← Тафсир

Тафсир · id 37071

زهرة التفاسير

محمد أبو زهرة

Полный текст (8 373 стр.). Показаны 3746–3785 · переход к 3751.

стр. 3746

ولقد فصل الله القول في عذاب الكافرين المكذبين لآيات الله تعالى: * * *

стр. 3747

(لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٤١) * * * المهاد: المكان الممهد للإقامة فيه، كما قال تعالى: (أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَادًا وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا)، وكما قال تعالى: (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ بِسَاطًا). وأحسب أن التعبير عن جهنم بأن لهم مهاد منها فيه نوع تهكم، أي أنه تعالى مهّد لهم جهنم بدل الراحة التي كانت لهم في الدنيا، بتمهيد الأرض يتمتعون من خيراتها. وغواش، جمع غاشية وهي الغطاء، وغطاؤهم هنا نار موقدة، فبعد أن كانوا يلتحفون بالرياش، ويفترشون الوسائد، صار مهادهم جهنم، وغطاؤهم نار مشتعلة تشتعل عليهم، (. . . كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودَا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ. . .). وخلاصة المعنى أن مهادهم أو فراشهم نار، وغطاءهم نار، والنار تحيط بهم يلتفون فيها وتشوى بها جباههم وجنوبهم، وكل أجسادهم، ولا منفذ منها إلا إليها، فلا يخلصون منها أبدا، وإن ذلك جزاء من كذبوا بآيات الله كافرين بها ظالمين، ولذا قال تعالى: (وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ). أي كهذا الجزاء الذي جازى الله تعالى به الذين كذبوا بآياته واستكبروا، شأن الله تعالى في جزاء الظالمين، فهو العادل القادر الذي لَا يظلم أحدا. والتعبير هنا بالظالمين، وفي الآية السابقة بالمجرمين؛ لأن الوصفين متحققان فيهما، فهم أجرموا في حق المجتمع فأفسدوه؛ وظلموا أنفسهم، وظلموا الحقائق بما ارتكبوا من معاصٍ، وتعدوا الحدود، ومن تعدى حدود الله فقد ظلم نفسه، وكان ما ينزل بهم يوم القيامة جزاء وفاقا لما ارتكبوا، والله تعالى يتغمدنا بعطفه ومغفرته. * * *

стр. 3748

(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٤٢) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣) وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (٤٤) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ (٤٥) * * * وبعد أن بين ما ينزل بالمشركين أو الكافرين، عموما أخذ - سبحانه تعالى - يبين في مقابله ما يناله المؤمنون من جنة ونعيم مقيم، وروح وريحان وزوال للأحقاد وغل للأنفس، وذلك نعيم فوق كل نعيم، ولذا قال تعالى:

стр. 3749

(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسا إِلَّا وُسْعَهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) الواو هنا عاطفة، عطفت جزاء الصالحين على جزاء الكافرين من مشركين وكتابيين وصابئين ومجوس وغيرهم من براهمة وبوذيين. وبالموازنة بين الجزاءين، يتبين الفرق بينهما في الآخرة كالفرق بينهما في الحياة الدنيا، فجزاء الآخرة هو ثمرة ما وقع في الدنيا، إن خيرا فخيرا وصف الله تعالى المؤمنين بوصفين هما صلة الموصول، الأول بقوله تعالى: (آمَنُوا) أي اعتقدوا اعتقادا جازما مع الإذعان لكل ما طالب به الله تعالى، وأحبوا الله تعالى، وقدموا أنفسهم له سبحانه:

стр. 3750

الوصف الثاني ما عبر عنه : (وَعَمِلُوْا الصالِحَاتِ) أي كانت ثمرة إيمانهم واضحة في أنهم صاروا قوما صالحين والصلاح وصف يقتضي أن يكون نافعا، وصالحا في ذات نفسه، ليس في قلبه فساد، ولا يسيطر عليه هواه، وأن يقوم بالعمل الصالح من طاعة لله تعالى في أوامره ونواهيه، فلا يعصي الله تعالى، ولا يرتكب ما نهاه عنه، ولا يتخاذل عن القيام بما أمر به. ولا تجد في آيات الذكر الحكيم ذكر جزاء المؤمنين إلا كان هذان الوصفان الإيمان والعمل الصالح مذكورين معا فإن العمل ثمرة الإيمان، وغصونه، والشجرة تتغذى من الغصون، كما تتغذى من الجذر، فالعمل يثبت الإيمان، ويغذيه ويقويه. وقد ذكر الجزاء، وهو خبر الموصول، فقال: (أولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) الإشارة إلى المتصفين بهاتين الصفتين، وهما صلة الموصول، وذكرهما دليل على أنهما سبب هذا الاستحقاق، وقد أكد الله تعالى استحقاق الذين آمنوا وعملوا الصالحات للجنة بقصرها عليهم، وذلك بتعريف الطرفين، وبضمير الفصل " هم " فهم أصحابها الملازمون لها، وأكدها لهم بخلودهم فيها، والله تعالى ذو المن والإكرام. وقد ذكرت جملة معترضة بين متلازمين، وهما المبتدأ في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا)، والخبر في قوله تعالى: (أولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ). وكانت هذه الجملة التي توسطت بين هذين المتلازمين هي قوله تعالى: (لا نُكَلِّف نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) والوسع هو مما يمكن عمله بيسر وسهولة، كما فسر بذلك معاذ بن جبل - رضي الله تعالى عنه -، والمعنى لَا يكلف الله تعالى نفسا مؤمنة، واعترض بهذه الجملة السامية بعد كلمة " الصالحات "، لبيان أن القيام بالتكليفات الإسلامية سهل ميسر، وليس شاقا إلا على من عصى الله تعالى، فهو سهل في

стр. 3751

ذاته، لمن تكون له إرادة، لم يخالطها الهوى، ولم تسيطر عليها الشهوة، وإن النبي ﷺ قال: " بشروا ولا تنفروا، ويسروا ولا تعسروا " (١). ولقد روت عائشة ﵂: " ما خير النبي ﷺ بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن معصية " (٢). وإن الله تعالى أنعم على المؤمنين يوم القيامة بهذا النعيم المقيم، وأنعم عليهم مع ذلك بنعمة المحبة، والرضا واطمئنان النفس؛ ولذا قال تعالى: * * *

стр. 3752

(وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ ... (٤٣) * * * إن الجنة مكان طاهر مطهر اختاره الله تعالى سكنا لعباده الأتقياء الأطهار، وإنه في مقامه لأطيب من أحب مسكن يختاره في الدنيا، كما ورد في الأثر. وإنه لطهارته كان من فيه جميعا في طهارة كاملة حسية ومعنوية، طهارة الأبدان وطهارة القلوب التي في الصدور، وإن أشد ما يدرن القلوب الغل والحسد، والأحقاد الدنيوية، فإنها أمراض تصيب القلوب، لتجعل الإنسان في هم مستمر، وعذاب مقيم، فكان من مقتضى النعيم الذي أنعم الله به على الأبرار أن يتم عليهم نعمته بأن يكونوا في نعيم في قلوبهم، كما أن أجسامهم في نعيم؛ ولذا قال تعالى: (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ). ونزعنا: أي استخرجنا، والنزع أقوى من الاستخراج، لأن النزع إخراج ما هو متأشب (٣) بالقلب لَا يسهل إخراجه، ولكن الله تعالى ينزعه نزعا، ويبقى القلب مصقولا بنور المحبة والمودة، فيتحابون ويتوادون، ولا يتباغضون، ولقد قال

стр. 3753

النبي ﷺ : " الغل على باب الجنة كمبارك الإبل قد نزعه الله تعالى من قلوب المؤمنين " (١). ورد في بعض الآثار أن أهل الجنة إذا سيقوا وجدوا عند بابها شجرة في أصل ساقها عينان، فإذا شربوا من إحداهما ينزع الله ما في صدورهم من غل فهو الشراب الطهور، واغتسلوا من الأخرى، فجرت عليهم نضرة النعيم، فلم يشعثوا، ولم يشيخوا بعدها أبدا، ولقد قال تعالى: (وَسِيقَ الَّذينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا. . .). هذا النعيم معنوي، وهناك نعيم حسي قال الله تعالى فيه: (تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ) أي أنهم في غرفات تجري الأنهار، وكأنها تجوس خلالها، فيكون منظر النهر العذب ينساب انسيابا، ومنظر الظلال والأشجار ينسرق (٢) من تحتها الماء، ويرزقهم الله تعالى أمرا معنويا هو الاطمئنان إلى الهداية، وفيها إدراك ما وصلوا إليه بفضل الله تعالى، وقد حمدوا الله تعالى على ما وصلوا إليه في الدنيا، وأورثهم الله ثمراته في الآخرة، فيقولون ما حكى الله تعالى عنهم: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ). إن قولهم هذا سرور وفرح واطمئنان إلى الغاية التي آل إليها أمرهم، ويقول صاحب الكشاف في هذا: يقولون ذلك سرورا واغتباطا بما نالوا، وتلذذا بالتكلم به. . كما ترى من رُزق خيرا في الدنيا، يتكلم بنحو ذلك، ولا يتمالك أن يقوله للفرخ. وقوله تعالى: (وَمَا كنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ) أي ما كان من شأننا ونحن لَا نملك من أمرنا شيئا أن نرشد ونهتدي إلى الحق لولا أن هدانا الله تعالى،

стр. 3754

و " لولا " يقول النحويون عنها: إنها امتناع لوجود، ومعنى ذلك لولا هداية الله لامتنعت علينا، فهو يملك كل أمورنا هو الذي وفقنا وهدانا وأرسل إلينا الرسل ْهداة مرشدين إلى الحق؛ ولذا قالوا: (لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ). النداء لم يذكر فيه المنادى أهو من وحي الله تعالى في نفوسهم أم من الملائكة الأطهار، والميراث هو العطاء من الله تعالى، قد جعل هنا خلفا للعمل الصالح، فهو ملكية ثابتة بالخلافة عن العمل الدائم الذي كان مستمرا في الدنيا، وهذا قوله تعالى: (بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)، أي بالذي كنتم تعملونه مستمرين دائبين عليه ترجون رحمة الله وتخافون عذابه. والتعبير بقوله تعالى: (أُورِثْتُمُوهَا) والميراث عطاء بغير عوض فيه إشارة إلى أن الله تعالى هو الذي جعل ذلك النعيم عطاء للعمل، فليس العمل وحده منتجا للعطاء، إنما هو يجعل النعيم ميراثا للعمل، والفضل في كل الأحوال لله تعالى صاحب المن والفضل، ولقد روى في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: " اعلموا أن أحدكم لن يدخله عمله الجنة قالوا: ولا أنت يا رسول الله؛ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل " (١)، وقد روت عائشة أم المؤمنين عن النبي ﷺ أنه قال: " سددوا وقاربوا وبشروا، فإنه لَا يدخل أحدا الجنة عمله " (٢) اللهم اغفر لنا وارحمنا. * * *

стр. 3755

(وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا ... (٤٤) * * * إن الذين آمنوا بالبعث والنشور، والجنة والنار فرحون مغتبطون بأنه تحقق لهم وعد الله تعالى لهم بالجنة، وقد عاشوا فيها غير حاقدين ولا حاسدين،

стр. 3756

حامدين الله تعالى على هدايتهم، وقد أرادوا أن يزدادوا سرورا باهتدائهم، وأن يعرفوا هذا الذي جاءهم وعد الحق، جاء مقابله للذين كذبوا بآيات الله تعالى واستكبروا عنها نالهم ما أوعدوا به من عذاب دائم خالد. وقد نادى الملائكة مؤكدين إجابتهم التي لم يجدوا عنها حولا (فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ). أي أعلم معلم من الملائكة بينهم، أي بين الفريقين اللذين يتبادلان ذلك الحديث (أَن لَّعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ)، أي أن الحال المستقر الثابت لعنة الله والطرد من رحمته ومن نعيم الجنة للظالمين الذين ظلموا أنفسهم بتضليلها وكفرها وظلموا الحق بالكفر به، وظلموا الآيات الإلهية بتكذيبها، وظلموا الناس بأفعالهم. ومثل هذا أو فيما معناه، قوله تعالى: (فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٥٥) قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧). ونلاحظ أن " قد " في قوله تعالى: (أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا) للتحقيق أن ذلك محقق لَا محالة وقد عرَّف الله تعالى الظالمين الذين استحقوا لعنة الله، فقال عز من قائل: * * *

стр. 3757

(الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ (٤٥) * * * هذا بيان للظالمين، فذكر لهؤلاء ثلاثة أوصاف: أولها - (يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ) أي يعرضون عنها، ويمنعون غيرهم منها، كالسخرية ممن يؤمنون، واستضعافهم والتشكيك في عقائدهم والغطرسة عليهم، وإيذائهم والاستخفاف بهم والإصرار على باطلهم، والتواصي بالباطل بينهم على مقاومة الهداة المرشدين وتهديدهم بالأذى، كما قالوا: (. . . وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ. . .)، وهكذا. وسبيل الله تعالى هي الصراط المستقيم الموصل إلى الحق فهم يصدون عنه، وكأنهم يقفون على رأس الطريق يمنعون من يدخل فيه، فهم يترصدون أهل الهدى، ويردونهم.

стр. 3758

الوصف الثاني - (وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا)، وعوج: مصدر موصوف به، ويبغون يطلبون بشدة كأنها أمر هو بغيتهم التي يبتغونها، والمعنى يريدون الصراط المستقيم معوجة متعرجة سبلا للباطل. إن الفطرة تتجه نحو الاستقامة، فلا تطلب إلا المستقيم الذي لَا عوج فيه فهم يريدون تحويل فطرتهم وفطرة غيرهم عن طريقها، ويعبدون الأوثان، ويعلمون أنها لَا تضر ولا تنفع، ولكنهم يعوجون بها فيقولون (. . . مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى. . .)، وهكذا يتركون كل مستقيم، ويريدون كل معوج، وذلك لسيطرة الأوهام عليهم، وتسلط الأهواء والشهوات، والعصبية والغطرسة والعنجهية الجاهلية فيهم. الوصف الثالث - وهو الذي ذهب بهم في متاهات الضلال وقد ذكره الله بقوله: (وَهُم بِالآخِرَةِ كافِرُونَ) أي أنهم لَا يؤمنون بالبعث والنشور والحساب والعقاب، أو الثواب ويقولون: (إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ). وقد أكد كفرهم باليوم الآخر، وهو يبتدئ من البعث إلى أن توفى كل نفس ما كسبت بأن تنال جزاءها من النعيم أو الجحيم. أكد كفرهم بعدة مؤكدات أولها - ذكر ضمير الفصل " هم "، فذلك - يؤكد الحكم، وثانيها - تقديم الجار والمجرور، وهو قوله تعالى: (بِالآخِرَةِ) على (كافِرُونَ) ففي ذلك تأكيد لكفرهم به، وثالثها - التعبير بالجملة الاسمية، فإنها تدل على استمرارهم على هذا الكفر، وأنهم جاحدون جحدا (لا مثنوية فيه) (١). * * *

стр. 3759

(وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (٤٦) وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٧) وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (٤٨) أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٤٩) وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠) * * * أشار - سبحانه - إلى ما عليه أهل الجنة من نعيم روحي بنزع الغل من قلوبهم، ونعيم حسي بكون الأنهار تجري من تحتهم في ظلال الجنة، وما كان بين أهل الجنة والنار من نداء، وهنا يبين أن بينهما حجابا حاجزا لَا يمنع أن يصل صوت كل فريق إلى الآخر بدليل هذه المجاوبة، وقد قال تعالى في ذلك:

стр. 3760

(وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ) " وبينهما " أي بين أهل الجنة وأهل النار (حجاب) أي حاجز يمنع الاختلاط بينهما، والضمير في " بينهما " يعود إلى الفريقين: فريق الجنة، وفريق السعير، وقد قال الله تعالى في هذا السور الحاجز: (. . . فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ). وفي أعلى هذا المسور أعراف وهي جمع عرف وهو أعلى السور، فالعُرف أعلى الشيء ومن ذلك عُرف الديك وعُرف الفرس.

стр. 3761

على أعراف هذا السور الحاجز رجال، وإن التعبير برجال يفيد أنهم ليسوا من الملائكة؛ لأن الملائكة لَا يعبر عنهم برجال فليسوا ذكورا ولا إناثا، ولكن من هم أولئك الرجال؟!. اختلف المفسرون في ذلك على أقوال كثيرة، فروي عن النبي ﷺ أنهم ناس استوت حسناتهم وسيئاتهم، فقد سئل رسول الله ﷺ : عمن استوت حسناته وسيئاته فقال: " أولئك أصحاب الأعراف لم يدخلوها وهم يطمعون "، ومع أن الحديث مقوى بنص الآية إذ نصها (لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعونَ) ولكن قال ابن كثير وهو من أهل العلم بالروايات: إنه حديث مرفوع، ولكن فيه غرابة. هذا قول، وهناك قول آخر، وهو أنهم ناس من أهل الفضل فرغوا من أعمالهم في الجنة، وأخذوا يتكلمون إلى الناس، ويتعرفون أمورهم، ويحكمون عليهم، وقد وقفوا على أطراف الصراط. وقريب من هذا القول، قول من قال: إنهم قوم من المؤمنين نصبوا بفضلهم للشهادة على الناس، ومن بعد سنوازن بين القولين لنختار واحدا منهما. ويقول الله تعالى في أوصاف أهل الأعراف: (يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ)، و " كُلًّا " مضاف إلى محذوف، أي كل فريق من أهل الجنة وأهل النار بسيماهم، أي علاماتهم، فالسيما العلامة ويقولون: إن علامة أهل الجنة البياض، وعلامة أهل النار السواد، والله تعالى أعلم بسيماهم، وهم لَا يكتفون بموقف التعرف، ولكن ينادون أهل الجنة وأهل النار، ونداؤهم لأهل الجنة مقصود، لأنهم مقصودون بالتحية والتكريم، وأما أهل النار فهم غير مقصودين، ولكن بالصرف إليهم؛ ولذا قال تعالى: (وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَن سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ). نادوا أهل الجنة مقبلين عليهم مهنئين مرحبين، ونداؤهم لهم (أَن سَلامٌ عَلَيْكُمْ) أن مخففة من أنَّ واسمها ضمير الشأن؛ أي أن حالكم وشأنكم سلام، أو أن قولنا لكم سلام، وهو تهنئة وأمن، ومشاركة لهم في سرائهم بالقول، وهذا

стр. 3762

قريب من قوله تعالى: (دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠). وقوله تعالى: (لَمْ يَدْخلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ)، الضمير في قوله تعالى: (لَمْ يَدْخلُوهَا) يعود على أهل الأعراف وهو ظاهر السياق، وهذا يقتضي أنهم لم يكونوا قد تقرر لهم دخول الجنة، ولكن لأنهم لَا تنزل بهم سيئاتهم إلى جهنم، ولم تنهض بهم أعمالهم إلى الجنة يطمعون في الجنة، وإن هذا بلا ريب يعين في ترجيح أن أهل الأعراف هم الذين لم تنهض حسناتهم حتى يدخلوا الجنة ولم تحبطهم (سيئاتهم) إلى النار. فهم يطمعون في الجنة، ويرغبون فيها، ولكن لم يدخلوا بعد فيها. وإن ذلك هو التقسيم العادل الذي لَا يكون إلا من الله، وهو أنه بعد أن توزن السيئات والحسنات بميزان الله وهو الوزن يومئذ بالقسط، منهم من ترجح حسناته فيكون للجنة، ومنهم من ترجح سيئاته فيكون في النار وبئس المهاد، ومنهم من لم يرجح ميزانه. وقد يرد على هذا أنهم في مكان من الأعراف، فظاهر أنهم فوق الفريقين، ونقول: إن علوهم ليروا الفريقين، لَا لمنزلة لهم فوق أهل الجنة. وبعض العلماء يرى أن أهل الجنة لم يكونوا قد دخلوا الجنة بعد، فالضمير في " دخلوا " يعود إليهم، والحق أن ذلك ليس متسقا مع السياق؛ لأنهم صاروا أصحابها، ويقتضي ذلك أن يكونوا دخلوا فيها، والله تعالى أعلم. إن أهل الأعراف يقصدون إلى أهل الجنة قصدا؛ لأنها مطمعهم، ولكن لا يلتفتون إلى أهل النار لأنهم لَا يريدون الاتجاه إليهم، ولكن قد تصرف أنظارهم إليهم؛ ولذا قال تعالى: * * *

стр. 3763

(وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٧) * * *

стр. 3764

" التلقاء " على وزن تفعال من اللقاء وهي هنا الناحية، و " صرفت " مبني للمفعول وجهل فاعله لعدم الحاجة إلى ذكر من صرفهم، إنما المراد أنهم صرفوا بوجوههم تلقاءهم غير عامدين ولا قاصدين ولا متجهين، فهم يقع نظرهم عرضا على أهل النار فيقع بصرهم تلقاءهم، وذلك لطمعهم في الجنة، ورغبتهم في دخولها يتجهون إلى أهل الجنة عامدين مستبشرين راجين أن يكونوا معهم، أما نظرهم لأهل النار، فهو عرض صُرفوا إليه ولا يريدونه، والتعبير بقوله ئعالى: (وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ) إشارة إلى أن أبصارهم وقعت على أهل النار، أو تلقاءهم من غير إرادة، بل هي إرادة مَن صرفهم. وإنهم إذا وقعت أنظارهم رأوا هول ما فيهم، فإذا كانوا قد فرحوا عندما رأوا المؤمنين فهم عندما وقعت أنظارهم على أهل النار، اعترتهم رهبة، وخافوا على أنفسهم فقالوا: (رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ). عندما يرون النار متأججة في الأجسام البشرية يأخذهم الهول، فيتجهون إلى الله تعالى قائلين: ربنا الذي خلقتنا وكونتنا، وقمت في الوجود علينا وأنت الحي القيوم لَا تجعلنا مع القوم الظالمين الذين ظلموا أنفسهم وظلموا الحق وكذبوا طاغين بالآيات، واستكبروا عن اتباع الأنبياء، وأنغضوا رءوسهم عن الحق إذ دعوا، لا تجعلنا مع هؤلاء، لَا تجعلنا في هذه النار مثلهم فقد عَتَوْا عُتُوَّا كبيرا، ودخلوا في عذاب أليم اللهم قنا غضبك. هذا ما قاله أهل الأعراف لأنفسهم، وضرعوا إلى الله حماية لأنفسهم، ولم يصبوا بالملامة يوجهونها لأهل النار، وطمعهم في الجنة يلهمهم قول الحق. * * *

стр. 3765

(وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (٤٨) * * *

стр. 3766

هذا الكلام موجه من أهل الأعراف لكبراء الشرك وزعمائه، الذين كانوا يعتزون بعصبيتهم وبأنهم أكثر وأعز نفرا، فإنهم كانوا يستكبرون عن أن يكونوا تابعين، وهم أهل الجاه الدنيوي، والكبرياء المادي، ينادونهم، لينبهوهم إلى ما يقولون لهم وقد قال الله تعالى في ذلك: (وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُم). نادوهم ليستمعوا إليهم في قول الحق، وقد كانوا ينادون أهل الجنة يعرفونهم بسيماهم، أما في هذه المرة، فينادون: (رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُم)، التي لم تغيرها النيران وإن كَبتْهم وسودتهم، وذكر الرجال هنا للإشارة إلى أنهم يخاطبونهم فرادى تقريعا وتذكيرا بسيئاتهم متفردين عن غيرهم. (قَالُوا مَا أَغْنَى عَنكُمْ جَمْعُكمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكبِرُونَ). قال لهم وقد عرفوهم وعينوهم: (مَا أَغنى عَنكُمْ جَمْعُكمْ)، وهو العصبية الجاهلية التي كانت تجمعهم على العناد والغطرسة، ويتعاونون لَا لإحقاق الحق، ولكن على الإثم والعدوان، ويدخل فيه قوة المال الذي يعتزون به والنفر الذي يستنصرون به ونظرهم لأنفسهم على أنهم أعلى من غيرهم واستكبارهم عن الإيمان بالآيات بتكذيبها. ومن استكبارهم أيضا أنهم يرون أن أتباع النبيين ضعفاء فقراء عبيد فقط، كما قاله قوم نوح لنوح: (. . . وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرأْيِ. . .). فسألهم أهل الأعراف: هل أغنى عنكم هذا فلم يعذبكم الله تعالى، بل أنتم هؤلاء في الجحيم تذوقون عاقبة ذلك، تريدون النجاة ولا منجاة. ويلتفت أهل الأعراف إلى أهل الجنة، فيجدون الضعفاء الذين كانت تزدريهم أعين هؤلاء الطغاة فيخاطبونهم وهم في النار بقولهم: * * *

стр. 3767

(أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٤٩) * * * هذا القول فيه بيان لمقام الإيمان، ودرك الكفر، لقد كانوا يسخرون منهم لفقرهم، ويحسبون أنهم أعلى منهم منزلة في الدنيا، فيجب أن يكونوا أعلى منزلة في الآخرة، وكانوا يقسمون بأن هؤلاء الفقراء أتباع النبيين لن ينالهم الله برحمة من عنده، أخذا من حال الفقر وازدرائهم التي كانوا عليها في الدنيا. فأهل الأعراف رأوهم في الجنة، فقالوا لأهل النار مشيرين إلى الضعفاء في الدنيا، وهم في الجنة أقوياء مستمتعون: (أَهَؤُلاء الَّذينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ). أهم الذين ترونهم رأي العين في رحمة الله تعالى في جنة الخلد، أهؤلاء والإشارة إليهم وهم في الجنة تجري من تحتهم الأنهار، (أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ)، أن الله لَا ينالهم برحمة، والتنكير الذي جاء على ألسنتهم في الدنيا لتصغير الرحمة. أي أنهم أقسموا أن الله تعالى لَا ينالهم بأي رحمة مهما صغرت وضؤلت. وذلك لأفن عقولهم، وضلال أفهامهم، إذ ظنوا أن من ينالون القوة والثراء في الدنيا هم الذين ينالونها في الآخرة إن كانت، وما كان قسمهم هذا إلا لازدرائهم، وتكريم الأنبياء لهم، ووعدهم بالثواب عند الله، وإن الله تعالى يجزيهم أحسن الجزاء فما كان قسمهم إلا تكذيبا للأنبياء الذين وعدوهم الحسنى في الآخرة، وإن هذا التوسل على لسان أهل الأعراف نذير لما كان من أهل النار في الدنيا وبيان أنهم في ضلال مبين، وقد كان ضلالهم بالعيان المحسوس، لا بالحدس المتلمس. وقد وجهوا بعد ذلك الخطاب لأولئك ملتفتين إليهِم من التحدث عنهم إلى خطابهم فقالوا: (ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنتُمْ تَحْزنُونَ).

стр. 3768

ادخلوا أيها المخلصون الذين أخلصوا دينهم، وصبروا وصابروا الجنة بما فيها من نعيم حسي، وراحة نفسية، وطلب الدخول هنا تقرير للدخول؛ لأنهم دخلوا فعلا، وما كان دخولهم بعد الطلب، إنما كان قبله، كما ترى إنسانا في أرض طيبة فينتفع وهو فيها، ويستحقها، تقول له: ادخلها وابق فيها. (لا خَوْفٌ عَلَيْكُم) من شر يحيق بكم، ولا هم يغمكم، بل أنتم في رَوح وريحان، (وَلا أَنتُمْ تَحزنونَ) على الخير لكم، وحاضر نعيم، وسعادة، وقد نزع الله تعالى من قلوبكم الغل فأنتم تنعمون براحة البال والمحبة والتواد بينكم، فلا تنغص من حقد أو حسد، أو تباغض. تنبيه: إن أهل الأعراف يحبسون عن دخول الجنة، ويرون ما عليه أهل النار، وما عليه أهل الجنة، ويقول. في ذلك الزمخشري في الكشاف: " فائدة ذلك بيان أن الجزاء على قدر الأعمال، وأن التقدم والتأخر على حسبها، وإن أحدا لا يسبق عند الله إلا بسبقه في العمل، ولا يتخلف إلا بتخلفه فيه وليرغب السامعون في حال السابقين ويحرصوا على إحراز قصبتهم، ولتصور أن كل أحد يعرف في ذلك اليوم بسيماه التي استوجب أن يوسم بها من أهل الخير والشر، فيرتدع المسيء عن إساءته، ويزيد المحسن في إحسانه، وليعلم أن العصاة موبخهم كل أحد حتى أقصد الناس عملا ". فإنك كما ترى أهل الأعراف لم يدخلوا الجنة، وهم يطمعون فيها ومع ذلك كان فيهم ذلك التوبيخ والتنديد بالعصاة. * * *

стр. 3769

(وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ... (٥٠) * * * انتهت المجاوبة التي كانت بين أهل الأعراف وأصحاب الجنة التي لم يدخلوها، وكانوا يطمعون فيها، وهي دلت على أن الأعمال هي تدخل الجنة، وأن التقاصر عنها هو الذي يدخل غيرها. وإن أهل النار كانوا في لثمقاء، فعند أهل الجنة ما يشتاهون من لحم، وعسل مصفى، وحور عين، وأنهار تجري. . أما أهل النار ففي حرمان مطلق من كل

стр. 3770

هذا، ولقد صورهم القرآن الكريم يتقدمون طالبين الماء وبعض هذه الخيرات؛ ولذا قال تعالى: (وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ) رادوهم مستصرخين من شدة العطش، وحرارة النار (أَنْ أَفِيضوا)، " أن " هنا تفسيرية، لأن المطلوب هو إفاضة الماء، فكان المعنى نادوهم: أفيضوا علينا الماء. وإفاضة الماء التوسعة في إعطائه، ويبدو أن أهل الجنة كانوا في مرتفع تجري فيه الأنهار والعيون، وأهل النار في منحدر والماء يفيض من الأعلى إلى الأدنى، والمعنى لَا يمنعونه بسدود، حتى يفيض عليهم مدرارا، وينهمر أنهارا. والماء أهم شيء للأحياء، والصدقة به أبر الصدقات، وقد سئل النبي ﷺ عن أبر الصدقات فقال: الماء، وهل معنى هذا أن أهل النار كانوا محرومين من الماء حرمانا مطلقا؛ نقول لَا، بل كان عندهم، ولكنه حميم، وغساق يمزق الأحشاء فلم يكن عندهم النمير العذب الذي تجري به الأنهار وتنضح به العيون. نادوهم، وفيهم آباء لمن ينادونهم، وأخلاء في الدنيا، ولكن الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو، فهي قطيعة بين أهل النعيم وأهل الجحيم قطعوها في الدنيا، فسجل الله تعالى عليهم ذلك في الآخرة. ولقد طلبوا مع الماء شيئا مما هو عند أهل الجنة من طعام شهي، وفاكهة ورمان ولذا قالوا: (أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ) أي أعطاكم من خيرات من لبن سائغ للشاربين، وعسل مصفى، وخمر لَا غول فيها ولا يصدعون منها، طلبوا هذا، ولكن ذلك حرام عليهم، ولذا أجاب أهل الجنة وقالوا: (إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ). قال أهل الجنة معتذرين عن عدم الإجابة، أو مقررين الوقائع التي غابت عن أهل النار تحت تأثير العطش الشديد، والحاجة الملحة إلى الطعام، وهو أن ذلك

стр. 3771

جزاء الله تعالى، ووعده الذي وعدهم به وإن الله لَا يخلف الميعاد، قالوا لهم: (إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ) ذلك أن لكل نصيبه وجزاءه، وحسبكم ما تمتعتم به في الدنيا آثمين ظالمين كافرين بالحق مستكبرين عن اتباعه مكذبين لدعاته. والتعبير بالكافرين إشارة إلى أن سبب الحرمان هو الكفر، ولا خلاص لكم مما كتب عليكم بأعمالكم. * * * (الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (٥١) وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٥٣) * * * هذا بيان للكافرين وأعمالهم في الدنيا، وقد ذكر - سبحانه - ما ينزل بهم في الآخرة، وأنهم في شقاء جهنم يطلبون الماء العذب فلا يجدونه، بل يجدون حميما وغساقا، ويطلبون الطعام، فلا يجدون إلا شجرة الزقوم. وقد ذكر حالهم في الدنيا ليبين عدالة ما يستحقون في الآخرة، وأنه جزاء ما كسبوا. ذكر الله تعالى لهم وصفين خطيرين كانا السبب فيما ينالهم في الآخرة:

стр. 3772

أولهما - أنهم اتخذوا دينهم لهوا ولعبا، ودينهم هو ما خوطبوا به من الرسل الذين أرسلوا إليهم، إذ هو الدين الذي طلبوا بالقيام بحقه، فأعرضوا عنه، واتخذوه لهوا وهو ما يلهيهم عن الحق، ويموِّهون به الباطل، ويتعابثون به على الرسل وأتباعهم وازدرائهم، وقالوا هم أراذلنا، فكل هذا ألهاهم عن الحق، ولم يفكروا أن الدلائل الموصلة بل فكروا في أهواء ضالة. واللعب هو الأعمال العابثة التي لم يكن لها حد مقصود بل ترفع إليه أهواء جامحة كشربهم الخمر ولعبهم بالميسر، واتخاذهم القِيان (١)، وانغماسهم في حياة عابثة. ثانيهما - أنهم غرتهم الحياة الدنيا بزخرفها، وشهواتها، وما ينالون منها، وظنوها الحياة التي لَا حياة بعدها، فاغترارهم بهذه الحياة جعلتهم ينكرون البعث، ويقولون: (. . . أَئِذَا كنا تُرَابًا أَئا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ. . .). ولقد كانوا يتهكمون على هذه العقيدة، ويقولون متهكمين لاعبين: أرجع آباءنا، أرجع قُصَيًّا؛ فإنه رجل خير. . . وهكذا كانوا يعبثون بالحقائق؛ وذلك لأنهم قوم ماديون، لَا يؤمنون بالغيب، ولا يؤمنون إلا بما يرون ويحسون. وقد نسوا الله تعالى، ونسوا مقدرته في هذا الوجود، فكان أن تركهم كما تركوه. ولذا قال تعالى:

стр. 3773

(فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ) النسيان على الله تعالى لَا يجوز، لأنه - سبحانه - لَا يغفل عن شيء قلَّ أو جَلَّ، وكل شيء عنده في كتاب أحصاه لَا يتخلف عن علمه شيء، وأريد بالنسيان لازمه، وهو الترك بل بعض علماء اللغة يقول: إن الأصل في معنى النسيان هو الترك، والمعنى في قوله تعالى: (فَالْيَوْمَ) الذي تجزى فيه كل نفس بما كسبت نتركهم في جهنم يريدون الماء فلا يجدونه إلا في حميم، ويطلبون الطعام، فلا يذوقون إلا طعام الزقوم.

стр. 3774

وقد ذكر أن ذلك في مقابل أمرين أو عقاب لأمرين: أولهما - أنهم نسوا لقاء يومهم هذا مع كثرة النذر، ومع إرسال الرسل، ومع أنه يوجبه منطق الحياة، وأن الله تعالى لم يخلق الإنسان سدى، يأكل ويلعب كالحيوان، إنما هو مخلوق مدرك، وأن الدنيا فيها الخير والشر، وأنه لَا بد للخير من أن ينتصر، ولا بد للشر من أن ينهزم، وأنه يتناسب مع علو مكانة الإنسان في هذه الأرض. ثانيهما - ما كانوا بآياتنا يجحدون " ما " هنا على تقدير الكاف، وهي معطوفة على قوله تعالى: (كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا)، أي أن الله تعالى نسيهم، كما نسوا لقاء يومهم هذا، وكما كانوا بآياتنا يجحدون، وجحود الآيات إنكار ما تدل عليه من دلائل التوحيد، ومعاندتهم لله تعالى، وتكذيبهم لأنبيائه، فكان نسيان الله تعالى لهم وتركهم في جهنم يصلونها، من مقابل نسيانهم، وجزاء لجحودهم. والله على كل شيء قدير. ولقد بين الله أنه ما تركهم هملا من غير كتاب يعلمهم ويهديهم ويرشدهم، فقال تعالى. * * *

стр. 3775

(وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢) * * * ما تركهم رب العالمين سدى من غير هاد ولا مرشد، بل أعذر إليهم بإنزال كتاب قد فصله على علم بما يدل عليه من عظات، وما يوجههم إليه من آيات، فقال تعالى: (وَلَقَدْ جِئْنَاهم بِكِتَاب) أكد مجيء الكتاب لهم بـ " اللام " و " قد "، وقد عبر بأنه جاء إليهم ولم يقل أنزل عليهم؛ لأنه نزل على محمد ﷺ والرسول جاء به إليه على أنه معجزته الكبرى، وكلام الله تعالى الذي خاطبهم هم والأجيال القادمة إلى يوم القيامة، فالمراد من الكتاب القرآن، وجاء نكرة ومقامه التعريف؛ للإشارة إلى فخامته، وإلى أنه كتاب لَا يتسامى إلى مثله كتاب.

стр. 3776

ويقول تعالى: (فَصَّلْنَاهُ) بيناه ووضحناه، وأتينا بفصوله كاملة على علم بل اشتمل عليه من معرفة بالشرائع وأخبار النبيين، وتنبيه إلى أن يكون القرآن وآياته، للدلالة على وحدانية الله تعالى لَا شريك له، وذلك كقوله تعالى: (. . . كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١) أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (٢)، ولقد قال تعالى في آية أخرى: (. . . أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ. . .). وقد وصفه بوصفين جليلين: أحدهما - أنه (هُدًى)؛ وذلك لأنه معجزة هادية إلى الحق وصدق الرسول، وكل ما يشتمل هداية ببيان الشرائع والأحكام، وما فيه مصلحة الناس في معادهم ومعاشهم، وما فيه تنظيم جمعهم، والسير بهم في سبيل الخير. وثانيهما - أنه (رَحْمَةً) لما فيه من أحكام كلها نفع وخير للمجتمع وفيها العدالة، وهي الرحمة الكاملة بالمجتمع، وفيه الأمانة وفيه شرعية القتال، وفيه رحمة ودفع للفساد، (. . . وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (٢٥١). وإن رحمة الله وهدايته وعلمه لَا تؤتي أكلها إلا في قلوب مؤمنة غير جافية فهي التي ينبت فيها زرع الخير ويؤتي أكله؛ ولذا قال تعالى: (لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ). أي لناس من شأنهم الإيمان بالحق إذا جاءهم، ومن شأنهم الإذعان للحقيقة، يؤمنون بها إذا عوفوها، وهناك قلوب جافية طمس عليها، هي غلف لا يدخلها النور، ولا تصل إليها الهداية، وهذه ليس من شأنها أن تؤمن، ولو جاءتها الأدلة واحد بعد الآخر؛ لأن عليها غشاوة تمنع وصول النور، فالذين يجدون الرحمة والهداية في القرآن هم الذين من شأنهم الإيمان بالحق إذا جاءهم؛ ولذا عبر بالمضارع الدال على الاستمرار، والله تعالى أعلم.

стр. 3777

لقد كفر المشركون والكفار من أهل الكتاب، وانتظروا تحقيق ما يدل عليه من بعث وحساب وعقاب وثواب؛ ولذا قال تعالى: * * *

стр. 3778

(هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ ... (٥٣) * * * إن الكفار من وثنيين وكتابيين لم يؤمنوا بالقرآن، ولا بما اشتمل عليه، يوجه الله تعالى إليهم سؤالا استنكاريا فقال: (هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأوِيلَهُ)، و " النظر " هنا بمعنى الانتظار كقوله: (هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن يَأتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ منَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وِإلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ). والاستفهام هنا إنكاري لنفي الوقوع، والمعنى لَا ينتظرون إلا تأويله. والتأويل هنا معرفة المآل والعاقبة، أي لَا ينظرون إلا أن يروا مآلهم وعاقبتهم، لقد أنكروا البعث وأنكروا الحساب والعقاب، فهل ينتظرون أن ينزل ذلك بهم واقعا لا فكاك عنه، حيث يأتيهم ما أنكروه من بعث، وحساب ومن ذلك عقاب وثواب. وإن تأويل القرآن كما قال ربيعة: لَا يزال يجيء آنًا بعد آنٍ، فكل خبر فيه يتحقق حتى يجيء الخبر الأكبر، وهو البعث والنشور والحشر والميزان، والصراط وما أخبر به مما ينكرونه، ولا يؤمنون به. وعلى ذلك لَا تكون كلمة التأويل مرادا بها التفسير، إلا أن يراد هذا التفسير الواقعي الذي يكون يوم القيامة، وإنه عندم يجيء ذلك المآل الحق يتذكر الناسون، ويتنبه الغافلون، ويرون لنا عيانا ما أنكروه في الدنيا جهارا؛ ولذا قال تعالى: (يَوْمَ يَأتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ)، أي الذي نسوا تأويل الكتاب من قبل أي وهم في الدنيا متذكرين قد ذكرتهم الزواجر وقرعت حسهم العقوبات (قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ)، أي ور جاءت هذه الرسل منذرة ومبشرة داعية إلى الحق، ولتتميم قولهم وعاندناهم وجحدنا بالآيات

стр. 3779

وكذبناها. ويقرون الآن بالحق الذي أنكروه فَيَنُصُّون على أن الرسل جاءوا بالحق، أي الأمر الثابت الذي لَا يرد ولا ينكر، وأحسوا بغفلتهم عنه في الدنيا وأن العذاب واقع بهم لَا محالة، فيتجهون إلى طلب الشفعاء، فيقولون؛ (فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا). " الفاء " هنا لتفصل ما اعترى نفوسهم في هذا الهول، ومع أن الله قد قال في كتابه عن هذا اليوم لَا يُقبل فيها شفاعة ولا عدل، مع ذلك طلبوا الشفعاء، أو رجوا أن تكون ثمة شفاعة، فقالوا: (فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا)، و (من) هنا لاستغراق الطلب، والمعنى هل يوجد لنا من شفعاء أي شفعاء كانوا، سواء أكانوا أولياء أم كانوا أعداء ولو شامتين، ولكنها أمنية لَا تتحقق؛ ولا يمكن أن تتحقق؛ لأن الله تعالى نفي ذلك في الدنيا، وهو لَا يخلف موعده. ولأنهم يئسوا من أن يكون لهم شفعاء قالوا أمرا آخر وهو أن يردوا إلى الدنيا، فيعملوا غير الذي عملوا فيقولون: (أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ). ولكنهم إذا عادوا إلى الدنيا سيطرت أهواؤها وغرتهم بغرورها فكانوا كما هِم، ولقد قال الله تعالى في آية أخرى: (وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٢٨). ولقد ختم الله تعالى الآية بتسجيل الخسارة عليهم، وتخلي أوليائهم عنهم فقال عز من قائل: (قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ). أكد الله تعالى خسارتهم بقيد، فقد خسروا في ذات أنفسهم إذ ضلوا، والضلال خسارة للنفس، وخسروا أنفسهم فأوقعوها في الهلاك الذي يكون يوم تأويله، وخسروا الحق فكانوا من المبطلين، وخسروا أيضا أولياء لهم يناصرونهم، ولذا قال تعالى: (وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ) أي غابوا غيبة منقطعة لَا يعرفون أين هم، وهم الأوثان التي كاتوا يفترونها، فخسروا خسرانا مبينا، وعبر - سبحانه

стр. 3780

وتعالى - عن الأصنام بما كانوا يفترونه؛ لأنهم لَا وجود لهم إلا في افترائهم، فصنعوها بأيديهم، وأضافوا عليها افتراء من عند أنفسهم معاني العبودية فكان ضلالهم كبيرا. * * * آيات الله في الكون (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤) ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥) وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦) * * * بعد أن ذكر الله تعالى حال الكافرين يوم القيامة، وحال المؤمنين وبين حال كفرهم في الدنيا الذي تأدّى بهم إلى العذاب في الآخرة. أخذ يبين آياته في الكون التي تدل على أنه الواحد الأحد؛ لأنه الذي خلق الكون كله، والمشركون من العرب كانوا يعرفون ذلك، ويؤمنون به (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ. . .)، ولكنهم كانوا يعبدون الأوثان ويقولون. (. . . مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَربُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى. . .). ولقد قال تعالى:

стр. 3781

(إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ).

стр. 3782

إن ربكم الذي خلقكم وبرأكم أخرجكم من بطون أمهاتكم هو الله ﷻ وكمل كماله، الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام، و " ستة " أصلها " سدسة " فقلبت الدال تاء وأدغمت في السين فصارت ستة؛ ولذا تجمع على " أسداس "، ومنه الوصف " السادس " جريا على مقتضى الأصل لبنية الكلمة. وقد أكد الله ذلك بـ " إنَّ " الدالة على التوكيد وذكر لفظ الجلالة الذي يكسوا الكلام مهابة وجلالا، و " رَبَّكُم " مبتدأ، ولفظ الجلالة هو خبر القول، وقد وصفه الله (١) - سبحانه - بأنه الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام. فما هي هذه الأيام، إن اليوم الذي نعرفه هو الذي يتم بدورة الأرض حول الشمس مرة، وهو يبتدئ من الغروب إلى الغروب، ولا يمكن أن يكون ذلك قبل السماوات والأرض، وخلق الشمس والقمر والنجوم، قال بعض المفسرين: إنه ألف سنة كما قال تعالى: (. . . وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كألْفِ سَنَةٍ ممَّا تَعُدُّونَ). وإن الذي يقدح في ذهني أن اليوم هنا هو دور التكوين للسماوات والأرض، وقد أشار إلى ذلك بشكل يبين أدوار خلق السماوات والأرض، فقال تعالى: (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢). ونستطيع أن نحصي الأيام الستة من هذه الأدوار؛ فالأرض والسماوات السبع قضاهن في يومين، إذ قال: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرضِ

стр. 3783

ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ. . .)، وهما اليومان نفسهما الذي قضى فيهما الأرض. ثم كانت الأرض، كون القشرة الأرضية وجعل فيها رواسي، وبارك فيها، وقدر أقواتها، وجعل من الماء كل شيء حي فيها، وكان ذلك في أربعة أيام سواء للسائلين. فنحن نرى أن الأيام الستة هي أدوار التكوين الذي قدره الله تعالى في خلقه، وهو العزيز العليم، وهو الأعلم بخلقه بعد أن خلق الله السماوات والأرض في ستة أيام أي في ستة أدوار كونية، ذكر أنه يدير أمرها ويشرف على وجودها، ويسيرها في مدارجها، فقال تعالى: (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ). العرش: يطلق على كرسي الحكم كما في قوله تعالى: (. . . نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا. . .). وما قال تعالى عن يوسف ﵇: (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْش. . .). واستوى بمعنى استقر، والعلو على هذا العرش. ويقول علماء الكلام: إن للعلماء في مثل هذا النص السامي (اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) منهاجين: أحدهما يفسر، فيقول: إن معنى استوى استولى على عرش هذا الوجود، وصار له السلطان الكامل فيه، لأنه مالك كل شيء، ولا شيء لغيره فيه، فهو المالك وحده. والثاني يفوض، فيقول: إن الله ذكر أنه استوى على العرش، فنؤمن بذلك ولكن لَا نحاول أن نبحث عن مدى هذا المعنى، كما قال الإمام مالك ﵁: " الاستواء معلوم والكيف مجهول، والسؤال عن ذلك بدعة " فهو يرى أننا نؤمن بالحقيقة، ولا نسأل عن كيفها، ونؤمن بنزاهة الله، فننزهه عن أن يكون له مكان، فإن ذلك شأن الحوادث، والله تعالى لَا يماثل

стр. 3784

الحوادث في شيء، كما قال تعالى: (. . . لَيْسَ كمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير). وإنه ليبدو لنا غير مفتاتين، ولا مدعين، أن قوله تعالى: (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) تعبير مجازي، قصد به استيلاء الله تعالى على حكم هذا الذي خلقه فهو تشبيه سلطان الله تعالى فيما خلق من السماوات والأرض وما بينهما وتدبيره لهما، وتسييره أمرهما - بمن يستوي على عرش ملك يدبره ويسير أمره، ولله المثل الأعلى في السماوات والأرض. بعد ذلك وجه الأنظار إلى ما يجري بين الناس كل يوم من ليل ونهار، شمس وقمر ونجوم مسخرات بين السماء والأرض، فقال عز من قائل: (يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ) يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ أي يجعل الليل غاشيا للنهار؛ لأنه ظلام، والظلام هو الذي يغشى النور، وذلك في الحس، فالظلام يجيء ويستر النور، والنور يعقبه، وكل ذلك في ترتيب مستمر، وكان كل واحد منهما يطلبه حثيثا (١)، ولا يتخلف، لَا الليل يسبق النهار، ولا النهار يسبق الليل كما قال تعالى: (لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ). وقوله تعالى: (وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ) أي خلقهما، فـ " الشمس " معطوفة على " السماوات والأرض " - في يومين، وقوله تعالى: (وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ) أي خلق الله النجوم مذللات بأمره، تسير في مداراتها كل نجم يسير في مداره باستمرار بأمر الله تعالى، وهذا يدل عليه قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا. . .)، فكل شيء يسير بأمر الله تعالى، وهو على كل شيء قدير.

стр. 3785

وقد أكد هذا المعنى بقوله تعالى: (أَلا لَهُ الْخَلْق وَالأَمْر تَبَارَكَ اللَّه رَبُّ الْعَالَمِينَ). " ألا " للتنبيه، وهي كثمرة، لما ذكر من أمر خلق الكون، وما يسير عليه فله وحده الخلق ولو الإنشاء والتكوين، والآمر فيه والسلطان عليه والمسير له والمدبر لبقائه، لَا إله إلا هو الحي القيوم. فتبارك الله تعالى وعلت بركته على هذا الوجود، وهو أحسن الخالقين. وأفعل التفضيل ليس على بابه، أي أنه خلقه خلقا هو الكمال في الحسن والتنسيق، ولا خالق سواه حتى يقال أن خلق الله تعالى أحسن من خلقه! إنه عزيز حكيم. * * *
следующие страницы →