← Тафсир

Тафсир · id 37071

زهرة التفاسير

محمد أبو زهرة

Полный текст (8 373 стр.). Показаны 3816–3855 · переход к 3821.

стр. 3816

(قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٧) * * * ناداهم مدنيا مقربا لهم، بقوله يا قوم وقد اختاره الله على أنه أخ لهم، إذ قال: (وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ)، ليس بي سفاهة فما خالفتكم، ودعوتكم إلى عبادة الله تعالى وحده لحمق أو سفه، وإنما لأني أرسلت بذلك؛ ولذا قال: (وَلَكِنِّي رَسُولٌ من رَّبِّ الْعَالَمِينَ) أرسلنى إليكم، داعيا إلى عبادته وحده قال:

стр. 3817

(أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي) من شرائع وأحكام فيها صلاحكم في الدنيا والآخرة، وإني مع الرسالة (نَاصِحٌ أَمِينٌ)، أي أنصحكم النصيحة بأمانة لَا أغشكم ولا أخدعكم بل أدعوكم إلى سواء السبيل، وقد توقع استغرابهم من أن يكون منهم رسول، وقد ذكروا ذلك كما ذكروه من بعد لمحمد ﷺ ، فالعقلية الوثنية الجاحدة واحدة، تختلف الأقوام، ولا يختلف المنزع. * * *

стр. 3818

قال لهم مقالة نوح:

стр. 3819

(أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ ... (٦٩) * * * وأنذرهم بالعذاب الشديد إن لم يؤمنوا، وذكرهم بما كان من قوم فرعون، ونعم الله تعالى فقال: (لِيُنذِرَكُمْ)، أي يببن لكم عقاب الله، وإني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم (وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ). ذكرهم بثلاثة أمور تدنيهم، وتجعلهم يشعرون بأن الله أنعم عليهم، وأعطاهم العبر ليعتبروا: ذكراهم أولا - بأنهم خلفاء قوم نوح، وإن ذلك فيه عبرة لهم لأنهم كيف أُغرقوا، ولم ينج إلا من حملته السفينة الربانية، وخلفاء جمع خليفة، أي أنهم خلفوهم في سكنى أرضهم وأرسل هو إليهم، كما أرسل نوح من قبل. وذكرهم ثانيا - بأن الله زادهم في الخلق بصطة، أي قوة في الجسم فكانوا عمالقة، وبصطة أصلها بسطة، وتكتب السين صادا، لاتصالها بالطاء، وهي ساكنة. وذكرهم ثالثا - بنعم الله تعالى عليهم من زروع وثمار، فقال: (فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ) أي نعمه، واحدها " إلي " و " ألي ". ذكرهم بهذه الأمور الثلاثة رجاء أن يعتبروا ويتعظوا ويؤمنوا، وبذلك ينالون الفلاح والفوز، ولذا قال تعالى: (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)، أي لترجوا الفلاح والفوز بالصلاح في الدنيا والنعيم في الآخرة. ولكنهم مع هذا التذكير الواعظ المرشد، لم يهتدوا، بل قالوا مجادلين: (أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧٠)

стр. 3820

يستنكرون أن يجيئهم، ليدعوهم إلى عبادة الله تعالى وحده، و " نذر "، أي نترك ما كان يعبد آباؤنا. وهكذا يذهب بهم الغلو في الكفر إلى درجة أن يعتبروا أمرًا نكرًا يستحق الاستنكار أن يعبدوا الله ويتركوا ما كان عليه آباؤهم، وهكذا قال المشركون، عند قول الله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١ ٧٠) . أنذرهم هود بعذاب شديد فتحدوه أن ينزله، وقالوا: (فَأتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِن الصَّادِقِينَ) تحدوا هودا أن ينزل الله العذاب الذي هددهم به، وطلبوا من نبيهم أن ينزله كأن الأمر بينهم وبينه، وذلك للاستمرار على كفرهم وجحودهم، إذ إنهم لا يعتبرونه مرسلا من الله تعالى، ولقد وقع بهم ما استعجلوه، وقال لهم قبل وقوعه:

стр. 3821

(قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ ... (٧١) * * * وقد أنزل اللهً تعالى - بهم عذابين أحدهما " الرجس "، وهو الضلال الذي أدى إلى هذا الكفر، و " غضب الله " وهو وحده عذاب من الله، وسيؤدي إلى العذاب الذي نزل بهم في الدنيا والآخرة وإنه لقريب؛ ولذا: (فَانتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ). وقد اشتمل كلام هود ﵇ على أمور ثلاثة هي إشارات بيانية. أولها - قوله: (أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا) فهذا استفهام توبيخي على ما وقعوا من عبادة أشياء لَا تنفع ولا تضر. ثانيها - أنها لَا وجود لها في ذاتها إلا أن تكون أحجارا، ليس لها إلا أسماؤهما الباطلة التي سموا بها. ثالثها - أنه ما أنزل معها بحجة تسوغ عبادتها، أو قوة فيها تكون سلطانا لها.

стр. 3822

وما كان من بعد هذا إلا العقاب، فنزل بهم عذاب ساحق أهلكهم الله تعالى، وأنجى الله تعالى هودا ومن معه من المؤمنين، ولذا قال تعالى: * * *

стр. 3823

(فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ... (٧٢) * * * وترى التشابه التام، بين ما لقي النبي محمد ﷺ من المشركين، وبين ما لقي نوح، وهود من قبله - عليهم الصلاة والسلام - وإن ذلك يجعل النبي ﷺ يصبر، ويحمل التبعة، وشدائدها فإن تلك سنة الله مع الدعاة، والذين يدعونهم، وما كنت بدعا من الرسل. بيد أن الله تعالى أهلك المجرمين الذين يعصون الأنبياء، أما قوم محمد ﷺ فإنه - سبحانه - أمهلهم ليكون من أصلابهم من يعبد الله، وليجاهدهم على الحق هو ومن اتبعه إلى يوم الدين. * * * من قصة صالح ﵇ * * * نذكر من قصص الأنبياء في هذا الموضع، ما قصه الله تعالى في هذه السورة الكريمة، ونترك بقية قصص الله تعالى فيها إلى موضعها، وبمجموع ما يذكره سبحانه يكون خبر النبي من الأنبياء، ولكنه مفرق في السور، كل جزء منه في موضع عبرته، وإرادة مغزاه. * * * (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣) وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ

стр. 3824

الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٧٤) قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٧٥) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٧٦) فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧٧) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٧٨) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (٧٩) * * * كان بعث صالح بعد هود، وكانت ثمود خلائف لعاد، قال الله تعالى:

стр. 3825

(وَإِلَى ثَمودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا)، أي أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا، كما كان لعاد أخوهم هود، وذكر الأخوة في هذا المقام فيه إشارة إلى أنه واحد منهم قد ربط بينهم برباط الأخوة، وكذلك كان يبعث الله تعالى لكل أمة رسولا منهم، كما بعث محمدا ﷺ من أنفسهم. قال صالح لقومه: (يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ). هذه دعوة التوحيد، وهي دعوة النبيين أجمعين ودعوة الفطرة، ودعوة المنطق العقلي. ولقد أردف دعوته إلى الله، ببيان أنه مرسل إليهم من الله تعالى، ومعه البينة الدالة على إيمانه، ولذا قال لهم: (قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ من رَّبِّكُمْ)، أي معجزة

стр. 3826

مبينة من ربكم دالة على رسالته، هذه البينة هي: ناقة لكم آية، أي دليل على الرسالة، ويظهر أنها كانت لها أوصاف خاصة تميزها عن غيرها، قال بعض الناس: إن الله تعالى خلقها من حجر صلد، ولكن لم يثبت ذلك بسند صحيح عمن بين القرآن للناس، ولم يرد بسند صحيح شيء عن أوصاف هذه الناقة، ولكنها على أي حال كانت مميزة عندهم معروفة بشخصها لديهم، ولذا قال لهم: (فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)، أي: فاتركوها تأكل. وأردف نبي الله صالح ﵇ يبين لهم العبرة من أسلافهم عاد، ونبيهم هود ﵇ قال لهم:

стр. 3827

(وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا ... (٧٤) * * * أي اذكروا أنه جعلكم خلفاء لهؤلاء الذين كانوا أقوياء وطغوا، ورأيتم ما آل إليه أمرهم، من العذاب الذي نزل بهم جزاء عصيانهم، وسكنتم في مساكنهم الذين ظلموا فيها أنفسهم، وقد بوأكم في الأرض وثبتكم، وجعلكم مستمتعين مترفهين، فجعلتم من سهل الأرض قصورا بنيتموها، ونحتم الجبال فجعلتم منها بيوتا، وذلك أعلى درجات الترفة في المسكن قصور في السهول، وبيوت في أكناف الجبل، فكانت لكم الوقاية من البرد والحرور. وإذا كنتم تمكنتم من ذلك، فاذكروا آلاء الله تعالى ونعمه، وقوموا بحق شكرها، (وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِين) لَا تطغوا وتظلموا، فيؤدي ذلك إلى فساد، ولذا قال: (وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ)، العثى والعثو، لغتان في مصدر عثى، وهو الفساد، والمعنى لَا تفسدوا في الأرض ويستمر فسادكم حتى تكونوا مفسدين، وقوله مفسدين حال دالة على استمرار الفساد، هذا قول صالح ﵇ وهو كلام يتضمن الدعوة الرفيقة الحكيمة إلى عبادة الله تعالى وحده، والتذكير بنعمه تعالى عليهم، وتحذيرهم من الإفساد، والاستمرار عليه بالإشراك والظلم وترك أمورهم فوضى، لَا ضابط من دين ولا خلق.

стр. 3828

وهنا نجد الكبراء وأشرافهم الذين يعارضونه، والضعفاء هم الذين يتبعونه، ويتوجه الكبراء بالاستعلاء على المستضعفين، وقد قال تعالى عنهم: * * *

стр. 3829

(قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ ... (٧٥) * * * وقوله تعالى: (لِلَّذِينَ اسْتضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ منْهُمْ) فيه أن قوله السامي: (لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ) بدل اشتمال، والمعنى أي قال الملأ للمؤمنين، وسبق بقوله تعالى: (لِلَّذِينَ اسْتضْعِفُوا) للإشارة إلى أن المجيبين هم الضعفاء، وكذلك يسارع الضعفاء لاتباع النبيين، لسلامة فطرتهم، وعدم وجود الأهواء التي توجب الإعراض، ولأنهم يرون في الأوامر النبوية ما يرفع الظلم عنهم، ولأنهم أقرب إلى الحق دائما، فالمساكين أقرب إلى الاستجابة، وكذلك كان أتباع محمد الأولين من أمثال بلال، وصهيب، وآل ياسر، وغيرهم من العبيد والفقراء. قال المستكبرون من ثمود قوم صالح للمستضعفين المؤمنين: (أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُّرْسَلٌ من رَّبِّهِ) كأنهم مستنكرون ذلك منهم، ويسخرون منهم، فرد عليهم المؤمنون الرد القاطع الحاسم قائلين: (إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنونَ) أكدوا إيمانهم بالتعبير بالجملة الاسمية، وبـ " إن " وبالقصر إذ قدموا (بِمَا أُرْسِلَ بِهِ)، وهذا يفيد القصر أي أنهم يؤمنون به، ولا يؤمنون بالشرك، فلا يؤمنون بغير ما أرسل به. وقال المستكبرون يحسبون أنهم يغرونهم بتقليدهم وحكى الله تعالى ذلك عنهم بقوله: * * *

стр. 3830

(قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٧٦) * * * وقدْ أكدوا كفرهم، كما أكد المؤمنون إيمانهم، وفي هذا إيماء إلى أنهم يجب أن يتبعوهم؛ لأنهم أهل القوة، ولكنهم لم يفعلوا وإن آذوهم. استرسل المستكبرون في غيهم فأخبر الله عنهم فقال: * * *

стр. 3831

(فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧٧) * * *

стр. 3832

تحدى هؤلاء صالحا، وتحدوا معه ربهم، أمرهم بالحفاظ على الناقة لأنها ناقة الله، فشرفها بالنسبة إليه سبحانه، وأمرهم بأن يجعلوا لها شربا ولهم شرب معلوم، وأن يتركوها تأكل في أرض الله، فعقروها، أي ضربوا قوائمها وذبحوها وتحدوا نبي الله أن يأتيهم بالإنذار، إن كان من المرسلين، وعتوا: أي استكبروا بذلك التحدي. وعظهم صالح أقوى الوعظ، وأبلغه، فلم يتعظوا وتحدوه، فنزل بهم ما أنذرهم به في الدنيا فأخذتهم هزة أرضية، زلزال شديد، فالتصقوا بالأرض، وهذا معنى قوله تعالى في أمرهم:

стр. 3833

(فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ) أي الهزة الشديد بالزلزال، (فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ)، أي هدمت مبانيهم، والتصقوا بالأرض، ميتين إلى يوم يبعثون. وانتهت مهمة صالح بهذا التبليغ الحكيم، والنهاية المحتومة التي انتهوا إليها بتحديهم رسولهم وربهم، وقال صالح متأسيا، آسفا، ولذا قال تعالى عنه:

стр. 3834

(فَتَوَلَى عَنْهُمْ) أي أعرض ض، (وقَالَ) مخاطبا من بقي أو مخاطبا من مات، ولصق بالأرض كما خاطب محمدٌ ﷺ أهل القليب من قتلى بدر (١)، قال لهم صالح: (يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لَا تُحِبُّونَ النَّاصحِينَ) بغلبة أهوائكم، واستكباركم، وعتوكم وفسادكم. * * *

стр. 3835

لوط ﵇ وقومه قال تعالى في هذه القصة في هذا الموضع، وقد كان لوط في عصر إبراهيم، وله قرابة، وما بينه وبين إبراهيم نؤجله للبيان القرآني في موضعه. * * * (وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٨٠) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (٨١) وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٨٢) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٨٣) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٨٤) * * * كان قوم لوط، أفحش الأقوام العربية فجورا، وانحرافا وإسرافا، فكانوا مع إشراكهم قد انحرفوا عن الفطرة وشذوا عنها؛ ولذا كان أول ما واجههم به نبي الله لوط أن ذكر لهم تلك الجريمة البشعة التي شذوا بها عن الفطرة، والإنسانية، والأخلاق العربية.

стр. 3836

(وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٨٠) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ). وقوله تعالى: (وَلُوطًا) مفعول لفعل محذوف، تقديره واذكر لوطا، وهو في هذا يذكر مساوئ الشرك وأهله، فإذا أضلهم عبادة غير الله فهو انحراف في الفكر والنفس يؤدي إلى أعظم الانحراف في العمل: (إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ)، وذكر قومه يدل على أنه ليس دخيلا بينهم، بل هو من أسرتهم وجماعتهم، ولكنهم انحرفوا عن الإنسانية، قال لهم: (أَتَأتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَد مِّن

стр. 3837

الْعَالَمِينَ) الفاحشة: الأمر الزائد زيادة فاحشة بعيدة عن كل معقول، ما سبقكم بها أحد من البشر أي اخترعتموها لانحراف نفوسكم وعقولكم عن حكم الفطرة، فارتكبتم فاحشة لم يقع أحد من الناس قبلكم، وفسرها بعد ذلك الحكم القاسي الذي يليق بهم وأمثالهم من شواذ بني الإنسان

стр. 3838

(إِنَّكمْ لَتَأتُونَ الزِجَالَ شَهْوة مِّن دُونِ النِّسَاءِ) أكد لوط ﵇ فعلتهم النكراء، بـ " إنَّ " وباللام. يأتونهم أي يضعون فيهم ما يوضع في النساء، وعبر بالرجال لبيان مخالفة الفطرة بوضع ما هو للنساء في الرجال، وهذه شناعة لَا حدود لها، ويظهر أنها كانت معروفة عند اليونان والرومان ولكن ليست شائعة؛ ولذا وجد خالد بن الوليد عند فتح الشام مثل هذه فأرسل إلى خليفة رسول الله أبي بكر ﵁ يخبره بأنه رأى عجبا، رأى الرجل يفترش الرجل كما تفترش النساء، فسأل عن هذه الحال، فاستشار الصحابة في حكم هذه الحال والحد الواجب. وقوله: (شَهْوَةً) مفعول مطلق لمحذوف تقديره، تشتهونهم شهوة من دون النساء، أي يكون منكم ما يكون للنساء، وهو في الفطرة. وهذا بيان لعكسهم للفطرة، إذ يشتهون ما ليس موضع شهوة لانحراف نفوسهم وعقولهم، وإنسانيتهم، مُضْرِبا عن ذلك بالترقِّي في أوصافهم بقوله: (بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مسْرِفُونَ) وبل هنا للإضراب ببيان أوصافهم، فوصفهم بأنهم مسرفون في البهيمية، إذ أتوا ما لا ترضى به البهائم، ومسرفون في التفحش إذ خرجوا على سنة الإنسانية، ومسرفون في هذه العادة الشاذة، فهم يُعرِضُون عن النساء، ويطلبون الرجال، ومسرفون في أفعالهم، فإن من يشيع فيهم هذه الحال تكون كل أفعالهم شذوذا في شذوذ، كما ترى الآن في أمريكا، وما يشبهها ممن تقع فيهم هذه الحال، حتى إنه في إنجلترا يعترف بأن للشاب أن يتزوج الشاب، وتحترم هذه العلاقة الشاذة. ومعنى شيوع هذه العادة الشاذة في قوم لوط، أنها كانت تقع ولا تستنكر، وكان ذلك كثيرا، وكان أكثرهم لَا يتناهى عن ذلك، ولا يعده سبة وأمرا غير جائز، ويروى الحسن البصري أنهم كانوا يفعلون ذلك فيمن يجيئون إليهم من

стр. 3839

الغرباء. فهل أجاب قوم لوط بالارتداع؛ بل طلبوا إخراجه؛ لأنه يتطهر؛ ولذا قال تعالى:

стр. 3840

(وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٨٢) استمكن ذلك الفساد، حتى أصبحوا لَا يطيقون أن يكون معهم من يتطهرون عن فعله، وقد أجابوا شاعرين بأنهم ليسوا على خير، وأنهم في دنس لَا يلتئم معهم من يتطهرون عن إثمهم، و " القرية " كما علمنا هي المدينة التي يجتمع الناس فيها. أنزل الله تعالى على هولاء الذين رضوا بهذه المهانة الإنسانية، وذلك الشذوذ عذابا مهينا، بينه في آية أخرى نستعيرها من موضعها في هذا الموضع، فقد قال تعالى مبينا الحال عند نزول العذاب في الدنيا: (قَالُوا) أي الملائكة (. . . إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (٨١) فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣). قال تعالى:

стр. 3841

(فَأَنجَيْنَأ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَة كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٨٣) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا فَانظُرْ كيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٨٤)). وهكذا عاقبهم الله تعالى بجعل أرضهم عاليها سافلها، وبحجارة نزلت عليهم؛ ولذا قال مالك إمام دار الهجرة: إن عقوبة الذين عندهم هذا الشذود الرجم؛ لأن الله تعالى رجمهم، سواء أكانوا محصنين أم كانوا غير محصنين. وقال أبو حنيفة: إن هذا فساد ولم يوجد له حد منصوص عليه فتكون عقوبته التعزير، وقال الشافعي: عقوبته كعقوبة الزنى في حالتي الإحصان وعدمه، وروي عن علي وأبى بكر وتبعهما بعض المجتهدين: الإحراق بالنار؛ لأن أبا بكر عندما أرسل إليه خالد كتابه الذي أشرنا إليه استشار الصحابة، فأشار علي بحرقهم بالنار فارتضاه.

стр. 3842

وإن هذا الشذوذ نراه الآن ذائعا في إنجلترا حتى أباحته قوانينها بالنص عليه، ويشتهر بينهم، حتى صار زواجا بين رجلين، كما أشرنا. وهو في أمريكا شائع ذائع، حتى رأينا من يشغل مناصب سياسية يقبض عليه متلبسا لَا بأنه فاعل، بل على أنه مفعول به؛ ولذا شاعت عندهم السياسة المتبجحة التي لَا تخجل قط!! * * * من قصة شعيب ﵇ (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨٥) وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (٨٦) وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (٨٧) * * *

стр. 3843

بعث الله بعد لوط صالح إلى مدين، أخاهم شعيبا، ولم يذكر في القرآن الكريم معجزته التي ثبت بها أنه رسول الله، ولكن عدم ذكرها لا يدل على عدم وجودها، فإن كل نبي بعث ومعه ما مثله آمن عليه البشر، فما بعث نبي إلا ومعه حجته، وإن لم يكن من حجة فلا بد أن يطالبوه بها، وإذا كان القرآن الكريم لم يذكر معجزته فلم يذكر أنهم طالبوا بمعجزة دالة على الصدق ولكنهم جحدوا واستكبروا. وما ذكره القرآن الكريم من رسالة شعيب ﵇ يدعو على أنه دعا إلى ثلاثة أمور: أولها - عبادة الله تعالى وحده، وهي لب الرسالة، وهي أول ما نادى به:

стр. 3844

(قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُم بَينَةٌ من رَّبِّكُمْ) ناداهم: (يَا قَوْمِ) للإشارة إلى ما يربطهم به من نسب، وأنهم أولى بتصديقه، وأولى الناس بأن يَصْدُقْهم ولا يكذبهم، وقال: (قَدْ جَاءَتْكُم بيِّنَةٌ من رَّبِكمْ) أي معجزة مبينة رسالته، وهذا دليل على أنه كانت مع هذا الرسول الأمين معجزة ملزمة تحدى بها، وعجزوا عن أن يأتوا بمثلها. ثانيها - أنه جاء بإصلاح اقتصادي اجتماعي، ومظهره الوفاء بالكيل والميزان في التعامل: (فَأوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ) ومقتضى هذا الأمر بالوفاء في الكيل والميزان في كل ما يتعاملون فيه، ومقتضاه ثانيا ألا يبخسوا أي لَا ينقصوا الناس أشياءهم أي حقوقهم، فلا يأكلوا أموال الناس بالباطل، ولا يرشوا الحكام، ولا يمطلوا الدين وهم قادرون، وأن يعطوا كل ذي حق حقه كاملا غير منقوص، ولا ممطول، ولا يكون تطفيف فيه على وجه ولا تصعيبا في الأداء. ثالثها - ألا يفسدوا في الأرض بعد إصلاحها؛ ولذا قال ﵇ فيما طلبه إلى - قومه: (وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لكُمْ إِن كُنتُم

стр. 3845

مُّؤْمِنِينَ)، أي بالحق؛ ذلك أن إعطاء الناس حقوقهم كاملة غير منقوصة خير لكل جماعة؛ لأنها متوادة متراحمة، ويكون أداء الحقوق قوة لها في نفسها وأمام أعدائها، فلا قوة لأمة إلا بإقامة العدل والقسطاس، وإعطاء كل ذي حق حقه من غير وكس. ولقد كان منهم من يقطعون الطريق، ويحاربون أمن الناس، ومنهم من كان يمنع الذين يريدون أن يستمعوا إلى شعيب، وكان منهم المكاسون الذين يفرضون من أنفسهم ضرائب على الناس ليمروهم إلى مأمنهم، ففي سبيل منع الفساد، والتهيئة للقضاء على المفسدين قال لهم ﵇: * * *

стр. 3846

(وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا ... (٨٦) * * * " الصراط " الطريق المعبَّد المستقيم الذي يسير فيه السابلة وينتقلون فيه من مكان إلى مكان أو قرية إلى قرية أو مصر إلى مصر، لَا تقعدوا فيه توعدون المارة، وتقطعون الطريق، وهذا هو القعود الحسي والمنع الحسي الواضح الأذى، وهناك منع معنوي، وهو ليس لمنع المارة وقتلهم، أو سرقتهم، ولكنه للصد عن سبيل الله بمنع الناس من الإيمان بالله وحده، يصدون بهذا عن سبيل الله تعالى من آمن ويبغونها عوجا أي معوجة لا استقامة، وهم يغفلون الأمرين بكل صراط مستقيم، يقطعون السبيل على المارة، ويصدون عن سبيل الله. ويصح أن يفسر " الإيعاد " بإيذاء المؤمنين وتعذيبهم أو التهديد بتعذيبهم، كما يتبين من بعد. وصد من آمن، يراد به منع من هم بصدد الإيمان من أن يدخلوا فيه، وإيذاء من آمنوا، وإيعادهم بالعذاب الشديد. ويذكرهم بأمرين، بنعمة الله تعالى عليهم إذ كثر جمعهم بعد قلة، والثانية بعاقبة من أفسدوا من قوم نوح، وعاد وثمود، فقال لهم: (وَاذْكرُوا إِذْ كنتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ) أي جعلكم كثيرين، (وَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ) الذين أفسدوا في دينهم، فأشركوا مع الله تعالى غيره، وأفسدوا

стр. 3847

في جمعهم، فلم يوفوا الكيل والميزان، وبخسوا الناس أشياءهم وأكلوا أموالهم، وظلموهم. وقد استجاب ناس من قومه، فآمنوا، وعصى آخرون فجحدوا، فذكر القسمين، وأن الله تعالى هو الذي يحكم بينهم، فقال لهم ﵇: * * *

стр. 3848

(وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (٨٧) * * * وهذا فيه تبشير للذين آمنوا؛ لأنهم يعبدونه وحده؛ لأنه لَا يمكن أن يحكم لصحة ما يقول الذين يشركون معه حجارة، وهو إنذار للذين لم يؤمنوا؛ لأنهم يشركون ويعبدون غيره وهو وحده خير الحاكمين، وأفعل التفضيل ليس على بابه، لأنه لَا خير في حكم سواه، فهو أحكم الحاكمين. كان هذا ما بين شعيب وقومه، فماذا كان جواب قومه؟، قد أشار - سبحانه - في النص الكريم السابق إلى أن منهم من آمن، ومنهم من لم يؤمن وكان رأس من لم يؤمنوا، كبراؤهم، وقد قال تعالى في موقف هؤلاء الكبراء: * * * (قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (٨٨) قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (٨٩) وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (٩٠) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩١) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا

стр. 3849

كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ (٩٢) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ (٩٣) * * * هكذا كانت دعوة شعيب الهادية المرشدة بعد أن بين لهم الحجة الدالة على رسالته، ولقد آمن بعضهم، وأعرض غيرهم، فماذا كان جواب قومه الذين يقودون الشرك منهم؟. قال رؤساؤهم المسيطرون: (لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ)، وإليك ذكر القرآن الكريم لأقوال هؤلاء:

стр. 3850

(قَالَ الْمَلأُ) أي الكبراء وسادتهم، ووصفهم - سبحانه - بأنهم الذين استكبروا وكذبوا بآيات الله تعالى وصموا آذانهم عن الحق: (لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا) أكدوا بالقسم بأن يخرجوهم من قريتهم، أو يعودوا في ملتهم، مؤكدين الإصرار على الخروج بالقسم، أو الإصرار على العودة في ملتهم. فأجابهم شعيب نبي الله ﵇ موبخا بأن ذلك ضد الحق، والحرية فقال: (أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ)، أي تخرجوننا على الرغم منا، ولو كنا كارهين فعلتكم لأنها غير الحق، وأنها الباطل الذي لَا ريب فيه. ويؤكد لهم شعيب أن مطلبهم العود لن يكون أبدا، فهما حاولتم الإيذاء والتهديد فيقول ﵇ لهم:

стр. 3851

(قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا) " قد " هنا للتحقيق كما هي في كل استعمالات القرآن الكريم، سواء أدخلت على فعل ماض أم دخلت على فعل مستقبل (افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا) أن نعود إلى ملتكم أي كذبنا على الله تعالى كذبا مقصودا متعمدا إذا عرفنا الحق، واعتنقناه، ثم كفرناه، وأكد ﵇ هذا المعنى بقوله: (بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا) أي بعد نجاتنا، وإخراجنا من الضلال إلى نور الهداية، ثم قال ﵇ مؤكدا عدم العود: (وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا) أي ليس لنا بعد أن

стр. 3852

رأينا النور وسرنا فيه، أن نعود إلى الظلمة، (إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا) أي إلا أن يريد ربنا وخالقنا لنا الضلالة بعد الهداية، ويكون ذلك بعمل منا، ثم صرح ﵇ بالتفويض لله تعالى فقال: (وَسِع رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا) وعلما هنا تمييز محول عن مفعول، ومعناه وسع ربنا علم كل شيء، فهو يعلم ما كان وما يكون، وما هو كائن ثابت، ولذا لَا يتوكل إلا على الله (عَلَى اللَّهِ تَوَكلْنَا) وذلك رد لتهديدهم بالإخراج، فالله ربنا عليه توكلنا، ولن يغلبه تهديدكم، فإذا كنتم تستعينون بجبروتكم وكبريائكم، وغطرستكم، فنحن نعتمد على الله، ومع ذلك تذهب رحمة النبوة إلى تجنب العداوة والاتجاه إلى الله تعالى الذي يعلم الحق كله: (رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ)، أي افصل بيننا وبين قدمنا بالحق، (وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ). وقد ذكر - سبحانه - تهديد الكافرين للمؤمنين بالإيذاء فقال تعالى عنهم: * * *

стр. 3853

(وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (٩٠) * * * انتقلوا من التهديد العام لشعيب ومن معه إلى تخصيص الذين اتبعوه بتهديد خاص، وواضح أنه للمؤمنين الذين آمنوا بالله تعالى استجابة لدعوة شعيب ليستغلوا ضعفهم، وهم الكبراء، مؤكدين خسارتهم بسبب اتباعهم لشعيب، وأكدوا تهديدهم بالقسم بما يقسمون به وبقوله (إِنَّكُمْ)، واللام في قوله تعالى: (لَخَاسِرونَ) ويترتب ذلك على الاتباع، بذكر الإيذاء باعتبار الخسران نتيجة للخسران. وما كان الله ليذر المشركين يهددون المؤمنين، ويصدون عن سبيل الله، وهي سبيل الحق، ولذا أنزل تعالى بهم ما أوعدهم، وما تحدوا به شعيبا، أن يأتي به إن كان من المرسلين؛ ولذا قال تعالى: (فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩١)

стр. 3854

الفاء هنا فاء السببية، أي أن ما قبلها سبب لما بعدها، أي أنه بسبب تكذيبهم وكفرهم وصدهم عن سبيل الله تعالى أخذتهم الرجفة، وهي زلزال شديد، هز ديارهم هزا عنيفا فتهدمت على أهلها، وصاروا مقيمين أمواتا تحت ركامها، وذهب تعالى بهم كافرين، وكأنهم لم يكونوا فيها، ولم يقيموا بأرضها؛ ولذا قال تعالى:

стр. 3855

(الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ (٩٢) لم يغنوا أي كأن لم يكونوا مقيمين فيها، فقد قطع دابر القوم الظالمين، وذلك بسبب تكذيبهم لشعيب وصدهم عن سبيل الله، وإن الله تعالى غالب على كل شيء. لقد تهدد الكافرون المتغطرسون المؤمنين بأن يكونوا خاسرين إن استمروا على اتباعهم لشعيب، فذكر - سبحانه - أن أولئك المكذبين هم الخاسرون حقا وصدقا، فقد خسروا أنفسهم فكفروا وضلوا، وخسروا ديارهم فهدمت، وخسروا يوم القيامة، فكانوا حطب جهنم، وهم فيها خالدون. وماذا كان من أمر نبي الله تعالى الذي كذبوه وهو شعيب فقال سبحانه:
следующие страницы →