← Тафсир

Тафсир · id 37071

زهرة التفاسير

محمد أبو زهرة

Полный текст (8 373 стр.). Показаны 3606–3645 · переход к 3611.

стр. 3606

وقد اعتذروا باعتذارين! أولهما - أنهم قالوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا، والطائفتان هما اليهود والنصارى، والكتاب المذكور هو فيما يظهر التوراة، فهي مصدر عند اليهود والنصارى، كما هو مقرر عند النصارى في هذا الزمان، وقد قرروا قصر هذه الكتب على هاتين الطائفتين، بكلمة (إنما)، أي الإنزال مقصور على هاتين الطائفتين، ولم ينزل علينا، وما كنا لنكلف بكتاب لم ينزل علينا إنما نزل على غيرنا. ثانيهما - أننا كنا عن دراستهم غافلين غير مهتمين بدراسة ما عندهم، ولا ظالمين ولكن غافلين عنه، ولأننا لَا نعرف لغة الكتاب، ولم يبلغ إلينا. وقوله تعالى: (وَإِن كنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ) (إنْ) هي المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، والمعنى أنه الحال والشأن كنا عن دراستهم غافلين لا نعرفها، ولم ننبه إلى معرفتها. وقد أكدوا غفلتهم عنها بعدة مؤكدات. أولها - (إنْ) المخففة فهي للتأكيد. ثانيها - (كنا)، وهي تدلى على استمرار غفلتهم، ثالثها - الجملة الاسمية فهي تؤكد ثبوت الغفلة، رابعها - (اللام). وكان تسجيل الغفلة عليهم وتأكيدها، لتأكيد عذرهم. وقد بين الله تعالى أنه قطع عليهم عذرهم بإنزال القرآن الكريم فلا حجة لجهلهم من بعد بيانه، وإنه المبارك والنور، وفيه الهداية، وفيه الشريعة الكاملة. * * *

стр. 3607

(أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ ... (١٥٧) * * * (أو) عاطفة على (أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين. . .) فإنزال الكتاب الكريم لكيلا يقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين، أو يقولوا لو أنا أنزل

стр. 3608

علينا الكتاب لكنا أهدى منهم، فالآية السابقة اعتذار أو في معنى الاعتذار عن شركهم وإيمان غيرهم، وهذا لبيان ما يرجون لأنفسهم من فضل لو أنزل عليهم كتاب مثل ما أنزل على غيرهم، بل إنهم يحسبون كما يحسب كل مفترٍ أنه لو جاء إليهم أمر من الأمور لعملوا بما يدعو إليه. وإن المشركين قرروا ذلك كما حكى عنهم القرآن الكريم في قوله تعالى: (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءَهُمْ نَذِيرٌ ليَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الأُمَمِ). أكدوا أنهم لو أنزل عليهم الكتاب لكانوا أهدى منهم فقالوا (لو أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم)، الكتاب المراد الذي أنزل على الطائفتين من قبلهم، ولكنه لم ينزل غلينا، فلهم الهداية دوننا، و (لو) هنا حرف امتناع لامتناع، أي امتنع علينا أن نكون مئلهم لأنه لم ينزل علينا مثلهم. أنزل الله تعالى الشرطية الأولى، وهي أنهم لم ينزل عليهم، فقال تعالى: (فَقَدْ جَاءَكم بَيِّنَةٌ من رَّبكمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ). وعبر عن الكتاب الكريم بقوله (بينة) إذ المعنى فقد جاءكم كتاب هو بينة، وعبر بهذا التعبير للإشارة إلى أنه بين في ذاته، وهي بينة فيها ما يدل على صدق النبي ﷺ والدلالة على النزول من عند الله تعالى، فهو كتاب بيِّن يحمل في نفسه دليل صدقه؛ لأنه حجة يتحدى بها، وقد تحداهم أن يأتوا بمثله فعجزوا عجزا مبينا. و (الفاء) في قوله تعالى: (فَقَدْ جَاءَكُم) للإفصاح عن شرط مقدر مضمونه في كلامهم، أي فإذا كنتم تطلبون أن ينزل عليكم كتاب، فقد جاءكم. وقد وصف سبحانه الكتاب بأربعة أوصاف. أولها - أنه (بَيِّنَةٌ)، أي هو بين في ذاته، وفيما دل عليه من شرائع بينها وفصلها، وأحكم بيانها.

стр. 3609

ثانيها - بأنه (مِّن رَّبِّكُمْ) الذي خلقكم ويعرف ما يصلح أموركم، وينفعكم في معاشكم ومعادكم. وثالثها - أنه فيه الهداية إلى الصراط المستقيم وإصلاح نفوسكم، وهداية جمعكم. ورابعها - أن فيه الرحمة بكم؛ لأن فيه الشريعة المحكمة وهي رحمة للعالمين، ولأنه هو نبي الرحمة، قد جاءكم القرآن بما تطلبون أو بما تتمنون، أو بما يكون فيه ادعاؤكم، فهل آمنتم؛ كلا، لم يؤمنوا، وكان كلامهم غرورا أو تغريرا، وهو ضلال في كل أحواله، بل كذبوا بآيات الله، وانصرفوا عنها، ودعوا الناس للانصراف عنها، فضلوا وأضلوا وأشاعوا فساد الفكر والاعتقاد بين الناس، وهم بهذا أشد الظالمين، ولذا قال تعالى: (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا) إنهم بعد أن جاءتهم الرسالة مع الكتاب الذي ادعوا أنه لو أنزل عليهم الكتاب لكانوا أهدى الأمم أي أكثرها هدًى، فلما جاءتهم كذبوا بها، وكذبوا بآيات الله التي أقامها عليهم في التصديق برسالة النبي ﷺ ، كذبوا بالآيات الكونية الدالة على وحدانية الخالق فكذبوا بدلالتها على هذه الوحدانية، وكذبوا بآيات القرآن فلم يصدقوه، وهو آية كبرى، فكانوا ظالمين أشد الظلم، ولذا قال تعالى: (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا) (الفاء) للإفصاح عن شرط مقدر، أي أنهم إذا كانوا قد كذبوا الرسول الذي جاء ببينة من عند ربهم فقد ظلموا، والاستفهام هنا لإنكار الوقوع، أي النفي مع التوبيخ أي لَا أحد أظلم ممن كذب بآيات الله تعالى، وصدف عنها فقد ارتكب ظلمين فاحشين: أولهما - أنه كذب بآيات الله تعالى الدالة على كمال ربوبيته ووحدانيته وعاند الله تعالى في رسالة نبيه وتكذيبه له، وإن ذلك ظلم وكفر، وضلال. ثانيهما - أنه صدف عنها، أي أعرض عنها إعراضا شديدا، فانصرف عنها، وعمل على أن يصرف غيره عنها، فالصدف الانصراف عنها، وصرف الناس عنها

стр. 3610

بتضليلهم، وإيذاء المهتدين لحملهم على الضلال والفساد، والتحريض على ضعاف المؤمنين، وإيجاد رأي عام ضال مضل، ولقد أنذر الله تعالى الذين أعرضوا عن الحق، ودعوا الناس إلى الإعراض وآذوا من لم يعرض عنه، وسلك سبيل المؤمنين، فقال تعالت كلماته: (سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كانُوا يَصْدِفُونَ). (السين) هنا لتأكيد الوقوع في المستقبل، وعبر بالسين الدالة على قرب الوقوع المؤكد؛ للدلالة على قرب الوقوع، وتأكده، وكل آت قريب ما دام مؤكد الوقوع. وأسند سبحانه الجزاء إلى ذاته العلية، لتأكد وقوعه، فإن الله لَا يخلف الميعاد عذابًا أو ثوابًا. وعبر عن الظالمين بالاسم الوصول، وهو إشعار بأن الصلة هي السبب في هذا الجزاء الشديد الذي وصفه سبحانه بأسوأ العذاب، أي عذاب وقعه يسوءهم، ويؤلمهم وهو في ذاته سوء لَا يكون إلا لمن تكون عاقبته السوءى، ولمن كان يفعل ما يسوءا، ويكفر بالله تعالى، وذكر سبحانه السبب في هذا العذاب الذي هو سوء في ذاته، فقال: (بِمَا كانُوا يَصْدِفُونَ) أي بسبب استمرارهم على الصدف بإعراضهم، وحمل الناس على أن يعرضوا عن سبيل الله . وهكذا نرى المشركين في ضلال مستمر، فهم يضلون في أقوالهم وأفعالهم، وشركهم، وقانا الله شر مآلهم. * * * هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا

стр. 3611

إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٥٨) إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (١٥٩) * * * أتى الله تعالى بالبينات فكذبوها، وأرسل عليهم الرسل بمعجزات قاهرة فلم يصدقوها، وأرسل إليهم محمدا خاتم النبيين فكذبوه، فلم يبق إلا أن ينتظروا العذاب، وما يسبقه، والقيامة وما يتبعها من حساب وعقاب. منهم قد يئس الحق من أن يدركوه، ولذا قال تعالى:

стр. 3612

(هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ). أكثر المفسرين على أن ذلك عندما يحين حين هذه الدنيا، والاستفهام إنكاري توبيخي، لَا ينتظرون بعد هذا التكذيب إلا أن تأتيهم الملائكة تقبض أرواحهم، أو يأتيهم ربك أي أمر ربك، فهي من قبيل حذف المضاف والاكتفاء بذكر الله تعالى، وأمر الله شديد لَا قبل لكم باحتماله، إذ يتغير الكون، وينفخ في الصور (أَوْ يَأتِيَ بَعْضُ آيَاتِ)، من تغيير كل شيء في الكون إذ تقوم القيامة. (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ)، ولم ينفعها خير لم تكن قد قدمته من قبل، وهذا قوله تعالى: (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا). (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ)، وهي ما يجيء يوم القيامة، وقد فسر النبي ﷺ بعض هذه الآيات، فقد روى أنه ﷺ قال: " لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات، طلوع الشمس من مغربها، والدخان، والدابة، ويأجوج ومأجوج، وخروج عيسى ابن مريم، وخروج الدجال، وثلاثة خسوف، خسف بالمشرق وخسف

стр. 3613

بالمغرب وخسف بجزيرة العرب " (١) رواه أحمد، وصححه الترمذي، وقال حديث حسن صحيح. وإذا كان ذلك اليوم المشهود يكون انتهى العمل وبقي الجزاء، تكون الدنيا قد انتهت وابتدأت الآخرة، فلا ينفع إيمان لأنه قد جاء بعد إبانة، وفات أوانه، فلا ينفع نفسا إيمانها؛ إن آمنت، إذ الإيمان يكون والنفس في فسحة من مجيء هذا اليوم، أو إذا كانت كسبت خيرا في إيمانها لَا ينفع في ذلك اليوم، فهو ليس يوم الكسب بل هو يوم أزاء فلا إيمان يجدي، ولا ينفع كسب كسبه في إيمان في ذلك اليوم لأنه إذا كان الإيمان لَا يجدي، فما يكتسبه فيه لَا يجدي، (أو) في معنى الواو هنا، ولكن عبر بها لتنويع عدم النفع، إذ لَا ينفع إيمان، ولا ينفع كسب مع إيمان، إذ إن هذا هو يوم الجزاء. هذا تفسير المفسرين، وقد خطر خاطر أذكره غير جازم به، ولكني أذكره على أنه احتمال وذلك أن قوله تعالى: (يَنظُرُونَ إِلَّا أَن تَأتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأتِي رَبُّكَ أَوْيَأتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ) أنهم لم تجئهم بينات النبي ﷺ وقد طلبوا أن تنزل عليهم الملائكة، ولو جعله الله ملكا لجعله رجلا، وللبسنا عليهم ما يلبسون، وطلبوا أن يروا الله كما طلب بنو إسرائيل أن يروا ربهم، وقالوا أرنا الله جهرة. وطلبوا هم بعض آيات كونية، ومن ذلك ما حكى القرآن الكريم عنهم، إذ يقول تعالى: (وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (٩٣) وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤) قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا (٩٥).

стр. 3614

هذه آيات طلبوها، أن تسقط كسفا من السماء أو يأتي الله والملائكة قبيلا فالله تعالى يقول في هذه الآية: (هَلْ يَنظُرونَ إِلَّا أَن تَأْتِيَهُمُ) هده الآيات، أن تأتيكم الملائكة، أو يأتيكم ربكم أو بعض آيات ربكم لتؤمنوا، وقد كفرتم بكل الآيات، ثم هددهم بأن تأتيهم بعض آيات ربك فتكون القيامة، ولذا قال سبحانه آمرا نبيه أن يقول لهم: (قُلِ انتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ). قل يا محمد يا خير الخلق:، انتظروا بعض آيات ربك التي تستقبلكم، فيكون الحساب والعقاب، وإنا منتظرون لنلقاكم فيكون الجزاء بعد الحساب وحينئذ ينزل العقاب بكم على كفركم، وينال المؤمنون الثواب لإيمانهم والله بكل شيء محيط، وإن ذلك جزاء المشركين. ومثل المشركين، الذين فرقوا دينهم، وكانوا شيعا وأحزابا في دينهم من غير المشركين ولذا قال تعالى: * * *

стр. 3615

(إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ... (١٥٩) * * * بعد أن ذكر المشركين وأحوالهم، وكفرهم بالآيات البينات أخذ يبين غير مشركي العرب من يهود ونصارى وصابئة، وقد تفرقوا فرقا مختلفة، فقال تعالى: (إِنَّ الَّذينَ فَرَّقوا دينَهُمْ وَكانُوا شيَعًا لَّسْتَ منْهُمْ فِى شَىء). وقراءة حفص بتشديد الراء (١)، وهناك قراءة بالمد (فارقوا دينهم) وتكتب في المصحف من غير ألف كشأن كثير من حروف المد في القرآن كالسماوات، ولقد قال على كرم الله وجهه: فَرَّقُوا حتى فارقوا. وإن موضوع الآية الكريمة أهل الكتاب، فقد تفرقوا في دينهم فرقا مختلفة قبل الإسلام فكان في اليهود الأريسيون والصدوقيون، ومنهم من لَا يؤمن بالآخرة، وكان منهم الربانيون والقرارون، وكل فرع بما عنده يشايع فرعه، ويعادي

стр. 3616

غيره، ومن النصارى السامرة الذين ليسوا من بني إسرائيل، ولكن ينفون عنهم مع أنهم يؤمنون برسالة موسى عليهم، وإن لم يكونوا في طغيان بني إسرائيل. والنصارى اختلفوا قبل الإسلام فيما بينهم فكان منهم الكاثوليك الذين يسمون في التاريخ العربي الملكانية، والأرثوذكس الذين كانوا على فرق مختلفة، ومن بعد الأرثوذكس الأقباط، وكانوا يسمون في التاريخ العربي اليعقوبيين وأرثوذكس اليونان والرومان، وغيرهم. وكان منهم قبل الإسلام النسطوريون، وهكذا اختلفوا على غير جامع من الحقائق يجمعهم، وإن جمعهم اسم النصارى، ولذا قال تعالى: (ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤) مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٣٥) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٣٦) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٣٧). فواضح من سياق القرآن الكريم وتاريخ النصارى واليهود أنهم اختلفوا وفرقوا دينهم شيعا، وقد أكد القرآن الكريم أن الاختلاف بعد أن جاء الحق بينا؛ ولذا قال تعالى: (وَمَا تَفَرَّقَ الَّذينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ). ولقد قال بعض المفسرين: إن موضوع الآية هم المبتدعة من أمة محمد ﷺ الذين فرقوا دينهم من خوارج وشيعة، ونهجوا غير منهاج السنة. ولقد اختار الحافظ ابن كثير أن الآية الكريمة شاملة كل من يختلفون في دينهم من أهل الكتاب الحاليين الذين فرقوا دينهم من بعدما أوتوه من علم جامع، والذين يفرقونه، ويحذون حذوهم من بعد ذلك في أمة محمد ﷺ الذين يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية. وأقول: إن الآية موضوعها أهل الكتاب في مقابل الوثنيين الذين ضلوا مثل ضلال الوثنيين، ومظهر ذلك اختلافهم في أصل دينهم ومروقهم من حقيقة ما أمر

стр. 3617

به ربهم، وما فعلوه بعد ذلك من أمة محمد ﷺ يدخلون مدخلهم بالقياس أو الاتباع لهم فهم مثل ضلالهم. والتشيع - هنا معناه الفرق التي يشايع كل واحدة منها زعيما يكون على الضلال فيتبعونه عن غير بينة وهداية. ولقد حكم الله تعالى على هذه الشيع ببراءة النبي ﷺ : فقال تعالى: (لَسْتَ مِنْهُمْ فِى شيءٍ) أي أنك بريء منهم، لأنك لست منهم في منازعهم ومفترقهم في شيء ومن الاتصال، فقوله تعالى: (فِى شَىْءٍ) تأكيد في نفي اتصاله بهم وتأكيد لمغايرته لهم في دعوته، ويترتب على ذلك أن تبعة هذا الافتراق لا تعود إليك؛ إنما أنت نذير، ولكل قوم هاد، ولذا قال تعالى: (إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّه ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ). بين في هذا النص السامي أن أمرهم في مصيرهم ونهاية أمرهم هو لله وحده، فهو الذي يتولاهم بالحساب، ومن بعده العذاب، و (إنما) هنا دالة على القصر، أي أن أمرهم إلى الله وحده، وفي ذلك من الترهيب بأمر الله تعالى ما فيه من إنذار بالهول الشديد والعذاب العتيد، ولذا قال تعالى: (ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كانُوا يَفْعَلُونَ) الإنباء والتنبئ معناه الخبر الشديد الخطير، ومعنى إنبائهم بما كانوا يفعلون إنباؤهم بما ينتظرهم من العقاب بما كانوا يقولون، فينالون من بعد ذلك جزاؤه، ويصح أن يكون الإنباء بإنزال العذاب فعلا، فيكون الإبناء بالفعل لا بالقول، ويكون معناه أنه عذبهم بفعلهم لأن فعلهم هو الذي اقتضى العقاب، فهو سببه وملازمه لَا يفترق جزاء بما كسبوا. وفى التعبير بـ (ثم) إشارة إلى افتراق حالهم في دنياهم عن حالهم في أخراهم افتراقا بينا؛ لأن بينهم مسافة بعيدة اقتضت التعبير بما يدل على التراخي، والله أعلم - * * *

стр. 3618

ما أنعم الله به على من هداهم (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠) قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (١٦٤) * * * ذكر الله تعالى أحوال الكافرين بالرسالة المحمدية، وعناد المشركين الذين عاندوا وكفروا بالآيات كلها، وأعقبهم بالإشارة إلى المتنابذين الكفار من أهل الكتاب وضلالهم. وكان لَا بد من بعد ذلك من أن يذكر النور بعد الظلام، فأخبر عن المهتدين، وأنه يضاعف الحسنات، ويعفو عن السيئات إذا صدق الإيمان، وكانت الهداية الغالبة في أعمالهم وامتلأت بها قلوبهم؛ ولذا قال تعالى:

стр. 3619

(مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا).

стр. 3620

من جاء بالحسنة أي العمل الذي هو حسن في ذاته واستحسنه الشرع الشريف، وحسنة: صفة موصوفها فعله حسنة في ذاتها، ورآها الشرع حسنة نافعة للناس فيها معاونة أو فيها طهارة وتزكية روح وإعانة محتاج وإغاثة ملهوف، وغير ذلك مما هو في أخلاق الناس أمر حسن، أو فيه نفع قصد به وجه الله تعالى، وجزاء الحسنة عشر أمثالها أي حسنات تساوي عشر أمثالها، أو هي عشر من هذه الحسنات، وفي قراءة (عشر أمثالها) (١) برفع عشر وتنوينها، أي مقدار عشر هي أمثال هذه الصدقة، ويظهر أن ذلك هو الحد الأدنى، وتعلو الحسنة بعلو القصد في النفس، وبعلو الموضوع بمقدار النفع والتعاون للإنسان، وقد ذكر أن جزاء الصدقة سبعمائة مثل، فقال تعالى، وهو أصدق القائلين: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١). وذلك لأن الصدقة تتضاعف آثارها، وتكثر ثمراتها فهي تشبع نفسا جائعة، وتمنع تفككا واضطرابا، وتلقي أمنا وسلاما، وتزيل أحقادا وتوجد تعاونا مستمرا، والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه، وسماه الله تعالى قرضا لله تعالى، فقال (مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرضًا حَسَنًا. . .)، وإن من يقرض موجد الوجود يكون بدله أضعافا مضاعفة، كمن يعطي ذا مروءة عطاء، فإنه يزيد في بدله، فكيف بخالق الناس، ولله المثل الأعلى في السماوات والأرض. وجزاء سيئة مثلها لَا يزيد عنها، وقد يغفرها سبحانه، ولذا قال تعالى: (وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا) وَحَذَ الله هنا الجزاء حدا لا يتجاوزه، فذكر أنه لَا يجزى إلا مثلها، فنفى وأثبت، وذلك قصد للجزاء لا يعدوه، أما ما ذكر من جزاء الحسنة فذكر أنه عشر أمثالها، ولم يذكره حتى لَا يعدوه بل هو حد أدنى يقبل الزيادة بحسب أحوال النفوس وبحسب موضوع الحسنة، وكلما كانت متصلة بالناس، لنفعهم تضاعف الجزاء كما جاء في آيات الصدقات، والتعبير في بعضها بأنها قرض لله ، وهو

стр. 3621

الغني الحميد، كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُم الْفقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ). ولقد جاءت الآثار عن النبي ﷺ بما يفيد أن في معنى الآية من الحد بعشر أمثالها هو حد أدنى، فقد روى مسلم والإمام أحمد أن النبي ﷺ قال: " يقول الله من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها وأزيد، ومن جاء بسيئة فجزاء سيئة مثلها أو أغفر، ومن تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا، ومن تقرب ذراعا تقربت منه باعا، ومن أتى يمشي أتيته هرولة، ومن لقيني بِقِرابِ الأرض (أي بما يقاربها في ملئها وحجمها) خطيئة لَا يشرك بي شيئا لقيته بمثلها مغفرة، (١). والسيئة الأمر الذي يسوء في نفسه، ويسوء الناس، ويعصى به الله تعالى، وعبر عنه بالسيئة بأقبح ما يكون من معاصي، فإن أعلى المعاصي ما يكون إساءة للناس، وإيذاء. وقد صرح الحديث بالنسبة لمن يهم بسيئة فلم يفعلها بأنه لَا يكتب له شيء ومن همَّ بحسنة فلم يفعلها كتبت له حسنة؛ لأن النية الطيبة حسنة في ذاتها، فالأعمال بالنيات. ولقد تكلم ابن كثير في بيان أحوال من يهم بسيئة فلم يفعلها فقد قسمها إلى ثلاثة أقسام باعتبار حال التارك لها بعد أن يهم، فقال ﵁: (اعلم أن تارك السيئة الذي لَا يعملها على ثلاثة أقسام، تارك يتركها لله تعالى، فهذا تكتب له حسنة على كفِّه عنها لله تعالى، وهذا عمل ونية، ولذا جاء أنه يكتب له حسنة، كما جاء في بعض ألفاظ الصحيح: " فإنه تركها من جرائي "؛ أي من أجلي (٢)، وتارة يتركها نسيانا وذهولا عنها، فهذا لَا عليه ولا له؛ لأنه لم ينو

стр. 3622

خيرا وما فعل شرا، وتارة يتركها عجزا وكسلا عنها بعد السعي في أسبابها والتلمس بما يقرب منها، فهذا بمنزلة فاعلها). وإن ذلك تقسيم حسن أخص ما فيه أنه يخرج ممن يهم بسيئة ولم يفعلها من هَمَّ وأخذ في الشروع في جريمة، ولكن حال بينه وبينها أمر لَا يستطيع مدافعته فهو لَا يكون قد هم فقط، بل نوى الفعل واعتزمه ولكن عجز لأمر خارج عن إرادته. ولقد ختم العلي القدير كلماته في هذا الموضوع بقوله تعالى: (وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) إن الآيات عطاء وعفو، فالعطاء من فضل الله تعالى، والعفو من رحمته، وهو الذي يعطي من يستحق، ويمنع عمن يستحق، وإن شاء غفر، وعلى ذلك لَا يظلم أحدا شيئا؛ لَا يمنع حقا، بل يعفو ويصفح عن أهل الإيمان الذين لا يشركون به شيئا، وهو السميع العليم. * * *

стр. 3623

(قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ... (١٦١) * * * أمر الله تعالى نبيه أن يبين أنه يسلك الخط المستقيم الذي هو الدين القيم، وأنه ملة إبراهيم (قُلْ) يا محمد أيها النبي الأُميّ العربي (إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّى إِلَى صِرَاطٍ مسْتَقِيم). كان ذلك الأمر للنبي ﷺ ليخاطب به العرب مخبرا عن نفسه الكريمة، وعمن اتبعه من المؤمنين - هداني ربي الذي خلقني، وربَّني وقام على كل ما أقوم عليه، فهو القوام على كل نفس، والقائم على كل شيء، فوصف الربوبية في هذا المقام للدلالة على أن الهداية منسوبة إلى الخالق المكوِّن، فهي هداية حق لَا ضلال فيها، ولا أوهام ولا أهواء عند الله ، وقد أكد أن الهداية من رب الوجود بـ (إن)، والهداية كانت إلى دين اتصف بأمور ثلاثة. أولها - أنه صراط مستقيم، أي طريق مستقيم موصل إلى الحق الذي لا ريب فيه من غير التواء ولا اعوجاج، فليس فيه تعقيد بل إنه الفطرة المستقيية، فطرة الله التي فطر الناس عليها.

стр. 3624

الوصف الثاني - قوله تعالى: (دِينًا قِيَمًا) أي حال كونه دينا صحيحا، قِيَمًا و (قيم) مصدر قوِم، وزن فعل، كعوج. وهو نقيضه، وقرئ (قَيِّمًا) (١) أي هو في ذاته قيِّم بلغ أعلى المنزلة في الأديان، والقراءتان متلاقيتان في المعنى وفي القراءة الأولى كان المصدر وصفا، وذلك في معنى المبالغة في أنه قيم وقويم، كقولك فلان عَدْل. الوصف الثالث - وهو شرف إضافي، فالوصفان الأولان ذاتيان؛ لأنهما وصفان حقيقيان لأنهما مشتقان من ذات الدين، وذلك الوصف هو قوله تعالى (مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا) وذكر هذا الوصف ليبين للعرب الذين كانوا يتفاخرون بنسبهم إلى إبراهيم، وبأنه أبو العرب، ويدعون أنهم على ملة إبراهيم مع عبادتهم الأوثان، فالنبي ﷺ يبين لهم بإنه هو الذي على ملة إبراهيم، وليسوا هم على ملته في شيء. وهنا وصف ذاتي لهذا الدين جاء في ثنايا ذلك القول. وهو قوله تعالى: (حَنِيفًا) أي غير منحرف إلى باطل بل هو مائل إلى الحق متجه إليه، فهو مستقيم متجه إلى الحق فحنيفا صفة للدين. ثم بين سبحانه ردًّا على وثنية المشركين، فقال: (وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) أي ليس لكم أن تفاخروا باتباعكم إبراهيم، فما كان إبراهيم من المشركين، ما كان إبراهيم أبوكم وأبو الأنبياء ممن دخل في صفوف المشركين، بل أوَّابًا مؤمنا. وهذا كقوله تعالى: (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفَا وَمَا كانَ مِنَ الْمُشْرِكينَ)، وقال تعالى: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١).

стр. 3625

ولقد كانت ملة إبراهيم ﵇ سمحة لَا ضيق فيها، ودين محمد ﵊ دين سمح لَا حرج فيه. ولقد قال تعالى: (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ). * * * (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣) * * * أمر الله تعالى نبيه بأن يقول قولة يكون بها كله لله تعالى ليس لأحد شيء في نفسه أو جارحته، أمره بأن يكون كله لله، وإنه لكذلك، وخاطب من معه من المؤمنين ليكونوا ربانيين، وأن يخاطب بذلك المشركين ليتخلفوا عن الشرك والأوهام والأهواء،

стр. 3626

(إِنَّ صَلَاتِي) أي دعائي وضراعتي، وعباداتي، ومنها الصلاة المفروضة، والنفل والتهجد لله وحده ليس لأحد فيها شركة أو نصيب، بل هي لله وحده لَا شريك له (وَنُسُكِي) النسك العبادة، والنسك أيضا جمع نسيكة، وهي الذبيحة في أضحية أو حج أو عمرة، قال بعض المفسرين: إنها هنا بمعنى العبادة، فيكون الكلام من عطف العام على الخاص، وتكون كلمة الصلاة المقصودة؛ الصلاة: فرضها ونفعلها، والتهجد بها، وخصت بالذكر، لأنها عمود الدين ولبه، ولا دين من غير صلاة. وفسر ابن كثير النسك هنا بالذبائح في الأضحى، والعمرة والحج، ذلك أن العرب كانوا يشركون ويدَّعون أنهم على ملة إبراهيم ﵊، ويهلون لغير الله، فبين لهم النبي ﷺ بأمر الله تعالى له بالبيان بأن يذكر أن ملة إبراهيم كانت دينا قيما يعبد الله وحده، ويذبح مهلا لله تعالى وحده، وروي ذكر اسم الله تعالى في ذبيحة النبي ﷺ ، فروي عن ابنِ عباسٍ عن جابر أن رسول الله ﷺ ضحى بكبشين، وقال حين ذبحهما: (إِنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (١).

стр. 3627

(قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣). وإن تفويض الرسول ﵇ لربه تعالى تفويض كامل، وملكية الله تعالى له ولعباده ملكية كاملة لَا مثنوية فيها لله ، ولذا أمره تعالى بأن يقول: (مَحْيَاي وَمَمَاتِى لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) وهي تدل على أمرين: الأمر الأول - أن النبي ﷺ في حياته الدنيا، ومماته من بعدها، ثم حياته في الآخرة لله تعالى هو المتصرف فيها المالك لها، فهو رب الوجود، ومالك يوم الدين، وهذا هو الفناء في ذات الله تعالى على الوجه الإسلامي الحنيف المستقيم. والأمر الثاني - أن (محيا) و (ممات) مصدران ميميان، بمعنى الإحياء المستمر، والممات من بعد، ثم الإحياء المستمر، والمعنى إحيائي في هذه الحياة الدنيا المستمدة منك ولك - وإماتتي لك أنت الذي تحييني وتميتني، وحياتي الباقية الخالدة منك ولك، يارب العالمين. وقرن القول السامي برب العالمين لبيان أنه القائم على الحياة وهو الذي بيده الموت والحياة من بعده، وهو الحي القيوم لَا إله إلا هو العزيز الحكيم. وأكد على لسان النبي ﷺ بقوله:

стр. 3628

(لا شَرِيكَ لَهُ) لا يشركك يا رب العالمين في نفسي وفي حياتي ومماتي أحد من الناس، أو غير الناس، فكلي لك من غير شريك، فأنت المالك وحدك لي ولغيري من كل ما في الوجود. ثم يقول ﷺ بأمر ربه: (وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) أي أول من أخلص دينه لله ووجهه لله، فالإسلام استقامة النفس واتجاهها إلى الله وحده، من غير إشراك وثن، وأمر الله تعالى نبيه بأن يقول هذا لقومه من المؤمنين والمشركين تحريض لمن آمنوا على البقاء، وتحريض للمشركين على خلع عبادة الأوثان، فالأولية هي لمن يخاطبهم النبي ﷺ ليحتملهم على الاتباع والاقتداء به، كمن يقول لآخر: ادخل هذا الباب، وأنا أمامك أول من يدخل.

стр. 3629

فالأولوية على هذا بالنسبة لأمته ولمن بعث إليهم، وذكر تحريضا لهم على الاتباع والاقتداء، كما ذكرنا، وليست الأولية مطلقة، فإن الإسلام دين الأنبياء جميعا قبل النبي ﷺ ولقد قال تعالى فيما قال نوح ﵇ لقومه: (فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ)، وقال تعالى في إبراهيم: (وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢)، ولقد قال يوسف: (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١). وقال بعض العلماء: إن أولية إسلام النبي ﷺ أولية مطلقة، فهو كما قال ذلك القائل، أول الأنبياء إسلاما وآخرهم مبعثا، والله أعلم. * * *

стр. 3630

(قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ... (١٦٤) * * * أمر الله تعالى نبيه أن يقول للمشركين في سياق الدليل على أنه لَا يعبد سواه، ولا رب سواه، والاستفهام هنا إنكاري لإنكار الوقوع لَا يمكن أن يقع مني أن أبغي غير الله ربًّا، ويكون تقديم غير الله على الفعل. في معنى القصر أي لا أبغي غير الله تعالى ربًّا أعبده، وعبر هنا بقوله (رَبًّا)، ولم يعبر بكلمة (إلها) مع أن المقصود هو العبادة، إذ المعنى أبغي غير الله إلها، وهو رب كل شيء، للإشارة إلى التلازم بين الربوبية والألوهية، إذ أنهم كانوا يعترفون بأن الله تعالى رب كل شيء وخالق كل شيء، ولكنهم يفرقون ذلك عن العبادة، فهم يعتقدون أن الله خالق كل شيء، ولكنهم يعبدون الأوثان، ويقولون: ما نعيدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، فقوله تعالى (أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا) فيه إشارة إلى الربوبية والخلق والتكوين، والعبادة فالمعبود بحق هو الرب الخالق، لَا هذه الأوثان التي تتوهمون فيها سرا وتقريبا، وما هي بشيء.

стр. 3631

وقد أكد القصر في العبادة على الله تعالى بقوله (وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ) وكانت هذه مقدمة منطقية مؤداها، أنه خالق كل شيء، وخالق كل شيء هو المستحق للعبادة وحده؛ لأنه مالك كل شيء. وإن التعبير بقوله تعالى (أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا) في التعبير بـ (رب) عما أشرنا إليه من معنى التلازم بين الربوبية والعبودية فيه إشارة أخرى، وهو أنه لَا يعبد غيره، ولا يتوكل إلا عليه؛ لأن الربوبية تقتضي ألا يلجأ المؤمن إلا إليه ، وقد قال تعالى في معنى ذلك، (قلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا. . .)، وقال تعالى: (. . . فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ. . .). وإن كل امرئٍ بما كسب رهين، يحمل تبعات أعماله، ولا يحمل وزر غيره ولذا قال تعالى: (وَلا تَكْسِبُ كُلّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى). قالوا إن المشركين كانوا يريدون من المؤمنين أن يرجعوا إلى دينهم الذي تركوه، وقالوا نتحمل وزركم ولا تتحملون آثاما، فالله رد قولهم بهذا، وما نحسب أن ذلك وقع، إن كان قد وقع، فالآية عامة لحقيقة رئيسة، و (الكسب) الفعل الذي يصدر عن شخص مؤمن بما يفعل، قد كسبته نفسه، وقام بها، ومعنى قوله تعالى: (وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا) لَا تكسب أي نفس عملا إلا كانت مغبته ومآله عليها، تتحمل تبعته إن شرا، وتنال جزاءه إن كان خيرا وبذلك يكون النص محتملا الجزاء بنوعيه عقابا أو ثوابا. ويصح أن الكسب هنا كسب الإثم، ويكون عليها بالعذاب، ويؤكد هذا المعنى قوله تعالى: (وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)، أي لَا تحمل نفس وازرة وزر أخرى فكل امرئٍ بما كسب رهين، وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى. وإن جزاء الآخرة ثوابا وعقابا مبني على ذلك، فلا يحاسب امرؤ بجريمة غيره، ولا يلقى عن شخص جرم ليلحق إلى غيره، والله تعالى علام الغيوب، وكل يحمل كتابه.

стр. 3632

ولكن في الدنيا عواقب للأعمال، قد تتعدى الفاعل، وقد قال تعالى: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً) [التخريج]، فإنه إذا عم الفساد وطم سيله، فسدت الجماعة وهلكت، ولا يكون أثره مقصورا على العصاة، بل يتعداه إلى غيرهم، كما قال تعالى: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (١٦). وروي أن أم المؤمنين زينب بنت جحش سألت رسول الله ﷺ قائلة: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون، فقال ﵇: " إذا عم الخَبَث " (١)، والخبث هنا هو المعاصي وأشدها الظلم والفاحشة وما يوعز بها وإن عموم الفساد يكون من إهمال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيعم العذاب، كما قال ﵊: " لَتَأْمُرُن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذنَّ على يدي الظالم ولتأطُرُنَّه على الحق أطرا أو ليضربن قلوب بعضكم ببعض ثم تدعون فلا يستجاب لكم " (٢) وإن عذاب يوم الدين لاحق بكل نفس كسبت، أو قصدت، ولذا قال تعالى: (ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتًلِفُونَ). (ثم) هنا للتراخي والترتيب؛ لأن ذلك يوم الدين فيكون الجزاء العادل، ينال كل امرئٍ ما كسب أو قصد، فالله تعالى يجازي على التقصير في بيان حدود الله ومنع العصاة، كما يجازي على ذات المعصية؛ لأن ترك الواجب معصية كارتكابها. وقدم الجار والمجرور، لبيان أن المرجع إليه وحده فهو الذي يملك يوم الدين وحده، فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته عذابا أليما.

стр. 3633

وقال تعالى: (فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) (الفاء) هنا لترتيب ما بعدها على ما قبلها، أي هو الذي إليه وحده مرجعكم، فلا يكون لأحد سواه الحكم في هذا اليوم والقول النافذ له وحده، وهو حينئذ بقوله الطيب الصادق كبير بالحق فيما كانوا فيه يختلفون، فيعبد فريق الأوثان ويؤمن بالله آخرون، ويختلف النصارى فيما بينهم، واليهود يختلفون مع أنفسهم، وبينهم وبين أهل الحق من الناس ينبيء الله تعالى الناس بالحق، والباطل قولا وعملا، فيعذب المجرمين المبطلين، ويحسن إلى المحسنين، وكل امرئٍ، وما كسبت يداه. * * *

стр. 3634

(وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٥) * * * بين سبحانه اختلاف المؤمنين، وما يجب أن يكونوا عليه متأسين بالنبي ﷺ ، آخذين بهديه مخالفين ما عليه المشركين، وختم الآية التي قبلها بأن الله تعالى يحكم بين المختلفين يوم القيامة بعد ذلك بين أن الله تعالى هو الذي خلق الأجيال التعاقبة الذي يخلف بعضها بعضا - وهي متفاوتة فقال تعالت كلماته: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ). (الواو) هنا واو الفصل بيان الآيات، وهي تفيد أن الآيات مترابطة تبع بعضها بَعْضا في نسق محكم متناسب يرتبط بعضه بعجز بعض. الخلائف جمع خليفة، أي طبقة تخلف طبقة، وجيلا يخلف جيلا، وكل واحد منها يعد خليفة في هذه الأرض، يسيطر سيطرة الإنسان عليها، إن ظالما،

стр. 3635

وإن عادلا، وذلك تحقيق مستمر للخلافة التي جعلها الله تعالى لآدم أبي البشر، إذ قال تعالى (وَإِذْ قَالَ رَبُكَ لِلْمَلائِكَة إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةَ قَالُوا أَتَجْعَلُ فيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ. . .). وهنا بقوله سبحانه: (وَهُوَ الَّذِى جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ) أي صيركم أجيالا تخلف بعضها بعضا، وكل جيل خليفة في الأرض يفسد بعضه، ويصلح بعضه، ويباح الفساد مع الصلاح، وينازعه حتى لَا يعم (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاس بعْضَهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ). ولذا قال تعالى (وَرَفَعَ بَعْضَكمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ). الدرجات كما جاء بها التعبير في القربات هي الدرجات العالية التي تكون سابقات كريمة، والمعنى رفع منكم درجات بالهداية والسمو، والرفعة إذا أطاعوا اتجهوا إلى الخير، وإعلاء منازل الإنسانية، ولو كانوا هم الفقراء أو العبيد، أو المستضعفين في الأرض، ولا يلزم أن يكون من الأقوياء أو الأغنياء وقد اختبر كلا، فاختبر الأغنياء ليشكروا واختبر الفقراء ليصبروا. وقد وردت آيات كثيرة في هذا التفاوت في الدرجة، مع ملاحظة أن تفاوت الدرجات ليست بالغنى، فليس الغنى درجة، دونها حال الفقر، إنما الدرجات الرفعة عند الله تعالى بالعمل الصالح، ولو كان فقيرا أو ضعيفا تزدريه الأعين كما كانت حال المؤمنين الذين آمنوا بنوح ﵇ والذي أمره الله أن يقول: (وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٣١). إنما التفاوت في الدرجات بالقرب من الله والإيمان، ومثل هذا قوِله تعالِى: (وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢) وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً

стр. 3636

وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (٣٥). فإن الدرجات في هذه الآية واضح أن المراد منها الدرجات في الرفعة، لا الدرجات في المال، فالتفاوت في المال لَا يكون درجات للأغنياء على الفقراء، وقوله تعالى (. . . لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا. . .)، أي ليكون الحال أن يسخر الأغنياء الكافرون من الفقراء المؤمنين. ولو كان المراد التفاوت بالمال، لكان اعتراض الكافرين مسلما به؛ إذ قالوا (لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ منَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيم)، أي في المال وكثرته. وإن المقصود من ذلك السياق أن نقول إن قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِى جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ) أن المراد برفعة الدرجات هو إيمان بعض المؤمنين ورفعتهم، وقد بين الله الحكمة من ذلك فقال: (ليَبْلُوَكُمْ فِى مَا آتَاكمْ) أي ليعاملكم معاملة من يختبركم فيما آتاكم من مال، أو رفعة معنوية دينية حيث يزدري الكافرون الأغنياء المؤمنين الفقراء، فيضيفون كفرا إلى كفرهم، ويضيف أهل الإيمان إيمانا إلى إيمانهم بصبرهم على الأذى وليختبر الغني في غناه فيشكر أم يكفر، ويختبر الفقير في فقره فيرضى ويصبر فيؤجر، أم يجزع ويكفر فيعاقب، فالغنى نعمة يختبر صاحبها، والفقر بأس يختبر صاحبه. والعاقبة إما عقاب وإما غفران ورحمة، ولذا قال تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ). (إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ) أي أن عقابه نازل لَا محالة، ومؤكد أنه آت لَا ريب فيه، وكل آت قريب، ووصف سرعة العقاب لله تعالى يؤكد نزوله بالعاصي من غير تردد فيه، فهو العادل الذي لَا يبطئ في إقامة العدل، ويسارع بإنزاله فليس المراد بالسرعة سرعة الزمان إنما المراد سرعة الإيقاع.

стр. 3637

وإنه في مقابل هذا غفور رحيم، يغفر لمن يشاء ورحيم بالخلق أجمعين ومن رحمته أن كان العذاب للعصاة، والمغفرة لمن لم يشرك به شيئا، وهذا كقوله تعالى: (نَبِّئْ عِبَادِى أَنِّى أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ). وقوله تعالى: (وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (٦). اللهم اجعلنا أهلا لمغفرتك ورحمتك، وجنبنا سريع عقابك، واعف عنا وتجاوز عن سيئاتنا إنك أنت العفو الغفور. * * *

стр. 3638

(سُورَةُ الْأَعْرَافِ) هي سورة مدنية إلا ثماني آيات من الآية رقم ١٦٣ إلى الآية ١٧٠، وسنتكلم فيها في موضعها - إن شاء الله تعالى - وعدد آيات هذه السورة الكريمة ست ومائتان. وقد ابتدأ الله تعالى هذه السورة بالحروف (المص)، وقد تكلمنا في هذه الحروف في فواتح سور القرآن، وذكرنا أنها من المتشابه الذي اختص علم الله تعالى، وذكرنا حكمة ذكرها، وعند الله غيب أمرها. ابتدئت السورة بذكر القرآن، والأمر باتباعه، ثم أشارت إلى أن يوم القيامة يجيء بغتة، فالقُرى يجيئها أمر الله بغتة وهم نائمون، وعندئذ يحس الظالمون بظلمهم إذ ذهب طغيانهم، ويبين الله - تعالى - أن اليوم يوم سؤالهم عما ظلموا، وتوزن أعمالهم بخيرها وشرها، والوزن يومئذ الحق، وقد ذكر سبحانه أن السبب في طغيانهم أنه مكن لهم في الأرض، وتمكن الشيطان منهم. ويذكر سبحانه كيف يتمكن الشيطان، وساق قصة الخلق الأول، ليبين لهم عداوة إبليس وكيف أغوى آدم على مخالفة ربه، هو وزوجه حواء، وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين فدلاهما بغرور، وقد ذكر سبحانه عاقبة ذلك التدلي. صرح بعد ذلك القصص الحكيم بالنهي عن الخضوع للشيطان إبليس ومن معه، فقال: (يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٧).

стр. 3639

وبين - سبحانه - أنه كما دلى الشيطان آدم وزوجه بغرور حتى تسبب في نزع لباسهم كذلك يغري قريشا فيجعلهم يطوفون عراة، وإن ذلك هو عين الفساد، وأمر الله تعالى أن يأخذوا زينتهم ويلبسوا عند كل مسجد (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكمْ عِندَ كلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ). ويبين ما أحله الله من طيبات وما أراد الشيطان أن يحرمه عليهم. ويبين أن مقاومة الشيطان إنما هي باتباع الهدى الذي يجيء على ألسنة الأنبياء (يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَاتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ منكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ). وبين أن الشيطان يغري أتباعه بمعاندة هؤلاء الرسل كما أغرى كبيرهم آدم وحواء بمخالفة أمر الله تعالى. ثم يذكر مآل الطاغين على الرسل بإغواء الشيطان يوم القيامة وكيف يتطارحون الضلال بين الغاوين ومن أغووهم من شياطين الجن والإنس (. . . حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ (٣٨) وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٣٩). وبين جزاء الذين استكبروا عن الحق بأهواء الشيطان، وفى مقابلهم جزاء الذين آمنوا وأطاعوا الله، ولم يغوهِم الشيطان، وأن لهم الجنة، (. . . وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣) وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (٤٤). وكان بين أصحاب الجنة أصحاب الأعراف، وقد نادوا الظالمين الذين يعرفونهم (وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُم قَالُوا مَا أَغْنَى عَنكُمْ

стр. 3640

جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (٤٨) أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٤٩). وأما أصحاب النار فقد ذكر الله - سبحانه - أنهم في عطش شديد، ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله. بين الله تعالى من بعد ذلك أدت الذين عصوا واستكبروا قد جاءهم القرآن الكريم يهديهم، ويدعوهم إلى الحق، (وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدَى وَرَحْمَةَ لِّقَوْمِ يُؤْمِنُونَ). ولكنهم كفروا به، وطغوا، وطلبوا معرفة مآله، فبين - سبحانه - أنهم يعرفون مآل ما اشتمل عليه بقول الذين نسوه من قبل (. . . قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٥٣). بعد هذا البيان الحكيم في هذه السورة الكريمة وجه الله تعالى العقول إلى آياته في الكون، فقال: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤) ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥). وينهى رب الكون عن الفساد في الأرض، ويبين آياته - سبحانه - في إرسال الرياح بشرا بين يدي رحمته، وأنه - سبحانه - يرسل سحابا ثقالا، إلى الأرض الميتة ليحييها. ويقص بعد ذلك قصص أنبيائه، ليُسِّري على محمد ﷺ بقصصهم، وليسوق العبر والمثلات للمشركين ليعتبروا ويستبصروا، فيذكر خبر نوح مع قومه، ويرمونه بالضلالة، كما رمى المشركون محمدا بها، ويعجبون من أن الله أرسل رسولا، كما تعجبت قريش من رسالته ﷺ ، ويذكرهم بأن الله تعالى سينجي

стр. 3641

محمدًا من شرهم كما نجَّى نوحًا، (. . . فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ). ويذكر من بعد نوح في هذه السورة الكريمة خبر هود مع قومه عاد، وكيف رموه بالسفاهة كما رمت قريش محمدًا ﷺ ، وقد كان فيهم الصادق الأمين، وكيف كان ينصح لهم، ويذكرهم بما آتاهم الله - تعالى - من نعمة، وقد عجبوا أن جاءهم رسول منهم، كما عجبت قريش (قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧٠) قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ)، وقال لهم هود: (. . .أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ). وذكر من بعد قصة هود قصة صالح مع قومه ثمود، إذ دعاهم إلى عبادة الله تعالى وحده، وأتى لهم بمعجزة حسية هي الناقة، وقد ذكرهم بما نزل بعاد من قبلهم، وذكرهم بنعمة الله تعالى: (وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) ولكنهم كفروا وعقروا الناقة، فأنزل الله تعالى عذابه الدنيوي، وتولى عنهم هود وقد أبلغهم رسالة ربه. ومن بعده بعث الله لوطا إلى قومه، وذكر الله تعالى شذوذهم وأهلكهم الله تعالى: (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مًطَرًا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِين). وأرسل إلى مدين أخاهم شعيبا، وقص الله - تعالى - في السورة قصصه مع قومه إذ دعاهم إلى الحق وإلى صراط مستقيم، وألا يفسدوا ولا يعتدوا ولا يصدوا عن سبيل الله، وقد آمنت طائفة، وطائفة منهم وهم الذين استكبروا، وحاولوا إخراج شعيب قائلين: (. . . لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا. . .)، ولكن الله نجاه منهم، وقال لن نعود في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها.

стр. 3642

وقال الذين كفروا للذين آمنوا (. . . لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرونَ) وقد أخذتهم بسبب عصيانهم الرجفة فأصبحوا في ديارهم جاثمين. .، فتولى عنهم شعيب وقال لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فكيف آسى على قوم كافرين. وقد بين في هذه السورة الكريمة سنته مع الذين يرسل إليهم النبيين أن يختبرهم بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون، ثم يختبرهم من بعد ذلك بالحسنة لعلهم يدركون، (ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَّقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ. . .) فإذا كفروا، ولم تردعهم الضراء، ولم يشكروا السراء، أخذهم العذاب بغتة وهم لَا يشعرون. ولقد ذكر أن أهل القرى، لو أنهم آمنوا لأتتهم النعم من حيث لَا يشعرون، (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ). ولقد ذكر سبحانه في هذه السورة المحكمة غفلة أهل القرى أي المدن العظيمة عن أن يأتيهم عذاب الله تعالى في آياته ، وأن الذين يرثون أرضها لا يهتدون، ولا يعتبرون بما كان منهم، (وَمَا وَجَدْنَا لأَكثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ). ذكر بعد هذه العبرة التي بينها في سنته في الهداية، وعقاب من لَا يهتدون قصة موسى وفرعون، ومعجزة موسى، بل معجزاته مع فرعون، طاغية الوجود الإنساني في مصر، بل لَا يزال مثلا يضرب لكل طاغية في الأرض. تقدم موسى إلى فرعون يدعوه إلى الله تعالى، وتقدم بعصاه فحرض فرعون قومه أنه يريد أن يخرجهم من أرضهم بسحره.

стр. 3643

جاءوا بكل ساحر عليم، وتقدم موسى بعصاه، قاهر موسى للسحرة (. . . أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُو بِسِحْرٍ عَظِيمٍ). فأمر الله تعالى موسى أن يلقى بعصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون، فخر السحرة ساجدين، لأنهم علموا أن ما جاء به موسى ليس سحرا. عاقبهم فرعون وقال: (لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (١٢٤) قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (١٢٥) وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ (١٢٦). وقد أخذت شيعة فرعون ترد على موسى كالشأن في كل طاغية لَا يطغى إلا بشيعة تحسن له الشر، وتفتح له الخير، قالوا لفرعون: (. . . أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (١٢٧) قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (١٢٨). ولكن بني إسرائيل يتململون بموسى، ويقولون: (. . . أوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكمْ وَيَسْتَخْلِفَكمْ فِي الأَرْضِ. . .). أخذ الله تعالى آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات، وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه، وأرسل الله عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات. وإذا اشتد الأمر بهم (. . . قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَئا الرِّجْزَ لَنؤْمِنَنَّ لَكَ ولَنرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ)، فأغرقهم الله تعالى، وجاوز الله ببني إسرائيل البحر وأورثهم ملكا بعد أن كانوا مستضعفين في الأرض. ولكن بني إسرائيل بعد أن جاوزوا البحر عادت إليهم وثنية الفراعنة (. . . قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ)،

стр. 3644

وذكرهم الله الذي نجاهم من فرعون وملئه الذين كانوا يذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم، ويسومهم سوء العذاب (. . . وَفِي ذَلِكُم بَلاءٌ من رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ). واعد الله تعالى موسى أربعينِ ليلة (. . . وَقَالَ مُوسَى لأَخيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِين). ذهب موسى لميقات ربه (. . . وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ)، قبل الله توبة موسى وبين له اصطفاءه له (وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاح مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَيْءٍ. . .) من أحكام شريعته ﵇، ويقول الله عن هذه الألواح: (سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا. . .)، وقد بين جزاءهم في الآخرة. وفى غيبة موسى الأربعين ليلة (وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا خوَارٌ. . .). . . وزين لهم الشيطان عبادة العجل التي تقبلها المصريون في نفوسهم. وإن الناس يضلون فإذا رأوا داعية الهداية ذهب عنهم ضلالهم فلما رأوا موسى سقط في أيديهم (. . . وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِن لَّمْ يرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكوننَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ). رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا، وقال: بئسما خلفتموني من بعدي، وأخذ يعتب على أخيه هارون (. . . وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ. . .). أحس موسى بأنه تجاوز في غضبه فاتجه إلى ربه ضارعا (. . . رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) وذكر الله ما سينال الذين اتخذوا العجل ولم يتوبوا، وقال سينالهم غضب من ربهم وذلة.

стр. 3645

وبعد أن ذهبت ضجة العجل وسكت عن موسى الغضب أخذ الألواح وفيها هدى ورحمة - واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقات الله، فلما أخذتهم الرجفة (. . . قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ. . .). اتجه موسى وقومه ضارعينِ إلى الله تعالى، وقالوا: (. . . إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦). وذكر منهم ممن تتسع له رحمته: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧). ويأمر الله - تعالى - في هذه السورة نبيه محمد ﷺ بعد أن ذكر البشارة به بأن يقول: إنه رسول الله تعالى إلى الناس جميعا ويدعوهم إلى اتباعه. وتعود الآيات إلى قوم موسى ﵇ فيذكر أن (وَمِن قَوْمِ مُوسَى أمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ) ويذكر أنه قطعهم في الأرض (. . . اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا. . .)، ثم يذكر آياته منهم ونعمه عليهم، من ضرب الحجر بعصا (. . . فَانْبَجسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاس مَّشْرَبَهُمْ. . .)، وأنه أنزل عليهم المن والسلوى، وأنه ظلل عليهم الغمام وأنهم لم يشكروا النعمة، بل كفروا بها. ويذكر حالهم يوم السبت إذ حرم عليهم الصيد فيه (وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ. . .).
следующие страницы →