وأنه يكون من بعده الجزاء، فمن اهتدى فله الثواب، ومن ضل نزل به العقاب، ولذا قال تعالى:
* * *
стр. 3712
(فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٠)
* * *
يبين الله أن الناس عند عودتهم إلى فريقان: فريق هداه الله تعالى في الدنيا وفريق كان من أولياء المثحياطين، وحق عليه الضلالة.
و (فَرِيقًا هدَى) حال من (تعودون) في الآية، أي يعودون فريقا هداه الله تعالى، وفريقا حقت أي ثبتت عليه الضلالة، والفريق الذي هداه الله قد اتخذ الطريق المستقيم سبيلا، ولم يتخذ طريقا عوجا، فإنه يُضل، والفريق الذي ثبتت وتقررت عليه الضلالة، هو الذي اتخذ الشياطين أولياء له يودهم ويحبهم؛ لأنه اتجه إلى المعاصي يشتار عسلها، وجعل قلبه موطنا للشيطان يسكنه، ويغويه ليحقق قسمه لله تعالى بقوله: (. . . لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ).
ولقد بين النبي ﷺ في أحاديث عدة أن الناس يولدون على الفطرة، والفطرة التي فطر الله الناس عليها مستقيمة دائما لَا تخرج عن سنن الحق بمقتضى العهد الفطري الذي أخذه على بني آدم من ظهورهم وذريتهم، وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا، وإن الشياطين هي التي تحولهم عن الفطرة إلى الضلالة، ولقد قال ﷺ : دزكل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهوِّدانه أو ينصرانه، أو يمجِّسانه) ((١)، وروى مسلم في حديث قدسي عن النبي ﷺ : " إني خلقت عبادي حنفاء وإنهم أتتهم الشياطين، فاجتالتهم عن دينهم " (٢)، فالله سبحانه خلق الخلق، وهم يدركون بفطرهم أن لهذا الكون خالقا، وأنه وحده الذي انفرد بالخلق والتكوين، وذلك بمقتضى الميثاق الذي أخذ عليهم بمقتضى الفطرة والغريزة، كما أشرنا.
стр. 3713
وإن من يسلك طريق السعادة يتجنب الاستجابة للشيطان، ويستيقظ لفِتَنِه، فلا يمكنها من أن تسيطر عليه، وتستمكن من منازعه، وحتى مكن للشيطان من أَن يصل إلى توجيه فكره، ونفسه، وإرادته، فقد اتخذه من دون الله وليا، وقد روي في الصحيحين " من كان من أهل السعادة فيُيَسَّر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاء فيُيَسَّر لعمل أهل الشقاوة " (١).
والآية الكريمة تقول: (فَرِيقًا هَدَى) ولم يذكر الفاعل وهو الله تعالى، تكرما من الله تعالى، يشير إلى أن الهداية ابتداء باتجاه من الذي هداه الله تعالى، كما أن أهل الضلالة قد حقت وثبتت عليه الضلالة بعمل ممن ضل وغوى، وقال سبحانه في أهل الغواية: (اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ اللَّهِ) أي أنهم فتحوا قلوبهم وسخروا عقولهم وإراداتهم للشيطان، فكان لهم وليا من دون الله؛ لأنهم هجروا فطرتهم، وهجروا أوامر الله تعالى ونواهيه، ومعنى (مِن دونِ اللَّهِ) تعالى، أي من غير إطاعة الله.
ولقد قال تعالى في الآية السابقة: (إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ)، وفي هذه الآية يقرر الله تعالى أن أهل الضلالة اتخذوا الشياطين أولياء، فالولاية ئبتت من الجانبين: الشياطين أرادوها للإغواء، وأهل الضلالة فُتِنوا بالإغواء، فاتخذوهم أولياء، وإنه لاتخاذهم الشياطين أولياء كان منهم ضلال فكري، بهذا الاتخاذ؛ ولذا قال تعالى: (وَيَحْسَبُونَ أَنَّهم مُّهْتَدُونَ) الضمير يعود على فريق الضلالة الذين حقت عليهم و (وَيَحْسَبُونَ) معناها يظنون متوهمين أنهم مهتدون، أي أنهم بسبب عملهم الإيجابي في اتخاذهم الشيطان أولياء من دون الله تعالى انقلبت أفهامهم، وأركس إدراكهم، فزين لهم سوء أعمالهم فحسبوه حسنا، فظنوا بأوهامهم أنهم مهتدون، وهذا شر أنواع الضلال، بأن يسير المرء في طريق الباطل، وهو يحسب أنه الحق والهداية.
стр. 3714
وإن هؤلاء في حسبانهم الغواية - محاسبون على ذلك؛ لأن الله بين الحق فأعرضوا، وعاندوا واستكبروا، فلم يطيعوه عنادا واستكبارا، حتى فسدت مداركهم، وضلت أفهامهم، فحسبوا الباطل حقا، والضلالة هداية ولا حول ولا قوة إلا بالله.
* * *
(يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢) قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)
* * *
هذه الآيات الكريمة تبين ما أحل الله تعالى وما حرم، وأن ما أحله الله تعالى طيب فإنه تعالى طيب لَا يحل إلا طيبا، وما حرمه هو خبيث في ذاته من أفعال وأشياء، وقد ابتدأ بإحلال ما كان العرب يحرمونه من ستر أنفسهم في الحج عند الطواف بالبيت الحرام، فقال تعالى:
стр. 3715
(يَا بَنِي آدَمَ خذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) كان بعض العرب يطوفون عراة، كما بينا في ذكر معاني الآيات السابقة، وإن الله تعالى قد أنعم علينا باللباس الذي يواري سوءاتنا والريش من الثياب الذي نتزين به، لنبدو في أقوم صورة، أو في صورة لَا تشنأها الأنظار، فقد ورد عن النبي ﷺ أنه قال: " إن الله جميل يحب الجمال " (١)؛ ولذا قال تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا
стр. 3716
زِينَتَكُمْ عِندَ كلِّ مَسْجِد) النداء لبني آدم يشمل الناس أجمعين لقوله تعالى (يَا بَنِي آدَمَ)، فلماذا اختص النداء هنا بقوله تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ) ونقول في الجواب عن ذلك الاستفهام المفروض أن ذلك للتذكير بحال آدم وزوجه عند إخراجهما من الجنة، وبدت سوءاتهما وأخذا يخصفان عليهما من ورق الجنة.
وقوله تعالى: (خُذوا زِينَتَكمْ عندَ كلِّ مَسْجد)، معناه البسوا لباسا يكون فيه زينة وتجمل لكم، وقال تعالى: (خذوا زِينَتَكمْ) شاه تحروا أن تأخذوا بأسكم متزينين متجملين بها، عندما تدخلون أي مسجد، وإن ذلك لتكون المساجد نظيفة دائما، ويحسن فيها الطيب ليكون فيها أريج تطيب له الأنفس وتقبل عليه جموع المصلين، وإن ذلك يوجب أمرين.
أحدهما - لستر العورة باللباس السابغ الطيب الذي هو زينة في ذاته، والعرى فيه ظهور للعورات، والعورات سوءات يسوء النظر إليها.
ثانيهما - أن يكون ثمة تجميل، وقد حسَّن النبي ﷺ التجمل عند دخول المساجد، وكان النبي ﷺ يتجمل في ثيابه، ولا يتبذل فيها، وخصوصا في المسجد، وعند استقبال الوفود.
ويقول تعالى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)، هذا أمر بالأكل وهو في معنى الإباحة بالجزاء بأكل أي جزء، أو أي نوع فيأكل بُرا أو تمرا، أو شعيرا أو أرزا. ويجب بالكل، فلا يصح أن يحرم نفسه من الطعام، وإلا أودى بنفسه إلى الهلاك ولا يحرم على نفسه نوعا من الطعام دون نوع، كالذين يحرمون على أنفسهم أكل اللحوم فإنه يجب عليهِم أن يتناولوها، حتى لَا يقعوا في النهي في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا لَا تُحرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكمْ. . .).
ولقد روى الإمام أحمد بن حنبل أن النبي ﷺ قال: " كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا في غير سرف ولا مخيلة "، والإسراف يكون في ناحيتين:
стр. 3717
إحداهما - أن ينفق مبذرا فوق طاقته، بأن يكثر من الضيفان فوق طاقته فإن ذلك تبذير منهي عنه، وقد قال تعالى: (إِنَّ الْمبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ. . .).
والثانية - أن ينال من الطعام ما يثقل معدته وأمعاءه، وجسمه، ولقد قال النبي ﷺ فيما رواه النسائي والإمام أحمد: " ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنٍ؛ حسب ابن آدم أُكلات يُقِمْن صُلبَه فإن كان لَا محالة، فثلث طعامٍ وثلث شراب وثلث لنفسه " (١).
وإن الإسراف في الطعام يختلف مقداره ونوعه باختلاف حال الطعام، وإن كان مريضا، فما يؤدي إلى زيادة مرضه إسراف، وإن كان قويا معافى فلا يتناول ما يؤدي إلى إتخامه، فإن زاد فقد أسرف، وقد قال تعالى في صفات المؤمنين: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا).
وقد بغض الله تعالى الإسراف للناس ببيان أنه سبحانه لَا يحبه ولا يرضاه لعباده فقال تعالى: (إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) لأن الإسراف يؤدي إلى إضرار أبدانهم، وحرمان لغيرهم، وضياع لذوي الحاجة في الجماعة الإسلامية كما قال ابن عباس: ما من مسرف إلا ووراءه حق مضيع. وقد أكد بغضه للإسراف بنفي المحبة، ومحبة الله مطلب المؤمنين، ولقد كان من العرب من حرم زينة الله وأوجب العري عند الطواف فاستنكر الله تعالى فعلهم، وقال:
* * *
стр. 3718
(قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ... (٣٢)
* * *
أمر الله تعالى نبيه الكريم بأن يستفكر ما كان من الذين حرموا زينة اللباس افتراء على الله تعالى كما كان يفعل المشركون، أو تزهُّدا كما فعل جهلة المتعبدين
стр. 3719
فقال: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ) الاستفهام إنكاري لنفي الواقع لا لنفي الوقوع؛ لأنه وقع من المشركين، وإنكار الواقع توبيخ لهم على ما وقع.
وقد وقع في هذا بعض العرب، فطافوا عراة في المسجد الحرام، كما ذكرنا، وقد كان الأمر في الآية السابقة يأخذ الزينة في المسجد الحرام وعند كل مسجد، وفى هذه الآية يستنكر تحريم الزينة في المساجد وغيرها، وهي آمرة باتخاذ الزينة أمْر إباحة، وكان النبي ﷺ يتحمل في ثيابه، وإن كان يرقعها أحيانا (١)، وكان يحث أصحابه على أن يتخذوا أحسن الثياب حتى إذا أوشكت على البلى تصدقوا بها، وكان السلف من الصحابة والتابعين يعنون بثيابهم، وإذا كان قد روي عن عمر ﵁ أنه في مدة خلافته كان يلبس أحيانا ثوبا تعد رقعاته، فما ذلك لتحريم التجمل على نفسه، بل لمعنى في الحكم الآمر نفسه، فهو يقول: لا أكون أمير المؤمنين إن لم أعش كأضعف المؤمنين.
وكان علي بن أبي طالب إمام الهدى يعنى بثيابه ويتجمل بها، فلما ولي أمر المؤمنين كانت أول كلمة قالها: سأرفع من ثوبي ما كنت أجر.
وقوله تعالى: (الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ)، أي أنه مكن عباده من إخراجها ونسجها، وأنشأ لهم مصدر وجودها، فهو هو الذي أنزل المطر بالماء العذب من السماء فكان النبات، وعاش بالنبات الحيوان، وكان من النبات القطن والكتان، وكان من الحيوان الصوف والوبر والشعر، وكان من كل ذلك اللباس والرياش، وما خلق ذلك عبثا، بل كان وفق ما سنه ولا يليق بمؤمن أن يرد إنعام الله، ولقد قال ﷺ : " إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده " (٢). وكما استنكر القرآن الكريم الذي أنزله رب العالمين تحريم الزينة استنكر أيضا تحريم الطيبات، والطيبات هي الأطعمة التي تستلذ وتستطاب ما دامت لَا تضر الأجسام، وهي ضد الخبائث كما قال تعالى: (. . . وَيُحِلُّ لَهُمُ
стр. 3720
الطَّيِّبَاتِ وَيحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ. . .) فهي الطعام الطيب الهنيء المريء الذي تقبل عليه النفس وتهنأ به وهو لَا يعقبه ضرر: من لحم طري، وسمك شهي، وغير ذلك مما يستطيبه الإنسان.
ولا يتم الطعام الطيب ويكمل إلا إذا كان طيبا في طريق كسبه، فلا يكون قد أحذ من حرام لقوله ﵊ " من نبت لحمه من حرام فالنار أولى به" (١).
فالطيب من الطعام له خاصتان أولاهما - أن يكون مستطابا في ذاته مريئا في عاقبته، والثانية أن يكون من كسب حلال.
وإنه من المقررات العلمية أن يكون من غير إسراف كما ذكر الله تعالى في الآية السابقة، ويجب أن يعالج العاقل نفسه، حتى لَا تندفع إلى الإسراف؛ ولذلك يحسن ألا يأكل كل ما يشتهي ولو كان حلالا، بل يفطم النفس في بعض الأحيان أو كلها لأمرين:
أولهما - أن ذلك تقوية للإرادة فلا يكون عبدا لبطنه، فلا يقع في الإسراف المنهي عنه.
ثانيهما - أن التمكن من أكل الحلال أمر كله لَا يدوم، فقد يصاب بالحرمان فيستعد له قبل الابتلاء به، فيكون قادرا على الصبر، وإن الله تعالى مكن الذين آمنوا من هذه الطيبات في الدنيا فقال تعالى: (قلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَئوا فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ).
أي أنها مباحة في الحياة الدنيا للذين يستمتعون بحلالها من غير إسراف، ولا تقتير وقوله تعالى: (خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ)، يحتمل أن يكون المعنى أن هذه المتع يشترك في الدنيا معهم فيها غير المؤمنين، أما يوم القيامة وفي الآخرة فتكون خالصة للمؤمنين؛ لأنها تكون جزاء وفاقا لما قدموا في الدنيا،
стр. 3721
ويحتمل أن المعنى أنها تكون في الدنيا صادرة عن نفوس طيبة مؤمنة، وتكون خالصة لله تعالى، وخالصة من كل إثم، أما غير المؤمنين فإن تناولهم لهذه الطيبات قد يكون إثم مبطئ من الخير، فحبطت أعمالهم، والاحتمالان جائز جميعهما، فيكون المعنى خالصة يوم القيامة لهم، وخالصة من الآثام في الدنيا، وختم الله الآية بقوله تعالت كلماته:
(كَذَلِكَ نُفَصَلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ)، أي كهذا البيان الذي بينه تعالى في هذا الشأن يفصل، أي يبين الآيات القرآنية والكونية لقوم من شأنهم أن يعلموا، فلا تغطي غواشي الأوهام والأهواء قلوبهم، فيدركون الحق ويعلمون بنور بصائرهم، ومن شأنهم أن يعلموا؛ ولذا عبر بالفعل المضارع والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 3722
(قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)
* * *
حرم أركون أو بعضهم اللبس في الطواف، وحرموا بعض الأطعمة، وأباح الله تعالى ذلك للمسلمين في غير إسراف ولا لتفاخر، بل بتجمل وتستر، بعد ذلك بين الله ما حرمه على الناس، وتحريمه مستمد من الفطرة؛ ولذا أمر الله تعالى نبيه أن يبين لهم ما حرم والفطرة تحرمه. قال عز من قائل: (قلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ).
أمر النبي ﷺ بقوله (قلْ)؛ لأنه مبين شريعة القرآن، والمبلغ لها، وبين لهم قصر التحريم على الفواحش والإثم والبغي، والشرك والكذب على الله.
و (إِنَّمَا): للقصر، أي أن التحريم مقصور على هذه المحرمات كلها، وأهل الشرك ما كانوا يتحرجون عنها بل ارتكبوها كلها، وقال سبحانه: (حَرَّمَ رَبِّيَ) للإشارة إلى أن المحرِّم هو رب الوجود ورب الإنسان الذي يعلم الفطرة، وفى ذلك إشارة إلى أن الذي حرم هذا، إنما حرمه متسقا مع الفطرة التي فطر الناس عليها، وهو رب كل شيء، والفواحش هي الأمور التي تفحش وتزيد على
стр. 3723
الفطرة، وهي تشمل كل المعاصي، وخصوصا كبائر الذنوب فتشمل كل الموبقات المفسدة للنفوس والجماعات، وبذلك كل ما يجيء من إثم وبغي يدخل في عمومها، ويكون ذكر الإثم والبغي، تخصيص بعد تعميم، فيكون العطف عليها من عطف الخاص على العام.
وقد نقول: إذا اجتمعنا خصص كل واحد بمعنى، فتخصص الفواحش بالمعاصي الصارخة التي تفسد النفس والمجتمع كالزنى، والخمر، والربا، وغير ذلك، وبعضهم خصصها بالزنى وما يتصل به من قذف للمحصنات وغير ذلك والفواحش على معناها العام والخاص يحرم ما ظهر منها وما بطن، وما يظهر منها وما يعلن، وجريمته جريمتان جريمة الفعل، وجريمة الإعلان، وما بطن ما استتر كاتخاذ الأخدان، ويشمل ما بطن فسق القلوب وذلك بالعزم على فعل هو شر في ذاته، ولكن يحول دون تنفيذه أمر فوق إرادته فهذا يكون معصية، ولا يدخل في ضمن حديث النفس الذي تجاوزه الله عن أمة محمد؛ لأنه حدث ونوى واعتزم التنفيذ ولكن حيل بينه وبينه بغير إرادته وعلى رغمه، وقد تكلمنا في ذلك فيما مضى والإثم ذنب لَا يتجاوز أذاه فاعله، فهو يبطئه عن فعل الخير، وآثامه على نفسه كشرب الخمر، وتناول الآفات التي تضر نفسه، ولا تتعدى إلى غيره، وإن كانت التفرقة بينهما في بعض المجتمعات عسيرة، والبغي هو المعصية التي تتعدى إلى غيره، ووصفه سبحانه بقوله: (وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ) ولا يكون البغي إلا بغير الحق، وهو تنبيه إلى ما يتضمنه البغي فهو يتضمن إثم التعدي، وإثم أنه فعل غير الحق فهو تصريح بما هو قبيح في ذاته.
ومن البغي أكل أموال الناس بالباطل في الربا، والرشوة والسحت ومن البغي أكل مال اليتيم، ومن البغي النميمة والغيبة، وأشد البغي الحكم بغير ما أنزل الله، والحكم بين الناس بالباطل ومن أفحش البغي ظلم الحكام للرعية والغلظة عليها، وإرهاقها، وإيذاؤها في حرياتها، ولقد قال ﷺ : " اللهم مَن وَلِيَ من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه، ومَن وَلِيَ من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق
стр. 3724
به " (١) هذا هو القسم الأول مما حر مه الله تعالى وهذا القسم الآتي داء الشر، ولذا قال تعالى: (وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا).
هذا أشد المحرمات، وهو محرم بأمر الله، ومحرم ببديهة العقول، حتى لقد قال العلماء: إن وحدانية الله تعالى أمر تصل إليه العقول بالبديهة أو النظر القريب.
قال تعالى: (وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ)، أي أن تجعلوا شريكا لله تعالى في العبادة شيئا، أو جحرا، أو شخصا، لم ينزل الله به سلطانا، ويقول العلماء: إن السلطان هنا الحجة أو الدليل.
وأرى ما رأوا، ولكن في التعبير عن الحجة بـ " سلطان " إشارة إلى معنى أن هذه الأوثان وما شابهها لَا قدرة لها، ولا تثبت أن لها قوة تنفع وتضر، ومهما يكن، فإنهم يعبدونها بالأوهام المسلطة من غير سلطان من حجة أو دليل، ومن غير أن يعرفوا بالعيان أن لها سلطانا في الأفعال أو التوجيه في الكون، إنما هي الأوهام التي تصورها صالحة للعبادة مع الله تعالى لَا شريك له.
إن من الأمور التي حرمها الله تعالى أن نقول على الله مفترين؛ ولذا قال تعالى: (وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ).
هذا ثالث نوع من أنواع المحرمات، وهو الافتراء بأن يقولوا على الله ما لا يعلمون أن الله حكم به وقاله أو شرعه، كتحريم بعض الأحكام، وتحريم لبس اللباس في الطواف، ويقولون أنه من عند الله، وما هو من عند الله. وكما قال الله - تعالى - في الآية السابقة: (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّه أَمَرَنَا بِهَا)، فذلك افتراء، وهو من أشد الافتراء (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّه كذِبًا. . .).
* * *
стр. 3725
(وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٣٤) يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٥) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٦) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (٣٧)
* * *
لقد فعل الناس ما فعلوا في الدنيا منكرين ما أنكروا من بعث ونشور وحساب وعقاب، ومنهم من آمن بالله وبالبعث، وبإرادة الله تعالى الذي يختار ما يشاء، ويبتدئ من بعد ذلك بيان الحقائق لمن آمن واهتدى ولمن ضل وغوى كتابا منشورا ويبتدئ ذلك من البعث، وقد بين الله أن الجميع إلى نهاية ومن بعدها البعث فقال تعالى:
стр. 3726
(وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ)، هذا بيان نهاية كل إنسان في هذه الحياة الدنيا، فهو يعيش إلى أجل محدود قد عينه الله تعالى له، لَا يتأخر ولا يتقدم، وأجل الإنسان هو نهاية حياته.
وقال : (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ)، ولم يقل لكل إنسان أجل مع أنه لكل إنسان أجل فعلا فلماذا اختار ﷻ ذكر أجل الأمة تلك حكمة الله تعالى فيما يختار من بيان في الذكر الحكيم، ونتلمس الحكمة في ذلك، نقول: إنه ذكر الأمة، دون الآحاد بآحادها أولا - لأنه إذا كان للأمة بآحدها وجماعاتها أجل فأولى أن يكون للآحاد آجالها، ثانيا - ولأن الأمة
стр. 3727
هى الجماعة التي يجمعها عصر وعادات وتقاليد، ويكون فيها توجيه إلى الخير أو إلى الشر، فهي جيل له أحواله، وعليه تبعاته، فالله - سبحانه - أخبرنا أن لكل جيل من الأجيال أجله الذي ينتهي عنده، ويذهب بأثقاله ويجيء من بعده جيل آخر له شأنه.
وقوله تعالى: (لا يَسْتَأخِرُونَ سَاعَةً) والساعة أقل من الزمان، والسين والتاء في (يَسْتَأخِرُونَ) للطلب، والمعنى لَا يتأخرون، والتعبير بالسين والتاء هنا إشارة إلى أنه لَا يتأخر، ولو طلبوا تأخيره، بما يقتضيه حب الحياة بالنسبة للعصاة فإنهم يتمنون الحياة، ولا يتمنون الموت أبدا.
(وَلا يَسْتَقْدِمُونَ)، " أى لَا يُقَدَّم ولو طلبوا أن يقدموا؛ كأولئك المؤمنين الذين يستعجلون لقاء ربهم لَا طلبا للموت ولكن رغبة في الحياة الآخرة ولقاء ربهم، طمعا في ثوابه، أو رغبة في رضوانه.
والمعنى لكل أجل كتاب والموت بأي سبب من الأسباب هو نهاية الأجل الذي لَا يتأخر ولا يتقدم فالموت بمرض، أو بقتل أو حرق أو غرق، أو استشهاد في سبيل كلمة حق لأجل الله تعالى: (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ. . .).
وقدم قوله تعالى: (لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً) على (يَسْتَقْدِمُونَ)؛ لأن الرغبة
كثيرة، والرغبة في التقديم قليلة والله يتولى الأنفس وهو بكل شيء عليم.
وإن من بعد انتهاء الآجال يكون البعث، ويكون بعد البعث الحساب على التصديق والتكذيب لما جاء به الرسل، ولذا قال عز من قائل:
* * *
стр. 3728
(يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٥)
* * *
خاطب الله تعالى بني آدم، وفي ذكر آدم ﵇ نبيه وتذكير بما كان من إبليس لآدم ﵇ وعمله على إغوائه وإغواء ذريته من بعده، وقوله:
стр. 3729
(إِمَّا يَأتِيَنَّكُمْ) فيه " إن " الشرطية، و " ما " المؤكدة لمعنى الشرطية، وهذا تأكيد من الله تعالى بأنه سيرسل رسلا مبشرين ومنذرين، كما قال تعالى: (. . . وَإن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ)، وقولى: (. . . وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسولًا)، ولذا أكد الشرط مع " ما " بالنون. ومؤدى الآيات أن الله تعالى مرسل الرسل لَا محالة ولكن ذلك ليس بواجب عليه تعالى، لَا يجب عليه شيء، ومن الذي يوجب عليه شيئا، (لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ)، فالكمال كله له تعالى.
ورسل: جمع رسول، وقد أشار - سبحانه - إلى عملهم، وهو التبليغ عن الله تعالى بقوله تعالت كلماته: (يَقُصُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي) والقصص الإخبار والتكليف، وتوجيه الأنظار إلى الكون قصا وتتبعا، لَا يترك أمرًا واجب البيان ولا يبينه والآيات تشمل لعمومها الآيات المبينة للأحكام التكليفية، والآيات الكونية الدالة على قدرة الله تعالى، وعلى وحدانيته في الخلق والكون، والصفات العلية، وتشمل المعجزات الباهرة التي تدل على الرسالة.
وإن هذا القصص الحكيم، والذكر الذي يهدي ويرشد، هو كالمطر، تتلقاه بعض النفوس فتؤمن به، وتتلقاه أخرى فتكفر به؛ فالغيث ينزل فيأتي بالخصب والخير الكثير للمؤمنين، ولا ينبت نباتا، ولا يسقي حرثا في الأرض الحدباء، قال تعالى: (فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يحْزَنُونَ).
الفاء هنا للإفصاح عن شرط مقدر، والمعنى إذا جاءتهم الرسل بآياتي فمن اتَقى وأصلح. . .، ونسب الله الهدى إليه تعظيما لمعناه، ولبيان أن الرسل يتكلمون عن الله: (مَن يُطِع الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ)، ولبيان ما يترتب على ذلك، وهو نفي الخوف والحزن، ولذا قال تعالى: فلا خوف عليهم من عذاب، بل هم في أمن وسلام؛ لأن الهداية أمن واطمئنان، ولأن الطاعة لَا عقاب منها بل ثواب فلا خوف من عقاب.
стр. 3730
ولا يحزنون، أي لَا يصيبهم حزن، ولا ألم نفسي أو وجداني، ولا تؤثر فيهم زوابع الحياة لأن نفوسهم مطمئنة بإيمانها، راضية بقضاء الله وقدره، كما قال تعالى: (. . . أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)، فمن اهتدى فقد حصن نفسه بالأمن والرضا، فلا يخاف ولا يحزن.
وقد بين الله تعالى حال الذين لَا يؤمنون بما جاءت به الرسل من الهدى والبينات فقال:
* * *
стр. 3731
(وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٦)
* * *
هنا ذكر للذين يعصون الرسل، ويكفرون بما جاءوا في مقابل الذين اهتدوا بهديهم، وهو هدى الله تعالى، وقد ذكر الله تعالى وصفين لهما هما اللذان أديا بهم إلى عذاب الله تعالى وهما:
الوصف الأول - أنهم كذبوا بآيات الله تعالى كذبوا آيات التكليف فلم يؤمنوا بصدقها عن الله تعالى مع قيام الأدلة على صدقها، والبراهين الدالة على أن الرسل يتكلمون عن الله، فهم إذ يكذبون الرسل يكفرون بمن أرسلهم، ويكذبون بما تدل عليه الآيات الكونية من خلق السماوات والأرض، وما يكون منها من زروع وثمار، وحياة كاملة، وما في السماء من نجوم وبروج إلى آخر ما في الكون من دلالات على أن خالقها واحد أحد هو الفرد الصمد.
الوصف الثاني - أنهم استكبروا عن آيات الله فحسبوا أن اتباع الرسل ينافي عزتهم، وينقص من كبريائهم، فأخذتهم العزة الواهمة بالإثم الحقيقي، وهنا نجد أن الله تعالى يقول: (وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا) فعبر هنا التجاوز وذلك للإشارة إلى المجاوزة للحقيقة، أي أن استكبارهم تجاوز بهم عن فهم الآيات وإدراكها لتضمين استكبروا معنى التجاوز، وإن التعدي بـ (عن)، والسياق هذا مؤداه: استكبروا متجاوزين عنها تاركين لها ولقد ذكر سبحاثه جزاءهم فقال: (أُوْلَئكَ أَصْحَابُ النًارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ).
стр. 3732
الإشارة هنا إلى الذين كذبوا آيات الله، واستكبروا معرضين عنها متجاوزين، والإشارة إلى الموصوف بصفات فيها إيماء إلى أن هذه الصفات هي السبب في الجزاء، فهذا الاستكبار، وذلك التكذيب هو السبب في هذا العقاب وهو دخول النار، وتخليدهم فيها، وأنهم لَا خروج لهم منها، وقد أكد خلودهم في النار بمؤكدات ثلاثة أولها - القصر، فقد قصرها عليهم بتعريف الطوفين، وتعريف الطرفين من أنواع القصر، فالمعنى أولئك وحدهم هم أصحاب النار، ثانيها - أنهم أصحاب النار أي الملازمين لها ملازمة الصاحب لصاحبه. ثالثها - التأكيد بضمير الفصل، إذ يقول سبحانه: (هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) وتقديم (فيها) في معنى قصرهم على النار، أي أنهم فيها لَا في غيرها خالدون.
وقد بين ظلم أولئك المكذبين للرسل المفترين على الله تعالى وما يكون لهم يوم القيامة فقال تعالت كلماته:
* * *
стр. 3733
(فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ ... (٣٧)
* * *
بعد أن بين الله الذين اتبعوا هدى الله، وما منحهم الله من فضله من اطمئنان وأمن ورحمة، وذكر الذين شقوا فكذبوا بآيات الله تعالى واستكبروا - وصف بعض أفعال المكذبين الكافرين ومآلهم، فقال: إنهم افتروا على الله الكذب، وهم بذلك ظالمون، وكذبوا بآياته، وذلك ظلم ثان عظيم، فقال تعالى: (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كذِبًا أَوْ كذبَ بِآيَاتِهِ).
الاستفهام هنا إما للتعجب أو للإنكار، وعلى الأول يكون المعنى: أي ظلم أفحش وأشد من الكذب على الله تعالى، والافتراء عليه، بهذا أمر من شأنه التعجب منه، وإما على كونه للإنكار فيكون إنكار للواقع للتوبيخ على هذا الذي وقع منه، والتعجب أو الإنكار من أمرين: أحدهما - الافتراء على الله، وهو الكذب عليه عن جهل قاطع للحق، والثاني - تكذيب الآيات، وإن الافتراء على الله تعالى قد وقع من بعض، فمنهم حرم بعض الطعام الطيب ونسب ذلك إلى الله تعالى، ومنهم من زعم أن الملائكة بنات الله تعالى، ومن زعم أن الأوثان
стр. 3734
تقرب إلى الله تعالى، فكل هذا افتراء عليه عما يقولون علوا عظيما.
وهذا ظلم عظيم بذاته يتعجب منه ويستنكر، والظلم الثاني التكذيب بآياته، ومعناها ألا يأخذ بما يهديه إليه من معجزات باهرات، وآيات في الكون ظاهرات، ومنها آيات توجب الإيمان بها إيمانا بالرسائل الإلهية كآيات التكليف التي أنزلها الله تعالى على رسله، وعلى رأسها القرآن الكريم.
وهنا إشارتان بيانيتان:
الأولى - قوله: (افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا). . " افترى " هنا معناها قال قولا مخترعا له لم يكن له أصل وهو كذب في ذاته، فالمعنى أنه في حقيقته كذب، قد اخترعه أو افتراه كما في قوله: (. . . إِفْكٌ افْتَرَاهُ. . .).
الثانية - في التعبير بأو بدل الواو، وهي للترديد، وهي تشير أن الافتراء على الله بمثل ما ذكرنا من اتخاذ الولد، وغير ذلك من المفتريات ظلم فاحش يستنكر ويتعجب منه، فليس الاستنكار منهما مجتمعين، بل من كل واحد منهما منفردا، ومجتمعا.
بعد ذلك بين الله تعالى ما يترتب على افترائهم وتكذيبهم، فقال تعالت حكمته: (أُوْلَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهم مِّنَ الْكِتَابِ) الإشارة هنا إلى أولئك الذين ارتكبوا أشد الكذب نكرا، وأفحشه كفرا، وكما ذكرنا هذه الإشارة تفيد أن ذلك الوصف هو سبب ذلك الحكم عليهم.
و (الْكِتَابِ) المراد به عند بعض المفسرين ما كتب لهم في الدنيا من رزق، وما مكنوا منه من متع وما ينالون من مكاسب ومن سلطان، ومن بعد ذلك يأخذهم الله تعالى أخذ عزيز مقتدر، ولذلك ختم قوله تعالى بقوله: (حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَوْنَهُمْ) فهذا الذي ينالهم هو في الحياة الدنيا، وذلك كقوله: (قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (٦٩) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)، ومثل قوله تعالى:
стр. 3735
(وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٢٣) نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (٢٤)، وهذا توجيه قول الذين فسروا الكتاب بما كتب في الدنيا من رزق، وما كتب لهم من أجل. ولكن يرد على هذا التعبير بـ (يَنَالُهُمْ) لَا بـ " ينالون "، فالرزق والمتع إذا كانت هي المكتوبة ينالونها، وهذا يخالف التعبير بـ " ينالهم " إنما نيلهم بأمر يكون عقابا لهم لَا متعة ينالونها ويقترفونها.
ولذا نرى أن الكتاب الذي هو كتب لهم في الآخرة من حساب وعقاب، إذ يجدون كتابهم قد سجلت فيه أعمالهم وينالهم هذا النصيب من الكتاب الذي سجل ما فعلوا، والتعبير بـ " نصيبهم " من الكتاب تعبير دقيق يصور عدل الله تعالى فنصيبهم من العذاب هو نصيبهم في أعمالهم، فجزاؤهم مشتق من أعمالهم، فكل نفس تجزى ما كسبت أي جزاؤها من كسبها، فلولا ما كسبت ما عذبت، فعقابهم جزاء وفاق لعملهم.
وإن ذلك الكتاب الذي سجلت فيه أعمالهم يأخذهم بنصيبهم منه من وقت قبض أرواحهم، ولذا قال تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يتوفَوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ).
" حتي " هنا على قول من يقول: إن النصيب هو الأرزاق والمتع والآجال تكون بمعنى " إلى " أو للغاية، أي أنهم يتمتعون بما كتب لهم حتى تجيء إليهم رسل الموت، الملك عزرائيل ومن معه فيما كلفه الله تعالى إياه، وكان جمع " الرسل " لهذا ومن قال - وهو ما نختار - أن الكتاب ما كتب عليهم من أعمال تنالهم بالعذاب عليها - تكون " حتي " تفريعية أي مبينة تفريعًا العذاب من أول نزولها بإحصائها عليهم من أول لقائهم في الآخرة.
يقول لهم رسل الله تعالى التي تقبفأرواحهم: (أَيْنَ مَا كنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ) أي تدعون دعاء عباده تشركون بالله بهم، والاستفهمام هنا للتعجيز والتوبيخ والتبكيت، وتذكيرهم بسوء ما كانوا في دنياهم يفعلون.
стр. 3736
وكقوله تعالى: (يَتَوَفَوْنَهُمْ)، أي يفيضون أرواحهم وقد توفوهم نصيبهم من الحياة الدنيا وبقي ما ينالهم من حساب وعقاب في الحياة الآخرة.
ويكون جوابهم ما عبر الله عنه بقوله: (قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ).
فالوا: (ضَلُّوا عَنَّا)، أي غابوا غيبة من لَا يستطيع أن يعودوا منها، وبذلك ثبت عجزهم وثبت لهم بهذا الإقرار أنهم لَا يستطيعون أن ينفعوهم أو يضروهم وفى هذا اليوم العصيب الذي استقبلهم، (وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ) الشهادة هنا إقرار وحكم على أنفسهم أنهم كانوا في حياتهم الدنيا كافرين بالحق وبالله وحسب ذلك دليلا عليهم، وعلى استحقاقهم كل عقاب ينزله الله تعالى بهم.
* * *
(قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ (٣٨) وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٣٩) إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (٤٠) لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٤١)
* * *
أشار إشارات بينات واضحات إلى ما أغرق فيه المشركون أنفسهم في الدنيا، وبين طغيان أنفسهم، وفساد عقولهم،
стр. 3737
وضلال تفكيرهم، وفي هذه الآيات يذكر - سبحانه - عاقبة أمرهم وهي دخولهم في مجتمع أهل النار فقال تعالى:
стр. 3738
(قَالَ ادْخلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ فِي النَّارِ).
القائل هو الله تعالى ولم يصرح به بجوار الفعل؛ لأنه مذكور دائما في الأفهام وفي القلوب فلا حاجة إلى ذكره (ادْخلُوا فِي أممٍ) " فى " هنا قيل: إنها بمعنى " مع "، أي ادخلوا مع أمم قد خلت أي مضت من قبلكم في النار، ونحن نرى أن " في " معناها الظرفية كأصل وصفها، وإدخالها في هذه الأمم فيه إشارة إلى أنها وليست غيرا عنها، والمعية قد توهم المغايرة، ولا مغايرة بل هم أمم في ذواتهم، وهم أمة واحدة في كفرهم، فإن فرقتهم الأجيال فقد جمعهم الضلال وجمعهم العقاب، والتكذيب لآيات الله تعالى، والمعاندة لأحكامه.
وقوله تعالى: (قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم)، أي مضت قبلكم منتحلة ما انتحلتم، مكذبة ما كذبتم من الحق والآيات، كاذبة على الله وغير مصدقة لآياته، ومستكبرة عنها.
وهذا النص يفيد أولا - أن الكفر كله ملة واحدة لَا تفريق بينها، فالباطل قد جمعها والعقاب قد وحدها، ويفيد ثانيا أنه يتسلسل في الأجيال جيلا بعد جيل، وبعد تفرقهم في الأجيال تجدهم قد التقوا في النار جميعا، وإن تنظر إلى تاريخ الملل والديانات الإنسانية تجدها أحيانا تتلاقى في نوع واحد من الكفر، فتجد مثلا عقيدة التثليث في الاعتقاد المزعوم من آلهة ثلاثة يوجد عند المصريين وعند البراهمة، وعند البوذية وعند الأفلاطونية الحديثة التي قبست من البرهمية والبوذية. . وعند النصارى الذين اتبعوا بولس، وقد قبسوها من البرهمية الذين قالوا في " كرشنة " ما قاله هؤلاء في يسوع عند بولس، وقبسوها أيضا من كلام البوذيين في بوذا، فنحلوه ليسوع في زعمهم، ثم قبضوا القبضة الكبرى من الأفلاطونية، وسموا ذلك نصرانية بعد أن انحرفوا عن المسيح ﵇ الذي علمهم التوحيد واعتنقوه حتى غيروا وبدلوا.
стр. 3739
وهكذا نجد فكرة وثنية عمت أجيالا، وكذلك عبادة الأوثان سيطرت على اليونان والرومان والعرب في عصر واحد.
فإذا كانت هذه الأجيال والأمم من الإنسان والجن فإنها تدخل النار جميعا، يلحق التابع المتبوع، وقد جمعهم الشرك بالله تعالى ووحد بينهم العقاب، ولذا يقول يوم القيامة: (ادْخُلُوا فِي أُمَم قَد خَلَتْ مِن قَبلِكُم)، أي مضت من الإنس والجن، والنار متسعة للجميع.
و" مِنْ " في قوله تعالى: (مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ) بيانية لبيان شمولها الضالين من الجنسين، الجن أتباع إبليس والإنس الذين أضلهم.
وفى هذا المجتمع الجهنمي يكون التابع والمتبوع، ولقد ذكر الله - تعالى - ما يكون بينهما في ذلك المحشر:
(كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ).
إن الله - تعالى - ذكر تلاحق هذه الأمم التي ضلت، وكان ضلالها واحدا، أو متقاربا مختلفا في شكله، متحدا في معناه؛ إذ كله وثنية وإشراك بالله تعالى، وكفر بالحقيقة الإلهية، وضلال أي ضلال في فهم حقيقة خالق الوجود ومنشئه، وقال تعالى: (كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا) التي دخلت معها، أو التي سبقتها، وذلك يدل على النفرة التي تكون بينهما، فإن من أشد العقوبات النفرة النفسية بين المجتمعين في واحد، ويدل أيضا على أن الاتحاد في عقيدة ضالة جعل واحدا من المتحدين يلغيها ويلعن من يعتنقها، لأنه يحسب أنه هو الذي سهل دخولها عليه، ثم يلعن الأتباع المتبوعين؛ ولذا قال تعالى: (حَتَّى إِذَا ادَّارَكوا فِيهَا جَمِيعًا) أي تلاحقوا فيها جيلا وراءه جيل، وسلفا وراءه خلف وآباءً وراءهم أبناءُ.
قال المتأخر للمتقدم، أو التابع للمتبوع: (هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا) وعبر الله تعالى عن ذلك بقوله: (قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ).
стр. 3740
أي أن الأخلاف قالوا عن أسلافهم أعطهم يا رب العالمين عذابا مضاعفا عنا لأنهم هم الذين اتبعناهم فأضلونا، فالعرب كانوا يقولون نتبع ما كان عليه آباؤنا، أو نتبع ما ألفينا عليه آباءنا - فكانوا ضالين بضلالهم والضِّعف هو المثْل، والمعنى اجعل لهؤلاء الذين أضلونا عذابا زائدا بمقدار الضعف المماثل لعذَابنا وكأنهم يريدون أن جريمتهم جريمتان: إحداها ما فعلوه وفعلناه، والثانية أنهم أضلونا فعليهم وزر مثل وزرنا وعليهم وزر آخر؛ لأنهم أضلوا. وقد رد الله قولهم بأنهم فعلوا مثل ما فعل أسلافهم فكانوا مضلين لمن بعدهم كما أضلهم من سبقوهم.
وكذا قال تعالى: (قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِن لَا تَعْلَمونَ).
أي يقول لهم رب العزة لكل منكم أنتم التابعون والمتبوعون ضعف من العذاب مثل العذاب الذي نزل بكل منكم؛ لأن كلا منكم ضال ومضل، فالخلف ضلوا بسلفهم وأضلوا من بعدهم، فإذا كان منطقكم أن يزيد من أضل على من ضل فأنتم أضللتم ولكن لَا تعلمون سريان الفساد من جيل بعد جيل، وكل يضل من بعده.
وإن الترامي بالضلال يتبادل بين التابع والمتبوع، وكل تابع هو متبوع لمن بعده، وقد ردت الطائفة الأولى على من بعدها فقالت:
* * *
стр. 3741
(وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٣٩)
* * *
وأولاهم هي المتبوعة أي هي السلف، والثانية الحلف، وهذه معان نسبية فكل جيل يكون طائفة أولى لمن يليه وتكون ثانية بالنسبة له، وهكذا تتعاقب الأجيال، وتتطارح الوزر، كل تطرحه على من سبقها والجميع. في ضلال مبين.
(وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ) و " من " هنا للاستغراق أي ليس لكم علينا أي فضل يخفف العذاب، أو يوجب أن يثقل العذاب علينا فوق عذابكم؛ فأنتم ضللتم كما ضللنا والعذاب للضلال والعناد أو الكفر وقد شاركتمونا في ذلك، وإذا كنا قد أضللناكم واتبعتمونا في ضلالنا، فقد أضللتم غيركم، واتبعوكم في ضلالكم كما اتبعتمونا.
стр. 3742
و " الفاء " في قوله تعالى: (فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ) تفصح عن شرط مقدر تقديره مثلا، فإذا كنتم قد ضللتم مثلنا، فما لكم علينا أي فضل يخفف لكم أو يزيد علينا.
ثم يسوق على لسان أولئك المتنابزين قولهم: (فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كنتُمْ تَكْسِبُونَ) " الفاء " لعطف ما بعدها على ما قبلها، وقوله تعالى: (فَذُوقُوا الْعَذَابَ)، أي ادخلوا في النار ذائقين لها محسين بآلامها، وعبر عن ذلك بالذوق، للإشارة إلى شدة آلامه، ومتاعبه.
وقوله تعالى: (بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ)، أي بسبب ما كنتم تكسبون من ظلم وعبث وفساد، فهذا هو الأصل في سبب العقاب، وكل امرئٍ بما كسب رهين، لا فرق في دْلك بين ضال، ومضل، ما دام قد وقع كلانا في الضلال مختارا، ما دام له عقل يدرك وما دام قد أنذرته الرسل، وقامت بين يديه البينات، فإذا كان قد اتبع من قبله فعليه إثمه، وقد جاءه الهادي الرشيد، فلم يتبعه.
وقريب من هذه المراجعة بين التابعِ والمتبوع قوله تعالى في سورة أخرى:
(. . . وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (٣١) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (٣٢).
وقد وصف الله تعالى في بيان أن العذاب بالكافرين لَا مناص منه، فقال تعالت كلماته:
* * *
стр. 3743
(إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (٤٠)
* * *
السماء في الحس المكان الذي يجيء منه المطر، والخير والبركات، ولقد جعل الله تعالى السماء موطنا لذلك، قال تعالى: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ. . .) وعندما يدعو الإنسان الله تعالى يتجه
стр. 3744
إلى السماء ضارعا، والله تعالى لَا مكان له؛ لأنه منزه عنه والسماء لأنها علو يتجه الناس إليها، لأنهم يريدون العلو، ويبتغونه، وإن المشركين الذين يكذبون بآيات الله لَا يكون لهم رجاء؛ ولذا قال تعالى: (إِن الَّذِينَ كذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ).
يلاحظ أن الله تعالى قال: (كذبُوا بِآيَاتِنَا)، قد عدى التكذيب بالباء، وهو يتعدى بنفسه، فيقال: كذبت هذا القول وكذبت هذا القائل، وكذبت الآيات كذلك، ولكن هنا تعدت بالباء، كما في الآية السابقة، وذلك لتضمن التكذيب معنى الكفر، فالمعنى كذبوا رسلنا كافرين بآياتنا، واستكبروا عادلين أو متجاوزين عن اتباعها.
ذكر الله تعالى للكافرين بآيات الله تعالى جزاءين:
الجزاء الأول - أنه لَا تفتح لهم أبواب السماء، والمعنى في ذلك يحتمل أمورا يصح أن تراد كلها، الاحتمال الأول: أن المراد أن تغلق أبواب الرحمة في الآخرة، وعبر عن ذلك بأبواب السماء؛ لأن الرحمة تكون في كثير من الأحيان من السماء، فالشمس فيها، وهي مصدر النور والحرارة، والنجوم وبروجها، والقمر وضياؤه، ومنها المطر الذي يكون غيث ورحمة، وذكر أبواب السماء إشارة إلى أنهم سدوا على أنفسهم كل مصادر الرحمة والغفران؛ لأنهم سدوا كل سبل الخير على أنفسهم في الدنيا، فحق عليهم هذا في الآخرة. الاحتمال الثاني: أن يكون المراد أرواحهم، فأرواحهم لَا تفتح لها أبواب السماء، بل تغلق دونها؛ لأنها أرواح خبيثة نتنة يتقزز منها أهل السماء والأرض إذ تكون أعمالهم الخبيثة قد أفسدت فطرتها.
والاحتمال الثالث: أعمالهم، فلا تتفتح لها أبواب السماء؛ لأنها في بعثهم يجزون عليها، وإننا نرى أن تفتح أبواب السماء، لَا يكون لهم؛ لأنهم لَا يرحمون ولا يغفر لهم، وأرواحهم خبيثة وأعمالهم لَا ترفع إلى علو السماء بل تهبط إلى أوهاد الأرض، والمراد في كل الأحوال ألا تنالهم رحمة السماء.
стр. 3745
الجزاء الثاني - أنهم لَا يدخلون الجنة وأن ذلك مستحيل عليهم، كاستحالة دخول الجمل في سم الخياط؛ ولذا قال عز من قائل: (وَلا يدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ).
أي أنهم لَا يمكن أن يدخلوا الجنة؛ لأنهم لم يعملوا لها، بل كان عملهم لجهنم، وشبه استحالة ذلك باستحالة دخول الجمل بضخامته في سم الخياط، والخياط هو ما يخاط به، وهو (الإبرة) وسمِّها هو ثقبها الضيق الذي لَا يدخل فيه إلا الخيط الرفيع، وليس مُيَسرا.
فهذا حكم الاستحالة كما يقول الرجل لامرأته: أنت طالق إذا قبضت على الشمس، فهذا نفي مؤكد للطلاق؛ لأنه علق على مستحيل.
وكذلك هنا في المعنى لَا يدخلون إلا إذا ولج، أي دخل الجمل في ثقب الخياط، وذلك مستحيل، فلن يدخل الجنة إلا إذا تحقق هذا المستحيل ولن يتحقق، فهو نفي مؤكد لدخولهم، وبيان استحالته عليهم، وإذا لم يدخلوا الجنة، فإنهم يدخلون النار، وإنها للجنة أبدا، وللنار أبدا، قال تعالى:
(وَكذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ).
الواو واصلة هذا الكلام السامي بما قبله، والتشبيه معقود ما بين عذابهم، واستحالة الرحمة بهم، وبين ما أعده الله تعالى بالنسبة لكل من يجرم ويأثم في حق الله تعالى، والمعنى فهذا الجزاء الذي علمتموه يجزي الله المجرمين، والإجرام ارتكاب الجريمة وهي بمعنى المعصية والذنب، بيد أن في لفظها إشارة إلى الاعتداء على غيره، فالمعاصي قسمان معاصٍ هي الآثام، ولا يتعدى فسادها صاحبها ابتداء، وإن كان شيوع الفساد يضر بالرأي العام فيتعدى انتهاءً، ومعاصٍ تتضمن ابتداء معنى الاعتداء كالقتل والقذف والسرقة، وغير ذلك من المعاصي التي تتعدى ابتداء.
стр. 3746
ولقد فصل الله القول في عذاب الكافرين المكذبين لآيات الله تعالى:
* * *
стр. 3747
(لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٤١)
* * *
المهاد: المكان الممهد للإقامة فيه، كما قال تعالى: (أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَادًا وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا)، وكما قال تعالى: (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ بِسَاطًا).
وأحسب أن التعبير عن جهنم بأن لهم مهاد منها فيه نوع تهكم، أي أنه تعالى مهّد لهم جهنم بدل الراحة التي كانت لهم في الدنيا، بتمهيد الأرض يتمتعون من خيراتها.
وغواش، جمع غاشية وهي الغطاء، وغطاؤهم هنا نار موقدة، فبعد أن كانوا يلتحفون بالرياش، ويفترشون الوسائد، صار مهادهم جهنم، وغطاؤهم نار مشتعلة تشتعل عليهم، (. . . كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودَا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ. . .).
وخلاصة المعنى أن مهادهم أو فراشهم نار، وغطاءهم نار، والنار تحيط بهم يلتفون فيها وتشوى بها جباههم وجنوبهم، وكل أجسادهم، ولا منفذ منها إلا إليها، فلا يخلصون منها أبدا، وإن ذلك جزاء من كذبوا بآيات الله كافرين بها ظالمين، ولذا قال تعالى: (وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ).
أي كهذا الجزاء الذي جازى الله تعالى به الذين كذبوا بآياته واستكبروا، شأن الله تعالى في جزاء الظالمين، فهو العادل القادر الذي لَا يظلم أحدا.
والتعبير هنا بالظالمين، وفي الآية السابقة بالمجرمين؛ لأن الوصفين متحققان فيهما، فهم أجرموا في حق المجتمع فأفسدوه؛ وظلموا أنفسهم، وظلموا الحقائق بما ارتكبوا من معاصٍ، وتعدوا الحدود، ومن تعدى حدود الله فقد ظلم نفسه، وكان ما ينزل بهم يوم القيامة جزاء وفاقا لما ارتكبوا، والله تعالى يتغمدنا بعطفه ومغفرته.
* * *
стр. 3748
(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٤٢) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣) وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (٤٤) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ (٤٥)
* * *
وبعد أن بين ما ينزل بالمشركين أو الكافرين، عموما أخذ - سبحانه تعالى - يبين في مقابله ما يناله المؤمنون من جنة ونعيم مقيم، وروح وريحان وزوال للأحقاد وغل للأنفس، وذلك نعيم فوق كل نعيم، ولذا قال تعالى:
стр. 3749
(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسا إِلَّا وُسْعَهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) الواو هنا عاطفة، عطفت جزاء الصالحين على جزاء الكافرين من مشركين وكتابيين وصابئين ومجوس وغيرهم من براهمة وبوذيين.
وبالموازنة بين الجزاءين، يتبين الفرق بينهما في الآخرة كالفرق بينهما في الحياة الدنيا، فجزاء الآخرة هو ثمرة ما وقع في الدنيا، إن خيرا فخيرا وصف الله تعالى المؤمنين بوصفين هما صلة الموصول، الأول بقوله تعالى: (آمَنُوا) أي اعتقدوا اعتقادا جازما مع الإذعان لكل ما طالب به الله تعالى، وأحبوا الله تعالى، وقدموا أنفسهم له سبحانه:
стр. 3750
الوصف الثاني ما عبر عنه : (وَعَمِلُوْا الصالِحَاتِ) أي كانت ثمرة إيمانهم واضحة في أنهم صاروا قوما صالحين والصلاح وصف يقتضي أن يكون نافعا، وصالحا في ذات نفسه، ليس في قلبه فساد، ولا يسيطر عليه هواه، وأن يقوم بالعمل الصالح من طاعة لله تعالى في أوامره ونواهيه، فلا يعصي الله تعالى، ولا يرتكب ما نهاه عنه، ولا يتخاذل عن القيام بما أمر به.
ولا تجد في آيات الذكر الحكيم ذكر جزاء المؤمنين إلا كان هذان الوصفان الإيمان والعمل الصالح مذكورين معا فإن العمل ثمرة الإيمان، وغصونه، والشجرة تتغذى من الغصون، كما تتغذى من الجذر، فالعمل يثبت الإيمان، ويغذيه ويقويه.
وقد ذكر الجزاء، وهو خبر الموصول، فقال: (أولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) الإشارة إلى المتصفين بهاتين الصفتين، وهما صلة الموصول، وذكرهما دليل على أنهما سبب هذا الاستحقاق، وقد أكد الله تعالى استحقاق الذين آمنوا وعملوا الصالحات للجنة بقصرها عليهم، وذلك بتعريف الطرفين، وبضمير الفصل " هم " فهم أصحابها الملازمون لها، وأكدها لهم بخلودهم فيها، والله تعالى ذو المن والإكرام.
وقد ذكرت جملة معترضة بين متلازمين، وهما المبتدأ في قوله تعالى:
(وَالَّذِينَ آمَنُوا)، والخبر في قوله تعالى: (أولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ).
وكانت هذه الجملة التي توسطت بين هذين المتلازمين هي قوله تعالى: (لا نُكَلِّف نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) والوسع هو مما يمكن عمله بيسر وسهولة، كما فسر بذلك معاذ بن جبل - رضي الله تعالى عنه -، والمعنى لَا يكلف الله تعالى نفسا مؤمنة، واعترض بهذه الجملة السامية بعد كلمة " الصالحات "، لبيان أن القيام بالتكليفات الإسلامية سهل ميسر، وليس شاقا إلا على من عصى الله تعالى، فهو سهل في