبعد أن بين النعم فيما تخرجه الأرض بين نعمه، فمن الأنعام حمولة تحملكم من أرض إلى أرض أنتم وأمتعتكم وتتخذون من جلودها وأشعارها وأوبارها فرشا، ولا تتبعوا خطوات الشيطان في طعامها وتحريم بعضها، وتحليل بعضها، فسبب التحريم ليس متحققا فيها، فهي ثمانية أزواج؛ من الضأن اثنين، ومن المعز اثنين، ومن الإبل اثنين، ومن البقر اثنين، فما سبب التحريم الذي تبتدعونه في بعضها فهل في الذكورة، فتحرموا كل الذكور؟ أم في الأنوثة فتحرموا كل الإناث؟ أم فيهما فتحرم كلها؛ وأنتم تحرمون بعض الذكور دون بعض، فلا مبرر للتحريم، والتحريم ظلم وافتراء، ومن أظلم ممن افترى على الله ليضل الناس بغير علم، إن الله لَا يهدي القوم الظالمين، ثم أمر رسوله بأن يبين المحرمات من الأنعام وهي: الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير وكل هذا رجس قذر، وما أهل لغير الله وهو فسق، وذلك كله حرام على المختار فمن اضطر غير متعدّ، ولا متجاوز حد الضرورة فإن الله غفور رحيم، ثم بين سبحانه ما حرمه على اليهود لغلظ قلوبهم، فذكر أنه حرم عليهم كل ذي ظفر من البهائم، وحرم من البهائم شحومها إلا ما حملت ظهورها أو الحوايا أو ما اختلط من الشحوم بالعظم، وكان تهذيبا لنفوسهم الشرهة، وجزاء لبغيهم. وذكر سبحانه أن المشركين يكلون شركهم إلى تقدير ربهم، أي يأثمون، ولا يحملون أنفسهم إثمهم، وكذلك كل الفاسقين حتى يروا بأس الله تعالى يوم القيامة - وهل عندهم علم سوَّغ أن يحملوا غيرهم إثم فعلهم، فيحرموا ما حرموا؛ إن يتبعون إلا الظن الكاذب والوهم، والله عنده الحجة البالغة، وهاتوا

стр. 3142

شهداء يشهدون أنه حرم ما حرموه على أنفسهم، فإن شهدوا فلا تشهد معهم، ولا تتبع أهواء الذين كانوا بأدلة الله يكذبون، ولا يؤمنون بالآخرة، وهم بربهم يعدلون، ويجعلون معه شركاء. وبعد أن ذكر سبحانه ما حرموه على أنفسهم، وبطلان ادعائهم أمر رسولِه أن يبين لهم ما حرمِ عليهم وهم فيه واقعون وهو (. . . أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١) وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١٥٢). وقد بين سبحانه بعد ذلك أن هذا هو صراطه المستقيم، عليهم أن يتبعوه، ولا يتبعوا السبل، فتفرق بهم عن سبيله، فغيرها مثارات الشيطان، وطرائقه، وتلك وصيته رجاء أن تتقوه فاتبعوها؛ ويبين سبحانه أن هذه المحرمات جاءت في شريعته ﷺ وفي كتابه، وقد سجلت في القرآن، فكانت شرعا لله، فاتبعوها واتقوا الله لعلكم ترحمون، ولا تعرضوا عنها بأن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين هم اليهود والنصارى من قبلنا ونحن غافلون عن دراستهم، أو تعرضوا قائلين لو أنزل علينا الكتاب لكئا أهدى منهم فها هو ذا أنزل عليكم من ربكم فيه بينة وهدى ورحمة، وإنكم من بعد تظلمون بتكذيبكم بآيات الإعجاز فيه، وتصدفون عنها، وجزاؤكم على ذلك الظلم سوء العذاب. هذه حجج قاطعة فإذا كنتم تعرضون عنها، فهل تنتظرون أن تأتيكم الملائكة أو يأتي ربك، أو يأتي بعض آيات ربك القاصمة لظهوركم، (يَوْمَ يَأتِي بَعْضُ آيَاتِ) وهو يوم القيامة (. . . لَا يَنفَع نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قلِ انتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ).

стр. 3143

وإن الذين فرقوا دينهم من اليهود والنصارى وكانوا شيعا لست منهم في شيء، إنما أمرهم إليَّ ثم أنبِّئُهم، بما كانوا يفعلون، ثم بين سبحانه الجزاء فجزاء الحسنة عشرة أمثالها، وجزاء السيئة مثلها، وطالبه ﷺ أن يكون قدوة فأمره أن يقول: (قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ. . .). وبين أن كل نفس وما تفعل، فلا تزر وازرة وز أخرى، ولا تكسب كل نفس إلا عليها، وإلى الله مرجع الجميع، فينبئهم بما كانوا فيه يختلفون. وبين سبحانه منزلة الإنسان في هذا الوجود، فقال تعالت كلماته: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٥). * * *

стр. 3144

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (٢) وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (٣) وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٤) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ (٥) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (٦) * * * كان ختام السورة السابقة إثبات سلطان الله تعالى الكامل، وقدرته الشاملة، وأنه لَا يعجزه شيء في السماء ولا في الأرض، إذ قال سبحانه: (لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شيْءٍ قَدِيرٌ). وفي هذه الآية يبين سبحانه السبب في كمال سلطانه، والظهر الأعظم لكمال قدرته، وهو خلق

стр. 3145

السماوات والأرض وخلق الإنسان، فإن هذا من أسباب السلطان الكامل على السماوات والأرض ومن فيهن، وهو مظهر كامل لكمال قدرته ، وهذا قوله تعالى:

стр. 3146

(الْحَمْدُ للَّه الَّذي خَلَقَ السَّمَوَات وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَات وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ) الحمد معناه اللغوي: الثناء على المحمود بالفعل الاختياري الذي يقوم به، فلا يحمد على فعل كان بالجبلة والتسخير، إنما الحمد يكون ثناء على فعل اختياري، الحمد بمعنى الثناء مراتب، أدناه الثناء على العباد في أعمالهم الاختيارية. واستعماله في القرآن في الثناء على العباد قليل إلا إذا كان في التنديد بطلبهم للحمد مثل قوله تعالى: (. . . وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا. . .). وأعلى من هذا مرتبة الثناء على الله تعالى بما هو أهله، وذكر صفاته، والإحساس بجلائل نعمه، ولهج لسان العبد بهذه النعم. والمرتبة العليا شكر هذه النعم والخضوع المطلق له سبحانه، والقيام بحق عبادته، وإفراده بالعبودية، وإن ذلك هو المطلوب من العباد، وهو أعلى الشكر، وقد قال سبحانه: (. . . لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ. . .)، والشكر امتلاء القلب بذكر الله تعالى وذكر نعمه، وشكرها، وهو الذي طالب به القرآن الكريم كما قال تعالى: (. . . اذْكرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ. . .)، و " أل " هنا للاستغراق، والمعنى أن المستحق لكل أنواع الحمد ومراتبها هو الله تعالى، فهو المستحق للعبادة، وهي أعلى درجات الحمد، وهو الجدير بكل حمد، دون غيره، وإذا كان ثمة حمد للعباد فهو إن كان على خير أسدوه كان حمد الله تعالى لتوفيقهم وعونهم، وإن كان الدافع على الثناء غير الخير، فهو ليس بحمد، وإنما هو كذب وافتراء على الحق وتعاون على الشر. وفد ذكر سبحانه أسباب ذلك الحمد الذي بلغ أعلى درجاته، فقال تعالت كلماته:

стр. 3147

(الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظّلُمَاتِ وَالنُّورَ) هذا وصف لله يثبت كمال حق العبودية له وحده، وأنه لَا يستحق الحمد الكامل سواه، ولقد يقول الصوفية: إن العبودية لله تعالى ثلاث مراتب: أولاها - أن يعبدوه لذاته، والثانية - أن يعبدوه لصفة من صفاته كصفة الخلق والتكوين، والثالثة - أن يعبدوه لتكمل نفوسهم، ويحسموا بفضل الطاعة، وهذا النص يفيد أن حمد الله تعالى؛ لأنه خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور، والحق أن المراتب الثلاث لَا تباعد بينها، فمن يعبد الله لذاته، فإن ذاته تعرف بصفاته، ومن يرى شرفه في عبادة الله وحده، فهو يتسامي. والقول الجملي - أن الذكر لخلق السماوات والأرض لبيان سلطان الله تعالى وقدرته واستحقاقه وحده الألوهية؛ بدليل قوله سبحانه بعد ذلك: (ثُمَّ الَّذِين كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ). وهنا بعض المباحث اللفظية التي نتعرض لها؛ لأنه يكون تقريبا لمعاني الإعجاز في النص: المبحث الأول - التعبير في خلق السماوات والأرض بـ " خَلَق "، وفي الظلمات والنور بـ " جَعَل "، فنقول: الخلق معناه الإنشاء الابتدائي هنا، والجعل يتضمن معنى تكوين شيء من شيء أو شيئين، وقد يتضمن الخلق ذلك المعنى بقرينة؛ وهنا المتبادر من المعنى أن الله تعالى أنشأ السماوات والأرض إنشاء، وجعل منها الظلمات والنور، فمن اختفاء الشمس عن الأرض يكون ظلام الليل، ومن بزوغ الشمس على الأرض يكون النور، وذلك كله بجَعل الله تعالى، وبأصل التكوين والتقدير من العزيز العليم. المبحث الثاني - لماذا جمع " الظلمات " وأفرد " النور "؟ والجواب عن ذلك: أن النور واحد، من نتائجه الكشف والظهور، وتعدد أسبابه لَا يغير حقيقته، أما الظلمة فإنها متنوعة بتنوع أسبابها. . فهناك ظلمة الليل، وهناك ظلمة المحابس،

стр. 3148

وهناك ظلمة القبور، وهناك ظلمة الغمام، وهي تتغير حقائقها بتغير أسبابها، ثم ثمة إشارة إلى أمر معنوي، وهي أن ظلمة الإدراك تتعدد حقائقها، فهناك ظلمة الانحراف، وظلمة الأهواء والشهوات وطمس القلوب، والنور واحد، (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ. . .)، فالنور في هذا واحد. المبحث الثالث - لماذا أفردت الأرض وجمعت السماوات مع أنه قد وردت نصوص تعتبر الأرض سبعا كالسماوات؟ والجواب عن ذلك: أنه في كثير من المواضع تفرد وتجمع السماء في مثل قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (٣٠). وإنما تعدد السماوات لعظمها، ولإحاطتها بالأرض، ولما فيها من الآيات البارزة، ولتزيينها بالنجوم، ولأنه لم يعلم أن الله تعالى قد عُصي فيها، ولأن طبقاتها متمايزة ينفصل بعضها عن بعض، والأرض طبقاتها متصلة. المبحث الرابع - ما الذي كان العطف عليه في قوله تعالى: (ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ) ولماذا عطف بـ " ثم "؟ أما الجواب عن الجزء الأول فهو أن الله خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور، وهو وحده يستحق الحمد، ثم مع ذلك يجعل الذين كفروا بسبب ضلالهم مثلا يعدلونه به، وهو أصنامهم، أو ما يزعمون من آلهة، والتعبير بـ " ثم " للبعد بين الحقيقتين، فالحقيقة الأولى التي توجب توحيد الله تعالى وحده، والثانية - ما يقع من هؤلاء الكافرين على غير بينة ولا إدراك، ولقد قرر الله تعالى الحقيقة الثابتة، فقال عز من قائل: * * *

стр. 3149

(هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (٢) * * * بعد أن ذكر جلت قدرته خلقه لهذا الكون وما فيه، وسلطانه على السماوات والأرض ومن فيهن، بين سبحانه خلق الإنسان الذي يؤمن ويكفر، ويأثم ويفسق، ويهتدي لأمر ربه،، والذي حارت البرية فيه، كما قال أبو العلاء المعري:

стр. 3150

والذي حارت البرية فيه ... حيوان مستحدث من جماد ذكر أن الله تعالى خلقه، أي أنشأه من طين فلا يصح أن يستكبر، ويستغلظ على الهداية، وليذكر أصله، فأصله من طين، ولا يزال رب البرية يربه وينميه من الطين، فغذاؤه نبات أو حيوان يرجع إلى الطين، وفي ذكر هذا الأصل إشارة إلى أمرين جليلين: أولهما - عظمة الخالق وإبداعه الذي يجعل من صلصال من حمأ مسنون ذلك الإنسان الحي المتفكر المتدبر الذي يختار الشر فيغوى، ويختار الخير فيهتدي، والإشارة إلى تذكير الإنسان إلى أصل خلقه، لكيلا يستكبر ولا يغتر ولا يستعلي، وإذا كان أصله من الطين، فليس عجبا أن يعود كما بدأ: (قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقيمُوا وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ)، (مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ. . .). وإن الله ، قد خلق الإنسان من الطين، أي خلق أصله من طين، ثم توالد وتناسل من بعد ذلك، وعمر الأرض ما شاء أن يعمرها حتى كان منهم من نسي أصله الطيني، وقد قدر سبحانه لكل إنسان أجلا، ولبني الإنسان جميعا - أجلا - أما الأول - فقد أشار إليه : (ثُمَّ قَضَى أَجَلًا) أي عمرا تكون له نهاية في هذه الدنيا، وعقبى هنالك في الآخرة، وكان العطف بـ " ثم " للإشارة إلى الأطوار التي يمر فيها الإنسان، والأطوار التي يمر بها الجنين، وللتفاوت بين الحقيقة التي نراها ونحسها والغيب الذي لَا نعرفه، مما قدره الله تعالى إذ يقول سبحانه: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ. . .). هذا هو أجل العمر، وقال سبحانه بحد ذلك: (وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ) وما هذا الأجل المسمى عنده، ولا يعلم به أحد الآن يصح أن يكون الأمد الذي يكون بين الوفاة، وبعث من في القبور، ويصح أن يكون ما قدر للإنسان في هذه الأرض من وجود، والأمران متلاقيان، فالزمن الذي يكون بين وفاة كل واحد، والبعث

стр. 3151

من القبور، والحساب والثواب أو العقاب، ثم الذي تنتهي به الدنيا، وهو مغيب، لأن الساعة علمها عند الله قال تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٧). ووصف هذا الأجل الثاني بأنه مسمى عنده يفيد اختصاص علمه بذلك، كما أشارت الآيات التي تلوناها، وقدم (أَجَلٌ مُّسَمًى) على قوله تعالى: (عِندَهُ)، لأن الأجل المسمى هو المبتدأ، وما بعده خبر، والمبتدأ مقدم حقيقة، ولأن الأجل هو المتحدث عنه باعتبار أن موضعه لَا يعلمه إلا الله تعالى، وسوغ الابتداء بالنكرة؛ لأنها موصوفة، والموصوف المنكر يصح أن يكون مبتدأ لأنه معرف بنوع من التعريف، وتأخير (عِندَهُ) ليس فقط، لأنَّ الأجل هو المبتدأ - بل لأن (عِندَهُ) مشعلقة بكون التسمية عنده فالعندية ليست لذات الخبر، إنما هي للوقت المسمى الذي اختص الله تعالى به، فكان الأنسب أن يكون المسمى مقترنا بالعندية التي هي متعلقه. وإذا كانت الآجال ترى مقدرة، فكل حي ينتهي بالموت لَا محالة، فكان الأجل الذي لَا يعلمه إلا الله تعالى لَا ريب فيه أيضا، ولكن بعض الناس في ريب وشك، لأنهم مربوطون بالمحسوس؛ ولذا قال سبحانه: (ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرونَ) أي أنه مع ما ترون، وتعلمون من أن الإنسان يموت كما ترون، وأنه من طين، مع ذلك تمترون، أي تشكون وتجادلون في شككم، والأدلة قائمة، وكان العطف بـ " ثم " لتباعد ما بين الحقائق الثابتة وأسبابها، والامتراء هو التردد الذي ينتهي إلى محاجة ومجادلة، وقد ينتهي إلى شك، ثم إلى إنكار، وكان الخطاب لكل المخاطبين بالقرآن مؤكدا بـ " أنتم "، للإشارة إلى أن النفس البشرية حسية، وهي تأخذ أحكامها على الغائب الخفي من المحسوس الجلي. فكان الخطاب للجميع

стр. 3152

ليخلعوا من نفوسهم عوامل التردد، ويتجهوا إلى تصديق العليم الحكيم القادر على كل شيء. * * *

стр. 3153

(وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (٣) * * * بعد أن أشار أنه الخالق لكل شيء أشار سبحانه إلى البعث وذكر من قبل ذلك أنه الخالق ذو السلطان المطلق في هذا الوجود يسيطر عليه بجلاله، وألوهيته، واستحقاقه للألوهية وحده، وهو العالم فيه بكل شيء، فلفظ الجلالة يتضمن معنى الألوهية الحق، ومعنى الوحدانية والعلم والقدرة والإرادة، والسلطان الكامل الذي لَا يدانيه سلطان، فمعنى قوله: (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ) يتضمن خضوع كل من فيهن له سبحانه، وسيطرته الكاملة وقدرته وعلمه، واستحقاقه للعبودية؛ والألوهية وحده. والضمير في قوله: (وَهُوَ) يعود على المستحق للحمد الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور، والذي خلق الإنسان من طين، وإنه بذلك يكون مستحقا للحمد، ويكون هو المسيطر في الكون الذي أنشأه وفي الإنسان الذي صوره من طين، وسخر له ما في السماء والأرض. وقد ذكر وصفان جليلان فيهما تذكير وتبشير وإنذار. أولهما - أنه يعلم (سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ) فإنه يعلم ما تظهره الجوارح وما تخفيه السرائر، يعلم ما يجري على الإنسان وما تخفي الصدور، فإن حاسب على ما يفعلون، فحسابه حساب اللطيف الخبير الذي لَا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء أنى يكون، وهو مجاز على ذلك إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، وهو من بعدُ الغفور الرحيم. الوصف الثاني - أنه يعلم ما يكسبون من خير أو شر، ولكل ذلك حسابه من هنا إلى يوم القيامة. * * *

стр. 3154

(وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٤) * * * قد وصف الله الذين كفروا بأنهم بعد قيام الدلائل التي تدركها الفطرة السليمة على وحدانية الله تعالى يجعلون عديلا لله في وحدانيته، ويشركون فيه، ومع أن الآيات الفطرية تدل أن خلق الإنسان إلى فناء في الدنيا ثم إلى بقاء، وإنها للجنة أبدا، أو للنار أبدا وقد بين من بعد أن الذين طمست فطرتهم فلم تدرك الحق لذات الحق لَا تجدي معهم البراهين مهما قويت، ولا الآيات مهما بينت، فبين أنهم معرضون كمن يرى ضوء الشمس فيضع غشاوة لكيلا يراها، ومن يسمع الحق فيضع أكنة على أذنه، وما تأتيهم أية حجة إلا أعرضوا عنها، وهنا بعض المباحث اللفظية التي تقرب معنى الآية الكريمة: الأول - أن (ما) في قوله تعالى: (وَمَا تَأتِيهِم مِّنْ آيَةٍ) لعموم النفي (إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضينَ). واستغراقه، أي لَا توجد أي آية. الثاني - التعبير بقوله تعالى: (مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ) فيه (من) تبعيضية، والمعنى فيه ما يأتيه آية (من) بعض آيات ربهم الذي خلقهم وذرأهم من العدم بعد أن لم يكونوا شيئا مذكورا، وهو الذي يكلؤهم ويرعاهم - إلا كانوا عنها معرضين. المبحث الثالث - أن قوله تعالى: (إِلَّا كانُوا عَنْهَا مُعْرِضينَ) فيه إثبات أن الإعراض عن الحق دأبهم وصفة ثابتة فيهم لَا يتخلون عنها، ودل على ذلك النفي والإثبات، ثم التعبير بـ " كانوا " الدالة على الدوام والاستمرار، ثم التعبير بالوصف والمعنى الجملي: لَا تأتيهم معجزة قاطعة في الإثبات من عند خالقهم إلا تلقوها معرضين عن مغزاها، تاركين مؤداها. * * *

стр. 3155

(فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ (٥) * * * إذا كانوا لَا تأتيهم آية بينة مثبتة الرسالة إلا استقبلوها بإعراض كأنه عادة لهم، وشأن من شئونهم، فلا بد أن يكذبوا بالحق الذي جاء به النبي ﷺ وهو ما اشتملت عليه الرسالة المحمدية، فهم قوم بور؛ لأن الناس أقسام ثلاثة: قسم يهتدي إلى الحق
следующие страницы →