وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤) وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٥)
* * *
الكلام موصول في الكفر باليوم الآخر وأثره النفسي والاعتقادي، وما يترتب على الكفر باليوم الآخر جحود النبوات، ولقد ابتدأ سبحانه بما يتصل بما قبله، فقال تعالى:
стр. 3222
(قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا) بين الله في هذا النص أن الذين يكذبون باليوم الآخر تصيبهم خسارة، وخسرانهم أولا لأنهم يفقدون العزاء الروحي الذي يصيب كل إنسان مما يعاني في الحياة، فلو كانت الحياة الدنيا لَا حياة بعدها يكون الشقاء النفسي المقيم لكل من يصيبه ألم فيها، أو يقع في نفسه أنه في شقاء لأنها فيها السعادة في زعمه، ولأنه بفقد معاني الإنسانية، إذ يكون كالحيوان الذي يأكل ليعيش، ويعيش ليأكل فيفقد كل المعنويات العالية، ولأنه ثالثا، يرتع في الشهوات الموبقة، ولأنه رابعا يكون في تناحر مستمر، إذ لَا يخشى الله ولا يرهب عقابه، وأخيرا يخسر بتلقي العذاب الذي يقع عليه يوم تقوم القيامة، وعبر عن قيام القيامة واليوم الآخر بلقاء الله تعالى تشريفا لذلك اليوم، ولأنه له الولاية الحق في ذلك، فلا ولاية ولو ظاهرية لغيره ولا ملك لغيره ولو كان ظاهريا، وفيه ترغيب في الإيمان باللقاء، وترهيب من تكذيبه، وإنهم إذ يكذبون يستمرون في ضلالهم حتى تجيئهم الساعة بغتة أو فجأة من غير أن يكونوا على أهبة لها، وهنا يرد للنظر أمور.
стр. 3223
أولها - ما معنى (حتى تأتيهم الساعة)، أي ما مقام (حتي) أهي للغاية أم للتفريع؛ وإذا كان للغاية فمن أين الابتداء؛ يقول الزمخشري: إنها متعلقة بـ (يكذبون) أي أنهم يستمرون في تكذيبهم وغلوائهم حتى تجيء إليهم الساعة وهم في غيهم يعمهون.
ثانيها - ما المراد بالساعة؟ واضح أنها القيامة فذلك تعبير قرآني عنها، ومن ذلك قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ. . .).
وسميت القيامة ساعة؛ لأنها تحمل أشد الأهوال، ولأنها فاصلة بين نوعين من الحياة، حياة فانية وأخرى باقية، حياة عمل، وحياة جزاء.
الثالثة - الساعة تجيء من غير علم بوقتها للجميع فكيف تكون بغتة للذين كذبوا بلقاء الله دون غيرهم؟ والجواب عن ذلك أن الذين آمنوا بلقاء الله تعالى يتوقعونها، وإن لم يعلموا وقتها، أما الذين كذبوا فهم يكفرون بها فيفاجأون بها، وإن الذين آمنوا يرجون لقاء ربهم، ويرجون رحمته، وأما الذين كفروا بلقاء الله تعالى فلا رجاء عندهم.
أولئك الذين تجيئهم القيامة ولقاء ربهم بغتة ويرون العذاب، تصيبهم حسرة، أي غم شديد، وقد قال الأصفهاني في تفسير الحسرة ما نصه: (الحسرة الغم على ما قاله والندم عليه كأنه انحسر عنه الجهل الذي حمله على ما ارتكبه، وانحسرت قواه إذا انحسرت قواه من فرط غم أو أدركه إعياء عن تدارك ما فرط منه).
والتفريط هو الإهمال وعدم العناية والغفلة عما يجب للأمر.
والضمير في قوله تعالى (فِيهَا) يعود إلى الحياة عند بعض العلماء ولكن ليس لها مذكور سابق إلا أن يكون ما ذكروه من قبل، وقولهم: (. . . إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ)، والحق في نظري أنه يعود إلى
стр. 3224
الساعة وتفريطهم فيها هو عدم التفاتهم لها، وغفلتهم عن ذكرها، فكانوا يعملون مخير مرتقبين لها، بل غافلين عنها.
ونادوا الحسرة مضافة إليهم قائلين (يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا)؛ لبيان أنهم في حال غم وحزن، وينادون حسرتهم التي تلازمهم كأن هذا وقتها ولا وقت ألزم وأنسب لها من هذا الوقت.
(وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ).
الوزر الحمل الثقيل، وسمي به الإثم والذنب؛ لأنه أثقل الأحمال النفسية التي تنوء به القوة، والجملة استعارة تمثيلية لما يثقلون به يوم القيامة من أثقال الآثام، فقد شبهت حال من يحمل الآثام الثقال الكثيرة بحال من يحمل الأحمال الثقال على ظهره وينوء بها؛ لأن كليهما ثقيل، الآثام لوباءتها وعذابها، وقد رشح سبحانه للمشبه به في قوله تعالى: (أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ) فإن هذا بيان لسوء ما يحملون، وقد ابتدأ بـ (أَلا) الدالة على التنبيه، ثم التعجب من شدة ما يحملون، وساء وأساء: تستعمل للتعجب، فمعنى (سَاءَ مَا يَزِرُونَ) ما أسوأ ما يزرون وما يحملون لسوء عاقبته، وما وراءه من عذاب.
* * *
стр. 3225
(وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٣٢)
* * *
في هذا النص تكون المقابلة بين الحياة الدنيا والآخرة، أو الحياة العاجلة والحياة الآجلة، أو بالأحرى بين من يطلب الحياة الدنيا من غير نظر إلى ما وراءها من حياة أخرى، ومن يطلب الحياة الآخرة، وأيهما أمثل، ولذلك كان حصر الحياة الدنيا في أنها لهو ولعب، فإن هناك حصرا بالنفي والإثبات، فهي مقصورة على اللهو واللعب، وذلك لمن يطلبها من غير نظر إلى ما وراءها من حياة أخرى، فإنه حينئذٍ لَا ينظر إلا إلى لذائذها وشهواتها، ولا تكون حينئذ إلا لهوا ولعبا، واللهو واللعب هما الاشتغال بما لَا يجدي في ذاته، ولكن قد يختلفون في حقيقتهما مع قربهما في المعنى، فاللعب العمل الذي لَا مقصد منه إلا تزجية الفراغ وقضاء الوقت، وقد يكون عبثا، واللهو طلب ما يُلهي عن الجد من الأمور من ملاذ
стр. 3226
وأهواء وشهوات، والفرق بينهما غير محدود، بل هما متقاربان يستعمل أحدهما في موضع الآخر، ومهما يكن فإن الاشتغال بكل واحد منهما لغير غاية مجدية مذمة لَا تجوز من عاقل، وإذا قصد بأحدها الاسترواح حتى يقوى على الجد من غير سأم ولا إملال فربما لَا يكون قبيحا.
وإن قصر الحياة على اللهو واللعب إنما هو لمن أهمل ما وراءها، أما من عنى بما وراءها وقام بالجد من الأمور، فإنها الطريق إلى الآخرة، وهي طريق الذين يتقون.
وكانت المقابلة للدلالة على موضوع القصر، فإن الذين يتقون هم من الذين يعيشون في الدنيا، ولكن لم تكن لهم كل شيء، بل ما نظروا إليها إلا ليطلبوا الآخرة بها والله على كل شيء قدير.
وقوله: (وَلَلدَّار الآخِرَةُ خَيْرٌ للَّذِينَ يَتَّقُونَ).
في هذه مقابلة بين الذين يطلبون الدنيا لذاتها، والذين يطلبون بها الآخرة؛ إذ الأولون تكون عندهم لعبا ولهوا، والآخرون تكون عندهم جدا، يطلبون ما في الدنيا لغاية وراءها، ولا يطلبونها لذاتها، وهذه المقابلة فهمت بالصراحة في الكلام بشأن الأولى، وهو الخسران، وفهمت بذات القابلة في الثانية، وهناك مقابلة أخرى، وهو أن عاقبة الآخرين خير، وهذه فهمت بصراحة في الثانية، وبالمقابلة ذاتها في الأولى وهو الخسران أيضا، وقد أكد الله تعالى الخيرية لأهل التقوى فأكد باللام المؤكدة، ثم خاطب الله تعالى الناس فقال تعالت كلماته: (أَفَلا تَعْقِلُونَ) الاستفهام هنا للحث على التفكر والتدبر، والمقابلة بين اللذات العاجلة السريعة الفانية، واللذات الآجلة الدائمة الباقية.
* * *
(قَدْ) هنا للتحقيق وتأكيد العلم، وقد حاول بعض العلماء أن يجعلها للتكثير، ولكن التحقيق جاء من موضوعها لَا من ذاتها، وإني أقول إني لَا أعلم أنها جاءت في القرآن داخلة على المضارع إلا بمعنى التأكيد، وكتاب الله تعالى فوق ما يقرره علماء النحو واللغة.
وإن النبي ﷺ كان يحزنه أن القوم لَا يؤمنون، ويفترون الكذب عليه، ولقد نهاه الله تعالى عن أن يلج الحزن في نفسه لعدم إيمانهم، فقال تعالى: (. . . فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ. . .)، وقال تعالى: (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمنِينَ). ولقد كان يحزن النبي ﷺ كفرهم، وما يقولون في هذا الكفر من رميهم له بالكذب والافتراء، وأنه ساحر، وأنه مجنون، وأن كتاب الله تعالى أساطير الأولين، ولقد ذكر الله تعالى أنهم لَا يكذبون النبي ﷺ ، و (الفاء) هنا تكشف عن محذوف يفيد السببية، تقديره مثلا فلا تحزن لأنهم لا يكذبونك، (وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ)، والجحود نفي ما في القلب ثبوته، وإثبات ما في القلب نفيه أي عدم الإذعان للحق، وقد قامت أدلته، وكثير من العرب كانوا يعتقدون صدق محمد ﷺ ، ولكنهم يمارون في الحق، ولا يذعنون، ويجادلون في آياته، وقد روي أن طاغوت الشرك أبا جهل عوتب في أنه صافح النبي ﷺ مرة فقيل له في ذلك فقال: إني لأعلم أنه النبي، ولكن متى كنا لبني مناف تبعا؟!
وهذا على أساس أن الجحود في الآية منصبّ على نبوة النبي ﷺ إذ يعرفون صدقه، ولكن لَا يذعنون له، فيكونون جاحدين، وهناك تخريج بياني آخر، وهو أن الجحود منصب على آيات الله تعالى وليس تكذيبا، فهو تعزية للنبي ﷺ من جهة أنهم لَا يكذبونه، ولكن يقرّون في ذات أنفسهم، ولكن يجحدون بشهادة ربهم على صدقه، فهم أشد وبالا.
وهنا إظهار في مقام إضمار إذ إنه سبحانه وتعا أف قال: (وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ) ولم يقل (ولكنهم) وذلك لبيان سبب الجحود وهو الظلم
стр. 3229
المستقر في نفوسهم، وفيه فوق ذلك تسجيل الظلم عليهم، وهم بذلك مستحقون للعقاب.
* * *
стр. 3230
(وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا ... (٣٤)
* * *
هذا تنبيه للنبي ﷺ وحث على الصبر، والانتظار لما وعد من النصر المؤزر، فالله يبين أنه ليس أول المكذبين، بل سبق إلى ذلك الرسل الصادقون الداعون، ولقد أكد الله الخبرب (اللام) وبـ (قد) لتأكيد التسلية، ولتأكيد طلب الصبر، وتأكيد الوعد بالنصر، ولم يكن التكذيب للرسل سببا للحزن، بل كان طريقه شحذ العزيمة بالصبر، وبتحمل الأذى، وبترقب النصر، والعمل عليه، فمع العزيمة المعززة بالصبر النصر، وليس مع اليأس قوة، فالصبر كان نتيجة التكذيب؛ ولذا كان العطف بالفاء التي تفيد الترتيب والتعقيب، وقوله (كُذِّبُوا وَأُوذُوا) للبناء للمجهول وهو مع (ما) يكون المصدر المؤوَّل منهما - فما للموصول الحرفي أي المصدرية، والمراد الصبر على تكذيبهم وإيذائهم، ودل على أن موضع الصبر هو تكذيبهم وإيذاؤهم، وكانوا صابرين حتى أتاهم نصر الله تعالى وأنه مع الصبر الأجر، ولقد قال تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤).
فالنصر إن شاء الله آت لَا محالة، وهو العزيز الحكيم القادر العليم.
(وَلا مبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِن نَّبَأِ الْمُرْسَلِينَ).
كلمات الله تعالى هي كلمات النصر الذي وعد الله تعالى به نبيه ﷺ ووعد به المرسلين، من قبله، مثل قوله تعالى: (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣). وقوله تعالى: (كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١).
ومعنى تبديل كلمات الله تعالى أن يتخلف وعد الله، فلا يكون النصر المبين ما دامت الأسباب بأمر الله وتوفيقه مهيأة، وإنه وعد الله تعالى من كلمات الله
стр. 3231
لا تبديل فيها ولا تغيير ما دام الإيمان يملأ القلوب، والصبر يؤيد النفوس ويأخذون بالأسباب، فإن تغيرت النفوس فليس ثمة موضوع لوعد الله تعالى: (. . . إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (١١).
وفسر بعض العلماء كلمات الله تعالى بما هو أعم من النصر، وهو شرائعه، وآياته وتوحده، وصفاته، ونصره أي أنه إذا كان النبي ﷺ يشفق على رسالته أن يعروها تغيير بسبب تكذيبهم وإيذائهم فلا مبدل لكلمات الله تعالى، ونحن لهذا نميل.
ولقد أكد سبحانه العظة والتسلية في أنباء المرسلين، فقال تعالت كلماته:
(وَلَقَدْ جَاءَكَ مِن ئبَأِ الْمُرْسَلِينَ) ولقد جاءك فيما قص عليك من قصص النبيين وأخبارهم وأنبائهم ما فيه العظة الكاملة، وفيه المثُلات لأقوامهم والنصر لهم، وكما قال سبحانه: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ. . .).
* * *
стр. 3232
(وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ ... (٣٥)
* * *
بين الله في الآيات السابقة من أول السورة. أنهم متعنتون طلبوا أن يكون مع الرسول ملك، وبين الله سبحانه في ذلك أنهم معرضون عن الآيات، وأن الكفر قد سبق إلى قلوبهم، فانسدت عليهم كل مسالك الإيمان، فلا يشرق فيهم نور اليقين، ولو نزل عليهم قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين، وإن يروا كل آية لَا يؤمنوا بها، وأنهم معرضون عن الحق، وإن الآية التي نزلت عليك كافية لإيمانهم إن أرادوا إرشادا، وابتغوه، ولم يبتغوا غيره.
وإن النبي ﷺ كان حريصا على إيمانهم، وكان يكبر عليه إعراضهم عن الدعوة الحق التي يدعو إليها، والحجة الدامغة التي يثبت بها صحة دعوته، وكأنه
стр. 3233
يود إيمانهم حتى ولو كان يتحقق بآيات أخرى، فالله يبين له أنه لا جدوى في آية جديدة؛ لأنهم سيعرضون عنها لَا محالة، ويكون المعنى: إن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أي مسلكا عميقا في جوفها، أو سلما أي مرقاة ترتقي بها إلى السماء لتأتيهم بآية فلن يجدي ذلك؛ لأنهم لَا يريدون حجة لنقص الحجة التي بين أيديهم، ولكن يريدون العنت ولو جاءتهم آية ما آمنوا، فالنص الكريم لبيان أنه لَا سبيل لإيمانهم إلا أن يجمعهم الله على الإيمان، ويقذف بالحكمة في قلوبهم، والله تعالى لم يكتب ذلك، إنك لَا تهدي من أحببت، ولكن الله يهدي من يشاء.
(وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَ مِنَ الْجَاهِلِينَ).
إن النبي ﷺ كان حريصا على أن يؤمن كل الذين يدعوهم إلى دعوته، ويظن أن الحجة وحدها كافية لاستجابتهم، فبين أن حكمته اقتضت أن يكون في الوجود أشرار وأخيار من الناس، حتى يبتلى الأخيار بالأشرار، وأن سنته في خلقه اقتضت أن يكون في الخلق إبليس يوسوس في صدور الناس ويكون الكفاح بينهم، وأن يبلوهم بالشر والخير فتنة. ولو شاء سبحانه أن يكونوا جميعا مهديين لجمعهم على الهدى والتقوى، ولكنه لم يشأ، كما قال تعالى في آية أخرى: (وَلَوْ شَاءَ ربُّكَ لآمنَ من فِي الأَرْضِ كُلهُمْ جَمِيعا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حتَى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ).
وما دامت إرادة الله تعالى لَا بد أن يكون في عباده أخيار يصدقون ويؤمنون، ومعرضون جاحدون، فادع إلى سبيل الله وانتظر أن يكون المناوئ والمجيب، ولا تكونن من الجاهلين بحكمة الله تعالى، وليس الجهل بأمر شرعي حتى لَا يكون محلا للنهي، إنما هو تنبيه إلى أمر تكويني، كان التنبيه للنبي ﷺ مؤكدا، وهو تنبيه لغيره بالأولى.
الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدى لولا أن هدانا الله.
* * *
стр. 3234
(إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٣٦) وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٧) وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٩) قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (٤١)
* * *
الكلام في شأن المشركين وعرض الآيات عليهم، وطلبهم آيات أخرى، وهم معرضون عن كل الآيات بقلوبهم لأنها في أكنة، ولا يسمعون الحق لأن آذانهم فيها وقر لانصرافها، وقد أكد ذلك وذكر وجوب اليأس من المشركين الذين يعرضون عن آيات الله مدعين أن ما سيق لهم لَا يكفي لإقناعهم، فقال تعالى:
стр. 3235
(إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ).
الاستجابة هنا هي الإجابة بعد التفكر والإمعان وتقدير الأمر، فهي إجابة محكمة دقيقة، وهذا ما تدل عليه (السين)، فهي إجابة بعد استقراء الدليل على
стр. 3236
وجوبها، وقد حصر الاستجابة بأنها لَا تكون إلا للذين يسمعون ولا يعرضون، وينفذون إلى لباب ما يستمعون إليه، ولا ينأون عنه، وفي الكلام تشبيه الذين يعرضون عن الدين ولا يستمعون سماع وعي وإدراك وتفهم بحال الصم الذين لَا يسمعون؛ لأن السمع لَا قيمة له إذا لم يصل بصاحبه إلى التفهم والهداية.
وقد قال تعالى من بعد (وَالْمَوْتَى يَيْعَثُهُمُ اللَّهُ)، وقيل: إن الموتى هم موتى الأحياء الذين لَا يدركون الحق، ومعنى بعثهم إيمانهم وهدايتهم، أي أن الله تعالى قادر على هداية موتى التفكير الذين لَا يستجيبون، وقيل المراد بالموتى الكفرة الأموات، ومعنى البعث ليس الإيمان، إنما المراد أنه سيبعثهم ثم يحاسبهم على كفرهم، والرأي عندي أن تكون كلمة الموتى على حقيقتها والبعث على حقيقته، ويكون نسق النص الكريم هكذا: إنما يستجيب للحق ويذعن له الذين لَا يعرضون عن الآيات، ثم بين بعد ذلك حال الذين لَا يجيبون بإثبات قدرة الله بأن الله تعالى سيبعثهم مع الموتى، ثم يكون الحساب والعقاب ويرون ما لم يؤمنوا به، ويستمعون إلى ما أعرضوا عنه وكفروا، ولذا قال سبحانه من بعد ذلك: (ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) أي ثم إليه وحده يعودون راجعين ليجازيهم المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، ولا يستوي المحسن والمسيء.
* * *
стр. 3237
(وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٧)
* * *
فقد دأبوا على الإنكار، لأنهم دأبوا على الإعراض (وَمَا تَأْتيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ) أالأنعام، (. . . وَإِن يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا. . .)، ولكنهم مع ذلك الإعراض يدعون أن إنكارهم لنقص الدليل، وليس للعنت ومجرد الجحود. ولقد كرروا القول في ذلك، وما أرادوا معجزة مطلقة بل معجزة حسية تلفت أنظارهم وقد ذكر القرآن الكريم بعض ما طلبوا، فقال تعالى: (وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠)
стр. 3238
أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (٩٣).
قالوا بصيغة الطلب الذي يشبه التمني والتحريض فعبر بـ (لولا) الدالة على التحريض والتمني، وكأنهم يتمنون الإيمان بتمني الآية وهم في ذلك منحرفون عن الغاية، وقالوا لولا أنزل عليه، أي على النبي ﷺ وذلك التنزيل آت من قبل ربه وعبروا بالمجهول وبربه وهما يفيدان أن الطلب ليس منه، ولكنه من ربه، فإذا كان رسولا من عنده، فليجب ذلك الطلب الذي نتمناه، ونكون من بعده مؤمنين. وقد رد الله بأمرين:
أولهما - أنه سبحانه قادر عليه فهو المالك للسماوات والأرض ومن فيها، وهو القادر على أن ينزل عليهم تلك الآية، فلن يعجزه شيء في الأرض، ولكن الآيات التي تكون مع النبيين لإثبات رسالتهم تكون على مقتضى حكمته، وتكون مناسبة لشريعتهم فتكون خالدة بخلودها.
الأمر الثاني - الذي أجابهم هو أن أكثرهم لَا يعلمون، وهذا يفيد أنه مع قدرته على ما يطلبون لن يجيبهم، لأنهم لَا يعلمون أنهم لَا يؤمنون، ولو جاءهم بالآيات؛ لأنهم سبقوا إلى الإنكار والجحود. فيكفرون بهذه الآية كما كفروا بالقرآن، ولأن القرآن حجة في ذاته وهو أقوى حجة تناسب شريعة محمد ﷺ ، لأن الآيات المادية وقائع حسية تنتهي بانتهاء زمنها، ولا يعرفها إلا الذين يرونها، أما القرآن فهو باق خالد معجز في كل الأعصار والدهور فناسب شريعة خالدة باقية إلى يوم القيامة.
* * *
стр. 3239
(وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ... (٣٨)
* * *
ذكر في الآية السابقة بيان قدرة الله تعالى على أن ينزل أي آية يريدونها، ولكنه لَا ينزلها، لأنهم لَا يعلمون ولا يفهمون ما يناسبهم، والله تعالى لَا يسير
стр. 3240
وراء أهوائهم، وفي هذه يؤكد قدرته وعلمه، وسعة إحاطته بالأحياء جميعًا، وقد قال الزمخشري في ذلك: (الغرض من ذكر ذلك سعة الدلالة على عظم قدرته ولطف علمه، وسعة سلطانه وتدبيره تلك الخلائق المتفاوتة الأجناس المتكاثرة الأصناف، وهو حافظ لما لها وما عليها مهيمن على أحوالها لَا يشغله شأن عن شأن، وأن المكلفين ليسوا بمخصوصين بذلك دون من عداهم من سائر الحيوان).
ومؤدى هذا الكلام إثبات أن علم الله تعالى الواسع كان من مقتضاه ألا يجيب ما طلبوا؛ لأنهم لَا يعلمون المآل، وهو يعلمه، كما يعلم كل حيوان من دابة تدب، وطائر يطير، ويعرف ما يحتاج إليه وما لَا يحتاجه، لقد بين الله عظم خلق الحيوان، وأنها جماعات وطوائف مخصوصة، كل طائفة تكون جنسا قائما، وقد فسرها الأصفهاني بقوله قوله تعالى: (وَمَا مِن دَابَّةٍ فِى الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِير بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم) أي كل نوع منها على طريقة قد سخرها الله عليها بالطبع، فهي من ناسجة كالعنكبوت، وبانية كالشرنقة، ومدخرة كالنمل، ومعتمد على قوت وقته كالعصفور والحمام، إلى غير ذلك من الطبائع التي يخصص بها كل نوع. والنص فيه تعميم للأنواع كلها لأن اجتماع (ما)، و (من) يدل على الاستغراق للجماعات والآحاد معًا، فهي في علم الله تعالى جماعات وأجناس وطبائع مختلفة مثلكم - وقوله تعالى: (وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ) لإفادة التعميم في أن علمه تعالى يشمل الطائر في الجو، كما يشمل الدابة التي تدب في الأرض، والطائر الذي يطير، فذكر الذي يطير بجناحيه يدل على علم الله تعالى على ما في الأرض من دواب تدب، وأسماك ولآلئ تسبح، وما في الجو من طيور تطير، وكل هذه أجناس ذات طبائع مختلفة، وذكر الجناحين في الطير لتوجيه الأنظار إلى الإبداع في الصنع مع جمال التكوين والقدرة.
وفى ذلك بيان لقدرة الله تعالى، وبيان لأن الإنسان لَا يصح أن يعلو ويستكبر فأمثاله من الأحياء عدد كثير، وليس عددًا قليلا.
стр. 3241
(مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ).
ما تركنا شيئًا لم يحص في الكتاب أي في المكتوب المسجل بعلم الله وهو اللوح المحفوظ، فالكتاب هو اللوح المحفوظ، وقد ذكر ذلك صراحة في آية أخرى: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦).
أي مفصح ذاكر لأسمائها وأعدادها وأنواعها. وهذا أوضح تفسير لمعنى (مَّا فَرَّطْنَا فِى الْكِتَابِ مِن شيءٍ) وقال بعض المفسرين: الكتاب هو القرآن ومعنى التفريط أنه لم يغادر شيئا من الأحكام إلا بينه. وأسرف آخرون فقالوا: إن القرآن ما ترك علم شيء قط من الشرائع أو غيرها من الأشياء والأحياء.
والأبين هو ما ذكرناه أولا - لأنه المتفق مع النصوص الأخرى، وثانيًا لأنه المناسب لذكر الأحياء. ولقد ذكر الله تعالى من بعد ذلك أن كل الأحياء يحشرون إلى ربهم، فقال تعالت كلماته: (ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ) أي يجمعون إلى ربهم الذي خلقهم من عدم، والتعبير بـ " ثم " للإشارة إلى أنهم أعداد لَا تحصى في علمنا، وجمعهم ليس يسيرًا في ذاته، وإن كان بالنسبة لله تعالى أمرًا ميسرًا، وفيه أيضًا بيان لبعد الموت عن البعث والقيامة، وإشارة لاستغراقهم جميعا.
* * *
стр. 3242
(وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٩)
* * *
هذا النص السامي يبين أن الذين لم يسارعوا إلى الحق استجابة لعناصر الانحراف والجحود في نفوسهم، واتباعًا للهوى لَا يهتدون؛ لأنهم سدوا على أنفسهم مسارب النور إلى الحق، وقد شبه حالهم بحال الصم والبكم الذين يسيرون في الظلمات، فإنهم لَا يبصرون طريقًا للهداية يسيرون فيه؛ إذ إنهم في ظلمات حالكة متكاثفة فلا يبصرون، ولو كان بصرهم سليما، فهؤلاء لا يجذبهم دليل ولا يهديهم برهان، ولا يمكن أن يستجيبوا لمن يهديهم، لأنهم بكم لَا ينطقون، ولا يمكنهم أن يستجيبوا لداعي الهداية، لأنهم لَا يسمعون إذ هم
стр. 3243
صم وبكم، فالكلام فيه استعارة تمثيلية إذ شبهت حال الجاحدين الذين يعرضون عن كل آية بحال الصم البكم الذين يعيشون في الظلام من حيث لَا نور يهديهم، ولا سبيل لأن يهتدوا.
وقد بين أن ذلك بعلم الله تعالى وإرادته، وأنه لَا تخرج حركة عن حركة إلا بإذنه فهدايته المهتدين بمشيئته، وضلال الضالين بمشيئته، فلا يخرج شيء في الوجود من غير مشيئته، ومعنى (مَن يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ) أي مَن يَشَأ الله تعالى له أن يكون في ضلال يضلله بأن يجعله يسير في طريق غوايته، فيعرض عن الآيات ويصاب بستار يحول بينه وبين الحق من ذات نفسه لَا من أمر خارج عنه، بل باختياره الغواية فيتركه الله يسير في طريقه الذي رسمه لنفسه، ومن يشأ الله تعالى له الهداية يسير في طريق مستقيم يوصله إلى الحق والهداية.
وهنا أمر نشير إليه، هو أن الهداية والضلال ليسا إجباريين لَا اختيار للعبد فيهما، كما يقول الجهمية ومن يسيرون في طريقهم، وليسا للعبد من كل الوجوه، كما يقول المعتزلة، ومن يسيرون في فجهم، وإنما الأمر أن للعبد اختيارًا في الطريق الذي يسيره، والله تعالى يوفقه فيه، فإن كان خيرًا خطا فيه إلى الغاية، وإن كان شرَا سار حتى الهاوية.
* * *
стр. 3244
(قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٠)
* * *
(أَرَأَيتَكُمْ) استعمال قرآني أراد العلماء أن يخرجوه على مقتضى قواعدهم النحوية، من حيث الإعراب، وكيف يكون وضع الحروف، وكلمة أرأيت في القرآن والاستعمال العربي تستعمل للتنبيه والتحريض على الرؤية والنظر، فهو استفهام للتنبيه مؤداه أرأيت كذا فإن لم تكن رأيته فانظره، فهو تنبيه، وحث على الإمعان فيه والتأمل، وقوله تعالى: (أَرَأَيْتَكُمْ) فيه جمع بين خطابين أحدهما مفرد، وظاهره أنه خطاب للنبي ﷺ وهو التاء، وهو فاعل الرؤية أو على حد قول النحويين التاء فاعل، والثاني - خطابهم بالكاف، والظاهر الذي يبدو بادي
стр. 3245
الرأي أن الخطاب لهم بالقصد؛ ولذلك جاء بعده (إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ)، وكان خطاب النبي ﷺ لتنبيهه ﷺ إلى خطابهم وإجابتهم، ويكون المؤدى بيان ضعفهم أمام الحوادث، والمسلمات وصغارهم واستغاثتهم بالله وحده، وأنهم لَا يدعون سواه، وتنبيه النبي ﷺ إلى ذلك.
هذا ما يبدو لنا من معنى هذا الاستفهام البليغ الذي هو من آيات الإعجاز، ولا حاجة فيه إلى أن نقول: إن الكاف حرف أو اسم، ولا أن نقول الخطاب بأيهما أبالتاء وحدها أم بالكاف وحدها. والحق أنه بهما معًا فالتاء للنبي ﷺ ، والكاف للمشركين، وفي التاء تنبيه إلى ما يكون منهم من إجابة.
والخطاب موجه إليهم للإجابة عن سؤال معين إن أتاكم عذاب الله الدنيوي من زلزال مدمر أو خسف يجعل عالي الأرض سافلها، أو عاصف شديد، أو فاجأتكم الساعة أي القيامة (أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ) أي أتدعون غير الله من أحجار تجتلبونها أو نار توقدونها وتعبدونها، أو شمس تقدسونها؛ لَا أحد غير الله سبحانه، إذن فلِمَ تعبدون غير الله؟! وهم لَا يملكون ضرا ولا نفعًا، وعلق الإجابة على الصدق لكي يكون الجواب لَا تمويه فيه بل يكون صادرًا عن حقيقة واقعة لَا عن أوهام يتوهمونها، ويحسبونها، بل عن عقل مدرك صادق خالص من الأوهام والأهواء والأخيلة الفاسدة. ولقد أكد سبحانه الإجابة السليمة بقوله تعالى:
* * *
стр. 3246
(بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (٤١)
* * *
انتهى الكلام السامي بقوله تعالى: (أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِن كنتُمْ صَادِقِينَ) أي تتحرون الحق وتدركونه. وقد أجاب عنهم بالإضراب عن تفكير أوهامهم وهو أنهم لَا يدعون سواي، ولذا قال سبحانه: (بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ) قيل للإضراب الانتقالي عن تفكيرهم وأوهامهم، وتقديم المفعول على الفعل والفصل بقوله: (إِيَّاهُ تَدْعُونَ) للقصر، أي لَا تدعون إلا إياه، إذا لَا تفكرون في غيره،
стр. 3247
وذلك دليل على أن المشركين مهما يضلوا يتجه تفكيرهم في الشدائد إلى القوة الخفية الخالقة في هذا الوجود، وهو الله خالق الكون ومسيره، فهو مجيب المضطر إذا دعاه، وأن الله يكشف أي يزيل الضر، وكأن الشدة غطاء غامر محيط، وإزالته كشفه، ففي هذا التعبير استعارة فيها تشبيه حال إزالة الشر، بحال كشف غطاء غامر مؤلم، بجامع إزالة الضر في كل، وإظهار السلامة، والفاء هنا لترتيب الفعل على الدعاء وسرعة الإجابة.
وإن الله تعالى يكشف الضر إذا لم يكن في ذلك مفسدة وكان فيه خير، وكانت الرحمة تفرضه، كما قال تعالى: (. . . كَتَبَ رَبّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ. . .)، ولذا قال سبحانه: (إِن شَاءَ) أن يتفضل عليكم بهذا الكشف، ويرحمكم ولم يكن في هذا مضرة، ولا إغراء بالفساد، ولا إيذاء لغيره، فعمله تعالى في دائرة الحكمة والنفع، وإن لم يكن في ذلك إلزام، فإنه (لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ).
وظاهر أن كشف الشدة إنما يكون في شدائد الدنيا، وهي التي تتعلق بها المشيئة إن شاء أنزلها وأبقاها لحكمة، وإن شاء أزالها وأنظرهم، كما كان يفعل مع قريش، أما ما يجيء بعد الساعة من حساب وعقاب المشركِين فإن الله لَا يكشفه عن المشركين، إذ يقول سبحانه: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْركَ بِهِ وَيَغْفِر مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ. . .). فلا يمكن بمقتضى وعيده سبحانه أن تكون عقوبة الشرك يوم القيامة موضع كشف أو إزالة.
وقوله تعالى: (فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَاءَ) الكلام متعلق فيه بالمشيئة، وأريد به السبب، ذلك أن السياق يستفاد منه أن الكشف عن الدعاء، والحقيقة أن الكشف عن الضر الذي سبب الدعاء والله كاشفه، ومزيل ضرهم.
إنهم في هذا الحال يتركون أحجارهم، لأنهم في هذه الحال تستيقظ مداركهم، فلا يلتفتون إلى أوثانهم إذ يرونها لَا تنفع ولا تضر، بل ربما يكون
стр. 3248
البلاء حاطمًا لها، ومنكسًا، فيتركونها أو أن شدة الهول تجعلهم ينسون ما علق بأوهامهم عنها ولا يكون أمامهم إلا الحقائق الثابتة.
ويكون هذا النسيان سببا للترك وعدم الالتفات، ولذا قال : (وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكونَ) أي تغيب عن ذاكرتكم فتتركونها لأنها لَا حول لها ولا قوة، ولا يذكرون إلا خالق الكون، ورب الوجود كله، وهو الحي القيوم، ولكن نسيانهم قد يستمر، وقد يذكرونها بعد الشدة.
ويجب أن نذكر هنا أن المشركين من قريش لم تكن قد ذهبت بهم اللجاجة في المادة إلى ألا يؤمنوا بالروح، فهم مع إشراكهم بالله تعالى كانوا يحسون بمقتضى الفطرة أن هناك قوة روحية تسير الأمور الكونية؛ قال تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٦٣).
اللهم ألهمنا شكرك ولا تنسنا ذكرك.
* * *
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (٤٢) فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٤٣) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)
* * *
стр. 3249
الكلام في أحوال المشركين مع النبي ﷺ ومجابهتهم له وسوق العبر لهم، وفى هذا النص الكريم بيان أحوال النبيين مع أقوامهم، وأحوال الأمم في الضراء والبأساء، ومقدار انتفاعهم بها والعبرة في ذلك؛ ولذلك قال تعالى:
стр. 3250
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ) في هذا النص بيان لعلاج الله تعالى للأسقام النفسية للأمم التي تتعصى على الهداية، وعلى الاستقامة على الحق إذا دعوا إليه، فليس الناس جميعًا طلاب حق يتبعونه إذا هدوا إليه، ولا يستمعون إلى الحجة إذا سيقت إليهم، بل يعاندون ويكابرون، فهؤلاء يحتاجون إلى علاج دنيوي، وذلك بالشدائد تنزل بهم، لأن الجحود والمبالغة في الإنكار سببهما الاغترار بالدنيا وما فيها من متع، ولا علاج لغرور الجدة إلا بالحرمان منها ليذوقوا طعم المر بعد أن ذاقوا رطب العيش، ولا علاج لغرور الصحة إلا بالمرض حينا، ولا لعلاج للقوة إلا بالضعف. وعسى أن يكون هذا بصوره المختلفة باختلاف الداء مؤديا إلى شفاء النفس، والاتجاه بها إلى الهداية، وقد عالج الله تعالى حالهم بأمرين: أخذهم بالبأساء، وهي البؤس الشديد، والبؤس هو الفقر وضيق العيش حتى يكون ضنكا، وذلك يكون للأمم بالأزمات تجتاحها، وبجفاف النبات، وبالجوائح المبيدة وغيرها مما يصاب به اقتصاد الأمم، والثاني الضراء بالمرض تصاب به الأجسام وبالأوباء المرضية تتفشى بين الجماعات.
ولقد فعل الله تعالى ذلك بفرعون وقومه عندما أصابه هو وهم الغرور وطغوا في البلاد. وقد قال تعالى في ذلك بعد أن سخروا بكل آية: (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ (١) وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (١٣٣) وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٣٤) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (١٣٥) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (١٣٦).
стр. 3251
وإن الآلام علاج النفوس المغرورة بزخارف الدنيا، ومتاعها إن كانت صالحة للعلاج، وقد يستعصي الداء ويصعب العلاج، وإن الله تعالى عالج الأمم بالآلام عساهم يخضعون، ويبتعد الغرور عن نفوسهم؛ ولذا قال سبحانه: (لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ) أي لعلهم يخضعون ويتطامنون وتذهب كبرياؤهم إذ يحسون) بضعفهم وإنه حيث كان الإحساس بالضعف قربت النفس من الإيمان فالإيمان إذعان وخضوع، ومن جنسهما التضرع والتطامن والبعد عن الغرور، وعن الاستكبار على الحق، والرجاء هنا يفيد المقاربة بين إصابة الكاذبين بالبأساء والضراء.
والخضوع للحق. فالمراد من الرجاء لازمه، وهو القرب من الحق، والإذعان له.
* * *
стр. 3252
(فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٤٣)
* * *
البأس هنا الشدة. وهي أكثر ما تكون في شدة الحرب. ولأواء القتال، ويطلق على شدة الفقر والبؤس في العيش، و (لولا) هنا للنفي مع تمني الوجود فهي لنفي تضرعهم مع تمني أن يكونوا قد تضرعوا، والتمني هنا معناه ينبغي، كأن المعنى هكذا لم يتضرعوا وكان ينبغي أن يكون البأس الشديد مؤديا إلى ضراعتهم، لأنه يشعرهم بضعفهم أمام قدرة الله تعالى الغالب القاهر فوق كل شيء. لكن الإحساس بالضعف الذي دل عليه نزول البأس عليهم - ولا قبل لهم - وجد مانعان يمنعان أثره. فإذا كان قد وجد سبب الضراعة فقد وجد المانع منها. والمانع منها أمران:
أحدهما - قسوة القلوب. وقد عبر عن ذلك بقوله تعالى:
(وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ) وكان ذلك الاستدراك للإشارة إلى أن الضراعة وقسوة القلوب لَا يجتمعان ولو نزلت الشدائد، وإن ضرعوا فإلى أمد محدود، ثم تعود إليهم أحوالهم.
والسبب في أن القسوة والضراعة نقيضان لَا يجتمعان أن القسوة غلظ في النفوس والطباع وإن بعض النفوس لتقسو حتى تكون كالحجارة أو أشد قسوة، وإن
стр. 3253
مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ.
والضراعة رقة في القلب ورأفة في النفس، وإحساس بآلام الغير وآلام النفس فلا يكون القاسي ضارعا ولو كان جبانا، إذ الضراعة علو مع رأفة ورحمة وطمأنينة والقسوة غلظة، وقد يكون الجبان غليظا، بل في أكثر الأحوال هو كذلك.
الأمر الثاني الذي يمنع الضراعة - تزيين الشيطان العمل للنفس. وقد عبر سبحانه عنه بقوله تعالى: (وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) إن الشيطان قد يراد به هنا النفس الأمارة بالسوء التي تزين السوء فتجعله كالحسن وما هو بحسن، وإن هذا التزيين النفسي لعمل السوء للنفس لَا يجعل الآثم يحس بإثم ما ارتكب.
والضراعة توجب الإحساس بذلك الإثم، حتى يتجه إلى ربه تائبًا توبة نصوحا، ومن أول درجات هذه التوبة أن يحس بإثم ما فعل. ثم يندم عليه. ثم يعتزم ألا يفعل، ولا يمكنه أن يكون ذلك ممن زين له سوء عمله فيراه حسنا وما هو بحسن.
وفى التعبير بقوله تعالى: (وَزَينَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) ناحية بيانية رائعة ذلك أن عبر بزين لهم الشيطان سوء ما يعملون. . ولم يقل حسن لهم الشيطان. كما يجري على الألسنة فلان يحسن القبيح؛ لأن القبيح لَا ينقلب حسنًا، والسيئ لَا ينقلب، ولكن السيئ أو القبيح بتمويهات وتزيينات يظن معها أنه حسن. وما هو إلا تمويه باطل، وإنهم إن لم يهذبوا بالشدائد اختبروا بالنعم، فقال تعالى:
* * *
стр. 3254
(فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤)
* * *
الفاء لتفصيل ما كان منهم وبيان ما ترتب من عواقب قريبة وأخرى بعيدة، فإنهم إذا لم يتضرعوا بسبب قسوة قلوبهم وأنهم زينت لهم أعمالهم - كان لذلك
стр. 3255
عواقب. وكانوا بتلك القسوة وتزيين السوء ناسين لما ذكروا به. فقد ذكروا بالبأساء والضراء وبسبب قسوة قلوبهم تركوا ما ذكروا به والنسيان هنا ليس هو مجرد الترك، إنما هو نسيان آثار الضراء والبأساء، فإن الضراء والبأساء لكي تنتجا آثارهما الحقيقية من الضراعة يجب أن تتركا آثارًا في القلوب تكون مذكرة بانتظام دائم لهما ولكن القسوة والغرور، والعجب والاستكبار محت تلك الآثار المذكرة فكان النسيان، وعاد الاغترار والاستكبار.
والله تعالى في هذه الحال التي أصابهم فيها النسيان يقول: (فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ) أي أن الرزق وأسباب القوة والاغترار والاستكبار تأتيهم وتسهل لهم، فكانوا في سعة في كل شيء، وقوله هذا: (فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كلِّ شَيْءٍ) فيه استعارة تمثيلية لمعنى تسهيل كل شيء حتى يكونوا في بحبوحة وسعادة مادية وعدم خوف، واطمئنان إلى المستقبل، أو نقول إن النص القرآني كناية عن هذا المعنى، لأنَّ من يفتح له باب كل شيء، يكون لَا محالة في سعة مادية واطمئنان مادي.
وهذا المعنى فيه اختبار للنفس غير المؤمنة بالنعمة بعد أن اختبرها بالنقمة.
كقوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (٩٤) ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٩٥).
وإن هذا الذي ذكره النص القرآني بالنعمة بعد النقمة هو اختبار شديد؛ ولذا روى عقبة بن عامر أن النبي ﷺ قال: " إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج. ثم تلا قوله تعالى: (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ). وروى عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ قال: " إذا أراد الله تعالى بقوم بقاء أو نماء رزقهم فتح باب القصد والعفاف، وإذا أراد بقوم اقتطاعا فتح باب الخيانة ".
стр. 3256
وإن هذا الفتح والرزق الواسع إلى حين ليذوقوا النعمة ثم الحرمان منها فجأة؛ ولذا قال سبحانه:
(حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هم مُّبْلِسُونَ).
إنهم إذ يكونون في فرح مما أعطاهم الله تعالى أخذهم الله تعالى بالحرمان أو أصابهم بالموت المفاجئ أو الخراب الجائح في وقت لم يتوقعوه، بل كانوا يتوقعون المزيد من النعم ويحسبون أنها حق مكتسب لَا يمحى (فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ)، أي في غم وكمد وحزن ويأس وحيرة بعد الفرحة.
وهنا تعبيران جليلان جديران بالالتفاف.
أولهما - أنه عبر عن إعطاء الله النعمة بما أوتوا - أي بالبناء للمجهول؛ لأنهم يحسبون أن ذلك بعلمهم وقدرتهم وحدهم. كما جاء على لسان واحد من أمثالهم وهو قارون (. . . إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦) وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧) قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (٧٨).
الثاني - أن الله أضاف الأخذ إلى ذاته العلية إذ قال: (أَخَذْنَاهُم) لأنهم لا ينكرون ذلك وينسبونه إلى ربهم.
* * *
стр. 3257
(فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)
* * *
الفاء هنا للتفريع على ما قبلها، و (دَابِرُ الْقَوْمِ) أي آخر. والدابر هو الآخر وإذا قطع الدابر، فإن معنى ذلك أن القطع سرى من الأول حتى وصل إلى الدابر، وإطلاق الدابر بمعنى الآض جاء في كلام العرب، ومن ذلك قول بعضهم: " إن من الناس من لَا يأتي الصلاة إلا دابرا " أي آخر الوقت والدابر تجيء بمعنى الأصل.
والمؤدى واحد في النص الكريم، أي قطع الذين ظلموا عن آخرهم، وذلك بسبب
стр. 3258
ظلمهم، وظلمهم كان لأنهم أشركوا بالله تعالى: (. . . إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)، ومن كان يشرك برب العباد لابد أن يظلم العباد، فمن الذي يتقوه من بعده. وظلموا أنفسهم؛ لأنه سبقت العظات والمعاملات ولم يعتبروا فاستحقوا ما نزل بهم.
وقد ختم الله تعالى النص بقوله: (وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) يعلمنا الحمد لله عند زوال الظالمين، فهلاك الظلمة والطغاة نعمة تستوجب الحمد والثناء، ويقول في ذلك الزمخشري: " (وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) إيذان بوجوب الحمد عند هلاك الظلمة، وأنه من أجل النعم وأجزل القيم ".
ونظير هذا النص الكريم قوله تعالى: (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (٥٨) قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى. . .).
ووصفه سبحانه بـ (رَبِّ الْعَالَمِينَ) إيذان بأن القضاء على الذين ظلموا بعد أن اختبروا بالبأساء والضراء، ثم بالسراء والنعماء هو من تقدير الربوبية، وتدبيره سبحانه رب العالمين.
* * *
(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (٤٦) قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (٤٧) وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٤٨) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٤٩)
* * *
стр. 3259
فى الآيات السابقة بين الله تعالى ما عامل به الأمم السابقة بعد أن جاءتهم رسلهم بالبينات، فاختبرهم بالبأساء تنزل بهم، والضراء تمس أحياءهم، رجاء أن يعرفوا ضعفهم بجوار قدرة ربهم، وأن تربي الشدائد نفوسهم، فمن لم يتجه إلى الله، ويكفر بعد كشف الضراء عنهم، ويقسو قلبه وينسى ما ذكر به من شدائد، يختبره بالنعمة، يفرحون بها، ويذوقون حلاوتها، ثم ينزل بهم الحرمان ويأخذهم بغتة بالشدائد ويكون ذلك أقسى من الأول إذ يتحيرون ويقطع دابرهم، وفي هذه يبين لهم سبحانه نعمة الله عليهم في الخلق والتكوين، ويذكرهم باتجاههم إليه إن أخذ سمعهم وأبصارهم وختم على قلوبهم أفلا يدركون، فقال تعالى:
стр. 3260
(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قلُوبِكُم مَّنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِهِ).
في الآيات السابقة - كما قلنا - كان ذكر ما ينزل حولهم ثم يصيبهم، فالدمار ينزل حولهم ثم يصيبهم، وهنا ذكر ما ينزل بحواسهم وكيانهم قائم لم ينقص، ففي هذا النص بيان قدرة الله تعالى في أنفسهم وفي أجزائهم وحواسهم، وامتلاكه لهذه المداخل التي تكون إدراكهم وهي السمع والبصر والفؤاد؛ كما قال تعالى في آية أخرى: (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١).
ومعنى أخذ الله سمعهم وأبصارهم والختم على أفئدتهم، أن يصبحوا لَا يسمعون حقيقة ولا يبصرون حقيقة، ولا يفقهون فيسلبهم سبحانه الفهم والإدراك، وواضح أن أخذ السمع والبصر يكون بعدم السماع والإبصار؛ لأن هاتين الحاستين تسمعان وتريان، وأخذهما فَقْدُ عملهما - ولكن الأفئدة شيء يخفى لَا يؤخذ بل هو باق، ولكن يغشى عليه، فليس الجنون ذهاب العقل، وإنما الجنون ستر العقل فلا يدرك الأمور على وجهها، ولذلك عبر عن فقد الإدراك بالجِنة؛ لأن العقل يُستر ولا يذهب كما يذهب السمع والبصر؛