← Тафсир

Тафсир · id 37071

زهرة التفاسير

محمد أبو زهرة

Полный текст (8 373 стр.). Показаны 3501–3540 · переход к 3506.

стр. 3501

والذي نرأه ما قلناه من قبل، وهو بيان أن العذاب بمشيئته سبحانه، وإنه إن شاء رفعه، ولكن لم يشأ فبقي الخلود على مدلوله. ولا يقال إن مشيئة الله تعالى في عدم التخليد تتحقق في عصاة المسلمين، إذ عقابهم على سيئاتهم وما يفعلوا من خير فلن يكفروه، ويرد هذا أن الكلام في الكافرين بدليل وصف الخلود، إذ يقول سبحانه خالدين فيها. ومن الغريب أن ابن القيم الذي ساق الأدلة غير الصحيحة في أن العذاب غير دائم، قال إن نعيم الجنة دائم، وأنه لَا مرية فيه، مع أنه جاء في سورة " هود " الآية الخاصة بنعيمِ الجنة والاستثناء بالمشيئة أيضا، فقد قال تعالى: (وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨). وقد ختم الله الآية بقوله تعالى: (إنَّ رَبَّكَ حَكِيم عَلِيم). ختم هذه الآية الكريمة بذلك الكلام، وهو يؤيد مشيئة الله المطلقة التي دل عليها الاستثناء (إِلَّا مَا شاءَ) فإن مشيئة الله تعالى تسير على مقتضى ربوبيته التي ربت الإنسان وأتمت عليه بالنعمة، وحكمته التي تقدر الأمور والأشياء والأشخاص، وأنه ما خلى هذا الوجود عبثا، كما قال تعالى: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثَا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا ترْجَعُونَ)، وأن تدبيره للوجود بمقتضى علمه الذي أحاط بكل شيء، تعالى الله علوا كبيرا وتنزهت ذاته وعلت حكمته، وسع كك شيء علما. * * *

стр. 3502

(وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٢٩) * * * إن الولاء يُصْلح، وَيُفسد، فإذا كان الولي صالحا صلح به من والاه، وإذا كان فاسدًا أفسد من والاه، وقوله تعالى: (وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا) التشبيه فيه هو تشبيه حال الناس في تأثير بعضهم في بعض بالفساد، بحال تولي

стр. 3503

شياطين الجن أو شياطين الإنس يغرونهم بالفساد، ويحسب أولئك أنهم يستمتعون، أو يستمتع بعضهم ببعض، وكلمة (نولي) ما المراد منها أهي الولاية بمعنى السلطان، ويكون المعنى، وكذلك نجعل بعض الظالمين ولاة على ظالمين مثلهم، فيفسد الأمر ويضطرب الحال، ويكون الفساد في الأرض، بدل الصلاح فيها، وهذا يفيد أن ظلم الولاة يكون بسبب ظلم الرعية فيما بينها، كما روى " كيفما تكونوا يولى عليكم " (١) وأن فساد الرعية يؤدي إلى ألا يحكمها إلا راع ظالم، فإنهم يتعاونون على الظلم والعدوان، ولا يتعاونون على البر والتقوى، وإن الوالي الظالم يجد العون على ظلمه من الرعية نفسها، وهذا منهي عنه بقوله): " من أعان ظالما سلط الله تعالى عليه ظالما " (٢) وقد رأينا ذلك، وإنه إذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، منع ظلم الرعية، ولقد قال النبي ﷺ : " لَتَأْمُرُن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذنَّ على يدي الظالم ولتأطُرُنَّه على الحق أطرا أو ليضربن قلوب بعضكم ببعض ثم تدعون فلا يستجاب لكم " (٣). ووجه الشبه في الظلم بين الراعي والرعية بالتولي بين الجن والإنس، بإغراء الأولين وتلقى الآخرين وأن كليهما ظالم. هذا إذا فسرنا التولية بمعنى السلطان، سلطان الظالم من الحكام على الرعية الظالمة الفاسدة، ويرشح لهذا المعنى قوله تحمالي: (بِمَا كانُوا يَكْسِبُونَ) أي بما كانت الرعية تكسب من ظلم في نفسها، وظلم في معاملاتها وفساد فيما بينهم يفسدون ولا يصلحون، فيجيء حكام على شاكلتهم فيتشاكلون فيما بينهم، يحكمون بمثل أخلاقهم.

стр. 3504

وقد يكون معنى تولية الظالمين بعضهم بعضا، بمعنى الولاء النفسي، والتشاكل الخلقي، فكما أن الإغراء يكون من الجن للإنسان، فكذلك يكون الإغراء بالشر بوسوسة الولي لوليه، كالصديق للصديق، وإن الأولياء الظالمين يسري بينهم الظلم سريان المرض بين المرضى، فإن السلامة لَا تنتقل بالعدوى، ولكن العدوى تنتقل من المرضى، ومثل الظالمين كمثل المرضى يسرى الظلم فيهم، فيتظالمون، ويتبادلون الظلم، ويسري من بعضهم إلى بعض. وعندي أن الآية الكريمة تحتمل التخريجين، ولا مانع من الجمع بينهما، والتشابه قائم في الحالين. * * * (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (١٣٠) ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ (١٣١) وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٣٢) * * * بعد أن بين الله تعالى أنه يكشف يوم الحشر استغواء الجن لأوليائهم من الإنس، واستكثارهم من ذلك، وشعور الإنس بأنهم انتفعوا انتفاع متعة لَا انتفاع مصلحة، بعد ذلك بين تقصيرهم جميعا، وأنهم مخاطبون جميعا بهذا التقصير، وأنهم خوطبوا جميعا بالرسل، فما استجابوا للحق فقال تعالى:

стр. 3505

(يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا) (المعشر) الجماعة العامة، يا جماعة الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم. . . والخطاب للجن والإنس معا، وقدم الجن: لأنهم الذين كان منهم الاستغواء، والإنس استجابوا لاستغوائهم، فهم أساس الشر، إذ هم الذين وسوسوا بالشر، وهم الذين دعوا إليه وأغووا به؛ ولذا قدموا عند اللوم على إهمال دعوة الرسل، أولا، والإنس كان لومهم؛ لأنهم أطاعوهم، فالمُضِل منزلته في الضلال أقوى من منزلة من استجاب للتضليل اختيارا، وقوله تعالى: (أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ منكُمْ) فيه استفهام إنكاري لإنكار الوقوع، وفيه معنى التوبيخ والتأكيد، والمعنى قد أتتكم رسل منكم. والرسل، أهُمْ من الإنس والجن، أم من الإنس فقط؛ والأكثرون على أنهم من الإنس فقط، أولا - لأن الله تعالى لم يذكر رسلا من الجن قط، ولو كان منهم رسل لذكرهم، وثانيا - لأن إرسال الرسل كان لما صنعه إبليس مع آدم إذ وسوس له أن يأكل من الشجرة، فكان الهبوط، وكانت الهداية بِالرسلِ لقوِله تعالى: (فَإِمَّا يَأتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدى فَمَن تَبِعَ هُدَاي فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هُمْ يحزنُونَ). وثالثا - أنه جاء النص بأن الرسل ذوو الكتب المنزلة، وجاء على لسان الجن؛ أنهم خوطبوا بما جاءوا به، فقد قال تعالى عنهم: (إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٢). ورابعا - أن الله تعالى ذكر الأنبياء وكلهم من الإنس، فذكر أعدادا كبيرة، ثم قال تعالى: (ومِنْهُم مَّن قَصَصنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ). ولم يذكر ولا بالإشارة أن في الجن رسلا أرسلهم. لهذا رجح الأكثرون أو اختاروا أن الرسل ليسوا من الجن، ولكن قال بعض العلماء إنه كان من الجن رسل، أخذها من هذه الآية، وهي قوله تعالى:

стр. 3506

(أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ) فالتعبير يشير إلى أن من الجن رسلا؛ لأن الرسل من الفريقين، ولأن قوله تعالى (منكم) قريب من قوله تعالى: (لَقَدْ جَاءَكمْ رَسولٌ منْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِين رَءُوفٌ رحِيم). وقد أجيب عن ذلك بأن هذا لَا يقتضي أن يكون من كل فريق رسول، بل إن الظاهر أن يكون الرسول من جماعة الجن والإنس معا، وبذلك يسوغ أن يكون من أحدهما دون الآخرين ما دام ينطبق عليه أنه من جماعة الإنس والجن فهما جماعة المكلفين، وضربوا لذلك مثلا قوله تعالى: (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (٢٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢١) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (٢٢). فذكر سبحانه أنه يخرج من البحرين اللؤلؤ والمرجان مع أنه لا يخرج من الماء العذب اللؤلؤ والمرجان بل يخرجان فقط من الماء الملح، ولكن عبر عنهما بقوله تعالى (منهما) - لأنه ذكر البحرين، وهو يخرج منهما، وإن كان لا يخرج إلا من أحدهما. وإن أولئك الرسل، يقصون آيات الله تعالى الدالة على الوحدانية، وأنه قادر على كل شيء؛ ولذا قال تعالى: (يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا). (يقصون) من القصص، أو قص الأثر، والآية الكريمة تحتملهما، والمعنى على الأول، يذكرون لكم آياتي التي جاءت على أيدي الأنبياء السابقين، فكل رسول يتقدم بالآيات التي أجراها الله تعالى على يديه، ويذكر آيات من سبقوه من الرسل السابقين له، فمحمد ﷺ تقدم بالمعجزة الكبرى وهي القرآن، وكان معه آيات أخرى من خوارق العادات، وإن لم يُتحدَّ بها، وذكر الآيات التي جرت على يد عيسى ﵇ من إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص بإذن الله تعالى إلى آخر ما جاء في القرآن الكريم من آياته، وذكر في القرآن معجزات موسى ﵇ من العصا، وفلق البحر، وانفجار الماء من الأحجار، وغير ذلك من المعجزات الباهرات الدالة على رسالة الله تعالى، وعلى قدرته القاهرة، وآياته الباهرة.

стр. 3507

فالأنبياء قصوا آيات الأنبياء، قصوها في مجموعهم، لَا في آحادهم، وبذلك كانت الآيات بين يدي الجن والإنس معلومة ظاهرة بينة تدعوهم إلى الإيمان بالله واليوم الآخر، وتنذرهم بلقاء ربهم في ذلك اليوم فلم يتعظوا، ولم يعتبروا، وكان ذلك اللقاء الذي وراءه الحساب والعقاب. هذا إذا خرَّجنا كلمة (يَقُصونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي) على معنى القصص، وإذا خرجناها على معنى قَصِّ الأثر، أي تتبع الأثر واستدل، يكون المعنى في نظرنا أن الرسل ﵈ يتتبعون آيات الله في الكون، من سماء ذات أبراج، وأرض ذات جبال، وماء ينزل من السماء إلى الأرض فينبت كل شيء، ويكون منه كل شيء حي، ورياح تجري بإذن الله، وسحاب مسخر بين السماء والأرض، وغير ذلك من آيات الله، قَصَّ رسل الله تلك الآيات الدالة على وحدانية الله تعالى أولا، وعلى قدرته القاهرة التي تقدر على الإعادة كما قدرت على الإنشاء، وكما قال تعالى: (كمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ). وإنه من بعد ذلك كان الإنذار باللقاء، والإنذار باللقاء ليس بذات اللقاء، ولكن بما وراءه من حساب وعقاب، ودخول جهنم والعياذ بالله من نارها وشرها. هذا ما نراه في معنى القص، ونرى أن الآية تحتمل المعنيين، ولا مانع من الجمع بينهما بأن يكون المعنى ذكر قصص آيات النبيين التي جرت على أيديهم، وتتبع الأنبياء لآيات الله في الكون الدالة على وحدانيته وكمال قدرته، هذا ما يقوله الله تعالى للجن والإنس في ذلك المشهد الرهيب، فبماذا يجيبون؟ (قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا). ومعنى (شهدنا) أقررنا، فإن الشهادة تكون بمعنى الإقرار، وبمعنى الإثبات، وبمعنى الحكم، وهي هنا بمعنى الإقرار المبني على المعاينة والرؤية، فهو إقرار مؤكد بالمعاينة والمشاهدة لَا بمجرد الإخبار عن أمر مغيب، وأكدوا الإقرار بأنه على أنفسهم، وهذا الإقرار موضوعه أن الرسل قد أتوا إليهم، وأشارت الآية إلى أنهم شهدوا على أنفسهم بمجيء الأنبياء ولم يؤمنوا بهم، ولم يصدقوهم، وأشار

стр. 3508

سبحانه إلى السبب في عدم صدقهم، فقال تعالت كلماته: (وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا)، أي غرهم ما فيها من متع، تسلط بها الجن على الإنس فضلوا وأضلوا، ولذا قال سبحانه بعد ذلك عنهم: (وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ). كانت الشهادة الأولى على أنفسهم بأنهم جاءتهم الرسل، ثم ذكر ما يشير بأنهم لم يؤمنوا بالرسل، إذ غرتهم الحياة الدنيا، فدلاهم بغرورها، (واستجابوا لغواية الأبالسة)؛ ولذا كان تكرار الشهادة والإقرار، وإذا كانت الشهادة الأولى إقرارًا بأن الرسل دعتهم إلى الحق، فالشهادة الثانية إقرار بأنهم دعوا إلى الحق وكفروا به، ولذلك قال تعالى: (وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كَافِرِينَ) وهي إقرار على أنفسهم بالكفر، وهي شهادة تنطق بها ألسنتهم وجوارحهم وقلوبهم، كما قال تعالى في آية أخرى: (يوْمَ تَشهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ). ولقد اعترض بأنه ذكر أنهم يكونون في حال فتنة، ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا: والله ربنا ما كنا مشركين، وقد أجيب عن ذلك بجوابين: أولهما - أنهم كانوا في اضطراب من هول الموقف، فمرة ينكرون، وذلك بسبب ما فتنوا به، وما أخذت به نفوسهم المضطربة الحائرة. وثانيهما - أنهم في حال الإنكار كانوا في اضطراب، ولم يكن كشف لهم المكتوب عليهم، والمسجل عليهم في كتابهم فقد كتب عملهم في سجل، كمن يكون في حساب وتحقيق في القضاء فينكر ابتداء، فإذا عرض عليه فعله المسجل اضطر إلى الإقرار، لأنه يحس بأنه لَا مناص من أن يقر، والله أعلم بما يكون في يوم القيامة. * * *

стр. 3509

(ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ (١٣١) * * * (ذلك) الإشارة إلى إرسال الرسل، وقصهم للبينات، وآيات الله، وذكر يوم القيامة، كل هذا ليكون نذيرا لأهل القرى حتى يهلكهم الله تعالى بظلمهم، وهم

стр. 3510

غافلون والقرى المدائن الكبيرة، وقيل: إن الإشارة إلى شهادتهم على أنفسهم بمجيء الرسل، وشهادتهم على أنفسهم بأنهم كفروا بهم، فإذا كان قد ثبت ما ارتكبوا من جرائم وذنوب، ثبت بإقرارهم، فالحجة قد قامت عليهم، فلا ظلم ولا شبه ظلم. وهنا إشارتان بيانيتان إحداهما - أن الله تعالى ذكر هلاك القرى، والهلاك نازل على أهلها، ولكنه ذكر القرى، وحذف الأهل للإشارة إلى عمومه وشدته، وأنه لَا قبل لهم به. الثانية - أنه نص على المحذوف في قوله، (وأهلها غافلون)، فكان المحذوف هنالك مذكورًا هنا، ونفَى الله تعالى الغفلة عنهم عند نزوِل الهلاك بهم إذ أنذروا بالرسل والآيات، كما قال تعالى: (وَمَا كنَّا مُعذِّبِينَ حتَى نَبْعَثَ رَسُولًا)، وكما قال تعالى: (وِإن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ)، وقال تعالى عن أخبار جهنم: (كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (٩). وقد نفَى الله تعالى أن يهلك القرى قبل الإنذار؛ بقوله تعالى: (ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى) نفي عنه وصف الإهلاك باسم الفاعل من غير إنذار تأكيدًا للنفي، ومنعا للظلم. وقوله تعالى (ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ) (أنْ) مخففة من الثقيلة، وهنا ضمير محذوف هو ضمير الشأن، والمعنى أنه ليس من شأن ربك أن يكون مهلكا للقرى. والظلم المنفي، أهو نفي الظلم عن الله، أي أن الله تعالى لَا يهلك القرى وأهلها غافلون ظالما لهم بعدم الإنذار، كقوله تعالى: (وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ للْعَبِيدِ)، وكقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا)، أي أن الله مهلك قرى المشركين، ولكي يكون الهلاك عدلا لَا ظلما كان الإنذار.

стр. 3511

وهناك تخريج آخر ذكره ابن جرير، وهو الظلم منهم، والمعنى أنه ما كان ربك مهلك القرى بظلمهم وإشراكهم، وهم لم ينبهوا بمنع ذلك الظلم. وقوله (وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ) حال من القرى، والمعنى ما كان الله ليهلكهم حتى ينذروا، ويبين لهم الحق، حتى يهتدوا عن بينة أو يضلوا عن بينة، والله الهادي إلى سواء السبيل. * * *

стр. 3512

(وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ... (١٣٢) * * * ولكل من المكلفين درجات في القيام بما كلفوه من أعمال، فمنهم من يحسن، ويبلغ أقصى درجات التقوى فيكون له في الجنة على مقدار ما فعل، ومنهم من يفعل دون ذلك فيغفر الله تعالى ما شاء أن يغفر، ورحمته قد سبقت غضبه وعذابه، فيعطى بمقدار ما عمل، وكذلك العصاة درجات، فمن أطاع الكبراء له عذاب يناسب طاعتهم، أي أن الطاعة لها مراتب، والعصيان له دركات، والمنافقون في الدرك الأسفل من النار، كما قال تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (١٨) وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٩). ويكون المعنى على الدرجات في الخير والشر، وأهل الخير درجات، وأهل الشر دركات متفاوتة، على مقدار شرهم وإن كانوا جميعا منغمرين فيه، كما قال تعالى: (الَّذينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كانُوا يُفْسِدُونَ). وقد ذكر بعض المفسرين أن هذه الدرجات في العذاب فقط، لأن الآيات في تهديد الكافرين وإنذارهم لَا في جزاء المؤمنين ودرجاتهم. وعندي أن الآية فيها تبشيو للمؤمنين، وأنهم درجات، وإنذار للكافرين وإنهم في دركات جهنم طبقات، والآية الكريمة تفيد أن الدرجات مما عملوا أي

стр. 3513

مأخوذة من أعمالهم، فإن كانت خيرا فخير، وإن كانت شرا فشر، فهي مشتقة منها، ومن جنسها. (وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ). إن هذه الأعمال يعلمها الله تعالى لَا يخفى عليه شيء في الأرض، ولا في السماء، فهو جزاء لما يعملون، جزاء من يعلم كل شيء، ولا يخفى عليه شيء، ولذا قال تعالت كلماته: (وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ) عبر بنفي الغفلة عنه نفيا مؤكدًا، بمؤكدات ثلاثة أولها - التعبير بالجملة الاسمية، وثانيها - دخول (الباء) التي تدل على استغراق النفي. ثالثها - التعبير بـ (ربك)؛ لأن الرب هو الذي رَبَّ النفوس والأخلاق فهو أعلم الوجود بها، وأخبرهم بأحوالها، فجزاؤه جزاء من يضع العقاب في موضعه، والثواب في مكانه. * * * (وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (١٣٣) إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (١٣٤) قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (١٣٥) * * * إن الله أشار إلى أن الكافرين يجحدون، وقد قامت الآيات عليهم تدعوهم إلى الوحدانية، وأنه لَا يعبد إلا الله، وثبت أنهم يعاندون، ويردون الآيات، ويكذبون رسل الله ، وقد أوتوا بالبينات من

стр. 3514

ربهم، وما من نبي إلا أوتي ما مثله آمن عليه البشر. وفي هذه الآية الكريمة يبين أن الله غنى عن العباد، فلا يستفيد من عبادتهم إن عبدوه مخلصين، ولا ضير عليه من كفرهم، إن كفروا، ولكن الله تعالى برحمته بهم، يريد لهم الحق، ولا يرضي لعباده الكفر، ولذا قال تعالى:

стр. 3515

(وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ). (الواو) عاطفة عطفت هذه الجملة على ما قبلها، وصدرها بقوله تعالت كلماته: (وَرَبُّكَ) أي خالقك، ومربيك وقد تولاك بربوبيته كما تولى الوجود كله بربوبيته، وهذا ترشيح لمعنى أن الغنى من لَا يحتاج فيكون في غناء عن غيره، ومن هو قائم على الوجود لَا يحتاج لأحد في الوجود، وقد ذكر سبحانه أنه الغني وحده، فكل من في الوجود يحتاج لغيره والله تعالى لَا يحتاج إلى أحد، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وقد عرَّف الله الطرفين في قوله تعالى: (وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ) وتعريف الطرفين يدل على القصر أي لَا غني في الوجود سواه، كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥). ووصف الله بعد تأكيد أنه الغني وحده، وأن كل من في الوجود فقراء إليه - بأنه ذو الرحمة أي أنه صاحب الرحمة وحده، و (ذو) بمعنى صاحب، فهو الرحيم رحمة مطلقة بعباده، ورحمة غيره رحمة نسبية، تليق بالمخلوقات، أما الله تعالى فرحمته واسعة، وسعت كل شيء، خلق الكون والناس برحمته، وخلق العقلاء وكفلهم برحمته، وأنزل من السحاب ماء مدرارا برحمته، وخلق من الماء كل شيء حي برحمته، وجعل الأرض مهادا والجبال أوتادا برحمته، وخلق الموت والحياة برحمته، وخلق البعث والنشور برحمته، وأنشأ السمع والأبصار والأفئدة برحمته. فإذا كان هو الغني وحده، فهو الرحمن الرحيم، والقادر على كل شيء؛ ولذا قال تأكيدا لقدرته وفقر العباد إليه.

стр. 3516

(إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ). إن الذين يعاندون الله تعالى، ويحادون رسوله ومن اتبعه من المؤمنين، ويحادون الله بمحادة عباده المؤمنين. الله لَا يحاده شيء في الوجود، فإنه (إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ) لَا تكونون في الوجود، وذلك بإماتتكم أو إفنائكم (وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُم مَّا يَشَاءُ) من الخلق، ومعنى (يستخلف) يكون خلفا لكم في الأرض ما يشاء من عباده، وجاء الكلام للدلالة على العموم، والمعنى أنكم وجدتم بمشيئة الله، ويذهبكم بمشيئته، وبجعل خلفا لكم من يشاء فأنتم في حياتكم ومماتكم، وحياة من بعدكم ومماته بمشيئته سبحانه، وهذا كما قال تعالى: (وَإِن تَتَولَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ). وكما قال تعالى: (إِن يَشَأ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأتِ بِآخَرِينَ. . .)، وقد أقام سبحانه الدليل على الإذهاب والاستخلاف بحالهم هم، فقال تعالى: (كمَا أَنشَاكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ). أي أنتم لستم أول المخلوقين ولا آخرهم، فقد كنتم ذرية لمن سبقوكم، وهم قوم آخرون، وستكون من بعدكم ذرية، وقوله تعالى: (كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ) تشبيه لحال الذين يخلفونهم بحالهم، فهو قياس حالهم على حال من يجيئون بعدهم، فإذا كنتم قد نشأتم من ذرية من سبقوكم، فمن يخلفونكم ينشئون من ذريتكم. والخلاصة: الله غني عنكم، وهو يرحمكم، والوجود يتوالد بعضه من بعض بقدرة الله تعالى والأجيال متعاقبة فإن كنتم جيلا كافرا، سيجيء من بعدكم جيل مؤمن، والله على كل شيء قدير. * * *

стр. 3517

(إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (١٣٤) * * * إن أشد إنكارهم كان في البعث، وكان هو العجب الغريب عليهم، فقد كانوا يعتقدون أن الله خالق كل شيء، وأنه ليس كمثله شيء، ولكن يعبدون ما يعبدون من الأوثان ليقربوهم إلى الله زلفى في زعمهم وما كانوا يؤمنون

стр. 3518

بالبعث، ولا في الجزاء بعده، (وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَولهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ). وإن البعث يكون بعده الحشر والحساب، ثم العقاب أو الثواب، وقد ذكرهم الله تعالى بالبعث، بذكر ما يكون فيه مما وعد الله تعالى به، وأوعد، وقد ذكر آخر ما يكون فيه وهو العقاب على كفرهم، والثواب لغيرهم، فقال تعالى: (إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ) (ما) هنا اسم موصول بمعنى الذي، وقد حذف الضمير من الصلة، والمعنى إن الذي توعدونه لآت، فأكد إثبات ذلك الذي أوعدوا به بـ (إنَّ)، وبالجملة الاسمية، وباللام، في قوله تعالت كلماته (لآتٍ) وكان الكلام بالبناء للمجهول، لمزيد التهديد بإبهام الوعيد، وعدم ذكره، ليذهب فيه العقل كل مذهب، وبعدم ذكر من أوْعد وهو معلوم، ليزدادوا خوفا، فيضعفوا عن المقاومة، ويؤمن من كتب الله تعالى الإيمان له، ويستمر في غيه من كتب الله العقاب له. وإن الله تعالى قادر على كل شيء فهو قادر على إعادتهم، كما هو قادر على إنزال العقاب بهم؛ ولذا قال تعالى: (وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ) نفَى الله تعالى قدرتهم على إعجاز الله تعالى عن الإعادة، فإنه قادر عليها كما قال تعالى: (كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ)، وكما قال تعالى: (قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا (٥١). ونفَى قدرتهم على الامتناع عن عقابه، فهو مالك يوم الدين، وهو المسيطر وحده (. . . لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَارِ). وهنا في قوله تعالى: (وَمَا أَنتم بِمُعْجِزِينَ) إشارات بيانية:

стр. 3519

أولاها - في النفي المؤكد، فقد أكده بذكرهم وخطابهم، وبذكر الضمير (أنتم)، وباستغراق النفي بذكر (الباء)، وبأن النفي منصب عليهم، أي ليس من شأنهم أن يعجزوا لأنهم ضعفاء، والضعيف لَا يعجز أحدا، كما قال تعالى: (. . . وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨) الإشارة الثانية - أنه لم يذكر في النفي من يعجزونه، فلم يذكر الله تعالى إعلاء لاسمه الكريم عن أن يكون مظنة عجز أو أن يعجزه أحد، إذ إعجازه مستحيل، ونفي أمر هو مستحيل في ذاته غير سائغ، في سنة البيان. الثالثة - نفي عموم الإعجاز من أي نوع هو، ولقد قال ﷺ : " يا بني آدم إن كنتم تعقلون فعدوا أنفسكم من الموتى، وما أنتم بمعجزين " (١). وإنهم يستمرون في طريقتهم من معاندة محمد ﷺ ، وجحودهم وإيذائهم له ﵊ ولأصحابه الذين اتبعوه مخلصين مسلمين وجوههم لله تعالى، وقد هددهم بأمر النبي ﷺ لهم أمر تهديد لقوله: * * *

стр. 3520

(قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ ... (١٣٥) * * * وقد أمر الله تعالى نبيه الأمين أن يتولى هو القول التهديدي، وهو اعملوا على مكانتكم، والمكانة: الطريقة، أو الأمر الذي مكنوا منه، والأمر هنا للتهديد بالإشارة إلى عاقبة ما يفعلون، كقول النبي ﷺ : " إذا لم تستح فاصنع ما شئت " (٢)، فالأمر (اصنع) للتهديد بأن يفعل متحملا تبعة ما يفعل ونتيجته، فإن كنتم تزعمون أنكم على حق فاعملوا وسترون العاقبة، وإني عامل على ما أدعو إليه، وهو الحق الذي لَا ريب فيه، ولكل وجهة هو موليها، فكونوا كما تريدون لأنفسكم.

стр. 3521

وإنه في هذا المقام المهدد المنذر الذي يحملهم الله سوء ما يعملون - يأمر نبيه بأن يناديهم نداء يقربهم ولا يبعدهم ويدنيهم ولا يجافيهم، فقال تعالى: قُلْ يَا قَوْمِ) فأمره تعالى بأن يناديهم بما يربطه بهم، وهو أنهم قومه الذين تربطهم رابطة النسب، فيحب خيرهم، وإنهم إن كذب الناس جميعا لَا يكذبهم، فهو يناديهم بنداء المحب الذي لَا يعادى ولكن يذكرهم بالحقائق التي لَا تقبل مداجاة (١)، ولا مواربة، وكأنَّه إذ يحملهم تبعة ما يعملون لَا يبعد عنهم بل يدنيهم، ليهديهم، فالهادي لَا بد أن يكون قريبا من أنفس من يتصدى لهدايتهم، ولقد ذكر من بعد ما يشير إلى العاقبة، وأنهم سيعلمونها علم البيان، فقال: (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ). (الفاء) هنا لترتيب ما بعدها على ما قبلها، و (سوف) هنا لتأكيد الوقوع في المستقبل، أي سوف يعلمون بالعيان لَا بالخبر من له عاقبة الدار، و (العاقبة) النهاية التي تعقب ما يسبقها من أسباب تؤدى إليها، و (عاقبة الدار) المراد بها نهاية هذه الدار، وعاقبتها تكون لمن، والدار هنا قد تراد بها مكة وما حولها مما يسيطرون عليه، أو البلاد العربية، أو الدار الدنيوية على العموم. أي سوف تعلمون من تكون له في النهاية، وفي عاقبة الأعمال الدار والسلطان، فالمراد من تكون له العاقبة في الدار والسلطان، وينصره الله تعالى حيث يكون لأهل الحق السلطان. ويصح أن يراد الآخرة، وعندي أنه يراد الداران، أما الدار الآخرة، فأمرها إلى الله تعالى، وقد أشار أن النعيم المقيم يكون للمؤمنين، والجحيم يكون للكافرين. وأما في الدنيا - وهذه الآيات قد نزلت بمكة - فإنه قد آل أمر البلاد العربية من اليمن إلى حدود الشام إلى المؤمنين في عصر النبي ﷺ ، وصارت الكلمة للمؤمنين، وحقت كلمة الله تعالى: (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِى الْحَيَاةِ الدُنْيَا

стр. 3522

وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٥٢). وقال تعالى: (كَتَبَ اللًّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِى إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عزِيزٌ). هذه عاقبة الدار في الدنيا والآخرة، ولقد ختم الله تعالى الآيات بقوله: (إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ). الضمير ضمير الشأن، أي إن الله والشأن وسنة الله تعالى في خلقه لَا يفلح الظالمون، أي لَا يفوز الظالمون، والتعبير بالوصف يشير إلى أن الظلم هو سبب الخسران، وإنه وإن بدا الظلم قويًّا غالبًا فائزًا فإلى حين، والعاقبة للعادلين المنصفين المقيمين للحق، وللظلم صور شتى: ظلم في العقيدة، وظلم في العمل، وظلم في الحكم وظلم في المعاملة بين الناس، فإن الظالم لَا يفوز في نهايته، وإن فاز في بعض الأمور العرضية، والله هو الحكم العدل. * * * تحريم ما أحل الله (وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (١٣٦) وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١٣٧)

стр. 3523

وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣٨) وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٣٩) قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٤٠) * * * إن فساد الاعتقاد يؤدي إلى فساد الأعمال، فحيث فسدت العقيدة، اتجهت النفس تحت تأثير الأوهام إلى مفاسد كثيرة، فالأوهام التي تفسد الاعتقاد تفسد أيضا الحياة، فتحت تأثير أوهام الوثنية أفسدوا حياتهم، فحرموا على أنفسهم بعض ما أحل الله، وقتلوا أولادهم حاسبين أن ذلك يرضي أوثانهم، ونذروا للأوثان بعض الزرع والنعم ولله نصيب، فكما سووا بينها وبين الله في العبادة، أو زادوهم، فكذلك سووا بينه وبينها في النذر وتحيفوا في تنفيذها لله ولم يتحيفوا على الأوثان، ولذا قال تعالى:

стр. 3524

(وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا).

стр. 3525

(الواو) تصل هذا الكلام بما سبقه من جحودهم وكفرهم وعنادهم بباب آخر من مفاسدهم مترتب على فساد عقيدتهم، وخضوعهم لحكم الأوهام فخضعوا بحكم الأوهام في الأصنام أيضا، أن جعلوا بهواهم ومن غير دليل من الشرع أو النقل عندهم - جعلوا من الحرث والأنعام وهي الإبل والبقر والغنم، جعلوا نصيبا لله ينففونها في الضيافات، واعانة الفقراء، وجعلوا شيئا آخر أو نصيبا آخر لآلهتهم ينفق لسدنتها وخدمتها، مع أن الجميع ملك لله تعالى، فقالوا: هذا لله، وهذا لشركائنا، أي لآلهتهم، وعبر تعالى عنهم بـ (شركائنا)، أي من جعلناهم شركاء لله تعالى باعتقادنا أو ظننا أو نسبناهم شركاء لله تعالى. وهنا إشارات بيانية ننبه إليها: أولاها - أن التعبير بـ (ذرأ) أي خلق متولدا من الحب، وانفلاق النوى، فالله هو الذي ذرأ النبات، وذرأ الثمار، وعبر عنه تعالى بالحرث، وهو نبت الأرض لإنتاج الزرع وهو سبب عادي لإخراج الزرع من الأرض، فأطلق السبب وأريد المسبب، فأطلق الحرث على كل ما أخرجت الأرض من زروع وثمار. الثانية - التعبير بقولهم (نصيبا) وهو قدر ذكروه مجهولا، ولم يعرفوه ليتصرفوا فيه بما يشاءون، وهو المالك لكل شيء، فالأصل أن يكون كله لله تعالى، ويعطى بحكم الله لَا بحكم الهوى كل ذي حق حقه، فهو مقسم الأرزاق وهو الخالق لكل شيء، ولكنهم يذكرون نصيبا، ويعينونه بأنفسهم، وعلى حسب ما تهوى. الثالثة - قولهم (هذا لله بزعمهم) التعبير (بزعمهم) في هذا، والزعم معناه الكذب. أو الظن الذي لَا دليل عليه يفيد أمرين: أولهما - أن ذلك التقسيم فاسد في ذاته لأنهم لَا يملكون تقسيم الأرزاق، بل الذي يملكها؛ لأنه هو بارئها، وهو الله تعالى، ولكنهم يتهجمون على الله، فيقسمون بأهوائهم وأوهامهم، ومع ذلك يغيرون ولا ينفقون بأمر الله في أوجه البر فيعتدون.

стр. 3526

ثانيهما - أن الله تعالى عبر عن أصنامهم بـ (شركائنا) لأنهم لَا يقبلون أن يقولوا لأوثاننا أو أصنامنا، والله تعالى والحق لَا يقبل أن يقال عنهم آلهة، فعبر الله تعالى عنهم بقوله: (وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا) أي للشركاء الذين قلنا إنهم شركاء لله تعالى، وإضافة الشركاء إليهم، لأدنى ملابسة، ولأنهم ابتدعوها، وما أنزل الله بها من سلطان ولكنهم لَا ينفذون ما قرروا فلا يعطون لله ما قرروه، بل يطففون، ولكنهم كما قال الله تعالى: (فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ اٍلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكائِهِمْ). إنها قسمة ضيزى، فينقصون مما هو لله في زعمهم، ويزيدون ما هو لشركائهم، فما يكون لشركائهم يخصصون لها شيئًا غير منقوص، وما يكون لله لا يخصصونه له كاملًا، ويقولون الله غني، وهؤلاء فقراء محتاجون، والله لا يحتاج لشيء، فإذا كان ما خصص للأوثان لَا يكفي سدنتها وخدمتها، وما ينفق حولها لَا يكفيها أخذوا من نصيب الله ليسدوا كل حاجاتها في نظرهم، وكله إنفاق في باطل، لَا خير فيه. وقد روي أنهم كانوا في الحرث، عندما يخرصون ما ينتج، كل زيادة عما خرصوه يكون للأوثان، ولا يكون لله، وإذا كان الماء الذي يسقى به نصب أوثانهم قد ذهب إلى حرث الله عدوه حرثا للأوثان، وإذا كان الماء المخصَّص لحرث الله ذهب إلى حرث أوثانهم جعلوا الخارج لأوثانهم، ولوكان قد سقى بماء الله تعالى، وهذا قد روي عن ابن عباس فقد روي عنه ﵁ أنه قال في تفسير هذه الآية: إن أعداء الله تعالى كانوا إذا حرثوا حرثا أو كانت لهم ثمرة جعلوا لله منها جزءا، وللوثن جزءا، فما كان من حرث أو ثمرة أو شيء من نصيب الأوثان حفظوه، وأحصوه وإن سقط شيء مما سمي للصمد ردوه إلى ما جعلوه للوثن، وإن سبقهم الماء الذي جعلوه للوثن، فسقى شيئا مما جعلوه لله جعلوا ذلك للوثن وإن سقط شيء من الحرث والثمرة التي جعلوها لله فاختلط

стр. 3527

بالذي جعلوه للوثن - قالوا هذا فقير، ولم يردوه إلى ما جعلوه لله، وإن سبقهم الماء الذي جعلوه لله فسقى ما سمي للوثن - تركوه للوثن. تلك إذن قسمة باطلة في مآلها، وفي أصلها، ولعل الذي جعلهم يفرطون في حق الله تعالى، أنهم ماديون، يؤمنون بالمادة وحدها، فظنهم في الوثن ما ظنوا، وهم يرونه ويلمسونه أنساهم الله تعالى فنسوا أنفسهم، فكل شيء يذهب من نصيب الوثن إلى نصيب الله يردونه حرصا عليه، وكل ما يجيء إلى نصيب صنمهم من نصيب الله يحسبون أن الوثن أراده، لمجسقطونه، فضلوا بذلك ضلالا بعيدا. وختم الله تعالى الآية بقوله تعالى: (سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ). (ساء) في معنى التعجب، أي ما أسوأ ما يحكمون به، أي أنه أبلغ الأحكام إساءة، فهو حكم سىء في ذاته، وعندي أن الحكم السيئ أشد من الحكم الظالم؛ لأن الحكم الظالم قد يكون في تطبيفه ظالم، أما الحكم السيئ فإنه في أصله فاسد، وفي تطبيقه ظالم وفاسد. * * *

стр. 3528

(وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ ... (١٣٧) * * * إن الوثنيين تحكمهم أوهام باطلة يتوهمونها، وتسيطر عليهم أهواء ينسبونها إلى أوثانهم الذي سماهم الله شركاءهم، أي الشركاء التي زعموها شريكة لله تعالى في عبادته سبحانه. وكما موهوا عليهم فأرادوا تحت سلطان الوهم أن يجعلوا من الحرث والنسل نصيبا لله، ونصيبا لشركائهم كذلك زيَّن لهم شركاؤهم أي أوثانهم في أوهامهم قتل أولادهم. (زينوا) أي حسنوا وجعلوه كأنهم زينة لهم، يتباهون بها، (شُرَكَاؤُهُمْ)، ونقول في معنى الشركاء: أهم الأوثان أم شياطين الجن الذين تغلغلوا في

стр. 3529

نفوسهم، وشاركوهم في إرادتهم؛ إن قلنا إنهم شياطن الجن الذين وسوسوا لهم، وزينوا لهم قتل أولادهم. كما زينوا لهم أن يجعلوا لله نصيبا مما ذرأ من الحرث والأنعام، فالآيات تسير من غير تأويل لظاهرها. وإن قلنا: إن الشركاء هي الأوثان التي جعلوها شركاء لله تعالى في عبادته فإنها أحجار فكيف تحسن أو تزين، وهي لَا تعقل، ولا تتكلم، ولا تضر ولا تنفع، ونقول إن أوهامهم نحوها من أنها تضر وتنفع وأنهم يريدون إرضاءها، وقد توهموا أنها تطالبهم بذلك، فإن هذا يكون هو التزيين، فوهمهم نحوها هو الذي زين لهم قتل أولادهم، وقدم (قتْل) وهو المفعول على الفاعل وهم (شركاؤهم) لأنه أبلغ في التشنيع، والقتل هو الأمر الذي لَا يبرر. وقال تعالى: (لِكثِيرٍ منَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ) فعبر سبحانه بقوله: (لِكَثِيرٍ منَ الْمُشْرِكِينَ) فلم ينسب إلى كلهم، بل نسب سبحانه إلى كثير منهم، وذلك إنصاف القرآن الكريم في حكاية أفعال العباد، وقتل الأولاد كان عند كثيرين منهم، وقد نص القرآن الكريم من شناعتهم في ذلك في الكثير من آياته، ومنها قوله تعالى: (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٥٩). وقال تعالى: (وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩). وكان بعضهم إذا وصل أبناؤه عددا من الأبناء نذر قتل أحدهم، كما يروى عن عبد المطلب أنه نذر إذا وصل عدد أبنائه إلى عشرة قتل واحدا منهم، فكانت القرعة على عبد الله أبي النبي محمد ﷺ . وكان منهم من يقتل أوِلاده من إملاق أو خشيته، كما قال تعالى: (وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُم مِّنْ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ)، وقال تعالى: (وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ).

стр. 3530

فالذين يدعون إلى منع النسل الآن خشية الإنفاق أو للإملاق يدعون بدعوة الجاهلية لعنهم الله وأخزاهم. وقد ذكر الله تعالى ما توسوس به الأنفس، - والأوهام المسيطرة، ونهاية ما تؤدى إليه فقال سبحانه: (لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ). (اللام) للتعليل أو ما يسمونها لام كي، وهي مع كونها تعليلا هي بيان نتيجة قتل أولادهم، ذلك أن النتيجة أن يوقعوهم في الردى هو الهلاك، فمآل قتل الأولاد سواء أكان بالوأد، أم كان بالقتل خشية الفقر، أو للفقر، وقد يكون ذلك بالعمل على منع النسل، بالعزل أو نحوه، مما سماه النبي ﷺ " الوأد الخفي " (١) فإن ذلك يؤدي إلى منع نسل الأمة، ومنع نسل الأمة هلاك لها، وفناء تدريجي لقوتها، فالولد قوة، والعرب يعتزون بكثرة النفر. وقال تعالى: (وَليَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ) أي ليخلطوا دين إسماعيل الذي كان الحنفية كدين أبيه إبراهيم، بأوهام كاذبة، وبذلك يفسدونه، وقد أفسدوه بالشرك، وأفسدوه أيضا أن أدخلوا فيه ما ليس من الدين ولا بأمر من الله ونهيه، كما فعلوا في جعل نصيب الله تعالى مما ذرأ من الحرث والأنعام، ومن قتل الأولاد، فإن هذا خلط ما ليس بالأصل الديني، وبذلك ضلوا سواء السبيل. (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ) إن الله قدر لهم الضلالة، إذا ستروها، وتركوا الهداية، وسلكوا سبيلها فاختارها الله تعالى لهم، بعد أن اختاروها لأنفسهم، وإن الله لا يظلم الناس شيئا، ولكن الناس أنفسهم يظلمون، وإذا كان الله تعالى قد كتب عليهم ذلك، فعن مشيئته صدر فعلهم، ولو شاء ألا يفعلوه ما فعلوه، ولكنه شاء

стр. 3531

لهم؛ لأنهم اختاروه. وإذا كان تعالى قد شاءه لهم فقد افتروه، وقد أنذرت، وما عليك جناح إذا استمروا على غيهم فذرهم أي فاتركهم مع ما يفترونه، يرتعون في غيه، وما أنت إلا نذير. * * *

стр. 3532

(وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ ... (١٣٨) * * * هذا كلام موصول بما قبله مما ترتب على العقيدة الفاسدة؛ إذ إنه متى فسدت العقيدة فسد الفكر وضلت الأفهام، فلا يصد عن القلب الذي امتلأ بالعقيدة إلا باطل، وكان أظهر مظاهر بطلان العقيدة الفاسدة ما يتعلق بالحرث والأنعام، فإن فرط أوهامهم في الأوثان أثر في حرثهم وأنعامهم، يعطون لها الأكثر ويبقون الأقل. وقالوا بأفواههم جازمين في قولهم مشيرين: (هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ)، أي محجورة وممنوعة ليس لأحد أن يأكل منها، فمعنى حجر محجورة ممنوعة، فهي حجر بمعنى محجور كذبح بمعنى مذبوح ونقض بمعنى منقوض، أي أنهم يشيرون إلى ناحية من الزرع والثمار فيمنعونه، وإلى قدر من الأنعام فيمنعونه، وقرروا أن الأصل فيه المنع، حتى يكون منهم الإذن بأخذه لمن شاءوا، ولكن المنع يكون لمن، ولأجل من؛ قالوا: إنه يمنع لأجل الأوثان تكون لخدمتهم وسدانتهم ومن يكون حولهم، ومن بقي ينفق منهم على من نريد، ويرون أنه ينتفع منه رجالهم دون نسائهم. ومهما يكن فإنهم يقررون أنه ممنوع لَا يقربه أحد إلا من يشاءون، وهذا مؤدى ما قال الله عنهم: (لا يَطْعَمُهَا إِلَّامَن نَّشَاءُ بِزعْمِهِمْ). وهنا عبارتان نقف عندهما قليلا. أولاهما - (لا يَطْعَمُهَا) أي لَا ينال منه أي قدر، ولو بالذوق، إلا من نشاء. الثانية - (بِزَعْمِهِمْ) فإنه بزعمهم أي بافترائهم وظنهم، وهي تدل على أن المنع كان على زعم فاسد منهم، لَا على حق اعتمدوا عليه، ويدل أيضا على أن

стр. 3533

إطعامهم من يشاءون مبني على زعم باطل كاختيار الرجال على النساء، وكاختيار خدام الأوثان على غيرهم. وقد ندد الله تعالى بهذا العمل في قوله تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ لَكُم مِن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرونَ). وإنهم لضلالهم مع علمهم بأن الله تعالى خالق كل شيء وأنه ليس كمثله شيء ما يتخذونه حلالا من طعامهم لَا يذكرون اسم الله تعالى، فهم آثمون فيما يحرمون، وآثمون في تناول ما أحل الله تعالى، ولذا قال تعالى: (وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ) كما حرموا على أنفسهم بعض الحرث والنسل؛ حرموا ركوب بعض الحيوان، ولا يذكرون اسم الله تعالى في الأنعام التي يأكلونها، فمن الأنعام التي حرموا ظهورها، أي لَا تركب مهما كانت الحاجة إلى ركوبها ولو كان هناك من يريد ركوبها يعني قد انقطع، ولا يستطيع: البحيرة والحام، فالبحيرة هي التي نتجت منها خمسة أبطن، وكان آخرها ذكرا، فإنها تبحر أي تشق أذنها، وأعفوا ظهرها من الركوب والحمل، وذاتها من الذبح، ولا ترد عن ماء، ولا تمنع من مرعى. والحام هو الفحل من الإبل يضرب عشرا ونتج، فإذا بلغ ذلك قالوا هذا حام، أي حمى ظهره من الركوب، وقد بينا هذه في سورة المائدة في ربع (جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما). عند تفسير قوله تعالى: (مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ). يحرمون هذا بأوهام سيطرت على أفهامهم، ويقولون هذا من عند الله، وما هو من عند الله أن هذا افتراء افتروه فارتكبوا إثمين؛ إثم تحريم ما أحل الله من الأنعام أكلا وحملا، وإثم افترائهم على الله تعالى بإسناد التحريم إليه، فضلوا ضلالا بعيدا.

стр. 3534

وإذا تناولوا ما أحل الله تعالى ارتكبوا إثما من نوع آخر، وهو ألا يذكروا اسم الله تعالى عليها، وهو الذي خلقها وأحلها، وأنعم بها؛ وإنهم إذ لَا يذكرون اسم الله تعالى يذكرون أسماء الأوثان، وكان كل ذلك افتراء على الله تعالى، ولذا ختم الله تعالى الآية بقوله تعالى في كلامه العظيم: (سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُوا يَفْتَرونَ). أي أن الله تعالى سيجزيهم أشد الجزاء، و (السين) لتأكيد الوقوع في المستقبل، وسيكون جزاء وفاقا بسبب ما كانوا يفترونه، أي يقصدون الكذب فيه، فقد افتروا على الله وأشركوا، وافتروا على الله تعالى وأحلوا ما حرم الله تعالى ونسبوا التحريم إليه، فكان ذلك بهتانا وإثما مبينا. * * *

стр. 3535

(وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ ... (١٣٩) * * * الكلام موصول في بيان ما حرموه على أنفسهم أو بعضهم من الأنعام، وما في بطون هذه الأنعام هي من الإناث؛ لأن الذكور لَا يكون في بطونها شيء يناله الرجال دون النساء، وما في بطونها الذي يحرم على النساء ويباح للرجال خالصة قيل هو اللبن، وقيل هو الحمل، وأرى أنه يشمل الأمرين، وإن كان قوله تعالى: (وَإِن يَكُن مَّيْتَةً) أي إن تجئ به فهم فيه شركاء أي يشترك الذكر والأنثى، يرجح أو يقرب أن المراد الأجنة في الظاهر، ولكنه لَا يمنع أن يكون ما في البطون يشمل الألبان والأجنة معا، وخصت الأجنة بأنها إن نزلت ميتة اشتركوا فيها جميعا. والإشارة في قوله تعالى: (وَقَالُوا مَا فِى بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لذُكُورِنَا) إشارة إلى نوع معين من إناث الأنعام، وقد قال مفسرو السلف إنها البحيرة والسائبة التي لَا ترد عن حوض ماء ولا مرعى، إذا ولدت خمسة أبطن، فإن هذه يكون لبنها، وما في بطنها من حمل للذكور دون الإناث إن نزل حيا وإن نزل ميتا فهم فيه شركاء بمعنى اشترك فيه الذكور والإناث.

стр. 3536

وروى أن لبن الوصيلة والسائبة كان الرجال يشربونه والنساء لَا يأخذن منه شيئا، والوصيلة والسائبة لَا يذبحان بل تتركان حتى تموتا، فإذا ماتت إحداهما أكل منه الرجال والنساء. وإنه يجب إن ننبه هنا إلى أنهم في هذا الإفك الذي يأفكونه يجعلون للمرأة من الطعام الشيء الذي يعاف، ويجعلون للرجل الطيب من الطعام، ولا يحرمونه مما يخص النساء. وقوله تعالى: (وَقَالُوا مَا فِى بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَة (التاء) أي الوصف بالخلوص، فهي تاء للمبالغة، كالتاء في علامة ونسَّابة، وليست تاء التأنيث؛ لأنها خبر لما في البطون، وبدليل ما بعدها، وهو محرم على أزواجنا، وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء. هذا ضلال جاءهم من أوهامهم في أوثانهم وفساد اعتقادهم؛ فإن فساد الاعتقاد يجعل العقل عشا للأوهام وتضل به الأفهام، وقد ختم الله الآية بقوله تعالت حكمته: (سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ) الوصف الذي جعل سببا للجزاء، هو الظلم الذي افتروه في جعل بعض الحرث والنعم لله، والطغيان في نصيب الله تعالى وقتل الأولاد من كثير منهم، وتحريمهم بعض الحرث والنسل إلا من يريدون أن يطعموه، وفي الغالب يحبسونه لأوثانهم إلا من يكون فيما حولهم، هذا هو الوصف، وطغوا في الظلم في ذاته، وشرك في الباعث عليه، وظلم لأنفسهم، وإن قوله تعالى: (سَيجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ) قالوا: إن معناه سيجزيهم بوصفهم، فوصفهم منصوب على نزع الخافض وكان حذف (الباء) فيه بيان أن الجزاء، هو على قدر هذا الوصف، وهو الظلم المبين الذي لَا يمكن إلا أن يكون من الشرك وما حوله. وختم الله تعالى الآية بقوله تعالت حكمته: (إِنَّه حَكِيمٌ عَلِيمٌ) أي أن ذلك الجزاء الحكيم هو من وصفين لله تعالى وهو أنه (حكيم عليم) يضع الأمور

стр. 3537

بمقتضى حكمته وإرادته، وبمقتضى علمه الذي أحاط بكل شيء، وأنه يعلم ما يخرصون، وما تجيش به نفوسهم، وما تنبعث منه أفعالهم، وهو السميع العليم. * * *

стр. 3538

(قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ... (١٤٠) * * * هذا حكم الله تعالى فيهم في الدنيا والآخرة، فقد خسروا أنفسهم وأولادهم وأموالهم في الدنيا، ونالوا العذاب الدائم في الآخرة بافترائهم على الله بزعمهم أن ذلك بأمر من الله، أو رضا منه، والافتراء على الله تعالى عاقبته عذاب أليم، وقوله تعالى: (سَفَهًا) أي بخفة عقول وجهل، ولا علم ولا سبب للعلم. وأى سفه وخفة عقل وعدم تفكير أقبح من أن يقتلوا أولادهم من إملاق أو خشية إملاق، وفي الوقت نفسه يحرمون بعض أموالهم على أنفسهم، كتحريمهم البحيرة والسائبة والحام والوصيلة، إنه جهل مبين، وعقل سفيه، لَا إدراك فيه، وينسبون ذلك إلى الله من غير علم. إن الخسارة في الدنيا واضحة، خسروا أولادهم الذين هم فلذات أكبادهم بوأدهم أو قتلهم من إملاق أو خشية إملاق، وخسروا أموالهم التي حرموها على أنفسهم بأوهامهم، وأنفقوها إسرافا وبدارا على خدمة أوثانهم، وخسروا إيمانهم، إذ أشركوا بالله وافتروا، وأنهم حرموا بالوهم الفاسد، وزعموا أن ذلك تحريم من الله تعالى، وخسروا الحق في ذاته، وأثموا إثما عظيما، مع قتل الأولاد. (وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ) هذا هو الأمر الثاني الذي خسروه، أو كان فيه خسرانهم، بأن رزقهم رزقا، فجعلوا منه حراما، فخسروا ولم ينتفعوا بنعمة الله التي أنعمها، وافتروا على الله، فقالوا بزعمهم الكاذب: إن الله تعالى هو الذي حرمها، وبذلك حكموا أوهامهم فخسروا عقولهم، وسيطرت عليهم أوهام بثها فيهم الشياطين فهم في تحريم ما رزقهم ارتكبوا إثمين: إثم التحريم، وإثم نسبته إلى الله تعالى افتراء عليه، ولذلك كان الخسران في الدنيا، والعقاب في الآخرة، والضلال المبين، ولذا قال تعالى:

стр. 3539

(قَدْ ضَلُّوا وَمَا كانوا مُهْتَدِينَ). حكم الله تعالى عليهم حكمين وأكدهما: أولهما - الحكم عليهم بأنهم وقعوا في الضلال والبعد عن الحقيقة، وقد أكد الضلال بقد، لأن قد تكون في القرآن للتحقيق، سواء أدخلت على الماضي أم على المضارع فلا يكاد في القرآن استعمالها إلا للتحقيق، فلا تكون للتقريب، ولا تكون للتكثير أو التقليل. فالله قد أكد ضلالهم، وأي ضلال أشد من أن يقتلوا أولادهم للإملاق، وفى الوقت نفسه يمنعون ما رزقهم فيقعون في الإملاق. الحكم الثاني أنه سبحانه حكم بأنهم ما كانوا مهتدين، فبين في الحكم ضلالهم وبين في الحكم أنه ليس من شأنهم أن يهتدوا، ولذلك نفي وصف الاعتداء، وأكد ذلك النفي بالجملة الاسمية، وبنفي الوصف عنهم. ونقول هنا إننا بينا أن الخسران في الدنيا والآخرة، وهو في الدنيا واضح بين، وفي الآخرة مؤكد، وقد رأينا بعض المفسرين يقولون إن الخسارة هي في الآخرة لَا في الدنيا، واستدل بقوله تعالى في سورة يوِنس: (قلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْترُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلحُونَ مَتَاعٌ فِى الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كانُوا يَكْفُرُونَ). ولكنا لَا نراها تدل على أن الخسارة في الآخرة فقط، وفوق ذلك إن الآية السامية التي نتكلم في معناها السامي، قد شملت قتل الأولاد وتحريم ما رزق الله تعالى افتراء، أما هذه الآية التي ساقها المفسر الفاضل فإنها في اتخاذ الولد ونسبته إلى الله بدليل الآية التي قبلها، إذ يقول الله تعالى: (قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦٨) قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ... )، إلى آخر الآية الكريمة. . فكان بمقتضى النسق البياني للقرآن أن يكون العقاب الأخروي. أما في الآية التي نتكلم في معناها فواضح أنهم خسروا في الدنيا بقتل أولادهم سفها بغير علم، وتحريم ما أحل الله تعالى وافتراءً على الله تعالى.

стр. 3540

وإنه من أقبح ما يتصور الإنسان من سفه الأحلام قتل أولادهم، وخصوصا وأد البنات، إنهم خسروا بذلك خسرانا مبينا. وقد جاء في تفسير القرطبي: روى أن رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ ، كان لَا يزال مغتما بين يدي رسول لله، فقال له رسول الله ﷺ : ما لك تكون محزونا، فقال يا رسول الله: إني أذنبت ذنبا في الجاهلية، فأخاف ألا يغفره الله، وإن أسلمت، فقال ﷺ : أخبرني عن ذنبك، قال: يا رسول الله إني كنت من - الذين يقتلون بناتهم، فولدت لي بنت فتشفعت إليَّ امرأتي أن أتركها، فتركتها، حتى كبرت وأدركت، وصارت من أجمل النساء، فخطبوها، فدخلتني الحمية، ولم يحتمل قلبي أن أزوجها أو أتركها في البيت بغير زوج، فقلت للمرأة: إني أريد أن أذهب إلى قبيلة كذا في زيارة أقربائي، فابعثيها معي، فسرَّت بذلك، وزينتها بالثياب والحلي، وأخذت عليَّ المواثيق بألا أخونها، فذهبت إلى رأس بئر، فنظرت في البئر ففطنت الجارية أني أريد أن ألقيها في البئر، فالتزمتني، وجعلت تبكي وتقول: يا أبت أيْش تريد أن تفعل بي، فرحمتها، ثم نظرت في البئر فدخلت عليَّ الحمية، ثم التزمتني وجعلت تقول: يا أبت لَا تضيع أمانة أمي فجعلت مرة أنظر في البئر، ومرة أنظر إليها أرحمها، حتى غلبني الشيطان، فأخذتها وألقيتها في البئر معكوسة، وهي تنادي في البئر: يا أبت قتلتني، فكنت هناك حتى انقطع صوتها، فرجعت، فبكى رسول الله ﷺ ، وأصحابه وقال: " إن الله لرءوف، لو أمرت أن أعاقب أحدا بما كان في الجاهلية لعاقبتك " (١). هذه قصة مثيرة، ولا بد أنها كانت تقع من الجاهليين، سواء أصحت هذه الرواية بالذات أم لم تصح، فكيف لَا تكون الخسارة في الدنيا بهذا الطيش الجاهل، رحم الله أمثال هذه الفتيات. * * *
следующие страницы →