من القبور، والحساب والثواب أو العقاب، ثم الذي تنتهي به الدنيا، وهو مغيب، لأن الساعة علمها عند الله قال تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٧).
ووصف هذا الأجل الثاني بأنه مسمى عنده يفيد اختصاص علمه بذلك، كما أشارت الآيات التي تلوناها، وقدم (أَجَلٌ مُّسَمًى) على قوله تعالى: (عِندَهُ)، لأن الأجل المسمى هو المبتدأ، وما بعده خبر، والمبتدأ مقدم حقيقة، ولأن الأجل هو المتحدث عنه باعتبار أن موضعه لَا يعلمه إلا الله تعالى، وسوغ الابتداء بالنكرة؛ لأنها موصوفة، والموصوف المنكر يصح أن يكون مبتدأ لأنه معرف بنوع من التعريف، وتأخير (عِندَهُ) ليس فقط، لأنَّ الأجل هو المبتدأ - بل لأن (عِندَهُ) مشعلقة بكون التسمية عنده فالعندية ليست لذات الخبر، إنما هي للوقت المسمى الذي اختص الله تعالى به، فكان الأنسب أن يكون المسمى مقترنا بالعندية التي هي متعلقه.
وإذا كانت الآجال ترى مقدرة، فكل حي ينتهي بالموت لَا محالة، فكان الأجل الذي لَا يعلمه إلا الله تعالى لَا ريب فيه أيضا، ولكن بعض الناس في ريب وشك، لأنهم مربوطون بالمحسوس؛ ولذا قال سبحانه: (ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرونَ) أي أنه مع ما ترون، وتعلمون من أن الإنسان يموت كما ترون، وأنه من طين، مع ذلك تمترون، أي تشكون وتجادلون في شككم، والأدلة قائمة، وكان العطف بـ " ثم " لتباعد ما بين الحقائق الثابتة وأسبابها، والامتراء هو التردد الذي ينتهي إلى محاجة ومجادلة، وقد ينتهي إلى شك، ثم إلى إنكار، وكان الخطاب لكل المخاطبين بالقرآن مؤكدا بـ " أنتم "، للإشارة إلى أن النفس البشرية حسية، وهي تأخذ أحكامها على الغائب الخفي من المحسوس الجلي. فكان الخطاب للجميع
стр. 3152
ليخلعوا من نفوسهم عوامل التردد، ويتجهوا إلى تصديق العليم الحكيم القادر على كل شيء.
* * *
стр. 3153
(وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (٣)
* * *
بعد أن أشار أنه الخالق لكل شيء أشار سبحانه إلى البعث وذكر من قبل ذلك أنه الخالق ذو السلطان المطلق في هذا الوجود يسيطر عليه بجلاله، وألوهيته، واستحقاقه للألوهية وحده، وهو العالم فيه بكل شيء، فلفظ الجلالة يتضمن معنى الألوهية الحق، ومعنى الوحدانية والعلم والقدرة والإرادة، والسلطان الكامل الذي لَا يدانيه سلطان، فمعنى قوله: (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ) يتضمن خضوع كل من فيهن له سبحانه، وسيطرته الكاملة وقدرته وعلمه، واستحقاقه للعبودية؛ والألوهية وحده.
والضمير في قوله: (وَهُوَ) يعود على المستحق للحمد الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور، والذي خلق الإنسان من طين، وإنه بذلك يكون مستحقا للحمد، ويكون هو المسيطر في الكون الذي أنشأه وفي الإنسان الذي صوره من طين، وسخر له ما في السماء والأرض.
وقد ذكر وصفان جليلان فيهما تذكير وتبشير وإنذار.
أولهما - أنه يعلم (سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ) فإنه يعلم ما تظهره الجوارح وما تخفيه السرائر، يعلم ما يجري على الإنسان وما تخفي الصدور، فإن حاسب على ما يفعلون، فحسابه حساب اللطيف الخبير الذي لَا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء أنى يكون، وهو مجاز على ذلك إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، وهو من بعدُ الغفور الرحيم.
الوصف الثاني - أنه يعلم ما يكسبون من خير أو شر، ولكل ذلك حسابه من هنا إلى يوم القيامة.
* * *
стр. 3154
(وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٤)
* * *
قد وصف الله الذين كفروا بأنهم بعد قيام الدلائل التي تدركها الفطرة السليمة على وحدانية الله تعالى يجعلون عديلا لله في وحدانيته، ويشركون فيه، ومع أن الآيات الفطرية تدل أن خلق الإنسان إلى فناء في الدنيا ثم إلى بقاء، وإنها للجنة أبدا، أو للنار أبدا وقد بين من بعد أن الذين طمست فطرتهم فلم تدرك الحق لذات الحق لَا تجدي معهم البراهين مهما قويت، ولا الآيات مهما بينت، فبين أنهم معرضون كمن يرى ضوء الشمس فيضع غشاوة لكيلا يراها، ومن يسمع الحق فيضع أكنة على أذنه، وما تأتيهم أية حجة إلا أعرضوا عنها، وهنا بعض المباحث اللفظية التي تقرب معنى الآية الكريمة:
الأول - أن (ما) في قوله تعالى: (وَمَا تَأتِيهِم مِّنْ آيَةٍ) لعموم النفي (إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضينَ). واستغراقه، أي لَا توجد أي آية.
الثاني - التعبير بقوله تعالى: (مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ) فيه (من) تبعيضية، والمعنى فيه ما يأتيه آية (من) بعض آيات ربهم الذي خلقهم وذرأهم من العدم بعد أن لم يكونوا شيئا مذكورا، وهو الذي يكلؤهم ويرعاهم - إلا كانوا عنها معرضين.
المبحث الثالث - أن قوله تعالى: (إِلَّا كانُوا عَنْهَا مُعْرِضينَ) فيه إثبات أن الإعراض عن الحق دأبهم وصفة ثابتة فيهم لَا يتخلون عنها، ودل على ذلك النفي والإثبات، ثم التعبير بـ " كانوا " الدالة على الدوام والاستمرار، ثم التعبير بالوصف والمعنى الجملي: لَا تأتيهم معجزة قاطعة في الإثبات من عند خالقهم إلا تلقوها معرضين عن مغزاها، تاركين مؤداها.
* * *
стр. 3155
(فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ (٥)
* * *
إذا كانوا لَا تأتيهم آية بينة مثبتة الرسالة إلا استقبلوها بإعراض كأنه عادة لهم، وشأن من شئونهم، فلا بد أن يكذبوا بالحق الذي جاء به النبي ﷺ وهو ما اشتملت عليه الرسالة المحمدية، فهم قوم بور؛ لأن الناس أقسام ثلاثة: قسم يهتدي إلى الحق
стр. 3156
عندما يدعَى إليه، لأنه يدرك ببصيرته، إذ هي مشرقة مخلصة تستجيب للفطرة، لأن الحق في فطرتها، وفي ثناياها. وقسم يقبل الحق، ويستمع إلى آياته ودلائله ويهتدي به. وقسم على قلبه غشاوة يعرض عن الحق، وعن أدلته، وهؤلاء لا علاج لهم إلا بالسيف يقاتلون به، أو بالعذاب الشديد ينزل بهم في الآخرة.
وأنهم لم يكتفوا بتكذيب الحق إذ جاءهم على لسان الرسول ﷺ ، وبما اشتمل عليه القرآن الكريم من حقائق ثابتة بل تجاوزوا إنكار الحق إلى الاستهزاء بأهله، والسخرية بمعتنقيه؛ ولذلك قال سبحانه: (فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ) فإن هذا النص الكريم يشير إلى إخبار بالاستهزاء مطوى قد أغنى عن ذكره ما بعده في ثنايا القول الحكيم، وإن هذا تهديد بأنه سينزل بهم عذاب شديد هو نتيجة وثمرة لاستهزائهم، وكأنه لحتميته نبأ عن القرآن الذي كان به هذا الاستهزاء، وفي الكلام إشارات بيانية تؤكد أنهم مخاطبون بالرسالة ومعاقبون على الإعراض.
الأولى - في قوله تعالى: (لَمَّا جَاءَهُمْ) وأنه نزل بساحتهم وصار قريبا منهم ففي هذا تنبيه على أنهم المخاطبون بحجيته، وأنه بينهم مستمر دائم لَا يتوانى عن تذكيرهم مهما فروا، حتى يكون ضلالهم عن بينة، ومن بعد فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فعليها.
الثانية - تأكيد ما ينزل بهم نتيجة لسخريتهم بـ " اللام " وبـ " سوف "، وبأنه يأتيهم فينزل بساحتهم، وذلك تأكيد لوقوعه.
الثالثة - التعبير عن العذاب بأنه أنباء ما كانوا به يستهزئون، والنبأ هو الخبر العظيم، وقد وضح ذلك الزمخشري في الكشاف فقال: فسوف تأتيهم أنباء الشيء الذي كانوا به يستهزئون، وهو القرآن، أي أخباره وأحواله، بمعنى سيعلمون بأي شيء استهزءوا، وسيظهر لهم أنه لم يكن بموضع استهزاء، وذلك عند إرسال العذاب عليهم في الدنيا أو يوم القيامة أو عند ظهور الإسلام وعلو كلمته.
стр. 3157
وقد بين سبحانه لهم العبرة بما نزل بمن سبقوا، ومن مجاورتهم ديارهم، فقال:
* * *
стр. 3158
(أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا ... (٦)
* * *
القرن: الجماعة المقترنة التي تعيش في زمن واحد، والاستفهام داخل على فعل محذوف دل عليه سابق الكلام ولاحقه، والمعنى المقرب: أيعرضون ذلك الإعراض عن المعجزات التي تبين لهم الحق، ويستهزئون ذلك الاستهزاء لأهل الحق، ولم يروا بأن ينظروا نظرة تدبر وتفكر العدد الكثير من القرون الذين أهلكناهم من قبل، وكانوا أشد قوة، وآكد منهم، والاستفهام هنا إنكاري لإنكار الواقع فهو للتوبيخ، لأنهم فعلا أعرضوا واستهزأوا ولم يتدبروا ويتبصروا، والآية الكريمة تنبههم إلى وجوب التبصر والتدبر، وتذكرهم بما يستقبلهم إن استمروا على غيهم، وهي فوق ذلك دليل على كمال قدرته على تنفيذ إنذاره، وقد ذكَّر الله تعالى لأولئك الأقوام الذين أهلكهم الله تعالى في سبيل بيان العبرة:
أولا - بأنهم مكنوا في الأرض بما لم يمكن للمشركين الذين عاصروا محمدا ﷺ فقال تعالى: (مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ) أي جعلنأم مكانا في الأرض لم نمكن لكم مثله، أي لم نمكنه لكم، وذلك كناية عن سعة السلطان، وقيام الصنائع، وكثرة العمران، وثبات حكمهم، واستقرار أمرهم، فأنتم معشر المشركين لم يكن لكم شيء من ذلك، وأنى يكون مكانكم بجوار مكان فرعون، وأنى يكون سعة عمرانكم بجوار سبأ في مسكنهم الذي كان فيه جنات عن يمين وشمال.
وثانيا - أن الله جعل لهم العيش رغدا، ورغد العيش كان غيثا من السماء فأرسل عليم السماء مدرارا، والمراد من السماء هنا جهة العلو، ولذا أفردت فقال تعالت كلماته: (وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا) أي أرسلنا عليهم السحب تنزل دارَّة الماء، ويصح أن نقول: إنه أرسل ما في السماء من السحب، أو اعتبرت السحب
стр. 3159
الماطرة فإنها سماء باعتبارها في وجهة العلو، وفي التعبير بـ " أرسل " بدل " أنزل " إشارة إلى معنى الغوث والإمداد المستمر الدائم، والعرب لم يكن مطرهم كثيرا، بل كان غيثا، يجيء الفينة بعد الفينة.
وثالثها - بالأنهار تجري من تحتهم؛ ولذلك قال تعالى: (وَجَعَبا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ) في التعبير بـ (جعل) معنى التحويل، أي حولنا أمطار السماء إلى أنهار تجري من تحتهم أي تحت سلطانهم يسيرون مجاريها كما يريدون، فكان الماء عندهم غدقا ولم يكن ذلك عند العرب، فبأي شيء يفترون ويستعلون، وماذا صنع سبحانه بهؤلاء؛ قال: (فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ).
الفاء هنا للتفصيل، والبيان بعد الإجمال، لقد أشار سبحانه إلى ما نزل بهم، وهنا يبين سبحانه أنه أهلكهم بسبب ذنوبهم، والإهلاك بسبب الذنوب له مظهران:
أحدهما - أن الذنوب ذاتها تهلك أمما، إذ تشيع فيهم الترف والغرور والفساد في الأرض، وبذلك تنحل وتضمحل، وتذهب قوتها.
المظهر الثاني - إهلاك الله تعالى الأمم عقابا على أوزارها، وإن الأمم إذا هلكت بسبب فسادها، جاء جيل يصلح أمرها، ويزيل أسباب الفساد، ويجدد المتخرب، وهو الجيل الذي ينشئه الله على آثار المفسدين، وهو غير الجيل السابق؛ ولذلك كان التنكير وكان الوصف بـ (آخرين).
* * *
(وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (٨)
стр. 3160
وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (٩) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ (١٠) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١١) قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٢)
* * *
كانت الآيات السابقة تبين إعراض الذين كفروا عن آيات الله تعالى، وهي المعجزات التي يأتي بها الأنبياء لإثبات أن رسالاتهم من عند الله ، وأن المشركين يعرضون عن القرآن الكريم، ويطالبون بآيات أخرى ويحسبون أن المسوغ لكفرهم نقص فيها، لَا نقص فيهم بعدم الإذعان للحق، وأن الناس قسمان: قسم يذعن للحق إذا قامت بيناته، وهذا يكفيه ما اختاره الله دليلا على رسالة من بعثه الله تعالى؛ لأنهم طلاب حق يتعرفون دليله، ويذعنون إليه.
والقسم الثاني - استولت عليهم أهواؤهم وشهواتهم، وسدت مسالك النور في قلوبهم، فهم في لهو وإعراض، وهؤلاء لَا تزيدهم قوة الدليل إلا إصرارا، وهؤلاء لَا يذعنون للحق مهما تكن قوة الدليل، وهم الذين قال الله تعالى فيهم:
أى إن هؤلاء لَا ينقصهم الدليل، ولكن ينقصهم التوجه، وأخذ أمر الدين بعناية وتفكير واتجاه سليم لطلبه، فإن الاتجاه المخلص يجعل النفس تشرق، وتمتلئ بالحكمة، فيقنعها الدليل، وهؤلاء المغرضون ينقصهم ذلك الاتجاه المستقيم، الذي يملؤهم بالنور، ويشرق في قلوبهم طلب الحكمة والنزوع إليها، وعلى ذلك لا تجدي فيهم الآيات مهما تكن قوة الدليل وحسيته.
وفى النص القرآني مقامات بيانية تقرب معناها السامي، وإن كان بينا في ذاته. .
الأول - (لَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاس) (لو) هنا حرف امتناع لامتناع، أي أن الله سبحانه يمتنع عن أن يفعل ذلك، لأنه عبث لَا يليق أن يصدر عن ذاته العلية، إذ لَا ثمرة له، فلن يؤمنوا مهما تكن قوة الدليل، وذلك مثل قوله تعالى: (وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (١٥).
فالكلام القرآني في مضمونه هنا يحكم بأن
الهداية السامية لَا تفتح لها قلوبهم المعرضة المتحيرة المركسة في الضلالة.
وقوى امتناع هدايتهم، إذا جاءتهم آية بأن لو نزل عليهم مكتوب من السماء محفوظ في قرطاس متضمن معنى رسالة الله تعالى، ولمسوه بأيديهم للدلالة على العلم الحسي الذي لَا ريب فيه ولا شك - لَا يؤمنون، فتأكدت لديهم رسالة الله تعالى بأمور ثلاثة بهذا المكتوب الذي وضع في غلافه، وبلمسه بالحس، وبكون اللمس بكل الأيدي والجوارح.
المقام الثاني - أنهم لَا يقابلون ذلك بالتصديق والإقبال والإذعان، بل ينتحلون الأعذار لكفرهم، ولا يجدون مساغا إلا ادعاء السحر يلجأون إليه، مع أن السحر تخييل وتسكير للإبصار، وهذا فيه لمس بالأيدي، فلم يقتصروا على الرؤية حتى يقولوا: إنما سكرت أبصارنا، بل نحن قوم مسحورون، ومع ذلك يبهتون الحق، ويجابهون الواقع ويقولون مؤكدين: (إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مبِينٌ).
стр. 3163
الثالث - أن الله تعالى حكم سبحانه بعدله وإنصافه بأن ذلك قول الذين كفروا منهم، ففي ذلك إشارة إلى أمرين:
الأول - الإشارة إلى أن الذين يقولون هم الذين كفروا، وأن هناك في مقابلهم مؤمنين يذعنون للحق، ويصدقون الآيات.
الثاني - أن السبب هو الكفر والجحود والإعراض، فلا يؤمنون بآية مهما تكن قوتها في الدلالة، لإعراض القلوب وعدم اتجاهها إلى الحق، بل إنها مظلمة معتمة لَا يدخل إليها النور مهما يكن وضاء.
الرابع - أنهم لفرط جحودهم وإغلاق قلوبهم يؤكدون أنه سحر مع اللمس بالأيدي، وقد أكدوا حكمهم الباطل أولا - بالنفي والإثبات، أي أنه مقصور على أنه سحر، ثانيا - بالإشارة إليه، وذكروا أنه بين واضح.
ثالثا - والمعنى الجملي أنه لَا تجدي فيهم معجزة ولا دليل، ويؤكد هذا قوِله تعالى: (وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (١١١).
* * *
стр. 3164
(وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (٨)
* * *
(لَوْلَا) هنا للتخصيص، أي أنها في ظاهرها لحضهم النبي ﷺ على طلب الملَك، وجاء بالبناء للمجهول؛ ليكون الطلب لمن أرسل الرسول، وأنهم يعلقون الإجابة على إنزال الملك، والحقيقة أنهم يتعنتون، والنص القرآني يفيد أنه وجد منهم من طلب ذلك فعلا، وأسند القول إلى المشركين؛ لأن التعنت في الصورة الشاملة لهم فما يصدر عن بعضهم تعنتا، إنما يصدر في المعنى عن جمعهم؛ لأن الباعث واحد.
ويروى محمد بن إسحاق فيقول: (دعا رسول الله ﷺ قومه إلى الإسلام وكلمهم فأبلغ إليهم فقال زمعة بن الأسود بن المطلب، والنضر بن الحارث بن كلدة، وعبد بن عبد يغوث، وأُبي بن خلف بن وهب، والعاص بن وائل بن هشام: لو جعل معك يا محمد مَلَك يحدث عنك الناس؛ ويُرى معك).
стр. 3165
فما طلبوا أن ينزل عليه ملك لَا يرونه، لأنه كان ينزل عليه جبريل الأمين على قلبه ليكون من المنذرين؛ إنما كان مطلبهم أن يكون مع النبي ﷺ ويخاطبهم بالشهادة له بالتأييد والنصرة فيما يدعو إليه.
وقد رد عليهم خالق الكون بردين يبينان سذاجة تفكيرهم - أولا - وعنتهم ومعاندتهم للحق - ثانيا.
الأول - يقول الله تعالى: (وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ) والمعنى القريب إلينا، أننا نحن الله العلي القدير القاهر فوق عباده لو أنزلنا ملكا لقضى الأمر أي لانتهى أمر الدعوة، وألزمتهم نتيجتها في الدنيا، ولعوقبوا على تكذيبهم عاجلا، ولا يكون العقاب آجلا في الآخرة، بل يكون في هذه الحياة وترون أثر تكذيبهم، ولا (تنظرون) أي لَا تمهلون إلى اليوم الآخر، ولا ينطبق عليكم قول الله تعالى: (قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْم يُبْعَثُونَ)، فقضاء الأمر إنهاء أمر الدعوة بالهلاك، ولكن دعوة محمد جهاد مستمر، لَا ينتهي أمرها بإهلاك المعاندين، كما تحققت دعوة نوح في قومه: (وَقَالَ نُوحٌ ربِّ لَا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا)، إنما دعوة محمد ﷺ جهاد بالحق، ومغالبة للباطل، حتى يدفع الباطل بالحق فيدمغه فإذا هو زاهق، وهي صورة باقية واضحة في الجهاد إلى يوم القيامة؛ لأنها شريعة دائمة لدفع الناس بعضهم لبعض، ولولا ذلك لفسدت الأرض، وإذا كانت شريعته هي خاتمة الشرائع تكون للبقاء، فإنها لا تنتهي بمجرد معاندتها في ابتداء أمرها.
وإن الله قد أهلك ولم يُنظِر كما فعل مع قوم عاد وقوم لوط، وقوم شعيب؛ لأن الله تعالى لم يقدر أن يكون منهم مجاهدون مغالبون للباطل إلى يوم القيامة، فجعلهم عبرة المعتبرين.
الأمر الثاني - الذي رد به طلبهم التعنت كان بقوله:
* * *
إذا كان الرسول يكون معه ملك، فإن المغزى أنهم يريدون أن يكون الرسول ملكا - ولو جعل الله بدلى الرسول البَشَري رسولا من الملائكة، لكان الأمر الطبيعي لكي يختلط بهم، ويخاطبهم، ويوجههم أن يجعله رجلا يكون له مظاهر البشر، ويندمج فيهم ويدعوهم، وحينئذ لَا تكون جدوى في اختياره ملكا بدل أن يكون رجلا؛ لأنه سيختلط عليهم، ويقولون كيف يكون رجل هو الذي يدعو، وما يعترضون به على النبي محمد ﷺ هو عين ما يعترضون على ذلك الملك الذي لَا يكون في مظهره إلا رجلا كمحمد ﷺ ، فمعنى قوله: (وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَا يَلْبِسُونَ) لخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم، إذ يقولون إذا رأوا الملك في صورة رجل هذا رجل، وليس بملك ونحن نطلب ملكا، وعلى ذلك يكون الدليل على أنه ملك هو القرآن المعجز الذي يتحدى به كما يتحدى به النبي ﷺ فلا جدوى، ولقد قال تعالى: (قُل لَوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَّسُولًا).
ونرى أن الرد الأولى فيه بيان سنة الله تعالى في هداية خلقه، وأن الشريعة التي يريد الله تعالى لها البقاء لَا تنقضي بالإفناء لمن تلقوها وينقضي الأمر، والرد الثاني يثبت أن طلبهم لَا نتيجة له، وأنهم ليسوا طلاب حق، بل متعنتون مستهزئون، لَا يريدون الحق أو الدليل عليه؛ ولذا قال سبحانه:
* * *
стр. 3168
(وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ (١٠)
* * *
في هذا النص الكريم تسلية للنبي ﷺ ، فيما كان فيه من بلاء وابتلاء، لقد ابتُلِيَ من المشركين بالإنكار والمعاندة، وطلب آيات، ولا يقصدون إلا المهاترة، وقد سبق إنكارهم كل دليل يساق إليهم، ساق لهم القرآن دليلا. وتحداهم أن يأتوا بسورة منه، فطلبوا آيات أخرى، وجاءهم بدليل حسي يدل على أنه مبعوث من رب العالمين، وهو الإسراء والمعراج فاتخذوه سبيلا للإنكار، ولم يتخذوا منه حجة للإثبات، وابتلاه ﷺ باستهزائهم والسخرية منه، واتخاذهم القرآن مهجورا. فبين
стр. 3169
سبحانه أن ذلك شأن الدعاة إلى الحق المجاهدين في سبيله، فهم ينالهم الاستهزاء وتواليهم أسباب الإيذاء، فلا ينتظر أن يجيب الأقوام بمجرد دعوتهم، بل ينالهم والمؤمنين أسباب الإيذاء المتوالي، والاستهزاء المستمر، وكذلك الشأن في كل دعوة جديدة، فليس محمد رسول الله ﷺ بدعا من الرسل فيما يلقاه، فكلهم استهزئ بدعوته.
وقد أكد سبحانه الاستهزاء بهم في قوله: (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ من قَبْلِكَ) أكده سبحانه بـ " قد " وبـ " اللام ".
وإن الله لَا يترك الظالمين يعيثون في الأرض فسادًا ويؤذون أهل الإيمان؛ ولذلك لَا بد أن ينزل بهم عقاب هذه السخرية في الدنيا والآخرة؛ ولذلك قال سبحانه:
(فَحَاقَ بِالَّذِينَ لسَخِرُوا مِنْهُم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ).
(الفاء) هنا فاء السببية، أي بسبب هذا الاستهزاء نزل ما نزل من عذاب بأمر الله وبأيدي المؤمنين، وقال الراغب الأصفهاني: إن (حاق) مأخوذة من (حَقَّ) قلبت فيها إحدى القافين حرفا لينا كالتظنن تقلب إحدى النونات ياء، فيقال (التظني) وهذا المعنى يشير إلى أن ما يحيق بهم من نتائج السخرية هو حق عليهم يؤخذون به.
والأكثرون من علماء اللغة: على أن حاق بمعنى أحاط، ولا تكون إلا في الشر، والمعنى أحاط بهم الأثر المؤلم لهم لسخريتهم. وهنا إشارتان بيانيتان:
أولاهما - أن الله ذكر أنه يحيق بالذين سخروا ولم يقل بالساخرين للإشارة إلى أن ما يصابون به من العذاب إنما هو بسبب سخريتهم؛ لأن التعبير بالموصول يفيد أن الصلة هي علة الحكم، وللإشارة إلى أن العذاب نتيجة السخرية.
ثانيتهما - أنه تعالى قال: (فَحَاقَ بالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءونَ) وإنما الذي حاق هو العذاب لَا ذات السخرية، ويقول العلماء: إن ذلك مجاز
стр. 3170
علاقته السببية، فهو عبر بالسبب وأراد المسبب، وإن ذلك يفيد أن العذاب ملازم لهذه السخرية لَا ينفصل عنها، فحيث كانت كان عذابها لَا محالة.
والعذاب الذي ينزله الله تعالى بالساخرين قسمان: عذاب بهلاك أو بآفات سماوية، كما أرسل على فرعون وقومه الجراد والقُمَّل والضفادع والدم آيات مفصلات، والآخر بأن يمن على أولئك الذين يُسخر منهم بالقوة والنصر والتأييد، على كل من المستهزئين الساخرين، كما كان الأمر بالنسبة للمشركين الذين كفروا برسالة محمد ﷺ .
* * *
стр. 3171
(قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١١)
* * *
أمر الله تعالى نبيه بأن يذكرهم بحال من سبقوهم، وأن يروا آثارهم حسا، ثم يتدبروا فيها فكرا، ليعرفوا أين ذهب هؤلاء، فيستفيدوا من ذلك ثلاث فوائد:
الفائدة الأولى - أن يعرفوا أن هذه الحياة التي يعيشون فيها ليس لها دوام، بل إن لها انتهاء، وأنها لَا تبقى فيها باقية.
والفائدة الثانية - أن أولئك الأقوام قد مكن لهم في الأرض بما لم يمكن لهم، وما منعهم ملكهم الواسع، وقوتهم الظاهرة من أن يؤخذوا كما يؤخذ أضعف الضعفاء، وأن النهاية واحدة لَا فرق فيها، فالدنيا عرض زائل.
الفائدة الثالثة - أن الله عذبهم بالإهلاك في الدنيا بسبب طغيانهم؛ لأن الله تعالى لم يرد أن يجعل منهم حماة لشريعة خالدة، فسيجدون في سيرهم أرض ثمود، وأرض عاد وما فيهما من بنيان قُوِّض عليهم، وأرض قوم لوط، وقد جعل الله تعالى عاليها سافلها، فإذا كانوا يطلبون من النبي ﷺ أن يستعجل لهم العذاب مستهزئين، فها هي ذي المَثُلات، والعبر، فليعتبروا، وإلا فهم قوم بور، لا يتعظون ولا يعتبرون.
стр. 3172
وفى النص بحوث لفظية:
أولها - أن الله أمر نبيه أن يخاطبهم هو؛ لأنهم يستهزئون به ﷺ فكانت المجاوبة منه لهم، وطلب السير، من قبيل الطلب المندوب، أو اللازم، والنظر كذلك من قبيل الطلب، والمراد النظر بالرؤية والإبصار ثم بالتدبر والتفكير، فليس إبصارا مجردا، ولكنه إبصار وتفكير، ولو كان إبصارا مجردا لكان مقيدا بالغاية منه وهو التفكير والتدبر.
ثانيها - الحكمة في العطف بـ " ثم " بدل (الفاء)، والمقام مقام (الفاء) كما في قوله تعالى: (قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِين) النمل، فإن السياق هنالك يجعل النظر مسببا عن السير، ومترتبا عليه، أما هنا فالسير مطلوب في ذاته، ويجيء النظر المطلوب أيضا كأنه غير مقصود من السير، وكأنه أمر بدهي هو نتيجة للسير، ولم يربط بالسببية بينهما فكان التعبير بـ " ثم " المفيدة للتراخي، وهذا تصريف الله تعالى في آياته: (. . . كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ).
ثالثها - معنى " كيف " هنا " حال "، أي انظر حال عاقبة المكذبين بعد موتهم أين البطش الذي كانوا يبطشونه والجبروت الذي كانوا يطغون به، وأين المال والبنون وما كانوا يغترون به؟
وذكر الله (عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ)، ولم يقل تعالت كلماته عاقبة المستهزئين؛ لأن التكذيب هو الأصل الذي ترتب عليه الاستهزاء وذكر السبب يتضمن ذكر المسبب.
* * *
стр. 3173
(قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ ... (١٢)
* * *
أمر الله تعالى نبيه أن ينبههم إلى خلق السماوات والأرض ومن فيهن، والمجاوبة بينهم وبين النبي ﷺ فيمن خلقهم، ومن يملك من فيهن ومن له السلطان، وقد نقلهم من أمر حسي يستطيعون أن يروه، ويعتبروا به إلى أمر فكري هو ثمرة للتفكير في الإنسانية
стр. 3174
كلها، والاستفهام يتضمن معنيين: أولهما - التنبيه إلى أن الله تعالى يملك السماوات والأرض ومن فيهن من أقوياء وضعفاء، ومن إنس وجن، ومن ملائكة أطهار لَا يعصون الله تعالى ويفعلون ما يؤمرون، ومن أخيار في الأرض وأشرار، فالجميع في قبضة يده ، ولا أحد فوق سلطانه، والمعنى الثاني - تبكيتهم، وبيان أنهم ومن هم أقوى منهم في قبضة يده سبحانه.
ونميل إلى أن الاستفهام للتنبيه، فإنه من أمثل الطريق لتقرير الحقائق، السؤال ثم الإجابة؛ ولذلك كانت الإجابة بأمر الله تعالى نبيه أن يقول: (قُل لِّلَّهِ) فكانت هذه الإجابة تقريرا للحقيقة الثابتة التي يدركها العقل السليم، وهي مما يوجبه الإيمان، وتقرره الفطرة وبداهة العقول.
وقد ذكر عدله ثم ذكر رحمته من بعد، وأشار إلى أن العدل والرحمة متلازمان، فقال سبحانه:
(كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ)
ومعنى كتب الله تعالى على نفسه أنه أوجب تفضلا وتكرما من غير إلزام من أحد ألزمه الرحمة بعباده، فهو الذي يمدهم بنعمه محسنهم ومسيئهم، وخيِّرهم وشرِّيرهم، وهو الذي يكلؤهم بالليل والنهار، ولقد روى الشيخان عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: " لما قضى الله تعالى الخلق كتب كتابا فوضعه عنده فوق العرش إن رحمتي سبقت غضبى " (١) ولهذه الرحمة لم يسارع بإنزال الهلاك على العصاة ممن بعث إليهم محمداً ﷺ ، عسى أن يخرج من ذرية المشركين من يعبد الله ، ويخلص في إيمانه.
ومن مظاهر رحمته أن يعاقب المسيء، ويثيب المحسن، فإن ذلك هو العدل وفيه رحمة، فحيث كان العدل كانت الرحمة، فهل يستوي الذين يعملون والذين
стр. 3175
لا يعملون، وهل تستوي الظلمات والنور، وهل يستوي الأخيار والأشرار. إن عقاب العاصي رحمة بالعموم، وإن لم يكن رحمة بذات العاصي فهو لَا يستحق الرحمة؛ ولذا قال النبي ﷺ : " من لَا يَرحَمْ لَا يُرْحَم " (١) ولقد ذكر سبحانه أن من مقتضى رحمته أن يجمع الناس يوم القيامة ليوم لَا ريب فيه، يجازى فيه المحسن بإحسان، ويعاقب فيه السيئ؛ فقال تعالت كلماته: (لَيَجْمَعَنَّكمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ) فهذه الجملة استئنافية لبيان نوع من العدل، وهو أن يثاب المحسن، ويعاقب السيئ، ويحاسب كل على ما قدم من عمل في هذه الدنيا، إذ هو رحمة بالخلق، وقد ذكر الله أن القصاص فيه رحمة كبيرة، فقال تعالت كلماته: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ. . .)، والقصاص بكل ضروبه فيه حياة ورحمة.
وهنا بعض إشارات بيانية:
الأولى - أن الله أكد جمع الناس يوم القيامة، وذلك بـ " اللام " الدالة على قسم مطوي في القول، وبنون التوكيد الثقيلة.
والثانية - تعدية الجمع بـ " إلى " دون " في "؛ للإشارة إلى أن الجمع نهايته تكون يوم القيامة، فهم يحشرون في القبور، والجمع مستمر في ذلك.
الثالثة - إثبات أن ذلك اليوم لَا شك فيه عند أهل الدراية والمعرفة ومن يشك فيه فهو ليس ذا إدراك سليم، وإذا كان بعض الناس يشك فيه، فليس ذلك إلا من سقم الإدراك، وفساد الفطرة، وينبغي ألا يشك فيه مدرك، فالبديهة تقول إن الله تعالى لم يخلق الكون عبثا، ولم يخلق الإنسان عبثا، بل خلقه ليفنى ثم ليبقى من بعد ذلك، ومن خلق في الابتداء قادر على الإعادة في الانتهاء، وبين سبحانه بعد ذلك الحال الواقعة للذين يكفرون بالله وبالرسالة وباليوم الآخر، وأن شرهم متكاثف يردف بعضه بعضا.
стр. 3176
(الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ).
عبر عن الكفار بالرسالة المحمدية، والوحدانية واليوم الآخر بالذين خسروا أنفسهم، وجعل الكفر نتيجة للخسران، فالخسران يبتدئ، والكفر نهايته، أو هما متلازمان، فالخسران سابق ولاحق لأنه يترتب على الكفر خسران متضافر.
والخسران الذي يسبق الكفر، وهو خسران الفطرة، فلا يكفر بالدليل القاطع إلا من يخسر فطرته وخسران الإدراك السليم؛ لأنه لَا يكفر بوجود الله إلا من ينسى أن كل أثر له مؤثر، وكل موجود له موجد، وخسروا عقولهم إذ سيطرت الأوهام عليهم، فأشركوا مع الله أحجارا تحطم، وأوثانا تصنع، ونجوما تأفل، وخسروا نفوسهم فصارت معوجة، وخسروا قلوبهم فصارت مظلمة، وإذا كانت كل مداركهم قد سدت فهم لَا يؤمنون؛ لأن الإيمان يحتاج إلى قلب مخلص، وعقل مدرك، وإذعان للحق إذا بدت معالمه، وظهرت أماراته، وإنهم بعد الكفر يزيدون خسرانا، إذ كل إنكار للحق خسران في ذاته؛ لأنه نزول عن مرتبة الإنسانية السامية.
وقد قال تعالى: (فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) وعبر بالمضارع للإشارة إلى أنهم لَا يكون الإيمان شأنا من شئونهم، ذلك لأن من امتلأت نفسه بالأوهام وصارت عشا لها، وضلت عقولهم لَا يمكن أن تذعن لشيء، بل هي دائما مضطربة حائرة تنتقل من ضلال إلى ضلال، ومن متاهة إلى مثلها، كمن يضل في بيداء كلما أوغل زاد ضلالا (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً. . .).
* * *
стр. 3177
(وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٤) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (١٦) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١٨)
* * *
بين في الآيات السابقة سلطانه في خلق السماوات والأرض، وجعل الظلمات والنور، وإحاطة علمه سبحانه ومعرفته للسر والجهر، وتلقِّي المشركين لبيان تلك الحقائق مع الإعجاز الدال على صدق الأخبار النبوية بالتكذيب والاستهزاء، والإعراض عن البينات من الآيات، وطلبهم آيات أخرى، وبين سبحانه أنه ما دام الإعراض، وما دام الجحود مستوليا على نفوسهم، فلن تجدي معهم آية؛ لأن ما سيق إليهم كاف، ولأنهم يكذبون حسهم ما دام إنكارهم سابقا لتلقيهم، وقد ضرب لهم سبحانه الأمثال بما وقع للسابقين، ونبههم سبحانه إلى ملكيته لكل ما في السماوات والأرض، وفي الآيات التي نتكلم في معناها بيان لسلطانه وعلمه الكامل بكل ما فيها، وما ينبغي أن يكون أثرا لعلمه بذلك، فقال تعالى:
(سكن) هنا من السكون بمعنى الاستقرار، والمعنى ولله كل ما استقر وأقام في السماوات وفي الأرض من حيوان وجن وما احتويا من نبات وجماد وبحار وجبال ووهاد ومعادن ولآلئ، والتعبير بـ " ما " في قوله: (وَلَهُ مَا سَكَنَ) للدلالة على العموم.
وقد يراد السكون الذي هو ضد الحركة، لأنه لَا سكون إلا معه حركة، إذ إن السكون معنى نسبي لَا يتحقق إلا إذا كان معه حركة، وإذا كان الله تعالى، يعلم السكون لكل ما في السماوات والأرض فهو سبحانه يعلم الحركة والسكون، وأنه لَا مانع من أن يراد المعنيان معا، إذ يعلم سبحانه كل ما استقر في السماوات والأرض، ويعلم حركاتهما وسكناتهما.
ويعلم ذلك في الليل والنهار، ويملك كل ذلك، فالنص الكريم يدل على ملكية الله تعالى لكل ما في السماوات والأرض عامة، بلا استثناء ويعلم ما في كل الأماكن، وفي عموم الأزمان، بلا استثناء ليل ولا نهار.
وهو مع هذه الملكية الكاملة يديرها بعلم كامل، ويهيمن عليها بقدرة قاهرة، وإرادة مسيطرة، وعلم دقيق لذلك قال سبحانه: (وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) أي أنه يسمع دبيب النمل من غير أُذن، ويعلم كل ما كان أو سيكون من غير مشابهة في سمعه وعلمه للمخلوقات (. . . لَيْس كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُو السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)، لَا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.
وفى هذا النص الكريم إشارة إلى أنه يملك الناس وما حولهم لَا يخرجون عن قدرته، وهو المهيمن عليهم، إن شاء خسف بمن يخالفه، وأهلكهم، ولم يجعل من الكافرين ديَّارًا، وأنه عليم بما يكون من الطائعين، فيجزيهم ويهديهم، وما يكون من العصاة، فيعاقبهم ويرديهم، وفيه إنذار للمشركين.
* * *
إذا كان الله وهو الذي يملك كل من في السماوات والأرض من إنس وجن وملائكة وغير ذلك، وهو المسيطر عليها ليلا ونهارا، وهو الذي فطر السماوات والأرض، وأنشأهما على غير مثال، فإن الله سبحانه هو الحق والنصير، وهو المعبود، وإن أولئك المشركين يريدونك أن تعدل عن اتخاذ الله تعالى وليا ونصيرا، ومعاضدا، ومؤيدا، وأن تتخذ أحجارا لَا تسمع ولا تبصر، ولا تضر ولا تنفع، ولذلك أمر الله تعالى نبيه أن يخاطبهم مستنكرا ما هم فيه من اتخاذهم غير الله أولياء، وجاعلا الاستنكار منه ﷺ ، والاستنكار بالنسبة لرسول الله ﷺ استنكارًا للوقوع فهو بمعنى النفي عنه ﷺ ، أي لَا يمكن أن يقع منه ﷺ ، وبالنسبة لهم استنكار لما يقع منهم فهو توبيخ، والاستنكار لأعمالهم واقع ضمنا، في استنكار النبي ﷺ على نفسه أن يقع منه ذلك، والنبي ﷺ ينفي وقوعه منه، ويوبخ من عملوا ذلك.
والمعنى قل يا محمد لهؤلاء الذين أشركوا بالله غيره في العبادة وادعوا أن الأوثان تقربهم إلى الله تعالى زلفى - أنا لَا أتخذ غير الله وليا، وقدم في الاستفهام كلمة (أَغَيْرَ اللَّهِ) لأن ذلك موضع الشناعة عليهم في الاستنكار؛ إذ إنه موضع الغرابة أن يكون غير الله متخذا وليا، فكان ذات الاتخاذ غريبا في ذاته، والإشراك في ذاته ترك لعبادة الله وعدم اتخاذه وحده وليا ونصيرا؛ لأن الولاية الحق هي لله وحده، فاتخاذ أي ولي معه ترك لولاية الله تعالى، والولي يطلق بمعنى النصير، وبمعنى المعبود، وبمعنى الصديق الحميم، وهو هنا بمعنى النصير المعبود، فلا يُسْتنصَر إلا الله، ولا يُعبد سواه، وقد ذكر سبحانه على لسان نبيه الكريم عملين له سبحانه يوجبان أن ينفرد وحده بالعبادة:
أحدهما - ما ذكر : (فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) أي منشئهما على غير مثال سبق، ابتداء حيث لم تكونا من قبل، وقد قال مجاهد التابعي تلميذ ابن عباس: (سمعت ابن عباس ﵄ يقول: كنت لَا أدري ما
стр. 3182
فاطر السماوات والأرض، حتى أتاني أعرابيان يختصمان إلى في بئر، فقال أحدهما لصاحبه: أنا فطرتها، يقول: أنا ابتدأتها - أي ابتدأ - بشقها).
ونقول: إنه ليس بمعقول أن يكون ابن عباس جاهلا بالمعنى المفهوم من السياق، ولكن لعله كان لَا يعلم أصلها في اللغة، وكيف كانوا يستعملونها؛ حتى التقى بالأعرابيين، فوضح لديه أصل الاستعمال.
وفطر السماوات والأرض يوجب أن تكون الولاية لله وحده؛ لأنه الخالق لهذا الوجود والذين يشركونهن معه، لَا يملكن لأنفسهن ضرا ولا نفعا، فكيف نتصور ولاية لهن بجوار ولاية الله الخالق المنشئ.
الأمر الثاني - أن الله لَا يحتاج، وغيره يحتاج، فهو يُطْعِم كل من في هذا الوجود، ويمده بأسباب الحياة والنماء ولا يطعمه أحد، وهذا على قراءة (وَلا يُطْعَمُ) بالبناء للمجهول، وهناك قراءة بالبناء للمعلوم، والمعنى فيها أنه يطعم من يشاء بالرزق الموفور، ولا يطعم من يشاء بالتقتير عليه في الرزق.
(قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكونَ أَؤَلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَن مِنَ الْمُشْرِكِينَ).
كما أمر الله تعالى نبيه بأن يستنكر أن يتخذ غير الله وليا، وهو الذي أبدع ذلك الوجود، وكل ما فيه يحتاج إليه، وهو لَا يحتاج إلى أحد، وكنى عن هذا الاحتياج بإطعام غيره إذ أشد الحاجة تكون إلى الطعام، بعد هذا أمر الله تعالى نبيه بأن يقول إنه امر أن يكون أول من أسلم، وفي ذلك بيان أن الإسلام مطلوب من الجميع وأن النبي ﷺ أول من يُؤمر بالإذعان لله تعالى والخضوع له، وفي بيان أمر النبي ﷺ بذلك مع أنه بالبداهة أول من خوطب بالإسلام، وأمر بما اشتمل عليه، كان أمر النبي ﷺ بذلك؛ ليكون أسوة حسنة لهم، كما قال سبحانه: (لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ. . .). ولأن الاقتداء دعوة حسية، ولأن في الإنسان نزوعا إلى التقليد، واتباع المهتدين، والتعبير بقوله تعالى: (أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ) تعبير بالحال الواقعة من النبي ﷺ ، بأن يكون في
стр. 3183
حال أول من ينشئ الإسلام ويذعن لله ، وكأنه يقول لهم: أنا منكم، وأُمرت أن أكون أول من يخترق الحجزات لأذعن لله الواحد الأحد الفرد الصمد، ثم قال تعالى: (وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) أي أنه كما أمر أن يكون أول المذعنين لأوامر الله تعالى المخلصين له، نهى أن يكون من المشركين، بأن يكون في صفوف المشركين الذين يجعلون مع الله تعالى غيره معبودا، وأن أخرج من صفوف المشركين وإن كانوا قومي وعشيرتي، وفيهم الأقربون، وهنا نثير ثلاثة أمور نقرب بها معنى النص الكريم:
أولها - كيف تعطف الجملة الإنشائية على الجملة الخبرية، إذ إن الأولى أمرت، والثانية - ولا تكونن من المشركين؟ وقد أجاب عن ذلك العلماء بإجابات مختلفة، والذي نراه أن الجملة الأولى ظاهرها إخبارية، ولكن لتضمنها معنى الأمر كانت في معنى الجملة الطلبية الإنشائية، فإن نسق الكلام هكذا (كن أول من أسلم ولا تكونن من المشركين).
الثاني - لماذا كان النهي عن الشرك بعد الأمر بأن يكون أول مذعن لمطالب الإيمان بالواحدانية، والجواب عن ذلك أن النهي هو عن أن يكون من المشركين بأن يتبرأ منهم، ومن إشراكهم، ويخرج من صفوفهم، ولو كانوا قومه وعشيرته القربى، وإذا خرج من صفوف أهل الكفر كان في حزب الله، وحزب الله تعالى هم المفلحون.
الثالث - لماذا كان الالتفات من الإخبار الظاهر في قوله تعالى: (وأمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ) إلى الخطاب في قوله تعالى: (وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)؟ والجواب عن ذلك أن الخطاب فيه توكيد معنى النهي عن الشرك، وكلتا الجملتين للخطاب كما خرجنا في الأمر الأول، والله تعالى هو وحده الذي يملك الأمر والنهي.
* * *
стр. 3184
(قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥)
* * *
هذا أمر ثالث من الله لنبيه الأمين ﷺ أن يبين حالا من أحواله ﷺ ، يكون فيها تنبيه لهم، وتحذير من أن يبقوا على الشرك، ويستمروا على عصيان الله تعالى، فيأمره تعالى بأن يقول لهم: (إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ).
فذكر هذه الحال من النبي ﷺ تنبيه لهم إلى أنهم في مقام من يخاف عذاب يوم عظيم.
ففي هذا النص إنذار لهم بأن عذاب يوم عظيم ينتظرهم، وأنه يجب أن يخافوه، ويتقوه، بأن يقلعوا عما هم فيه من الوقوع في أسبابه، وهو العصيان، وأكبر العصيان الشرك، وأنذروا بأدق تعبير، وأنصف تصوير، وأبلغ بيان إذ جعلت حال النبي ﷺ من الخوف من عذاب الله إن عصى منبهة إلى الاقتداء، والتفتيش عماهم فيه من معصية.
وفى الموضع كلام في عصيان الأنبياء أيتصور وقوعه؟ ونقول إن الأنبياء معصومون عن العصيان، ولكن الخوف من العصيان يعتريهم؛ لأنهم لفرط إحساسهم بعظمة الله وإيمانهم بحسابه وعقابه وثوابه، ورقابتهم النفسية لله يكونون دائما في خوف ووجل، لَا لتوقع العصيان، ولكن رهبة من الديَّان.
ولأن العصيان الجلي غير متوقع عبر بـ (إن) التي لَا تدل على الوقوع، فقال (إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي) وهنا فوق التعبيص بـ (إن) التعبير بـ (ربي) فإنه يستبعد عصيان الرب الخالق المنمي الكالئ، الذي هو فوق كل شيء.
واليوم العظيم هو يوم القيامة، وكان عظيما، بما فيه من أمور، من تجلي الله ، وحسابه وعقابه، والتنكير للتعظيم، فهو ذو عظمة متكررة، ولعظمة ذلك اليوم وعذابه قال تعالى:
* * *
стр. 3185
(مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (١٦)
* * *
الضمير الذي يعتبر نائب فاعل يعود على عذاب يوم القيامة العظيم، وهناك قراءة بالبناء للفاعل (١)، ويكون المفعول محذوفا، والضمير يعود إلى ربي أو إلى الله المذكور تعالى في قوله: (أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا). إلى آخره، ويكون المعنى على هذه القراءة من يصرف الله تعالى عنه هذا العذاب العظيم في ذلك اليوم فقد رحمه، وعلى أي حال فالضمير في قوله تعالى: (فَقَدْ رَحِمَهُ) يعود على الله، ولهذا اختار ابن جرير الطبري قراءة البناء للفاعل، إذ يكون الصارف الدافع للعذاب هو الرحيم، فالنسق يكون واضحا.
و (يَوْمَئِذٍ) من إضافة الوقت إلى الوقت أي ذلك في يوم ذلك الوقت وهو يوم القيامة، وكان ذلك رحمة من الله لأن العذاب يكون عظيما، وذهاب العذاب ودفعه رحمة، ومع ذلك فهناك الجنات التي تجري من تحتها الأنهار، والنعيم القيم، فالرحمة إيجابية وسلبية، فالسلبية دفع العذاب، والإيجابية الهداية؛ فإنها في ذاتها رحمة، ثم ما يعقبها من جزاء. ثم ما هو فوق ذلك وهو رضوان الله تعالى.
وذلك كله من الرحمة المتنوعة المتعددة وهو الفوز المبين الواضح الذي لا يماري فيه إلا جهول.
* * *
الضُّرُّ. . .)، والضر هو الأمر المؤلم الذي ينزل بالمرء من ضيق في الرزق، أو مرض في الجسم، أو هزيمة في حرب أو نحو ذلك، فإذا مسَّك أيها النبي ﷺ ضر من هذا النوع الذي تتأثر به في دعوتك، فلا يكشف عنك هذا الضر - لتستمر في تبليغ رسالته - إلا الله تعالى، بعد أن تتخذ الأسباب، وظاهر هذا الكلام أن الخطاب يكون للنبي ﷺ ويكون لتقويته في تبليغ دعوته، وتأكيد ولايته، واستعانته به وحده.
ويصح أن يكون الخطاب لكل مؤمن قارئ للقرآن، أو لكل من هو أهل للخطاب، وفيه بيان أن الناس جميعا في سلطان الله، فما يصيبهم من نفع فبتقديره، وما يصيبهم من ضر فبتقديره وإرادته، وهو الكاشف لهذا الضر إن أراد ذلك كله مع الأخذ بالأسباب؛ لأن الأسباب لَا تعمل وحدها، إنما لَا بد معها من إرادة الله تعالى والتوكل عليه؛ ولذلك كان الله تعالى يأمر بالتوكل عليه بعد الأخذ بالأسباب، لأنها وحدها لَا تعمل إلا مع التفويض، كما أن النوم والتواكل لا يجديان، والتوكل في هذه الحال تواكل وليس اعتمادا على الله ، وقوله تعالى: (وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كل شَيْء قَدِيرٌ) فيه المقابلة بين الخير والضر، وأن الأول يكشفه الله، والثاني بقدرة الله تعالى، والتعبير بالمس في الأمرين من قبيل التشاكل اللفظي، والكل تحت سلطان الله تعالى وقدرته، والخطاب للنبي ﷺ أو لكل من هو أهل للخطاب الذي يتلو القرآن الكريم، أو يستطيع تلاوته، وكشف الضر: إزالته، ومس الخير: نفعه، ولماذا عبر عن الضر بأن الله كاشفه، وعن مس النفع بقدرة الله تعالى؟ ونقول في الإجابة: إن من نزل به ضر يكون إحساسه بزواله، فعبر عن زواله بكشف الله تعالى، وأما النفع فإنه يكون صاحبه في حال تستوجب الحمد والثناء وطلب البقاء فيناسبه إثبات قدرة الله تعالى.
стр. 3188
وإن كشف الضر والنفع كله بقدرة الله تعالى، ولقد قال النبي ﷺ : " لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت " (١) وقال الله تعالى: (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ. . .).
* * *
стр. 3189
(وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١٨)
* * *
معاني هذه الآية الكريمة جامعة لكل سلطان الله على عباده في السماء والأرض، فهو الغالب على كل شيء لَا إرادة لأحد مع إرادته، وإرادته، فوق كل إرادة، فهو المسيطر سيطرة كاملة على عباده، والفوقية المذكورة في النص الكريم هي فوقية سلطان لَا فوقية مكان، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، فلا جبار له إرادة عند سلطانه سبحانه، ولقد قال ابن كثير في معنى النص جملة رائعة، فقد قال: (يقول تعالى: إنه مالك الضر والنفع، وإنه المتصرف في خلقه بما يشاء لا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه وهو القاهر فوق عباده، أي هو الذي خضعت له الرقاب، وذلت له الجبابرة، وعنت له الوجوه، وقهر كل شيء ودانت له الخلائق).
وإنه بهذا السلطان القاهر يدبر كل شيء بحكمته، وعلمه الدقيق المحيط، الذي لَا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، فبحكمته الظاهرة وبعلمه المحيط وقدرته القاهرة يسير الكون وما فيه ومن فيه إنه على ما يشاء قدير.
* * *
(قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا
стр. 3190
تُشْرِكُونَ (١٩) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢١) وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٢٢) ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤)
* * *
في الآيات السابقة بين الله تعالى أنه خالق السماوات والأرض، وفاطرها على غير مثال سابق، وكيف خالف المشركون الفطرة الإنسانية، والعقل المستقيم، وأشركوا بأحجار في عبادة الله لَا تنفع ولا تضر، وبين سلطانه تعالى، ثم ذكرهم سبحانه بنوازل تنزل بهم، فهو الذي يكشف الضر إن نزل، وهو الذي يسوق الخير بفضل قدرته ومنته. وفي هذه الآيات يذكرهم سبحانه بإشراكهم مع قيام المعجزة القاطعة بأنه هو الله وحده، فالآيات السابقة كانت في الآيات الكونية المثبتة للوحدانية، والآيات اللاحقة تثبت الوحدانية بالدلائل السمعية المثبتة للوحدانية والتي ثبت صدقها بالمعجزة القاطعة، وهي القرآن الكريم؛ ولذا قال تعالى: