← Тафсир

Тафсир · id 37071

زهرة التفاسير

محمد أبو زهرة

Полный текст (8 373 стр.). Показаны 3536–3575 · переход к 3541.

стр. 3536

وروى أن لبن الوصيلة والسائبة كان الرجال يشربونه والنساء لَا يأخذن منه شيئا، والوصيلة والسائبة لَا يذبحان بل تتركان حتى تموتا، فإذا ماتت إحداهما أكل منه الرجال والنساء. وإنه يجب إن ننبه هنا إلى أنهم في هذا الإفك الذي يأفكونه يجعلون للمرأة من الطعام الشيء الذي يعاف، ويجعلون للرجل الطيب من الطعام، ولا يحرمونه مما يخص النساء. وقوله تعالى: (وَقَالُوا مَا فِى بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَة (التاء) أي الوصف بالخلوص، فهي تاء للمبالغة، كالتاء في علامة ونسَّابة، وليست تاء التأنيث؛ لأنها خبر لما في البطون، وبدليل ما بعدها، وهو محرم على أزواجنا، وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء. هذا ضلال جاءهم من أوهامهم في أوثانهم وفساد اعتقادهم؛ فإن فساد الاعتقاد يجعل العقل عشا للأوهام وتضل به الأفهام، وقد ختم الله الآية بقوله تعالت حكمته: (سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ) الوصف الذي جعل سببا للجزاء، هو الظلم الذي افتروه في جعل بعض الحرث والنعم لله، والطغيان في نصيب الله تعالى وقتل الأولاد من كثير منهم، وتحريمهم بعض الحرث والنسل إلا من يريدون أن يطعموه، وفي الغالب يحبسونه لأوثانهم إلا من يكون فيما حولهم، هذا هو الوصف، وطغوا في الظلم في ذاته، وشرك في الباعث عليه، وظلم لأنفسهم، وإن قوله تعالى: (سَيجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ) قالوا: إن معناه سيجزيهم بوصفهم، فوصفهم منصوب على نزع الخافض وكان حذف (الباء) فيه بيان أن الجزاء، هو على قدر هذا الوصف، وهو الظلم المبين الذي لَا يمكن إلا أن يكون من الشرك وما حوله. وختم الله تعالى الآية بقوله تعالت حكمته: (إِنَّه حَكِيمٌ عَلِيمٌ) أي أن ذلك الجزاء الحكيم هو من وصفين لله تعالى وهو أنه (حكيم عليم) يضع الأمور

стр. 3537

بمقتضى حكمته وإرادته، وبمقتضى علمه الذي أحاط بكل شيء، وأنه يعلم ما يخرصون، وما تجيش به نفوسهم، وما تنبعث منه أفعالهم، وهو السميع العليم. * * *

стр. 3538

(قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ... (١٤٠) * * * هذا حكم الله تعالى فيهم في الدنيا والآخرة، فقد خسروا أنفسهم وأولادهم وأموالهم في الدنيا، ونالوا العذاب الدائم في الآخرة بافترائهم على الله بزعمهم أن ذلك بأمر من الله، أو رضا منه، والافتراء على الله تعالى عاقبته عذاب أليم، وقوله تعالى: (سَفَهًا) أي بخفة عقول وجهل، ولا علم ولا سبب للعلم. وأى سفه وخفة عقل وعدم تفكير أقبح من أن يقتلوا أولادهم من إملاق أو خشية إملاق، وفي الوقت نفسه يحرمون بعض أموالهم على أنفسهم، كتحريمهم البحيرة والسائبة والحام والوصيلة، إنه جهل مبين، وعقل سفيه، لَا إدراك فيه، وينسبون ذلك إلى الله من غير علم. إن الخسارة في الدنيا واضحة، خسروا أولادهم الذين هم فلذات أكبادهم بوأدهم أو قتلهم من إملاق أو خشية إملاق، وخسروا أموالهم التي حرموها على أنفسهم بأوهامهم، وأنفقوها إسرافا وبدارا على خدمة أوثانهم، وخسروا إيمانهم، إذ أشركوا بالله وافتروا، وأنهم حرموا بالوهم الفاسد، وزعموا أن ذلك تحريم من الله تعالى، وخسروا الحق في ذاته، وأثموا إثما عظيما، مع قتل الأولاد. (وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ) هذا هو الأمر الثاني الذي خسروه، أو كان فيه خسرانهم، بأن رزقهم رزقا، فجعلوا منه حراما، فخسروا ولم ينتفعوا بنعمة الله التي أنعمها، وافتروا على الله، فقالوا بزعمهم الكاذب: إن الله تعالى هو الذي حرمها، وبذلك حكموا أوهامهم فخسروا عقولهم، وسيطرت عليهم أوهام بثها فيهم الشياطين فهم في تحريم ما رزقهم ارتكبوا إثمين: إثم التحريم، وإثم نسبته إلى الله تعالى افتراء عليه، ولذلك كان الخسران في الدنيا، والعقاب في الآخرة، والضلال المبين، ولذا قال تعالى:

стр. 3539

(قَدْ ضَلُّوا وَمَا كانوا مُهْتَدِينَ). حكم الله تعالى عليهم حكمين وأكدهما: أولهما - الحكم عليهم بأنهم وقعوا في الضلال والبعد عن الحقيقة، وقد أكد الضلال بقد، لأن قد تكون في القرآن للتحقيق، سواء أدخلت على الماضي أم على المضارع فلا يكاد في القرآن استعمالها إلا للتحقيق، فلا تكون للتقريب، ولا تكون للتكثير أو التقليل. فالله قد أكد ضلالهم، وأي ضلال أشد من أن يقتلوا أولادهم للإملاق، وفى الوقت نفسه يمنعون ما رزقهم فيقعون في الإملاق. الحكم الثاني أنه سبحانه حكم بأنهم ما كانوا مهتدين، فبين في الحكم ضلالهم وبين في الحكم أنه ليس من شأنهم أن يهتدوا، ولذلك نفي وصف الاعتداء، وأكد ذلك النفي بالجملة الاسمية، وبنفي الوصف عنهم. ونقول هنا إننا بينا أن الخسران في الدنيا والآخرة، وهو في الدنيا واضح بين، وفي الآخرة مؤكد، وقد رأينا بعض المفسرين يقولون إن الخسارة هي في الآخرة لَا في الدنيا، واستدل بقوله تعالى في سورة يوِنس: (قلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْترُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلحُونَ مَتَاعٌ فِى الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كانُوا يَكْفُرُونَ). ولكنا لَا نراها تدل على أن الخسارة في الآخرة فقط، وفوق ذلك إن الآية السامية التي نتكلم في معناها السامي، قد شملت قتل الأولاد وتحريم ما رزق الله تعالى افتراء، أما هذه الآية التي ساقها المفسر الفاضل فإنها في اتخاذ الولد ونسبته إلى الله بدليل الآية التي قبلها، إذ يقول الله تعالى: (قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦٨) قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ... )، إلى آخر الآية الكريمة. . فكان بمقتضى النسق البياني للقرآن أن يكون العقاب الأخروي. أما في الآية التي نتكلم في معناها فواضح أنهم خسروا في الدنيا بقتل أولادهم سفها بغير علم، وتحريم ما أحل الله تعالى وافتراءً على الله تعالى.

стр. 3540

وإنه من أقبح ما يتصور الإنسان من سفه الأحلام قتل أولادهم، وخصوصا وأد البنات، إنهم خسروا بذلك خسرانا مبينا. وقد جاء في تفسير القرطبي: روى أن رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ ، كان لَا يزال مغتما بين يدي رسول لله، فقال له رسول الله ﷺ : ما لك تكون محزونا، فقال يا رسول الله: إني أذنبت ذنبا في الجاهلية، فأخاف ألا يغفره الله، وإن أسلمت، فقال ﷺ : أخبرني عن ذنبك، قال: يا رسول الله إني كنت من - الذين يقتلون بناتهم، فولدت لي بنت فتشفعت إليَّ امرأتي أن أتركها، فتركتها، حتى كبرت وأدركت، وصارت من أجمل النساء، فخطبوها، فدخلتني الحمية، ولم يحتمل قلبي أن أزوجها أو أتركها في البيت بغير زوج، فقلت للمرأة: إني أريد أن أذهب إلى قبيلة كذا في زيارة أقربائي، فابعثيها معي، فسرَّت بذلك، وزينتها بالثياب والحلي، وأخذت عليَّ المواثيق بألا أخونها، فذهبت إلى رأس بئر، فنظرت في البئر ففطنت الجارية أني أريد أن ألقيها في البئر، فالتزمتني، وجعلت تبكي وتقول: يا أبت أيْش تريد أن تفعل بي، فرحمتها، ثم نظرت في البئر فدخلت عليَّ الحمية، ثم التزمتني وجعلت تقول: يا أبت لَا تضيع أمانة أمي فجعلت مرة أنظر في البئر، ومرة أنظر إليها أرحمها، حتى غلبني الشيطان، فأخذتها وألقيتها في البئر معكوسة، وهي تنادي في البئر: يا أبت قتلتني، فكنت هناك حتى انقطع صوتها، فرجعت، فبكى رسول الله ﷺ ، وأصحابه وقال: " إن الله لرءوف، لو أمرت أن أعاقب أحدا بما كان في الجاهلية لعاقبتك " (١). هذه قصة مثيرة، ولا بد أنها كانت تقع من الجاهليين، سواء أصحت هذه الرواية بالذات أم لم تصح، فكيف لَا تكون الخسارة في الدنيا بهذا الطيش الجاهل، رحم الله أمثال هذه الفتيات. * * *

стр. 3541

(وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (١٤١) وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٤٢) * * * ذكر الله تعالى أحوال أولئك الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم، وحرموا على أنفسهم ما رزقهم الله من بهيمة الأنعام ونسبوا التحريم إلى الله تعالى افتراء، ثم ذكر سبحانه من بعد ذلك بطلان التحريم من خلق الله تعالى للنبات والنعم، مع ذكر نعمته في النبات والأشجار مما كان يدعوهم إلى التوحيد، والإيمان بالله وحده بدل أن يشركوا به، ويفتروا على الله بأوهامهم، فقال تعالى:

стр. 3542

(وَهُوَ الَّذِى أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ). الضمير يعود على الذات العلية، و (أنشأ) معناها خلق، وعبر هنا بكلمة (أنشأ) لبيان أنهم لم ينشئوها؛ فإن إشراف أصحابها عليها يجعلهم يتوهمون أنها نشأت بفعلهم، وإشرافهم فهم الذين غرسوا غرسها، وهم الذين بذروا حبها، وهم الذين حرثوا أرضها، وهم الذين رعوها وسقوها وأبرأوها، وسمدوها إلى غير ذلك. فنبههم الله أنه الذي أنشأها، ونماها، وأنزل لها الماء الذي يحييها، فإن الماء يسير من جذورها، ويعلو بقدرة الله، ثم

стр. 3543

ينحدر وينزل، حتى يصل إلى أعلاها، فتكون غصون الأشجار، وأوراق الزروع والثمار، وترى فيها ريق الماء، إذا سقيت، وما ذلك إلا بتصريف الحكيم. إن الذي أنشأ الأشجار، وأنشأ الزروع والثمار هو الله تعالى، فما كانت الأرض لتخرج الغرس وحدها، ولتخرج الزروع والثمار وحدها، وإنما يخرجها الله تعالى فهو الله تعالى الذي ينشئها. وقوله تعالى: (مَّعْروشَات)، أي لها مما يشبه العرش يقام على سيقان، كما في الكروم التي تقام على سيقان من الخشب، وأحيانا شبه العروش من غير ما يقام عليه إلا جذور الأشجار، كأشجار البرتقال وغيره مما يشبهه، فإنك إذ تراها متلاحمة تكون كالمعروشات القائمة على العروش، وغير المعروشات، كالأشجار التي تعلو وحدها. (وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِه). خص هذه بالذكر، لما لها من أهمية في حاجة الناس، فالنخل قوت وفاكهة، والزرع فيه غذاء الإنسان والحيوان، والحيوان فيه غذاء الإنسان، وكل هذه من نعم الله تعالى ما أنشأناها، ولكن أنشاها خالق هذا الوجود فهو الذي يتولاها في نموها من حبة فلقها، أو نواة شقها، إلى أن تصير نباتا غلظ سوقه، أو نخلة عالية، والزيتون والرمان متشابها في ورقه، فورق الرمان كورق الزيتون يتشابهان، ولكن ثمرتهما مع التشابه في الورق والأغصان لَا تتشابهان. وقوله تعالى (مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ)، الأكل الطَعْم، وتناوله، فهو مختلف في ذوقه وإن تشابه نموه، وعناصر الأرض التي يتغذى منها، والأسمدة التي تنميه واحدة. وإن هذا التنويع في التكوين وإشباع الحاجات الإنسانية يدل على فاعل مختار فعال لما يريد، ولنستعرض في هذا المقام كلمات كتبها القرطبي في تفسيره، فقد قال رحمه الله تعالى:

стр. 3544

وفى هذه الآية أدلة ثلاثة أحدها - أن التغيرات لَا بد لها من مغير. الثاني - على المنة علينا، فلو شاء إذ خلقنا ألا يخلق لنا غذاء، وإذا خلقه ألا يكون جميل المنظر طيب الطعم، وإذا خلقه كذلك ألا يكون سهل الجني، فلم يكن أن يفعل ذلك ابتداء؛ لأنه لَا يجب عليه شيء. الثالث - على القدرة في أن يكون الماء الذي من شأنه الرسوب يصعد بقدرة الواحد علام الغيوب من أسافل الشجرة إلى أعاليها، حتى إذا انتهى إلى آخرها أنشأ فيها أوراقا ليست من جنسها، وثم خارج، من صفته الجرم الوافر، واللون الزاهر، والجني الجديد، والطعم اللذيذ، فأين الطبائع وأجناسها، وأين الفلاسفة وأناسها، هل في قدرة الطبيعة أن تتقن هذا الإتقان، أو ترتب هذا الترتيب العجيب، فلا يتم ذلك في العقول إلا لحي عالم قدير مريد، فسبحان من له في كل شيء آية، ونهاية. وإن هذا الكلام كما ترى يتجه إلى أمرين هما أساس التوحيد: أولهما - أن الله تعالى خلق كل شيء بإرادته المختارة، وثانيهما - أنه قائم على هذا الوجود، وأنه وحده الذي يَربّهْ، ويدبر أمره، وهو الحي القيوم الذي لَا يماثله أحد فيه، ولو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا، فسبحان الله رب العرش عما يصفون. (كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ). قوله تعالى: (كلُوا مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ) الأمر فيه للإباحة؛ لأن الأكل من جنس الثمر ليس بواجب، ولكنه مباح، وقوله تعالى: (إِذَا أَثْمَرَ)، إشارة إلى وقت الإباحة، فهو إباحة وإرشاد بألا يأكل قبل أوان الإثمار فإن ذلك قد يضر ولا ينفع؛ لأن الفج من الثمار يضر الأجسام ولا يفيدها، فوق ذلك أنه إتلاف لَا فائدة (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) أهو الأمر فيه للندب أم للوجوب، ومن المؤكد أنه ليس للإباحة؛ لأن أشعبير بحقه، يفيد أن الإيتاء لصاحب الحق، والإيتاء لصاحب الحق في المال لَا يمكن أن يكون مخيرا فيه بين الإعطاء والمنع، وقد اختلف الفقهاء؛ أهو واجب فتكون زكاة المال قد ثبتت قبل الهجرة، مع أن الثابت أن

стр. 3545

الزكاة فرضت بعد الهجرة في السنة الثانية، كذلك قال بعض الفقهاء، أو زعموا أن الآية مدنية. والحق أن هذا الحق في المال ثبت في مكة، ولكن لم تشرع الزكاة التي تعد فريضة، ومصارفها التي جمعها ولي الأمر إلا في المدينة، حيث قامت الدولة الإسلامية التي تجمعها، أما في مكة حيث ثبت الإسلام ثبتت الصدقات حقا للفقراء والمساكين والسائل والمحروم، فلقد قال تعالى في سورة المعارِج وهي مكية وصفا للمؤمنين (وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (٢٣) وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (٢٦). فالصدقات كانت مفروضة في الأموال، وخصوصا في الزروع والثمار، وإن كان ولي الأمر لَا يجمعها، لأنه لم يكن للمؤمنين دولة تجمعها، إذ كانوا مستضعفين في الأرض، فلما كانت السنة الثانية بعد الهجرة نظمت وعمت الأموال التي يكون لها نماء بالفعل أو القوة، وإن حق الفقراء في الزروع والثمار كان معروفا قبل الهجرة، ونظم الجمع، وعمم بعدها. واقرأ ما جاء في قول الله ﵎ في ابتلاء أهل حديقة: (إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (١٧) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (١٨) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠) فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١) أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ (٢٢) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (٢٣) أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (٢٤) وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (٢٥) فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (٢٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٢٧) قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (٢٨) قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٢٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (٣٠) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (٣١) عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (٣٢). إن هذه الآيات الكريمة تدل على أنه قبل الهجرة كان المؤمنون يشعرون بأن في الزرع والثمار حقا للسائل والمحروم كانوا يشعرون بذلك مؤمنين بهذا الحق.

стр. 3546

وإن الآية الكريمة تدل على هذا وتدعو إليه، وتحث عليه، وهذا الحق كان المؤمنون يقومون به ويؤدونه من غير أن يجمعه حاكم، ولا يتولاه ولي للصدقات؛ لأنه لم تكن الدولة الإسلامية هي المهيمنة في مكة، فلما كانت الهجرة في السنة الثانية وجد نظام جمع الزكاة، ونظام صرفها، وتولت الدولة جمعها وصرفها. ولذا نقول إن الآية مكية، ولا نسخ فيها بعموم ولا خصوص، وحكمها داخل في فرضية الزكاة الذي ثبت في المدينة تنظيمه، ولذا نرجح أن الأمر هنا للوجوب. وقوله تعالى: (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) أي يوم صرمه وقطعه، وسماه الله تعالى حق الزرع فقال (حقه) أي الحق الواجب فيه، فالصدقة حق المال، وواجب فيه أي أن المال ينتفع منها، فهي تزكيه وتنميه وتطهره، وهي أيضا حق السائل والمحروم، فهي حق الفقير لتسد حاجته، وحق المال لتطهره وتنميه، ويكون طيبا. (وَلا تُسْرِفُوا إِنَّه لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ). هذا عطف على قوله تعالى: (كلُوا مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ) فالعطف على إباحة أكل الثمار، فهو إذ أباح أكل الثمار وأمر بإعطاء حق المال يوم قطعه، لقد نهى عن الإسراف، والإسراف معناه الإنفاق في غير موضعه أو الأكل من غير حاجة، كقوله تعالى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تسْرِفوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِين). وإن النهي عن الإسراف ظاهر في أنه منع من الإسراف في الأكل في الثمر، إذا أثمر، بأن يأكلوا فوق طاقتهم، أو أن يبيعوه وينفقوا ثمنه إسرافا وبدارا، أو أن يوزعوه على من يستحق ومن لَا يستحق، أو إعطاء الكثير لمن يستحق القليل، وبعض المفسرين يعمم النهي عن الإسراف، فيمنعه على من يأكل الثمار إذا أثمرت، وعلى إيتائه حقه يوم حصاده، ومن الإسراف في ذلك أن يدع قرابته فقراء ويعطي غيرهم، فابدأ بنفسك ثم بمن تعول، وقالوا: إن النهي عن الإسراف

стр. 3547

يشمل الولاة الذين يجمعون الصدقات، ويأخذون أكثر من حق الله فيه، ولقد روى أن النبي ﷺ قال: " المعتدي في الصدقة كمانعها " (١). وقد ختم الله النهي عن الإسراف ببيان سببه، فقأل تعالى: (إِنَّهُ لَا يحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) أي النهي سببه أن الله ﷻ لَا يحبه، فيغضب الله تعالى ممن يسرف بمجاوزة حق الإنفاق، وبوضع المال في غير موضعه، وبأخذ الصدقات مسرفا في الأخذ؛ لأنها إذا أخذ منها أكثر من حقها، فهو كمانعها، والله رءوف رحيم. * * *

стр. 3548

(وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ... (١٤٢) * * * (الواو) عاطفة على قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِى أَنشَأَ جَنَّات مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَات) أي: وأنشأ لكم من الأنعام حمولة وفرشا وطعاما ولحما طريا، فهي ذكر لآلاء الله تعالى ونعمه في خلقه إذ هيأ لهم أسباب الهناء التي أحل فيها طيباته ومكنكم منها. و (الأنعام) جمع نعم، وهي الإبل والبقر والغنم، وما شاكلها مما يؤكل، وينتفع به الإنسان، وجعل الله تعالى منه (حمولة)، وهي ما يحمل عليها، و (فرشا) وهي ما يذبح بأن يفرش ويذبح، وما يتخذ من أصوافها وأوبارها وأشعارها فرشا، وهذه تشمل النعم التي تذبح، والغنم والعجول التي لَا تبلغ القدرة على حمل الأشياء، بل تذبح ويؤكل لحمها، وتسمى العجول، والغنم فَرْشا؛ لأنه يفرش ويذبح كما ذكر، ولأنها قريبة من الأرض، وقد جعلها الله فراشا، وقد قال تعالى في ذلك: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (٧٢). (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا

стр. 3549

لِلشَّارِبِينَ)، وهكذا كانت آيات الله تعالى تتلى، مبينة نعمة الله في الأنعام يتخذ منها حمولة، ومنها فرش يذبح، ومنها فرش يفرش من أصوافها وأوبارها وأشعارها متاعا إلى حين انتهاء الدنيا. ولأن الفرش منها الغنم، ونسل الأنعام الذي يذبح، قال تعالى بعد ذلك: (كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ). والمعنى إذا كان الله تعالى قد خلقها فرَشا يذبح، فكلوا منه، لأنه رزق الله، ورزق الله تعالى يُقبل لأنه عطية الله، ويُشكر عليه، فلا تجعلوا مما رزقكم الله حلالا وحراما كما يفعل الذين يتبعون خطوات الشيطان، والأمر هنا للإباحة، والترغيب في تناول الحلال، وقد قلنا إن أوامر الإباحة تكون فيها الإباحة بالجزء وهي مطلوبة بالكل، فليس للإنسان أن يمتنع عن المباحات، ويترك تناولها، ولا يتركها كلها. وقد كان بعض العرب يتصدقون بأكثر ما ينتج غرسه، فنهى الله تعالى عن الإسراف وقال: (كلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ). (وَلا تَتَّبِعوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُو مُّبِينٌ). الخطوات ما بين الأقدام، والمراد النهي عما يوسوس به الشيطان، وتجنبه بألا يسير سيره الذي يزين به الشر، وفي الكلام مجاز مشهور، والمجاز المشهور تنسى فيه العلاقة والقرائن، وكأنه حقيقة، ومؤدى المجاز تشبيه من يطيع الشيطان فيما يوسوس بالسائر وراء إنسان يتبعه خطوة خطوة، لَا يحيد عن طريقه، ولا يترك طريق الشر الذي يسيو فيه. وقد علل النهي بأنه عدو بَيِّن العداوة وبيانها ببيان آثارها ونتائجها، وليس معنى (مبين) أنه بَيِّن واضح عند السير وراءه، إنما هو بين في نتائجه وغوايته. واتباع خطواته هو ما كان عليه الجاهليون فيما رزقهم الله تعالى فحرموا بعضه، بغير ما حرم الله، حرموا السائبة والوصيلة والحام بغير ما أنزل الله،

стр. 3550

وجعلوا لله نصيبا مما خلق، وللشيطان نصيبا في الأوثان التي زينها لهم، وزين لهم قتل أولادهم، وزين لهم أكل الميتة، وما ذبح على النصب، وما أهل لغير الله تعالى به، وهو فسق، وخروج عن طاعة الله الذي يلجأون إليه في الشدة، والبأساء والضراء. ولقد أخذ يبين ضلالهم فيما يحرمون على أنفسهم بوسوسة الشيطان، وينقض زعمهم فقال: * * * (ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٤٣) وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٤٤) * * * نهى الله تعالى بالنسبه لما رزق الله تعالى - المكلفين أن يتبعوا خطوات الشيطان، وما يزينه للذين يفتحون قلوبهم لوسوسته، وآذانهم لسماع دعاته وأتباعه، وقد زين لهم أن يحرموا بعض الثمرات والزروع ويجعلوا جزءا لله، وجزءا لأوثانهم، وتطيش فيعتدون على ما جعلوه لله، ويحمون ما جعلوه لأوثانهم وحرموا بعض الأنعام، حرموا الوصيلة والسائبة والحام والبحيرة، وقد بينا ما يريدون من هذه الألفاظ من مسميات في موضعها في سورة المائدة في ربع

стр. 3551

(جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ) عند الكلام في معنى قوله تعالى: (مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَة وَلا حَامٍ. . .)، وفي هذه الآية وما بعدها يبين الله تعالى أنه لَا سند من عقل ولا نقل جعل بعض هذه الأنعام محرما، فقال تعالى:

стр. 3552

(ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ). (ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ) عطف على (أَنشَأَ)، أو مفعول لفعل محذوف، وإذا كان التأويل فهي منصوبة، والأزواج جمع زوج، والزوج يطلق على كل فرد يقابله درد آخر، ويقال لكل واحد منهما زوج، ويقال لمجموعهما زوج، وعدّ الله تعالت كلماته، ثمانية: اثنان من الضأن ذكر وأنثى، واثنان من الماعز ذكر وأنثى، واثنان من الإبل، فحل، وناقة، واثنان من البقر ثور وبقرة، والضأن ذكره كبش، وأنثاه نعجة، والماعز ذكره تيْس أو جدي، وأنثاه معزة. فهذه هي ثمانية أزواج عدا، وقد سلك القرآن في احتجاجه عليهم مسلك الجمع والإفراد، فبين أن التحريم في الرزق يكون لخبث في ذاته اقتضى تحريمه، وأن التحريم يكون من الله تعالى مانح الأرزاق والوجود، وقد ادعوا تحريمهم لما حرموا بوسوسة الشيطان أنه من الله تعالى، متتبعا تحريمهم، فقال تعالى: (آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ) أي كل زوج من المحرمات حرم الذكرين منها كالكبش والجدي فتحرم الذكور كلها، ولكنكم لم تحرموها كلها، بل خصصتم بعضها (أَمِ الأُنثَيَيْنِ) منها فحرم النعجة والمعزة، وكان يجب أن تحرم كل الإناث، ولكنكم حرمتم بعضها، وتركتم الآخر، وعلى ذلك لَا يكون التحريم بسبب في ذاتها أو ما اشتملت أرحام الأنثيين أي المواليد ذكورا وإناثا فيحرم الجميع، ولكن خصصتم فلا يكون سببه التحريم لذاتها، ولا بسبب من النقل، فبينوا ما اعتمدتم عليه من العلم إن كنتم صادقين، ولذا قال تعالى:

стр. 3553

(نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِن كنتمْ صَادِقِينَ). وإنه بعد البيان الصادق الذي ذكر أولا، يكون قوله تعالى: (نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ) من قبيل التهكم بهم؛ إذ لَا دليل عندهم، وطلبه بعد بطلان وجوده تهكم به أو تعجيز لهم، والعجز عن إقامة الدليل في وقت الاحتجاج تسليم بالمدعى بحكم المنطق المستقيم والتفكير القويم. وقوله تعالى: (إِن كنتُمْ صَادِقِينَ) التعليق بـ (إنْ) فيه إشارة إلى أنهم لا صدق عندهم وأنهم يفترون على الله تعالى فيما يدعون، وقوله تعالى: (نَبِّئونِي) النبأ الخبر العظيم، وهذا عظيم في زعمهم. * * *

стр. 3554

(وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ ... (١٤٤) * * * هذه هي أربعة الأزواج بعد الأربعة الأولى فتكون عدتها ثمانية، قال تعالى: (قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأنثَيَيْنِ) أحرم الفحل من الإبل والثور من البقر، أم حرم الأنثيين من الأربعة، فحرم الناقة من الإبل، والبقرة من البقر، فإن كان التحريم للذكرين يشمل الذكور كلها، فإن التحريم على الإناث شمل الإناث كلها. أما وقد حرمتم بعضها دون بعضها، فإنه لَا يمكن التحريم لأمر ذاتي فيها، ولا لأمر نقلي، فلا دليل من عقل ولا نقل. وإذا كان التحريم للمواليد كلها ذكورا وإناثا، وهي ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين، فإنه بمقتضى عموم القول. يكون التحريم لجميع المواليد من البقر والإبل، ولكنكم تحرمون بعضها دون بعض، فلا يمكن أن يكون التحريم لخبث فيها؛ لأن الخبث إن كان سبب التحريم، فهو يعم ولا يخص، فلا يمكن أن يكون التحريم بسبب في ذاتها، ولا لنقل نقلتموه، وإن ادعيتم ذلك فأنتم تكذبون على الله في ذلك، ولا دليل عندكم على التحريم من قبل الله، بل هو اتباع الشيطان، وتزيينه لكم حتى صار ذلك هواكم، وغلبتكم الأوهام؛ ولذا قال تعالى:

стр. 3555

(أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا) طالبهم الله تعالى أن يأتوا بعلم يقيني جازم من النقل يدل على تحريم ما حرموه، وقد جاءت النصوص بإباحة الجميع، ثم عدل متهكما عليهم بأن ذكرهم بأنهم قد يدعون أنهم شاهدوا وعاينوا، ولذلك قال تعالى: (أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ) و (أم) فيها معنى الإضراب عما طلب أولا، ثم ذكر أنهم قد يدعون أنهم كانوا حاضرين إذ وصاهم الله تعالى، والله علم من وصى بهذا، وهذا تهكم عليهم، فإنهم ينكرون الوحي، ولا يدعونه لأنفسهم أنهم أوحى إليهم، ولكنها وسوسة الذي أوجد فيهم أوهاما زينت لهم ما فعلوا. وهكذا نجد النص القرآني سلك سبيل الاستقراء والسير والتقسيم فاستقرأ معهم سبب التحريم وإن كان الذكورة فهي تعم الذكور، وإن كان الأنوثة فهي تعم الإناث، وإن كانت الولادة فهي تعم المواليد، ولكنهم يخصون، فطالبهم بدليل من علم، فما عندهم، فسألهم أهم عاينوا ووصاهم الله فهم بلا ريب كاذبون، وهذه هي نتيجة الاستدلال، فهم كاذبون على الله تعالى، ولذا قال سبحانه بعد ذلك: (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كذِبًا لِّيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ). الفاء لترتيب ما بعدها على معنى ما قبلها، والمعنى إذا كانوا قد كذبوا على الله تعالى، وادعوا أن الله حرمها، فهم ظالمون مفترون ومن أشد ظلما ممن يفتري على الله كذبا ليضل الناس، ومن استفهامية، وهي للإنكار، لإنكار الوقوع، إذ معناه، لَا أحد أظلم ممن افترى على الله كذبا، أي قصد الكذب على الله تعالى بادعاء أن الله تعالى حرم بعض ما رزقهم الله، وهو لم يحرم، وفي ذلك مع النفي توبيخ لهم، لأنهم فعلوا ما استنكر أشد الاستنكار. وإن ظلمهم مركب من أمرين، أولاً لأنهم كذبوا على الله وقصدوا الكذب، والثاني أنه أضل الناس بهذا الكذب على الله، فقال إنه تحريم من الله، وليس من الله في شيء إلا أوهامهم الضالة. وذلك الظلم والإضلال أوضح ما يكون في كبرائهم الذين أضلوا ضعفاءهم، وقد ختم الله سبحانه الآية بقوله تعالى:

стр. 3556

(إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) إنه بعد أن بين ظلمهم في تحريم ما أحل الله تعالى لهم، وجعلوا ما رزقهم سبحانه منه حلالا ومنه حراما وظلمهم في الكذب على الله تعالى بادعاء أن التحريم كان بأمره، وظلمهم للناس بإضلالهم بغير علم، ذكر سبحانه قضية عامة وهي أن الله لَا يهدي الظالمين؛ لأن الظالم إذا سلك سبيل الظلم والتضليل استمرأه واستطال على الناس، وركبه الطاغوت، وأظلمت نفسه، وأصاب قلبه ظلام لَا نور فيه، فلا يهتدي ولا يَرْعَوي، وقد بين الله تعالى، وأكد أن الظالمين لَا يهتدون فقال (إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) وقد أكد ذلك بالجملة الاسمية، و (إن)، وبنفي الهداية عن القوم الظالمين، وكان نفي الهداية من الله تعالى عن القوم الظالمين لأنهم بسيرهم في طريق الظلم قد سدوا باب الهداية عن أنفسهم، وذكر سبحانه نفي الهداية عن القوم الظالمين دون أن ينفيه هنا عن الواحد للظالمين؛ لأن الظالمين يعاون بعضهم على الظلم، فيتكون منهم رأي عام ظالم يبرر الظلم ويرتضيه، ويشجع عليه، ويتعاونون فيه على الإثم والعدوان بدل البر والتقوى، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. * * * (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥) وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (١٤٦) * * *

стр. 3557

فى هذه الآية حصر لما حرمه الله تعالى من الأنعام، وبيان أن الله تعالى لم يحرم ما حرموه على أنفسهم من الأنعام، وقد أمر النبي ﷺ أن يتولى هو البيان فيما أوحى إليه به؛ لأنهم كانوا يجابهون النبي ﷺ بتحريم ما يحرمون غير متحرجين في ادعاء التحريم على الله تعالى، ويفترون على الله الكذب وكانوا ظالمين، ولا أحد أظلم ممن افترى على الله كذبا. وإن المتتبع لآي الله تعالى يجد أن كل أمر يجري فيه الجدل، أو يثيرون هم فيه الجدل يأمر الله تعالى نبيه بأن يتولى البيان بلسانه مع بيان الله تعالى.

стр. 3558

(قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ) أي فيما أوحاه الله تعالى، وإنما بني للمفعول، لبيان نفي وجود الوحي نفيا مطلقا بغير ما هو مذكور، فالبناء للمفعول هنا. لعموم نفي عدم الوجود، وفيه إشارة إلى أن ما حرموه غير معقول إن سمي به وحي مطلقا. وقال (عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ)، أي على آكل يأكله، وعبر سبحانه بقوله تعالى (عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ) بدل (آكل يأكله)؛ لأن الطعم تذوق واستطابة، والأكل قد يكون أكل غير مرغوب فيه، أو ما ليس له ذوق يستطاب، ففي هذا إشارة إلى أنهم يحرمون طيب اللحوم والمطعومات. (إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فإنَّهُ رِجْسٌ). الميتة الحيوان الذي يموت، وينحبس دمه فيه، ويدخل في معناه المنخنقة، والموقوذة التي وقذت بالحجارة حتى ماتت، والمتردية التي تردت في حفرة أو بئر، والنطيحة التي نطحت من أخرى حتى ماتت، فإن هذه تدخل في عموم كلمة ميتة إن توسعنا في معناها، بأن قلنا: إن الميتة ما لم تذكَّ بالذبح، وإنهار الدم، ومهما يكن فإنها في المعنى قريبة من الميتة. والدم المسفوح هو الدم السائل، وقد تبين أنه سريع الفساد، وتسارع الميكروبات إليه، والدم المسفوح خرج به الدم الذي يكون بعد الذبح في جوار

стр. 3559

اللحم، أو مخالطا له، والكبد والطحال، فإن النبي ﷺ فيما روي عنه سماهما دما، كما روي أنه قال: " أحلت لنا ميتتان ودمان: الكبد والطحال، والسمك والجراد " (١)، والخنزير هو الدابة المعروفة، وهو محرم في الديانات الثلاث: اليهودية والنصرانية والإسلام، واستباحها اليهود والنصارى بعد تحريف دينهم عن موضعه، وبعد أن نَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ. وقد ذكر سبب التحريم فقال: (فَإِنَّهُ رِجْسٌ) أي قذر، فهو قذر في ذاته، وهو قذر في غذائه فهو يتغذى من الأقذار، فيتغذى من العذرة، ولحمه رجس إذ إنه مقشش (٢) فيه ميكروبات. أخصها الدودة، ولاحظ كثيرون أنه حيث يكثر آكلوه يكثر مرض السرطان، ولو تنبه العلماء إليه وبحثوا لحمه لوجدوا بعد الحيرة الطويلة أن هذا الداء العضال تكمن جرثومته فيه؛ لأن الله تعالى قال: (فَإِنَّهُ رِجْسٌ) وهو أصدق القائلين وإذا كان الخنزير فيه رجس حسي، ومن أجله حرم أكله، فان الله تعالى قد حرم ما فيه رجس معنوي، وقرنه به، وهو ما أهل لغير الله به، ولذا قدم كلمه (فسقًا) مقارنة لكلمة (رجس) لأنهما يلتقيان في المعنى؛ لأن هذا الخنزير رجس حسي، - وهذا الفسق رجس معنوي، فهما من باب واحد. وقوله تعالى: (أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) أي أنهم ذبحوه لَا باسم الله، بل باسم أوثانهم، وكانوا حريصين على ذلك كل الحرص؛ لأنهم قدموا غير الله في ذبحهم، فقصدهم التقرب لآلهتهم فيه. وهنا يثار بحث، فإن الآية تدل على أن ما أهل لغير الله يكون حراما، وبمفهوم المخالفة ما لم يهل لغير الله به يكون حلالا، وعلى ذلك يكون ما لم يذكر عليه اسم الله تعالى، ولم يهل به لغير الله يكون حلالا، وقد قررنا أنه إن

стр. 3560

لم يذكر اسم الله تعالى، نسيانا فإنه يؤكل المذبوح، وإن ترك عمدا، ففيه نظر، ما دام لم يذكر غير الله تعالى. وهناك بحث آخر، وهو أن ثمة محرمات قد وردت بها آثار كسباع البهائم فإنها وردت الآثار بتحريمها وسباع الطيور، وبعض خشاش الأرض، كالحية والعقرب، وغيرها، وكالحمر الأهلية التي حرمت في غزوة خيبر. والآية تفيد القصر، أي قصر المحرمات على المذكور، كما تفيد إباحة غيره؛ لأن القصر كما هو مقرر في علم البيان نفي وإثبات، فقد أثبت التحريم في هذه الأشياء الميتة والدم المسفوح، ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به، وثبتت الإباحة بالنص الذي أفاد القصر فيما عداها، وقد ثبت أن بعض ما عداها كان حراما. وهذا يتناقض مع القصر. وقد أجيب عن ذلك بعدة إجابات: أولها - أن هذا القصر خاص بالأنعام، وما كان يشبهها من البهائم كالخنزير، فإن النص سيق للرد على المشركين الذين حرموا بعض الأنعام وافتروا على الله تعالى بالكذب، فكان الرد بهذا القصر الذي يفيد تحريم ما نص عليه، وأن غيره مباح، وغيره هو ما يتعلق بالأنعام، وقد يرد على هذا أن التحريم كان فيه الخنزير، وهو لَا يشبهها، فمجيئه لَا يدل على أن الكلام في الأنعام فقط، ونقول إن مجيئه لَا يمنع أن الإباحة فيما عدا المنصوص عليه كان في الأنعام فقط، فلا يدخل في مدلول نفي التحريم غير الأنعام، بل يبقى سكوتا عنه حتى يجيء نص فيحرمه، وإلا فهو في مرتبة العفو أو الإباحة، هذا تخريج للقصر، ونعتقد أثه لا يمنع تحريم سباع البهائم وسباع الطير، وخشاش الأرض وهذا عندي أوضح التخريجات وأقربها. والتخريج الثاني تخريج الزمخشري - وهو أن الاستثناء منقطع بمعنى لكن، وأنه لَا قصر حتى يكون الكلام مشتملا على نفي وإثبات نفي التحريم وإثبات

стр. 3561

الإباحة، إنما هناك نفي لتحريم ما حرموا، ويكون مؤدى التخريج هكذا: قل لا أجد محرما عليَّ في ما تحرمون على طاعم يطعمه، فهذا النفي رد عليهم، لكن أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير أو أهل لغير الله فهو حرام، وعلى ذلك لا يكون قصر فيه نفي وإثبات للإباحة، ولكن فيه تحريم فقط، تحريم بالرد، وتحريم بالاستدراك. هذا كلام قاله الزمخشري. ونقول لإمام البلاغة: إنه تخريج لَا يستقيم مع النسق البياني الذي يليق بكتاب الله العظيم. والتخريج الثالث - أن الآية لم تدل على الإباحة المطلقة، إنما أخذت الإباحة بالمفهوم، ولا يؤخذ بالمفهوم حيث يكون نص، وهناك نصوص تمنع. (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغ وَلا عَاد فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُور رَّحِيمٌ). هذا التحريم مؤكد في حال الاختيار، لَا في حال الاضطرار، فمن كان في حال ضرورة لَا يجد ما يطعمه، وقد تعرض للهلاك جوعا وهو غير باغ ولا معتد، فإن الله تعالى يغفر له أكله، وقد قلنا إن حد الضرورة قد بينه النبي ﷺ إجابة لمن سأله - إذ قال له: " أن يجيء الصبوح والغبوق ولا تجد ما تأكله " (١). (والباغي) له تخريجان: أولهما - أن الباغي، هو من خرج باغيا على الحاكم العادل ظالما له، أو من خرج لمعصية، فإنه لَا ينتفع بهذه الرخصة، وذلك يكون سيرا على قاعدة: إن من ارتكب معصية لَا تكون المعصية سببا لنعمة الرخصة، كمن يرتكب جريمة وهو سكران بمحرم، فإنه لَا يعفى من الجريمة بسبب السكر، وذلك مبدأ مقرر عند بعض الفقهاء وخصوصا فقهاء العراق. والثاني - أن الباغي الطالب لهذا المحرم المشتهى له، كأن يكون مضطرا فلا يجد إلا خنزيرا، يشتهيه ويأكله باغيا له طالبا.

стр. 3562

و (العادي) هو له هذان التفسيران أيضا، فخرجه بعض الناس على أنه الظالم بمعصية أوقعته في هذه الضرورة فإنه عاص لَا يستمتع بنعمة الرخصة. والثاني - أن العادي أي المتجاوز لحد الضرورة. وأميل إلى أن الباغي المشتهى الطالب للميتة أو الخنزير، وأن العادي هو المتجاوز لحد الضرورة، فإن رحمة الله تعالى في الدنيا، تتسع للأشرار كما تتسع للأخيار والحساب عند الله، وعسى أن يغفر الله لهم، وننبه هنا إلى أمرين: أحدهما - معنوي، وهو أن هذه الحرمات ما حرمت إلا لأنها خبائث، والله حرم الخبائث، وإن فيها إفسادا للجسم الإنساني وإضرارا به، وإن الضرورة وشدة الجوع قد تذهب بأوضار الأخباث التي في هذه المحرمات، وإن ضررها يقل بالنسبة للجائع جوعا شديدا يؤدي إلى الهلاك، وإن كان ثمة ضرر من بعد، فإنه أخف مما يترتب على الامتناع، ولذلك كانت الرخصة مقيدة بالا يتجاوز حد الضرورة؛ لأنه إن تجاوزه غلب الضرر، واشتد أثر الجراثيم المفسدة للجسم التي تحتوي عليها هذه المحرمات. وثانيهما - وهو بياني ومعنوي أيضا، وهو قوله تعالى: (فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) أثر لجواب الشرط المحذوف أو سبب له، فإن المقدر هكذا، فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه، كما ذكر في آيات أخر، أما هنا فلم يذكر، ولكن ذكر سببه، وهو فإن ربك غفور رحيم فالسبب أن الشارع الحكيم هو ربكم الذي خلقكم ورئكم، وقام على أمر حياتكم، وأنه غفور يغفر الإثم ويستره، وأنه رحيم لا يرهقكم وإن هذا يدل على رفع الإثم سببا بسببه. * * *

стр. 3563

(وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ... (١٤٦) * * * بعد أن بين الله ما أحل للمسلمين وما حرم، وأنه فتح باب إباحة الطيبات بإطلاق فكل طيب حلال، وقد استنكر في عدة آيات كريمات على من حرم الطيبات التي أحلهِا الله، ونهى عن تحريم الطيبات، وقال تعالت كلماته: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا).

стр. 3564

بعد هذا بين أنه قد يحرم طيبات هي في ذاتها طيبات، ولكنها تزيد أدواء بعض النفوس، فيكون التحريم خاصا بمن حرم عليهم، ولا يكون عاما لكل الناس، كالدواء يكون غير جائز للأصحاء، ولكنه لازم للمرضى. واليهود أصيبوا بالتخمة والترهل، وأدى ذلك إلى خمول وكسل، ومع الخمول والكسل، يكون القعود، ودعاهم سيدنا موسى إلى أن يدخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لهم أن يدخلوها، لَا أن يملكوها لهم دون سائر الناسِ، قالوا له متخاذلين بسبب ترهل أجسامهم: (إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِن يخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُون). ويقولون أيضا: (قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدونَ). كان لَا بد من علاج لترهل أجسامهم وذهاب النخوة من نفوسهم. أما الثاني فرباهم على اليأس بأن يعيشوا في الأرض تائهين في صحرائها، فقال تعالى: (. . . فَإِنُّهَا محَرَّمَة عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ. . .)، وأما الأول وهو ترهل الأجسام وكسلهم، فقد عالجه سبحانه بأن حرم عليهم ما يؤدي إلى ترهل الأجسام من شحوم، ولحوم تربي الدهن في الأجسام، وتثقل عليهم حركاتهم. ولذا قال سبحانه. (وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كلَّ ذِي ظُفُرٍ) حرم الله تعالى على اليهود كل ذي ظفر من الأنعام. وذو الظفر - كما قال ابن جرير رضي الله تعالى عنه - كالبهائم التي لم تكن مشقوقة الأصابع كالإبل، والطير والأنعام والأوز والبط، والحيتان. ويلاحظ أن هذه المحرمات تمتاز بكثرة الشحم، فالإبل لها سنام كله شحم، والأوز والبط هي شحوم قليل لحمها، وذو الظفر كما ترى قد فسرت به، وكل حيوان لم تنفرج أطراف أرجلها، وكان التحريم لهذا المعنى الذي ذكرناه، وفطما لنفوسهم، وفطم النفوس يعطيها قوة إرادة، ويجعل للعقل سيطرة على أفعالهم.

стр. 3565

(وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا). هذا هو القسم الثاني مما حرمه الله تعالى، وقد نص على الشحوم مما يدل على سبب التحريم في الماضي فوق أنه يقال إن أكل لحوم الإبل يقسَّي القلب، وقلوبهم قاسية. وهنا نرى علاج الله تعالى لأجسامهم مع ملاحظة الرحمة بنفوسهم، فقد حرم الشحوم لما تؤدي إليه من ترهل، وضخامة، مع ضعف قوته وعزيمته، ومع قسوة النفس، وضعف الإحساس، ولكنه استثنى ما لَا يستطيعون عليه صبرا؛ استثنى أولا ما حملت ظهور البقر والغنم لطيب طعامها، ولأنها ليست شحوما كثيرة، ولا تؤدي إلى الترهل الكثير، واستثنى أيضا سبحانه: (أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ). (الحَوَايَا) جمع مفرده حاوية أو حَوْي، وهو ما تحوي واجتمع في البطن، وتشمل المعدة والأمعاء، ومواضع اللبن وأبيح ما حملت من شحم، كما أبيحت هي، وذلك لصعوبة فصله وإخراجه، وكان ذلك تيسيرا وتخفيفا في موضع التحريم، وتسهيلا للاستجابة إن كانوا طائعين. وأن ذلك التحريم كان علاجا لأجسامهم، ولكسلهم، وفطما لنفوسهم، وتزكية لأرواحهم، وإرهافا لمداركهم وأجسامهم، ولذا قال تعالى: (ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ) البغي هو الظلم، والظلم يشمل ظلمهم لأنفسهم بانطلاقهم في أكل ما يشتهون، وتسمن به أجسامهم، ويشمل بغيهم على غيرهم بالاعتداء والفحشاء، ويشمل ارتكابهم المعاصي ما ظهر منها وما بطن، ودلت الإشارة فيه إلى ما حرمه تعالى عليهم وفطم به نفوسهم الشرهة، وهذا كقوله تعالى: (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ). وإن هذا التحريم كان تطهيرا لنفوسهم وتقوية لأجسامهم، وجزاء دنيويا على ما اقترفوا من طغيان.

стр. 3566

وإن الإسلام أحل لهم الطيبات كلها، وقد قال الله تعالى ذلك عند بشارته بالنبي الأُميِّ، فقال تعالى: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ. . .). والله تعالى ولي النعم. وختم الله تعالى الآية بقوله تعالى: (وَإِنَّا لَصَادِقُونَ) الصدق معنى جامع لكل المعاني العالية، والصدق هنا هو الإخبار بالحق الذي لَا مرية فيه، وكيف نشك في خبر حكاه الله رب العالمين، ويشمل العدل في الجزاء الذي جازى به بني إسرائيل على طغيانهم، وعتوهم ويشمل صدق الدواء الذي عالج ترهلهم، وإفسادهم لأجسامهم بشهواتهم، وإفراطهم إلى غير حد محدود، وقد أكد الله صدقه في خبره وعدالته وعلاجه لأدواء جسمهم ونفوسهم بمؤكدات ثلاثة، أولها - الجملة الاسمية، وثانيها - (إنَّ) المؤكدة، وثالثها - اللام، والله تعالى هو العلي الكبير. * * * (فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١٤٧) سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩) * * *

стр. 3567

إن الله في حكمته البالغة لَا يجعل الكافر في يأس من مغفرته، ولا يطمع في أن ينجو من عقابه إن أصر على معصيته، ولم يتب وهو في عافية وقوة، ولذا قال تعالى:

стр. 3568

(فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ). يخاطب الله نبيه الكريم بقوله: (فَإِن كذَّبُوكَ) كافرين برسالتك، فلا تجعلهم في يأس من أن يتوبوا، وينتهوا من كفرهم إلى إيمان بربهم، وقل لهم عن ربك فاتحا باب التوبة والإيمان من غير أن تؤيسهم (رَبُكمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَة) أي صاحب رحمة وسعت كل الوجود أنعم على الناس بالوجود، والنعم المترادفة لعصاتهم والطائعين فيهم، وقد فتح باب التوبة للعصاة، والثواب ثابت للطائعين. وإنه مع هذه الرحمة الواسعة التي وسعت كل عاص يفتح باب التوبة له، والطائع بالثواب والنعيم المقيم، إنه سبحانه مع ذلك لَا يترك العصاة المصرين من غير عقاب إذا استمروا على غيهم؛ ولذا قال تعالى: (وَلا يُرَدُّ بَأسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ). البأس الشدة، والظاهر أن المراد هنا العذاب الأليم يوم القيامة، وعبر سبحانه بقوله: (الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ)، بلفظ القوم؛ لأن الإجرام يكون في جماعة تتضافر على الشر ويتعاونون على الإثم والعدوان، ونادر أن يكون من واحد بمفرده، أو عدد متنافر غير متجمع متعاون على الشر. هذا وإن سنة الله تعالى في كتابه الحكيم أن فتح التوبة مرغبا فيها، وأن يذكر بجوارها العقاب، كما قال تعالى: (. . . وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ للنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَاب). وكما قال عز من قائل: (نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠). وكقوله تعالت كلماته: (إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤). وكقوله سبحانه: (غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ). * * *

стр. 3569

(سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ ... (١٤٨) * * * يبين الله ما يجول في قلوب الذين أشركوا وما أبدوه وهو قول الذين يعتذرون عن كفرهم بإلقاء التبعة عنهم، وقولهم هذا لَا يؤمنون به ولا يخضعون له، ولكنهم قوم خصمون، والمجادل المموّه يحتج بالحجة الباطلة وغير الباطلة. إنه لو شاء الله ما أشركوا ولا آباؤهم، ولا حرموا من شيء، ولكنهم في وسط هذا القول الظاهر ينسون حقيقتين: الأولى - أنهم عصوا الله، وأشركوا به، وحرموا ما حرموا مختارين وغير مجبرين، وأنه على ذلك يكون حسابهم وعقابهم في الآخرة ومؤاخذتهم في الدنيا ببيان أنهم خارجون عن الحق ينحرفون عنه، وفوق ذلك حرموا ما حرموا، وادعوا من غير أي برهان أو حجة بأن التحريم من الله افتراء عليه. الثمانية - أنه ما كان الله تعالى ليتركهم في غيهم إلا لأنهم اختاروا السير في طريق الضلالة، فتركهم الله يسيرون فيه حتى بعدوا عن الحق بالضلال البعيد. وإن ذلك دأب الخارجين، فخرج الذين من قبلهم بذلك القول الذين يلقون به الإثم عن أنفسهم وهو محيط بهم، لَا يخرجون من دائرته، ولذلك قال تعالى: (كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِين مِن قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقوا بَأسَنَا). كهذا القول الذي سيقوله الذين أشركوا ما أشركنا نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء قال الذين سبقوهم بالشرك من قبلهم، فالشر مسلسل فيهم ما داموا قد غووا، والكفر كله ملة واحدة في التفكير واستيلاء الهوى، وعدم تحملهم مسئولية فعلهم بإلقاء التبعة على غيرهم، ونفيها عنهم، واعتذارهم بأنهم لَا يؤاخذون على ما يرتكبون من آثام، وذلك الشأن في العصاة، يروى أنه حدث أن مرتكبا لما يوجب حدا سيق إلى عمر، فسأله لم ارتكبت هذا؟ قال: قضاء الله، فأقام عمر عليه الحد، وزاده أسواطا لأنه يحمِّل قضاء الله تعالى مسئولية عمله، ولقد قال

стр. 3570

الإمام أبو جعفر الصادق بن محمد ﵁: أمرنا الله أمرا وقضى لنا أمرا، فلماذا نترك ما أمرنا، ونحمله على ما قضى لنا. ذلك شأن الذين يفسقون عن أمر ربهم يلقون عن أنفسهم أوزارهم كاذبين بمثل هذه الاعتذارات وهم لَا يؤمنون بها. وإنهم استمروا على غيهم وعلى قولهم حتى ذاقوا عذاب الله تعالى، ولذا قال الله تعالت كلمته (حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا). وهذا يحتمل أن يكون بأس الله بقوة المؤمنين في الدنيا، ويحتمل أن بأسه بعذابه الأليم في الآخرة، وكيفما يكون العذاب فإن الله تعالى عبر بالماضي، وهو واقع في المستقبل للدلالة على تأكد وقوعه، كما في قوله تعالى: (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ). وإن هذه الاعتذارات التي يسوقونها بأنه لو شاء ما أشركوا ولا حرموا بعض الأنعام افتراء على الله فهل عندهم حجة على أن شركهم برضا الله، وأن تحريمهم ما حرموا بأمره أو رضاه لَا حجة عندهم، ولذا قال تعالى مفحما لهم رادا على افترائهم. (قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا). قل يا محمد في جدلهم مفحما لهم إن ادعاء رضا الله لَا يكون بمثل ظنكم، ولكن يكون بعلم جاء إليكم من الله، فتحتجون بهذا العلم، لَا بمجرد الظن والتخمين، وكثرة الكلام، والتهافت فيه، فهل عندكم من علم فتخرجوه لنا تحتجون به، وتسوغون كلامكم إن كان فيه ما يسوغ ما تزعمون. والاستفهام للإنكار والتوبيخ، واستغراق النفي المتضمن له الاستفهام بـ (مِن) يفيد الاستغراق، أي هل عندكم من علم أي علم تزعمونه فتخرجوه لنا ليكون دليلا لكم؟.

стр. 3571

وهذه الجملة السامية فيها إفحام، واستنكار، وتهديد وتوبيخ، وقد أكد الله تعالى أنه لَا علم عندهم فقال: (إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ). إنهم لَا حجة لهم من علم أوتوه، ولا من دليل اعتنقوه، ولكن الظن الذي سبق إليهم، وتوهموه حقا لَا شك فيه هو دفعهم، وإن الظن لَا يغني من الحق شيئا، فهو رجحان أمر في نفوسهم جعلوه حراما، وذلك الظن لم يبنوه ولو على دليل ظني مرجح، ولكن على خرص وتخمين سيطرت عليه أوهامهم ووجهتهم إليه، وهذا معنى أو قريب من معنى قوله تعالى: (إِن تَتَّبعُونَ إِلَّا الظَّنَّ) و (إنْ) للنفي، و (إلا) للاستثناء، أي ما يتبعون إلا الظن، فهذه الكلمة السامية نافية أن يكون دليلا مقنعا أو ملزما باليقين، ولكنهم يتبعون ظنا ترجحه أوهامهم، وأكد أن الظن مبني على أوهام بقوله تعالى: (وَإِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَخْرُصونَ) أي ما هم إلا يخمنون تخمينا قائما على الأوهام المضللة، وقد ضلوا بذلك ضلالا بعيدا. وقد التفت الله سبحانه في خطابه الكريم من الغيبة إلى الخطاب لتكون المواجهة أرهب في نفوسهم، وليفزعوا إلى الحق وليلتزموا قول الحق - ولكنهم لَا يعلمون. * * *

стр. 3572

(قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩) * * * ساقوا كلاما كثيرا في تبرئة أنفسهم من ذنب شركهم، وتحريمهم بعض ما أحل الله، وطولبوا بالحجة، فلم يجدوا عندهم ما يستدلون به، وتحداهم رب البرية أن يأتوا بعلم أي علم، وقد بهت أولئك الكفار، بما طلب إليهم أن يأتوا به، وفى هذه الآية الكريمة يبين الله أن عنده الحجة البالغة أي التي تبلغ بصاحبها أقصى الحق والاستدلال، فـ (بالغة)، معناها مبلغة صاحبها أقوى الأدلة، كقول الله تعالى: (. . . عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ)، أي مرضي بها، أو مرضية، وإن استعمال المشتقات بعضها مكان بعض هو من أبلغ البيان العربي.

стр. 3573

قوله تعالى: (قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ) الخطاب للنبي ﷺ ، والفاء للإفصاح عن شرط مقدر، المعنى إذا لم يكن عندكم من علم أيَّ علم بما تدعون، فالله تعالى عنده الحجة البالغة الموصلة للحق الهادية إليه. وتلك الحجة البالغة هي هذا الخلق والتكوين والإنثاء وتوليد الأحياء بعضها من بعض، فكل هذا يدل على الخالق الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، وليس كمثله شيء وهو السميع العليم، ولوكان معه آلهة كما يقولون لفسدت السماوات والأرض، وهكذا كل ما في الوجود يدل على أنه واحد ، وأنتم معشر العرب تقرون أنه الخالق وحده ليس كمثله شيء، ولكن مع هذه الحجة التي لَا يمتري فيها عاقل، وتقرون بها تشركون معه غيره في العبادة، والألوهية، فضلت عقولكم، ولم ترتبوا على المعلوم نتيجته، بل حكمتكم من بعد ذلك الأوهام، وسيطرت. وتلك مشيئة الله تعالى (فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكمْ أَجْمَعِينَ) أي أن الله تعالى شاء لكم الضلالة لأنكم اخترتموها وسرتم في طريقها بإرادتكم المختارة، فوصلتم إلى الضلال. وهم في قولهم معتذرين مبطلين: (. . . لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِن شيْءٍ) قد حسبوا أن مشيئة الله تستلزم رضاه، كما فهم بعض الفرق الإسلامية من بعد، ولذا قالوا ما قالوا، والحق أن المشيئة لَا تستلزم الرضا، إنما الأمر هو الذي يستلزم الرضا والنهي يستلزم الغضب، فالهداية هي التي تستلزم الرضا؛ ولذا قال تعالى: (فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكمْ أَجْمَعِينَ). أي أن كل شيء في الوجود تحت سلطانه وإرادته، وهو لو أراد أن تكونوا جميعا على هدى لكان ذلك، ولكنتم جميعا في أعمالكم في رضوان الله تعالى. وإنما أراد أن يكون منكم المهديون الدعاة إلى الحق، المؤمنون به، وأراد منكم من يكون على غير ذلك ليتم الابتلاء والاختبار، وهذا قوله تعالى: (ولَوْ شَاءَ اللَّه لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً). مهتدين كما قال تعالى: (ولَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ

стр. 3574

النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩). وكما قال لو شاء لجمعهم على الهدى وكما قال تعالى: (وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمنَ مَن فِى الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا). وإننا نؤكد هنا أن الإرادة والمشيئة، لَا يستلزمان رضاه سبحانه، فإذا كان قد شاء ضلالة بعض عباد، فإنه لَا يرضى من عباده الكفر. ولذا لَا يصح للمشركين، ولا لمن تكلموا في فلسفة أن يربطوا بين المشيئة والرضا، فقد نفَى الله تعالى ذلك نفيا مؤكدا في الكثير من الآيات، وما ربك بظلام للعبيد. * * *

стр. 3575

(قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١٥٠) * * * الكلام الكريم لَا يزال فيما حرموه على أنفسهم مما أحله لهم وآتاهم من رزق، وقد طالبهم الله تعالى بما عندهم من علم أي علم بأن الله تعالى حرم هذا، فلم يكن علم أوتوه، ولكن أوهام سيطرت عليهم، والآن يطالبهم ليشهدوا أن الله حرم هذا ولذا قال تعالى: (قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا). (هَلُمَّ) اسم فعل أمر بمعنى ادعوا أو هاتوا شهداءكم، أي الذين تعدونهم قدوتكم، والفضلاء فيكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا.
следующие страницы →