← Тафсир

Тафсир · id 37071

زهرة التفاسير

محمد أبو زهرة

Полный текст (8 373 стр.). Показаны 3571–3610 · переход к 3576.

стр. 3571

وهذه الجملة السامية فيها إفحام، واستنكار، وتهديد وتوبيخ، وقد أكد الله تعالى أنه لَا علم عندهم فقال: (إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ). إنهم لَا حجة لهم من علم أوتوه، ولا من دليل اعتنقوه، ولكن الظن الذي سبق إليهم، وتوهموه حقا لَا شك فيه هو دفعهم، وإن الظن لَا يغني من الحق شيئا، فهو رجحان أمر في نفوسهم جعلوه حراما، وذلك الظن لم يبنوه ولو على دليل ظني مرجح، ولكن على خرص وتخمين سيطرت عليه أوهامهم ووجهتهم إليه، وهذا معنى أو قريب من معنى قوله تعالى: (إِن تَتَّبعُونَ إِلَّا الظَّنَّ) و (إنْ) للنفي، و (إلا) للاستثناء، أي ما يتبعون إلا الظن، فهذه الكلمة السامية نافية أن يكون دليلا مقنعا أو ملزما باليقين، ولكنهم يتبعون ظنا ترجحه أوهامهم، وأكد أن الظن مبني على أوهام بقوله تعالى: (وَإِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَخْرُصونَ) أي ما هم إلا يخمنون تخمينا قائما على الأوهام المضللة، وقد ضلوا بذلك ضلالا بعيدا. وقد التفت الله سبحانه في خطابه الكريم من الغيبة إلى الخطاب لتكون المواجهة أرهب في نفوسهم، وليفزعوا إلى الحق وليلتزموا قول الحق - ولكنهم لَا يعلمون. * * *

стр. 3572

(قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩) * * * ساقوا كلاما كثيرا في تبرئة أنفسهم من ذنب شركهم، وتحريمهم بعض ما أحل الله، وطولبوا بالحجة، فلم يجدوا عندهم ما يستدلون به، وتحداهم رب البرية أن يأتوا بعلم أي علم، وقد بهت أولئك الكفار، بما طلب إليهم أن يأتوا به، وفى هذه الآية الكريمة يبين الله أن عنده الحجة البالغة أي التي تبلغ بصاحبها أقصى الحق والاستدلال، فـ (بالغة)، معناها مبلغة صاحبها أقوى الأدلة، كقول الله تعالى: (. . . عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ)، أي مرضي بها، أو مرضية، وإن استعمال المشتقات بعضها مكان بعض هو من أبلغ البيان العربي.

стр. 3573

قوله تعالى: (قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ) الخطاب للنبي ﷺ ، والفاء للإفصاح عن شرط مقدر، المعنى إذا لم يكن عندكم من علم أيَّ علم بما تدعون، فالله تعالى عنده الحجة البالغة الموصلة للحق الهادية إليه. وتلك الحجة البالغة هي هذا الخلق والتكوين والإنثاء وتوليد الأحياء بعضها من بعض، فكل هذا يدل على الخالق الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، وليس كمثله شيء وهو السميع العليم، ولوكان معه آلهة كما يقولون لفسدت السماوات والأرض، وهكذا كل ما في الوجود يدل على أنه واحد ، وأنتم معشر العرب تقرون أنه الخالق وحده ليس كمثله شيء، ولكن مع هذه الحجة التي لَا يمتري فيها عاقل، وتقرون بها تشركون معه غيره في العبادة، والألوهية، فضلت عقولكم، ولم ترتبوا على المعلوم نتيجته، بل حكمتكم من بعد ذلك الأوهام، وسيطرت. وتلك مشيئة الله تعالى (فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكمْ أَجْمَعِينَ) أي أن الله تعالى شاء لكم الضلالة لأنكم اخترتموها وسرتم في طريقها بإرادتكم المختارة، فوصلتم إلى الضلال. وهم في قولهم معتذرين مبطلين: (. . . لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِن شيْءٍ) قد حسبوا أن مشيئة الله تستلزم رضاه، كما فهم بعض الفرق الإسلامية من بعد، ولذا قالوا ما قالوا، والحق أن المشيئة لَا تستلزم الرضا، إنما الأمر هو الذي يستلزم الرضا والنهي يستلزم الغضب، فالهداية هي التي تستلزم الرضا؛ ولذا قال تعالى: (فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكمْ أَجْمَعِينَ). أي أن كل شيء في الوجود تحت سلطانه وإرادته، وهو لو أراد أن تكونوا جميعا على هدى لكان ذلك، ولكنتم جميعا في أعمالكم في رضوان الله تعالى. وإنما أراد أن يكون منكم المهديون الدعاة إلى الحق، المؤمنون به، وأراد منكم من يكون على غير ذلك ليتم الابتلاء والاختبار، وهذا قوله تعالى: (ولَوْ شَاءَ اللَّه لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً). مهتدين كما قال تعالى: (ولَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ

стр. 3574

النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩). وكما قال لو شاء لجمعهم على الهدى وكما قال تعالى: (وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمنَ مَن فِى الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا). وإننا نؤكد هنا أن الإرادة والمشيئة، لَا يستلزمان رضاه سبحانه، فإذا كان قد شاء ضلالة بعض عباد، فإنه لَا يرضى من عباده الكفر. ولذا لَا يصح للمشركين، ولا لمن تكلموا في فلسفة أن يربطوا بين المشيئة والرضا، فقد نفَى الله تعالى ذلك نفيا مؤكدا في الكثير من الآيات، وما ربك بظلام للعبيد. * * *

стр. 3575

(قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١٥٠) * * * الكلام الكريم لَا يزال فيما حرموه على أنفسهم مما أحله لهم وآتاهم من رزق، وقد طالبهم الله تعالى بما عندهم من علم أي علم بأن الله تعالى حرم هذا، فلم يكن علم أوتوه، ولكن أوهام سيطرت عليهم، والآن يطالبهم ليشهدوا أن الله حرم هذا ولذا قال تعالى: (قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا). (هَلُمَّ) اسم فعل أمر بمعنى ادعوا أو هاتوا شهداءكم، أي الذين تعدونهم قدوتكم، والفضلاء فيكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا.

стр. 3576

وإن هذا الكلام سائر مع سيأتي القول في تحريم ما أحل الله من رزق فجعلوا منه حراما وحلالا، فقد بين الله في الآية السابقة أنهم لا يستيقنون بشيء إن يظنون إلا ظنا، وأنهم يخرصون أو يكذبون، ولذلك دعاهم إلى أن يحضروا أماثلهم ليشهدوا أن الله تعالى حرم هذا، وإنهم حينئذ يرفضون، وذلك لأن أماثل العرب لَا يشهدون كاذبين، وإن كانوا كافرين، وإنا لنذكر أن أبا سفيان - زعيم الشرك قبل الفتح المبارك لمكة - عندما سأله هرقل أجاب إجابة صريحة صادقة وهو متململ، وقال: لولا أني أخشى أن تحفظ عني كذبة في العرب لكذبت. فما كان الأماثل منهم يسارعون إلى الكذب أو يرضونه. طلب الله أن يحضروا شهداء ليشهدوا أن الله حرم هذا، وإنهم لَا يشهدون. ولكن حال تكذيبهم للنبي ﷺ ، واتباعهم أهواءهم، وسيطرة الأوهام عليهم قد تغلب عليهم نزعة الصدق، ولذا كان أمر الله تعالى الذي أمره بدعوتهم بأنهم إن شهدوا بالباطل، وليس بمستحيل على من أشرك فقد تدفعه لجاجة الكفر إلى أن يطمس معالم الحق فيكذب، إن شهدوا بغير الحق، (فَلا تَشْهَدْ مَعَهمْ) أي فلا تصدقهم؛ لأن الهوى قد يغلبهم على سجيتهم، ومن يشرك لَا يؤمن كذبه، ولو كان من أهل الصدق، ولذا قال تعالى: (فَإِن شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ) أي فإن غلب عليهم فشهدوا بالباطل كما ذكر، فأنكر عليهم شهادتهم، ولا تشهد معهم، ولا تسايرهم، وهذا معنى قوله تعالى: (فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ) أي فلا تسايرهم في كذبهم الذي ينبعث من الهوى، ولذا قال تعالى من بعد. (وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ). نهى الله تعالى نبيه الكريم، ونهيه نهي لكل الذين اتبعوه، ويتبعونه إلى يوم الدين، نهاه عن أن يتبع أهواءهم، لأن الهوى ذاته يضل، ولا يهدي، ومن جعل إلهه هواه، فقد ضل سواء السبيل.

стр. 3577

ونص القرآن: (وَلا تَتَبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا) والمعنى الذي هو المقصود لا تتبع المشركين المفترين على الله تعالى الذين يحرمون ما يحرمون، ويفترون على الله الكذب. فيزعمون أنه الذي حرم، وعبر عن المشركين بقوله تعالى: (وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ) لأنه لازم لاتباعهم، لأن من اتبعهم، فإنما يتبع أهواءهم المنحرفة، وكيف يتردى مؤمن في اتباع الهوى، والهوى مضل، ومُرْدٍ، وأنى يكون ذلك من نبي كريم، ومن أتباعه الكرام. ولذلك كان النهي عن اتباع هواهم، وقد ذكر لهم أوصافا ثلاثة مع أنهم أصحاب هوى وليسوا أصحاب عقل: الوصف الأول أو الحال الأولى من أحوالهم - أنهم كذبوا بآياتنا آي بآيات الله تعالى في الكون الدالة على وحدانيته ، فكذبوا الآيات الدالة على وحدانيته، ومعنى تكذيبهم هذه الآيات أنهم لم يعملوا بمقتضى ما تدل عليه من القدرة القاهرة، والإرادة المختارة، وكذبوا بالآيات الدالة على نبوة محمد ﷺ ، وكذبوا بالآيات القرآنية، والأحكام التي نزل بها وحي الله تعالى على نبيه الأمين الكريم ﷺ . والمكذب بالحق المعلوم الذي تبهر آياته البينات، لَا يصح أن يتبع لأنه ضال مضل. الوصف الثاني أو الحال الثانية - أنهم لَا يؤمنون بالآخرة، ومن ينكر الآخرة ينكر حقيقتين لَا ينكرهما مؤمن، ولا يقع في هذا الإنكار إلا مادي لَا يؤمن بالغيب، وهو لب الإيمان. أولى هاتين الحقيقتين - إنكار البعث، ويقولون: إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا، وما نحن بمبعوثين، وهم بذلك يحسبون أن الله خلقهم عبثا، وأنه تركهم سدى، (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ).

стр. 3578

الثانية - أنهم ينكرون الحياة الروحية، ولا يؤمنون إلا بالحياة المادية، ومن كان كذلك لَا يتبع. الوصف الثالث - وهو الحال الثالثة، وهي نتيجة للأمرين، وهي أنهم بربهم يعدلون، أي يجعلون الأوثان، - وهي حجارة - معادلة للعبادة مع ربهم الذي خلقهم، وكوَّنهم، وربَّهم بربوبيته، أي أنه خلقهم ولم يتركهم، بل قام على تطويرهم من حياة إلى حياة، فهو الحي القيوم القائم على كل شيء الذي يكلؤهم بالليل والنهار سبحانه الواحد القهار. وتقديم (بِرَبِّهِمْ) على (يَعْدِلُونَ)، لبيان ضلالهم في مساواتهم الله ربهم بالأوثان، وهو تأنيب لهم، وبيان لضلال عقولهم. * * * وصايا الله (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١) وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا

стр. 3579

وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١٥٢) وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣) * * * هذه وصايا عشر هي وصايا الله تعالى لبناء مجتمع إنساني كامل، يقوم على أساس التعاون الإنساني والمودة ودفع الأذى ووقاية المجتمع من الآفات، ورعاية الضعفاء. ولقد قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: من أراد أن ينظر إلى وصية رسول الله ﷺ التي عليها خاتمه فليقرأ هذه الآيات

стр. 3580

(قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) إلى قوله تعالى: (لَعَلَّكمْ تَتَّقونَ). هذا ما قاله ابن مسعود الصحابي الفقيه النافذ ببصيرته في معاني القرآن الكريم، ومستخرج الأحكام من بين ما نص عليه وما ظهر، وما استكن من معانيه العالية. وفى الحق إن هذه الوصايا الإلهية التي هي وصايا النبي ﷺ يقوم عليها بناء المجتمع الإنساني السليم، وبها تحارب الآفات الاجتماعية التي تتردى بها الجماعات في مهاوي التفرق والانحلال. فيها تطهر النفس والعقول من آفات الفكر، وتطهير المجتمع من التقاطع والتنابذ ومنع الاعتداء بأي نوع من أنواعه. وفيها، التعاون على حماية الضعفاء، وفيها إعطاء كل ذي حق حقه، وفيه إقامة العدل في كل ضروبه الذي هو ميزان الحقوق والواجبات، وفيها الوفاء بالعهود الذي هو رباط الجماعات الإنسانية مهما تختلف أجناسها وشعوبها وقبائلها.

стр. 3581

وإن شئت أن تقول إن فيها أكثر التكليفات الاجتماعية البانية والواقية، وهي متفق عليها في كل الديانات السماوية، ومقررة في كل الشرائع العادلة، وإن لم تكن فيها على هذا السمو الرفيع كما جاء في القرآن. (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا). خاطب الله نبيه ﷺ ليبلغ جوهر رسالة ربه بأن يقول بهم: (تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ) أي أقبلوا أيها الناس أجمعين في شتى الأرض أجناسا وشعوبا وقبائل، وأقبلوا بعقولكم وأنفسكم أبين لكم ما حرم عليكم، فالنداء بـ (تَعَالَوْا) دعوة لإقبالهم له بكل مداركهم وتفكير وتنبيه لعظم ما سيبينه لهم من وصايا وتكليفات، والتلاوة هي قراءة القرآن الكريم مرتلا متتابعا في كلماته وأساليبه، والمراد هنا البيان لأن البيان؛ ثمرة تلك التلاوة المتتابعة الموضحة، فهذا تعبير بالمسبب عن السبب. وقوله تعالى: (مَا حَرَّمَ رَبُكُمْ عَلَيْكُمْ)، (ما) اسم موصول بمعنى الذي، أي أبين لكم الذي حرمه الله تعالى عليكم، ويصح أن تكون ما موصولا حرفيا، ويكون المؤدى تعالوا أتلُ تحريم ربكم تعالى عليكم. وفى التعبير بقوله تعابى: (مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ) إشارة إلى أن ذلك من ربكم الذي خلقكم وربَّكمْ، وهذبكم، وهو العالم بالأمور كلها، وهو المحيط بما فيه خيركم، و (حرَّمَ)، إنما هو في الأمور الخمسة الأولى التي آخرها، (وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ)، فإن هذه الخمسة محرمات ننتهي عنها وإذا شئنا الإحسان إلى الوالدين، أما الباقي فأكثره مأمورات من الوفاء بالكيل والميزان، وألا يقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن، فهو في معنى الأمر في معاملة اليتيم بالتي هي أحسن في ماله، ثم إقامة العدل والوفاء بالعهد فهذه أوامر لَا محرمات. هذه الأوامر المذكورة في الآيات نهيا أو طلبا هي تسعة إن جعلنا الوفاء بالكيل والميزان أمرا واحدا، وإن جعلناها أمرين تكون عشرة كاملة.

стр. 3582

(أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) هذا هو الأمر الأول الذي حرمه الله تعالى، وهو أعظم الأمور، وأقواها أثرا لأنه يتعلق بخالق الكون ومنشئ الوجود، وأصل الاعتقاد الديني، وهو أول الشريعة، وعليه اجتمعت كل الرسالات، كما قال تعالى: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ). فالواحدانية لب الإيمان، والله تعالى يجعل كل السيئات قابلة للغفران إلا الشرك، ولذا يقول تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْركَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ). وإن الوحدانية فيها تطهير للعقول من رجس الأوثان، والإذعان للإنسان والأوثان، وهي تربي العزة في المرء، فلا يخضع إلا للواحد الأحد، الفرد الصمد، وذلك من يعبد غير الله، ومن يخضع لغيره، وأنه إذا كانت الوحدانية برا بالخالق، فإن الإحسان إلى الوالدين برٌّ بمن جعلهم الله سببا ماديا في وجود الولد ولذا قال تعالى: (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا). هذا هو الأمر الثاني وهو الوصية بالوالدين، والوصية بهما هي الإحسان إليهما، والإحسان مرتبة أعلى من العدل، إذ هو فوق العدل في الرحمة والرأفة، فهو عدل ورأفة ووفاء وبر، ولذلك كان الأمر بالإحسان بجوار الأمر بالعدل، كما قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠). وقال تعالى: (وقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا). وإن الأمر بالإحسان يتضمن النهي عن الإساءة، إذ هو نهي عن الإساءة، وأمر بفضل العاطفة والمواساة والقرب، وإحسان الصحبة. وإن الله تعالى أمر بالإحسان إلى الوالدين مقترِنا بالنهي عن الشرك في كثير من الآيات الكريمة، فقال تعالى: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ

стр. 3583

إِحْسَانًا)، وقرن الله تعالى شكر الوالدين بشكر الله وجمعهما معا، فقال تعالى: (أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٥). والإحسان إلى الوالدين شريعة النبيين أجمعين قد كلفها بني إسرائيل، قال تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا). فمن يعق الوالدين فهو فاسق عن أمر الله ونهيه. (وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُم مِّنْ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ) هذه هي الوصية الثالثة، وقد نزل سبحانه من إكرام الأصول والإحسان إليهم إلى الإحسان إلى الأولاد، ولم يذكر سبحانه الإحسان إلى الأولاد لأنه أمر فطري تتقاضاه المحافظة على النفس، فالولد امتداد أبيه وما جاء القرآن بالأمر بالإحسان إلى الأولاد، ولكن أمر الإسلام بالقيام على تربيتهم ورعاية شئونهم ورزق أمهاتهم، كما قال تعالى: (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ)، ولكن كان في وحشية الجاهلية من يئد بناته بغيا بغير علم، وكان من يفعل ذلك وغيره لإملاقهم، والإملاق الفقر من كثرة الإنفاق، وقد نهى عنه، فقال: (وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكم مِّنْ إِمْلاقٍ) أي من فقر بسبب الإنفاق عليهم، وهو متلاق في المعنى مع قوله تعالى: (وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكمْ. . .)، فكأنه كان في الجاهلية من يقتل أولاده لإملاق واقع بسبب الإنفاق، ومن يقتل ولده لأنه يتوقع الإملاق إن لم يقتله. وقد نهى الله تعالى عن ذلك الإثم الجاهلي، وهو من إغواء الشياطين، ولعله كان يسهل على الذين يفعلونه معهم، أنهم يفعلون ذلك، وهم بعد في المهد، أو عقب ولادتهم، فلم يكونوا تعلقوا بهم تعلق الآباء بالأولاد، وكانوا يفعلون ذلك سفها بغير علم، ولم يكونوا قد ذاقوا محبتهم؛ بالإلف، والتودد،

стр. 3584

وقد قال تعالى في بيان أن الفقر أو الإملاق لَا يبرر؛ لأنهم لَا يرزقونهم، ولكن يرزقهم الله، ولذلك قال تعالى: (نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ) أي نحن نرزقكم معهم، كما رزقناكم وحدكم: (ومَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا. . .). وقد فهم بعض العلماء من هذه الآية أن منع النسل لَا يجوز بعزل أو نحوه، والعزل أن يلقي النطفة خارج الرحم، ولكن رويت آثار عن النبي ﷺ أنه رأى العزل، ولم يأمر به ولم ينه عنه (١)، ولكن جاء آخر الحديث في هذا الباب، أن النبي ﷺ قال: " العزل هو الوأد الخفي " (٢). وروي عن الصحابة أنه رأى أن العزل ليس به من بأس، ولكنه خلاف الأولى، ورأى آخر منعه، والفقهاء بعد ذلك اختلفوا فيه، فمنهم من قال إنه مكروه، ومنهم من قال إنه حرام كالحنابلة وأهل الظاهر، والغزالي قال إنه لَا يجوز إلا إذا كان ثمة عذر إليه، وفتح باب الأعذار على مصراعيه حتى لخشيت المرأة على جمالها، فإن زوجها يعزل عنها، ولكنه منع منعا مطلقا العزل أو حد النسل خوف الإملاق أو للإملاق، فإن ذلك يكون مصادمة للنص، ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق، والقول الفصل في الحد من النسل المترتب على العزل ونحوه، أن جمهور الفقهاء لم يرضه، حتى إن الغزالي الذي فتح باب المبررات له، قال: إنه لا ينبغي. ومهما يكن فإنه من المؤكد أن الذين قالوا ليس به من بأس قرروا أن ذلك بالجزء لَا بالكل، أي أنه يكون لمن يريد ذلك أن يفعل، إذا كان له مبرر، على التوسعة في المبرر عند الغزالي. ولكنه حرام بالكل، أي حرام أن يدعو أحد إليه،

стр. 3585

أو تدعو الدولة إليه؛ لأن ذلك مناهضة للنص الكريم في القرآن، وقوله: " تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة " (١). وقد قرر مجمع البحوث الإسلامية المنعقد في الأزهر سنة ١٩٦٥ أن الإسلام يرغِّب في النسل؛ لأنه يقوي الأمة اجتماعيا، واقتصاديا، وحربيا، ويربي في الأمة روح العزة والمنعة، وقرر أن تنظيم النسل حق للزوجين دون غيرهما، يستعملانه للضرورة، ومسئوليتهما عن الضرورة أمام الله وحده. (وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ) هذه هي الوصية الرابعة، وهي تتصل بالأولاد عن قرب أو عن بعد؛ لأن أخصِ الفواحش هو الزنى وقد قال تعالى: (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا). والفواحش: جمع فاحشة، والأصل في الفحش الزيادة عن الأمر المعتدل، والفاحش هو الزائد عن المعقول، ولذا يقال غبن فاحش أي زائد عن الحد المعقول في الصفقة؛ إذ لَا يدخل في تقويم المقومين، والفواحش هي المعاصي لأنها انحراف، وزيادة عن الفطرة وخروج عن منهاجها، وعن الطريق المستقيم، والظاهر ما يعلن، ويجهر به، والجهر بالمعصية في ذاته حرام، وما بطن أي وما استتر ولم يجهر به، وهو إثم، ولكنه دون إثم المجاهرة، ومن يجهر بالمعاصي، فإن ما يفعله إثمان إثم الفعل وإثم المجاهرة، ولقد قال النبي ﷺ : " إن من أشد الناس بعدا عن الله المجاهرين " قيل: ومن هم؟ قال: " ذلك الذي يعمل عملا بالليل قد ستره الله فيصبح يقول فعلت كذا وكذا يكشف ستر الله " (٢)، ولقد قال ﷺ فيما رواه

стр. 3586

الشافعي: " يا معشر الناس من ارتكب شيئا من هذه القاذورات فاستتر فهو في ستر الله ومن أبدى صفحته أقمنا عليه الحد " (١). ومن المعاصي ما يستتر استتارا؛ لأنه خلجات القلوب ولم يظهر في العمل لَا لعدول صاحبها، ولكنه فوجئ ما فوت عليه مقصده كمن بيت الاعتداء، أو الزنى، واتجه إلى الفعل، ولكن فات عليه ارتكابها لأمر خارج عن إرادته، فإنه يكون قد أبْطن معصيته، ولكن لم يُمكَّن من ارتكابها رغما عنه لَا مريدا، فإن من الآثام ما يكون باطنا، وعليه الإثم، وكمن يهاجر إلى مكان لَا يريد الهجرة لله أو لعمل صالح، ولكن يريد الفسق والفجور أو البغي، فإن هذا يكون فاحشة مما بطن. وهذا النص مثل قوله تعالى: (وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ. . .). وقد يسأل سائل، إن هذا النص القرآني وما يشبهه فيه نص على المؤاخذة على ما في النفس وما يبطن، مع أن الحديث بأن الله تعالى لَا يؤاخذ على ما يحدث المرء به نفسه، وقال ﵊: " من هم بحسنة فلم يفعلها كتبت له حسنة، ومن همَّ بسيئة فلم يفعلها لم يكتب عليه شيء " (٢)، فإن هذا حديث النفس أو همُّها، من غير أن تشرع بعمل، بل عدل من تلقاء نفسه. وما في النص السامي الذي نتكلم في معناه هو من ارتكب الشروع، ولم يقتصر على حديث النفس ولا هم النفس والعدول، بل أراد الفعل وقصده، وأخذ في الأسباب، ولكن لم يتم لأمر خارج عن إرادته.

стр. 3587

(وَلا تَقْتُفوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ). هذه هي الوصية الخامسة التي أوصى بها رب العالمين، وهي النهي عن قتل النفس التي حرم الله تعالى قتلها إلا بالحق، ويكون القتل بحق أي بسبب يوجب القتل. وهذا النص يفيد تحريم قتل النفس أساسا، فهي على أصل المنع إلا أن يكون ثمة موجب لذلك، فإن ذلك يكون بحق لحماية النفوس العامة، وقد قال - تعالى - في قتل قابيل أخاه هابيل حسدا وبغيا: (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا). فالقتل حرام، إلا إذا كان ما يبرره فيكون بحق، ومن الحق الذي يوجب القتل، ويحل النفس، أن يقتل غيره أو أن يبغي، أو أن يحارب الله ورسوله وهم قطاع الطريق أو أهل الحرابة كما قال تعالى: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤). وهكذا نجد الحق الذي يبرر قتل النفس يكون لحماية النفس ذاتها، أو يكون صاحبها قد أباحها. وإن النهي عن قتل النفس عام إلا إذا وجد ما يبرره، لأن الله تعالى حرم قتلها، فقوله تعالى (الَّتي حَرَّمَ) قتلها فيه الصلة، وهي علة النهي، فقتلها منهى عنه، لأن الله تعالى حرمها، ولذا إذا أباح صاحبها نفسه بردة، أو محاربة للمسلمين، فإن الله تعالى لم يحرم قتلها، فلا نهي، لأنه مباح الدم. وبذلك يتبين أن الله تعالى نهى عن قتل الذمي المعاهد، ومن دخل أرض المسلمين مستأمنا، لأن عهده عصم دمه، والله أعلم.

стр. 3588

(ذَلِكمْ وَصَّاكم بِهِ لَعَلَّكمْ تَذَكَّرونَ). (ذَلِكُمْ) الإشارة إلى المذكور من النهي عن الشرك والأمر بالإحسان إلى الوالدين، والنهي عن قرب الفواحش وهو نهي عن المقاربة لَا عن الوقوع؛ لأنه نهي عن أن يدنو منها، فمن حام حول الحمى أوشك أن يقع فيها، والنهي عن القرب يدل على النهي عن الوقوع، والإشارة تشمل النهي عن قتل النفس، فهذا كله من وصايا الله ، ووصايا الله تعالى جديرة بالاتباع، وجعل الخطاب في الإشارة بـ (ميم الجمع) لعموم التوصية بهذه الأمور التي أشار إليها، وليتسق القول مع (وَصَّاكُم بِهِ)، وقوله تعالى: (لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) أي لكي ترجوا دائما أن تكونوا متذكرين. وقوله تعالى (لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرونَ) لعل فيه للرجاء والرجاء من العباد لَا من الله تعالى. والتوصية هي الطلب المؤكد من العباد. * * *

стр. 3589

(وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ... (١٥٢) * * * نهى الله تعالى أن يقربوا مال اليتيم أو يأخذوه، وكان التعبير بالقرب، ويكون بالأولى النهي عن أكله لأنه إذا كان النهي عن القرب إلا بالخصلة أو بالطريقة التي هي أحسن لإنمائه وحفظه وصيانته، ومنها الاتجار فيه إذا كان الوصي عليه أمينا قادرا ماهرا لقوله ﵊: " اتجروا في مال اليتيم حتى لا تأكله الصدقة " (١)، كان أولى بالنهي أكله. واليتيم هو الذي مات أبوه، والخصلة التي هي أحسن قال فيها بعض المفسرين، إنه المحافظة على أصوله وتثمير فروعه، ولو عَبَّر فقال المحافظة على الأموال الثابتة كالأرضين والدور والأغراس، وتثمير المنقول بكل طرق التثمير بالأمانة، ولا يأكلها، فإن التعبير يكون أوضح.

стр. 3590

وإنما كان النهي عن قرب ماله إلا بما يحفظه وينميه؛ لأنه فقد من يحميه، فَقَدَ الأب الحامي الذي يأخذ بيده إلى مدارج الحياة، يلاحظ جسمه، ويلاحظ ماله؛ إن كان له مال، وهنا لم يذكر إلا المال؛ لأنه مطمع الطامعين ومطلب الذين يأكلون أموال الناس أَكْلًا لَمًّا. وإن مال اليتيم هو جزء من مال الأمة؛ إن حوفظ عليه كان محافظة على جزء من ثروتها. وإن المال أمانة في يد وصيه، وفي رعاية الأمة مجتمعة ممثلة في قاضيها، حتى يبلغ أشده، أي يبلغ السن التي يقدر فيها على المحافظة على ماله، والقيام على شئونه في خاصة نفسه، وفي معاملته، والأشُد قيل جمع شَدّ، ككلب وأكلب، وقيل اسم لَا مفرد له، والمراد ما ذكرنا وهو بلوغه حد القدرة على إدارة شئون ماله، وأدناه بلوغ النكاح بأن يكون قد بلغ السن التي يمكن أن يتزوج، وأن يبلغ رشدا، أو يؤنس منه الرشد، بعد بلوغه سن النكاح، قال تعالى: (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٦). وقد شدد الله تعالى في الوصية باليتامى في أموالهم وأشخاصهم لأنهم ضعاف، ولشدة الوصايا بالأيتام كان المؤمنون يخشون على أنفسهم أن يخالطوا اليتامى فيظلموهم أو يأكلوا مالهم فأمرهم الله تعالى أن يكون برهم بالمحافظة على أموالهم، ومخالطتهم؛ لأن المخالطة تقر بها نفوسهم، ويأنسون بها، فلا ينفرون من مجتمعهم، ولذا قال تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ). وإن رعاية نفس اليتيم تجعله قريبا بنفسه إلى الناس، ولا ينشأ نافرا منهم؛ لأنه لَا يجد الحماية والرعاية، وينشأ عدوا للجماعة التي يعيش فيها، ولذا قال

стр. 3591

تعالى: (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ)، وقال ﷺ : " شر البيوت بيت يقهر يتيما، وخير بيوت المسلمين بيت يكرم فيه يتيم " (١). هذا إصلاح في الأسرة وهو إكرام اليتيم، وأوصى بالأمانة في الجماعة، فهي رباط المودة فقال تعالت كلماته: (وَأَوْفوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّف نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) هذان هما الأمران السابع والثامن اللذان أوصى الله تعالى بهما في ضمن عشر الوصايا، وهما الوفاء بالكيل في المكيلات، والوفاء بالوزن في الموزون بالقسط من غير بخس ولا شطط، ولا زيادة ولا نقص، بل للناس من وفاء الكيل بمقدار ما تطلب، وتعطيهم من الوزن بمقدار ما تطلب لو كنت طالب الكيل والميزان، وذلك على حسب الطاقة في تحري الحق في مكيل غير منقوص، وموزون غير مبخوس؛ ولذا قال تعالى: (لا نُكَلِّف نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) وإن الله تعالى إذ يطالب بالوفاء في الكيل والميزان يذم المطففين لهما، فقد قال تعالى: (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣). وكان الأمر بالوفاء؛ لأنه المطلوب، فالزيادة غير مطلوبة إلا من أهل السماحة، والنقص محرم ممنوع. وإن الوفاء في الكيل والميزان يرمز إلى حسن التعامل في الأمة، ومنع أكل أموال الناس بالباطل الذي يضعفها ويقتلها. ولذا عقب الله تعالى النهي عن أكل أموال الناس بالباطل بالنهي عن قتل أنفسهم أي تفريق النفوس في جماعتهم، فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩).

стр. 3592

ولقد قال ابن عباس فيما روي عنه كلمة جامعة في آفات الجماعات ونتائجها: (ما ظهر الغلول في قوم قط إلا ألقى الله في قلوبهم الرعب، ولا فشا الزنى في قوم إلا كثر فيهم الموت، ولا نقص قوم المكيال والميزان إلا قطع عنهم الرزق، ولا حكم قوم بغير الحق إلا فشا فيهم الدم، ولا ختر قوم بالعهد إلا سلط الله تعالى عليهم العدو (١). هذا وإن العدل في الأمة ميزانها، ولذا قال تعالى: (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى). أمر الله تعالى بالعدل في القول، وأن لَا نقول إلا عدلا، ولذا قال: (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا) والعدل في القول تحري الحق فيه، فلا ينطق بأمر لَا يكون حقا. والعدل في القول يشمل الحكم بين المتخاصمين، كما قال تعالى: (وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ). وتشمل الفصل في الخلافات بين الناس، فلا يقول إلا الحق، لأن الحق يحسم النزاع ويقطع دابر الخلاف، ويشمل القول في الشهادة، فلا ينطق إلا بما رأى وعاين، فإن الشهادة حكم أو هي طريق الحكم ودليله، وإذا قلت في مباراة فكن عادلا، وإذا قلت في امتحان فكن عادلاً؛ لأن الامتحان تقدير كفاية فهي حكم. والعدل ميزان الحق في معاملات الناس وأحوالهم، والإسلام دين العدل، وإذا كان لكل دين سمة فسمة الإسلام هي العدل، ولذا قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠). ولذا كان العدل رابطة الجماعة وميزانها، وقال تعالى: (وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى) أي ولو كان الذي يقوم عليه العدل في القول في حكم أو شهادة، أو فصل في

стр. 3593

خصومة، أو مباراة، أو امتحان، فإنما العدل حيث تتنازع العواطف، وتمتلك النفوس هو فعل الأبرار، وهو المقياس الذي تتفاوت به مراتب العدول. وإذ كان العدل ميزان الترابط بين الجماعات في الأمة، فالوفاء بالعهد ميزان العدالة في الأمم، ولذا قال تعالى: (وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفوا). هذه هي الوصية العاشرة من وصايا الله تعالى وهي تطلب من الناس أجمعين الوفاء بالعهد، وقوله تعالى: (وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا) قدم فيه (بِعَهْدِ اللَّهِ) لأهمية الوفاء بعهد الله، ولمعنى الاختصاص، أي احرصوا على الوفاء بعهد الله دون غيره. وعهد الله تعالى الذي يتجه إليه، ما عهده إلى بني آدم من فطرة مستقيمة أنشأهم عليها، كما قال تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى). وإن تكليفات الله تعالى عهود عليهم. والعهود بين العباد عهود الله تعالى عليهم؛ لأنهم عادة يوثقونها بأيمانهم، وقد قرر ذلك، وقال: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٩١) وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٩٢). فهذه الآية تحث على الوفاء بما يكون من العهود بين الآحاد والجماعات، وهي تدل على ثلاثة أمور: أولها - أن من وثق عهده بالله فقد جعل الله تعالى كفيلا بالوفاء، والخيانة أو خفر العهد خيانة لله تعالى.

стр. 3594

ثانيها - أن الوفاء بالعهد يقوي الأمة فيجعل الناس يثقون بها، وتلك قوة، ولذلك شبه الله تعالى من ينقض عهده بالحمقاء التي تنقض ما فتلته من غَزْل، فتجعله أنكاثا شعرا متفرقا. ثالثها - أنه لَا يصح أن تكون الرغبة في زيادة الأرض والسلطان سببا لخيانة العهد؛ لأن ذلك ظلم وطغيان، وفقد لقوة أكبر وأعز من النكث في العهد والخيانة وصدق ما قاله ابن عباس فيما نقلنا (ما خفر قوم في العهد إلا سلط الله تعالى عليهم عدوهم). هذه وصايا الله ، ويلاحظ أنه لم يذكر في هذه الوصايا الصلاة والزكاة والصوم والحج، وهي من أركان الإسلام، والصلاة عمود بهل دين، وكما قال النبي ﷺ : " لا دين من غير صلاة " (١) لأنها لب العبادة. ولماذا لم تذكر الصلاة في هذه الوصايا، مع أنها لَا تقل طلبا في الإسلام عما ذكر من الوصايا العشر؛ ونجيب عن ذلك بثلاثة أمور. أولها - أن المطالبة بها ذكرت إجمالا في قوله تعالى: (وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفوا) وقد ذكرنا أن أول عهود الله تعالى تكليفاته التي كلفها عباده. ثانيها - أن هذه الوصايا مجمع عليها في الأديان، وهي الأساس النفسي والعملي لتكوين الجماعات الفاضلة، وقد جاءت بها الأديان كلها، ورضيتها الشرائع الوضعية المستقيمة. ثالثها - وهي أهمها، أن هذه الآية مكية، ولم تكن الصلاة ولا الصوم ولا الحج قد فرض، والزكاة لم تكن قد نظمت كما ذكرنا آنفا.

стр. 3595

وقد بين الله تعالى من بعد أن هذه الوصايا هي طريق الله الحق الذي بينه لعباده، فقال تعالى: * * *

стр. 3596

(وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ... (١٥٣) * * * (الواو) واو العطف، فهي عاطفة هذه الآية على ما قبلها من الوصايا، و (أنَّ) مفتوحة، فهي ليست صدر جملة مبتدأة، بل مصدر منسبك مع ما بعدها، وعاملها (اتل)، واتل عليهم، وبين لهم أن هذا صراطي مستقيما لَا عوج فيه، والصراط: الطريق، فطريق الله تعالى مستقيم، والمستقيم أقرب طريق يوصل إلى الحق، كما أن الخط المستقيم أقرب خط بين نقطتين. والإشارة إلى ما يبينه الله تعالى من ضلال الذين يحرمون ما أحل الله، وبيان ما أحل وما حرم وبيان ضلال من قتلوا أولادهم سفها بغير علم، وما بينه الله تعالى من نهي عن الشرك، وطلب الإحسان إلى الوالدين، والنهي عن قتل الأولاد من إملاق، والنهي عن القرب من الفواحش والنهي عن قتل النفس التي حرم الله قتلها، والأمر بالإحسان إلى اليتيم ووفاء الكيل والميزان، والعدل في القول والوفاء بعهد الله. كل هذه المعاني، أو جماعها هو طريق الله تعالى وهو طريق مستقيم، وقوله تعالى (مُسْتَقِيمًا) حال من اسم الإشارة. والطريق المستقيم الذي هو صراط الله، والذي هو الخط الذي بينه الله تعالى لعباده يجيء بجواره سبل مختلفة هي مثارات الشيطان يضل بها عباد الله تعالى عن الطريقة المثلى، والمنهاج السوي الهادي. ولقد روى ابن مسعود قال: خَطَّ رسول الله ﷺ خطًّا بيده، ثم قال ﷺ : " هذا سبيل مستقيم " وخط عن يمينه، وعن شماله ثم قال: " هذه السبل ليس

стр. 3597

منها سبيل إلا على رأسه شيطان يدعو إليه "، ثم تلا قوله تعالى: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ) " (١). ومعنى قوله تعالى (فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ) أن هذه السبل التي هي مثارات الشيطان فيها أمران يخرجان بهما عن سبيل الله. أولهما - أنها آثام لَا استقامة فيها بل هي معوجات مضلة. وثانيها - أنها مع ما فيها من إثم تبعد عن الحق وتتفرق في باطلها، فهي لَا تلتقي مع الخط المستقيم، وتتفرق بعضها عن بعض. جاء في سنن ابن ماجه بسنده عن العِرْباض بن سارية قال: " وعظنا رسول الله ﷺ موعظة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، فقلنا يا رسول الله إن هذه موعظة موح فما تعهد إلينا، فقال: تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك من يعش منكم فسيرَى اختلافا كثيرا فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين بعدي. عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم والأمور المحدثات، فإن كل بدعة ضلالة، وعليكم بالطاعة وإن كان عبدا حبشيا، وإنما المؤمن كالجمل الأنف حيثما قيد انقاد " (٢). اللهم إن اتباع السبل المتفرقة التي هي مثارات الشيطان، والتي على كل رأس منها شيطان هي التي فرقت أمتك وجعلت بأسها بينها شديدا، اللهم فاهدها إلى صراطك المستقيم. وإن هذا الصراط هو جماع التوصيات، ولذا قال الله تعالى: (ذَلِكُمْ وَصَّاكم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) ويصح أن نعد هذه الوصية العاشرة، وتكون الوفاء بالكيل والميزان وصية واحدة، وهو أولى والإشارة إلى الصراط المستقيم

стр. 3598

وصى الله تعالى به، أي أمرنا بالوقوف على هدى الله في هذا الصراط أمرا مشددا بألا نحيد عنه، لأن التفرق فيه يجعل أمرنا سددا بددا، لَا تجمعنا فيه جامعة، ولا نسلك طريق هداية، ولذلك قرر بعد هذه التوصية المؤكدة (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) أي رجاء أن تمتلئ قلوبكم بتقوى الله تعالى، وأن تجعلوا بينكم وبين عذابه وقاية، ولعلكم أن ترجو رحمته بعد خوف عقابه، فإن الله غفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا، ثم اهتدى. * * * الرسالة المحمدية حجة على المشركين (ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (١٥٤) وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥) أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (١٥٦) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ (١٥٧) * * *

стр. 3599

بين الله تعالى صراطه المستقيم، وهو صراط القرآن العظيم، وقد أشرنا من قبل إلى أن هذه وصايا الأديان كلها، ومن بعد ذلك أشار إلى شريعة موسى مبينة مع شريعة القرآن ليعلم العرب أن ما جاء به النبي ﷺ وما نزل عليه من قرآن هو تكملة للرسالة الإلهية، فقال تعالى:

стр. 3600

(ثُمً آتَيْنَا مُوسَى الْكتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذي أَحْسَنَ وَتَفْصيلًا لكُلِّ شَىْء وَهُدًى وَرَحْمَةً). (ثُمَّ) هنا عاطفة على الصراط المستقيم، وما سبقه من وصايا، وفهم من التعبير بـ (ثم) هنا أنها لمجرد العطف على التراخي من غير ترتيب؛ لأن ما يتعلق بموسى ﵇ سابق على شريعة محمد ﷺ قال الحافظ ابن كثير ذلك، وقال إنه ترقّ في الخبر من الحاضر إلى الماضي، واستشهد بقول الشاعر: قلن لمن ساد ثم ساد أبوه ... ثم من قبل ذاك قد ساد جدهْ ونحن نرى أن (ثم) هنا للترتيب والتراخي أيضا؛ لأن الترتيب والتراخي كما يكون في المستقبل يكون في الماضي، فهو قد ذكر الأب، ثم ذكر الجد، وذلك تراغ في الزمن الماضي. وليس ذلك غريبًا في استعمال (ثم)، فهو ترقٍ في الذكر من الحاصر إلى الماضي، وفي الماضي ذلك التراخي، وإن ذلك يتلاقى مع قول أبي السعود: إن (ثُمَّ) تجيء للتراخي في الإخبار مع الترتيب، كأن تقول: قابلتك اليوم، ثم بالأمس، ثم قبل ذلك، فان استعمال (ثُمَّ) هنا في موضها. ويكون معنى قوله تعالى: (ثم آتَيْنَا موسَى الْكِتَابَ) إننا وصينا بالصراط المستقيم الذي هو صراط الله تعالى، وهوالقرآن الكريم، ثم من قبل ذلك آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن وتفصيلا. . . . أي أن هذه الوصايا العشر، قد آتيناها من قبل موسى، كما قال تعالى: (وَكتَبْنَا لَهُ فِى الأَلْوَاح مِن كُلِّ شَىْءٍ مَّوْعِظَةً). وكما قال تعالى: (قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا).

стр. 3601

وكما قال تعالى: (وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً). وهذا كتاب مصدق لسانا عربيا. وفى الجملة: إن الله تعالى يقرر بهذا أن الشرائع السماوية في الدعوة إلى الخير والنهي عن الشر ظاهره وباطنه وأن حديثها في الوحي والتنزيل واحد. وقال تعالى: (تَمَامًا عَلَى الَّذِى أَحْسَنَ) أي تتميما وتكميلا لنعمة الهداية فلا شيء أتم من الهداية والتوفيق إلى الصراط وبيان الحق، ولأنه الكمال والتمام للخير جعله الله تفصيلا لكل شيء من شئون الهداية والتوجيه، فهو كتاب قد آتاه الله تعالى موسى فيه كمال الخير وبيانه، ووصفه الله بوصفين كريمين. أحدهما - أنه هدى فهو يهدي إلى الحق ويرشد الذي أحسن التلقي، وكان قلبه مفتوحا للحق ويدخل إليه، ويصل إليه، ولم ينطمس قلبه وبصيرته، ولم يكن على بصره غشاوة. وثانيهما - أنه رحمة، ففيه تفصيل الخير، وبيان الوصول إلى الحق في كل مسالك الحياة، والهداية ذاتها رحمة، والشريعة التي جاءت بها التوراة رحمة بمن بعث موسى ﵇ لهم، وإن هذه الهداية والرحمة، الأخذ بها هو طريق لرجاء الإيمان باليوم الآخر، ولذا قال سبحانه (لَّعَلَّهُم بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يؤْمِنُونَ). أي أن الله تعالى آتي موسى هذا الكتاب تتميما وتكميلا للذي أحسن التلقي، وشرح صدره لقبول الحق، وجعله الله تفصيلا للحق وبيانا له، ونورا وهدى ورحمة - كان رجاء أن يؤمنوا بلقاء ربهم، فقوله تعالى: (لَّعَلَّهُم بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ) الرجاء فيها من العبيد لَا من الله تعالى. وهنا يسأل سائل، لماذا كان الرجاء في الإيمان باليوم الآخر وبلقاء الله تعالى، ولم يذكر غيره مع أن الإيمان له عناصر غير مجرد الإيمان بلقاء الله تعالى؛ ونقول في الإجابة عن ذلك، إن الإيمان بلقاء الله تعالى هو

стр. 3602

الجامع لكل معاني الإيمان، فمن آمن باليوم الآخر لَا يصعب عليه الإيمان بأي جزء من أجزاء الإيمان من بعد، ولذلك كان النكير من العرب والاستغراب في الإيمان بالبعث والنشور. وفى قوله تعالى: (لَّعَلَّهُم بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ) ذكر لقاء الله الذي خلقهم وربَّهُم كناية عما يكون في اليوم الآخر؛ لأن لقاء الله تعالى هو أعظم ما يكون في يوم الدين. * * *

стр. 3603

(وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ ... (١٥٥) * * * الإشارة إلى القرآن لأنه حاضر مهيأ كامل، وهو مبارك لأنه يشمل الخير والحق والفضل، وفيه مصالح الناس في معاشهم، وفيه الشريعة الإنسانية الكاملة ما ترك صغيرة ولا كبيرة من أمر الدين إلا بينها وفصلها تفصيلا، ففيه ما يطهر الروح والجسم، وفيه ما يطهر الجماعة وينميها، وفيه ما يجمع الناس على الود والرحمة، وفيه ما يحقق العدالة والميزان في هذا الوجود، فهو مبارك، وإنه لمستمر لكل من يتلقاه مهتديا بهدى الله تعالى، فهو حبل الله تعالى إلى يومه فهو مبارك في كل نواحيه. وهذا كقوله تعالى: (وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩٢). وإذا كان الكتاب له هذه البركة وهذه الهداية فإن اتباعه يكون واجبا ولازما، لمصلحتهم، فإن فيه النفع العميم؛ ولذا قال تعالى: (فَاتَّبِعُوهُ)، (الفاء) تفصح عن شرط مقدر وجوابه الأمر (اتبعوه)، وقوله تعالى: (وفَاتَّبِعُوهُ) كان لرجاء الخير منه، وقوله بعد ذلك: (وَاتَّقُوا) كانت للوقاية من العذاب، فالاتباع لرجاء النفع، والاتقاء لتجنب ما يترتب على المخالفة من عقاب بعد الحساب، فالأمران فيهما ترغيب في الخير بالاتباع، وترهيب باتقاء نار جهنم عند الاختلاف والعاندة، وختم الله تعالى الآية بقوله تعالى: (لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ).

стр. 3604

أى إذا اجتمع اتباع القرآن والأخذ بهدايته وشريعته، وكانت التقوى في قلوبكم، فإن الرحمة ترجى لكم، ولذا قال تعالى: (لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) أي رجاء أن تكون رحمة الله تعالى تعمكم، ورحمة الله وسعت كل شيء والرجاء من العبيد، لَا من الله، ويصح أن نقول إن الآية فيها بيان أن الرحمة هي الغاية المرجوة للاتباع والتقوى. وهنا يجب أن نلاحظ أن القرآن الكريم يذكر دائما شريعة موسى ﵇، وذلك لأن موسى أنزل عليه الكتاب وهو التوراة فيه بيان كل شيء وفيه ما كان عقابا لبني إسرائيل، ولذلك عندما سمع نفر من الجن قالوا كما أخبر القرآن الكريم: (قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١). وإنه كان من المشركين من يعثذرون عن عبادة الأوثان بأنه لم يجئ إليهم من يهديهم كاليهود والنصارى، فذكر الله أنه أنزل إليهم الكتاب المبارك لكي يقطع عذر جهلهم، فقال تعالى: * * *

стр. 3605

(أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (١٥٦) * * * المشركون كانوا يعتذرون عن وثنيتهم بكل تعلة سواء أكانت مقبوله أو مرذولة، فهم كانوا يرون اليهود والنصارى لَا يعبدون الحجارة، وإن كان فيهم - خصوصا النصارى - من يقدسون بعض الأحجار كتمثال العذراء. فكانوا يعتذرون عن وثنيتهم بأنه لم يجئ كتاب يهديهم إلى الحق كهاتين الطائفتين. وقوله تعالى: (أَن تَقُولُوا إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ) متصل بالآيات التي قبلها، فهي قطع الطريق عن تعلة متعللون، وهو أنهم لَا كتاب يهديهم، فالمعنى وهذا كتاب مبارك خاطبناكم لئلا تقولوا معتذرين، أو فأنزلناه حجة عليكم، حتى لا تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين.

стр. 3606

وقد اعتذروا باعتذارين! أولهما - أنهم قالوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا، والطائفتان هما اليهود والنصارى، والكتاب المذكور هو فيما يظهر التوراة، فهي مصدر عند اليهود والنصارى، كما هو مقرر عند النصارى في هذا الزمان، وقد قرروا قصر هذه الكتب على هاتين الطائفتين، بكلمة (إنما)، أي الإنزال مقصور على هاتين الطائفتين، ولم ينزل علينا، وما كنا لنكلف بكتاب لم ينزل علينا إنما نزل على غيرنا. ثانيهما - أننا كنا عن دراستهم غافلين غير مهتمين بدراسة ما عندهم، ولا ظالمين ولكن غافلين عنه، ولأننا لَا نعرف لغة الكتاب، ولم يبلغ إلينا. وقوله تعالى: (وَإِن كنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ) (إنْ) هي المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، والمعنى أنه الحال والشأن كنا عن دراستهم غافلين لا نعرفها، ولم ننبه إلى معرفتها. وقد أكدوا غفلتهم عنها بعدة مؤكدات. أولها - (إنْ) المخففة فهي للتأكيد. ثانيها - (كنا)، وهي تدلى على استمرار غفلتهم، ثالثها - الجملة الاسمية فهي تؤكد ثبوت الغفلة، رابعها - (اللام). وكان تسجيل الغفلة عليهم وتأكيدها، لتأكيد عذرهم. وقد بين الله تعالى أنه قطع عليهم عذرهم بإنزال القرآن الكريم فلا حجة لجهلهم من بعد بيانه، وإنه المبارك والنور، وفيه الهداية، وفيه الشريعة الكاملة. * * *

стр. 3607

(أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ ... (١٥٧) * * * (أو) عاطفة على (أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين. . .) فإنزال الكتاب الكريم لكيلا يقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين، أو يقولوا لو أنا أنزل

стр. 3608

علينا الكتاب لكنا أهدى منهم، فالآية السابقة اعتذار أو في معنى الاعتذار عن شركهم وإيمان غيرهم، وهذا لبيان ما يرجون لأنفسهم من فضل لو أنزل عليهم كتاب مثل ما أنزل على غيرهم، بل إنهم يحسبون كما يحسب كل مفترٍ أنه لو جاء إليهم أمر من الأمور لعملوا بما يدعو إليه. وإن المشركين قرروا ذلك كما حكى عنهم القرآن الكريم في قوله تعالى: (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءَهُمْ نَذِيرٌ ليَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الأُمَمِ). أكدوا أنهم لو أنزل عليهم الكتاب لكانوا أهدى منهم فقالوا (لو أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم)، الكتاب المراد الذي أنزل على الطائفتين من قبلهم، ولكنه لم ينزل غلينا، فلهم الهداية دوننا، و (لو) هنا حرف امتناع لامتناع، أي امتنع علينا أن نكون مئلهم لأنه لم ينزل علينا مثلهم. أنزل الله تعالى الشرطية الأولى، وهي أنهم لم ينزل عليهم، فقال تعالى: (فَقَدْ جَاءَكم بَيِّنَةٌ من رَّبكمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ). وعبر عن الكتاب الكريم بقوله (بينة) إذ المعنى فقد جاءكم كتاب هو بينة، وعبر بهذا التعبير للإشارة إلى أنه بين في ذاته، وهي بينة فيها ما يدل على صدق النبي ﷺ والدلالة على النزول من عند الله تعالى، فهو كتاب بيِّن يحمل في نفسه دليل صدقه؛ لأنه حجة يتحدى بها، وقد تحداهم أن يأتوا بمثله فعجزوا عجزا مبينا. و (الفاء) في قوله تعالى: (فَقَدْ جَاءَكُم) للإفصاح عن شرط مقدر مضمونه في كلامهم، أي فإذا كنتم تطلبون أن ينزل عليكم كتاب، فقد جاءكم. وقد وصف سبحانه الكتاب بأربعة أوصاف. أولها - أنه (بَيِّنَةٌ)، أي هو بين في ذاته، وفيما دل عليه من شرائع بينها وفصلها، وأحكم بيانها.

стр. 3609

ثانيها - بأنه (مِّن رَّبِّكُمْ) الذي خلقكم ويعرف ما يصلح أموركم، وينفعكم في معاشكم ومعادكم. وثالثها - أنه فيه الهداية إلى الصراط المستقيم وإصلاح نفوسكم، وهداية جمعكم. ورابعها - أن فيه الرحمة بكم؛ لأن فيه الشريعة المحكمة وهي رحمة للعالمين، ولأنه هو نبي الرحمة، قد جاءكم القرآن بما تطلبون أو بما تتمنون، أو بما يكون فيه ادعاؤكم، فهل آمنتم؛ كلا، لم يؤمنوا، وكان كلامهم غرورا أو تغريرا، وهو ضلال في كل أحواله، بل كذبوا بآيات الله، وانصرفوا عنها، ودعوا الناس للانصراف عنها، فضلوا وأضلوا وأشاعوا فساد الفكر والاعتقاد بين الناس، وهم بهذا أشد الظالمين، ولذا قال تعالى: (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا) إنهم بعد أن جاءتهم الرسالة مع الكتاب الذي ادعوا أنه لو أنزل عليهم الكتاب لكانوا أهدى الأمم أي أكثرها هدًى، فلما جاءتهم كذبوا بها، وكذبوا بآيات الله التي أقامها عليهم في التصديق برسالة النبي ﷺ ، كذبوا بالآيات الكونية الدالة على وحدانية الخالق فكذبوا بدلالتها على هذه الوحدانية، وكذبوا بآيات القرآن فلم يصدقوه، وهو آية كبرى، فكانوا ظالمين أشد الظلم، ولذا قال تعالى: (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا) (الفاء) للإفصاح عن شرط مقدر، أي أنهم إذا كانوا قد كذبوا الرسول الذي جاء ببينة من عند ربهم فقد ظلموا، والاستفهام هنا لإنكار الوقوع، أي النفي مع التوبيخ أي لَا أحد أظلم ممن كذب بآيات الله تعالى، وصدف عنها فقد ارتكب ظلمين فاحشين: أولهما - أنه كذب بآيات الله تعالى الدالة على كمال ربوبيته ووحدانيته وعاند الله تعالى في رسالة نبيه وتكذيبه له، وإن ذلك ظلم وكفر، وضلال. ثانيهما - أنه صدف عنها، أي أعرض عنها إعراضا شديدا، فانصرف عنها، وعمل على أن يصرف غيره عنها، فالصدف الانصراف عنها، وصرف الناس عنها

стр. 3610

بتضليلهم، وإيذاء المهتدين لحملهم على الضلال والفساد، والتحريض على ضعاف المؤمنين، وإيجاد رأي عام ضال مضل، ولقد أنذر الله تعالى الذين أعرضوا عن الحق، ودعوا الناس إلى الإعراض وآذوا من لم يعرض عنه، وسلك سبيل المؤمنين، فقال تعالت كلماته: (سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كانُوا يَصْدِفُونَ). (السين) هنا لتأكيد الوقوع في المستقبل، وعبر بالسين الدالة على قرب الوقوع المؤكد؛ للدلالة على قرب الوقوع، وتأكده، وكل آت قريب ما دام مؤكد الوقوع. وأسند سبحانه الجزاء إلى ذاته العلية، لتأكد وقوعه، فإن الله لَا يخلف الميعاد عذابًا أو ثوابًا. وعبر عن الظالمين بالاسم الوصول، وهو إشعار بأن الصلة هي السبب في هذا الجزاء الشديد الذي وصفه سبحانه بأسوأ العذاب، أي عذاب وقعه يسوءهم، ويؤلمهم وهو في ذاته سوء لَا يكون إلا لمن تكون عاقبته السوءى، ولمن كان يفعل ما يسوءا، ويكفر بالله تعالى، وذكر سبحانه السبب في هذا العذاب الذي هو سوء في ذاته، فقال: (بِمَا كانُوا يَصْدِفُونَ) أي بسبب استمرارهم على الصدف بإعراضهم، وحمل الناس على أن يعرضوا عن سبيل الله . وهكذا نرى المشركين في ضلال مستمر، فهم يضلون في أقوالهم وأفعالهم، وشركهم، وقانا الله شر مآلهم. * * * هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا
следующие страницы →