إن ربكم الذي خلقكم وبرأكم أخرجكم من بطون أمهاتكم هو الله ﷻ وكمل كماله، الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام، و " ستة " أصلها " سدسة " فقلبت الدال تاء وأدغمت في السين فصارت ستة؛ ولذا تجمع على " أسداس "، ومنه الوصف " السادس " جريا على مقتضى الأصل لبنية الكلمة. وقد أكد الله ذلك بـ " إنَّ " الدالة على التوكيد وذكر لفظ الجلالة الذي يكسوا الكلام مهابة وجلالا، و " رَبَّكُم " مبتدأ، ولفظ الجلالة هو خبر القول، وقد وصفه الله (١) - سبحانه - بأنه الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام.
فما هي هذه الأيام، إن اليوم الذي نعرفه هو الذي يتم بدورة الأرض حول الشمس مرة، وهو يبتدئ من الغروب إلى الغروب، ولا يمكن أن يكون ذلك قبل السماوات والأرض، وخلق الشمس والقمر والنجوم، قال بعض المفسرين: إنه ألف سنة كما قال تعالى: (. . . وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كألْفِ سَنَةٍ ممَّا تَعُدُّونَ). وإن الذي يقدح في ذهني أن اليوم هنا هو دور التكوين للسماوات والأرض، وقد أشار إلى ذلك بشكل يبين أدوار خلق السماوات والأرض، فقال تعالى:
(قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢).
ونستطيع أن نحصي الأيام الستة من هذه الأدوار؛ فالأرض والسماوات السبع قضاهن في يومين، إذ قال: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرضِ
стр. 3783
ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ. . .)، وهما اليومان نفسهما الذي قضى فيهما الأرض.
ثم كانت الأرض، كون القشرة الأرضية وجعل فيها رواسي، وبارك فيها، وقدر أقواتها، وجعل من الماء كل شيء حي فيها، وكان ذلك في أربعة أيام سواء للسائلين.
فنحن نرى أن الأيام الستة هي أدوار التكوين الذي قدره الله تعالى في خلقه، وهو العزيز العليم، وهو الأعلم بخلقه بعد أن خلق الله السماوات والأرض في ستة أيام أي في ستة أدوار كونية، ذكر أنه يدير أمرها ويشرف على وجودها، ويسيرها في مدارجها، فقال تعالى: (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ).
العرش: يطلق على كرسي الحكم كما في قوله تعالى: (. . . نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا. . .). وما قال تعالى عن يوسف ﵇: (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْش. . .).
واستوى بمعنى استقر، والعلو على هذا العرش.
ويقول علماء الكلام: إن للعلماء في مثل هذا النص السامي (اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) منهاجين: أحدهما يفسر، فيقول: إن معنى استوى استولى على عرش هذا الوجود، وصار له السلطان الكامل فيه، لأنه مالك كل شيء، ولا شيء لغيره فيه، فهو المالك وحده. والثاني يفوض، فيقول: إن الله ذكر أنه استوى على العرش، فنؤمن بذلك ولكن لَا نحاول أن نبحث عن مدى هذا المعنى، كما قال الإمام مالك ﵁: " الاستواء معلوم والكيف مجهول، والسؤال عن ذلك بدعة "
فهو يرى أننا نؤمن بالحقيقة، ولا نسأل عن كيفها، ونؤمن بنزاهة الله، فننزهه عن أن يكون له مكان، فإن ذلك شأن الحوادث، والله تعالى لَا يماثل
стр. 3784
الحوادث في شيء، كما قال تعالى: (. . . لَيْسَ كمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير).
وإنه ليبدو لنا غير مفتاتين، ولا مدعين، أن قوله تعالى: (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) تعبير مجازي، قصد به استيلاء الله تعالى على حكم هذا الذي خلقه فهو تشبيه سلطان الله تعالى فيما خلق من السماوات والأرض وما بينهما وتدبيره لهما، وتسييره أمرهما - بمن يستوي على عرش ملك يدبره ويسير أمره، ولله المثل الأعلى في السماوات والأرض.
بعد ذلك وجه الأنظار إلى ما يجري بين الناس كل يوم من ليل ونهار، شمس وقمر ونجوم مسخرات بين السماء والأرض، فقال عز من قائل: (يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ) يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ أي يجعل الليل غاشيا للنهار؛ لأنه ظلام، والظلام هو الذي يغشى النور، وذلك في الحس، فالظلام يجيء ويستر النور، والنور يعقبه، وكل ذلك في ترتيب مستمر، وكان كل واحد منهما يطلبه حثيثا (١)، ولا يتخلف، لَا الليل يسبق النهار، ولا النهار يسبق الليل كما قال تعالى: (لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ).
وقوله تعالى: (وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ) أي خلقهما، فـ " الشمس " معطوفة على " السماوات والأرض " - في يومين، وقوله تعالى: (وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ) أي خلق الله النجوم مذللات بأمره، تسير في مداراتها كل نجم يسير في مداره باستمرار بأمر الله تعالى، وهذا يدل عليه قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا. . .)، فكل شيء يسير بأمر الله تعالى، وهو على كل شيء قدير.
стр. 3785
وقد أكد هذا المعنى بقوله تعالى: (أَلا لَهُ الْخَلْق وَالأَمْر تَبَارَكَ اللَّه رَبُّ الْعَالَمِينَ).
" ألا " للتنبيه، وهي كثمرة، لما ذكر من أمر خلق الكون، وما يسير عليه فله وحده الخلق ولو الإنشاء والتكوين، والآمر فيه والسلطان عليه والمسير له والمدبر لبقائه، لَا إله إلا هو الحي القيوم.
فتبارك الله تعالى وعلت بركته على هذا الوجود، وهو أحسن الخالقين. وأفعل التفضيل ليس على بابه، أي أنه خلقه خلقا هو الكمال في الحسن والتنسيق، ولا خالق سواه حتى يقال أن خلق الله تعالى أحسن من خلقه! إنه عزيز حكيم.
* * *
стр. 3786
(ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥)
* * *
كان الأمر بالدعاء بعد أن بين أن الله تعالى خلق السماوات والأرض، وأن الله صاحب السلطان فيها، والأمر بالدعاء يشمل دعاء الله تعالى وعبادته وحده سبحانه، فقال تعالى: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً).
ادعوا ربكم: اعبدوه، فالدعاء مخ العبادة. ادعوه وحده؛ لأنه ربكم الذي خلقكم، ويربكم ويربيكم، ويدبر أموركم، ولا تدعوا مع الله أحدا، وادعوه تضرعا، أي في ضراعة وخضوع وتذلل إلى الله وخُفية " أى في خفاء مستترين غير مجاهرين، ولا معلنين، فإن الإعلان قد ترفقه برياء، وإن الله لَا يقبل الدعاء إلا أن يكون له وحده، فالعبادة له وحده لا يشاركه فيها أحد.
والدعاء كما قلنا يشمل العبادات من صلاة وصوم وأدعية فيها ذكر الله كثيرا، وقد حث النبي ﷺ كما أمر الله تعالى بأن يكون الدعاء خفية، وإن جهر لا يكون بإعلان وضجة، فقد روى البخاري عن أبي موسى الأشعري قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فكنا إذا أشرفنا على واد هللنا وكبرنا ارتفعت أصواتنا،
стр. 3787
فقال النَّبِيُّ ﷺ : " يَا أَيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّكُمْ لاَ تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلاَ غَائِبًا، إِنَّهُ مَعَكُمْ إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ، تَبَارَكَ اسْمُهُ وَتَعَالَى جَدُّهُ " (١).
وإن المأثور عن الصحابة والتابعين أنهم كانوا يدعون الله تعالى، ويعبدونه متسترين إلا ما يكون في جماعة، ولقد كانوا وهم في أعمالهم يدعون الله تعالى بالتوفيق والعمل الصالح، حتى وهم في المجاهدين يدرعون بالصبر، والالتجاء إلى الله تعالى ورجاء رحمته ونصرته، وهم في خيرهم يتسترون ولا يجهرون، لأن الستر يجعله خالصا لله، مخلصين له الدين، روي عن الحسن البصري أنه قال: " إن كان الرجل قد جمع القرآن وما يشعر به أحد، وإن كان الرجل لقد فقه الفقه الكثير وما يشعر به الناس، وإن كان الرجل ليصلي الصلاة الطويلة في بيته وعنده الزَّوْرُ وما يشعرون به، ولقد أدركنا أقواما ما كان مع الأرض من عمل يقدرون أن يعملوه في السر، فيكون علانية أبدا، ولقد يجتهدون في الدعاء، وما يسمع لهم صوت إن كان إلا همسا بينهم وبين ربهم؛ وذلك أن الله يقول: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً)؛ وذلك أن الله ذكر عبدا صالحا وحكى عنه فقال: (إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا).
وكان الدعاء " خفية " ذا فضل عظيم، لأنه مناجاة الله، وكأنه يُودع ربه سرَّه وعلانيته، وهو مظهر المحبة، وهو بعيد عن كل رياء، ولأن النية مطلوبة قالوا: إن الإشارة في الدعاء إلى السماء ليست مطلوبة، ونحن نقول:
إن الدعاء الخفي أفضل من الدعاء الجلي، بيد أن الدعاء بالجهر قد يكون مطلوبا كالتلبية، وفي هذه الحال تجوز الإشارة بالأيدي لأن ذلك انفعال ضارع. وقد كان النبي ﷺ يدعو ويشير بيديه (٢)، وقالوا: إنه كان يدعو وهو
стр. 3788
على ناقته، فإذا مالت أخذ بزمامها بيد، واستمرت يده الثانية الكريمة ممتدة بالدعاء (١).
ويختم سبحانه الآية الكريمة بقوله: (إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ).
إنه لَا يحب الذين يعتدون، أي يتجاوزون الحدود المحدودة عليهم، فيعتدون على غيرهم، أو يتجاوزون الأمور المفروضة عليهم، ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه، فتعدى الحدود أمر لَا يحبه الله تعالى، وقد يكون حراما، كالاعتداء على حق غيره، وقد ذكروا أن ذكر الاعتداء عقب طلب الدعاء يدل أن الاعتداء قد يكون في الدعاء.
والاعتداء في الدعاء كأن يقضي وقته كله في دعاء، ولا يقوم بواجب الحياة، كأولئك الذين ينقطعون للعبادة ويتركون أمر الحياة ولا يدبرون أمرها، فذلك اعتداء في الدعاء، وقد جىء برجل للنبي ﷺ فقالوا: هذا عابدنا، فقال ﷺ : ومن يؤكله، قالوا: أخوه يؤكله، فقال ﷺ : أخوه خير منه. وكأولئك الذين ينقطعون في الزوايا، أو ما يسمونه الخانقاه، بحسبان أنهم يدعون الله تعالى ويعبدونه، فإن ذلك اعتداء في الدعاء وتجاوز لحد المطلوب، وقد روي أن النبي ﷺ قال: " سيكون قوم يعتدون في الدعاء " (٢). ولعله سبحانه ينبئ بهؤلاء.
ولقد ذكر القرطبي وجوها في الاعتداء في الدعاء منها:
الجهر الكثير والصياح، ومنها أن يدعو الإنسان في أن تكون له منزلة نبي أو يدعو في محال، ونحو هذا من الشطط، ومنها أن يدعو طالبا معصية، ومنها أن يدعو ما ليس في الكتاب والسنة.
стр. 3789
وفى بعض هذه الوجوه نظر، فالدعاء بطلبه المعصية معصية وليس بدعاء يدخل في باب العبادة، وتجاوز المراتب الإنسانية شطط وليس بدعاء.
والله تعالى لَا يستجيب إلا لما يكون حقا، ولا يقبل من الدعاء إلا ما يكون خالصا لله، ولا يكون قاطعا عن الحياة ومطالبها، فإنه لَا رهبانية في الإسلام.
ويقول - سبحانه - في عمارة الأرض والدعاء مع الإصلاح:
* * *
стр. 3790
(وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)
* * *
ذكرنا أن من الاعتداء في الدعاء، أن ينصرف عن العمل في الدنيا كاسبا متكلا على الدعاء كما يفعل الرهبان، وإنما يجب مع ذكر الله أن يندمج مصلحا في الأرض منتجا مثمرا فإن ذلك فيه إرضاء لله؛ لأن فيه خيرا للعباد ونفعا لهم، و " خير الناس أنفعهم للناس " (١).
وإن الله تعالى في وسط الأمر بالدعاء نهى عن الإفساد في الأرض، ويتضمن ذلك العمل فيها بالإنتاج والإنماء يقوله تعالى: (وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا).
إصلاح الأرض: خلقها صالحة لأن يعيش عليها الإنسان في زرعها وغرسها، ومستمتعا بكل حلالها وطيباتها، وقد أرسل الرسل منذرين ومبشرين، وهداة إلى الحق ومصلحين وعاملين للخير.
وإفسادها إشاعة الظلم، وإفساد ما تنتج، والتعدي التعاون على الإثم والعدوان وقطع الأشجار وحرق الثمار، وجاء في القرطبي (تجارة الحكام من الفساد في الأرض).
стр. 3791
ونرى أنه قد جاء النهي عن الفساد، ولم يجئ الأمر بالإصلاح؛ وذلك لأن الله تعالى تولى جعل الأرض صالحة لأن يعيش فيها أهلها آمنين مطمئنين بأن جعلها مهادا، وجعل الجبال أوتادا، وأنزل من السماء ماء فأخرج به ثمرات كل شيء: أخرج به حبا متراكبا، وغروسا ذات ثمار يانعة، فهو تولى ما به صلاح ذات الأرض، وأرسل الرسل تصلح ما بين الناس بالحق، وأجرى على أيديهم شرائع تهديهم إلى الرشاد، وتأخذهم إلى الحق إن استقاموا على الطريقة، وإذا عرفنا معنى الإصلاح الذي كان من الله تعالى في الأرض، عرفنا معنى الإفساد الذي يكون بعد الإصلاح الأزلي الذي قرره الله تعالى فيكون الإفساد تخريب العامر، وقطع القائم وإهلاك الحرث والنسل، وتعطيل شرائع الله، وإشاعة الأخلاق الفاسدة، وإثارة الغرائز الفتاكة والقاتلة لكل فضيلة بين الناس، وفتح باب الرشا وأكل السحت.
وقوله: (بَعْدَ إِصْلاحِهَا)، تقرير لواقع الأمور؛ لأن الفساد لَا يكون إلا تقويضا لصالح، وإنه في وسط تلك المعرفة القائمة بين الصلاح والفساد، مع الامتناع عن الثاني يكون الالتجاء إلى الله تعالى؛ ولذا قال تعالى: (وَادْعُوهُ خَوفَا وَطَمَعًا).
أي ندعو إليه بدعاء: ربكم الذي خلقكم ويكلؤكم بعنايحَه وتدبيره وحكمته (خَوْفًا وَطَمَعًا)، أي خائفين من مغبة أعمالكم في الحياة (الدنيا)، ومن آثارها في اليوم (الآخر)، وطامعين في غفرانه ورحمته التي وسعت كل شيء رحمة وفضلا. فمعنى (خَوْفًا) أي خائفين من عذابه، و (طَمَعًا) أي طامعين في غفرانه - وإن الله تعالى يقرن رجاءه بخوفه، ورحمته بخوف عذابه.
قال تعالى: (نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠).
وقدم الخوف على الطمع؛ بأنه يجب على المؤمن أن يغلب الخوف على الرجاء؛ لأن من غلب الخوف على الرجاء أمن
стр. 3792
واحترس، وسار على الصراط المستقيم آمنا، وإن غلب الطمع، ربما انساق وراءه، وإذا انساق ربما سار في غير الطريق السوي.
ولقد قرب الله تعالى رحمته لعباد، فقال: (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّه قَرِيبٌ منَ الْمُحْسِنِينَ).
المحسنون هم الذي أجادوا أعمالهم في الدنيا، وبلغوا بها الكمال الإنساني، وبالغوا في أداء واجبهم، وزادوا عليه وأطاعوا ربهم في كل ما أوجبه عليهم وألزمهم به.
ورحمة الله غفرانه (ذنوبهم)، والإنعام عليهم، وأن يكتب لهم الثواب بففمل منه وكرم، وقد قال تعالى في دعاء الأبرار:
(وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦).
وقوله تعالى: (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ منَ الْمُحْسِنِينَ) فيها إشارة إلى أن الله تعالى يعطي رحمته لمن يستحقها بغير حساب، ومن غير تسويف، والمسافة بين الرحمة وطالبها قريبة إن قدم لها العمل الصالح وعدم الإفساد.
وهنا بحث لفظي، يقول الله تعالى: (قَرِيبٌ) على أنها خبر لرحمة، وهي مؤنث لفظي لحقته التاء، وكان مقتضى السياق اللغوي أن يقول " قريبة " بدل " قريب ".
خرج بعض النحاة ذلك على أن (رحمة) مؤنث مجازي، ولا يلزم في خبره التأنيث، بل يجوز فيه التذكير.
وبعضهم قال بتقدير مكانها، فقال السياق: " وإن رحمة الله مكانها قريب " أي أنها سهلة في الوصول إليهم؛ لأنه كلما قرب المكان كان الوصول إليها أسهل.
стр. 3793
وخرج آخرون بأن الرحمة متضمنة معنى الثواب أو الغفران، وهو مُذكَّر.
وهذه وغيرها تخريجات نحاة ليستقيم إعرابهم، أما كلام الله فهو فوق طرائق إعرابها وهو سليم منزه عن أي عيب بياني.
* * *
(وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧) وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (٥٨)
* * *
بين الله تعالى آياته في الكون كيف خلق السماوات والأرض في ستة أيام، وبين وجوب الضراعة من بني الإنسان كما يسبح له كل ما في الوجود، وإن كنا لَا نفقه تسبيحهم، (وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ)، وفى هاتين الآيتين: يعدد - سبحانه - على الإنسان ما سخر له في الأرض، فقال عز من قائل:
стр. 3794
(وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ) " الواو " هنا عاطفة على قوله تعالى: (يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا)، أي أنه وقد أنعم بنعمتي الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات أنعم بالماء يسقي الأرض فتنبت نباتا طيبا، وهو الذي يوزعه في الأرض، على حسب حاجة كل بلد إليه، وتوزيعه عادل صالح يحي الأرض بعد مواتها.
(وَهُوَ) الضمير يعود على الله تعالى ﷻ ، وتعالى كماله، يثيرها سبحانه، ثم يرسلها بقدرته (بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ)، أي أمام رحمته مبشرة
стр. 3795
الناس بأن السماء ستمطر، والمطر غيث يغيثهم، يشربون منه، وينبتون به زرعهم ويسقون به أنعامهم، وغرسهم، ويجنون به ثمارهم، فهي بشرا لهم، مبشرة لهم برحمة من الله ويكون المطر. وبشرا: جمع بشير، كقُلب جمع قليب، وأصلها " بُشُرًا "، وسكنت للتخفيف، وهناك قراءة بالنون، لَا بالباء، وبضم الشين، أي (نُشُرًا) (١)، وهي جمع ناشر، كما أن شهدًا جمع شاهد، والمعنى أن الرياح تنتشر، مبشرة بأن السحاب سيمطر مطرا يكون غيثا، وحول هاتين القراءتين قراءات أخرى يبلغ عددها سبعا، والفرق بينها في الكلمة، ولا يؤثر اختلافها في مضمونها.
وهي تكون منتشرة معلمة بالبشرى بالماء الذي يحيي الأنفس، ويحيي موات الأرض.
ويقول سبحانه في تحقيق البشارة: (حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا) حتى ثارت هذه الرياح فبخرت البحار فتكون منه الماء، وحملت السحاب، وتكاثفت الرياح. .
و (أَقَلَّتْ) أي حملت، ولا تقال كلمة (أَقَلَّتْ) بمعنى " حملت " إلا إذا كان سحابا ثقالا أي ممتلئة ماء.
وسحاب اسم جنس جمعي يفرق بينه وبين مفرده بالتاء أو بياء النسب كتمر، وتمرة، وبقر وبقرة، وعرب وعربي، وروم ورومي. والثقال جمع ثقيل.
امتلأت السحاب بالماء، وحملتها الرياح، ولم تنزل حيث كانت، بل إن الله تعالى المنعم الموزع لرحمته لَا ينزلها إلا في مواطن الحاجة إليها على ما مضت به حكمته، وعلى مقتضى علمه فهو الحي القيوم المدبر للوجود، ولأهل الأرض (سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ) أي سقنا السحاب، فالضمير يعود إليها، وهي تذكر وتؤنث، فأوما إليها مذكرا. ساق: تتعدى بـ " اللام " وتتعدى بـ (إلى)، ومعنى سوقها دفعها، وتعديتها باللام هنا لمعنى الاختصاص
стр. 3796
بقسمة الله تعالى العادلة، فالمعنى سقناه إلى هذا البلد، ليكون مختصا بها حتى يحيي مواتها، فإذا ماتت أرض أخرى اختصصناها بما يحييها من غير تثريب (١) فسبحان الرزاق الحكيم.
والبلد الميت، هو الأرض الميتة التي لَا ماء فيها، ولا ينتفع بها في زرع أو غرس، ولا يوجد ما يأكل منه حيوان أو يحيا به إنسان، فيحيي الماء بعد مواتها بإذن الله العليم الحكيم الرزاق ذي القوة المتين.
وقال تعالى: (فَأنزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأخْرَجْنَا بِهِ مِن كُل الثمَرَاتِ).
إن السحاب الذي ساقه الله تعالى إلى البلد الميت يلقي حمولته من الماء بإذن الله وبأمره وبنعمته؛ ولذا قال: (فَأنزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ) والضمير في (به) يعود على البلد الميت، أي فاخرجنا بهذا البلد الميت، الذي لَا ينبت زرعا (مِن كُل الثمَرَاتِ) من: هنا بيانية، أي أخرجنا كل الثمرات بهذا البلد الميت، أخرجنا حبا وزيتونا ورمانا، متشابها وغير متشابه، وأخرجنا نخلا وعنبا، وأخرجنا كل شيء، وجعلنا منه كلأ تأكل منه الإبل والبقر والغنم، وكل ذي كبد رطبة ينتفع بها، ويختبر بها.
فكان من هذه الأرض الموات تلك الحياة، وذلك الخَضِر من كل شيء، وإن ذلك يقرب لكم إعادة الأموات إلى الحياة؛ ولذا قال تعالى خاتما الآية الكريمة: (كذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَرُونَ).
أي كهذا الذي رأيتم من إخراج ثمرات كل شيء نباتا حيا، وغرسا مثمرا، وحبا متراكبا، وكلأ طعاما للنعم كهذا الذي شاهدتم، وتشاهدون كل يوم يخرج الله تعالى الأموات من قبورهم أحياء، فالتذكير بقدرة الله تعالى على البعث ثابت في كل ما يشاهدون، يخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي.
стр. 3797
فشبه الله تعالى إخراج الأموات من قبورهم وبعثهم، وإنشارهم بعد موتهم بإخراج النبات من الأرض الميتة أحياها. ولقد جاء في بعض الأخبار أن الله عند إحياء الأموات ينزل المطر، أربعين يوما فيخرج الأموات أحياء كالنبات (١).
ولقد قال: (لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)، أي رجاء أن تتذكروا، وأنتم ترون ذلك في الأقوام، والبلدان. إنه عليم حكيم.
* * *
стр. 3798
(وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (٥٨)
* * *
البلد: الأرض، وهي الأرض ذات التربة الخصبة المشتملة على كل ما يتكون منه النبات أو الغراس مع الماء والحرارة، وما تقتضيه طبيعة النبات، وما يكون غذاء له، والأرض الخبيثة أو البلد الخبيث ما تكون تربته غير منبتة كالحجارة أو ما يشبهها، وكالأرض التي تكون قريبة من المالح، فيكون ملحها مفسدا لطينتها وخصبها، وخبيثها حجارتها وسبخها، وكل ما لَا ينبت، ومنه الرمال التي لا تحبس الماء، فالبلد الطيب يخرج نباته طيبا غزيرا كثيرا يشبع، ويرضى الزارع بإذن الله، والذي خبث لَا يخرج إلا نكدا، أي القليل الذي لَا يسمن ولا يغني من جوع، فالنكد هو القليل، هو يصيب الزارع بنكد وغم وحزن، وكأنه ينبت ذلك النكد الذي لَا طيب فيه ولا نفع منه.
وإن ذلك مثل لتقسيم الأرزاق، فمن الناس من رزقه الله تعالى أرضا طيبة تأتي له بالخيرات والثمرات، ومن الناس من اختبره الله بأرض خبيثة لَا تخرج إلا
стр. 3799
نكدا، وهذه تدعوه إلى أن يبحث عن أرض خير منها (. . . فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ)، وأن يبحث عن خيرات الأرض من باطنها مما اختزنته من معادن وفلزات وكنوز، وأحجار وماس، وكل ما له نفاسة، فكل أرض الله تعالى لَا تخلو من خير.
وهذا معناه أنه لَا يمكن أن يمحى الفقر والغنى أو يذاب ما بينهما من فروق كما يقول الجهلاء الذين لَا يؤمنون بشيء، وقد نقص إدراكهم عن أن يصل إلى حقائق الوجود، وإن تزعموا وتحكموا، وحكموا بالباطل.
وإن بيان معاني هذه الآية المحكمة على أنها حقيقة تبين قدرة الله وتصريف خيرات الوجود بمقتضى علم الله تعالى، وتدبيره وحكمته، وأن بلاد الله فيها الطيب الذي يحييه خير الله، وينزل الماء فيه، وفيها الجدب الخبيث الذي لَا ينبت إلا نكدا، وإن كان قد ضم باطنه خيرا آخر، لَا في الطعام والثمر والزرع، ولكن في منافع الناس.
وقد رأى ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أنه مثل ضربه الله تعالى للمؤمن والكافر، فالمؤمن كالبلد الطيب يخرج نباته وثماره بإذن ربه، فقلب المؤمن كالأرض الرطبة لَا يكون منها ما هو طيب، وقلب الكافر خبيث كالبلد الخبيث الذي لَا ينتج إلا نكدا، قبيحا وشرا.
وإنا نقول غير جامعين بين الحقيقة والمجاز، إن الآية تدل على تصريف الله تعالى، وتشير عن بعد إلى قلب المؤمن وقلب الكافر، وتقاربهما من البلدين، الأول من البلد الطيب، والثاني من البلد الخبيث.
وقد روى البخاري عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الهُدَى وَالعِلْمِ، كَمَثَلِ الغَيْثِ الكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ، قَبِلَتِ المَاءَ، فَأَنْبَتَتِ الكَلَأَ وَالعُشْبَ الكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ، أَمْسَكَتِ المَاءَ، فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى، إِنَّمَا
стр. 3800
هِيَ قِيعَانٌ لاَ تُمْسِكُ مَاءً وَلاَ تُنْبِتُ كَلَأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ، وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ ". (١).
ولقد ختم الله تعالى الآية الكريمة بقوله تعالت كلماته: (كَذَلِكَ نصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْم يَشْكرُونَ). التشبيه والإشارة هنا (كَذَلِكَ) الذي رأيت من تصريف القول من بيان نعمة الله على الوجود بخلق السماوات والأرض في ستة أيام، وبيان النعم في الإنبات والإثمار، وإخراج كل ما هو نافع للأحياء، كهذا الذي رأيت نصرف الآيات، ونبينها في تصريف محكم مقرب للنفوس، أي كهذا التصريف في ذكر هذه الآيات، نصرف في بيان الحقائق دائما، لقوم من شأنهم الشكر، وتقبل النعمة بالقيام بحقها؛ ولذا عبر بالمضارع الدال على تجدد الشكر المنبعث من النفس الإنسانية المؤمنة، والله غفور شكور.
* * *
القصص القرآني
* * *
بعد الآيات الكونية التي ذكرها الله تعالى دالة على وحدانيته ساق أنباء الرسل، ودعوتهم إلى التوحيد، وتبليغهم رسالات ربهم في إصلاح الإنسان، والقيام بحق ما أنعم الله به عليه، وأنباء من أرسلوا إليهم، وكفر من كفر، وعناده، وأخبر عن دعوة كل رسول وما أجيب به، وذلك لأمور كثيرة: أولها - العبرة بأحوال السابقين والوثنيين الذين اعترضوا على الأنبياء، لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب.
стр. 3801
وثانيها - بيان ما نزل بالمشركين الذين كفروا بالله وكذبوا الأنبياء وعاندوهم وآذوا من اتبعوهم، من عذاب حتم عليهم، ومن خسف جعل عالي ديارهم سافلها، ومن ريح صرصر عاتية، وليعلم الوثنيون الذي يخاطبون النبي ﷺ أن الله تعالى يمهلهم ولا يهملهم، كما قال تعالى: (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (٦).
وثالثها - أن الآيات مهما تكن شديده قارعة حسية لَا تجعل من القلب الجاحد مؤمنا، فهؤلاء السابقون جاءتهم الآيات الحسية القارعة، ولكن لم تحمل الوثنيين على الإيمان، بل جحدوا وإن كانوا مستيقنين.
ورابعها - التسرية عن النبي ﷺ بأنه لم يكن أول من كُذِّب وجُحدت آياته بل كذبوا من قبل.
وخامسها - أن في نبأ كل نبي من الأنبياء تساق الحجج على التوحيد، والتنبيه إلى آيات الله تعالى في الكون.
وسادسها - أن في القصص علم الأمم، وأخلاقها، وضلالها، وهداية من يُهتدى.
* * *
من نبأ نوح ﵇
(لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩) قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٦٠) قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦١) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ
стр. 3802
مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦٢) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٦٣) فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ (٦٤)
* * *
ابتدأ نوح كلامه مع قومه مستدنيا قلوبهم، مقربا القول إلى نفوسهم، وكان إرساله إليهم، ولم يوجد ما يدل على أنه أرسل لغيرهم، كما قامت رسالة رسول الله محمد ﷺ إلى الناس.
قال ﵇:
стр. 3803
(يَا قَوْمِ) نادى بالرابطة التي تربطه بهم، وهي أنهم قوم الذين يستنصرهم، ويعتز بصلتهم ويريد الخير لهم، ويجب كل كمال لهم: (اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) والجملة الأولى دعوة إلى عبادته لأنه خالق الكون ومنشئ الوجود، والجملة الثانية تدل على انفراده وحده بالألوهية، فهي نفي وإثبات؛ نفي أن يكون لهم إله غير الله، ولذا قال: (مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ)، أي ليس لكم من إله غيره سبحانه، و " من " لاستغراق النفي، والمعنى: ليس لكم أي إله يعبد غيره، لأنه الخالق، ولأنه ليس كمثله شيء في ذاته أو صفاته، فهو المعبود وحده.
وقد حذرهم من عصيان الله تعالى، والكفر به، وعبادة غيره، فقال: (إِنِي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوم عَظِيم) وفي هذا يظهر عطفه عليهم داعما دعوته بخشية ما ينزل بهم، ومع ذلك هو تهديد لهم بعاقبة إنكارهم. وقد أكد خوفه عليهم بكل مؤكدات القول، بـ " إن "، وبقوله (عَلَيْكُمْ)، وتنكير العذاب، و (عَظِيم)، وأنه لا يدرك جهته، ولا تدرك المشاعر الآن حقيقته. هذه هي الدعوة إلى التوحيد والترغيب فيها، والترهيب من عصيانها؛ فبماذا أجاب قومه؟.
قال الملأ من قومه، أي قال الكبراء والرؤساء والأشراف من قومه مستنكرين مستهترين: إنا نراك في ضلال مبين، وكذلك نجد الكبراء في كل قرية أكابر
стр. 3804
مجرميها كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم. كانت إجابتهم إصرارا على غيهم، واستمساكا بما هم عليه، وعدوا غيره ضلالا وسفهًا:
стр. 3805
(إِنَّا لنرَاكَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ)، أي إنا نراك في بعد عن الهداية، والحق واضح. وقد أكدوا ذلك بـ " إنا "، وبأنهم يرونه كذلك، وإنه يستفاد من هذا أمران:
أولهما - أنهم يردون قوله، ولا يقبلونه ويعصونه، وأنهم يرون أن صاحبه في ضلال واضح لَا هداية معه، وأنهم بهذه الحال لَا يمكن أن يجيبوه بل أن يفكروا في إجابته.
وثانيهما - أنه يلاحظ أن ذلك من كبرائهم، كما ذكرنا، أما ضعفاؤهم فإنه لم تعرف لهم إجابة، لأنهم مغمورون غير مذكورين، كما كان الأمر من بعد ذلك للنبي ﷺ ، إذ مكث وقت الدعوة المحمدية في مكة، ما كان يتردد في جنباتها إلا صوت أبي جهل وأبي لهب، والوليد بن المغيرة، ولا يتردد صوت عمار، وبلال وأبي بكر، وإن نوحا النبي الأمين، منهي عنهم ولا يرد عليهم، بل يقول في أناة المؤمن:
стр. 3806
(يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ) يقول مبتدئا القوم بندائهم، بما يقربهم ويدنيهم لَا بما يبعدهم، وينبئهم، يناديهم يا قومي يا من أنا منكم وقطعة من جمعكم يضيرني ما يضيركم، ويؤلمني ما يؤلمكم ثم يقول نافيا (لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ) أي ليس بي حال أضلتني عن الحق، وكأنهم قصدوا من الضلالة أنه مسحور قد ضل عقله وغاب، فهو يقول ما بي ضلال، بل أنا برشدي الكامل وأنا فوق ذلك هاد مرشد متحدث عن الله تعالى، ولذا أردف نفي الضلالة بقوله: (وَلَكِنِّي رَسُولٌ من رَّبِّ الْعَالَمِينَ) والاستدراك من نفي الضلالة إلى مرتبة عالية، وذكر أنه رسول، قد أرسله الله تعالى رحمة بهم، وإنقاذا لهم من ضلالهم، وأضاف الرسالة إلى الله تعالى معبرا بقوله: (رَبِّ العَالَمِينَ)، أي الذي ربى الناس وكونهم، وهو القائم عليهم، والمصرف لأمورهم، وللوجود كله .
وإنه لهذا ما أرسل الرسالة إلا رحمة بكم، وهداية وتوجيها إلى الصراط المستقيم.
стр. 3807
ثم بين الرسول الأمين واجبه وهو التبليغ والنصيحة، والدعوة إلى الهداية فقال الله تعالى عنه:
* * *
стр. 3808
(أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦٢)
* * *
(أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي) وعبر عنها بصيغة الجمع للدلالة على أنها متعددة النواحي، فهي للتوحيد، وهو رأسها، وعمادها. وإصلاح الجماعة، ونشر الفضيلة، وتكوين الأسرة، وتنظيم المعاملات الإنسانية على أساس العدل ومنع البغي ولتعميم الإحسان، وإصلاح الأرض ومنع الفساد.
ولقد قال بعض العلماء: ما كانت بعثة نوح لقومه فقط، بل لجيله ومن يتبعه إلى أن يجيء من ينسخ شريعته، وأضاف الرسالات إلى ربه لأنه منزلها، ولأنه القائم على الوجود، والمربي له، والعالم بكل ما يصلحه، وذكر أمرين يقوم بهما بعد تبليغ رسالات ربه، وإعلانها لهم:
أولهما - أنه ينصح لهم، بمحض الحق مخلصا لهم، لَا يأتي إلا بما فيه نفعهم، والخير العميم لهم، والنصيحة والنصح إخلاص النية من الغرض وقصد الفساد، نصحته ونصحت له، أي أخلصتها له.
ثانيهما - الإشارة إلى أنه عنده علم من الله لَا يعلمونه؛ لأنه يخاطبه الله تعالى وحيا أو برسول من الملائكة أرسله إليه؛ ولذا قال في تأكيد نصحه، وبيان صدقه، وأنه هاد مرشد: (وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) فاقبلوا نصحي وإرشادي، فإنه ليس مني، ولكن من الله ربكم ورب العالمين.
ولقد أدرك أنه يجوز أن يكونوا في استغراب، وهو يريد هدايتهم، فيريد أن بزيل غرابتهم، فقال متقربا متحببا مخاطبا وجدانهم مزيلا اسنغرابهم:
* * *
الواو هنا عاطفة ما بعدها على ما قبلها، فهي عاطفة كلام نوح ﵇ الأخير على ما قبله، ولكنها أخرت في الذكر عن الهمزة، وهو بهذا ينبههم إلى ما يزيل عجبهم واستغرابهم، فهو استفهام في معنى النفي، أي لا يصح أن تعجبوا من ذلك فإن الله لَا يَنزل، ويكلم الناس، ولا يُنزل الملائكة، (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (٩).
ولقد أزال عجبهم، وأمرهم بألا يعجبوا.
وموضع العجب الواهم هو (أَن جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِن رَّبِّكُمْ) " أن " تذكير بالحقيقة المستكنة في قلوبهم التي يطمسونها طمسا، حتى لَا يذكروا، (عَلَى رَجُلٍ منكمْ)، أي على لسان رجل منهم، أو أن " على " بمعنى " مع " أي: مع رجل منهم، وكذلك قال المشركون لمحمد ﷺ : (. . . أَبَعَثَ اللَّه بَشَرًا رَّسولًا)، (وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسولِ يَأكل الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ. . .)، وقد بين الله الغاية من الرسالة التي جاء بها نوح ﵇ وهي غاية الرسل أجمعين فقال: (لِيُنذِرَكمْ) بهذا الذكر الذي يثير العلم الذي تطمسونه فيذكركم به منذرا من عذاب، ومبشرا بثواب (وَلِتَتَّقُوا) ولتعملوا على أن تتخذوا من عملكم وقاية لكم من العذاب، (وَلَعَلَّكُمْ ترْحَمُونَ)، أي ولترجوا أن يرحمكم الله باتباع ما أمركم به من توحيد، وإصلاح، فإن ذلك هو الرحمة الحقيقية بكم.
قال نوح ذلك متوددا متحببا، مخاطبا بما يجمعهم من مودة، ولكنهم نفروا من دعوته، ومن هدايته فكذبوه.
* * *
стр. 3811
(فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ (٦٤)
* * *
الفاء: هنا للإفصاح، أو للترتيب، أي أنه ترتب على هذا الذكر، وهذه الدعوة الهادية الباعثة على العبرة أن كذبوه، وكان لَا بد بعد هذا التكذيب القاطع للحق، والهادم لكل صالح أن يكون العذاب لمن طغى، والنجاة لمن هدى، أمره الله تعالى بأن يصنع الفلك، لينجى فيه من آمن من قومِ نوح، وأن يغرق من عاند وكفر، فقال: (فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا)، أي بسبب تكذيبهم؛ لأن الصلة في الموصول هي سبب الحكم،
стр. 3812
وقد أكد - سبحانه تعالى - وصفهم بالضلال، فقال: (إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ) عمين جمع عم، وهو صفة مشبهة من عَمِي، فهم ضالون قد أعمى الله تعالى بصائرهم. وإنها لَا تعمى الأبصار، ولكن تعمى الأفئدة التي في الصدور.
هذا ما ذكره الله تعالى في هذا الموضع من قصة نوح ﵇ ونكتفي بالكلام هنا، ونتكلم في باقي قصة نوح مع قومه في مواضعها من القرآن الكريم، فلكل جزء منها عظة قائمة بذاتها.
وسيدنا نوح ﵇ هو أبو الأنبياء بعد آدم، وقيل: إن إدريس أكبر منه، ولكن الظاهر من سياق القرآن للأنبياء، أنه أبو البشرية بعد آدم، والله أعلم.
* * *
من قصة هود ﵇
(وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٦٥) قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٦٦) قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٧) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (٦٨) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٦٩) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ
стр. 3813
يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧٠) قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٧١) فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٧٢)
* * *
يدل ما ذكره هنا من قصة هود ﵇ أنه جاء من بعد نوح ﵉ فقد قال تعالى: (وَاذْكرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نوحٍ) إلى آخر الآية الكريمة. يقول تعالى:
стр. 3814
(وَإلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا)، الواو عاطفة على قوم نوح، وهي على نية تكرار العامل أي وأرسلنا إلى عاد أخاهم هودا، وقدم قوم هود، وهم عاد؛ لأنهم كانوا في عتو شديد. قال لهم هود الهادي المرشد: (يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقونَ).
ابتدأهم بدعوة النبيين إلى التوحيد، وهي دعوة نوح من قبل، ودعوة من بعد عاد إلى أن تكون دعوة محمد ﷺ (قَالَ) لهم: (اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُة)، فـ " من " هنا لاستغراق النفي وانحصار الألوهية في الله تعالى وحده، وحذرهم من الكفر كما حذر نوح إذ قال: (إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيم)، وقال هود محذرا ومحرضا على أن يجعلوا لأنفسهم وقاية بينهم وبين العذاب، فقال: (أَفَلا تَتَّقُونَ) والفاء للترتيب والتعقيب، وموضعها مقدم على الهمزة، ولكن الاستفهام له الصدارة، والمعنى، أنه يترتب على المطالبة بعبادة الله وحده أن تتقوا عذابه، وتخافوه، فهي تتضمن ذكر الخوف والتحذير من عذاب الله تعالى، وأن يجعلوا لأنفسهم منه وقاية، فأجابوه إجابة المتعنت المستخف.
* * *
стр. 3815
(قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٦٦)
* * *
وإن الذين يردون هم الكبراء البارزون، فيهم كشأن أعداء الأنبياء دائما؛ لأنهم الذين يخافون على سلطانهم، كما رأيت في الذين عاندوا نوحا وكفروا به، وكما رأيت في الذين عاندوا محمدا ﷺ . وكما نرى في الذين عاندوا هودا أخا عاد، وقد بادروه بالطعن في شخصه. قالوا في شخصه: (إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ) وأكدوا ذلك بـ " إنَّ " وباللام، أي: إنا لنراك في خفة عقل وحمق وطيش وذلك استخفاف به، لأنهم ضالون. ودعاهم إلى الحق الذي لَا ريب فيه. وأما طعنهم في قوله، فهو قولهم: (وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ) والظن هنا هو العلم المزعوم عندهم، بدليل أنه أكدوا حكمهم بـ (إن) و (اللام)، وكونه داخلا في زمرة الكاذبين، وقد يطلق الظن بمعتي العلم، وهو هنا كذلك. أجاب هو إجابة النبيين:
* * *
стр. 3816
(قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٧)
* * *
ناداهم مدنيا
مقربا لهم، بقوله يا قوم وقد اختاره الله على أنه أخ لهم، إذ قال: (وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ)، ليس بي سفاهة فما خالفتكم، ودعوتكم إلى عبادة الله تعالى وحده لحمق أو سفه، وإنما لأني أرسلت بذلك؛ ولذا قال: (وَلَكِنِّي رَسُولٌ من رَّبِّ الْعَالَمِينَ) أرسلنى إليكم، داعيا إلى عبادته وحده قال:
стр. 3817
(أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي) من شرائع وأحكام فيها صلاحكم في الدنيا والآخرة، وإني مع الرسالة (نَاصِحٌ أَمِينٌ)، أي أنصحكم النصيحة بأمانة لَا أغشكم ولا أخدعكم بل أدعوكم إلى سواء السبيل، وقد توقع استغرابهم من أن يكون منهم رسول، وقد ذكروا ذلك كما ذكروه من بعد لمحمد ﷺ ، فالعقلية الوثنية الجاحدة واحدة، تختلف الأقوام، ولا يختلف المنزع.
* * *
стр. 3818
قال لهم مقالة نوح:
стр. 3819
(أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ ... (٦٩)
* * *
وأنذرهم بالعذاب
الشديد إن لم يؤمنوا، وذكرهم بما كان من قوم فرعون، ونعم الله تعالى فقال: (لِيُنذِرَكُمْ)، أي يببن لكم عقاب الله، وإني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم (وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ). ذكرهم بثلاثة أمور تدنيهم، وتجعلهم يشعرون بأن الله أنعم عليهم، وأعطاهم العبر ليعتبروا:
ذكراهم أولا - بأنهم خلفاء قوم نوح، وإن ذلك فيه عبرة لهم لأنهم كيف أُغرقوا، ولم ينج إلا من حملته السفينة الربانية، وخلفاء جمع خليفة، أي أنهم خلفوهم في سكنى أرضهم وأرسل هو إليهم، كما أرسل نوح من قبل.
وذكرهم ثانيا - بأن الله زادهم في الخلق بصطة، أي قوة في الجسم فكانوا عمالقة، وبصطة أصلها بسطة، وتكتب السين صادا، لاتصالها بالطاء، وهي ساكنة.
وذكرهم ثالثا - بنعم الله تعالى عليهم من زروع وثمار، فقال: (فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ) أي نعمه، واحدها " إلي " و " ألي ".
ذكرهم بهذه الأمور الثلاثة رجاء أن يعتبروا ويتعظوا ويؤمنوا، وبذلك ينالون الفلاح والفوز، ولذا قال تعالى: (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)، أي لترجوا الفلاح والفوز بالصلاح في الدنيا والنعيم في الآخرة.
ولكنهم مع هذا التذكير الواعظ المرشد، لم يهتدوا، بل قالوا مجادلين: (أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧٠)
стр. 3820
يستنكرون أن يجيئهم، ليدعوهم إلى عبادة الله تعالى وحده، و " نذر "، أي نترك ما كان يعبد آباؤنا. وهكذا يذهب بهم الغلو في الكفر إلى درجة أن يعتبروا أمرًا نكرًا يستحق الاستنكار أن يعبدوا الله ويتركوا ما كان عليه آباؤهم، وهكذا قال المشركون، عند قول الله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١ ٧٠) .
أنذرهم هود بعذاب شديد فتحدوه أن ينزله، وقالوا: (فَأتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِن الصَّادِقِينَ) تحدوا هودا أن ينزل الله العذاب الذي هددهم به، وطلبوا من نبيهم أن ينزله كأن الأمر بينهم وبينه، وذلك للاستمرار على كفرهم وجحودهم، إذ إنهم لا يعتبرونه مرسلا من الله تعالى، ولقد وقع بهم ما استعجلوه، وقال لهم قبل وقوعه: