وإن هذا الفتح والرزق الواسع إلى حين ليذوقوا النعمة ثم الحرمان منها فجأة؛ ولذا قال سبحانه:
(حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هم مُّبْلِسُونَ).
إنهم إذ يكونون في فرح مما أعطاهم الله تعالى أخذهم الله تعالى بالحرمان أو أصابهم بالموت المفاجئ أو الخراب الجائح في وقت لم يتوقعوه، بل كانوا يتوقعون المزيد من النعم ويحسبون أنها حق مكتسب لَا يمحى (فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ)، أي في غم وكمد وحزن ويأس وحيرة بعد الفرحة.
وهنا تعبيران جليلان جديران بالالتفاف.
أولهما - أنه عبر عن إعطاء الله النعمة بما أوتوا - أي بالبناء للمجهول؛ لأنهم يحسبون أن ذلك بعلمهم وقدرتهم وحدهم. كما جاء على لسان واحد من أمثالهم وهو قارون (. . . إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦) وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧) قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (٧٨).
الثاني - أن الله أضاف الأخذ إلى ذاته العلية إذ قال: (أَخَذْنَاهُم) لأنهم لا ينكرون ذلك وينسبونه إلى ربهم.
* * *
стр. 3257
(فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)
* * *
الفاء هنا للتفريع على ما قبلها، و (دَابِرُ الْقَوْمِ) أي آخر. والدابر هو الآخر وإذا قطع الدابر، فإن معنى ذلك أن القطع سرى من الأول حتى وصل إلى الدابر، وإطلاق الدابر بمعنى الآض جاء في كلام العرب، ومن ذلك قول بعضهم: " إن من الناس من لَا يأتي الصلاة إلا دابرا " أي آخر الوقت والدابر تجيء بمعنى الأصل.
والمؤدى واحد في النص الكريم، أي قطع الذين ظلموا عن آخرهم، وذلك بسبب
стр. 3258
ظلمهم، وظلمهم كان لأنهم أشركوا بالله تعالى: (. . . إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)، ومن كان يشرك برب العباد لابد أن يظلم العباد، فمن الذي يتقوه من بعده. وظلموا أنفسهم؛ لأنه سبقت العظات والمعاملات ولم يعتبروا فاستحقوا ما نزل بهم.
وقد ختم الله تعالى النص بقوله: (وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) يعلمنا الحمد لله عند زوال الظالمين، فهلاك الظلمة والطغاة نعمة تستوجب الحمد والثناء، ويقول في ذلك الزمخشري: " (وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) إيذان بوجوب الحمد عند هلاك الظلمة، وأنه من أجل النعم وأجزل القيم ".
ونظير هذا النص الكريم قوله تعالى: (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (٥٨) قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى. . .).
ووصفه سبحانه بـ (رَبِّ الْعَالَمِينَ) إيذان بأن القضاء على الذين ظلموا بعد أن اختبروا بالبأساء والضراء، ثم بالسراء والنعماء هو من تقدير الربوبية، وتدبيره سبحانه رب العالمين.
* * *
(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (٤٦) قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (٤٧) وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٤٨) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٤٩)
* * *
стр. 3259
فى الآيات السابقة بين الله تعالى ما عامل به الأمم السابقة بعد أن جاءتهم رسلهم بالبينات، فاختبرهم بالبأساء تنزل بهم، والضراء تمس أحياءهم، رجاء أن يعرفوا ضعفهم بجوار قدرة ربهم، وأن تربي الشدائد نفوسهم، فمن لم يتجه إلى الله، ويكفر بعد كشف الضراء عنهم، ويقسو قلبه وينسى ما ذكر به من شدائد، يختبره بالنعمة، يفرحون بها، ويذوقون حلاوتها، ثم ينزل بهم الحرمان ويأخذهم بغتة بالشدائد ويكون ذلك أقسى من الأول إذ يتحيرون ويقطع دابرهم، وفي هذه يبين لهم سبحانه نعمة الله عليهم في الخلق والتكوين، ويذكرهم باتجاههم إليه إن أخذ سمعهم وأبصارهم وختم على قلوبهم أفلا يدركون، فقال تعالى:
стр. 3260
(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قلُوبِكُم مَّنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِهِ).
في الآيات السابقة - كما قلنا - كان ذكر ما ينزل حولهم ثم يصيبهم، فالدمار ينزل حولهم ثم يصيبهم، وهنا ذكر ما ينزل بحواسهم وكيانهم قائم لم ينقص، ففي هذا النص بيان قدرة الله تعالى في أنفسهم وفي أجزائهم وحواسهم، وامتلاكه لهذه المداخل التي تكون إدراكهم وهي السمع والبصر والفؤاد؛ كما قال تعالى في آية أخرى: (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١).
ومعنى أخذ الله سمعهم وأبصارهم والختم على أفئدتهم، أن يصبحوا لَا يسمعون حقيقة ولا يبصرون حقيقة، ولا يفقهون فيسلبهم سبحانه الفهم والإدراك، وواضح أن أخذ السمع والبصر يكون بعدم السماع والإبصار؛ لأن هاتين الحاستين تسمعان وتريان، وأخذهما فَقْدُ عملهما - ولكن الأفئدة شيء يخفى لَا يؤخذ بل هو باق، ولكن يغشى عليه، فليس الجنون ذهاب العقل، وإنما الجنون ستر العقل فلا يدرك الأمور على وجهها، ولذلك عبر عن فقد الإدراك بالجِنة؛ لأن العقل يُستر ولا يذهب كما يذهب السمع والبصر؛
стр. 3261
ولذلك قال سبحانه: (وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُم) أي وضع غشاوة على قلوبهم، فتصبح كالشيء المختوم لَا ينفذ إليه شيء من الإدراك، وذلك بلا ريب هو أعلى دقة في التعبير تليق بمقام القرآن الكريم في البيان الذي لَا يصل إليه أحد من البشر، والتعبير بقوله تعالى: (أَرَأَيْتُمْ) الاستفهام فيه للتنبيه، كأنه سبحانه وتعالت كلماته يقول أرأيتم. أي إن لم تكونوا قد رأيتم ذلك فَرُوه وعوه، وأدركوا ما وراء ما يدل عليه.
وقوله تعالى: (مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِهِ) الاستفهام فيه لإنكار الوقوع الثابت بالدليل الذي لَا مجال لإنكاره، والضمير في (به) يعود إلى المأخوذ، وهو السمع والبصر والفؤاد، وقام الأخذ والختم مقامه من قبيل قيام السبب مقام المسبب، و (يأتيكم) معناه برده عليكم، وعبر سبحانه بـ (يأتي) للإشارة إلى أنه يكون كالجديد، والنص يشير إلى أنهم وحواسهم في يد الله ، ويشير إلى أمر آخر، وهو أنه تعالى قادر على إعادة السمع والبصر والإدراك، وهي أجزاء جسمكم المدركة المصرفة، أفلا يكون قادرا على إعادتكم في البعث كما بدأكم أول مرة، إنكم ترون من يذهب سمعه كان في أذنيه وقرا ثم يسمع، ومن يذهب بصره ثم يبصر بعمل الله، ومن يصاب بجنة ثم يفيق، وكل ذلك من الله تعالى، إن ذلك محسوس، فلماذا لَا يقيسون عليها عودة الأجسام بعد بلاها كما بداكم تعودون.
(انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ) الخطاب للنبي ﷺ لبيان حال المشركين، وأنهم لَا تؤثر الحجة فيهم مهما تكن واضحة نيرة ملزمة، والتصريف: التغيير، وهو يكون في ذات الآيات يتعددها من آية كونية إلى آية قرآنية، فالتعدد صورها، فتعدد في صور الآيات الكونية من عواصف عاتية إلى مطر صاخب إلى خسف للديار، ومن آيات قرآنية زاجرة ضاربة للأمثال مبينة للمثلات، إلى تذكير بقدرة الله تعالى فيما تحيط بهم، وتذكير بأنفسهم، ومع هذا التصريف المتتابع، والآيات الواضحة المنوعة تجدهم صادفين، ولذا قال تعالى: (ثمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ) أي
стр. 3262
يعرضون، ولا يجيبون من الصدوف بمعنى الإعراض، وأصل الصدوف اليل عن الجانب؛ لأن أصله الصّدَف بمعنى الجانب، فمن يصدف يميل عن هذا الجانب أو يجعله حاجزًا دون الإيمان، وقد عبر في العطف بـ " ثم " للدلالة على التراخي المعنوي بين الآيات وتتابعها والإعراض، وقد أكد الإعراض منهم بضمير الفصل؛ لأن وقوعه غريب في ذاته بعد تلك الآيات البينات.
* * *
стр. 3263
(قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (٤٧)
* * *
الخطاب للنبي ﷺ في قوله تعالى: (قُلْ)، وللنبي ﷺ وللمشركين في قوله: (أَرَأَيْتَكُمْ) وقد ذكرنا تخريج هذا اللفظ على ما يقوله النحويون واللغويون في البحث السابق، فارجع إليه، (بَغْتَةً) أي مفاجأة، و (جَهْرَةً) أي جهارا، وقد ذكرت الجهرة في مقابل البغتة؛ لأن البغتة بمقتضى المعتادة تكون في خفية ولا إعلان فيها من قبل، أو على الأقل تجيء من غير ترقب ولا انتظار، فهي خافية على من نزلت عليهم، ولذلك قابلتها جهرة، ولقد فسر الزمخشري احتمال بغتة أن تكون بمعنى ليلا، وجهرة بمعنى نهارا، وهو معنى مقارب، لأن المفاجأة تكون بالليل، والعلنية تكون بالنهار عادة.
وعذاب الله تعالى يجيء من غير ترقب. كحال الذين قالوا (عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا) فقال سبحانه: (. . . بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ).
وقوله تعالى: (هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ) الاستفهام هنا إنكاري لإنكار الوقوع، أي لَا يهلك إلا القوم الذين تجمعوا على الظلم، وتحزبوا وتضافروا عليه، وتعاونوا على إثمه. وهنا مباحث لفظية موضحة:
أولها - لماذا كان النفي بالاستفهام؟ الجواب عن ذلك للتنبيه، كأنه كان سؤال وكانت إجابة، وذلك تأكيد للنفي فضل تأكيد.
ثانيها - أن سبب الهلاك هو الظلم، فقد ظلموا بسبب الشرك، وظلموا بعدم الطاعة، وظلموا أنفسهم بضلالها، والظلم وخيم العاقبة.
стр. 3264
ثالثها - أن الكلام فيه حصر الهلاك في الظالمين مع أن الفتنة تعم ولا تخص، كما قال تعالى: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تصِيبَنَّ الَّذِين ظَلَمُوا مِنكمْ. . .).
ونقول في الجواب عن ذلك: إن الله لَا يهلك الظالمين إلا إذا ساد الظلم، فبعضهم وقع منهم الظلم فعلا، والآخرون سكتوا عنه فكانوا ظالمين بسكوتهم، وقد قال تعالى في شأن بني إسرائيل: (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩).
ولقد ورد في الأثر: إن الله لَا يعذب العامة بظلم الخاصة، إلا إذا رأوا المنكر وسكتوا عنه. أو كما قال رسول الله ﷺ (١).
* * *
стр. 3265
(وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٤٨)
* * *
التبشير هو الإخبار بالبشرى، وهي الخبر السار، والإنذار هو الإخبار بالسوء في المستقبل تحذيرا وإعذارا، فالتبشير وعد بما يلقى في النفس السرور والاطمئنان، والإنذار وعيد بالعذاب، والجزاء المماثل للإثم، وقصر الله تعالى المرسلين على الإنذار والتبشير -؛ لأنه ليس عليهم أن يحملوا الناس على الهداية إن لم يهتدوا، ولا يتحملوا وزر العصاة إن عصوا أمر ربهم، إنما الثواب لمن أطاع، والعذاب لمن عصاه، وذكر ذلك بالنص، لأن النبي ﷺ كادت نفسه تذهب عليهم حسرات حتى يؤمنوا، وقال تعالى له: (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ)، فالله سبحانه بين له أنه لَا يهدي من أحب، وأنه ليس عليه هدايتهم وأن رسالته غايتها الإنذار والتبشير كسائر المرسلين، وأنه بعد تبليغ الرسالة يكون الخير لهم، والتبعة عليهم.
стр. 3266
(فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلأ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) أي فمن أذعن للحق، وآمن بما جئت به، وجعل هواه تبعا لما تدعو إليه فله الجزاء الأوفى، ودعم الإذعان الحق بالعمل الصالح، فالإيمان من غير عمل أجوف أجرد لَا ينتج بذاته، ومن آمن وعمل صالحا فإنه لَا يحزن على ما فاته في الماضي، بل يطمئن بذكر الله، ولا يخاف من المستقبل لأنه يرجو ما عند الله تعالى.
* * *
стр. 3267
(وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٤٩)
* * *
أولئك هم المقابلون للذين أذعنوا للحق وعملوا عملا صالحًا، وهؤلاء كذبوا بآيات الله، ويراد بالتكذيب للآيات الإعراض عن الأدلة القاطعة المثبتة لوحدانية الله تعالى من كونيات ظاهرة، ومعجزات قاهرة، وآيات قرآنية بينة واضحة باهرة، فلم يكن تكذيبهم للنبي ﷺ فقط، بل كان تكذيبهم للأدلة الواضحة التي تشبه الحس المرئي والبارز المحسوس، وهذه الآيات هي التي ساقها الله لهم، وهو خالق الكون ومدبره، وقال في عقوبتهم: (يَمَسُّهُم الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) أي يصيبهم العذاب بسبب فسقهم، أي خروجهم عن الحق، وإنكارهم لَا يوجب العقل الإيمان به، وأردفوا كذلك بفعل الموبقات، فإذا كان المؤمنون قد أذعنوا للحق، وزكوه بالعمل الصالح، فأولئك أنكروا الحق، ودعموا الإنكار بارتكاب الموبقات والزور من الأعمال، وعبر سبحانه عن إصابة العذاب وإدخالهم جهنم بـ " يمسهم "، لأن موضع الإحساس بالألم هو الجلد، فمسه بالعذاب هو الإيلام الشديد، اللهم قنا عذاب النار.
* * *
(قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ
стр. 3268
أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ (٥٠) وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٥١) وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢) وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣)
* * *
في الآيات السابقة كان بيان الله للآيات الكبرى تتابع عليهم آية بعد آية، وهم معرضون، والله تعالى يذكرهم بسلطانه في الأرض وفي السماء وفى أنفسهم، وبين أن من يشركونهم مع الله لَا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا، ولا يدفعون عنهم شيئًا لو أخذ الله تعالى سمعهم وأبصارهم وختم على قلوبهم، ولا يملكون أن يدفعوا العذاب إذا أتاهم بغتة أو جهرة، ولم يبين علاقتهم بالمؤمنين وكلامهم في النبي ﷺ وحوارييه، وفي هذه الآيات يتكلم في ذلك، فيقول الله تعالى:
стр. 3269
(قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ).
كان المشركون يستكثرون أن يكون محمدا نبيَّا مرسلا، ولم يكن من الأغنياء العظماء في أموالهِم، بل كان يتيما فقيرًا، فقد قالوا: (. . . لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرآنُ عَلَى رَجُلٍ منَ الْقَرْيتينِ عَظِيمٍ)، وحسبوا أن النبي يجب أن يكون
стр. 3270
محُدِّثا عن الغيب، وقد ذكر النبي ﷺ أنه لَا يعلم الغيب، وأمره الله تعالى أن يقول: (قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨).
وقد كانوا يقولون إنهم يريدون ملكًا رسولا. وقد أخبر تعالى عنهم:
(. . . مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ. . .). وقد تولى الله ردهم في هذه الآيات، وأمره بأن يقول لهم:
(قُل لَا أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَائِنُ اللَّهِ) أمره الله تعالى بأن يحدد مضمون الرسالة، ولا يتوهموا أن الرسالة تقتضي أن يكون الرسول مالكًا للأموال والخزائن، ولا أن يكون عليما بالغيب، وأن الرسول لم يدع شيئًا من ذلك، وإن الرسول ليست له خاصة إلا أنه يبشر وينذر، وأنه يوحى إليه من رب العالمين، وأنه مع من يدعوهم يتبع ما يوحى إليه من ربه.
إن الرسالة الإلهية يضعها الله تعالى في عباده المصطفين الأخيار من البشر، (. . . اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ. . .)، وإن محمدًا ﷺ ما تطاول بفضل مال ولا ثروة، ولا غنى، ولكنه كان فقيرًا بين الفقراء قريبا منهم متدانيا إليهم يخفق قلبه معهم، ويحس بآلامهم، وكان من البشر، ليخاطب البشر، (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ). وإن التفوقة ليست بالغنى والفقر، وإنما التفوقة بالهداية والضلال، والعلم والجهل؛ ولذا قال سبحانه في التفوقة بين من استبصر وأدرك ولو فقيرًا، وبين من ضل وغوى، ولو كان غنيا.
(قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ).
أمر الله تعالى نبيه بأن ينبههم إلى أنه لَا يستوي العالم والجاهل والمهدِي والضال، والرشيد والسفيه، وكان أمر الله تعالى بذلك لنبيه، وتكرار الأمر بأن يقول لهم ما يقول، لفضل التنبيه، ولتقوية الإيمان بأنه يتكلم عن ربه، ولأنه الذي يتولى محاجاتهم، والاستفهام هنا لنفي الوقوع مع التنبيه إلى هذا، والمراد من
стр. 3271
الأعمى غير المدرك للحقيقة وغير المهتدي، ومن طمس الله تعالى على بصيرته فأصبح الحق لَا يصل إليه، والمبصر من أدرك كل هذا، ففي الكلام تشبيه الضلال بالعمى، وإدراك الحق والإذعان له والاهتداء بالبصر؛ لأنه يعيش في نور البصيرة، والأول يعيش في ظلام الجهل والضلال.
وقدم العمى في الذكر على البصر؛ لأن المشركين يدعون أنهم مع ضلالهم وجهلهم، وبعدهم أعلى من أتباع النبي ﷺ من المؤمنين، وذلك لكثرة أموالهم، وقلة أموال المؤمنين، فبين سبحانه أنهم لَا يمكن أن يساووهم فضلا أن يعلوا عليهم؛ لأن الأعمى ولو غنيا، لَا يساوى المبصر ولو فقيرا، وكان عليهم بدل أن يفضلوا أنفسهم على المؤمنين لفقرهم أن يتفكروا ويتدبروا في أسباب الفقر والغنى، وأسباب الفضل وأسباب العلو، وأن يتعرفوا الهدى والضلال، وأن يتدبروا في حاضر أمرهم وقابله، وأن يعتبروا بالعظات والأمثال التي تساق إليهم، وأن يكشفوا عن أنفسهم غمة الاغترار والإعراض عن الحق، وألا يكونوا في غيهم يعمهون؛ ولذا قال تعالى: (أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ) الفاء هنا موضعها قبل الاستفهام، ولكن الاستفهام له الصدارة فقدم عليها عن تأخير في نسق الكلام، والمعنى أنه كان يترتب على عدم المساواة بين الأعمى البصير أن يتدبروا ويتفكروا، والاستفهام للتحريض على التفكير.
* * *
стр. 3272
(وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٥١)
* * *
الكلام السابق في المشركين، وإعراضهم عن الآيات وختم الله تعالى على قلوبهم مع توالي الآيات والنذر عليهم وإعراضهم، وقد يتوهم متوهم أن الإنذار لا جدوى منه، ولكن ليس الناس جميعا كذلك، بل فيهم من تؤثر فيه الموعظة ويجدي فيه الإنذار، والحق أن الناس قسمان: قسم تعتريه الرهبة من الغيب، ويخاف الحشر إن ذكر به، فلم يكن فيه اغترار يقسو به قلبه، ويصرفه عن المنذرات والاستماع إلى داعي الحق، وصنف غلبت عليه شقوته لَا تجدي فيه موعظة،
стр. 3273
ولا يرهب الغيب وما فيه؛ لأنه يَعْمَه في غيه، وهم في غفلتهم ساهون، وهؤلاء لا يجدي فيهم النذير، وهم الذين ختم الله على قلوبهم، وعلى سمعهم وأبصارهم غشاوة، وقد ذكر الزمخشري أن الذين يخافون أن يحشروا منهم المسلمون الذين يؤمنون بالبعث والنشور، ولكن تتقاصر أعمالهم، فيجديهم النذير، ومنهم أهل الكتاب الذين لم يفسدهم الغرور، ومنهم بعض المشركين الذين لم يطمس على قلوبهم، بل لَا يزال في قلوبهم نافذة ينفذ منها الندم، فإن علموا بالحشر خافوه فآمنوا، ومن المشركين من يؤمنون بالحشر، ولكن يظنون أن الشركاء الذين يبتدعونهم يشفعون لهم، فإذا أعلموا الحق فيه اتبعوه، وما ذكرناه في تقسيمنا يعم هذه الأنواع وغيرها.
والضمير في به يعود إلى ما أوحى إلى النبي ﷺ وهو القرآن الكريم، وقد ذكرنا ضروب الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم، ويلاحظ بعض أمور:
أولها - أن الإنذار للجميع فلا يختص الذين يخافون دون غيرهم، ولكن الذين ينتفعون به هم الذين يخافون الحشر، وما وراءه من حساب وعقاب.
ثانيها - أن العنصر المميز بين أهل الخير وغيرهم هو الخوف والخشية من الله فأولئك يكون فيهم رأفة، ومع الرأفة يتفتح القلب للهداية، ويدخله النور، ومع الغلظة يكون الظلام، وكأن الغلظة حجارة قوية تجعل ما وراءها في ظلام دامس.
ثالثها - أن الغرور باعتقاد شفيع يشفع أو ولي يناصر من دون الله تعالى يسدُّ مسالك النور والهداية، فلا بد أن يكون كل الإحساس لله .
رابعها - أن الإنذار في هذه الحال يجعل للتقوى مكانا، فيكون الرجاء فيها، وهو من العبد لَا من الرب، ولذا قال: (لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ).
* * *
стр. 3274
(وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ... (٥٢)
* * *
جاء النهي من الله تعالى بألا يطرد أهل التقى ولو كانوا عبيدًا أو فقراء، فإن هؤلاء يقوم بهم عمود الدين، وإذا كانت الضلالة لَا تساوي الهداية، والعمى
стр. 3275
لا يستوي مع البصر، فإنه لَا يصح أنه يطرد الفقراء لرجاء إجابة الأغنياء، ولا يطرد الضعفاء لرجاء إجابة الأقوياء، يروى عن ابن مسعود أنه مر الملأ من قريش بالنبي ﷺ ، وعنده صهيب وعمار وبلال وخباب ونحوهم من ضعفاء المسلمين، فقالوا: يا محمد رضيت بهؤلاء من قومك؛ أهؤلاء الذين مَنَّ الله عليهم من بيننا؟ أنحن نكون تبعًا لهؤلاء؛ فلعلك إن طردتهم أن نتبعك.
وروي عن خباب بن الأرت في قوله تعالى: (ووَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ) إلى قوله: (فَتَكُون مِنَ الظَّالمِينَ) قال: جاء الأقرع بن حابس التميمي، وعيينة بن حصن الفزارى فوجدوا النبي ﷺ -قاعدًا مع بلال وصهيب وعمار وخباب في أناس من الضعفاء من المؤمنين؛ فلما رأوهم حوله أتوه، فقالوا: إنا نحب أن تجعل لنا منك مجلسا تعرف لنا العرب به فضلنا، فإن وفود العرب تأتيك، فنستحي أن ترانا العرب مع هؤلاء الأعْبُد، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا، فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئمت، فنزل قوله تعالى: (وَلا تَطْرُدِ الَّذين يَدْعُونَ رَبَّهُم).
هذا ما قيل في سبب نزول هذه الآية، والنص يومئ إلى هذا المعنى، فقد قال تعالى، كما سنتلوا:
* * *
стр. 3276
(وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا ... (٥٣)
* * *
نهى الله النبي عن أن يطرد هؤلاء الضعفاء، وإن كان النبي ﷺ يميل إلى تأليف قلوب الأقوياء للدخول في الإسلام لينال بقوتهم قوة، ولكن الله تعالى بين أن القوة في الإيمان، لَا في غطرسة المتغطرسين وإن أولئك وإن كانوا ضعفاء فقراء فإنهم أقوياء بعزة الإيمان وبعزة الحق ولا تفرقة بين أتباع الأنبياء بالطبقية، إنما التفرقة بقوة الإيمان والتقوى كما قال تعالى: (. . . إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ. . .). وإن الرفعة بين أتباع الأنبياء بالإيمان والعبادة. وقد ذكر الذين نهى النبي ﷺ عن طردهم بأنهم يدعون ربهم بالغداة والعشي، ومعنى يدعون يعبدون مخلصين؛ لأن العبادة دعاء، والدعاء: التضرع الخالص، وهو مخ العبادة، وهو لبها، ولذلك عبر عن العبادة بالدعاء - وبالغداة
стр. 3277
والعشي: المراد في الصباح والساء، أي أنهم في عامة أوقاتهم ذكروا الله تعالى ربهم الذي خلقهم وكلأهم وحماهم، يريدون وجه الله، لَا يقصدون عرضا من أعراض الدنيا، وينصرفون إليه تعالى لَا يريدون إلا ذاته الكريمة ولا يقصدون سواه، فكيف يطرد هؤلاء لأجل ناس لَا يعرفون إلا عرض الدنيا وإن الله تعالى قد أمر النبي ﷺ بأن يكون مع هؤلاء، فإنهم قوة، والإيمان يملأ النفس قوة؛ لأنها قوة الصبر، ولذلك قال تعالى: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨).
(مَا عَلَيْكَ مِنْ حسَابِهِم مِّن شَىْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَىْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ).
جاء هذْا النص الكريم بعد قوله تعالت كلماته: (يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) أي يقصدون بعبادتهم ذاته العلية ولا يقصدون شيئًا سواها، مهما يكن، وإن الله تعالى يتولى حسابهم بالجزاء، وما يعود عليك من حسابهم شيء ولا يعود عليهم من حسابك شيء فهم عباد مجزيون بأعمالهم، كما أنك يا محمد مجزي بعملك، فليس لك أن تطردهم، وهذا التعبير (مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍ) يشبه ما نقل عن نوح ﵇ في قول الله تعالى: (قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١) قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (١١٣).
ويؤدي التعبير على هذا أن هؤلاء آمنوا بربهم وحسابهم عند ربهم، وما عليَّ من حسابهم من شيء، كما لَا يحاسبون على عملي، فكل له عمله، فكيف أطردهم، ولذلك قال تعالى: (فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ) أي فإن طردتهم استجابة لغيرهم وأنت لَا تتحمل مغبة أعمالهم، ولا ما هم فيه كنتط من الظالمين؛ إذ لَا وزر كان منهم يستوجب الطرد إلا مسارعتهم للإيمان بما جئت وتلكؤ غيرهم، إن ذلك لظلم عظيم إن كان، ولا يمكن أن يكون من محمد ﷺ .
стр. 3278
وهناك تخريج آخر، لقوله: (مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَىْءٍ) بأن المعنى ما عليك شيء من حساب رزقهم إن كانوا فقراء وما من حسابك في الفقر والغنى عليهم من شيء، أي إنك أنت هاد ومرشد، داع إلى من يقرب منك ومن يجيب، وسواء أكان فقيرًا أم كان غنيا، فكيف ترد فقيرًا مهديا لفقره وتقرب غنيا غير مهدى لغناه فإن تطردهم من بعد فإنك تكون من الظالمين، ومعاذ الله أن يكون ذلك منك.
إن الضعفاء أول من يتبع الأنبياء، لأنهم غير مشغولين بالمال والبنين وزخارف الحياة، وضجاتها، ولجاجة القوة وخصوصًا ما يكون منها على غير أساس من الأخلاق، فنفوسهم تكون أقرب إلى الفطرة والاستقامة؛ ولذلك كان غالب الذين اتبعوا النبي ﷺ من الضعفاء والعبيد، وكل الذين يحسون بآلام الحياة الدنيا، ورجاء حياة أخرى، ولقد سأل هرقل ملك الرومان أبا سفيان ابن حرب الذي كان قائد الشرك إبان ذاك عمن يتبع النبي ﷺ أشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؛ فقال: بل ضعفاؤهم، فقال هرقل: فكذلك أتباع الرسل (١).
وإن هذا بلا ريب اختبار لنفوس الأقوياء فقوله: (فتنا) معناها اختبرنا، وكان فتنة لهم من ناحيتين: الناحية الأولى أن جاههم مع كبريائهم سيكون حاجزًا لا يسهل دخول الإيمان في قلوبهم. الثانية سيجدون أن الذين يسبقونهم إلى الإسلام هم الضعفاء، فيكون ذلك صعوبة نفسية أخرى لَا تسهل دخول الحق إلى قلوبهم، ويقول قائلهم الضال: (. . . لَوْ كَانَ خَيْرًا مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ)، ومن يجتاز هاتين الصعوبتين من الأقوياء يكون إيمانه أرسخ من الجبال كأبي بكر الصديق، وعثمان بن عفان، وحمزة بن عبد المطلب، وعمر بن الخطاب،
стр. 3279
وعبدالرحمن بن عوف، وغيرهم من الأقوياء ذوي الوجاهة في الجاهلية والوجهاء عند الله والناس في الإسلام.
والكاف في قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ فَتَنَّا)، للتشبيه، وقد شبهت الصورة الكلية لاختبار الله تعالى لخلقه، أو على الحقيقة معاملته معاملة المختبر لهم شبهت تلك الصورة بهذه الحالة القائمة، التي آمن فيها الضعفاء وسبقوا بها الأقوياء، وصار لهم فضل السبق، والتشبيه للتقريب والتوضيح، واللام في قوله تعالى: (لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا) للعاقبة أي: وما كانت هي الباعث على الاختبار، ولكن كانت عاقبة ونتيجة الاختبار.
(أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ).
يثبت الله هذا النص بثلاثة أمور:
أولها - أن الفضل ليس بالغنى، ولا بالجاه ولا بالقوة في الدنيا، ولكن بمقدار شكر الله تعالى على ما أنعم، والإنسان في الوجود محفوف بنعم الله تعالى تحوط به من يوم خروجه إلى الحياة إلى وقت مفارقتها، وواجب عليه الشكر لها فشكر النعم واجب بمقتضى العقل والنقل، وبمقدار شكر النعمة يكون الفضل.
ثانيها - أن أولئك الذين يسارعون إلى الإيمان بوحدانية الديان، هم أصحاب الفضل؛ لأنهم هم الذين يسارعون إلى الإيمان، ودعوة الله وعبادته، والإذعان له.
ثالثها - أن الله هو وحده العالم بمن يستحق الفضل وبمن يشكره وهو المستحق للفضل منه، وأفعل التفضيل على غير بابه، والمراد أنه سبحانه يعلم الشاكرين علماً ليس فوقه علم، فهو وحده العليم، السميع البصير.
* * *
(وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ).
السلام والسلامة بمعنى واحد. ومعنى " سلام عليكم " سلمكم الله في دينكم وأنفسكم؛ نزلت في الذين نهى الله نبيه ﷺ عن طردهم؛ فكان إذا رآهم بدأهم بالسلام وقال: " الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أبدأهم بالسلام " فعلى هذا كان السلام من جهة النبي ﷺ . وقيل: إنه كان من جهة الله تعالى، أي أبلغهم منا السلام، وعلى الوجهين ففيه دليل على فضلهم ومكانتهم عند الله تعالى. وفي صحيح مسلم عن عائذ بن عمرو أن أبا سفيان أتى على سلمان وصُهَيْبٍ وبلال ونفر فقالوا: والله ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها؛ قال: فقال أبو بكر: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم؟! فأتى النبي ﷺ -
стр. 3282
فأخبره فقال: " يا أبا بكر لعلك أغضبتهم لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك " فأتاهم أبو بكر فقال: يا إخوتاه أغضبتكم؟ قالوا: لَا، يغفر الله لك يا أخي (١)؛ فهذا دليل على رفعة منازلهم وحرمتهم كما بيناه في معنى الآية. ويستفاد من هذا احترام الصالحين واجتناب ما يغضبهم أو يؤذيهم؛ فإن في ذلك غضب الله، أي حللو عقابه بمن آذي أحدا من أوليائه. وقال ابن عباس: نزلت الآية في أبي بكر وعمر وعثمان وعلى ﵃ وقال الفُضَيل بن عِيَاض: جاء قوم من المسلمين إلى النبي ﷺ فقالوا: إنا قد أصبنا من الذنوب فاستغفر لنا فأعرض عنهم؛ فنزلت الآية. وروي عن أنس بن مالك مثله سواء.
قوله تعالى: (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) أي أوجب ذلك بخبره الصدق، ووعده الحق، فخوطب العباد على ما يعرفونه من أنه من كتب شيئا فقد أوجبه على نفسه. وقيل: كتب ذلك في اللوح المحفوظ (أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَة) أي خطيئة من غير قصد. قال مجاهد: لَا يعلم حلالا من حرام ومن جهالته ركب الأمر، فكل من عملِ خطيئة فهو بها جاهل. وقيل: من آثر العاجل على الآخرة فهو الجاهلِ. (فَأَنَّهُ غفُورٌ رحِيم) قرأ بفتح (أنَّ) من " فأنَّهُ " ابن عامر وعاصم، وكذلك (أَنَّهُ منْ عَمِلَ). وقرأ الباقون بالكسر فيهما (٢)؛ فمن كسر فعلى الاستئناف، والجملة مفسرة للترجمة؛ و " إنَّ " إذا دخلت على الجمل كُسِرت وحكم ما بعد الفاء الابتداء والاستئناف فكُسِرت لذلك. ومن فتحهما فالأولى في موضع نصب على البدل من الرحمة، بدل الشيء من الشيء وهو هو فأعمل فيها " كتب " كأنه قال: كتب ربكم على نفسه أنه من عمل؛ وأما " فأنه غفور " بالفتح ففيه وجهان؛ أحدهما - أن يكون في موضع رفع بالابتداء والخبر مضمر، كأنه قال: فله أنه غفور رحيم؛ لأن ما بعد الفاء مبتدأ، أي فله غفران الله. الوجه الثاني -
стр. 3283
أن يضمر مبتدأ تكون " أنَّ " وما عملت فيه خبره، تقديره: فأمره غفران الله له، وهذا اختيار سيبويه، ولم يُجِز الأول، وأجازه أبو حاتم. وقيل: إنَّ " كتب " عمل فيها؛ أي كتب ربكم أنه غفور رحيم. وروي عن علي بن صالح وابن هرمز كسر الأولى على الاستئناف، وفتح الثانية على أن تكون مبتدأة أو خبر مبتدأ أو معمولة لـ " كتب " على ما تقدّم. ومن فتح الأولى - وهو نافع - جعلها بدلا من الرحمة، واستأنف الثانية لأنها بعد الفاء، وهي قراءة بيِّنة.
* * *
قوله تعالى:
стр. 3284
(وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (٥٥)
* * *
قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ) التفصيل التبيين الذي تظهر به المعاني؛ والمعنى: وكما فصّلنا لك في هذه السورة دلائلنا ومحاجتنا مع المشركين كذلك نُفصِّل لكم الآيات في كل ما تحتاجون إليه من أمر الدين، ونبين لكم أدلتنا وحججنا في كل حق ينكره أهل الباطل.
وقال القُتَبى: (نُفَصِّلُ الآيَاتِ) نأتى بها شيئا بعد شيء، ولا ننزلها جملة متصلة، (وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ) يقال: هذه اللام تتعلق بالفعل " فأين - الفعل الذي تتعلق به؛ فقال الكوفيون: هو مقدّر، أي وكذلك نفصل الآيات لنبين لكم ولتستبين؛ قال النحاس: وهذا الحذف كله لَا يحتاج إليه، والتقدير: وكذلك نفصل الآيات فصلناها. وقيل: إن دخول الواو للعطف على المعنى، أي ليظهر الحق وليستبين، قرئ بالياء والتاء (١). " سبيل " برفع اللام ونصبها، وقراءة التاء خطاب للنبي ﷺ ، أي ولتستبين يا محمد سبيل المجرمين. فإن قيل: فقد كان النبي ﷺ يستبينها؟ فالجواب عند الزجاج - أن الخطاب للنبي ﷺ خطاب لأمته، فالمعنى: ولتستبينوا سبيل المجرمين. فإن قيل: فلم لم يذكر سبيل المؤمنين؟ ففي هذا جوابان: أحدهما - أن يكون مثل قوله: (. . . سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ. . .).
المعنى: وتقيكم البرد ثم حُذِف، وكذلك يكون هذا المعنى ولتستبين سبيل المؤمنين ثم حذف. والجواب الآخر - أن يقال: استبان الشيء واستبنته، وإذا بان
стр. 3285
سبيل المجرمين فقد بانَ سبيل المؤمنين. والسبيل يذكر ويؤنث؛ فتميم تذكره، وأهل الحجاز تؤنثه؛ وفي التنزيل (. . . وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ. . .)، مذكر (. . . لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ. . .)، مؤنث؛ وكذلك قرئ (وَلِتَسْتَبِينَ) بالياء والتاء؛ فالتاء خطاب للنبي ﷺ والمراد أمته.
* * *
قوله تعالى:
стр. 3286
(قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (٥٦)
* * *
قيل: " تَدْعُونَ " بمعنى تعبدون. وقيل: تدعونهم في مهمات أموركم على جهة العبادة؛ أراد بذلك الأصنام. (قُل لَا أَتَّبِعُ أَهُوَاءَكُمْ) فيما طلبتموه من عبادة هذه الأشياء، ومن طرد من أردتم طرده. (قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا) أي قد ضللت إن اتبعت أهواءهم (وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِين) أي على طريق رشد وهدى.
وقرى " ضلَلْتُ " بفتح اللام وكسرها وهما لغتان. قال أبو عمر بن العلاء:
ضَللتُ بكسر اللَام لغة تميم، وهي قراءة يحيى بن وثاب وطلحة بن مصرف، والأَولى هي الأصح والأفصح، لأنها لغة أهل الحجاز، وهي قراءة الجمهور. وقال الجوهري: والضلال والضلالة ضد الرشاد، وقد ضَلَلتُ أَضِلُّ، قال الله تعالى: (قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي. . .)، فهذه لغة نجد، وهي الفصيحة، وأهل العالية يقولون: ضَلِلْتُ بالكسر أَضَلّ.
* * *
قوله تعالى:
стр. 3287
(قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ (٥٧)
* * *
قوله تعالى: (قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ من رَّبِّي) أي دلالة ويقين وحجة وبرهان، لا على هوى؛ ومنه البينة لأنها تبين الحق وتظهره. (وَكَذَّبْتُم بِهِ) أي بالبينة لأنها في معنى البيان؛ كما قال: (وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُوا الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكينْ فَارْزُقُوهم مِّنْهُ. . .). وقيل يعود على الرب، أي كذبتم بربي لأنه جرى ذكره.
وقيل: بالعذاب. وقيل: بالقرآن. وفي معنى هذه الآية والتي قبلها ما أنشده مصعب بن عبد الله بن الزبير لنفسه، وكان شاعرا محسنا ﵁:
стр. 3288
أأقعدُ بعد مارجفتْ عظامي ... وكان الموتُ أقربُ ما يَلِينِي
أُجادلُ كل مُعترِضٍ خَصِيم ... وأجعل دِينَه غَرَضًا لِدِينِي
فأتركُ ما علمتُ لرأي غيرِى ... وليس الرأيُ كالعلم اليقينِ
وما أنا والخصومةُ وهْى شيء ... يُصرَّفُ فِى الشَّمال وفِى اليَمِينِ
وقد سُنَّت لنا سُنَن قِوام ... يَلُحْنَ بكلِّ فَجِّّ أَو وَجِين (١)
وكان الحقُّ ليس به خفاء ... أَغَرَّ كَغُرَّةِ القَلَقِ المبينِ
وما عوِضٌ لنا مِنهاجُ جَهْمٍ ... بمنهاج ابنِ آمنةَ الأمينِ
فأمَّا ما علمتُ فقدكَفَانِي ... وأمَّا ما جهلتُ فجنبونِي
قوله تعالى: (مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ) أي العذاب؛ فإنهم كانوا لفرط تكذيبهم يستعجلون نزوله استهزاء نحو قولهم: (أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا. . .)، ( ... اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاء. . .)، وقيل: ما عندي من الآيات التي تقترحونها. (إِنِ الْحُكمُ إِلَّا لِلَّهِ) أي ما الحكم إلا لله في تأخير العذاب وتعجيله.
وقيل: الحكم الفاصل بين الحق والباطل لله. (يَقصُّ الْحَقَّ) أي يقص القصص الحق؛ وبه استدل من منع المجاز في القرآن، وهي قراءة نافع وابن كثيرٍ وعاصم ومجاهد والأعرج وابن عباس؛ قال ابن عباس: قال الله : (نحْن نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ. . .). والباقون (يقْضِي الحقَّ) بالضاد المعجمة، وكذلك قرأ علي ﵁ وأبو عبد الرحمن السُّلَمِي وسعيد بن المسيِّب، وهو مكتوب في المصحف بغير ياء (٢)، ولا ينبغي الوقف عليه، وهو من القضاء؛ ودل على ذلك أن بعده (وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ) والفصل لَا يكون إلا
стр. 3289
قضاء دون قَصَص، ويُقوِّي ذلك قوله قبله: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ) ويقوى ذلك أيضا قراءة ابن مسعود (إن الحكم إلا لله يقضي الحق) فدخول الباء يؤكد معنى القضاء.
قال النحاس: هذا لَا يلزم، لأن معنى " يقضي " يأتي ويصنع فالمعنى: يأتي الحق، ويجوز أن يكون المعنى: يقضي القضاء الحق. قال مكيّ: وقراءة الصاد أحب إليّ؛ لاتفاق الحرميين وعاصم على ذلك، ولأنه لو كان من القضاء للزمت الباء فيه كما أتت في قراءة ابن مسعود، قال النحاس: وهذا الاحتجاج لَا يلزم؛ لأن مثل هذه الباء تحذف كثيرا.
* * *
قوله تعالى:
رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (٦٢)
* * *
في الآيات السابقة ذكر الله تعالى آمرا نبيه أن الله على بينة ويقين من أمر ربه، وذكر أن المشركين يستعجلون ما ينذرهم الله تعالى، ويذكر الله تعالى ما نزل بغيرهم، والنبي يترك الأمر لحكم الله يفصل بينه وبينهم، والفصل الحق يقتضي علما واسعا، وتنفيذه يقتضي قهرا غالبا، وسيطرة كاملة، فذكر سبحانه اختصاصه بالعلم الكامل، والقدرة القاهرة، والسيطرة الكاملة؛ ولذا قال سبحانه:
стр. 3292
(وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِى الْبَرِّ وَالْبَحْرِ).
المفاتح جمع مِفْتح، وهو المفتاح فيقال مفتح ومفتاح بمعنى واحد، وقيل من بعض النحويين: إن مفاتح جمع مفتاح، إذ يجوز نحويا حذف الياء، كما يقال في محاريب جمع محراب، محارب بحذف الياء، وهناك قراءة، (وعنده مفاتيح الغيب) والمعنى واحد في القراءتين، وقال بعض المفسرين: إن المراد خزائن الغيب أي الأسرار المكنونة في علم الله تعالى.
والأكثرون على المفازح هي جمع مفتاح، وهو ما يتوصل به إلى ما يكون بداخل الشيء، فمعنى قوله تعالى: (وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ) لَا يتوصل إلى غيبه أحد إلا من ارتضى من رسول، فإنه يعطيه غيبا بما اختزنه في علمه المكنون إن أراد وبمقدار يقدر حسب المصلحة والحكمة كما أعطى عيسى ومحمدا صلوات الله وسلامه عليهما.
والغيب ما غيب واستتر، والكلام فيه استعارة تمثيلية تشبه بحال علم الله بالغيب واستتاره عن الناس - إلا من أراده - بحال من يكون معه مفاتيح خزانة لا يصل إلى ما فيها سواه، وقد تأكد علم الله تعالى بالغيب وحده، وأنه لَا يعلم أحد إلا من جانبه، بأمرين: أولهما - التقديم، فقال سبحانه: (وَعِندَهُ) بتقديم
стр. 3293
الظرف للقصر، الأمر الثاني - بالقصر الصريح، بنفي العلم عن غيره وإثباته له وحده إذ قال سبحانه: (لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ)، ثم بين دقة علمه بالمغيب وعمومه، فقال تعالت كلماته: (وَيَعْلَمُ مَا فِى الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) أي أنه سبحانه يعلم ما في البر من حيوان يدب، وطائر يطير، وكهرباء، وفضاء، وحرارة ونظم كونية رتبها سبحانه وسخرها لابن الأرض، حتى وصل إلى جوف الفضاء وارتقى إلى الكواكب والنجوم، كما علمهن على ظهر الأرض، ولذلك عبر بالبر، ولم يعبر بالأرض، ليشمل التعبير الأرض، وما فوقها، وما بينها وبين السماء من فروج، ويعلم سبحانه أحياء البر، وكيف يكونون، لأنه خالقهم، وذلك تقدير العزيز العليم.
ويعلم ما في البحار من أسماك وجواهر ولآلئ، والجاريات المنشآت في البحر، وفي البحر عالم، ولسير البحار نظم، ولاستعمالها قوانين نظمها بإرادته الحكيمة رب العالمين، وخالق السماء والماء، وكلها مسخر للإنسان، يستعملها في العمارة والبناء، وفي التخريب والفساد، وكل ذلك بتمكين الله تعالى: (. . . لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا. . .).
(وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ).
هذا نوع تفصيل بعد إجمال، وقد اختير ما يكون ظاهره تحت أنظار الناس، وأسراره في علم الله تعالى العليم الخبير اللطيف البصير، وقد ابتدأ بالأوراق التي تسقط، فقال سبحانه: (وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا) و (من) هنا الدالة على عموم العلم، وعلم الله ليس كعلمنا الظاهر المبني على البصر، إنما علمه هو العلم بأصل تكوينها، وسير نموها، فهو يعلم الأشجار التي علقت بها كيف غرست، وكيف كونت، وكيف نمت جذورها وتفرعت فروعها وتهدلت أغصانها، وكيف تكونت أوراقها، وأندت بالحياة حتى اخضرت وازدهرت، ثم كيف جفت وسقطت فذلك بعض علم الله تعالى، وهو علم بغيبها، ولا يعلم ذلك العلم سواه؛ لأنه
стр. 3294
هو الذي برأها، ونماها وربَّها، وفي الجملة هو الكامل العلم بالغروس والأشجار، ثم ذكر من بعد ذلك علمه الكامل بالزروع، فقال: (وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ) أي يعلم حال الحبة التي تلقى في جوف الأرض، وهو ظلماتها، وعبر عن داخل الأرض بظلمات وهو ظلمة واحدة؛ لأنه ظلمة متكاثفة متكاثرة بسبب جهل الإنسان ما يجري في باطنها من أسباب لَا يدركها الإنسان إلا بعد أن تظهر، فهو لا يعرف كيف ينتفع من الماء، وكيف تمد بالغذاء من أرض صالحة، وسماد مخصب، وكيف تتنوع في نموها، وهي تسير السير الفطري الذي سنه الله ، أي أكد أن الله وحده هو الذي يعرف كيف يتكون من الحبة نبات يستوي على سوقه وكيف يشتد ويغلظ سوقه ليعجب الزراع.
فالنص الكريم جمع فيه تكوين الأشجار والغروس، وتكوين الزروع والحب، كما قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ فَالِق الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ. . .)، وبعد أن بين سبحانه علمه بإنشاء الغروس والزرع بين علمه الكامل بثمرات الغروس والنباتات في ضمن علمه الكامل بالرطب واليابس، فقال تعالى: (وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) وتفسير العلماء للرطب يتجه إلى اتجاهين: أولهما - تفسير الرطب واليابس بما يناسب الورق والحبة، وهو ما يكون ثمرًا. للأشجار رطبا أو جافا من عموم الثمار كالموز والتفاح، والقصب، وغير ذلك، وفيه توجيه للنعمة التي أنعم الله بها على عباده فوق إحاطة علمه، وقدرته في التكوين والإبداع.
وبعض المفسرين يرى أن الرطب واليابس في كل الوجود، فهو يعلم اللين والجامد في كل شيء، فهو يعلم ما في باطن الأرض من فلزات ومعادن كريمة، ومعادن سائلة، وما يكون في باطن الأرض من أحجار نباتية وغير نباتية وسائلة وجامدة.
وإني أرى ذلك الرأي وأختاره ليكون ذلك تقريبا لأكبر قدر من النعم التي أنعم الله تعالى بها على عباده.
стр. 3295
ويقول سبحانه مؤكدا تمام العلم الذي لَا يغيب عنه شيء: (إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) أي أنه ثابت لَا تغيير فيه ولا تبديل فهو عالم بكل شيء علما ثابتا كالمكتوب البين المسجل في كتاب واضح، لَا يخفى منه خافية، وعلى ذلك فكونه في كتابه مبين موضح، وواضح هو في ذاته كناية عن الثبات والاستقرار لمعنى العلم المؤكد، وقال بعض المفسرين: إن ذلك الكتاب هو اللوح المحفوظ المشتمل على علم الله تعالى المكنون في الغيب.
وبعد أن أشار إلى تمام علمه بالأشياء أشار إلى قدرته ، وعلمه بالإنسان، وما يكون منه، فالله يعلم بما يسر، وما يظهر، فهو سبحانه يعلم ما ظهر وما بطن، ويعلم السر وأخفى، ولذا قال تعالى من بعد:
* * *