تكبر في غير موضع تكبر، وكذلك شأن المتكبرين دائما، فقال: (فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا) أي في الجنة، فليس من شأن هذا المكان الطاهر أن يكون فيه تكبر من مخلوق على مخلوق، ولذا قال (فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ) الصاغر هو الذليل، أو الأذل، من الإذلال، وهذه معاملة له بعكس ما يريد يبتغي لنفسه ابتغى الكبر فعاقبه الله تعالى بالإذلال، وشأن المتكبرين دائما أنهم يستعلون، فيذلهم الله، و " الفاء " في قوله تعالى: (فَاخْرُجْ) تشير إلى أن سبب الأمر بالهبوط هو التكبر، والمعنى إذا كنت تتكبر ذلك التكبر فالأولى لنفسك أن تهبط فتكون من الصاغرين.
ولكن إبليس اللَّجوج لم يرد أن يترك جهلا محادته لله
* * *
стр. 3677
(قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤)
* * *
أي أمهلني فلا تعجل بموتي إلى يوم يبعثون، وقد ذكر من بعد ما يريد عمله من ذلك الإمهال وهو إضلال الناس، فأجابه الله تعالى - وهو العزيز الحكيم - إلى مطلبه ليتحقق اختيار الإنسان، وسلطان إبليس عليه أو على الأشقياء من خلقه.
* * *
стр. 3678
(قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (١٥)
* * *
وإبليس الذي كان في غفلة قال من بعد ذلك مبينا لماذا كانت المهلة التي طلبها، قال إبليس:
* * *
стр. 3679
(قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦)
* * *
الإغواء إيفاع الغي في القلب، وهنا نجد أن إبليس يعترف بسلطان الله تعالى الكامل على العقول والنفوس، وأن الغفلة التي سترت مداركه، وأضلت تفكيره هي بإرادة الله تعالى وبعمل منه، وقوله تعالى عن إبليس: (لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ) اللام لام القسم، و " أقعدن ": تأكيد لقصده الآثم (صرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ) ظرف مكان أي لـ أقعدن لهم في صراطك المستقيم، وأضلهم، حتى لا يسيروا، في هدى، بل يسيرون في مسارات مختلفة يضلون فلا يهتدون سبيلا.
وبين إبليس أنه يحيط بالأشرار فلا يفلتون منه، فيقول:
* * *
ومعنى ذلك أنه يحيط بهم بأعوانه، فيحيط بهم إحاطة الدائرة بقطرها، لا يفلتون منه، وهذا التصوير الحسي كناية عن الإحاطة النفسية التي لَا يخرجون عن دائرتها، وينتهي من قوله بأنه سيضل الأكثرين، ولذا يقول: (وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُم شَاكِرِينَ). وإذا كان قد استعلى واستكبر أولا فقد دفعه الاستعلاء إلى أن يضل باستمرار ويتحدى رب العالين في حماقة منه، ولذا قال الله تعالى طاردا له من رحمته:
* * *
كشف الله ما في إبليس من خبث في ذاته وإرادة الشر، وقصد إلى إغواء آدم وذريته.
اتجه إلى آدم يحذره، ويبين له ما بوأ له في الجنة، قال سبحانه:
стр. 3684
(وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٩) .
نادى الله - تعالى - آدم باسمه تكريما له، أباح له ليسكن هو وزوجه حواء الجنة، وأن يأكلا منها من حيث شاءا من ثمارها في أي ناحية شاءا منها، ولكن حرم عليهما شجرة معينة، اختبارا لقوة أنفسهما، وإرادتهما، وردهما إغواء إبليس لهما، حيثما أراد، وبين أنهما إذا أكلا منها كانا من الظالمين لعصيان أمر ربهما ولضعف إرادتهما، وأول الظلم ضعف إرادة الظالم، وكان نهى الله تعالى لهما ألا يقربا هذه الشجرة، والنهي عن القرب نهي عن الأكل بالأولى، ولا نعلم ما هذه الشجرة فلا نحاول تعرفها ما دام الله تعالى لم يسمها، ولكن إبليس وجد الباب الذي يدخل منه ليوسوس لهما، فكان في ذلك قوله تعالى:
* * *
стр. 3685
(فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْءَاتِهِمَا ... (٢٠)
* * *
فوسوس الشيطان وهو إبليس اللعين، وعبر عنه هنا بالشيطان لفساده وحركاته الفاسدة، والوسوسة: الصوت الخفي، وتطلق الوسوسة على حديث النفس، فيقال: وسوست إليه نفسه، أي حدثته بفعل معين. تحدث إليهما موسوسا بأن يأكلا من الشجرة، وكانت النتيجة أن بدت لهما سوءاتهما، وهي العورة التي يسوء النظر إليها، وكانت هذه نتيجة الوسوسة، ولأنها نتيجة تأكد وقوعها، جعلت كأنها الباعث على هذه الوسوسة إذ جاء باللام في قوله: (لِيُبدِيَ لَهُمَا) وكيف كانت الوسوسة؟ ذكرها الله تعالى متحدثا عنه مبينا: (وَقَالَ مَا نَهَاكمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ).
стр. 3686
إنه يؤتى الإنسان من رغبة العلو والبقاء، وقد أتاهما الشيطان من هذه الناحية التي يبتغيها الإنسان بفطرته فقال كاذبا: (مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ) أي إلا لمنع أن تكونا ملكين (أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخالِدِينَ) ويكون تقدير الكلام إلا كراهية أن تكونا ملكين والنفس الإنسانية طامحة إلى العلو وحب البقاء فكان ذلك السبيل لإغوائهما إلى الأكل وقد غرَّهما، ثم أراد أن يثبت لهما أنه ناصح لهما فأقسم بأنه لهما من الناصحين.
* * *
стр. 3687
(وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١)
* * *
والمعنى وأقسم لهما أنه من الناصحين، وذكر القسم بلفظ المفاعلة؛ لأنه أقسم لهما وأوقع في أنفسهما أنه صادق في قسمة وأكده بكل مؤكد حتى كأنهما صدقاه وبادلاه القسم، وأكد أنه من الناصحين وذلك بعدة مؤكدات، أولا: بالقسم الذي شدد فيه حتى وقع في أنفسهما صدقه، كأنهما أقسما معه، وثانيا: بـ " إنَّ " المؤكدة، والجملة الاسمية، وإدخاله في زمرة الناصحين حتى وقعا في مغبة تغريره؛ ولذا قال تعالى في أثر هذه اليمين الفاجرة التي أقسمها.
* * *
стр. 3688
(فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ ... (٢٢)
* * *
الغرور هو ظن الضار مصلحة، والباطل حقا. ودلاه من التدلية، وهي إلقاء الدلو في البئر، وهي هنا إلقاء النفس في الغرور، والمعاصي، والمعنى دلاهما في المعاصي بالغرور الذي أوجده فيهما، فذاقا الشجرة التي نهاهما عن القرب منها، فلما ذاقاها بدت عوراتهما التي يسوء منظوها، ولما بدت أردا أن يستراها فطفقا، أي أخذا يخصفان أي يقطفان من ورق الجنة ما يستر عوراتهما، وقد بدت لهما، وكانت من قبل مستورة عنهما، وبذلك ظهو لهما بينا ألم المعصية وأثرها، وناداهما ربهما وهما في هذه الحال مذكرا بالنهي، فقال تعالى:
(وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ).
ناداهما نداء منبها قويا قائلا لهما وربهما الذي خلقهما، فسوى، وهو يعرف ما تخفي نفوسهما يلومهما في أمرين:
стр. 3689
أولهما - أنه نهاهما ولم ينتهيا وقال لهما: (أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ) أي لقد نهيتكما عن تلكما الشجرة نهيا مؤكدا، ولكن أكلتما كما قال في آية أخرى: (. . . وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى).
الأمر الثاني - أنهما أطاعا الشيطان في تغريره، وحسبا أنه ناصح، وقد بين الله تعالى أنه عدو واضح العداوة، ولذا قال: (وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَان لَكُمَا عَدُو مُّبِينٌ) أي لقد قلت مؤكدا القول: إنه عدو واضح العداوة فما كان لكما أن تغترا به، أحس آدم بغرور الشيطان الذي ظهر في أثر العصيان، وأنهما بالعصيان ما صارا ملكين ولا صارا في الخالدين.
فقالا نادمَيْن:
* * *
стр. 3690
(قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)
* * *
اتجهوا معترفين بذنوبهم مقرين بخطئهما وقد أحسوا بأن مغبة العصيان وقعت فنادوا ربهم (رَبَّنَا).
وهنا حرف نداء محذوف، وهو نداء ضراعة وخشية: أي يا ربنا ظلمنا أنفسنا، وظلمهما لأنفسهما كان باديا لعيانهما عندما ذاقا الشجرة فقد بدت لهما سوءاتهما وأخذا يخصفان عليهما من ورق الجنة، وظلما أنفسهم بعصيان الله وذلك ظلم مبين، وظلمهما أنفسهما باغترارهما بالشيطان وقد قال لهما ربهما: (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُو مُّبِينٌ) واضح العدوان.
كان هذا الإحساس العميق بظلم أنفسهما مصحوبا بضراعة إلى الله تعالى أن يغفر لهما ويرحمهما، ولذا قالا: (وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) يطلبان المغفرة من الله تعالى ولا يكتفيان بها، بل يطلبان مع المغفرة أن يتغمدهما الله برحمته، ولئن لم تكن المغفرة والرحمة ليكونن من الخاسرين الذين خسروا أنفسهم بظلمهم لها وخسروا غفران الله تعالى ورحمته، وذلك هو الخسران المبين.
ولذا قال الله تعالى:
* * *
ليست الجنة دار ابتلاء، إنما الأرض هي دار الابتلاء التي يتنازع فيها الخير والشر، والحق والباطل، والبر الفاجر، وهي دار الابتلاء فيها تتجلى عداوة إبليس ومن معه لابن آدم وذريته؛ ولذا أخرج آدم من الجنة ومعه زوجه، وأخرج إبليس مذءوما مدحورا قال الله تعالى: (اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْض عَدُو) اهبطوا جميعا بعضكم لبعض عدو، فإبليس عدو لآدم وزوجه وذريتهما من بعدهما، ويكون بعض هذه الذرية لبعضهم عدوا لإغواء الشياطين، فالشيطان عدو لبني آدم، وبإغوائه يكون بنو آدم بعضهم لبعض عدو.
ولكم أيها المذنبون وذريتكم فيها مستقر أي موضع استقرار ومتاع، تنتفعون بخيراتها وكل ما فيها أو ينتفع بعضكم، وكل ذلك إلى حين أي زمن محدود.
ثم بين الله تعالى حال الناس في الدنيا فقال تعالت كلماته:
* * *
стр. 3693
(فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ (٢٥)
* * *
والمعنى فيها تعاقب الأحياء بعضهم من ذرية بعض، والأحياء يموتون ويخلفهم أحياء من بعدهم، والأموات يبعثون من قبورهم ثم تكون القيامة، ويجازى المحسن إحسانا والمسيء الذي أطاع الشيطان، يناله عذاب أليم، والله ولي المؤمنين الصادقين.
ما بين قصة خلق الإنسان في سورة البقرة وقصته هنا يبدو بادي النظر وظاهره، أن القصة هنا هي بحذافيرها المذكورة أولا في البقرة، وأن ذلك تكرار في القرآن. ونحن نرى أن كون الله خلق آدم، وأمر الله الملائكة أن يسجدوا، وامتناع إبليس عن السجود وطرده وهبوطه هو وآدم وزوجه من الجنة، مذكور في القصتين، ولكن كان الاختلاف فيما وراء ذلك فذكر في إحداهما ما لم يذكر في الأخرى ومجموعهما يأتي بالقصة متكاملة الأجزاء، فيما تعرضت السورتان له، الثمرة من ذكر القصة مختلف في كل واحدة عن الأخرى.
أولا - أن قررت أن ثمرتها عداوة إبليس لآدم من أصل التكوين، وحذرت الإنسان من أثر هذه العداوة، وبينت الآية الكريمة ما يترتب على هذه العداوة،
стр. 3694
وذكرت بني إسرائيل، وما وسوس به الشيطان في نفوسهم، وكانوا أوضح مثل في البشرية لتحكم إبليس فيهم، حتى كأنه هو - أي إبليس - وَهُم شيء واحد، لولا أنه من الجن، وهم من الإنس، وهم مع ذلك صورته الحية الواضحة، جعلهم الله تعالى عبرة المعتبرين من أهل الفضيلة.
والثمرة هنا في هذه الآية هو تحكم إبليس في العرب حتى جعلهم يطوفون عراة رجالا ونساء، كما حمل إبليس أبوى الإنسان على أن يأكلا من الشجرة، فبدت لهما سوءاتهما.
ثانيا - أن قصة البقرة فيها تعليم الله تعالى لآدم، وبيان استعداده لأن يعلم الأشياء كلها، واختبار الله تعالى للملائكة، ثم كان الأمر بالسجود نتيجة لأن آدم أنبأهم بأسماء ما جهل الملائكة أسماءهم، ولم يذكر ذلك في هذه القصة، بل طوى وكان الأمر بالسجود فحذف من هنا ما ذكر هنالك مفصلا.
وفى قصة التكوين في سورة الأعراف التي تتكلم في معانيها، ذكرت الطريقة التي أزل بها إبليس الزوجين الكريمين، إذ قال لهما: (مَا نَهَاكُمَا رَبُكمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ)
ثالثا - وفي سورة البقرة بينت أنه أزلهما ولم تبين الطريقة التي أزلهما بها، فكانت القصة هنا موضحة لذلك، فهي متممة لها، وليست مكررة معها.
رابعا - في هذه السورة ذكر ما ترتب على الأكل من الشجرة، من أن بدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة، فإن ذلك لم يذكر في سورة البقرة وذكر هنا، وهو تتميم لما ذكر.
وما ذكر هنا فيه بيان مشابهة ما دعا إليه الله تعالى من النهي عن عري العرب في مكة بإغواء إبليس، فتشابه عمله مع ذرية آدم بما عمله مع آدم وزوجه.
خامسا - في قصة التكوين في الأعراف، أن آدم وزوجه قد أحسا بما صنعا، (قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) ولم يذكر
стр. 3695
ذلك في سورة البقرة إلا قوله تعالى: (فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ. . .)، فكانت الآية متممة أو موضحة لما جاء في سورة البقرة ولم يذكر في سورة البقرة نداء الله تعالى للزوجين قالا: (أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ)، وهكذا كان ما هنا متمما لما هناك.
سادسا - ذكر في سورة البقرِة إرادة الله تعالت حكمته أن يجعل خليفة وما قاله الملائكة في هذا: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) ثم بيان الله بتعليمه الأسماء كلها وبيان أنه أحق بخلافة الأرض منهم، ولم يذكر هذا هنا في الأعراف.
وذكر هنا إغواء إبليس، وطريقته في إغوائه وأنه يحيط بهم دائما من عن أيمانهم وعن شمائلهم، ولم يذكر هنالك في سورة البقرة، وأنه بهذه الموازنة بين ما اشتملت عليه القصة في السورتين يتبين أمران:
أولهما - أنه لَا تكرار، بل كل قصة تكمل الأخرى، وتتكون قصة كاملة لا تتضارب الأجزاء فيها.
ثانيهما - أن الثمرة في كل جزء مختلفة، وأن القرآن مَعِين المعرفة لَا يغيض أبدًا.
* * *
(يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢٦) يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٧) وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ
стр. 3696
لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٢٨) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٠)
* * *
ذكر الله ما كان في خلق آدم وزوجه، وما وقع لهما مع إبليس، وكيف وسوس لهما، حتى ذاقا الشجرة فبدت لهما سوءاتهما.
ويبين في هذه الآية أن الثياب نعمة أنعمها الله على عباده، ويقول الزمخشري: إن هذه الآية استطراد لما جاء في أصل التكوين، أي أنها في معنى البيان والتفسير لكونهما أخذا يخصفان عليهما من ورق الجنة، والمعنى أن ذلك أمر فطري، وقد قوى الله تعالى المعنى الفطري، بأنه أنعم على الناس باللباس اسجابة للفطرة وذلك صيانة للحياة.
ولا نحسب آن الآية استطرادية، بل الآيات تمهيد لبيان أن ما كان يفعله بعض العرب من الطواف عرايا، هو خروج على الفطرة، وهو خروج على الحياء الإنساني، الذي جعل آدم وحواء يخسفان عليهما من ورق الجنة:
стр. 3697
(يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا).
النداء لبني آدم جميعا؛ لأنه مجاوبة للفطرة الإنسانية التي جعلت أبوي البشر يخصفان عليهما من ورق الجنة؛ ولذا كان النداء إلى أولاد آدم، وفيه إشارة إلى تلك الفطرة السليمة، وإلى ذلك الحياء الفطري الذي هو سمة الإنسانية الرفيعة، لا إلى تلك الإنسانية المسيخة، التي تظهر في العرى الفاحش الذي يقره بعض الذين تبلدت مشاعرهم وأحاسيسهم.
(قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ) وذلك بإِنزال المطر الذي ينبت منه النبات، وتأكل منه الأنعام، ويحيا به كل شيء حي في هذه الأرض، ثم يكون من
стр. 3698
النبات القطن والكتان، ويكون من الأنعام الأصواف والأوبار والأشعار، مما يتخذ لباسا تستر به العورة.
فالله - سبحانه - يعبر بالسبب، وهو نزول الماء الذي يكون منه النبات وغذاء الجسم، ويكون من ذلك اللباس الذي يواري السوءة، وهي العورة، وقد بينا أن السوءة وهي العورة، وقد بينا أن السوءة ما يسوء النظر إليه، ولا تقره الفطرة السليمة.
وأقول: إن تفسير قوله تعالى: (قَدْ أَنزَلْنَا) بالمطر الذي يكون منه اللباس تفسير سليم، ولكن كلمة " أنزل "، كما تدل على نزول الماء كما في قوله تعالى:
(. . . وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً. . .)، كما في قوله تعالى: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السمَاءِ مَاءً. . .)، فإننى أرى أنها كما تدل على ذلك، تدل أيضا على الأنعام، فهو سبحانه أنعم بهذا اللباس الذي يواري السوءة، فهو الذي أنزل علينا نعمه ظاهرة وباطنة.
ويقول : (وَرِيشًا) الريش والرياش لباس الزينة، وما تزين به البيوت من فراش، وأطلق الريش على لباس الزينة، على أنه من قبيل التشبيه بريش الطير الذي يتزين به، وتصيبه الحسرة إن خلع منه.
والمعنى أن الله تعالى أنزل لبني آدم، اللباس الذي يواري السوءة، ولباس الزينة.
(وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْر).
إن اللباس الضروري هو الذي يواري السوءة، والريش هو الزينة، وهو الرياش في البيوت، وكل ذلك في الأجسام، وما يتصل بها من المسكن والمأوى، فللقلوب لباس يكسو باطن الإنسان، وهو التقوى؛ ولذا قال تعالى: (وَلِبَاسُ التَّقْوَى) وقد شبه في هذه الحال، ما يملأ النفس من تقوى سابقة وإيمان قوي، وباللباس الذي يلازم الجسم ويستره ويتزين به، فإن التقوى ستر لعيوب النفس،
стр. 3699
ووقاية لها من غضب الله تعالى، وهي زينة القلوب ونورها المشرق، ولذلك قال فيها: (ذَلِكَ خَيْرٌ) في ذاته، وخير عما سواه من زينة الناس، فإن الله تعالى لا ينظر إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم.
وفسر بعض العلماء لباس التقوى، بأنه لباس الجهاد من لأمة (١) الحرب، واتخاذ الترس والدرع، وغير ذلك مما يدرع به المقاتل مجاهدا مدرعا، فإن هذا لباس تقوى من جهة أنه لَا يكون إلا ممن امتلأت قلوبهم بتقوى الله، وباعوا أنفسهم له ، وذلك أعلى درجات التقوى، لقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ. . .).
وذلك لَا شك تحتمله الآية، ولكنه ليس الظاهر المتبادر منها، ونحن في منهاجنا نتجه إلى الظاهر المتبادر وقد يصح لنا أن نقول: إن الآية تعم الأمرين والله تعالى أعلم.
وإن الله تعالى، إذ خلق لنا نعمة الكساء: ما يكون منه ساترا، وما يكون منه زينة، فإنه آية من آيات الله ونعمه يجب أن نتذكرها، ونعتبر بها في كل تصرفاتنا، وخصوصا في الحج، الذي هو منسك إبراهيم ﵇ باني الكعبة، وأبي العرب، ولذا قال تعالى في ختام الآية: (ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّه لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ).
والإشارة بـ " ذلك " إلى نعمة الله تعالى في إنزال الأمطار التي يكون منها الزرع والحرث والنسل ثم يكون منها للناس والرياش.
لقد حكم أنه من آيات الله في إنزال المطر الذي كان منه كل شيء حي، والذي به أنشأ الله جنات معروشات وغير معروشات، فهذا كله من آيات الله تعالى ونعمه، التي توجب الشكر وتمنع الكفر، وهي مع ذلك، دالة على وحدانيته.
стр. 3700
وختم الله سبحانه قوله العزيز بقوله: (لَعَلَّهمْ يَذَّكَّرونَ)، الضميران يعودان إلى المشركين الذين كفروا بالله والذين يكفرون بنعمة الله، ويطوفون بالبيت الحرام عراة، وقد أنزل عليهم لباسا يواري سوءاتهم وريشا يتزينون به، فلعلهم يتذكرون فينخلعوا عن هذه العادات انخلاعا.
والرجاء هنا منهم لَا من الله تعالى، وقد مهد الله تعالى لهم من الأسباب، وذكر لهم من الآيات ما به يتذكرون.
* * *
стр. 3701
(يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا ... (٢٧)
* * *
النداء للناس أجمعين، وكان النداء بقوله تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ) لهذا العموم، ولتذكير الأبناء بما كان للآباء من عداوة إبليس، وتهديده بإغوائهم، وأنه يقعد لهم الصراط المستقيم، وأنه وسوس لأبوي الآدميين.
قال الله تعالى ناهيا: (لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ) النهي للآدميين، والفاتن هو الشيطان ولم يوجه النهي إليه؛ لأنه تمرد على أمر ربه، وخرج مذءوما مدحورا، وكان النهي لبني آدم مع أن الفاعل غيرهم؛ لأن معنى النهي حينئذ ألا يمكنوه منهم، وذلك بطاعة الله تعالى وحده ورد الأوهام والأهواء، فإنها باب الشيطان فإن سُدَّ باب الوهم والهوى، فقد سُدَّت مسالك الشيطان، واستقام في النفس أمر الرحمن، فالحصن الذي يقي المؤمن فتنه الشيطان، هو الطاعة لأوامر الله تعالى، وتقوية العزيمة. . والإرادة وأن يكون للرحمن وليا ويتقي ولاية غير الله تعالى.
والفتنة معناها في أصل اللغة: فتن الفلزات من الذهب والفضة والحديد والنحاس، لإخراج ما يكون فيها من مادة ليست من جوهرها. ثم أطلقت على كل شدة يتميز بها الخبيث من الطيب، وتختبر فيها الإرادات ويتميز فيها ذوو العزائم، ثم كانت للنتيجة وهي محاولة خداع النفوس بالإتيان بما يهد العزيمة
стр. 3702
ويضعف الإرادة، بخداع النفس، وإرهاق الإرادة والطغيان على حكم العقل وإضعاف سلطانه.
وهي هنا من هذا القبيل، فالله تعالى ينهانا عن أن ننخدع بالشيطان، وله ماض في إيذائنا وخدع أبوينا: آدم وزوجه حواء، اللذين كان منهما التناسل الإنساني الدائم، إلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها.
وقد عزز الله تعالى النهي عن الانخداع بإبليس، بماضيه، إذ خدع آدم وحواء، فأتى نفوسهما من جهة ما هو في فطرة الإنسان، من حب العلو والخلود، فقال لهما مُقْسِما لهما: (مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ) ومن هذا الباب دخل إلى أنفسهما وأتباعه من بعده، يسلكون هذا الطريق ذاته فهم يأتون النفوس من قبل ما تحب وتشتهي، فالأهواء والشهوات الباب الذي يدخل منه الشيطان إلى النفوس، والسلطان والطغيان بابان مفتوحان من أبواب الشيطان.
وقد كان لوسوسة إبليس لأبوي الخليقة، أثران: ذكرهما الحق - سبحانه - في كريم آياته الأولى:
أولهما: إخراجهما من الجنة. فقال فيها: (كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ) وهو - كما أخرجهما من جنة الله تعالى - يخرجكم يا بني آدم، من جنة الطاعة وعزتها، إلى ذلة المعصية وغوايتها.
ثانيتهما: أنه ترتب على ذلك أن بدت لهما سوءاتهما، وصارا تحصنان عليها من ورق الجنة، كما قال تعالى: (يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا).
كذلك الشيطان ينزع عن المؤمن كل ما استكن في قلبه من خير، ويكشف عورات الناس، وسوءات المجتمع الإنساني.
стр. 3703
وإن في ذلك لإشارة واضحة إلى أن الشيطان الذي نزع لباس آدم وحواء هو الذي ينزع عن العرب لباسهم في الطواف حول أقدس بيت الله في الأرض، أول بيت وضع لعبادة الناس وهو البيت الحرام.
وإذا كان إبليس قد تراءى في الجنة الأولى لآدم وحواء فدلاهما بغرور، فإن أتباعه لَا يظهرون، ولكن يوسوسون؛ ولذا قال تعالى: (إِنَّه يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهمْ).
إن إبليس يختفي ولكن له سلطان قوي على النفوس والقوة الخفية له هو وقبيله أي جماعته التي يجمعها، هذه القوة تبعث في النفس بقدر لَا يقل عن القوة الظاهرة التي كانت لأبوي الخليقة آدم وزوجه، وهذه القوة يؤثر بها في نفوس الكبراء بإغرائهم بالسلطان وتسليطهم على الضعفاء فيكون على الضعفاء قوتان تسيطران على أنفسهم: قوة أصحاب السلطان الظالم، وقوة الشيطان والاستخذاء له في نفوسهم. والمؤمن القوي يدفع الإغراءين ولا يستمع إلا لله ، فإذا كانت هذه تسيطر، فقوة الحق عند أهل الحق أقوى، ولو كانوا عبيدا أو ضعفاء، لأنهم مؤمنون بالله وقد ذكر النبي ﷺ في تأثير الشياطين الخفية وتأثير الملائكة " أن للملك لمة وللشيطان لمة، فأما لمة الملك فوعد بالخير وتصديق بالحق، وأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق " (١).
واللمة ما يلم بالقلب ويتصرف القلب والنفس بمقتضاه، قالقلب تتنازعه قوة الحق وهي من الله أو من الملك، وقوة الشر، وهي من الشيطان، وهو يرهب من الحق، ونتائجه، ويغري بالهوى والشهوة.
وإن قوة الإيمان تدفع إغراء الشيطان، فالإيمان والتقوى حصنان للحق، والكفر والهوى حظيرة الشيطان؛ ولذا قال تعالى: (إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنونَ).
стр. 3704
إنه إذا كانت التقوى قوية، تكون إرادتها للحق، وعزيمتها في الخير عزيمة صادقة، لَا يقوى الشيطان على قهرها، أما النفوس المضطربة بالباطل التي فسدت فطرتها، فإن الشيطان يجد السبيل لبث شروره وإغرائه وفتنته وخديعته فيها؛ فإنها لفساد فطرتها واضطراب فكرهم - تجد فيها الشياطين داعيتهم، وهذا معنى جعلهم أولياء للشياطين، فمعنى قوله تعالى: (إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ).
أي أنهم لإفساد فطرتهم المستقيمة وجعلها معوجة، والاعوجاع دائما، يفتح ثغرات لهذا الشر، وتلك الوسوسة التي بها يكون الشياطين أولياءهم، وإنما جعل الله تعالى الولاية ليست في النفوس الإنسانية، وإنما جعلها للشياطين أنفسهم، فقال سبحانه: (إِنَّا جَعَلْنَا الشيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ)؛ لأن الشياطين يفعلون والنفوس الإنسانية تتقبل، واعوجاجها يسهل دخول الشر فيها، والولي هنا هو الموالي والنصير المتصل، فالله - سبحانه - جعل الشياطين موالى وأحباء وأصدقاء للذين لَا يؤمنون، الذينِ ليست قلوبهم مؤمنة مذعنة للحق؛ ولذا ذكر الفعل المضارع بقوله: (لِلَّذِين لَا يُؤْمِنُونَ)، أي لمن ليس من شأنهم الإيمان والإذعان للحق، فالكافرون أولياؤهم الشياطين والطاغوت.
وإن من إغواء الشياطين لبني آدم، أن ينسبوا أفعالهم إلى الله، وإلى أتباع آبائهم؛ ولذا قال تعالى:
* * *
стр. 3705
(وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ... (٢٨)
* * *
أشرنا إلى ما كان يفعله المشركون في الحج، وما كانوا في هذا إلا متبعين لما كان عليه آباؤهم، وفي هذا يتبين ما جاء عن مفسري التابعين في هذا الموضوع.
الفاحشة: الأمر الزائد عما تقبله العقول المستقيمة، والاحتشام الإنساني والحياء الخلقي، ولا شك أنهم بطوافهم عراة، يرتكبون أفحش الأعمال الخارجة عن حدود العقل، والاتزان، والحياء الفطري.
ولقد روى مجاهد في ذلك، أن المشركين كانوا يطوفون بالبيت عراة، فكانوا يقولون: نطوف كما ولدتنا أمهاتنا، وكانت المرأة تضع على قُبُلها شيئا تستره به،
стр. 3706
فأنزل الله تعالى: (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا) وقد قال الحافظ ابن كثير في ذلك: وكانت العرب ما عدا قريشا، لَا يطوفون بالبيت في ثيابهم التي لبسوها، يتأولون في ذلك أنهم لَا يطوفون في ثياب عصوا الله تعالى فيها، وكانت قريش، وهم الحمس (جمع أحمس) يطوفون في ثيابهم، ومن أعاره أحمسي ثوبا طاف فيه، ومن معه ثوب جديد طاف فيه ثم يلقيه لئلا يتملكه أحد، ومن لم يجد ثوبا جديدا، ولا أعاره أحمسي ثوبا طاف عريانا، وربما كانت امرأة فتطوف عريانة فتجعل على فرجها شيئا يستره بعض الستر فتقول:
اليوم يبدون بعضه أو كله ... وما بدا منه فلا أحله
" وأكثر ما كان النساء يطفن عراة بالليل، وكان هذا شيئا ابتدعوه من تلقاء أنفسهم ".
وإن هذا الكلام يدل على أمرين خطيرين:
أولهما - أن ذلك كان يحدث من العرب مخالفا كل عرف، ومخالفا لكل تفكير سليم فما كان ليرضى أحدًا مثل هذا، وهو أشد أحوال الفحش في الأفعال! ثانيهما - ما يزعمون من أنهم لَا يطوفون بثياب ارتكبت فيها معاص لهم.
وكأن قريشًا لَا معاصي لهم، مع أن بعضهم ما كان يتحاشى المفاخرة بالمعاصي، فقد كان منهم من هو رجس في رجس. وإذا كان منهم من كان يمتنع من التدلي فيما يخدش مروءته كعبد المطلب، وأبي طالب، والعباس، فقد كان منهم أيضا من لَا يمتنعون عن بعض المعاصي، كالربا ونحوه.
وإنهم إذ يفعلون هذه الفاحشة يبررونها بأمرين:
أولهما - أمر يتفق مع العقل الجاهلي، وهو أنهم يقولون: (وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا)، ولو كانت فحشا، ولو كان آباؤهم لَا يعقلون شيئا ولا يهتدون.
стр. 3707
الأمر الثاني - أنهم يفترون على الله، ويقولون: (وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا) ويتأولون ذلك بأنه ما دام لم ينهنا عنها فقد أمرنا بها.
وهذا تفكير جاهلي، يقولون أمر الله بالشرك وبتحريم بعض الذبائِح، وِتحريم بعض ما تخرجه الأرض، ويقولون: (. . . لَوْ شَاءَ اللَّه مَا أَشْرَكنَا وَلا آباؤنَا ولا حرَّمْنَا مِن شَيْء. . .)، وهذا ما يبرر به المعاصي بعض الجاهلين في هذا الزمان، وقد رد الله كلامهم بقوله تعالى: (قلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمر بالْفَحْشَاء أَتَقولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ).
أمر الله تعالى نبيه بأن يواجههم بافترائهم على الله تعالى، ببيان أنه يستحيل على الله ما يفترون عليه؛ لأن الله تعالى له الكمال المطلق، ومن له الكمال المطلق لا يأمر بالفحشاء؛ لأنه لَا يصدر عنه إلا ما هو كمال في ذاته، ولا يتنافى مع عقل عاقل ويرضاه ذو ذوق سليم، وقال تعالى: (لا يَأمر بِالْفَحْشَاءِ) ولم يقل " ما أمر بذلك "، أو ما أمر بالفحشاء، بل قال نافيا الأمر بالفعل المضارع: (لا يَأْمُر بِالْفَحْشَاءِ) فلا يمكن أن يأمر بذلك لَا في الماضي ولا في المستقبل، وليس من شأنه تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وكان النفي بالمضارِع؛ لأنه نفي لشأن الله ثم قال تعالى، كما أمر نبيه أن يستنكر قولهم: (أَتَقولُون عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ)؟! الاستفهام هنا إنكاري لإنكار الواقع، أي لتوبيخهم على ما وقع منهم؛ لأنهم فعلا افتروا على الله افتراء، فقالوا ما لَا يعلمون صدقه، ولم يصل إليهم عن الله تعالى أمره فيه وحكمه.
وإن ذلك فوق أنه توبيخ لهم، واستنكار لفعلهم - فيه توجيه لهم لئلا يتكلموا إلا بعلم، وأن الشيطان لينفذ إلى ما يحكمون به بأوهامهم وأهوائهم.
وتقديم قوله تعالى: (عَلَى اللَّهِ) لبيان وجه الاستنكار الشديد، وهو أنهم يقولون على الله ﷻ ، فكان قولهم هذا أشد الافتراء.
ثم بين سبحانه فقال بعد أن نفي أنه يأمر بالفحشاء:
* * *
ذكر الله تعالى في الآية السابقة أن الله تعالى لَا يأمر بالفحشاء، أي لَا يأمر بالأمر الذي يفحش، فلا تستطيع العقول المستقيمة المدركة أن ترضى به، وهنا يبين ما يأمر به سبحانه، فيقول: (قلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ)، وإن السياق يقتضي أن يكون ما أمر الله به نقيض الفحشاء، فالقسط هنا يفسر بأنه العدل، والعدل كل أمر في ذاته مستقيم تقره العقول ولا ينكره الذوق السليم، فالعدل يشمل العدل في الحكم، والعدل في الأقوال والأفعال، والاعتدال في كل ما يختار في الأمور، فلا يمتد إلى الحرمان، ولا إلى الاعتداء، بله الإفحاش؛ ولذلك قال بعض المفسرين: إنه يشمل كل ما أمر الله به، فما يأمر إلا بما هو عدل، وما نهى إلا عما هو ظلم. وقال أبو مسلم في تفسيره: إنه الطاعات كلها، والتعبير بالماضي في " أمر " فيه تكذيب لافترائهما وأنه لم يأمر به الله سبحانه، فالله ما أمر بالفحشاء، بل أمر بالقسط، وما به تستقيم الأمور في العقول.
ولقد صرح - سبحانه - بما يجب للمساجد، من تعظيم، لَا أن يطَّوَّفوا عراة بالمسجد الأعظم، الذي كرمه الله تعالى، وتشد إليه الرحال؛ ولذا قال تعالى: (وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِندَ كلِّ مَسْجِدٍ).
هذا أمر معطوف على خبر في الظاهر، ولكن قالوا إن قوله تعالى: (وَأَقِيمُوا وُجُوهَكمْ) " أن " مطوية في الكلام ومقصودة والسياق هكذا: " أمر ربي بالقسط وبأن أقيموا وجوهكم عند كل مسجد ". وأقول إن: " أقيموا " معطوف على " أمر؛ لأن " أمر " يتضمن معنى الطلب، فهو عطف طلب على طلب.
وإقامة الوجه عند كل مسجد، هي الاتجاه إلى الله تعالى، مثل قوله تعالى: (فأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا. . .)، والوجوه هي الذوات، أي اتجهوا إلى الله تعالى بكل أنفسكم عند كل مسجد، وكذلك ما يطلبه الله تعالى عند كل مسجد، مع توقير المساجد، وإعطائها حقها في الاحترام والإجلال، فلا يصح أن يكون فيها عرى أو ما يكون رذيلة في ذاته، أو ما يبعث على الرذيلة، وأن يكون
стр. 3710
الاحتشام هو الزي الأكمل، وإقامة الذات لله تعالى أن تكون خالصة له سبحانه، ومستشعرة خشيته، وجلاله، وقرن هنا بالمسجد، لكرامة المسجد كما ذكرنا؛ ولأنه رمز الصلاة، فإقامة الوجه في الصلاة بأن تكون مقومة فيها استحضار عظمة الله سبحانه في قراءتها وأدعيتها وكل حركاتها، لَا يعمر القلب فيها غير الله تعالى.
وقرن الأمر بإقامة الوجوه لله بالأمر بالدعاء مخلصين له الدين، فقال تعالى: (وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)، الأمر بالدعاء هو الأمر بالعبادة، لأن العبادة دعاء، والدعاء في ذاته اتجاه إلى الله بضراعة وخشوع وخضوع، فقد أمر الله تعالى بمعاملة الناس بالقسط بين الناس، ثم أمر من بعد بإقامة الوجه لله تعالى بالانصراف إليها بذواتنا، بأن نجعل كل مشاعرنا، وخلجات قلوبنا لله تعالى، بحيث لَا نحب إلا لله، ولا نبغض إلا لله، وأن نكون ربانيين في أنفسنا، وعقولنا، وقلوبنا، ثم أمرنا من بعد أن نعبده وحده، قد خلصت قلوبنا له؛ ولذا قال: (مُخْلِصينَ لَهُ الدِّينَ) والدين هنا الطاعة، وكل العبادات.
مخلصين له كل هذا، بحيث لَا نشرك في عبادته أحدا، فلا نعبد أحدا سواه، ولا نرائي في عبادته، فالرياء في العبادة هو الشرك الخفي، ولذا ورد أن النبي ﷺ قال: " من صلى يرائي فقد أشرك، ومن صام يرائي فقد أشرك، ومن تصدق يرائي فقد أشرك " (١).
وقد قرن هذه الأوامر بالتحذير من عصيانه، والتذكير بالبعث، وأنه وراء البعث القيامة والحساب والثواب أو العقاب، ولذا قال تعالى: (كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ).
وفى هذا النص دعوة إلى الإيمان بالبعث، وتذكير به، وهذا التذكير يحمل في نفسه دليله، و " الكاف " دالة على التشبيه، والمعنى بهذا البدء بالخلق والتكون تعودون، أي يعيدكم كما بدأكم، ففي الآية ذكر للبعث، ودعوة إلى الإيمان به، والدليل عليه بقياس الإعادة على الإنشاء، وأنه أهون، والله على كل شيء قدير،
стр. 3711
وأنه يكون من بعده الجزاء، فمن اهتدى فله الثواب، ومن ضل نزل به العقاب، ولذا قال تعالى:
* * *
стр. 3712
(فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٠)
* * *
يبين الله أن الناس عند عودتهم إلى فريقان: فريق هداه الله تعالى في الدنيا وفريق كان من أولياء المثحياطين، وحق عليه الضلالة.
و (فَرِيقًا هدَى) حال من (تعودون) في الآية، أي يعودون فريقا هداه الله تعالى، وفريقا حقت أي ثبتت عليه الضلالة، والفريق الذي هداه الله قد اتخذ الطريق المستقيم سبيلا، ولم يتخذ طريقا عوجا، فإنه يُضل، والفريق الذي ثبتت وتقررت عليه الضلالة، هو الذي اتخذ الشياطين أولياء له يودهم ويحبهم؛ لأنه اتجه إلى المعاصي يشتار عسلها، وجعل قلبه موطنا للشيطان يسكنه، ويغويه ليحقق قسمه لله تعالى بقوله: (. . . لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ).
ولقد بين النبي ﷺ في أحاديث عدة أن الناس يولدون على الفطرة، والفطرة التي فطر الله الناس عليها مستقيمة دائما لَا تخرج عن سنن الحق بمقتضى العهد الفطري الذي أخذه على بني آدم من ظهورهم وذريتهم، وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا، وإن الشياطين هي التي تحولهم عن الفطرة إلى الضلالة، ولقد قال ﷺ : دزكل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهوِّدانه أو ينصرانه، أو يمجِّسانه) ((١)، وروى مسلم في حديث قدسي عن النبي ﷺ : " إني خلقت عبادي حنفاء وإنهم أتتهم الشياطين، فاجتالتهم عن دينهم " (٢)، فالله سبحانه خلق الخلق، وهم يدركون بفطرهم أن لهذا الكون خالقا، وأنه وحده الذي انفرد بالخلق والتكوين، وذلك بمقتضى الميثاق الذي أخذ عليهم بمقتضى الفطرة والغريزة، كما أشرنا.
стр. 3713
وإن من يسلك طريق السعادة يتجنب الاستجابة للشيطان، ويستيقظ لفِتَنِه، فلا يمكنها من أن تسيطر عليه، وتستمكن من منازعه، وحتى مكن للشيطان من أَن يصل إلى توجيه فكره، ونفسه، وإرادته، فقد اتخذه من دون الله وليا، وقد روي في الصحيحين " من كان من أهل السعادة فيُيَسَّر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاء فيُيَسَّر لعمل أهل الشقاوة " (١).
والآية الكريمة تقول: (فَرِيقًا هَدَى) ولم يذكر الفاعل وهو الله تعالى، تكرما من الله تعالى، يشير إلى أن الهداية ابتداء باتجاه من الذي هداه الله تعالى، كما أن أهل الضلالة قد حقت وثبتت عليه الضلالة بعمل ممن ضل وغوى، وقال سبحانه في أهل الغواية: (اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ اللَّهِ) أي أنهم فتحوا قلوبهم وسخروا عقولهم وإراداتهم للشيطان، فكان لهم وليا من دون الله؛ لأنهم هجروا فطرتهم، وهجروا أوامر الله تعالى ونواهيه، ومعنى (مِن دونِ اللَّهِ) تعالى، أي من غير إطاعة الله.
ولقد قال تعالى في الآية السابقة: (إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ)، وفي هذه الآية يقرر الله تعالى أن أهل الضلالة اتخذوا الشياطين أولياء، فالولاية ئبتت من الجانبين: الشياطين أرادوها للإغواء، وأهل الضلالة فُتِنوا بالإغواء، فاتخذوهم أولياء، وإنه لاتخاذهم الشياطين أولياء كان منهم ضلال فكري، بهذا الاتخاذ؛ ولذا قال تعالى: (وَيَحْسَبُونَ أَنَّهم مُّهْتَدُونَ) الضمير يعود على فريق الضلالة الذين حقت عليهم و (وَيَحْسَبُونَ) معناها يظنون متوهمين أنهم مهتدون، أي أنهم بسبب عملهم الإيجابي في اتخاذهم الشيطان أولياء من دون الله تعالى انقلبت أفهامهم، وأركس إدراكهم، فزين لهم سوء أعمالهم فحسبوه حسنا، فظنوا بأوهامهم أنهم مهتدون، وهذا شر أنواع الضلال، بأن يسير المرء في طريق الباطل، وهو يحسب أنه الحق والهداية.
стр. 3714
وإن هؤلاء في حسبانهم الغواية - محاسبون على ذلك؛ لأن الله بين الحق فأعرضوا، وعاندوا واستكبروا، فلم يطيعوه عنادا واستكبارا، حتى فسدت مداركهم، وضلت أفهامهم، فحسبوا الباطل حقا، والضلالة هداية ولا حول ولا قوة إلا بالله.
* * *
(يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢) قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)
* * *
هذه الآيات الكريمة تبين ما أحل الله تعالى وما حرم، وأن ما أحله الله تعالى طيب فإنه تعالى طيب لَا يحل إلا طيبا، وما حرمه هو خبيث في ذاته من أفعال وأشياء، وقد ابتدأ بإحلال ما كان العرب يحرمونه من ستر أنفسهم في الحج عند الطواف بالبيت الحرام، فقال تعالى:
стр. 3715
(يَا بَنِي آدَمَ خذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) كان بعض العرب يطوفون عراة، كما بينا في ذكر معاني الآيات السابقة، وإن الله تعالى قد أنعم علينا باللباس الذي يواري سوءاتنا والريش من الثياب الذي نتزين به، لنبدو في أقوم صورة، أو في صورة لَا تشنأها الأنظار، فقد ورد عن النبي ﷺ أنه قال: " إن الله جميل يحب الجمال " (١)؛ ولذا قال تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا