محمدًا من شرهم كما نجَّى نوحًا، (. . . فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ).
ويذكر من بعد نوح في هذه السورة الكريمة خبر هود مع قومه عاد، وكيف رموه بالسفاهة كما رمت قريش محمدًا ﷺ ، وقد كان فيهم الصادق الأمين، وكيف كان ينصح لهم، ويذكرهم بما آتاهم الله - تعالى - من نعمة، وقد عجبوا أن جاءهم رسول منهم، كما عجبت قريش (قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧٠) قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ)، وقال لهم هود: (. . .أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ).
وذكر من بعد قصة هود قصة صالح مع قومه ثمود، إذ دعاهم إلى عبادة الله تعالى وحده، وأتى لهم بمعجزة حسية هي الناقة، وقد ذكرهم بما نزل بعاد من قبلهم، وذكرهم بنعمة الله تعالى: (وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) ولكنهم كفروا وعقروا الناقة، فأنزل الله تعالى عذابه الدنيوي، وتولى عنهم هود وقد أبلغهم رسالة ربه.
ومن بعده بعث الله لوطا إلى قومه، وذكر الله تعالى شذوذهم وأهلكهم الله تعالى: (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مًطَرًا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِين).
وأرسل إلى مدين أخاهم شعيبا، وقص الله - تعالى - في السورة قصصه مع قومه إذ دعاهم إلى الحق وإلى صراط مستقيم، وألا يفسدوا ولا يعتدوا ولا يصدوا عن سبيل الله، وقد آمنت طائفة، وطائفة منهم وهم الذين استكبروا، وحاولوا إخراج شعيب قائلين: (. . . لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا. . .)، ولكن الله نجاه منهم، وقال لن نعود في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها.
стр. 3642
وقال الذين كفروا للذين آمنوا (. . . لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرونَ) وقد أخذتهم بسبب عصيانهم الرجفة فأصبحوا في ديارهم جاثمين. .، فتولى عنهم شعيب وقال لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فكيف آسى على قوم كافرين.
وقد بين في هذه السورة الكريمة سنته مع الذين يرسل إليهم النبيين أن يختبرهم بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون، ثم يختبرهم من بعد ذلك بالحسنة لعلهم يدركون، (ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَّقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ. . .) فإذا كفروا، ولم تردعهم الضراء، ولم يشكروا السراء، أخذهم العذاب بغتة وهم لَا يشعرون.
ولقد ذكر أن أهل القرى، لو أنهم آمنوا لأتتهم النعم من حيث لَا يشعرون، (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ).
ولقد ذكر سبحانه في هذه السورة المحكمة غفلة أهل القرى أي المدن العظيمة عن أن يأتيهم عذاب الله تعالى في آياته ، وأن الذين يرثون أرضها لا يهتدون، ولا يعتبرون بما كان منهم، (وَمَا وَجَدْنَا لأَكثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ).
ذكر بعد هذه العبرة التي بينها في سنته في الهداية، وعقاب من لَا يهتدون قصة موسى وفرعون، ومعجزة موسى، بل معجزاته مع فرعون، طاغية الوجود الإنساني في مصر، بل لَا يزال مثلا يضرب لكل طاغية في الأرض.
تقدم موسى إلى فرعون يدعوه إلى الله تعالى، وتقدم بعصاه فحرض فرعون قومه أنه يريد أن يخرجهم من أرضهم بسحره.
стр. 3643
جاءوا بكل ساحر عليم، وتقدم موسى بعصاه، قاهر موسى للسحرة (. . . أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُو بِسِحْرٍ عَظِيمٍ). فأمر الله تعالى موسى أن يلقى بعصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون، فخر السحرة ساجدين، لأنهم علموا أن ما جاء به موسى ليس سحرا.
عاقبهم فرعون وقال: (لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (١٢٤) قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (١٢٥) وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ (١٢٦).
وقد أخذت شيعة فرعون ترد على موسى كالشأن في كل طاغية لَا يطغى إلا بشيعة تحسن له الشر، وتفتح له الخير، قالوا لفرعون: (. . . أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (١٢٧) قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (١٢٨).
ولكن بني إسرائيل يتململون بموسى، ويقولون: (. . . أوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكمْ وَيَسْتَخْلِفَكمْ فِي الأَرْضِ. . .).
أخذ الله تعالى آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات، وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه، وأرسل الله عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات.
وإذا اشتد الأمر بهم (. . . قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَئا الرِّجْزَ لَنؤْمِنَنَّ لَكَ ولَنرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ)، فأغرقهم الله تعالى، وجاوز الله ببني إسرائيل البحر وأورثهم ملكا بعد أن كانوا مستضعفين في الأرض.
ولكن بني إسرائيل بعد أن جاوزوا البحر عادت إليهم وثنية الفراعنة (. . . قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ)،
стр. 3644
وذكرهم الله الذي نجاهم من فرعون وملئه الذين كانوا يذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم، ويسومهم سوء العذاب (. . . وَفِي ذَلِكُم بَلاءٌ من رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ).
واعد الله تعالى موسى أربعينِ ليلة (. . . وَقَالَ مُوسَى لأَخيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِين).
ذهب موسى لميقات ربه (. . . وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ)، قبل الله توبة موسى وبين له اصطفاءه له (وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاح مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَيْءٍ. . .) من أحكام شريعته ﵇، ويقول الله عن هذه الألواح: (سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا. . .)، وقد بين جزاءهم في الآخرة.
وفى غيبة موسى الأربعين ليلة (وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا خوَارٌ. . .). . . وزين لهم الشيطان عبادة العجل التي تقبلها المصريون في نفوسهم.
وإن الناس يضلون فإذا رأوا داعية الهداية ذهب عنهم ضلالهم فلما رأوا موسى سقط في أيديهم (. . . وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِن لَّمْ يرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكوننَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).
رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا، وقال: بئسما خلفتموني من بعدي، وأخذ يعتب على أخيه هارون (. . . وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ. . .).
أحس موسى بأنه تجاوز في غضبه فاتجه إلى ربه ضارعا (. . . رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) وذكر الله ما سينال الذين اتخذوا العجل ولم يتوبوا، وقال سينالهم غضب من ربهم وذلة.
стр. 3645
وبعد أن ذهبت ضجة العجل وسكت عن موسى الغضب أخذ الألواح وفيها هدى ورحمة - واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقات الله، فلما أخذتهم الرجفة (. . . قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ. . .).
اتجه موسى وقومه ضارعينِ إلى الله تعالى، وقالوا: (. . . إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦).
وذكر منهم ممن تتسع له رحمته: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧).
ويأمر الله - تعالى - في هذه السورة نبيه محمد ﷺ بعد أن ذكر البشارة به بأن يقول: إنه رسول الله تعالى إلى الناس جميعا ويدعوهم إلى اتباعه.
وتعود الآيات إلى قوم موسى ﵇ فيذكر أن (وَمِن قَوْمِ مُوسَى أمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ) ويذكر أنه قطعهم في الأرض (. . . اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا. . .)، ثم يذكر آياته منهم ونعمه عليهم، من ضرب الحجر بعصا (. . . فَانْبَجسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاس مَّشْرَبَهُمْ. . .)، وأنه أنزل عليهم المن والسلوى، وأنه ظلل عليهم الغمام وأنهم لم يشكروا النعمة، بل كفروا بها.
ويذكر حالهم يوم السبت إذ حرم عليهم الصيد فيه (وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ. . .).
стр. 3646
ولقد يئس بعض المهتدين منهم من هداية إخوانهِم فقالوا: (. . . تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدَا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى ربِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقونَ)، ولقد بين الله تعالى حال الذين نسوا ما ذكروا به، وأنه أنجى الذين ينهون عن السوء، وأصاب الذين ظلموا بعذاب بما كانوا يفسقون، ولقد ذكر الله حال بني إسرائيل من بعد موسى، فقد بعث عليهم من يسومهم سوء العذاب، وقطعه في الأرض أمما، وورث من بعدهم خلف يأخذون أدنى ما في الكتاب وإن يأتهم عرض يأخذوه، ويقولون سيغفر لنا.
وإن بني إسرائيل قد مردوا على العصيان وقد أخذ الله - تعالى - الميثاق ورفع الجبل فوقهم كأنه ظلة، وظنوا أنه واقع بهم وأخذ عليهم الميثاق، وهم تحت تأثير تلك الآية القاطعة، وقال خذوا ما أتيناكم بقوة، ولكنهم نقضوه ولم ينفذوه.
ولقد بين الله سبحانه أنه أخذ (. . . مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكمْ قَالُوا بَلَى. . .)، ودل ذلك على أن التوحيد دين الفطرة وبين سبحانه أن هذه الآية الفطرية التي أودعها الأخلاف والذرية من ينسلخ منها يتبعه الشيطان ويغويه وتكون كل أعماله في دائرة الشر، (. . . كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كذَّبُوا بِآيَاتِنَا. . .) وأسوأ الأمثال مثل الذين كذبوا بآيات الله (. . . وَأَنفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ).
وإن من يهديه الله فهو المهتدي، ولقد خلق الله لجهنم كثيرا من الجن والإنس، وهؤلاء لهم قلوب لَا يفقهون بها، ولهم أعين لَا يبصرون بها، ولهم آذان لَا يسمعون بها أولئك هم الغافلون.
وأخذ في هذه السورة الكريمة يذكر الذين اهتدوا في مقابل الذين كفروا وظلموا، وقال في الذين كفروا: (. . . سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣).
стр. 3647
ووجه الله تعالى أنظار الناس إلى ملكوت السماوات والأرض، وبين أنه (مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ).
وذكر الله تعالى الساعة وأنه وحده هو الذي يعلمها (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٧) قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨).
بعد ذلك بين الله خلق الإنسان وزوجه ليسكن إليها، وصور سبحانه ضلال الإنسان بمن تحمل امرأته حملا خفيفا فمرت فلما ثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠).
وبين ضلال من يشركون وذكر أنهم يدعون في عبادتهم أوثانا لَا تضر ولا تنفع سواء أكانوا أحجارا أم غيرها وقال سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٩٤) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ (١٩٥) إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (١٩٦) وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٧) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (١٩٨).
ولقد دعا الله - تعالى - نبيه إلى ما يتجلى به في الدعوة فقال: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠) إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١) وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ (٢٠٢) وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا
стр. 3648
اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٠٣).
ولقد أوصى الله المؤمنين من ضمن وصيته لنبيه (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤) وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (٢٠٥) إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (٢٠٦).
هذه إشارة موجزة إلى بيان ما اشتملت سورة الأعراف إجمالا، ثم نقدمها بين يدي ذكر معانيها، ولنبدأ من بعد ذكر ما يسعه إدراكنا من معانيها والله الهادي.
* * *
معاني السورة الكريمة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المص (١) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٣) وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ (٤) فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٥)
* * *
стр. 3649
(المص) قد تقدم القول في الحروف المفردة التي تبتدئ بها أوائل بعض السور، وهي من المتشابه الذي اختص به علم الله.
* * *
стр. 3650
(كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ ... (٢)
* * *
كتاب خبر لمبتدأ محذوف، أو خبر (المص) على نظر بعض الذين قالوا: إنها اسم للسورة أو الكتاب، والتنكير هنا لبيان شرفه العظيم، أي أنه كتاب بالغ الغاية في شرفه ورفعته ومؤداه، لأنه منزل من عند الله تعالى العالم بكل شيء،
стр. 3651
والقادر على كل شيء العزيز الحكيم، وقال: (أُنزِلَ إِلَيْكَ)، أي أنه أنزل إليك وهو المعجزة التي تتحدى بها الخليقة أن يأتوا بسورة من مثله، فلا يأتوا بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا.
والحرج الضيق، وأن يحس بأن الناس يجب أن يؤمنوا فلا يؤمنوا، كما قال تعالى: (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ)، وكما قال تعالى:
(فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا)، فحرص النبي ﷺ على إجابة الكافرين كان يجعله في حرج نفسي، إذ إن المؤمن بالحق يكون دائما حريصا على إجابة الناس له، فإن لم يجيبوا ضاق بذلك صدره من غير مغاضبة ولا معاندة، كما هو شأن النبيين - عليهم الصلاة والسلام - وقد قال تعالى: (فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٢).
والمؤدى في كل هذا أن النبي ﷺ كان يضيق من الإنكار لأمر صادق لَا مرية فيه، فالله تعالى يبين له أنه ليس عليه إلا الإنذار.
وقوله تعالى: (فَلا يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ منْهُ)، الفاء هنا لترتب ما بعدها على ما قبلها، والمعنى: هذا كتاب مبارك هاد مرشد، منير للحق، فإذا لم يجيبوا فلا يكن في صدرك ضيق، فليس ذلك لنقص فيك أو فيه، وإنما هو لنقص فيهم وقد أنذرتهم، وحسبك ذلك وكفى.
وقد ذكر الله غاية الكتاب والرسالة فقال: (لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ).
فالغاية من الكتاب الخالد أنه معجز بذاته، ولتنذر به الذين يكفرون، بأن تبين بالكتاب عاقبة كفرهم، وسوء النتيجة التي تنزل بهم، وهي العذاب الأليم، وليس عليك تبعة كفرهم، إنما أنت منذر ولكل قوم هاد، وإنك لَا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء.
стр. 3652
هذا بالنسبة لمن لم يؤمن، فهو لهبم منذر مبين يحمل دليله في ذاته، وبالنسبة للمؤمنين قال تعالى: (وَذِكرَى لِلْمؤْمِنِينَ) والذكرى هي التذكير الدائم، فهذا الأمر ذكرى لكذا، أي مذكر دائم مستمر، يرجعون إليه، والقرآن ذكرى دائمة فيه التذكير الدائم برسالة النبي ﷺ ، وفيه تذكير بالشريعة؛ لأن فيه كلياتها، وفيه تذكير بالرسل أجمعين؛ لأنه سجل معجزاتهم، وفيه تذكير دائم بالله تعالى وهو العلي الحكيم، وفيه الأوامر والنواهي، ولذلك قال تعالى:
* * *
стр. 3653
(اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٣)
* * *
إذا كان القرآن فيه ذكرى للمؤمنين، وإنذار للكافرين فاتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم مما يشتمل عليه القرآن الكريم، وما جاء به النبي ﷺ ، فما أمركم به فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا، فكل ما أمر به فقد أمر به الله، فما كان ينطق عن الهوى (من يُطِع الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ... ).
وقوله: (اتَبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكم مِّن رَّبكِمْ) فيه إشارات بيانية:
الأولى: أن ما اسم موصول صلته أنزل إليكم من ربكم، والصلة تكون سببا للحكم أو الأمر، فاتبعوا ما جاء به القرآن والنبي. وسبب ذلك أنه أنزل من ربكم الذي هو أعلم بما فيه صلاحكم في الدنيا والآخرة؛ لأنه ربكم الذي ذرأكم وإليه مرجعكم.
الثانية: أن قوله: (اتَّبِعُوا) فيه ملازمة لما أمر الله تعالى باقتفاء أثر النبي الذي أنزل إليه وأتباعه، وأتباعه أتباع لله تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ. . .).
الثالثة: قوله تعالى: (مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ) فيه إشارة إلى أن فيه خيرهم في الدنيا، وفيه صلاحهم في الدنيا والآخرة، وفيه إشعار بكمال ما كلفوه.
стр. 3654
(وَلا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ). بعد الأمر بالاتباع للرسول فيما أنزل إليكم من ربكم، كان النهي عن اتباع غيره، فمعنى: (وَلا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ)، أي غيره، ممن يوسوسون بغير ما أمر، وتشمل كلمة أولياء، كل من يأمرون بغير أمر الله تعالى من الشياطين الذين يوسوسون بالشر، فمن لم يتبع ما أنزل الله يتبع أولياء الشيطان، وأن أولياء الشيطان يضلون ولا يهتدون، وكذلك الحلفاء الذين يدعون إلى الشرك ويحرضون عليه ولا يناصرون على الخير ككبار المشركين، أمثال أبي جهل وأبي لهب وغيرهما ممن كانوا يدعون إلى الشرك ويحرضون عليه، وممن دون الله من أولياء، الذين يجرون إلى الأهواء، وهكذا يكون اتباع ما أنزل إليكِم من ربكم هو الصراط المستقيم الذي قال تعالى فيه: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمَا فَاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ. . .).
واتباع غير ما أنزل الله هو اتباع للسبل الضالة التي تتفرق بها عن الحق، وفى قوله تعالى: (وَلا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ) ضمن إشارة بيانية مؤداها أن قوله: (وَلا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ) النهي عن أن يتخذوا غير الله أولياء لهم فالله ولي المؤمنين كما قال تعالى: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ. . .)، (قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ) أي أنه مع هذه البيانات ومع النهي المتوالي في القرآن عن اتخاذ غير الله أولياء لَا تتذكرون إلا قليلا، وقليلا مفعول لـ " تذكَّرون " و " ما " دالة على قلة التذكر. والمعنى قليلا أي قلة تتذكرون أوامر ربكم وتتعظون بعظاته، (. . . إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ) أالرعد،، ويقول الله تعالى: (فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى).
وإن الله تعالى ذكر بالقرى التي كان هلاكها لعدم تذكرها ولنسيانها أمر الله تعالى، فقال تعالت كلماته:
* * *
إن سنة الله تعالى أن يأتي بعذابه الدنيوي، وهم لاهون غافلون؛ وذلك لأن كفرهم يجعلهم في غفلة، وينسون معه بأس الله تعالى، لأنهم يكفرون به ولا يؤمنون، فيأتيهم من حيث لَا يحتسبون ولا يتوقعون، وإن ذلك كان شأن كل الذين عتوا عن أمر ربهم، ولذلك قال مذكرا من لم يتذكر إلا بقارعات العذاب الذي ينزل بهم: (وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا) و " كم " هنا دالة على الكثرة من غير عدد. و " مِن " لعموم الاستغراق، ولتأكيد معنى الكثرة، والقرية المدينة الكبيرة؛ لأنها تقري الناس وتجمعهم فيها، البأس هنا العذاب الشديد أو الهلاك، كما جاء لقوم لوط، ولقوم هود، ولقوم شعيب، والبيات الليل، ومعنى (بَيَاتًا) وهم بائتون، والمعنى: وكثير من القرى أهلكناها، فجاءها عذابهنا بياتا (أَوْ هُمْ قَائِلُونَ)، أي نائمون في القيلولة من شدة الحر، أو مستريحون.
وإن المراد أنهم يحسبون أنهم في أمن واطمئنان، فيأتيهم العذاب بغتة وهم لا يشعرون.
وإن هذه سنة الله تعالى في الكافرين يمهلهم ويجيئهم العذاب في مأمنهم، ولقد قال تعالى في ذلك: (أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٤٥) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٤٦) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٤٧).
وهكذا تكاثرت آيات الله تعالى في كتابه العزيز تنبئ بأن الله تعالى يقصم الظالمين، وهم في غفلة ساهون، حتى إذا أخذهم رأوا الويل.
وإن ذلك فيه إنذار للعرب بأنهم لَا يصحح لهم أن يأمنوا مكر الله، وإنه نازل بهم لَا محالة، وإذا كان أمهلهم فلم ينزل بهم مثل ما نزل بغيرهم، فلأن الرسالة إليهم خالدة وأنها ليست لهم وحدهم، وإنما هي للأجيال كلها، وإن ما ينزل بهم
стр. 3657
يكون بتوفيق الله لنبيه بعمل بشري ينتصر به عليهم، أو بريح صرصر عاتية تهزمهم ولا تمحوهم.
وماذا كانت حال الذين أنزل الله تعالى عليهم بأسه في قراهم وقد طغوا وبغوا وأثاروا الفساد، إنهم يحسون بظلمهم بعد أن فات وقت الإيمان، وقد قال، الله تعالى فيهم: (فَمَا كَان دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهم بَأسُنَا إِلَّا أَن قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ).
لقد قرعتهم هذه القارعة، وذهب غرورهم الذي دلاهم الشيطان به، وصغوا بعد أن استكبروا فنطقوا بالحق الذي أنكروه، وضرعوا إلى الله أن ينجيهم من العذاب الذي نزل بهم، ولات حين منجاة، بل إنهم يذوقونه وبال ما كسبوا، فهو جزاء لَا فرصة معه لتوبة.
الدعوى هنا: الدعاء، كقوله تعالى: (. . . وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).
ويصح أن تكون الدعوى هنا بمعنى الإقرار، وفي التعبير عن الإقرار بالدعوى مجاز؛ لأن كليهما في مقام الخصومة، وإذ كانوا قد وضعوا أنفسهم في مقام الخصومة مع الله تعالى بما افتروا من عبادة الأوثان وكذبوا عليه كان التعبير عن الإقرار بالدعوى للإشارة إلى أنهم قد خفضوا من دعاويهم وغطرستهم ولم يبق إلا أن يقروا خانعين، أغراهم الكفر ابتداء، وأذلتهم القارعة انتهاء.
" الفاء " هنا للإفصاح عن شرط مقدر، أي إذا كانت القوية قد نزل بها هذا العذاب الحاسم، ماذا كان جواب أهلها؟ فكان الجواب:
* * *
стр. 3658
(فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ ... (٥)
* * *
ولتضمن الدعوى معنى الإقرار لم تلحق تاء التأثيث بالفعل " كان " وهنا نفي وإثبات، وذلك يتضمن معنى الاختصاص والقصر، أي أنه لَا جواب لهم إلا الإقرار بالظلم، وإنه كان وصفا اتصفوا به في كل ما قالوا من كذب على الله تعالى. فما كان قولهم: (ظلمنا)، بل كان قولهم: (إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ)، وذلك تأكيد لظلمهم، فقد كان بالجملة الاسمية وبتصدرها بـ " إنا "، و " إنَّ " دالة على التوكيد، وتأكيد القول بـ " كنا " الدالة على الالمعتموار، وبالوصف بالظلم الدائم، اللهم وفقنا للعدل، وجنبنا الظلم.
* * *
الفاء هنا عاطفة على ما قبلها، وهو إقرارهم بأنهم كانوا ظالمين، والذين أرسل الرسل إليهم هم الذين خوطبوا برسالاتهم، كقوله تعالى في بيان سؤالهِم: (وَيوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ)، وقوله تعالى: (يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١٠٩).
أكد الله تعالى أنه سيسألهم بنون التوكيد الثقيلة، واللام الممهدة للقسم، أكد أنه سيسألهم، وهو سؤال العارف العالم بما وقع وما كان منهم، وما سيجيبون به، ولكن غاية السؤال أن يقروا بما كان منهم وما يستحقون ولنسألن الرسل الذين أرسل إليهم، وإجابة المرسلين إليهم لتسجيل الحجة عليهم، ولتكون الحجة قائمة عليهم بإقرارهم وقائمة عليهم بشهادة الرسل الذين بعثوا إليهم بأن الحق قد بلغهم (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفسُهُمْ. . .)، والسؤال في هذه الحال نوع من بيان بطلان ما فعلوا، مع عدم قدرتهم على تغيير ما كان، وأنهم لَا سبيل لهم لأن يتداركوا ما فات، فالسؤال لهم يلقي في نفوسهم بالحسرات، وسؤال الرسل يلقي بحسرات أشد، لأنهم قاوموهم ومنعوهم من الحق وآذوا المؤمنين.
وأنهم بذلك يعلمون أنهم إن عذبوا إنما يعذبون باستحقاق جزاء ما ظلموا.
ولقد روي عن عبد الله بن مسعود أن النبي ﷺ قال: " لن يهلك الناس حتى
стр. 3661
يعذروا من أنفسهم " (١) ولقد أكد أنه لَا سبيل لإنكارهم لأن الله تعالى يعلم غيب أمرهم إن أخفوه، فقال:
стр. 3662
(فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ).
الفاء عاطفة ما قبلها على ما بعدها، واللام لام القسم دالة هي والنون والقاف على التوكيد. و " نقص ": معناها نخبر خبر من يتقصى ويتتبع لَا يترك صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، والضمير في " عليهم " يعود على من أرسل إليهم، ويحتمل أن يعود إليهم وإلى المرسلين معا، فيعلم المرسلون من الله ما كان يقع عليهم ويدركون أن الله كان عليما بالعنت الذي أعنتوه، يعلمون ذلك عند الحساب، كما علموه في الدنيا بإطلاع الله تعالى عليه، فعلمهم في الدنيا بالحساب والعقاب، كان علم إيمان بالغيب، ويقين من خبر الله، وعلمهم الآن بالحساب والعقاب والثواب علم معاينة. أما الكفار الذين أرسل إليهم فعلمهم يقيني بما أنكروا من قبل وهو علم بما جهلوا علم معاينة أو علم عقاب أنكروه، وبعث ونشر، وقد كابروا فيه.
وأكد الله تعالى قصصه الحق المتتبع بأمرين:
أولهما: قوله تعالى: (بِعِلْمٍ)، أي أنه قصص لأعمالهم وأعمال رسلهم بعلم صادق ليس فيه حدس وتخمين. كما كانوا يدعون من علم من يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، فهو يعلم الظاهر والباطن والأول والآخر.
ثانيهما: أنه علم من عاين وشاهد، وإذا قال تعالى: (وَمَا كنَّا غَائِبِينَ) أي كنا حاضرين حضورا مستمرا ما كنا غائبين فأخبرنا، ولكن كنا شاهدين، فعاينا، وليس علم الخبر، كعلم المعاينة والمشاهدة في الصدق واليقين.
стр. 3663
وإن هذا العلم الذي ثبت بالعيان والشهادة هو الذي يبنى عليه الحساب والعقاب؛ ولذا قال تعالى:
* * *
стр. 3664
(وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨)
* * *
(وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ)، أي يكون الوزن للأعمال وزنا حقا ثابتا لَا يميل إلى باطل، ولا يكون مبنيا إلا على الحق، و " الوزن " مبتدأ و " الحق " خبره، وتعريف الطرفين يكون دالا على القصر، أي أن الوزن يكون مقصورا على الحق لَا يأتي بباطل، فهو مقياس دقيق يميز خير الأعمال من شرها، (فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ)، موازينه جمع ميزان، أي من رجحت كفة موازينه بأن كانت أعماله في كفة الميزان كبيرة ثقيلة، (فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) الفائزون، أي أنهم المفلحون وحدهم لا يفلح غيرهم، وذلك لتعريف الطرفين، والإشارة إلى من ثقلت موازينه، وهنا يقال: أن الميزان واحد، فلماذا كان التعبير بالجمع بكلمة (موازينه)؟ فنقول في الإجابة عن ذلك، إنه لتعدد الأعمال الوزونة يكون كل صنف منها قد ثقل فيها ميزانه، فيكون قد ئقلت موازينه.
وكذلك يقال فيمن خفت موازينه، وقد قال تعالى فيمن خفت موازينه:
* * *
стр. 3665
(وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ (٩)
* * *
قوله تعالى: (وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ) أي علت كفة أعمالهم لخفتها، فأولئك بسبب هذا خسروا أنفسهم، والتعبيص هنا بقوله تعالى: (خَسِرُوا أَنفُسَهُم) وهي كناية عن أن العذاب ينزل ولا يخفف عنهم، وخسران نفوسهم في هذا يشير إلى معان ثلاثة:
أولها - أنهم هم الذين كانوا بأعمالهم في الدنيا عاملين على خسارتها، فلم تكن الخسارة لاحقة بهم من غيرهم.
стр. 3666
ثانيها - أن العذاب خسحارة للنفس أي خسارة، وأنهم هم الذين جلبوا لها هذه الخسارة الخالدة.
ثالثها - أنهم كانوا يحسبون في ضلالهم في الدنيا أنهم يكسبون بغطرستهم وكبريائهم واغترارهم بمظاهر القوة فبين الله تعالى أنهم الأخسرون أعمالا، وذلك عند ميزان الأعمال بميزان الخير والشر، لَا بميزان الغرور والاستكبار.
وقوله تعالى: (بِمَا كانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ)، أي أن هذه الخسارة التي خسروا بها أنفسهم بسبب أنهم كانوا مستمرين طول حياتهم الدنيوية مكذبين بآياتنا الدالة على وحدانية الله وأضاف الآيات إليه للإشارة إلى عظم تكذيبهم، لأنهم يكذبون الآيات المنسوبة إليه فتكذيب أكبر من في الوجود، ومنشئ الوجود، أكبر تكذيب وأكبر ظلم.
وقدَّم قوله تعالى: (بِآيَاتِنَا) على (يَظْلِمُونَ)؛ لأن آيات الله هي محور الحق وميزانه وبرهانه، ونلاحظ هنا أن ظلم ويظلم تتعدى بنفسها من غير باء، وهنا تعدت بالباء، ونقول في ذلك: إن ظلمهم كان لتكذيبهم بالآيات وكفرهم بها، فكان التعبير بقوله تعالى: (بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ) تضمن معنى التكذيب والكفر والظلم وذلك ضلال كبير؛ ولذا تعدى بالباء.
وهنا موضوع يجب أن نذكره وهو يتعلق بقوله تعالى: (وَالْوَزْنُ يَوْمَئذٍ الْحَقُّ) وقوله تعالى: (فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ) (وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ) أيكون يوم القيامة وزن حقيقي حسي وموازين حقيقية حسية؟ أم هذه كناية عن إحقاق الحق وأن يعطى كل امرئٍ حقه، فلا يضيع لمحسن حسنة، ولا يحمل مسيء فوق إساءته.
نقول في الجواب عن ذلك: إننا نؤمن الإيمان كله بأن يوم القيامة ونعيم الجنة وعذاب جهنم وغيرها من أحوال اليوم الآخر كلها حسي، ولكن نميل إلى قول ابن عباس إلى أن المذكور في القرآن عن نعيم وطعام الذين كتبها الله تعالى
стр. 3667
لهم مجازي مقرب، فإذا كان فيها فاكهة ورمان وخمر لذة للشاربين وعسل مصفًّى، وغير ذلك فإن ذلك مجاز مقرب وليس كطعامنا في الدنيا، إنما هي فاكهة أعلى من فاكهتنا، وليس لها لغة إلا ما تقربه لغتنا؛ ولذا قال ﵊: " فيها ما لَا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر " (١).
بعد هذا نقول: إن قوله تعالى: (وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ) أهو وزن محسوس بميزان محسوس يوم القيامة؟ فنقول مقلدين بعض المفسرين أن ذلك مجاز عن أن كل ذي حق يأخذ حقه بالحق لَا ينقص ولا يزاد عليه شيء إلا أن يكون ذلك من رحمته تعالى وغفرانه.
وإنه يكون ثمة استعارة أو تشبيه، شبهت عدالة الله تعالى يوم القيامة، وهو لا يظلم شيئا بالميزان الذي توزن به الأشياء التي تخف الكفة فيها وتثقل؛ وذلك لدقة الحكم، ونسب ذلك القول إلى مجاهد والأعمش والضحاك، وقد قال هذا أبو السعود في تفسيره وذكره الغزالي في كتابه: (المضنون به على غير أهله) إذ قال رضي الله تعالى عنه: " تعلق النفس بالبدن كالحجاب لها عن حقائق الأمور، وبالموت ينكشف الغطاء " كما قال تعالى: (. . . فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرك الْيَوْمَ حَدِيدٌ)، ومما يكشف له تأثير أعماله مما يقربه إلى الله تعالى ويبعده وهي مقادير تلك الآثار، وإن بعضها أشد تأثيرا من البعض، ولا يمتنع في قدرة الله أن يجعل سببا يعرف الخلق في لحظة مقادير الأعمال بالإضافة إلى تأثيرها في التقريب والتبعيد، فهذا الميزان المعروف، ومنه القبان للأقطان والإصطرلاب لحركات الفلك والأوقات، والمسطرة للمقادير والخطوط، والعروض لمقادير حركات الأصوات، فالميزان الحقيقي إذا مثله الله تعالى للحواس مثله بما شاء من هذه الأمثلة، فحقيقة الميزان موجودة في جميع ذلك، وهو ما يعرف به الزيادة والنقص وصورته تكون مقدرة للحس عند التشكيل، وللخيال عند التمثيل، والله
стр. 3668
أعلم بما يقدره من صنوف التشكيلات، والتصديق بجميع ذلك واجب " من تفسير القاسمي ". وفي مقابل ذلك الرأي المجازي الذي قاله من السلف مجاهد والأعمش والضحاك، وقاله الغزالي وأبو السعود، ونميل إليه، قول آخر، وهو أن كل ما ذكر عن اليوم الآخر من الميزان والصراط وغير ذلك حسي حقيقي يجري على ظاهره؛ لأن المجاز حيث تتعذر الحقيقة، ولا تتعذر الحقيقة هنا، فلا مسوغ للتأويل، وعلى ذلك الأكثرون.
وهنا سؤال يعرض: كيف يكون الوزن، سواء أكان معنويا مجازيا أم كان حسيا، والله تعالى يعلم كل شيء.
وقيل في الجواب عن ذلك: إن ذلك لإقامة العدل ولبيان حقيقة الأفعال، وليقروا بما كان منهم، والله عليم خبير قد أحاط بكل شيء علما.
* * *
стр. 3669
(وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (١٠)
* * *
بين الله - تعالى - ما أنعم به على الناس أجمعين وثنيين ومؤمنين، طائعين وعاصين، فنعم الله تعالى الدنيوية تعم ولا تخص (. . . وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ).
وقوله: (مَكَّنَّاكُمْ)، أي جعلناكم ممكنين منها تفترشونها، وقد مهدها لكم تمهيدا وجعلها لكم مستقرا ومقاما تنتفعون بها، وجعل لكم من زروعها وثمارها ومعادنها، وما أودع أرضها من فلزات ما تتمتعون، وجعل لكم فيها معايش وهي جمع معيشة، والمراد ما تتعيشون مما أخرجت الأرض، كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢).
وإن المعايش التي جعلها لنا في الأرض قد ذكر بعضها، من ذلك قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرع مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ
стр. 3670
وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (١٤١) وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٤٢).
هذه بعض النعم التي اتخذ الإنسان منها معايش له.
وإن قوله تعالى: (وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ) فيه توكيد من الله تعالى بهذا التمكين وذلك الاستقرار وذلك التأكيد اللفظي باللام وقد، وهو تأكيد للفعلين اللذين جاءا بعد ذلك.
وكان هذا التأكيد لتذكير الذين لَا يؤمنون بفضل هذه النعم وحق شكرها ولكن الشاكرين قليلون في عددهم بالنسبة للكافرين بها للذين لم يؤدوا حقها.
ولذا قال تعالى: (قَلِيلًا مَّا تَشْكرونَ)، " قليلا " نائب عن المفعول المطلق لـ " تشكرون ". و " ما " ليقوي معنى القلة، والمعنى تشكرون شكرا قليلا، أيَّ قلة بالنسبة لهذه النعم، إنه مهما يكن شكر المؤمنين فهو قليل بالنسبة لنعم الله تعالى، وهو ولي النعم.
* * *
(وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (١١) قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢) قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (١٣) قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤) قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (١٥) قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (١٧) قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨)
* * *
стр. 3671
ذكر في هذه الآيات وما يليها قصة خلق آدم ومعاندة إبليس، وقد سبق ذكرها في سورة البقرة وليس ذكرها هنا تكرارا لما ذكر هناك أولا، فإنه إذا كررت بعض الوقائع، فإنه قد زيد هنا الفتنة التي فتن به الشيطان النفس البشرية فعلا، وهي تشابه مع ما أدى إليه الاندفاع وراء إبليس من بدء السورة، وأن آدم وحواء قد بدآ يخصفان عليهما من ورق الجنة، فقد فتن المشركين، حتى جعلهم يطوفون عراة كما أدت وسوسته لآدم وحواء إلى أن بدت لهما سوءاتهما.
стр. 3672
(وَلَقَدْ خَلَقْنَاكمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ).
الخلق الإنشاء، والتقدير خلق الله تعالى الناس من الطين، فقال له كن فكان إنسانا، ثم صوره على هذا الشكل الإنساني الذي جعله في أحسن تقويم، و (ثُمَّ) هنا ليست للتراخي الزمني، فإن ذلك إنما يكون بالنسبة للحوادث، أما بالنسبة لله تعالى فلا تفاوت ولا تراخي؛ لأن الزمن لَا يكون بالنسبة لله تعالى، إنما هو التفاوت بين حالي الخلق، وإن كان كلاهما يتم بقوله تعالى: (. . . كُن فَيَكُونُ).
بعد أن تم خلق الإنسان الأول وهو آدم، كرمه الله تعالى بأن أمر الملائكة بأن يسجدوا، لعلمه بالأشياء، إذ علمه الله تعالى الأسماء كلها، وهذا قد ذكر في سورة البقرة، ولم يذكره هنا، وعلى ذلك لم يكن تكرارا.
وقوله تعالى: (ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ) (ثُمَّ): هنا للتفاوت بين تقويم الخلق والتكوين والأمر بالسجود.
واستثنى من إطاعة الأمر فتي السجود - إبليس، والاستثناء لأنه لم يسجد، سواء أكان الاستثناء متصلا؛ لأنه من جملة من كان مع الملائكة أم كان منقطعا، فإنه لم يسجد، مع أن الأمر بالسجود يشمله، فلم يكن منه سجود، سأله الله تعالى عما منعه من أن يسجد قائلا له تعالت كلماته:
стр. 3673
(مَا مَنَعَكَ أَلَّاتَسْجُدَ إِذْ
стр. 3674
أَمَرْتُكَ) وسياق النص أن يكون: ما منعك أن تسجد إذ أمرتك، قال بعض المفسرين أن " لا " زائدة ونحن لَا نرى أن في القرآن حرفا زائدًا، ومن يقول ذلك يسرف في قوله، ونقول في ذلك أن: " منع فلانا من أن يؤذى " أي حماه، ويقال: " فلان في منَعَة "، أي في قوة حامية، سواء أكانت نفسية أم من جماعة، والمعنى على ذلك، ما منعك حاميا لك ألا تسجد إذ أمرتك، أي أنه وجد المقتضي للسجود، وهو أمر الله تعالى، وأمر الله واجب النفاذ للملائكة، ومن يكون معهم.
فكان جوابه: (أَنَا خَيْرٌ منْهُ) وذكر سبب الخيرية التي ادعاها، فقال: (خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ) وهو في هذا غافل، ومدع ما لَا دليل فيه على دعواه، أما غفلته، فهو أن الله تعالى خالق النار وخالق الطين وما في خلقه تفاوت، فهما خلق الله تعالى، وهو الذي اختار النار له، واختار الطين لآدم، واختار أن يسجد إبليس الناري لآدم الذي هو من طين، فكيف يعترض عليه بخلقه، وإن هذا ضلال في الفهم، وغفلة في الإدراك، ولذا قال بعض العلماء: أشد العالمين غفلة إبليس. ودعواه أن الطين خير من النار، وأنه بذلك خير من آدم هذه دعوى لَا دليل عليها، بل الدليل يناقضها، لأن الطين خلق الله منه الخصب، وكان من الخصب الزروع والثمار والأشجار والنخيل، وكل طعام أهل الأرض، والماء ينزل عليه غيثا فيكون منه ثمر كل شيء، وطعام الإنسان، والحيوان، والنار تدمر وتحرق، فإذا كان من الطين العمران، فمن النار الدمار، وكل خلق الله تعالى.
ولأن الباعث على قوله هذا التكبر، وليس الدليل؛ لذلك قال الله تعالى له:
* * *
стр. 3675
(قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا ... (١٣)
* * *
والهبوط هنا هبوط معنوي، إذ يخرج من الجنة إلى الابتلاء والاختبار، يمد الله تعالى له، ويختبر به الناس، فتكون العداوة، كما قال تعالى في قصة سورة البقرة: (. . . وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ. . .) وقد ذكر - سبحانه - أنه
стр. 3676
تكبر في غير موضع تكبر، وكذلك شأن المتكبرين دائما، فقال: (فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا) أي في الجنة، فليس من شأن هذا المكان الطاهر أن يكون فيه تكبر من مخلوق على مخلوق، ولذا قال (فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ) الصاغر هو الذليل، أو الأذل، من الإذلال، وهذه معاملة له بعكس ما يريد يبتغي لنفسه ابتغى الكبر فعاقبه الله تعالى بالإذلال، وشأن المتكبرين دائما أنهم يستعلون، فيذلهم الله، و " الفاء " في قوله تعالى: (فَاخْرُجْ) تشير إلى أن سبب الأمر بالهبوط هو التكبر، والمعنى إذا كنت تتكبر ذلك التكبر فالأولى لنفسك أن تهبط فتكون من الصاغرين.
ولكن إبليس اللَّجوج لم يرد أن يترك جهلا محادته لله
* * *
стр. 3677
(قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤)
* * *
أي أمهلني فلا تعجل بموتي إلى يوم يبعثون، وقد ذكر من بعد ما يريد عمله من ذلك الإمهال وهو إضلال الناس، فأجابه الله تعالى - وهو العزيز الحكيم - إلى مطلبه ليتحقق اختيار الإنسان، وسلطان إبليس عليه أو على الأشقياء من خلقه.
* * *
стр. 3678
(قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (١٥)
* * *
وإبليس الذي كان في غفلة قال من بعد ذلك مبينا لماذا كانت المهلة التي طلبها، قال إبليس:
* * *
стр. 3679
(قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦)
* * *
الإغواء إيفاع الغي في القلب، وهنا نجد أن إبليس يعترف بسلطان الله تعالى الكامل على العقول والنفوس، وأن الغفلة التي سترت مداركه، وأضلت تفكيره هي بإرادة الله تعالى وبعمل منه، وقوله تعالى عن إبليس: (لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ) اللام لام القسم، و " أقعدن ": تأكيد لقصده الآثم (صرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ) ظرف مكان أي لـ أقعدن لهم في صراطك المستقيم، وأضلهم، حتى لا يسيروا، في هدى، بل يسيرون في مسارات مختلفة يضلون فلا يهتدون سبيلا.
وبين إبليس أنه يحيط بالأشرار فلا يفلتون منه، فيقول:
* * *