← Тафсир

Тафсир · id 37071

زهرة التفاسير

محمد أبو زهرة

Полный текст (8 373 стр.). Показаны 3466–3505 · переход к 3471.

стр. 3466

ثانيها - أن (أَعْلَمُ) بصيغة أفعل التفضيل، وليست على بابه؛ لأنها إذا كانت على بابه تكون موازنة بين علمه تعالى وعلم غيره، وعلم غيره لَا يوزن به علم الله تعالى، إذ هو علم نسبي، وعلم الله تعالى علم إحاطة شاملة، ومعنى " ربك أعلم "، أنه يعلم من يضل، ومن يهتدي علما ليس فوقه علم ولا يصل إليه علم كائنا لمن كان. ثالثها - أن قوله: (مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ) فيه حرف جر حذف دل عليه قوله تعالى بعد ذلك (وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)، فـ (مَن): على حد تعبير النحويين منصوب بنزع الخافض. رابعا - أن قوله تعالى: (يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ) عبر بالمضارع للدلالة على بقائه في الضلال مع تجدده، كلما جاء تارة يضل عنه، ويزداد إيغالا في الضلال، ومعنى " عن سبيله "، أي عن طريق الهداية، والوصول إلى الحق المبين. خامسا - أن الله أكد علمه الذي لَا يصل إليه علم؛ بـ " إنَّ " الدالة على التوكيد، وبالجملة الاسمية، وبضمير الفصل، الذي يدل على تأكيد الخبر. (وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهدِينَ) العطف على " هو " في الجملة السابقة، وتكرر ضمير الفصل تأكيدا للإسناد، وعبر بالصفة بالنسبة لمن لم يضلوا، تأكيد لهدايتهم، وأنهم بسلوكهم طريق الحق، قد أنار الله تعالى قلوبهم، فكانوا مهتدين بهدايته. * * * الله أحل الطيبات (فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (١١٨) وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ

стр. 3467

بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (١١٩) وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ (١٢٠) وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١) * * * نهى الله تعالى عن اتباع المشركين خاصة، والجماعات من غير نظر عامة، وقد أشار إلى الضلال الذي كانوا يتبعونه فكانوا يأكلون ما ذبح باسم أصنامهم، وما ذبح على نصبها، وكانوا يحرمون على أنفسهم بعض الأنعام، ويزعمون أن تحريم ذلك من الله، لذلك أباح الله تعالى للمؤمنين أن يأكلوا مما ذكر عليه اسم الله، وألا يأكلوا مما لم يذكر عليه اسم الله، وألا يحرموا على أنفسهم إلا ما حرم الله، فقال تعالى:

стр. 3468

(فَكلُوا مِمَّا ذكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كنتم بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ). (الفاء) هنا لترتيب ما بعدها على ما قبلها، إن كنتم قد نهيتم عن اتباع المشركين في تحريمهم وتحليلهم، وتحريمهم بعض ما أحل الله - فكلوا مما ذكر اسم الله تعالى عليه. وقد دلت هذه الجملة السامية على أمرين: أولهما - إباحة ما ذكر اسم الله عليه تعالى عند ذبحه، فإن الذبح بإنهار الدم يكون تطهيرا له من الخبث الحسي، وذكر الله تعالى يكون تطهيرا معنويا من خبث الوثنية. ثانيهما - أن كل الأنعام مباح أكله بعد تذكيته مع ذكر اسم الله تعالى عليه، فلا يحرم المؤمن شيئا مما حرمه المشركون، وإنه رد على بعض المشركين الذين

стр. 3469

استباحوا الميتة، فقد روى النسائي في سننه أن بعض المشركين قالوا: كيف نحل ذبيحة الإنسان، ولا نحل ذبيحة الله؛ (١) يقصدون أن الميت ذبيحة الله تعالى، وذلك غلط فاحش، وكذب على الله، فالذبح إنهار الدم وإزالة ما يكون فيها من خبائث تضر الجسم، والميتة ليس ذبحا، وفيها بقاء الدم بخبائثه في الجسم. وقال تعالى: (إِن كُنتُم بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ) أي إن المؤمن لَا يتبع المشركين، ولا يحرم إلا ما حرَّم الله تعالى، ولا يحل إلا ما أحل الله، وقوله تعالى: (إِن كنتُم بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ) فيه توكيد وصفهم بالإيمان بقوله: (كُنتُم) الدالة على البقاء والاستمرار على وصف الإيمان، وأكد الإيمان بوصفهم به. وهنا يثار بحث: هل تناول المباح يعد من الإيمان؟ ونقول في الجواب عن ذلك: إن تناول المباح له جانبان، جانب التناول، وهو مباح بالجزء، فيجوز للإنسان أن جمل نوعا، وألا يأكل آخر، فيجوز أن يأكل اللحم، وأن يأكل الطير، أو يأكل السمك، فكلها حلال طيب، ولكن لَا يجوز أن يمتنع عنها جملة، فهي مباح بالجزء مطلوبة بالكل، فلا يجوز أن يمتنع عن كل المباحات، والجانب الثاني أن يحسب أن الامتناع عن بعض المباحات تعبد، كأن يمتنع عن اللحم من غير ضرورة جسمية كبعض الذين يسمون أنفسهم نباتيين، فإن هذا يكون ممنوعا لغير ضرِورة أو حاجة، فإنه يدخل في النهي في قوله تعالى: (يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تحرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ. . .)، وقال تعالى مستنكرًا مِن حرم بعض اللباس من غير نص والطيبات من الرزق، فقال تعالى: (قُلْ منْ حرَّمَ زِينة اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ. . .). * * * ولذا قال تعالى:

стр. 3470

(وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ... (١١٩) * * * (ما) هنا للاستفهام الإنكاري، وهو بمعنى التوبيخ للمشركين إذ حرموا على أنفسهم ما لم يحرم الله من بعض الأنعام كالسائبة والبحيرة والحام؛ وذلك لأنه

стр. 3471

إنكار للواقع، وإنكار الواقع توبيخ، والمعنى أي حجة لكم في ألا تأكلوا ما ذكر اسم الله تعالى عليه، لَا دليل، فانتم تحرمون على أنفسكم ما أحل الله لكم، وتنسبون التحريم لله وذلك افتراء على الله تعالى، وكذب عليه، كما قال تعالى في هذا الشأن إذ حرموا ما حرموا مدعين أنه من عند الله: (. . . قُلْ هَلْ عِندَكم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن ثَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ). (وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ) أي تحرمون على أنفسكم ما أباحه الله تعالى وقد فصل لكم ما حرم عليكم، أي بينه، فإنه حرام، وقد ذكر تفصيل ما حرم الله تعالى، فيما يأتي من سورة الأنعام فقال تعالى: (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥). وقوله تعالى (وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ) فيه قراءتان متواترتان، قراءة بالبناء للفاعل بفتح الفاء والحاء (١)، ويكون المعنى تحرمون عليكم بعض الأنعام التي ذكر عليها اسم الله عند ذبحها، وأنتم تعلمون ما بينه الله من محرمات أباحها للضرورة، ولم يكن المنع قيها إلا في حال الاختيار، ولا منع فيها في حال الاضطرار. ويكون التوبيخ على أنهم علموا تحريم الله وأن ما عداه حلال، ومع ذلك حرموا ما حرموا من تلقاء أنفسهم. والمعنى على قراءة البناء للمجهول بضم الفاء والحاء (٢) يكون المعنى تحرمون ما تحرمون بغيا، وقد علم بالتفصيل ما حرم عليكم،

стр. 3472

أى إن المحرم كان معلوما من الله، وهو تحريم أيضا بمقتضى الفطرة السليمة؛ لأنه لا تستبينه النفوس السليمة، ولا الأذواق التي تعاف الرجس القذر. (وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِآهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ) المعنى: إن كثيرا من الناسِ تسيطر عليهم الأوهام، حتى تزين لهم الضلال، فيتوهمون أنه حق، وما هو إلا الباطل والهوى هو الذي يخرج الوهم، ويحكمون من غير علم. وقوله (لَيُضِلُّونَ) فيها قراءتان إحداهما - بفتح الياء (١) والمعنى أن كثيرا من الناس يضلون في ذات أنفسهم بأهوائهم التي تسيطر عليهم بغير علم، بل بوهم توهموه، وحكموا على مقتضاه من غير علم أوتوه، وينسبون ذلك إلى الله، والله تعالى بريء منه؛ لأنه مفترى عليه. وهناك قراة أخرى بضم الياء، ويكون المعنى: إن كثيرا من الناس يُضلون غيرهم تبعا لأهوائهم التي تجعلهم يتوهمون تحريما في أشياء بغير ما حرم الله تعالى، وينسبون ذلك لله تعالت قدرته بغير علم علموه من قبل الله . وإن القراءتين متواترتان كل منهما قرآن كريم، فكل واحدة قرآن، ويكون بين القراءتين أنهم يضلون بأهوائهم في ذات أنفسهم، حتى استمكن الضلال منهم فأضلوا غيرهم، فهم يضلون ويضلون بغير علم. وهذا فيه تنبيه للمؤمنين، بأن يجتهدوا في عدم اتباع المشركين الذين ضلوا وأضلوا: (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ). وإن هؤلاء اعتدوا على الله فكذبوا عليه، واعتدوا على الناس فأضلوهم واعتدوا بتحريم ما لم يحرم عليهم، فكما أن الاعتداء يكون بتحليل ما حرم الله تعالى، فالاعتداء أيضا يكون بتحريم ما أحل الله.

стр. 3473

وأفعل التفضيل على غير بابه، والمراد أن الله تعالى يعلم علما، ليس فوقه علم بمن يعتدون، وعبَر بالوصف (بِالْمُعْتَدِينَ) على أن الاعتداء صار وصفا لهم، إذ اعتدوا فأشركوا، واعتدوا فحرموا على أنفسهم ما لم يحرم الله تعالى من الطيبات. وقد أكد سبحانه علمه باعتدائهم بذكر أنه رب كل شيء، والرب يعلم بمن خلق وربى، وأكده بضمير الفصل: " هو " وهو يدل على أنه وحده العليم بالمعتدين، وأكده بـ " إنَّ "، وهذا فيه إنذار شديد للمعتدين. * * *

стр. 3474

(وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ ... (١٢٠) * * * الإثم هو ما يبطِّئ عن الخير، وأطلق على كل شر إثم، وعلى كل مخالفة لأمر الله تعالى إثم، وقد عد النبي ﷺ أن الإثم يبتدئ من القلب " ولذا قال فيما رواه مسلم: " البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك، وكرهت أن يطلع عليه الناس " (١). وقد جاء ذلك النص السامي في هذا الموضع الذي يذكر فيه إباحة الذبائح التي ذكر فيها اسم الله للإشارة إلى أن الأساس في الذبائح وغيرها، هو ترك الآثام، فذكر اسم غير الله إثم ظاهر وهو شرك واجب تركه، وإن بجوار ترك الإثم الظاهر إثم باطن، وهو ما يتعلق بالنفس من حقد وحسد، ورغبة في الشر، والدس، والنميمة، والغيبة، والهم بالشر، بحيث لَا يكون التخلف عنه بقدرته، بل يكون بأمر خارج عن إرادته، والشرور قسمان: شرور ظاهرة كالقتل والزنى والقذف وشرب الخمر والسرقة، وقطع الطريق، والمجاهرة بالمعاصي، وشر خفي وهو أن تركس النفس في الآثام، فلا يكون في النفس، إلا عزم على الشر، أو إخفاء الضغن على الناس، وألا ينوي الخير، وأن يفعل الأمر الحسن مُرِائيا، وأن يزكي ويصلي مُرائيا، وذلك هو الشرك الخفي، كما قال ﷺ : " من تصدق يرائي فقد أشرك " (٢).

стр. 3475

وقد حرَّم الله الإثم الظاهر والخفي، في هذه الآية، فقال تعالى: (وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَه. . .) أي اتركوا الإثم في ظاهره وباطنه، وعبر عن الإثم الخفي بباطنه؛ لأنه مستور في باطن النفس غير معلوم، والإثم واحد في الحالين، ظهر أو بطن، ولقد قال تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرِّم رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْي بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا). وفى هذه الآية سمي الإثم فواحش؛ لأنه زيادة عن الفطرة زيادة فاحشة، فما من معصية إلا كان فيها خروج فاحش على الفطرة. (إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ) هذا هو الجزاء الذي كتبه الله تعالى، لمرتكبي الآثام ما ظهر منها وما بطن، والذين يكسبون الإثم، سواء أكانوا يكسبونه بجوارحهم الظاهرة، أم يكنُّونه في نفوسهم مع اعتزاله، والحرص عليه، (سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُون) و (السين) هنا لتأكيد الوقوع في المستقبل، وعبر بالموصول للإشارة إلى أن الصلة سبب الجزاء، وأن الجزاء يعم كل من يفعل، وكسب الإثم ارتكابه بقصد وإصرار عليه، وإغلاف باب التوبة، والكسب يجعله يسكن في النفس حتى يصير لونا من ألوانها، أو تعزيزه والملكة فيها، فلا يقال إنه كسب السوء، من يفعله مرة أو مرتين عن جهالة ثم يتوب من قريب. وقال تعالى في الجزاء: (سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ) والاقتراف الكسب، ويطلق كثيرا على الكسب الآثم، وقد يطلق في قلة على كسب الخير، كما في قوله تعالى: (وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ). * * *

стр. 3476

(وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ... (١٢١) * * * أباح الله أن نأكل مما ذكر اسم الله عليه، فقال تعالى: (فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ) وندد بالذين لَا يأكلون مما ذكر اسم الله ممن يحرمون بعض الأنعام؛ لأنهم حرموا ما أحل الله تعالى لهم.

стр. 3477

وفى هذه يبين تحريم ما ذكر عليه غير اسم الله، كان يذبح على النصب، ويذبح باسم صنم من الأصنام أو شخص من الأشخاص تقديسا له، وتقربا عن طريقه، فإنه لَا يحل، كما قال في آية أخرى في المحرمات من الذبائح (. . . أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ. . .). وفى هذه الآية الكريمة أكد سبحانه أن الإهلال عند الذبح لغير الله تعالى فسق، فقال تعالى: (وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ) وقد أكد أنه فسق بـ (إن) المؤكدة، و (اللام) المؤكدة، والجملة الاسمية. وقد تكلم الفقهاء في هذا الموضوع موضحين موجهين الآيات الكريمة غير مخالفين لها. ذلك أن أمرين نُصَّ عليهما: أولهما - إباحة ما ذكر عليه اسم الله تعالى، وإن ذلك مباح بالاتفاق لأنه منصوص عليه، ولأن الله وبخ الذين لَا يأكلون ما ذكر عليه اسم الله، ولأنه يكون قد حرم ما أحل الله تعالى. ثانيهما - أن الله تعالى نص على النهي عن أكل ما أهل به لغير الله، وأكد النهي بـ (إن) ذلك فسق أي خروج على الدين، ولكن بقيت حال لم ينص عليها نصا صريحا، وهي الحال التي يترك فيها اسم الله تعالى سهوا أو عمدا. قال بعض العلماء: إنه في حال العمد يكون الأكل غير حلال، وقيل ولو كان سهوا، وحجتهم في ذلك، أن الله تعالى أباح ما ذكر عليه اسم الله تعالى، فكان بمفهوم المخالفة لَا يباح ما لم يذكر اسم الله تعالى عليه، ولأنه نص على تحريم ما لم يذكر اسم الله تعالى عليه، وإن النبي ﷺ ذكر أن المباح هو ما أنهمر دمه وذكر عليه اسم الله تعالى عند ذبحه، ولأن النبي ﷺ ذكر أن الصيد لَا يحل إلا إذا ذكر اسم الله تعالى عند إرسال السهم أو الكلب الصائد، فقد روي في الصحيحين " إذا أرسلت كلبك المعلَّم، وذُكر اسم الله عليه فكلوه " (١)، هذا نظر

стр. 3478

متفق مع النصوص المذكورة في هذه الآية، ويتفق مع الأحاديث الواردة في هذا الباب. وقال آخرون من الفقهاء: إن المحرم هو ما ذبح بأنه لغير الله تعالى ويباح غيره لتلاقي الآيتين في المعنى، إذ إنه ذكر في تحريم المطعومات أن ما أهل لغير الله هو المحرم، فقد قال تعالى: (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ... )، فمعنى (مِمَّا لَمْ يُذْكرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيه) أي ذكر غيره، والدليل على ذلك الآية الأخرى، وقوله تعالى: (وَإنَّهُ لَفِسْقٌ)، والضمير يعود إلى الأكل مما لم يذكر عليه اسم الله، أي الذبيحة، ولا يمكن أن يكون فسقا إلا إذا كان ثمة ذكر لغير الله تعالى. وفوق ذلك فإنه من المقررات الشرعية أن ذبائح أهل الكتاب حلال أكلها، فقد قال تعالى: (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ). وهكذا نرى فريقا حرم ما لم يذكر عليه اسم الله سواء أتركه عمدا أو سهوا، وآخرون قالوا: يحل، سواء أتركه عمدا أو سهوا، وهناك قول وسط بين القولين المحل والمحرم، فقال: إن لم يذكر اسم الله سهوا، فإنها تحل، وإن تركه عمدا لَا تحل الذبيحة، وهذا الرأي أقرب إلى روح الإسلام؛ لأن من لم يذكر اسم الله سهوا، فإنه قد رفع الخطأ والنسيان، وما كان بإِكراه، وأما من تركه عمدا فقد أعرض عن ذكر الله، وذلك إثم لَا يبرره شيء. ونحن نميل إلى هذا الرأي. (وِإنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ) الظاهر أن الشياطين هنا هم شياطين الإنس يوسوسون إلى أصدقائهم ليجادلوا المؤمنين في أمر ما أبيح من

стр. 3479

الأطعمة وما لم يبح، فقد روى أن بعض المشركين كما روينا من قبل كان يقول للمؤمنين: ما ذبحه الله لَا تأكلونه، وما ذبحتموه تأكلونه، وإنهم يفعلون ذلك ليثيروا جدلا بين المؤمنين؛ ليشككوهم في أمر دينهم، والجدل في غير موضع الجدل إثارة للريب والشكوك وإثارة الريب تضعف الإيمان بالحق، وتفتح الأبواب للباطل، وإذا فتحت الأبواب للباطل في القلوب ضلت الأفهام وارتابت العقول والنفوس؛ ولذا قال تعالى: (وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكونَ) أي إن سايرتموهم في جدلهم، وفتحتم لهم صدوركم، فإنهم يجرونكم إلى طاعتهم، وإن أطعتموهم إنكم لمشركون مثلهم، وهنا قسم مقدر في القول، وقوله تعالى: (إِنَّكمْ لَمُشْرِكونَ) هو جواب القسم بدليل وجود (اللام)، وبدليل أنه لم توجد (الفاء) إذ لو كانت جوابا للشرط لجاء بالفاء. وهذا تأكيد لإشراك المؤمنين إن سايروهم في الجدل في أمور ليست موضع جدل، فالجدل - كما قلت - يولد الريب. اللهم اكف أمة محمد شر جدل أهلها، وامنحها الإيمان بما تقول، وما تدعو إليه. * * * الإيمان حياة والشرك ظلمات (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا

стр. 3480

وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (١٢٣) وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ (١٢٤) * * * كانت الآيات السابقات في أحوال المشركين من إشراك بالله إلى سيطرة الأوهام عليهم، حتى حرموا على أنفسهم ما أحل الله تعالى، وفي هذه الآيات يبين أن الشرك موت نفسي كمن يموت موتا حسيا، وأن الهداية حياة بعد الموت، وأنها نور، وأن الشرك ظلمات متكاثفة بعضها فوق بعض تبتدئ بالأهواء، وهي ظلمة، ثم بالأوهام، وهي ظلمة، ثم تنتهي بالشرك وهو ظلمات. شبه الله تعالى حال من يكون في جهل ثم يتجه إلى الهداية كحال من يكون ميتا فيحييه الله ويجعل له نورا يمشي به في الناس، ليهتدي به، ثم نفى أن يكون ذلك الحي المهدي بعد الجهل الذي هو الموت نفى أن يكون مثله كمثل من يعيش في ظلمات من الجهالة والضلالة لَا يمكن أن يخرج منها، وهذا معنى قوله تعالى:

стр. 3481

(أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا). (الواو) عاطفة، هذه الجملة عطفت على ما قبلها من ذكر أوهام المشركين، وطلبهم آيات وتحريمهم ما أحل الله، وإحالة الإثم منهم ظاهرا وباطنا، وهذه الآية هي بيان للفرق بين المؤمن والمشرك، والاستفهام إنكاري لإنكار الواقع، فهو نفي للمشابهة، والمعنى لَا يستوي من يكون ميتا بالجهالة فأحييناه بالإسلام والهداية

стр. 3482

والمعرفة وجعلنا له إدراكا ومعرفة يمشي بها في الناس هاديا لهم يرشدهم ويسترشد بهم، كمن مثله من نشأ في الظلمات لَا يخرج منها، بل يتردى فيها يتحرك في جنباتها، ولا يخرج، وعبر سبحانه عن عدم خروجه من الظلمات بقوله (لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا)، أي أنه ألِفَ الظلمات، وصار لَا يمكن أن يخرج منها، فعبر باسم الفاعل أي صار مثل المقيم في الظلمات، وأكد نفي الخروج بالباء وبالوصف، فهو مرتكس في الظلمات ليس بخارج منها. فلا يستوي - بمقتضى هذا النفي - المؤمن والمشرك، كما لَا يستوي النور والظلمة، كما لَا يستوي المبصر والأعمى، وهذا كقوله تعالى في آية أخرى: (وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢) إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ (٢٣). (كَذَلِكَ زُينَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) كهذه الحال التي صاروا بها في ظلمات ليسوا بخارجين منها، لأنهم استمرأوا الظلام وألفوه، واستطابوا الإقامة فيه لَا يخرجون - مثل هذه الحال زين للكافرين ما كانوا يعملونه من إنكار، وبقاء في الباطل، حتى حسبوا أن ما هم عليه، هو الحق الذي لَا يأتيه الباطل. وقوله تعالى: (زُيِّنَ) بالبناء للمجهول للإشارة إلى أنه لم يكن لهم من عقل أو فكر أو هداية، إنما زين لهم باهوائهم وأوهامهم، فضلوا ضلالا بعيدا، و (ما) هنا موصول بمعنى الذي، و " كانوا " دالة على استمرار عملهم، وسيكون ما زينته لهم أوهامهم وبالا عليهم يوم القيامة. * * *

стр. 3483

(وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا ... (١٢٣) * * * كان النبي ﷺ يعارَض، ويُمكَر به، ويُدبر له وللمؤمنين زعماء مكة وكبراؤها، وذوو البيوتات الكبيرة فيها، يؤذون النبي ﷺ ، وضعفاء المؤمنين، وكانوا هم الذين يدبرون ما يقال توهينا لأمر الدعوة، وإدحاضا لقول الحق،

стр. 3484

ينسَون ما كان عليه النبي ﷺ من أمانة قربته منهم، وجعلته الثقة فيهم، ويقولون مرة كذاب، ويقولون أملاه عليه قوم آخرون، ويقولون ثالثة: إنه مسحور، وما كان يدبر ذلك القول إلا إذا كانوا بحكم وصفهم الجاهلي أشرافا وأكابر، فبين تعالى أن ذلك شأن أعداء النبوات، ويكون أكابرهم مجرميهم ويمكرون بالنبي ومن معه؛ ولذا قال تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِى كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا). الأكابر جمع أكبر، وهو الذي بلغ أعلى العلو في قومه على حسب مقياس العلو عندهم، وكذلك، أي كالحال التي ترى من ذوي البيوتات في قومك جعلنا في كل قرية، أي مدينة عظيمة، أكابر مجرميها يمكرون ويدبرون وقوله تعالى: (أكَابِرَ مُجْرِمِيهَا) الظاهر منها أن " أكَابِرَ " مضافة إلى " مجرميها "، أي صيرنا في كل قرية مجرميها، (لِيَمْكُرُوا فِيهَا) أي يدبرون ما يقاومون به الأنبياء، ويعارضون، ويكون المؤدى الذين يعارضون الأنبياء في القرى أي المدن هم الذين يمكرون المكر السيئ فيها، وهذا كقول الله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٣٤) وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥). وإن مقياس الكبر عندهم هو النسب وكثرة المال والقوة الظاهرة، وليست الأخلاق الفاضلة والعقيدة السليمة والشرف الذاتي الذي لَا يكتسب بالنسب، ولكن يكتسب بالخلال الكريمة الفاضلة. ومعنى (لِيَمْكُرُوا فِيهَا)، أي ليدبروا الأمور العامة كما يحبون، أي يسيطرون على الفكر العام، فلا يكون الرأي العام عندهم فاضلا، وإنما يكون فاسدا أثيما. (وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ) أي إن عاقبة التدبير الفاسد الأثيم يعود عليهم بالوبال؛ لأنهم يريدون إعلاء الرذيلة بتدبيرهم وإنكار الحق بتفكيرهم،

стр. 3485

وشيوع الشرك بتقليدهم لآبائهم، وإن ذلك يؤدي - لَا محالة - إلى الهلاك، ومصداق قوله تعالى: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (١٦). وهكذا لَا يحيق المكر السيئ إلا بأهله، وقد قال تعالى أيضا: (مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِى قَرْيَةٍ من نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّة وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ). مكر هؤلاء أن يحرضوا على معارضة الرسول، وأن يلقنوا الناس ما يردون به على دعوة الحق التي جاء بها النذير من قبَل الله تعالى، وأن يزيدوا معارضة الحق وأن يثبتوهم على الشرك. (وَمَا يَمْكرُونَ إِلَّا بِأنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرونَ) لَا يحيق المكر السيئ إلا بأهله كما يكون؛ ولذا قال سبحانه: (وَمَا يَمْكُرونَ إِلَّا بِأَنفسِهِمْ)، أي أن مآل مكرهم عائد بالوبال عليهم، وقد أكد سبحانه أن مآل الوبال على أنفسهم، لَا على النذير الذي أنذرهم، أكد ذلك بالنفي ثم الإثبات وذلك فيه معنى القصر، أي أن المكر في عاقبته لَا يكون إلا عليهم، فهم في حقيقة الأمر يمكرون بأنفسهم، لَا بغيرهم. وما يشعرون بتلك العاقبة؛ لأنهم سادرون في غيهم، لَا يرشدون ولا يفكرون، عميت عليهم أمورهم، فلا يشعرون بمغبة ما يفعلون، ولا بنتيجته، وإنهم إذ يقاومون أمر الله ونهيه اللذين حملهما نبيه المرسل - يقاومون مالك كل شيء والعليم بعواقب الأمور. وكان مكرهم بأنفسهم؛ لأنهم يضللونها، ويزيدونها ضلالا، إذ إن كثرة التدبير للدفاع عن الضلال يزيد الضال ضلالا، والخاسر خسرانا، وإن عاقبة كل ذلك عليهم، إذ سينالون جزاء ذلك، وسيحملون أوزارهم، وأوزار الذين يضلونهم بمكرهم، وسوء تدبيرهم. * * *

стр. 3486

(وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ ... (١٢٤) * * * سمعوا القرآن الكريم، وهو يتلو عليهم قصص النبيين وآياتهم التي أجراها الله تعالى على

стр. 3487

أيديهم من أخبار كسفيتة نوح وإغراق قومه، وأخبار موسى، وتسع آيات يينات جاءت على يده، وأخبار شعيب وصالح ولوط وهود، وما جرت من آيات حسية نزلت لهم ليؤمنوا، ونزلت بهم إذ كفروا، والمشركون متعنتون دائما ليسوا طلاب هداية، ولكنهم طلاب إعنات، وإرهاق ليبرروا جحودهم، ومظهر إعناتهم أن يطلبوا آيات وحسبوا أو أظهروا أن آية القرآن - وهو المعجزة الكبرى - لا تكفيهم (١)، وقد طلب منهم أن يأتوا بمثله فعجزوا وبدا عجزهم عيانا، ومع ذلك أخذوا يمارون، ويطلبون آيات، أو تأتيهم آية مثل ما أوتي الرسل أنفسهم. ومع أنهم لم يؤمنوا بالقرآن، ولم يعرفوا الرسلِ إِلا عن طريقه، طلبوا آيات كآيات الرسل الذين لم يؤمنوا بهم وقالوا (لَن نّؤْمِن حتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ). قالوا مؤكدين النفي بـ (لن) بأنهم لَا يؤمنون، (حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ)، أي حتى نؤتى من المعجزات مثل ما أوتي رسل الله. أي أنهم إذا جاءتهم آية بينة تدل على رسالة النبي ﷺ قالوا مؤكدين النفي، لن نؤمن حتى نؤتى الآيات التي أوتيها رسل الله تعالى، أي حتى ينزل علينا كما نزل عليهم، أو تكلمنا الملائكة كما كلموهم، وجاء ذلك على لسان بعض المشركين الذين يمكرون في أم القرى، وقد قال تعالى عنهم، إنهم يريدون أن يكونوا كالرسل لهم صحف منشرة (بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (٥٢). وروى أنه عندما دعا النبي ﷺ قومه في مكة، وأبلغهم أنه رسول من رب العالمين، قال الوليد ين المغيرة: لوكانت النبوة حقا لكنت أولى بها منك، لأني أكبر منك سنا وأكثر منك مالا، وقال أبو جهل: والله لَا نرضى ولا نتبعه حتى يأتينا وحي كما يأتيه.

стр. 3488

وهذا يدل على أنهم طلبوا أن يكونوا أنبياء مثل الأنبياء، ورسلا مثل الرسل قال هؤلاء المشركون إنهم لَا يؤمنون إلا إذ أنزل عليهم الذي ينزل على الرسل، فبين الله تعالى أن هذه رسالة يختار الله تعالى لها من يشاء بحكمته وعلمه الذي أحاط بكل شيء، فقال تعالت كلماته: (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ) الله ذو الجلال والإكرام، والعلم والقدرة على كل شيء أعلم حيث يجعل رسالته، وأفعل التفضيل ليس على بابه، وكذلك كل أفعل تفضيل يوصف به الله تعالى؛ لأنه لَا توجد مفاضلة بينه وبين أحد من خلقه في أي وصف من الأوصاف، ومعنى أفعل التفضيل في العلم بالنسبة لله تعالى على هذا أن الله تعالى يعلم مواضع الرسالة علما ليس فوقه علم قط؛ لأنه علم الله العليم بما كان وما سيكون، وما هو كائن إلى يوم الدين. وقوله تعالى (حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) (حيث) ظرف مكان، أي الموضع من خلقه الذي يرتضيه ويصطفيه رسولا فهو الذي يربيه على عينه، ويشب على التقوى والعفة والأمانة، والخلق الكريم، حتى صح له أن يقول: " أدبني ربي فأحسن تأديبي " (١). وإن ذلك لبين لهم لو كانوا لَا يجحدون بالحق إذا بدت لهم بيناته، وظهرت آياته، ولقد كان من أوسطهم نسبا، فكان في الذؤابة من قريش (٢)، وكان أكرمهم خلقا وأطيبهم نفسا، وأعفهم وأشدهم أمانة، حتى كان يقال: الأمين، وسموه بهذا الاسم، فكانوا إذا أطلقوا كلمة (الأمين) لَا تنصرف إلا إليه ﵊، وكانوا يرضون حكمه، إذا جاء الأمر بالاحتكام فعندما اختلفوا فيمن يضع الحجر الأسود بعد أن بنوا الكعبة ارتضوا أن يكون الحكم أول من يدخل

стр. 3489

البيت، فكان الأمين أول من دخل البيت، فقالوا مطمئنين راضين هذا الأمين، وطابت نفوسهم بحكمه. فالله تعالى العليم الحكيم، قد وضع رسالته في خيرهم بإقرارهم فكيف يمارون من بعد ذلك، ويقول قائلهم كبرا وعلوا في الأرض: أنا أولى، ويقول آخر: نريد أن نؤتى مثل ما أوتي الرسل، قالوا ذلك استكبارا فكان عقابهم صغارا، وعذابا أليما، ولذا قال تعالى: (سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ). الصَّغار: هو الضيم والذل والهوان، فقد كانوا الأكابر الذين أجرموا، فكان العقاب الهوان، وكان عقاب الإجرام الذي ارتكبوه واستمرءوه وداوموا عليه العذاب الشديد. وقوله تعالى: (سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا) فيه (السين) لتأكيد الوقوع في المستقبل القريب، والتعبير بالموصول فيه فائدتان بيانيتان، أولاهما - أنها تفيد أن الصلة هي سبب هذا العذاب الشديد، والثانية - تسجيل الإجرام عليه، وأنهم كانوا فيما يمكرون مجرمين، ولم يكونوا أشرافا كراما، كما هو شأن الأكابر الذين يستعلون بانسابهم. وقوله تعالى: (بِمَا كانُوا يَمْكُرُونَ) أي بسبب مكرهم السيئ، وهذا يفيد أن الكلام في موضوع الأكابر المجرمين الذين ذكروا في الآية السابقة؛ ولذا قالوا إن (الواو) في قوله تعالى: (وَإذَا جَاءَتْهُمْ آيَة) واو عاطفة على قوله تعالى: (وَكذَلِكَ جَعَلْنَا فِى كل قَرْيَة أَكابِر مُجْرِمِيهَا). اللهم أبعدنا عن الإجرام وأسبابه، وعن الطغيان وبواعثه. * * *

стр. 3490

(فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (١٢٥) وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦) * * * بين الله تعالى في هذه الآية أن الناس صنفان صنف سلك طريق الهداية فهداه الله تعالى وشرح صدره للإسلام، فدخله مطمئنا نيِّرَ القلب، وقسم قد كتب الله تعالى عليه الشقوة، فضاق صدره ولم يدخل النور قلبه، وهذا بعض ما يشير إليه النص السامي.

стр. 3491

(فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صدْرَهُ لِلإِسلامِ). هذا قسم المهديين الذين كتبهم في عباده المؤمنين، وإنه قد فهم القسمان فهمًا إجماليا من حال الجحود عند الوثنيين وتدبيرهم الأذى للمؤمنين، ففهم أن هناك فريقين فريق اهتدى وآمن، وفريق كفر وجحد وأنزل الأذى، وفي هذا يبين الله كيف يدخل الإيمان القلوب، وكيف يكون الصد عن سبيل الله، والفاء مترتبة على ما فُهم من أن الناس فريقان لبيان الحال النفسية، ولتفصيلها فمن يرد الله أن يهديه فالأمر أولا لهداية الله تعالى وإرادته، وإنه لَا بد أن يكون من حال النفس ما يجعلها تتجه إلى الهداية، فلا تكون معوجة بل تكون إرادة العبد مستقيمة خالصة نقية من الشوائب، ويكون الاتحاد، فتكون إرادة للهداية، ويريد سبحانه أن يهديه مع اختباره من غير إجباره، و (شرح) معناها يوسِّع؛ لأن معنى (شرح) في اللغة: التوسعة، والصدر القلب، وفي

стр. 3492

العبارة مجاز، شبه اتساع القلب للحقائق بالشرع الحسي، وكل تعبيرات القرآن عن المعاني النفسية بالألف الدالة على المحسوسات، من قبيل المجاز، يستعان به على بيان الأمور المعنوية، وقد سئل النبي ﷺ من عبد الله بن مسعود قال: هل ينشرح الصدر؟ فقال النبي ﷺ : " نعم يدخل القلب نور "، فقال ابن مسعود: فهل لذلك من علامة؟ فقال ﷺ : " التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزول الموت " (١). وإن هذا يدل على أن شرح القلب، يكون بتوسعة المدارك وفهم قيمة هذه الحياة الفانية وإدراك أنها قنطرة للحياة الباقية، ومن غمَّ عليه ذلك فهو من الفريق الثاني الذي قال الله تعالى فيه: (وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ)، ليس الإضلال من غير عمل من جانب من أراد الله تعالى إضلاله، إنما يكون بعمل من جانبه قد كتبه الله تعالى عليه، بأن تهوى نفسه في طريق الضلالة بالميل إليها، والرغبة فيها، والحرص على طريق يدفعه إليه الغرور ونسيان الآخرة، وأن يعتقد أنه لَا حياة إلا الدنيا وما فيها. وإنه إذا سار على هذا النحو أراد الله تعالى له الضلال، والكل بما كتبه الله تعالى عليه، وإنه إذا أراد الله ضلاله على هذا النحو الذي بيناه، جعل صدره ضيقا حرجا، أي أن قلبه لَا يتسع لغير ما ختم عليه، كما قال تعالى: (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ). فالله تعالى يضيِّق صدره، وفي هذا أيضا مجاز، لأنه تشبيه للأمر المعنوي، وهو الإعراض عن الحق، وابتعاده عنه بالضيق الحسي، وإسناد الضيق إلى الصدر من ترشيح الاستعارة وتقويتها.

стр. 3493

وقوله تعالى: (حَرَجًا) قرئ بالفتح (١)، على أنه اسم جنس جمعي لحرجة، وهي الأشجار الملتفة التي لَا تسمح أن ترعى فيها راعية، والحرجة هي الشجرة التي تكون مختفية بين الأشجار لَا يصل إليها. وقرى (حَرِجا) بكسر الراء (٢) بمعنى الضيق، وهي تأكيد للضيق أي ضيقا شديدا لَا يمكن أن تدخله الهداية، وعلى تفسير الحرج بالفتح على اسم جنس جمعي للحرجة قيل إن الإمام عمر ﵁ هو صاحب هذا التفسير. فقد روى أنه سأل رجلا من الأعراب من أهل البادية عن الحرجة. فقال هي الشجرة تكون بين الأشجار لَا تصل إليها راعية، ولا وحشية ولا شيء، فقال عمر ﵁، وكذلك قلب المنافق لَا يصل إليه خير. وعلى هذا التفسير، يكون في الكلام تشبيه، أو استعارة، وهو تشبيه قلب الكافر في أنه لَا ينتفع به، ولا يصل إليه بالحرج، وهو الشجر الملتف الذي لَا ترى الأرض من تحته، ولا تصل إليه راعية ولا وحشية ولا شيء، لأنه لَا ينتفع به في شيء. (كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ). هذا تشبيه آخر للكافر، (يَصَّعَّدُ) أصلها يتصعد، وقلب التاء صادا، وأدغمت الصاد في الصاد، وقرئ يَصَّاعد (٣) وأصله تصاعد، وكان التصريف ما ذكرنا في يصعد، وهما بمعنى واحد، وتزيد تصاعد على تصعد؛ في أنها تدل على محاولة الصعود بعد الصعود، وذلك أثقل.

стр. 3494

والمعنى أنه شبهت حال الكافر في جهده، وثقل الإيمان عليه، بمخالفته الفطرة بذلك - بحال من يحمل عبئا ثقيلا، ويريد أن يصّاعد إلى السماء فينوء به حمله ولا يصل. وإن ذلك يدل على أمرين: أولهما - أنه مهما يكن الجحود فإن الفطرة تقاومه، وتجعله عبئا ثقيلا، ومن يحارب الفطرة، فإنه يبوء بخسران مبين. ثانيهما - أنها تشير إلى أن الضيق الشديد الذي جعله الله تعالى في قلب الكافر يجعله غير قادر على الرقى إلى الحقائق السماوية التي جاء بها الإسلام. (كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ). (كَذَلِكَ) الإشارة إلى حال المشركين التي أركسوا، والتشبيه هو تشبيه الرجس الذي ينزل بهم، و (الرِّجْسَ) أصل معناه الفتن أي الأمر القذر، الذي تستقذره النفوس وتعافه، وفيه بيان أن الكفر أمر قبيح تعافه العقول المستقيمة، وكيف تدرك العقول أن حجرا يصنع بأيديهم وهو لَا يضر ولا ينفع يعبدونه. والمعنى لهذه الحال التي رأيناها في الكافرين، ووصف الله تعالى الكافرين بقوله: (الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ) وذلك وصف لهم بأقل أوصافهم، وهو أنهم لا يؤمنون، النفي نفي للمضارع، وهو أنه يدل على الدوام المتجدد آنًا بعد آنٍ، أي يتكرر، بتكرار الآيات التي لَا تزيدهم إلا كفرا. * * *

стр. 3495

(وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦) * * * بعد أن بين الله تعالى شرح صدر المؤمن لنور الحق، وضيق صدر الكافر، حتى لَا يدخل النور قلبه، بعد ذلك بيَّن الصراط المستقيم، والصراط هو الطريق والخط المستقيم. والإشارة في قوله تعالى: (وَهَذَا صرَاطُ رَبِّكَ) إشارة إلى ما أوحي للنبي ﷺ مما نزل عليه من الدين والقرآن، وقال : (مُسْتَقِيمًا) وهي حال من اسم الإشارة، وهو حكم من الله تعالى بأنه مستقيم، لَا عوج فيه، ولا

стр. 3496

التواء، والخط المستقيم يصل إلى الحق بأقل طريق، وقال تعالى إن ذلك الحق واضح نيِّر مسلوك، ولذا قال تعالت كلماته: (قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ) أي بينا الأدلة القائمة على صدقه، أو يراد من الآيات القرآنية أي بيناها ووضحناها لقوم يذكرون، من شأنهم التذكر والإدراك السليم، فلم يطمس على قلوبهم، ولم تضيق عن الحق صدورهم، والله تعالى يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. * * * الجزاء (لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٧) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٢٨) وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٢٩) * * * بعد أن ذكر الله سبحانه حال الناس في الدنيا بين مهدي كتبت له الهداية، وبين شقي كتبت له الغواية، وبين من هداه الله إلى الصراط المستقيم صراط الله، أخذ يبين سبحانه جزاء كل من الفريقين، وابتدأ سبحانه بمن هداه الله تعالى إلى صراط العزيز الحميد، فقال تعالى:

стр. 3497

(لَهُمْ دَارُ السَّلامِ عِندَ رَبِّهِمْ). الضمير في (لهم) يعود على من فصل لهم الآيات، فتذكرها، إذ يقول سبحانه: (قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ) فقال : (لَهُمْ دَارُ السَّلام عِندَ رَبِّهِمْ) والسلام معناه الأمن، ودار السلام هي الجنة، وسميت دار السلام لأنها دار الأمن من الخوف، فلا يخافون أحدا، ولا يحزنون على شيء فاتهم فيها، وهي دار إقامة وفيها النعيم المقيم، وغيرهم في العذاب، وهم فيها يتمتعون بأمرين أولهما النعيم الدائم الذي لَا يخافون فيه انقطاعا. ثاني الأمرين أنهم يكونون عند ربهم، فهم يلقون الله تعالى، وهو وحده نعيم نفسي لَا يعدله نعيم، وهو الذي رَبَّهم في الدنيا، ويربهم في الآخرة، فهم في رحمته في الدنيا، وقد قاموا بالشكر، وفي رحمته في الآخرة لاستحقاقهم الأجر، فالشكر منهم، والأجر من الله تعالى متقابلان، وهما البيع الرابح - وأكد الله تعالى الأمر الثاني وهو قربهم من الله تعالى فقال تعالى: (وَهُوَ وَلِيُّهم بِمَا كانُوا يَعْمَلُونَ). (الولي) الموالى والنصير، والحبيب، والله هو ذلك كله بالنسبة للمؤمن الطائع الذي سلك طريق الله تعالى المستقيم، وتذكر الله تعالى في الدنيا، في سره وجهره، في ظاهره وباطنه، فهو وليه إذ أخرجه من الظلمات إلى النور وهو وليه إذ شرح قلبه للإسلام وهو وليه إذ وقاه الله تعالى ضر النفس بالانحراف والظلم، ثم هو وليه إذ لقيه في الآخرة ووقاه عذاب الجحيم. وقد تكرم الله وهو مجري النعم - بأن جعل نعيم الجنة جزاء، وهو المتفضل، وله المن والفضل، فقال تعالى: (بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) أي أنهم استحقوا دار السلام عند ربهم وولايته بالذي عملوا في الدنيا وداوموا عليه، وكان يتجدد عملهم بتجدد شعورهم بنعمة الله تعالى عليهم، ذلك الفضل من الله، والله يختص برحمته من يمثماء، وهو ذو الفضل العظيم. * * *

стр. 3498

(وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ ... (١٢٨) * * * بين الله الجزاء الخاص بالمؤمنين أولا؛ لأن بيان جزاء الطاعة أعظم أهمية من جزاء العذاب؛ ولذا بينه أولا، لمكان التبشير، والله تعالى قدم التبشير على الإنذار رجاء الطاعة. وقال تعالى: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ) (الواو) تصل الكلام السابق بالكلام اللاحق، وإن (الواو) قد تكون عاطفة على ما فُهِم من الكلام السابق. (ويوم) مفعول متعلق بفعل معناه اذكر لهم يوم يحشرهم الله جميعا، ويخاطبهم سبحانه بهذا الخطاب (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم)، والمراد - والله أعلم - قد شددتم في طلب الكثرة من الإنس لتضلوا، فالسين والتاء للطلب، وخبر الله تعالى بطلب استكثارهم يدل على أنهم نالوا هذه الكثرة، فأغووها، كما قال تعالى في كتابه العزيز؛ عن إبليس: (قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠). وقال تعالى: (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢). والجن هنا هم إبليس وجنده من الشياطين كما تدل على ذلك الآيات الكريمة، وكما يدل على قسمه بأن يغويهم أجمعين إلا عباده منهم المخلصين، ولم يَرُدَّ الجن، أو لم يذكر الله تعالى جوابا لهم؛ لأن ماضي قولهم يدل على فعلهم، فلم يكن سبيل لأن يردوا، وقد توعدوا المؤمنين وجاهروا بعصيان ربهم، فلم يبق إلا أن ينالوا الجزاء راضين أو ساخطين (وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُم مِّنَ الإِنسِ) المغرورين، لأنهم لم يكونوا قد رأوا العذاب بما ذكر بقوله: (رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا).

стр. 3499

قالوا غير مدركين عاقبة أقوالهم ظانين أنهم في لهو كلهو الدنيا، أو لعب كلعبها، أو قائلين بلسان الواقع الذي هم فيه، فهم قالوا بلسان الحال، لَا بلسان المقال، وقد نطقت أيديهم وجوارحهم بما كانوا يفعلون، (رَبَّنَا) شاعرين بمعاني الربوبية الكاملة التي لم يشعروا بها في الدنيا، (اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ)، أي انتفع بعضنا ببعض انتفاع متعة وبهجة، استمتعنا بإِغرائهم، فاجترفنا من اللذات والشهوات، والأحقاد، والعداوات، ووجدوا هم متعة في إغرائنا، وإغوائنا، وتلهينا، وتعابثنا، وكأنَّهم يجدون متعة في متعتنا، ولذة في لذاتنا، كانت هذه حالهم، ونريد أن نذكر إشارة بيانية في التعبير بقوله: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا) فإن التعبير بالحشر، يشير إلى أمرين أولهما - أنه يجمعهم غير مختارين ولا مريدين، وثانيهما - أنه يشير إلى كثرتهم، وأن الكثرة الكاثرة لم تمنعه تعالى من جمعهم وحسابهم، ومؤاخذتهم على ما فعلوا، ولقد قال تعالى في جزائهم: (قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ). قال ﷻ بلسان الفعل والمقال: (النَّارُ مَثْوَاكُمْ) أي محل إقامتكم الدائم الخالد الذي لَا ينتهي، فله ابتداء وليس له انتهاء، و (المثوى) اسم مكان من ثوى يثوى بمعنى أقام إقامة دائمة لَا يخرج منها مختارا، فالغالب فيها الإقامة الاختيارية، وقد عبر بها هنا تهكما عليهم، كأنهم اختاروا بأفعالهم؛ إذ قد اختاروا أسبابها، ومن اختار بابا فقد اختار الدخول فيه، وإن التعبير بـ (خالدين) يدل على البقاء الدائم بمشيئة الله تعالى الخالدة، وبإنذاره بذلك في عدة من آياته. ولكنه قال مستثنيا: (إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ) فهل هذا الاستثناء يدل على أن النار لها نهاية، تنتهي بمشيئة الله تعالى وأنه لَا خلود فيها؛ وكذا قال بعض العلماء ونسب هذا القول إلى ابن تيمية، وقرره ابن القيم في كتابه حادي الأرواح.

стр. 3500

ونحن نرى أنه قول يناقض الآيات الكثيرة الواردة في خلود الجنة وخلود النار، وأن الحياة الآخرة ليست إلى فناء، وإنما هي دار البقاء، ولا دار بعدها ينتقل إليها الناس، والنبي ﷺ في خطبته التي أنذر فيها عشيرته الأقربين، وصدع فيها بأمر ربه، قال: " إنها للجنة أبدا، أو النار أبدا، وإني لنذير لكم بين يدي عذاب شديد " (١)، وإن الله تعالى يقرر الخلود، ولا يترك أجسامهم تبلى من العذاب إذ يقول تعالت كلماته: (. . . كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا ليَذُوقُوا الْعَذَابَ. . .). وقوله تعالى: (إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ) لَا يدل على أنه عذاب غير أبدي؛ لأنه صرح في النص بأنهم خالدون فيها، ولأنه صرح بكلمة أبدا في كثير من آياته، فيقول سبحانه: (خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدا. . .)، ولأن كلمة (إِلَّا مَا شَاءَ) تدل أن الأمر إلى مشيئته عذابا وغفرانا، وأنه شاء العذاب، وأنه: توعد بالتأبيد، وهو لَا يخلف الميعاد، وذكر المشيئة هنا للدلالة على أنه شاء ذلك، وأنه يمكن أن يشاء غير ذلك، ولقد قال الزمخشري إمام البيان في ذلك: " يخلدون فيها في عذاب النار الأبد كله إلا الأوقات التي ينقلون فيها من عذاب النار إلى عذاب الزمهرير، فقد روي أنهم يدخلون واديا فيه من الزمهرير ما يميز بعض أوصالهم من بعض، فيتعاوون ويطلبون الرد إلى الجحيم، أو يكون من قول الموتور الذي ظفر بوتره، ولم يزل يحرق عليه أنيابه، وقد طلب أن ينفس من خناقه، أهلكني الله إن نفست عنك إلا إذا شئت، وقد علم الله أنه لَا يريد إلا التشفي منه بأقصى ما يقدر عليه من التعنيف، والتشديد فيكون قوله: إلا إذا شئت من أشد الوعيد، مع تهكمه بالموعد لخروجه في صورة الاستثناء الذي فيه إطماع ". هذا تخريج حسن في الثاني لَا في الأول، لأن الأول يفيد أن ثمة عقابا بالبرد الشديد.

стр. 3501

والذي نرأه ما قلناه من قبل، وهو بيان أن العذاب بمشيئته سبحانه، وإنه إن شاء رفعه، ولكن لم يشأ فبقي الخلود على مدلوله. ولا يقال إن مشيئة الله تعالى في عدم التخليد تتحقق في عصاة المسلمين، إذ عقابهم على سيئاتهم وما يفعلوا من خير فلن يكفروه، ويرد هذا أن الكلام في الكافرين بدليل وصف الخلود، إذ يقول سبحانه خالدين فيها. ومن الغريب أن ابن القيم الذي ساق الأدلة غير الصحيحة في أن العذاب غير دائم، قال إن نعيم الجنة دائم، وأنه لَا مرية فيه، مع أنه جاء في سورة " هود " الآية الخاصة بنعيمِ الجنة والاستثناء بالمشيئة أيضا، فقد قال تعالى: (وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨). وقد ختم الله الآية بقوله تعالى: (إنَّ رَبَّكَ حَكِيم عَلِيم). ختم هذه الآية الكريمة بذلك الكلام، وهو يؤيد مشيئة الله المطلقة التي دل عليها الاستثناء (إِلَّا مَا شاءَ) فإن مشيئة الله تعالى تسير على مقتضى ربوبيته التي ربت الإنسان وأتمت عليه بالنعمة، وحكمته التي تقدر الأمور والأشياء والأشخاص، وأنه ما خلى هذا الوجود عبثا، كما قال تعالى: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثَا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا ترْجَعُونَ)، وأن تدبيره للوجود بمقتضى علمه الذي أحاط بكل شيء، تعالى الله علوا كبيرا وتنزهت ذاته وعلت حكمته، وسع كك شيء علما. * * *

стр. 3502

(وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٢٩) * * * إن الولاء يُصْلح، وَيُفسد، فإذا كان الولي صالحا صلح به من والاه، وإذا كان فاسدًا أفسد من والاه، وقوله تعالى: (وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا) التشبيه فيه هو تشبيه حال الناس في تأثير بعضهم في بعض بالفساد، بحال تولي

стр. 3503

شياطين الجن أو شياطين الإنس يغرونهم بالفساد، ويحسب أولئك أنهم يستمتعون، أو يستمتع بعضهم ببعض، وكلمة (نولي) ما المراد منها أهي الولاية بمعنى السلطان، ويكون المعنى، وكذلك نجعل بعض الظالمين ولاة على ظالمين مثلهم، فيفسد الأمر ويضطرب الحال، ويكون الفساد في الأرض، بدل الصلاح فيها، وهذا يفيد أن ظلم الولاة يكون بسبب ظلم الرعية فيما بينها، كما روى " كيفما تكونوا يولى عليكم " (١) وأن فساد الرعية يؤدي إلى ألا يحكمها إلا راع ظالم، فإنهم يتعاونون على الظلم والعدوان، ولا يتعاونون على البر والتقوى، وإن الوالي الظالم يجد العون على ظلمه من الرعية نفسها، وهذا منهي عنه بقوله): " من أعان ظالما سلط الله تعالى عليه ظالما " (٢) وقد رأينا ذلك، وإنه إذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، منع ظلم الرعية، ولقد قال النبي ﷺ : " لَتَأْمُرُن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذنَّ على يدي الظالم ولتأطُرُنَّه على الحق أطرا أو ليضربن قلوب بعضكم ببعض ثم تدعون فلا يستجاب لكم " (٣). ووجه الشبه في الظلم بين الراعي والرعية بالتولي بين الجن والإنس، بإغراء الأولين وتلقى الآخرين وأن كليهما ظالم. هذا إذا فسرنا التولية بمعنى السلطان، سلطان الظالم من الحكام على الرعية الظالمة الفاسدة، ويرشح لهذا المعنى قوله تحمالي: (بِمَا كانُوا يَكْسِبُونَ) أي بما كانت الرعية تكسب من ظلم في نفسها، وظلم في معاملاتها وفساد فيما بينهم يفسدون ولا يصلحون، فيجيء حكام على شاكلتهم فيتشاكلون فيما بينهم، يحكمون بمثل أخلاقهم.

стр. 3504

وقد يكون معنى تولية الظالمين بعضهم بعضا، بمعنى الولاء النفسي، والتشاكل الخلقي، فكما أن الإغراء يكون من الجن للإنسان، فكذلك يكون الإغراء بالشر بوسوسة الولي لوليه، كالصديق للصديق، وإن الأولياء الظالمين يسري بينهم الظلم سريان المرض بين المرضى، فإن السلامة لَا تنتقل بالعدوى، ولكن العدوى تنتقل من المرضى، ومثل الظالمين كمثل المرضى يسرى الظلم فيهم، فيتظالمون، ويتبادلون الظلم، ويسري من بعضهم إلى بعض. وعندي أن الآية الكريمة تحتمل التخريجين، ولا مانع من الجمع بينهما، والتشابه قائم في الحالين. * * * (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (١٣٠) ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ (١٣١) وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٣٢) * * * بعد أن بين الله تعالى أنه يكشف يوم الحشر استغواء الجن لأوليائهم من الإنس، واستكثارهم من ذلك، وشعور الإنس بأنهم انتفعوا انتفاع متعة لَا انتفاع مصلحة، بعد ذلك بين تقصيرهم جميعا، وأنهم مخاطبون جميعا بهذا التقصير، وأنهم خوطبوا جميعا بالرسل، فما استجابوا للحق فقال تعالى:

стр. 3505

(يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا) (المعشر) الجماعة العامة، يا جماعة الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم. . . والخطاب للجن والإنس معا، وقدم الجن: لأنهم الذين كان منهم الاستغواء، والإنس استجابوا لاستغوائهم، فهم أساس الشر، إذ هم الذين وسوسوا بالشر، وهم الذين دعوا إليه وأغووا به؛ ولذا قدموا عند اللوم على إهمال دعوة الرسل، أولا، والإنس كان لومهم؛ لأنهم أطاعوهم، فالمُضِل منزلته في الضلال أقوى من منزلة من استجاب للتضليل اختيارا، وقوله تعالى: (أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ منكُمْ) فيه استفهام إنكاري لإنكار الوقوع، وفيه معنى التوبيخ والتأكيد، والمعنى قد أتتكم رسل منكم. والرسل، أهُمْ من الإنس والجن، أم من الإنس فقط؛ والأكثرون على أنهم من الإنس فقط، أولا - لأن الله تعالى لم يذكر رسلا من الجن قط، ولو كان منهم رسل لذكرهم، وثانيا - لأن إرسال الرسل كان لما صنعه إبليس مع آدم إذ وسوس له أن يأكل من الشجرة، فكان الهبوط، وكانت الهداية بِالرسلِ لقوِله تعالى: (فَإِمَّا يَأتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدى فَمَن تَبِعَ هُدَاي فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هُمْ يحزنُونَ). وثالثا - أنه جاء النص بأن الرسل ذوو الكتب المنزلة، وجاء على لسان الجن؛ أنهم خوطبوا بما جاءوا به، فقد قال تعالى عنهم: (إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٢). ورابعا - أن الله تعالى ذكر الأنبياء وكلهم من الإنس، فذكر أعدادا كبيرة، ثم قال تعالى: (ومِنْهُم مَّن قَصَصنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ). ولم يذكر ولا بالإشارة أن في الجن رسلا أرسلهم. لهذا رجح الأكثرون أو اختاروا أن الرسل ليسوا من الجن، ولكن قال بعض العلماء إنه كان من الجن رسل، أخذها من هذه الآية، وهي قوله تعالى:
следующие страницы →