← Тафсир

Тафсир · id 37071

زهرة التفاسير

محمد أبو زهرة

Полный текст (8 373 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.

стр. 3186

(وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ... (١٧) * * * المس يطلق على ما ينزل بالإنسان من ضر، مثل قوله تعالى: (. . . قَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ. . .). وقوله تعالى: (. . . مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاءُ. . .)، ومثل قوله تعالى: (وَإذَا مَسَّ الإِنسَانَ

стр. 3187

الضُّرُّ. . .)، والضر هو الأمر المؤلم الذي ينزل بالمرء من ضيق في الرزق، أو مرض في الجسم، أو هزيمة في حرب أو نحو ذلك، فإذا مسَّك أيها النبي ﷺ ضر من هذا النوع الذي تتأثر به في دعوتك، فلا يكشف عنك هذا الضر - لتستمر في تبليغ رسالته - إلا الله تعالى، بعد أن تتخذ الأسباب، وظاهر هذا الكلام أن الخطاب يكون للنبي ﷺ ويكون لتقويته في تبليغ دعوته، وتأكيد ولايته، واستعانته به وحده. ويصح أن يكون الخطاب لكل مؤمن قارئ للقرآن، أو لكل من هو أهل للخطاب، وفيه بيان أن الناس جميعا في سلطان الله، فما يصيبهم من نفع فبتقديره، وما يصيبهم من ضر فبتقديره وإرادته، وهو الكاشف لهذا الضر إن أراد ذلك كله مع الأخذ بالأسباب؛ لأن الأسباب لَا تعمل وحدها، إنما لَا بد معها من إرادة الله تعالى والتوكل عليه؛ ولذلك كان الله تعالى يأمر بالتوكل عليه بعد الأخذ بالأسباب، لأنها وحدها لَا تعمل إلا مع التفويض، كما أن النوم والتواكل لا يجديان، والتوكل في هذه الحال تواكل وليس اعتمادا على الله ، وقوله تعالى: (وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كل شَيْء قَدِيرٌ) فيه المقابلة بين الخير والضر، وأن الأول يكشفه الله، والثاني بقدرة الله تعالى، والتعبير بالمس في الأمرين من قبيل التشاكل اللفظي، والكل تحت سلطان الله تعالى وقدرته، والخطاب للنبي ﷺ أو لكل من هو أهل للخطاب الذي يتلو القرآن الكريم، أو يستطيع تلاوته، وكشف الضر: إزالته، ومس الخير: نفعه، ولماذا عبر عن الضر بأن الله كاشفه، وعن مس النفع بقدرة الله تعالى؟ ونقول في الإجابة: إن من نزل به ضر يكون إحساسه بزواله، فعبر عن زواله بكشف الله تعالى، وأما النفع فإنه يكون صاحبه في حال تستوجب الحمد والثناء وطلب البقاء فيناسبه إثبات قدرة الله تعالى.

стр. 3188

وإن كشف الضر والنفع كله بقدرة الله تعالى، ولقد قال النبي ﷺ : " لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت " (١) وقال الله تعالى: (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ. . .). * * *

стр. 3189

(وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١٨) * * * معاني هذه الآية الكريمة جامعة لكل سلطان الله على عباده في السماء والأرض، فهو الغالب على كل شيء لَا إرادة لأحد مع إرادته، وإرادته، فوق كل إرادة، فهو المسيطر سيطرة كاملة على عباده، والفوقية المذكورة في النص الكريم هي فوقية سلطان لَا فوقية مكان، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، فلا جبار له إرادة عند سلطانه سبحانه، ولقد قال ابن كثير في معنى النص جملة رائعة، فقد قال: (يقول تعالى: إنه مالك الضر والنفع، وإنه المتصرف في خلقه بما يشاء لا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه وهو القاهر فوق عباده، أي هو الذي خضعت له الرقاب، وذلت له الجبابرة، وعنت له الوجوه، وقهر كل شيء ودانت له الخلائق). وإنه بهذا السلطان القاهر يدبر كل شيء بحكمته، وعلمه الدقيق المحيط، الذي لَا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، فبحكمته الظاهرة وبعلمه المحيط وقدرته القاهرة يسير الكون وما فيه ومن فيه إنه على ما يشاء قدير. * * * (قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا

стр. 3190

تُشْرِكُونَ (١٩) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢١) وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٢٢) ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤) * * * في الآيات السابقة بين الله تعالى أنه خالق السماوات والأرض، وفاطرها على غير مثال سابق، وكيف خالف المشركون الفطرة الإنسانية، والعقل المستقيم، وأشركوا بأحجار في عبادة الله لَا تنفع ولا تضر، وبين سلطانه تعالى، ثم ذكرهم سبحانه بنوازل تنزل بهم، فهو الذي يكشف الضر إن نزل، وهو الذي يسوق الخير بفضل قدرته ومنته. وفي هذه الآيات يذكرهم سبحانه بإشراكهم مع قيام المعجزة القاطعة بأنه هو الله وحده، فالآيات السابقة كانت في الآيات الكونية المثبتة للوحدانية، والآيات اللاحقة تثبت الوحدانية بالدلائل السمعية المثبتة للوحدانية والتي ثبت صدقها بالمعجزة القاطعة، وهي القرآن الكريم؛ ولذا قال تعالى:

стр. 3191

(قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ). فرض النص الكريم أن خصومة بين محمد ﷺ ، وهو الداعي إلى الوحدانية، والمشركين الذين يرتعون في الوثنية، وأن هذه الخصومة تحتاج إلى شاهد يشهد، وأنه لابد من شاهد يفصل، وحاكم يحكم ويقضي، فأمر الله تعالى

стр. 3192

نبيه في بيان رائع حكيم، أن يسأل المشركين عن أي شيء في هذا الوجود أكبر وأعظم وأقوى وأزكى شهادة بحيث تقبل شهادته ولا ترد، وكان الكلام في صيغة الاستفهام تنبيها إلى جلال الشاهد، وتنبيها إلى سلامة دعوى محمد ﷺ ليدركوا حقه وضلالهم، ثم نبههم إلى الإجابة السليمة للسؤال التنبيهي التي لَا تقبل مراء ولا جدلا، وهو أن أكبر شهادة هي شهادة الله ، الذي خلق الكون وهو الذي يحوط كل ما فيه بالحياطة الكاملة، والتهذيب والتربية، فقال تعالت كلمات: (قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ) في هذه الخصومة التي فرضتموها، هي خصومة الباطل اللجلج مع الحق الأبلج، وقد تكلم الزمخشري في بيان لفظي بلاغي، فذكر أن في النص الكريم توجيهين: أحدهما - أن الإجابة تنتهي عند قوله: (اللَّهُ) وأن ما بعد ذلك تقرير للشهادة، فـ (شَهِيدٌ) يكون جملة جديدة، لأنه خبر لمبتدأ محذوف، ويكون المعنى على هذا التخريج قل الله ذو الجلال والإكرام، والعزة وصاحب الإنعام في هذا الوجود، وهو كاف، وهو أكبر شهادة، ولا شهادة بعد شهادته، وهو يشهد بالحق وبالوحدانية، يشهد بما جاء في القرآن بعد أن شهد بما خلق وأنشأ، ثم بين أنه هو شهيد في هذه الخصومة. والتخريج الثاني - أن الإجابة تكون في نهايتها عند (شَهِيدٌ)، فالمعنى قل إن الله تعالى شهيد، فـ (شَهِيدٌ) تكون خبرا للفظ الجلالة ابتداء، وكلاهما توجيه ليؤكد معنى الشهادة في النص القرآني. ولماذا كانت شهادة الله تعالى أكبر شهادة؛ لأنها التي تتفق مع العقل، ولأنه المنشئ، ولأنه الباقي وكل شيء هالك إلا وجهه. وما الدليل على شهادة الله تعالى؛ نقول: هي بيناته، وهي التي ينطق به بها القرآن الذي قام الدليل على أنه من عند الله تعالى العزيز الحكيم؛ ولذلك جاء ذكر القرآن الناطق بالحق، فقال تعالى:

стр. 3193

(وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ). هذا النص فيه المعجزة التي تدل على صدق الرسول ﷺ ، وهو يشتمل على شهادة الله القولية بأنه واحد أحد ليس بوالد ولا ولد، وأنه القادر على كل شيء وأنه القاهر فوق عباده، وهو أمر حسي يتلى عليهم ليلا نهارا، ويقرأ عليهم جهارا، وكان معجزا ببلاغته، وما فيه من علم، وما فيه من قصص صادق، وما فيه من شرائع منظمة للعلاقات بين الناس في أسرهم ومعاملاتهم، واجتماعهم، وعلاقات الإنسانية بعضها ببعض، ولقد قال ﷺ في إثبات أنه المعجزة التي تحدى بها الناس أن يأتوا بمثلها فعجزوا عجزا مبينا: " ما من نبي إلا أوتي ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحي به إليَّ، وإني لأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة " (١). ولماذا كانت معجزة النبي ﷺ قرآنا يتلى، وتولى سبحانه حفظه من التحريف والتبديل إلى يوم القيامة كما قال تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ). والجواب عن ذلك أن معجزات الأنبياء السابقين كانت تقع ولا يعلم بها على اليقين إلا الذين عاينوها وشاهدوها، والذين من بعدهم لَا يعلمونها إلا بالخبر الذي لَا شك فيه. أما شريعة محمد ﷺ فإنها باقية خالدة إلى يوم الدين فلا بد أن تكون معجزاتها قائمة حاملة معنى الإعجاز والتحدي ما دامت الشريعة قائمة خالدة، فلا بد أن يكون القرآن الكريم حجتها خالدا بخلودها. والنص القرآني الذي نتكلم فيه اشتمل على أمور ثلاثة: أولها - بيان أنه المعجزة المثبتة لصدق النبي ﷺ وقد ذكر ذلك بالإشارة، إذ قال: (وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ) وقد ثبت بالتحدي عجزهم عن أن يأتوا بمثله.

стр. 3194

ثانيها - أنه مشتمل على الإنذار للمشركين والمخالفين والعصاة إن استمروا على غيهم، ولم يستجيبوا لنداء ربهم، ودعوة نبيهم إلى الوحدانية والفضيلة، وتكون مجتمع سليم نقي. ثالثها - أن النص يتضمن أن القرآن حجة وإنذار لكل منِ بلغه سواء خاطبه النبي ﷺ أم بلغه، وقد بين ذلك قوله تعالى: (لأُنذِرَكم بِهِ وَمن بَلَغَ) أي أن من بلغ القرآن فهو مخاطب به، سواء أكان من العرب أم كان من العجم، وكأنه خاطبه النبي ﷺ ، ولقد روي أنه ﷺ قال: " بلغوا عن الله تعالى، فمن بلغته آية من كتاب الله تعالى فقد بلغه أمر الله " (١)، وروي عن جمع من التابعين أنهم كانوا يقولون: (من بلغه القرآن فقد أبلغه محمد ﷺ . وإن هذا النص يستفاد منه أمران: أولهما - أن من لم يبلغه القرآن ولا يعلم عنه شيئا، فإنه لَا يعتبر قد بلغته الدعوة الإسلامية، وإثمه على الذين تقاصروا عن تبليغها وبيانها. ثانيهما - أنه لَا معذرة لمن يعرف القرآن، في الكفر بالحقائق الإسلامية. ولكن كيف التبليغ بالقرآن، والعجمة سائدة في هذا الوجود سواء أكانت إنجليزية أو فرنسية أو غيرهما؟ والجواب عن ذلك أنه يجب في سبيل الدعوة إلى الإسلام؛ التي هي فرض كفاية على المسلمين؛ يأثم المسلمون جميعا إن لم يكن دعاة إلى الإسلام - يجب عليهم أن تفسر طائفة مخلصة مؤمنة فاهمة القرآن تفسيرا موجزا تبين معانيه، ويترجم ذلك التفسير إلى كل لغة أعجمية. (أَئِنَّكمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أخرَى قل لَا أَشْهَدُ).

стр. 3195

شهادة الله التي فصل بها في القضية، ونطق بها القرآن الكريم؛ ولذا أحيل بيانها إلى القرآن في قوله تعالى: (وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ) وفي هذا النص السامي يقابل بينها وبين شهادتهم وما يتبعه النبي ﵊ أيتبع الله تعالى العلي الحكيم أم يتبع أهواءهم؟! معاذ الله أن يتبع الهوى بل إنه يتبع الهدى. والاستفهام هنا إنكاري لإنكار الواقع، فهم وقع منهم ذلك، وتأكد وقوعه ولم ينكروه؛ ولذلك كان تأكيد وقوعهم بأن قال تعالت كلماته: (أَئِنَّكُمْ) فهو إنكار لهذا الأمر الواقع منهم وقوعا مؤكدا، وإنكار الواقع توبيخ، فالاستفهام هنا يتضمن معنى تقرير ما وقع منهم وتوبيخهم عليه، وعبر بتشهدون للإشارة إلى قوة الضلال في نفوسهم إذ إنهم مع ضلال الفكرة الوثنية يعتقدونها أشد الاعتقاد؛ لأن الشهادة لَا تكون إلا بالعلم اليقيني، فهم يؤمنون بـ (تشهدون) بالشرك أي بأن مع الله آلهة أخرى، وتسمية الأوثان التي يشركون بها مع الله تعالى آلهة؛ لأن ذلك في زعمهم، فليست آلهة ولا يمكن أن تكون آلهة، إذ هي أوثان أو أشياء أو أشخاص لَا يكون منها نفع ولا ضرر، وليست مفيدة في ذاتها، وهم يعبدونها، فهي بزعمهم آلهة. ووصفت بـ (أُخْرَى) مع أنها جمع، وكان الظاهر أن توصف بـ (أخَر) ليوصف الجمع بالجمع، ولكن لأنها مشتركة في وصف جامع وهو أنها أحجار فهي في المعنى شيء واحد؛ لذا وصفت، فهي في المعنى واحد، وكذا وصفت بما يوصف به الواحد لَا بما يوصف به العدد، والوصف بـ (أخرى) فيه إشارة إلى بطلان عبادتها. وإنه من المبالغة في التوبيخ والتنديد أن يأمر الله تعالى نبيه بألا يشهد بما يشهدون، بل يشهد بشهادة الحق، فيقول تعالى: (قُلْ لَا أَشْهَدُ). وفى أمر الله تعالى له بالقول مع التنديد لهم والتوبيخ لهم ما يدعو إلى الاقتداء والتأسى به ﷺ وهو العاقل الصادق الأمين المعروف بذلك بينهم جاهلية وإسلاما، وإن ذهبت اللجاجة ببعضهم إلى إنكار المعروف بلسانه لَا بقلبه.

стр. 3196

(قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ). هذا تقرير وتأكيد لمعنى الجملة السابقة وهي لَا أشهد وتحتمل أن تكون داخلة في مقول القول، ويكون مقول القول لَا أشهد وإنما هو إله واحد، ويحتمل أن تكون جملة مبتدأة، والفصل في الأول يكون لأنها بيان لما قبلها، وفي الثانية يكون لابتداء الكلام، وإن كان في المعنى فيه تقرير لما سبقه. والضمير (هو) يعود على الله تعالى، وهذا النص السامي تضمن أمرين: أولهما - وحدة الله تعالى، وقدض عليه غوله تعالى: (إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ) وهذا يفيد قصر الألوهية على الله تعالى فلا يعبد سواه سبحانه، ويفيد مع ذلك أنه لَا يتصور أن يكون المعبود بحق غير واحد؛ لأن المنشئ المكون المدبر واحد، ولا يتصور بمقتضى النظر إلا أن يكون المعبود واحدا. الأمر الثاني - التصريح ببراءة النبي ﷺ مما يعبدون من أوثان يشركون بها مع الله تعالى: (وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ). في هذا النص تنديد شديد بعبادة الأوثان؛ لأن الرجل العاقل يتبرأ منها، ولا يليق أن يعبدها، وقد أكد براءته بـ (إن)، وبالوصف (بريء) وبأن ذلك افتحال منهم، وليس ألوهية في شيء. * * *

стр. 3197

(الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ ... (٢٠) * * * الذين آتاهم الله الكتاب هم اليهود والنصارى أوتوا التوراة والإنجيل، وهم بما عندهم من الأخبار والأنباء عن المرسلين يعرفون محمدا ﷺ ورسالته، وبعثه وصفته ومهجره، ويؤمنون بالله تعالى ويوحدونه، ولا يشركون، يعرفون هذه الحقائق كما يعرفون أبناءهم الذين هم من أصلابهم فهو عندهم بمرتبة اليقين، وقد وردت الآثار بذلك. ويروى في ذلك أن كفار مكة قالوا للنبي ﷺ : ما نرى أحدا يصدقك فيما تقول، ولقد سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أنه ليس لك عندهم ذكر فأرنا من يشهد أنك رسول الله، وروى ابن جرير بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما

стр. 3198

أنه قال: جاء النحال بن زيد وقردم بن كعب فقالوا: يا محمد! ما نعلم مع الله إلها غيره، فقال رسول الله ﷺ : " لا إله إلا الله تعالى، بهذا بعثت وإلى ذلك أدعو " (١). فهذا النص الكريم (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ) شهادة ثابتة بعد شهادة الله تعالى التي حكاها النبي ﷺ عنه ﷻ ، وبعد شهادته ﷺ ، وهي شهادة النبيين السالفين أجمعين. والضمير في (يَعْرِفُونَهُ) على من يعود؛ قال الأكثرون من المفسرين: إنه يعود إلى النبي ﷺ ، ويؤيد ذلك سبب النزول المذكور أولا، وهو المروي عن النبي ﷺ عن طريق الكلبي، وهو يؤيد الوحدانية ويؤكد الشهادة بها من قبل تأييد النبي ﷺ في صدق رسالته. وجوز ابن جرير الطبري عودة الضمير على الله تعالى، ويؤيده أنه أقرب ظاهر مذكور في الآية، كما يؤيده رواية ابن عباس في شهادة أهل الكتاب الذين شهدوا بالتوحيد، وهو ظاهر، وإن كان لَا يظفر بالكثرة التي يظفر بها الرأي الأول. (الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ). ختم الله تعالى النص ببيان خسارتهم لأنفسهم، وإركاسهم أنفسهم في الفساد، ويترتب فقد الإيمان، وعلى هذه الخسارة الفادحة التي فقدوا بها أنفسهم كأناس لهم إدراك وفهم في ربط للمسببات المنطقية باسمها، وإن المشركين كانوا يؤيدون نحلتهم بتكاثر معتنقيها، فذكر لهم القرآن الكريم أن الله تعالى يشهد ببطلان كلامهم وقام الدليل على صدق شهادة الله - تعالى - بالكتاب الموحى به، والذي قام الدليل على صدقه بالتحدي به، وعجزهم عن أن يأتوا بمثله، وشهادة النبي ﷺ وقد علموا أنه الصادق الأمين وإن لجَّ قادتهم في الخصومة حتى فجروا

стр. 3199

فيها، وشهدت الكتب السابقة والذين يعتنقون ما فيها، فلماذا يكذِّبون ويشركون فماذا بعد الحق إلا الضلال، وأي خسارة نفسية أكثر من الفُجر في الخصومة، واللجاجة في البهتان حتى أصبحوا لَا يتصور الإيمان منهم. * * *

стр. 3200

(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢١) * * * الاستفهام هنا إنكاري للنفي وفيه توبيخ للمشركين، هو حكم على أمر واقع، ومعنى القول: لَا أحد أظلم من الذي قصد إلى الفرية على الله تعالى، أو كذب الحجج القائمة، أو كذب ما جاء في القرآن الكريم من آيات بينات، ومعنى النص أن المشركين كذبوا على الله تعالى بكل عقائدهم، وبذلك بلغوا أقصى درجات الظلم الذي لَا يوجد أعلى منه، إذ بلغوا أقصى غايات الكذب الذي يبهت العقلاء والأمناء الصادقين، وقد قال الزمخشري في بيان كذبهم على الله تعالى: (جمعوا بين أمرين متناقضين، فكذبوا على الله تعالى بما لَا حجة عليه، وكذبوا بما ثبت بالحجة البينة والبرهان الصحيح، حيث قالوا: لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا، والله أمرنا بها، وقالوا: الملائكة بنات الله، وهؤلاء شفعاؤنا عند الله، ونسبوا إليه تحريم البحائر والسوائب، وذهبوا فكذبوا القرآن والمعجزات وسموها سحرا ولم يؤمنوا بالرسول ﷺ . هذه بعض أكاذيبهم على الله تعالى التي بلغوا بها أقصى درجات الكذب، وبها استحقوا أن يكونوا هم، ومن يشابهونهم أكثر الناس افتراء، وأظلم الناس في هذا الافتراء، وخلاصتها أنهم كذبوا على الله تعالى بأن ادعوا عليه سبحانه ما لم يكن، وكانوا في ذلك مرتكبين لأعظم بهتان، وكذبوا بآياته، والآيات قسمان: آيات هي المعجزات، ومنها التي تحدى بها الأنبياء، والآيات الكونية، وقد كذبوا الاثنين، وكفروا بآيات الله تعالى في آيات الكون الدالة على إبداع خلقه، وأنه سبحانه هو الخالق وحده، وهناك الآيات القرآنية قد كذبوا بها فلم يؤمنوا.

стр. 3201

ولا يمكن أن يفوزوا وهم على هذا الظلم؛ ولذلك ختم الله تعالى الآية بقوله تعالت كلماته: (إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) فالظلم وخصوصا ظلم الكذب يفسد النفس، ويفسد العقل ويفسد العمل. * * *

стр. 3202

(وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٢٢) * * * الكلام هنا متصل بما قبله، ذلك أن ختام الآية السابقة هو قوله تعالى: (إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) وذلك يومئ إلى أن الله لَا يوفقهم للخير في الدين؛ لأنهم خسروا أنفسهم ولم يؤمنوا، ولأنهم أظلم الناس بافترائهم على الله، وتكذيبهم لآيات الله، ويوم يحشرهم أي يجمع الناس جميعا لَا يُستثنى منهم أحد، يكون الخسران المبين، والعذاب الأليم، والحرمان من النعيم. وفى الآية الكريمة قراءتان ذكرهما الزمخشري، أولاهما - قراءة حفص بالنون في (نحشر) و (نقول) (١)، ومعناها ظاهر بين لَا يحتاج إلى تخريج أو تأويل، وثانيهما - بالياء في (يحشرهم) وفي (يقول)، ويكون الضمير في الأمرين يعود إلى الله تعالى، وهو مذكور عن قرب في الآية السابقة. والحشر مؤكد بكلمة (جَمِيعًا)، وهذا التأكيد يمنع احتمال التخصيص، ويكون الضمير يعود على النابر أجمعين، وأن الذين يعاقبون ويحاسبون هم الذين أشركوا؛ ولذا قال تعالى: (ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا) والعطف بـ " ثم " كان لتعدد الوقائع قبل هذا الخطاب الموجه للمشركين خاصة، والذين اختصوا بالخطاب فيه؛ لأنه لَا شركاء يزعمونهم آلهة مع الله إلا عند الذين أشركوا، فهناك أمور تقع يوم القيامة قبل هذا الخطاب وكان تقدير القول هكذا: يوم نحشر يكون الحساب، وتحضر كل نفس ما كسبت، ويكون لكل امرئٍ كتابه، ويحصى عمله من خير وشر، ثم نقول للذين أشركوا: (أَيْنَ شركاؤُكمُ الَّذِينَ كنتُمْ تَزْعُمُونَ) الشركاء هم

стр. 3203

الآلهة التي زعموها آلهة مع الله تعالى، فإضافة الشركاء إليهم لأدنى ملابسة، أي لمجرد العلاقة النفسية والفكرية التي نحلتها عقولهم السقيمة في إدراكها لهم، وهل كانوا غائبين عنهم، حتى يبحث عن مكانهم، لعل ذلك يكون، ولعل حالهم من أنهم لَا قوة لهم، وليس لهم الشفاعة القربة، ولا النصرة القادرة، يعتبرون كأنهم شيء معدوم يسألون عنه، وما كان سلطانهم إلا بزعمهم الفاسد في الدنيا، وقد رأوا الحقائق عيانا، وكشفت الأمور لهم، فغاب عنهم سلطان تلك الالهة المزعومة. * * *

стр. 3204

(ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) * * * أصل معنى الفتنة، إدخال المعدن النار ليزول عنه الخبث الذي يعلق به، وأخص المعادن الذهب، ففتنته إدخاله في النار لتعلم جودته، ثم أطلقت على الاختبار والعذاب والبلاء، والمصيبة والكفر والإثم والألم والضلال. وفى النص الكريم قراءتان: إحداهما - ضم تاء (فتنتُهم) (١)، والمراد من الفتنة الاختبار الشديد بهول ما رأوا، والمعنى على هذه القراءة وهي قراءة حفص: وكان من أثر الاختبار والهول الشديد الذي رأوه يوم الحشر والحساب، أن نسوا ما كانوا عليه من شرك، وقالوا مقسمين: (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشرِكِينَ) أي أنهم أقسموا بالله غير صادقين في الحقيقة، ونادوا الله بـ (ربنا) معترفين بربوبيته وحده، ويكون ذلك من فرط الهول والشدة وعظمة ما رأوا من صدق الحقائق، حتى كذبوا أنفسهم. والقراءة الثانية بفتح التاء وبالياء في يَكُنْ (٢). ويعتبر اسم (يكن) هو (أن قالوا)، وقد رجح هذه القراءة ابن جرير الطبري، وقال في معناها: (ثم لم يكن

стр. 3205

قيلهم عند فتنتنا إياهم اعتذارا مما سلف منهم من الشرك بالله إلا أن قالوا: والله ربنا ما كنا مشركين، فوضعت الفتنة موضع القول لمعرفة السامعين معنى الكلام. وإنما الفتنة الاختبار والابتلاء، ولكن لما كان الجواب من القوم غير واقع هنالك إلا عند الاختبار وضعت الفتنة التي هي الاختبار موضع الخبر عن جوابهم واعتذارهم). وخلاصة المعنى الذي يقرره ابن جرير أن الفتنة الاختبار، وأنها بهذا المعنى هي السبب للقول، والقول هو المسبب ويكون التخريج هكذا لم يكن القول المتسبب عن الفتنة إلا أن قالوا إنا كنا مشركين، فعبر عن المسبب بالسبب لبيان شدة الهول وما يترتب عليه. * * *

стр. 3206

(انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤) * * * النظر هنا ليس هو نظر البصر، ولكنه نظر القلب والتأمل والتفكير والاعتبار، والنظر القلبي إنما هو إلى حالهم وما كانوا عليه من فزع واضطراب بسبب يوم القيامة الذي تزلزل فيه: (. . . وتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ)، فهذا التصوير لحالهم بعد رؤيتهم هول يوم القيامة، إذ قالوا غير ما كان منهم كاذبين اعتذارا عما كان أو إنكارا، أو نسيانا للهول الذي هم فيه إذ ساروا سكارى لَا يعون، وهذا هو الذي نختاره فكذبهم بإخبارهم غير الواقع كان غفلة وذهولا؛ ولذا قال: (وَضَلَّ عَنْهُم مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ) أي غاب عن ذاكرتهم فنسبوا ما كانوا يفترونه من قول فيشركون مع الله غيره في العبادة، فـ (ما) اسم موصول بمعنى (الذي)، وما أنساهم إلا الهول حتى أخبروا بغير ما وقع منهم، اللهم نجنا من كرب يوم القيامة وما فيه. * * * (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ

стр. 3207

لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٥) وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٢٦) وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٢٨) وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٢٩) وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٠) * * * الكلام موصول في المشركين الذين تقوم لديهم الدلائل القاطعة على وحدانية الله تعالى، وسلطانه تعالى عليهم في الدنيا، وإثبات رسالة النبي ﷺ بالمعجزة التي تحدى العرب فيها أن يأتوا بمثلها، وبيان ظلمهم، ثم بين سبحانه بعض حالهم يوم القيامة، وكيف يغيب عنهم ما كانوا يفترونه، وفي هذه الآيات يبين حالهم عند تلقى الدعوة المحمدية.

стр. 3208

(وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِى آذَانِهِمْ وَقْرًا). الأَكتة جمع كنان، وهو الغطاء، والمعنى أنه لَا يصل الحق إلى قلوبهم لوجود ذلكَ الغطاء الحاجز المانع من أن يصل نوره إلى قلوبهم، بل إنه لَا يصل إلى مسمعهم، فقد جعل الله تعالى في آذانهم وقرا، والوَقر، بفتح الواو ثقل السمع، وهذا النص كناية عن كمال الإعراض، فهم لَا يصل إليهم القرآن،

стр. 3209

وقد تفاهموا فيما بينهم على الإعراض (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَروا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ). وإذا وصل إلى سمعهم فهنالك غشاوة على قلوبهم تمنعهم من أن يشرق فيها نوره، وعلى ذلك لَا يكون لاستماعهم جدوى وفائدة، وهنا يسأل سائل، إذا كان منع الهداية من الله تعالى بالغشاوة على قلوبهم والختم عليها، وبالوقر في آذانهم فلا يسمعون سماع تبصر، وطلب للهداية فماذا يكون عليهم من تبعة يحاسبون عليها حسابا عسيرا بالعذاب الأليم؟ والجواب عن ذلك أن الله يسير الأمور وفق حكمته العليا، فمن يسلك سبيل الهداية يرشده، وينير طريقه، ويثيبه، ومن يقصد إلى الغواية، ويسير في طريقه تجيئه النذر تباعا إنذارا بعد إنذار، فإن أيقظت النذر ضميره وتكشفت العماية عن قلبه فقد اهتدى وآمن بعد كفر، ومن لم تجد فيه الشذر المتتابعة ولم توقظ له ضميرا، ولم تبصره من عمى، فقد وضع الله تعالى على قلبه غشاوة، وفى آذانه وقرا. وقوله: (أَن يَفْقَهُوهُ) المصدر المكون من (أن) وما بعدها مضاف إلى مصدر محذوف يقدر على ما يناسب المقام من وضع غلاف يمنع النور، ووقر يمنع السمع، فيكون التقدير كراهة أن يفقهوه أو لمباعدة أن يفقهوه، ومعنى يفقهونه أن يدركوه إدراكا عميقا، ينفذون فيه إلى لبابه، وغاياته، فليس المراد مجرد الفهم والمعرفة، بل المعرفة النافذة التي تصل إلى اللب وتستولي على القلب. وإن سبب ذلك كله هو الإعراض المطلق الذي سيطر على كبرائهم، وسبق الكفر إلى قلوبهم ومعارفهم، ومع هذا الإعراض، وبسببه يحكمون من غير أن يفقهوا فيقول ما حكاه الله عنهم. (وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا). والكافر بالحق المعرض عن الأدلة يسبق كفره إيمانه، فالكفر سابق على التثبت والاستدلال، فهو متجه إلى الإنكار ابتداء؛ ولذلك وصف الله تعالى الذين

стр. 3210

مردوا على الجحود والإنكار، وقال فيهم: (وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا) والآية الدليل المعجز على رسالة الرسول، فالآية كما يقول العلماء لعموم النفي، أي أنهم لا يؤمنون بأي رسالة يرونها مهما تكن قوتها ظاهرة، ومهما تكن دلالتها قاهرة؛ لأن العناد والجحود يقهر كل حجة ويمنع سلطانها على القلب؛ إذا ختم عليه، حتى لَا ينفذ النور إليه، فإذا كفروا بالقرآن فذلك شأن الذين طبع الله على قلوبهم، وجعل في آذانهم وقرا، وعلى قلوبهم أكنة، وعلى أبصارهم غشاوة؛ ولذلك قالوا في معجزة النبي ﷺ إذا جادلوا كما حكى الله تعالى عنهم: (حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَروا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ)، ويلاحظ هنا أن الله تعالى يقول: (إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ) فيه إشارة إلى أنهم كانوا بعداء عن النبي ﷺ من قبل ثم جاءوه، ولم يكن مجيئهم إذعانا لحق، ولا طلبا لحقيقة، ولكن كان تحديا للرسول ومبالغة في الإنكار، واستهانة بالقرآن الحكيم وهو الآية الكبرى؛ ولذا قال الذين كفروا: إن هذا إلا أساطير، والأساطير جمع أسطارة أو أسطورة، والمعنى ما هذا إلا أخبار الأقدمين. وهنا إشارتان: أولاهما - أنهم ما جاءوا يطلبون الحق، ولكن جاءوا يجادلون، تقال للتسلية. ومنها ما يكون غير صادق، والجدل في أكثر أحواله تمويه، وليس طلب حق. والثانية - أن الذين كفروا يقولون ما هي إلا أساطير الأولين بسبب كفرهم فكفرهم سابق لرفضهم المعجزة. * * *

стр. 3211

(وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٢٦) * * * إن المشركين لَا يكتفون بالإعراض عن الحجج الثابتة والبينات القاطعة، ولا يكتفون بالافتراء على الآيات تتلى عليهم، والاستهانة وقولهم إن هي إلا أساطير الأولين، لَا يكتفون بذلك، بل يتعدى شرهم إلى غيرهم فهم ينهون الناس عن اتباع محمد ﷺ والقرآن الكريم هو آيات بينات، فهم لَا يهتدون، ويمنعون الهداية عن غيرهم ينهونهم، ويثيرون السخرية عليهم إن اتبعوا الهدى واستقاموا على

стр. 3212

الطريقة المثلى، وينأون عن النبي، أي يبتعدون عن النبي ﷺ ، ويتجافون مجلسه، فهم يقومون بأعمال ثلاثة كلها انحراف عن الصراط المستقيم واتباع للغواية: أولها - الإعراض عن آيات الله تعالى وتكذيب النبي ﷺ ، وثانيها - أنهم ينهون الناس عن اتباع الحق، فهم ضالون مضلون، والثالث - أنهم لكي يباعدوا بينهم وبين الحق، ولا يجعلون سبيلا لقلوبهم يجتهدون في ألا يلتقوا بالنبي ﷺ ، فيتجافوا عن مجالسه لكيلا يكون منه منفذ للحق إلى قلوبهم، ففيهم غواية ولجاجة. وفى هذا التفسير يكون الضمير في (عنه) في الحالين يرجع إلى النبي ﷺ وما جاء به. وبعض المفسرين التابعين لبعض التابعين جعل الضمير في ينهون في الحالين يعود إلى عشيرة النبي ﷺ وأعمامه وكانوا عشرة، فهم للعصبية التي كانت قائمة يذبون عن النبي ﷺ وينهون المشركين عن أن ينالوه، وفي الوقت ينأون عن إجابته، ولعل أوضح مثل لذلك أبو طالب، فقد كان يمنع النبي ﷺ من أذاهم، ويمتنع عن اتباعه مع أنه في قرارة نفسه كان يظنه على حق، ولقد روي عنه شعر في ذلك، فقد روى أنه قال: والله لن يصلوا إليك بجمعهم ... حتى أوسَّد في التراب دفيناء فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة ... وأبشر بذاك وقرَّ منه عيونا ودعوتنى وزعمت أنك ناصح ... ولقد صدقت وكنت ثَمَّ أمينا وعرضت دينا لَا محالة إنه ... من خير أديان البرية دينا لولا الملامة أو حذاري سبة ... لوجدتني سمحا بذاك مبينا وإن الأول هو المقبول المعقول؛ لأن القرآن لَا ينزل في حكم الآحاد إلا إذا كان يؤدي إلى عموم، والأول أظهر وهو عام فيؤخذ به. وإنهم في إصرارهم وعنادهم ولجاجتهم في كفرهم ونهي الناس عن الاتباع، بل فتنتهم - يسيرون في طريق الفساد والضلال ولا يهلكون أحدا إلا أنفسهم؛ لأن

стр. 3213

الدعوة إلى الحق ماضية، فإن عوقها معوق فإلى حين؛ إذ الضالون لَا يشعرون أنهم يسيرون في طريق الهاوية، ولو شعروا بها لتجنبوا، وكذلك أهل الضلال دائما. * * *

стр. 3214

(وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) * * * ذكر الله تعالى حال المشركين في الدنيا في لجاجتهم في الكفر، بإعراضهم عن الآيات البينات، وجحودهم للنبوة، ونهيهم غيرهم عن اتباعه ومجافاتهم له، وكان لابد من المقابلة بين هذه الحالة المنحرفة المتجافية عن الهداية، وحالهم يوم القيامة إذ يعرضون على النار، ويقفون عليها، فذكر سبحانه مخاطبا النبي: إنك أيها النبي لو اطلعت عليهم ورأيت حالهم إذ وقفوا على النار واطلعوا عليها ورأوها تستقبلهم بلهيبها وسعيرها - لرأيت هولا عظيما يدفعهم لأن يتمنوا أن يعودوا إلى الدنيا ولا يكذبوا بآيات خالقهم ومنشئهم وكالئهم وحاميهم ويكونوا من المؤمنين، وفي الآية الكريمة إشارات بيانية، بذكرها نقرب ما في الآية من بلاغة رائعة: الأولى - التعبير بـ (إذ) التي تدل على الماضي بدل (إذا) التي تدل على المستقبل، وذلك لتأكيد الوقوع، وليستبين المستقبل حاضرا قائما، ويتصور على أساس أنه موجود لَا على أنه سيوجد. الثانية - أنه عبر بـ (على) بدل (فِي) للإشارة إلى أن مجرد الاطلاع عليها، والعلم بها بالعيان يلقى في النفس بهولها وشدتها، فما بالك بالوقوع فيها. الثالثة - أن (لو) شرطية والجواب محذوف وتقديره - لو رأيتهم في هول وفزع وشدة فتمنوا أن يعودوا ويصلحوا. الرابعة - أن التمني كان بالنداء لصيغته وهي (ليت) كأنه يقول: (يا ليت) أقبلي فهذا وقتك الذي نستغيث بك فيه؛ إذ لَا نملك إلا التمني فهو أداتنا الوحيدة، وإن كانت أداة العاجزين.

стр. 3215

الخامسة - أن قوله تعالى: (وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) فيه قراءتان - إحداهما - بنصب الباء والنون على أنها جواب التمني بإضمار محذوفه، والثانية - بضمها على تقدير محذوف (١)، وتقدير الكلام هكذا: ليتنا نرد ونحن لا نكذب، ونكون أول المؤمنين، ويكون فيها فضل توكيد بذكر وعدهم بعدم التكذيب، وبأن يكونوا من المؤمنين. السادسة - توكيد إيمانهم بأنهم يخرجون من صف أهل الشرك والكفر إلى صف المؤمنين الصادقين. * * *

стр. 3216

(بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٢٨) * * * (بل) هنا للإضراب، والرد على ما يتمنونه، والغاية التي يريدونها، والمعنى أن أولئك لَا يتمنون الذي يتمنونه لأجل الهداية، بل ذلك لهول ما يرون والفزع لما يستقبلهم، ولأنه بدا لهم الأمر الذي كانوا يخفونه، ويصح أن يكون الإضراب هنا للانتقال من مقام تمنيهم إلى مقام آخر، وهو بيان أنهم لو عادوا في الدنيا وخلقت فيهم الشهوات والأهواء وعبثت بهم، واستولت عليهم لعادوا لما نهوا عنه. وما الذي بدا لهم وكانوا يخفونه من قبل؟ اختلف المفسرون على آراء كلها محتملة، وهي تنتهي إلى رأيين: أولهما - ما كانوا يخفونه في طوايا نفوسهم وأعمالهم في الدنيا قد بدا عيانا لهم، وأحسوا فيه بقبح ما فعلوا، فبدا لهم ما كانوا يخفون من مفاسد، وبدا أن كفرهم ليس لنقص في الاستدلال، ولكن لعناد، ولإعراض بدا لهم ما كانوا عليه من عنجهية جاهلية، وأنها جوفاء في الآخرة، وأنها التي دفعتهم إلى الكفر، وليس نقص الدليل، وبدا لهم أن إعراضهم عن الآيات لم يكن لنقصها، ولكن لنقص في نفوسهم وإذعانهم.

стр. 3217

التأويل الثاني - أن الذي بدا لهم هو عذاب الآخرة، وهولها، وشدائدها، وقد كانوا ينكرونها، فظهر ما كانوا يجحدون، ولكن كيف يكون ذلك قد أخفوه، وهل الإنكار المعلن إخفاء؟ والجواب عن ذلك أن الفطرة الإنسانية توجب التصديق إذا قام الدليل، وأن المعاندة حيث قام الدليل إخفاء لما يقتضيه. وقد قال تعالى: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ. . .). فجحودهم كان إخفاء لموجبات الإيمان، وأن شهوة السلطان والعصبية، وغلبة الدنيا والفساد عليهم جعل الحق يختفي عليهم، ويخفونه هم بالمعاندة والمكابرة، والمماراة، فلما كانت الآخرة، وكانت القيامة بأهوالها بدا ما كان مختفيا، وأخفت الأهواء والمعابث، وظهرت الحقائق وأحسب أن المعنيين مستقيمان، ولا مانع من جمعهما، فالنص يعمهما. ولقد ادعوا في تمنياتهم أنهم يعودون ليكونوا في ضمن المؤمنين، ولا يكذبوا بآيات ربهم الذي خلقهم وكونهم وحماهم، فبين سبحانه أنهم لو ردوا إلى الدنيا بزخارفها وعصبياتها، وأهوائهم وشهواتهم، وحب الغلب لعادوا لما نهوا عنه من الإعراض عن الآيات، والمكابرات في المعجزات، والاستهانة بالإيمان والمؤمنين، ووقعوا في كل المخابث التي كانت منهم، وذلك لأن السبب في الجحود هو سيطرة الهوى والشهوة والعصبية الجاهلية، فإن عادوا إلى الدنيا بمتعها البراقة فسيستولي عليهم بريقها، ويكون منهم ما كان أولا. ولقد أكد الله سبحانه كذبهم في أمنياتهم ونتائج تمنياتهم فقال: (وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) والكذب هنا خاص بما يمكن أن يقع منهم، وما أرادوا في تمنيهم الأماني، فتمنياتهم كاذبة لَا يمكن أن تحقق، ولو عادوا لكان منهم ما وقع أولا؛ إذ إنهم يعودون بما كانوا يحملون من ركائز في نفوسهم، فالتكذيب لما يكون منهم في المستقبل، وقد أكد سبحانه تكذيبهم بـ " أن " وبالجملة الاسمية، وباللام المؤكدة. * * *

стр. 3218

(وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٢٩) * * * الحياة التي تسمى حياة في نظرهم ولا شيء سواها حياة الدنيا، هذه الجملة تفيد ثلاث فوائد: أولها - نفي وجود أي حياة غير الحياة التي يعيشونها، ولو كانت هذه الحياة هي الدنيا وليست العالية القويمة. الثانية - أنهم ينسبون الحياة إليهم لاستمتاعهم فيها وما فيها من لهو ينغمسون فيه، وعبث يعبثونه. الثالثة - إنكارهم صراحة لبعثهم وتأكيد النفي بالباء، وبالجملة الاسمية. لقد قالوا ذلك القول في الدنيا بلا ريب، ولكن كلمة (قالوا) في هذا النص " أهي معطوفة على كلمة (لعادوا)، وقولهم هذا يكون على فرض عودتهم، وهذا هو الظاهر، ويكون قوله تعالى: (وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) جملة اعتراضية مؤكدة لمعنى عودتهم إلى ما كانوا عليه إن عادوا إلى الدنيا، إذ هي تكذيب ادعاء أنهم لا يكذبون بآيات ربنا، ويكونون من المؤمنين. ويصح أن تكون (وقالوا) كلام سيق مستأنفا للمقابلة بين حالهم التي يرونها في الآخرة، إذ يرون الهول عيانا، وقد ينكرون البعث، ويؤكدون الإنكار له، وها هم أولاء يرونه، ويتمنون ما يتمنون. * * *

стр. 3219

(وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٠) * * * ولو ترى إذ وقفوا على النار كانت في بيان ما يستقبلهم من عذاب مادي رهيب يقرع إحساسهم قرعا شديدا مزعجا، وفي هذا الموضع، (وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ) هي بيان عقاب معنوي توبيخي، وبيان كذبهم في الدنيا ومحرهم بآيات ربهم، ولو ترى يا محمد أو لو ترى يا قارئ القرآن إذ وقفوا أي حبسوا مطلعين على تجلي ربهم، ومملطانه وكمال عزته البارزة لهم التي حاولوا إخفاءها في

стр. 3220

أنفسهم في الدنيا، وإن لم تكن خفية في ذاتها، لقد تجلى عليهِم ربهم بسؤال المستنكر لحالهم في الدنيا، وبحجتهم في قولهم: (وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِين) (أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ) أي هذا البعث الذي تعاينونه وتشهدون أهواله ثابتا بالحق، فقوله (بالحق) متعلق بمحذوف، أو نقول إن (الباء) زائدة، ويكون المعنى أليس هذا البعث هو الحق الذي لَا ريب فيه، وتكون (الباء) لتأكيد معنى الإنكار الذي هو بمعنى النفي، وقد دخل على نفي، ونفي النفي إثبات، ولقد كانت إجابتهم مصدقين، لأن الواقع يحملهم على التصديق والإذعان لما يدعو إليه رب العالمين بقولهم كما حكى ربهم، (بلى) وبلى لنفي ما يكون بعد الاستفهام، أي لنفي (أليس هذا بالحق)، نفي ما تضمنته ليس النافية هو تصديق أنه الحق، وإذا كان ذلك ثابتا بحكم قولهم وعيانهم، فلا بد أن يتجلى الله تعالى عليه بذكر ما يستحقون، فقال تعالت كلمات: (فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ) أي فانغمسوا في العذاب ذائقين لآلامه محسين بها، فالذوق هنا كناية عن الإحساس الشديد بعد الانغماس فيه، والأمر هنا أمر تكويني يحكي الواقع الحق، وقد يكون مع ذلك أمر قولي لَا اختيار لهم فيه، بل إنه مجاب بالاضطرار، و (الباء) هنا للسببية أي بسبب كفرهم بالبعث، وإنكارهم له، و (الفاء) في قوله: (فذوقوا) فاء الإفصاح، أي إذا كنتم تفترون أنه الحق فذوقوا عذابه بما أنكرتم. اللهم هبنا الإيمان بالغيب وامنحنا اليقين. * * * (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٣١) وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٣٢) قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ

стр. 3221

وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤) وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٥) * * * الكلام موصول في الكفر باليوم الآخر وأثره النفسي والاعتقادي، وما يترتب على الكفر باليوم الآخر جحود النبوات، ولقد ابتدأ سبحانه بما يتصل بما قبله، فقال تعالى:

стр. 3222

(قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا) بين الله في هذا النص أن الذين يكذبون باليوم الآخر تصيبهم خسارة، وخسرانهم أولا لأنهم يفقدون العزاء الروحي الذي يصيب كل إنسان مما يعاني في الحياة، فلو كانت الحياة الدنيا لَا حياة بعدها يكون الشقاء النفسي المقيم لكل من يصيبه ألم فيها، أو يقع في نفسه أنه في شقاء لأنها فيها السعادة في زعمه، ولأنه بفقد معاني الإنسانية، إذ يكون كالحيوان الذي يأكل ليعيش، ويعيش ليأكل فيفقد كل المعنويات العالية، ولأنه ثالثا، يرتع في الشهوات الموبقة، ولأنه رابعا يكون في تناحر مستمر، إذ لَا يخشى الله ولا يرهب عقابه، وأخيرا يخسر بتلقي العذاب الذي يقع عليه يوم تقوم القيامة، وعبر عن قيام القيامة واليوم الآخر بلقاء الله تعالى تشريفا لذلك اليوم، ولأنه له الولاية الحق في ذلك، فلا ولاية ولو ظاهرية لغيره ولا ملك لغيره ولو كان ظاهريا، وفيه ترغيب في الإيمان باللقاء، وترهيب من تكذيبه، وإنهم إذ يكذبون يستمرون في ضلالهم حتى تجيئهم الساعة بغتة أو فجأة من غير أن يكونوا على أهبة لها، وهنا يرد للنظر أمور.

стр. 3223

أولها - ما معنى (حتى تأتيهم الساعة)، أي ما مقام (حتي) أهي للغاية أم للتفريع؛ وإذا كان للغاية فمن أين الابتداء؛ يقول الزمخشري: إنها متعلقة بـ (يكذبون) أي أنهم يستمرون في تكذيبهم وغلوائهم حتى تجيء إليهم الساعة وهم في غيهم يعمهون. ثانيها - ما المراد بالساعة؟ واضح أنها القيامة فذلك تعبير قرآني عنها، ومن ذلك قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ. . .). وسميت القيامة ساعة؛ لأنها تحمل أشد الأهوال، ولأنها فاصلة بين نوعين من الحياة، حياة فانية وأخرى باقية، حياة عمل، وحياة جزاء. الثالثة - الساعة تجيء من غير علم بوقتها للجميع فكيف تكون بغتة للذين كذبوا بلقاء الله دون غيرهم؟ والجواب عن ذلك أن الذين آمنوا بلقاء الله تعالى يتوقعونها، وإن لم يعلموا وقتها، أما الذين كذبوا فهم يكفرون بها فيفاجأون بها، وإن الذين آمنوا يرجون لقاء ربهم، ويرجون رحمته، وأما الذين كفروا بلقاء الله تعالى فلا رجاء عندهم. أولئك الذين تجيئهم القيامة ولقاء ربهم بغتة ويرون العذاب، تصيبهم حسرة، أي غم شديد، وقد قال الأصفهاني في تفسير الحسرة ما نصه: (الحسرة الغم على ما قاله والندم عليه كأنه انحسر عنه الجهل الذي حمله على ما ارتكبه، وانحسرت قواه إذا انحسرت قواه من فرط غم أو أدركه إعياء عن تدارك ما فرط منه). والتفريط هو الإهمال وعدم العناية والغفلة عما يجب للأمر. والضمير في قوله تعالى (فِيهَا) يعود إلى الحياة عند بعض العلماء ولكن ليس لها مذكور سابق إلا أن يكون ما ذكروه من قبل، وقولهم: (. . . إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ)، والحق في نظري أنه يعود إلى

стр. 3224

الساعة وتفريطهم فيها هو عدم التفاتهم لها، وغفلتهم عن ذكرها، فكانوا يعملون مخير مرتقبين لها، بل غافلين عنها. ونادوا الحسرة مضافة إليهم قائلين (يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا)؛ لبيان أنهم في حال غم وحزن، وينادون حسرتهم التي تلازمهم كأن هذا وقتها ولا وقت ألزم وأنسب لها من هذا الوقت. (وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ). الوزر الحمل الثقيل، وسمي به الإثم والذنب؛ لأنه أثقل الأحمال النفسية التي تنوء به القوة، والجملة استعارة تمثيلية لما يثقلون به يوم القيامة من أثقال الآثام، فقد شبهت حال من يحمل الآثام الثقال الكثيرة بحال من يحمل الأحمال الثقال على ظهره وينوء بها؛ لأن كليهما ثقيل، الآثام لوباءتها وعذابها، وقد رشح سبحانه للمشبه به في قوله تعالى: (أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ) فإن هذا بيان لسوء ما يحملون، وقد ابتدأ بـ (أَلا) الدالة على التنبيه، ثم التعجب من شدة ما يحملون، وساء وأساء: تستعمل للتعجب، فمعنى (سَاءَ مَا يَزِرُونَ) ما أسوأ ما يزرون وما يحملون لسوء عاقبته، وما وراءه من عذاب. * * *

стр. 3225

(وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٣٢) * * * في هذا النص تكون المقابلة بين الحياة الدنيا والآخرة، أو الحياة العاجلة والحياة الآجلة، أو بالأحرى بين من يطلب الحياة الدنيا من غير نظر إلى ما وراءها من حياة أخرى، ومن يطلب الحياة الآخرة، وأيهما أمثل، ولذلك كان حصر الحياة الدنيا في أنها لهو ولعب، فإن هناك حصرا بالنفي والإثبات، فهي مقصورة على اللهو واللعب، وذلك لمن يطلبها من غير نظر إلى ما وراءها من حياة أخرى، فإنه حينئذٍ لَا ينظر إلا إلى لذائذها وشهواتها، ولا تكون حينئذ إلا لهوا ولعبا، واللهو واللعب هما الاشتغال بما لَا يجدي في ذاته، ولكن قد يختلفون في حقيقتهما مع قربهما في المعنى، فاللعب العمل الذي لَا مقصد منه إلا تزجية الفراغ وقضاء الوقت، وقد يكون عبثا، واللهو طلب ما يُلهي عن الجد من الأمور من ملاذ
следующие страницы →