(قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا) " قد " هنا للتحقيق كما هي في كل استعمالات القرآن الكريم، سواء أدخلت على فعل ماض أم دخلت على فعل مستقبل (افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا) أن نعود إلى ملتكم أي كذبنا على الله تعالى كذبا مقصودا متعمدا إذا عرفنا الحق، واعتنقناه، ثم كفرناه، وأكد ﵇ هذا المعنى بقوله: (بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا) أي بعد نجاتنا، وإخراجنا من الضلال إلى نور الهداية، ثم قال ﵇ مؤكدا عدم العود: (وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا) أي ليس لنا بعد أن
стр. 3852
رأينا النور وسرنا فيه، أن نعود إلى الظلمة، (إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا) أي إلا أن يريد ربنا وخالقنا لنا الضلالة بعد الهداية، ويكون ذلك بعمل منا، ثم صرح ﵇ بالتفويض لله تعالى فقال: (وَسِع رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا) وعلما هنا تمييز محول عن مفعول، ومعناه وسع ربنا علم كل شيء، فهو يعلم ما كان وما يكون، وما هو كائن ثابت، ولذا لَا يتوكل إلا على الله (عَلَى اللَّهِ تَوَكلْنَا) وذلك رد لتهديدهم بالإخراج، فالله ربنا عليه توكلنا، ولن يغلبه تهديدكم، فإذا كنتم تستعينون بجبروتكم وكبريائكم، وغطرستكم، فنحن نعتمد على الله، ومع ذلك تذهب رحمة النبوة إلى تجنب العداوة والاتجاه إلى الله تعالى الذي يعلم الحق كله: (رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ)، أي افصل بيننا وبين قدمنا بالحق، (وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ).
وقد ذكر - سبحانه - تهديد الكافرين للمؤمنين بالإيذاء فقال تعالى عنهم:
* * *
стр. 3853
(وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (٩٠)
* * *
انتقلوا من التهديد العام لشعيب ومن معه إلى تخصيص الذين اتبعوه بتهديد خاص، وواضح أنه للمؤمنين الذين آمنوا بالله تعالى استجابة لدعوة شعيب ليستغلوا ضعفهم، وهم الكبراء، مؤكدين خسارتهم بسبب اتباعهم لشعيب، وأكدوا تهديدهم بالقسم بما يقسمون به وبقوله (إِنَّكُمْ)، واللام في قوله تعالى: (لَخَاسِرونَ) ويترتب ذلك على الاتباع، بذكر الإيذاء باعتبار الخسران نتيجة للخسران.
وما كان الله ليذر المشركين يهددون المؤمنين، ويصدون عن سبيل الله، وهي سبيل الحق، ولذا أنزل تعالى بهم ما أوعدهم، وما تحدوا به شعيبا، أن يأتي به إن كان من المرسلين؛ ولذا قال تعالى: (فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩١)
стр. 3854
الفاء هنا فاء السببية، أي أن ما قبلها سبب لما بعدها، أي أنه بسبب تكذيبهم وكفرهم وصدهم عن سبيل الله تعالى أخذتهم الرجفة، وهي زلزال شديد، هز ديارهم هزا عنيفا فتهدمت على أهلها، وصاروا مقيمين أمواتا تحت ركامها، وذهب تعالى بهم كافرين، وكأنهم لم يكونوا فيها، ولم يقيموا بأرضها؛ ولذا قال تعالى:
стр. 3855
(الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ (٩٢) لم يغنوا أي كأن لم يكونوا مقيمين فيها، فقد قطع دابر القوم الظالمين، وذلك بسبب تكذيبهم لشعيب وصدهم عن سبيل الله، وإن الله تعالى غالب على كل شيء.
لقد تهدد الكافرون المتغطرسون المؤمنين بأن يكونوا خاسرين إن استمروا على اتباعهم لشعيب، فذكر - سبحانه - أن أولئك المكذبين هم الخاسرون حقا وصدقا، فقد خسروا أنفسهم فكفروا وضلوا، وخسروا ديارهم فهدمت، وخسروا يوم القيامة، فكانوا حطب جهنم، وهم فيها خالدون.
وماذا كان من أمر نبي الله تعالى الذي كذبوه وهو شعيب فقال سبحانه:
стр. 3856
(فَتَوَلَّى عَنْهُمْ) أي أعرض عنهم عندما علم أنهم قد أصروا على الكفر إصرارا، وآذوا المؤمنين، أعرض عنهم ونزل بهم ما نزل، وعند إعراضه، قال لهم ﵇ عند نزول البلاء عليهم، وقد توقعه فوقع (وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْم كَافِرِينَ) كيف أحزن على قوم كفروا، وأصروا على كفرهم حتى ماتوا وهم كافرين.
وفى هذا الكلام من نبي الله شعيب إشارة إلى محبته لهم ابتداء، وطلب الهداية لهم، ولكنهم كفروا، فلم يحزن عليهم، وكان غريبا أن يحزن عليهم مع موتهم كافرين.
* * *
وكيف يختبرهم بالشر والخير فتنة، وذكر هذه السنة سبحانه، ليعتبروا بالقصص، ويروا ما يصلح حالهم، وما يحملهم على السير في طريق الخير، وليعلموا أن الله تعالى يختبر بالنعمة، ويعاقب من لَا يشكر، وليروا بأعينهم سنة الله تعالى في الظالمين، وما ينزله من عقاب دنيوي يحل بديارهم فوق العقاب الأخروي الذي يستقبلهم، فقال:
стр. 3859
(وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ).
هذا بيان الله تعالى للأمة من الأمم إذا بعث فيها نبيها الذي يدعوها إلى الإيمان بالله تعالى وحده، ويدعوها إلى الخير الذي يصلحون به في الدنيا والآخرة، ويقدمون على الله يوم القيامة بالعمل الصالح، فيجزيهم جزاءه وفقا لما قدموا، فيقول تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ) أي في مجتمع أمة من الأمم (مِّن نَبِيٍّ) من هنا بيانية، والمعنى وما أرسلنا في مجتمع كبير، فالقرية المجتمع الكبير الذي يقرى إليه الناس (إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَاسَاءِ وَالضَّرَّاءِ) أي أن الله تعالى لا يرسل نبيا مؤيدا بالمعجزات، إلا يوطن النفوس به ﵇ ببيان قدرة الله تعالى، فيأخذها (بِالْبَأسَاءِ) وهي شدائد الفقر والحرمان والتعرض للطغيان من الحكام، (وَالضرَّاءِ)، وهي ما يصيب الأبدان من مرض شديد مختلف الأنواع، لا قبل لهم به، وإذا مسهم الضر دعوا الله تعالى، وضرعوا إليه، كما نزل بأهل مكة عند مقدم النبي ﷺ إلى هذا الكون الإنساني.
وأخْذ الله تعالى للقرى التي بعث فيها النبي بذلك؛ لأن الشدة تُولِّد في قلب من عنده استعداد للإيمان الاتجاه إلى طلب النجاة، فتخضع النفس للحق إذا دعيت إليه، فإنه حيث الضعف أو الشعور به تنبع منابع الإيمان، وتتجه النفوس إلى الديان، وإن الله تعالى يختبرهم بذلك رجاء أن يضرعوا ويخضعوا، ويذلوا له وحده، فإنه وحده الخالق لكل شيء الذي يلجأ إليه عند هذه الشدائد.
стр. 3860
ولذا قال تعالى: (لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ) أي ليرجو الضراعة والخشوع لله تعالى، وحيث كانت الضراعة، كان انفتاح القلب للإيمان، لأن الضراعة أعظم العبادة، كما قال تعالى: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تضَرعا وَخُفْيَةً. . .). يختبرهم سبحانه من بعد الشدة بالنعمة، ولذا قال سبحانه:
* * *
стр. 3861
(ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ ... (٩٥)
* * *
(ثُمَّ) هنا لبيان التراخي والافتراق بين ما كانوا عليه من بأساء أصابت أحوالهم، وضراء أصابت أجسامهم وما اختبرهم من نعماء عمتهم، فالفارق المعنوي والحسي بينهما عظيم.
وقوله تعالى: (ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ) أي جعلنا بدل السيئة في مكانها الحسنة، والسيئة هي ما يسوء وهي هنا البأساء والضراء، لأنهما تسوءان، والحسنة هي هنا الخير الذي يفيض به عليهم بعد الشدة، وصور الله زيادة الخير بقوله تعالى: (حَتَّى عَفَوْا)، أي كثروا، ونموا وزادوا، فالعفو يطلق بمعنى الكثرة وبمعنى اليسير، وبمعنى درس، وقدم.
وهي هنا بمعنى كثروا ونموا، وزاد الخير فيهم، فعندئذ لَا يذكر الجاحدون أنه فضل الله تعالى ونعمته، وأنه إذا كانت الشدة توجب الضراعة، فالنعمة توجب الشكر، ولكنهم بدل أن يشكروا، يقولون ذلك لنا وهو ما كان لأسلافنا وآبائنا مستهم الضراء والسراء، وهكذا دواليك، نسوا الله، وحسبوها أمرا ينزل بهم خيرا بعد ضر، وإذا كانوا ضرعوا في الشدة، فقد كفروا بالنعمة وهم يمرحون، وكذلك شأن الجاحد دائما كما قال تعالى: (وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ. . .)، كما قال تعالى في شأن النفس الإنسانية: (وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠) إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١١).
стр. 3862
وهكذا شأن الكافر، تبئسه الشديدة، وتطغيه النعمة، فهو غير ثابت النفس، منكر لحكم الله تعالى، وأما المؤمن فقلبه مطمئن بالإيمان ثابت قار؛ ولذا قال ﷺ : " عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له " (١) - فالنعم والنقم للمؤمن سواء في خيريتها؛ النقم تصقله وتهذبه والنعم يحس فيها بوجوب شكر المنعم، ولقد قال ﷺ : " إن المؤمن إذا أصابه السقم ثم أعفاه الله منه كان كفارة لما مضى من ذنوبه وموعظة له فيما يستقبل، وإن المنافق إذا مرض ثم أعفى كان كالبعير عقله أهله ثم أرسلوه فلم يدر لم عقلوه، ولم يدر لم أرسلوه " (٢).
إن الجاحدين أذلتهم المحنة، وأطغتهم النعمة وكفروا بالنبي الذي بعث لهم، ولم تُجْدِ فيهم الشديدة ذاقوها، ولا النعمة فاضت عليهم، بل زادتهم النعمة جحودا، وقالوا هكذا كان آباؤنا مستهم الضراء والسراء، فسنة الأولين تجري علينا، ونسوا الله تعالى فأنساهم أنفسهم، وبينا هم يرتعون فيما أنعم الله عليهم لاهين عنه - أنزل بهم عذابه فقال: (فَأَخذْنَاهُم بَغْتَةً وهُمْ لَا يَشْعُرُونَ).
" الفاء " هنا لترتيب ما بعدها على ما قبلها، أي أنه بسبب أنه لم تُجْدِ فيهم الشدة، وأغرتهم النعمة، عاقبناهم، فأخذناهم إلى الهلاك، بالرجفة أو بريح فيها عذاب شديد، أو جعلنا قريتهم عاليها سافلها، وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل، وكان ذلك بغتة، لم يتوقعوا وقوعه، بل جاءهم فجأة وهم لَا يشعرون، أي لا يحسون بأنه سينزل بهم، وإن الفجاءة تكون شديدة على من لَا يؤمن بالله تعالى " لأنها تأخذه وهو في مرحه وعبثه، وذلك بخلاف المؤمن؛ ولذا قال ﷺ : " موت الفجأة راحة للمؤمن، وأخذه أسف للكافر " (٣).
* * *
إن الكون يسير على سنة الله وعلى نواميس محكمة يدبرها منشئ الكون وخالقه، والقيوم عليه بحكمته وإرادته المختارة، فهو الفعَّال لما يريد.
وإن من سنته أن يوزع الأرزاق علمي من يستحقها في علمه المكنون، وهو العزيز العليم، وفي هذا النص الكريم يتبين أنه - سبحانه - يعطي القرى حسب إيمانها وتقواها، ويشير إلى أنه إن أمهل الظالمين قاطع عليهم خيرهم جزاء ما اكتسبوا.
يقول سبحانه: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا).
(وَلَوْ) يُسمُونها امتناع لامتناع، وهي داخلة على فعل مقدر تقديره: لو ثبت أن أهل القرى - أي المجتمعات الكبيرة - التي يقرى إليها الناس آمنوا بالله حق إيمانه، واتقوه حق تقاته لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض، وقوله تعالى:
(لَفَتَحْنَا) جواب، و " اللام " دالة على الجواب، والمراد - والله أعلم - أنزلنا عليهم من السماء، وأنبتنا لهم النبات في الأرض، على أن يكون ذلك بركة، أي خيرا كثيرا ناميا، فالظاهر إنزال المطر، وإنبات ثمرات كل شيء من عند الله تعالى.
والتعبير بـ " فتحنا "، تعبير مجازي، شبه فيه نزول المطر وانهماره بفتح السماء والأرض فشبه نزول المطر مدرارا من السماء عليهم بفتح باب يدخل فيه الناس أفواجا أفواجا، وذكر قوله تعالى: (عَلَيْهِم) قرينة على أنه المطر، وإن ارتباط الأرزاق بالتقوى والإيمان ذكره الرسل في دعواتهم إلى أقوامهم، فقد قال نوح لقومه: (. . . اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا)، وقال هود لقومه: (. . . ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرارًا. . .)، ورسل الله تعالى لَا يخدعون أقوامهم، بل إنهم الصادقون المبعوثون رحمة للعالمين. ولقد قال في يونس وقومه: (وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَة أَلْفٍ أَوْ يَزِيدونَ فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ)، وقال تعالى: (فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (٩٨).
стр. 3865
وهكذا نجد النصوص الكريمة تفيد أن مقت الله تعالى من الضراء، والشدائد تنزل بالعاصين كما قال سبحانه، وكما جرى على ألسنة أنبيائه عليهم الصلاة والسلام.
ولقد رأينا ذلك رأي العين، فقد وجدنا رجالا كفروا بأنعم الله وساقوا أممهم إلى الفجور، والعصيان، فنزل عليهم غضب الله تعالى في خذلان مستمر، ونكسة وراء نكسة.
وإنا لَا نقول مقالة بعض الفلاسفة الذين يربطون الأخلاق الإنسانية بنظام الكون، فيقولون: إذا فسدت الأخلاق، اضطرب الكون، وانعكس الفساد في سير الأفلاك، وفي السماء وفي الأرض، وهي الفلسفة الكونفوشيوسية.
لا نقول ذلك، ولكنا نرى أن الله تعالى ربط الكفر والعصيان بهلاك الأمم، وربط فتح الأرزاق بالتقوى والإيمان، لنؤمن به، ولكن لَا نغالي مغالاة الفلاسفة. ويجب أن ننبه إلى أن المؤمنين قد يختبرون بالشدائد والمكاره ليتبين صبرهم، ويحق جزاؤهم، ولذا قال تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ).
فإن ذلك الاختبار للقوى المؤمنة في تقواها، لَا يمنع أن الله تعالى ينزل عليهم خيرهم، والعاقبة للمتقين.
بين الله تعالى أن أهل القرى لو آمنوا لفتح الله عليهم بركات من السماء والأرض، ولكنهم لم يفعلوا، ولذا قال: (وَلَكِن كذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكسِبُونَ) الاستدراك هنا من الوعد بفتح السماء والأرض بالبركات، فهم كذبوا ولم يؤمنوا، ولم يتقوا، فحق عليهم العذاب الشديد في الدنيا والآخرة، ولذا قال تعالت كلماته: (فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) " الفاء " هنا لترتب ما بعدها على
стр. 3866
ما قبلها، أي بسبب هذا التكذيب أخذناهم بالرجفة أحيانا، وبإمطار الحجارة أحيانا، وبعذاب من رجز أليم.
وذلك بسبب ما كانوا يكسبون من كفر وجرائم إنسانية، واغترار بالحياة الدنيا.
ومع توالي العبر، ووقوع عذاب الله بالكافرين يفترون بالدنيا، ولا يحسبون حسابا لعذاب الله النازل بهم في الدنيا؛ ولذا قال تعالى:
* * *
стр. 3867
(أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧)
* * *
" الفاء " عاطفة ترتب ما بعدها على ما قبلها، وهي داخلة على ألف الاستفهام، ولكن قدمت ألف الاستفهام، لأن الاستفهام له الصدارة، والاستفهام إنكاري لإنكار الوقوع، أي ما آمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون.
إن الذين تأخذهم الدنيا بغرورها ينسون بأس الله تعالى، ولو كانوا يذكرونه ما غفلوا، وما نسوا أنه قادر على كل شيء، وفي أي وقت، فليس لهم أن يأمنوا أنهم مستمرون في غيهم من غير أن يبغتهم الله ببأس شديد.
فهذا الاستفهام تنديد لهم بفعلتهم، فهم لَا يأمنون هذا، ولكن حالهم توهم أنهم آمنوا، فالله تعالى ينبههم إلى أنه أمان الغافل الذي لايعرف أنه يعاند الله.
و (بَأْسُنَا) أي الشدة التي تنزل بهم عقابا على جحودهم، وعبرة لغيرهم تجيئهم ليلا، وتجيئهم ضحى، والله محيط بهم، وقوله ثعالى: (بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ) يشير إلى أن بأس الله تعالى يأتيهم وهم في غفلتين، غفلة الليل والبيات فيه حيث الأمن والدعة والقرار، والغفلة الثانية - غفلة النوم حيث يكون النعاس قد غشيهم، وهم لَا يفكرون فيما ارتكبوه من عناد وجحود لله تعالى الذي لَا يغفل عنهم أبدا.
стр. 3868
فهل أمِنوا هذا، وهم لَا يملكون شيئا بجوار قدرة الله تعالى: وإذا كانوا لا يامنون بأس الله (بَيَاتًا)، فإنهم لَا يأمنونه ضحى؛ ولذا قال تعالى:
стр. 3869
(أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨)
" الواو " واو العطف دخلت على همزة الاستفهام، ولكن قدمت الهمزة في السياق؛ لأن الاستفهام له الصدارة، والاستفهام هنا إنكاري، بمعنى نفي الوقوع مع التوبيخ، أي لَا يؤمنون أن بأس الله وشدته التي تكون نكالا وعبرة، أن يأتيهم ضحى، في النهار وضحاه، والشمس ساطعة تبين كل شيء وتكشفه، (وَهُم يَلْعَبُونَ) سمى الله تعالى عملهم لعبا، واللعب هو العمل العابث الذي لَا يقصد ضرا ولا نفعا، سمى عملهم لعبا لأنهم ما داموا لَا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر يكون عملهم كاللعب؛ لأن القصد الطيب هو أن يكون طاعة لله تعالى، وقد عصوه، فإن العمل الذي يخرج عن اللعب هو عمل الخير، ولا خير في معصية، ولا خير يكون من جاحد، يشرك مع الله أحدا.
وإن الآيتين الكريمتين تفيدان أولا أنهم في غفلة لاهون لا يشعرون بعاقبة أعمالهم، وآثامها، وإنهم عمون غير مدركين. وتفيدان ثانيا أن بأس الله تعالى يأتيهم من حيث لَا يحتسبون ليلا وهم نائمون، أو نهارا وهم يلعبون، وإن ذلك بتدبير الله تعالى، ولذا قال بعد ذلك:
стр. 3870
(أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (٩٩)
" الفاء " هنا عاطفة يترتب ما بعدها على ما قبلها، لأنهم إذا كانوا لم تجدهم النقمة ولا النعمة، وبأس الله يأتيهم في مأمنهم ليلا وهم نائمون، وضحى وهم يعملون عملا لَا جدوى فيه فهو لعب أو كاللعب، فهم لَا يأمنون.
ومكر الله تعالى تدبيره المحكم الذي يُنزل به العذاب السريع على من يستحقه، والأمن والطمأنينة لمن يستحقه، وهو الحكيم، وقد فسر بعض المفسرين بأنه العذاب، أو البأس الشديد، وهو تفسير بالنتيجة، إنما هو من الله التدبير
стр. 3871
المحكم. والمكر قسمان: مكر سيئ وهو الذي يكون من الأشرار، ونتيجته شر، ومكر طيب وهو رد مكر الأشرار، ونتيجته طيبة، ولقد قال في شأن قريش في تدبيرهم للنبي ﷺ أن يثبتوه أو يقتلوه أو يخرجوه: (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ)، أي أنهم كانوا يدبرون لإيذاء النبي ﷺ ، ويمكرون المكر السيئ الذي لَا يحيق إلا بأهله، والله تعالى يدبر لنبيه نجاته منهم، وهجرته من أرضهم من غير إخراج، حتى يكون الفصل بينه وبينهم.
والاستفهام إنكاري بمعنى النفي والتوبيخ، فهم لَا يأمنون مكر الله، ويوبخهم الله لأنهم غفلوا عن الحق، ونسوا تدبير الله تعالى المهلك لهم جزاء بما كسبوا، وبما كذبوا بآيات الله، لأنهم يامنون مع ذلك العذاب الشديد ينزل بهم، وهذه غفلة شديدة، وعدمِ اعتبار بما كان لمن قبلهم؛ ولذا ختم الله الآية بقوله: (فَلا يَأمنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ).
إن المؤمن يتفطن دائما لمقام قدرته تعالى بجوار قدرته، وإذا عصى يتوقع عذاب الله تعالى من عصيانه، ويتخوف ولا يأمن أن تنزل به العقوبة، وإن المؤمن لفرط حسه بمعصيته، وإيمانه بالله يخاف دائما عذابه، ولا يرجو إهماله وقد عصاه؛ ولذا كان من المبادئ الصوفية (تغليب) الخوف على الرجاء، لأن الخوف من غيبر إسراف على النفس من ورائه التقوى، والرجاء من غير أسبابه يفضي إلى الغرور، ووراء الغرور الاستهانة بأمر الله تعالى ونهيه.
والكافر يعصي، ويرى عصيانه حسنا، وينسى قوة الله، وأنه يعاند ويحارب أمره ونهيه، ناسيا أنه يعاند القوي القادر القهار الذي هو غالب على كل شيء، وأنه لَا إرادة لمخلوق بجوار إرادته وعلى ذلك يأمن عذاب الله وتدبيره، وإن ذلك هو الخسران المبين، ولذا حكم الله تعالى بأنه: (فَلا يَأمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ).
وحكم الله تعالى بخسارتهم، مؤكدا الخسارة بالقصر، وأن الخسارة مقصورة عليهم، وخسارتهم في أنهم خسروا أنفسهم فليسوا في حال عقلية مدركة،
стр. 3872
وخسروا أنفسهم بالاستمرار على غيهم، وخسروا بالعذاب الأليم الذي ينزل والله سبحانه هو الذي يقي المؤمنين شر الغفلة والنسيان وأمن عذاب الله، وجعلهم في فطنة دائمة واعتبار بأمر الله ونهيه، وهو الهادي إلى سواء السبيل.
وقد حذر الله تعالى الذين يرثون الأرض بأسه الذي ينزل بهم، ولذا قال:
стр. 3873
(أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (١٠٠) الواو عاطفة، وقدمت عليها همزة الاستفهام؛ لأن الاستفهام له الصدارة في الذكر، وإن هذه عبرة القصص من ذكر أولئك الذين ذكر الله - تعالى بيانه - ذكرهم، وورث هؤلاء أرضهم.
والاستفهام إنكاري، للنفي، وهو حض للذين يرثون الأرض بعد أولئك الذي أنزل الله تعالى بأسه بهم، ومن الذين ورثوا الأرض أهل مكة، فهو تحريض لهم على النظر في العبر من هذا القصص الذي ذكر فيه مال الكافرين من قوم نوح، وعاد، وثمود، وقوم لوط، وقوم شعيب، وآثارهم بجوار الأرض التي يقيمون فيها، فعليهم أن ينظروا ويعتبروا إن كانت لهم أبصار يعتبرون بها وعقول يهتدون بها.
وقوله تعالى: (أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا)، معناه يتبين لهم، وقرئ بقراءة مشهورة متواترة: " أولم نهد "، بالنون بإسناد الهداية إلى الله، ومعنى القول الكريم على هذ!: أولم نبين لهم هادين مرشدين معتبرين بالقصص، أن لو نشأ أخذناهم بذنوبهم، وأنزلنا عليهم البأس الذي نزل بغيرهم.
و" هدى " يتعدى بنفسه، في المفعول الأول، وباللام أو " إلى " في المفعول الثاني، فيقال: هديناه إلى الخير، أو: إلى الطريق، أو للطريق.
وهنا في قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَهْدِ) فيه نهدي، أو يهدي متضمنا معنى يبين، وذكر لفظ الهداية للدلالة على أنه بيان للهداية الحقة.
стр. 3874
وقوله تعالى: (أَن لَّوْ نَشَاءُ أَصباهُم بِذُنُوبِهِمْ) و " أن " هنا مخففة من الثقيلة أي أنه الحال والشأن لو نشاء أصبناهم أي أنزلنا عليهم بأسنا، كما أنزلناه على من سبقوهم بسبب ذنوبهم التي ارتكبوها من شرك ومحاربة لله تعالى، وكفر بالمبادئ التي جاء بها النبيون معاندين جاحدين، وأسباب الصدق ثابتة، وطرائق الهداية قائمة.
وقوله تعالى: (وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ)، أي الحال أننا في على قلوبهم بخاتم الضلالة فلا يسمعون. وإن مغزى الكلام السامي في هذا أن المشركين الذين كانوا يستعجلون العذاب، كما قال تعالى: (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ. . .)، إنهم كانوا يستعجلون العذاب، وساق لهم الله من قصص الكافرين وما نزل بهم، ألم يبين لهم؟! وقد استدرك - سبحانه - فقال: (وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعونَ)، أي أن الله طبع على قلوبهم، فهم لَا يسمعون القصص الحق، ولا يحاولون أن يدركوا مغزاه، وختم الله على قلوبهم، وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة، وفي هذا المعنى قال الله تعالى: (أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لأوْلِي النُّهَى)، وقال تعالى: (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (٦).
* * *
قال تعالى: (تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ (١٠١) وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ (١٠٢)
* * *
الخطاب في قوله تعالى:
стр. 3875
(تِلْكَ الْقُرَى) للنبي ﷺ ، لأنه ﷺ قد جاء بالحق الذي يتفق مع الفطرة، فكان يجد الكفر والإنكار والعصيان ومعاداة الله ورسوله،
стр. 3876
فتذهب نفسه عليهم حسرات، حتى قال الله تعالى: (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ)، فالله تعالى يبين له العبرة في قصص النبيين، وأن أقوامهم كفروا بهم وعاندوهم، حتى جاء أولئك بأسُ الله، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات، إنما أنت منذر، ولكل قوم هاد.
والقرى: المجتمعات الكبيرة التي قص الله تعالى قصصها من أخبار قوم نوح، وعاد وثمود، وآل مدين، وقوم لوط.
وقوله تعالى: (نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَائِهَا) نتبع أخبارها بالقصيص، والأنباء: هي الأخبار ذات الشأن الخطر التي تفيد العظة والاعتبار، والاطمئنان للنبي ﷺ . هذه أخبارهم أو أنباؤهم ذات الشأن (وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبينَاتِ)، أي بالأدلة المعجزة الموجبة للإيمان، وأكد - سبحانه - أن الرسل جاءتهم بالبينات بقوله (وَلَقَدْ)؛ لأن اللام للتأكيد، وقد للتأكيد، والتأكيد ليس لمجيء الرسل، إنما هو لمجيئهم بالبينات التي فيها الحجج القاطعة التي لَا يرتاب فيها طالب للحق، وإنما يرتاب المرتابون الذين لَا يؤمنون بحق، ولا يطلبون الهداية، ولا يخضعون للحق إن بدت أماراته، وظهرت بيناته.
وقد وصف الله تعالى حال الذين يصلون، ويختم على قلوبهم بالباطل، فذكر أنهم مبادرون بالإنكار والتكذيب من غير أن يفحصوا ما جاء به الرسول من أدلة فإذا سبق الإنكار والتكذيب تشبثوا بهما وقد حجبوا عن أنفسهم النور وكلما أمعنوا في التعلق بما سبق إلى نفوسهم ازدادوا جحودا ولا تزيدهم الآيات إلا كفرا، وإعناتا.
ولذا قال تعالى: (فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِن قَبْلُ) " الفاء " للإفصاح إذ تفصح عن شرط مقدر، وقوله تعالى: (فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا)، أي مما كان من شأنهم أن يؤمنوا وقد سارعوا إلى التكذيب بمعنى قبل أن يفحصوا بميزان الفعل،
стр. 3877
ويثبتوا، ولقد قال في ذلك ابن كثير في تفسيره والباء في قوله تعالى: (بِمَا كَذَّبُوا) للسببية أي ما كانوا ليؤمنوا بما جاءتهم به الرسل بسبب تكذيبهم بالحق أول ما ورد لهم، حكاه ابن عطية ﵀، وهو متجه حسن.
وذلك لأن أول خاطر يتعلق بالنفس، ويلتصق بالفكر، فيكون التخلي عنه محتاجا إلى جهد لَا يستطيعه إلا الصابرون، وإن أولئك الذين يكذبون لأول وهلة من غير نظر يصلون إلى الحق بمجهودين أولهما الانخلاع مما سبق إليهم، والثاني التماس البينات بلب سليم، وفكر مستقيم قد خلا مما يعوقه.
ولقد بين تعالى أن هذا طريق إغلاق القلوب عن نور الحق (كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ).
أي كهذه الحال التي رأيتموها من المسارعة بالتكذيب لأول وهلة والاستمساك بأهدابه، ليطبع الله على قلوب الكافرين، فلا يدخلها نور الحق، فهم سلكوا الباطل مسارعين إليه، قبل أن يتبعوا، فلما جاءهم الحق بالبينات فكان القلب قد أغلق على الباطل، فضلوا وما أضلهم الله، إذ هم الذين سدوا الطريق وإن أولئك الذين طبع الله تعالى على قلوبهم قد أفسدوا فطرتهم بإصرارهم على التكذيب، وخالفوا العهد الذي أخذ الله على بني آدم من ظهورهم ذريتهم؛ ولذا قال تعالى:
стр. 3878
(وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ (١٠٢)
الفطرة الإنسانية توجب الإيمان، لو استقامت على طريقتها من غير وسوسة الشياطين؛ ولذا قال ﷺ كما في صحيح البخاري ومسلم: " كل مولود يولد على الفطرة، فأبوه يهودانه، وينصرانه ويمجسانه " (١).
وروى مسلم بسنده أن رسول الله ﷺ قال: يقول الله تعالى: " إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فأضلتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم " (٢).
стр. 3879
وإن الله تعالى عهد إلى بني آدم من ظهورهم ذريتهم أن يؤمنوا بالله، فقال تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢).
هذا عهد الله على بني آدم، وهم في ضلال آياتهم، قبل أن يصلوا إلى أرحام أمهاتهم، وهذا يدل على أن الإيمان الذعن هو استجابة للفطر، ومن يكفر بالحق إذ جاءه إنما يحيد بالإنسان عن طريق الفطرة المستقيمة.
وقوله تعالى: (وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ) الذين فسقوا عن أوامر الله تعالى ونواهيه التي جاء بها النبيون وكذبوا ليس لهم من عهد، يوفون به، حتى عهد الفطرة التي فطرهم الله تعالى، فهم خالفوا العهد الأول، وخالفوا كل عهد عاهدوه، حتى انحلت نفوسهم انحلالا، و " مِنْ " هنا لاستغراق النفي، أي ما وجدنا لأكثرهم أي عهد يحترمونه، وينفذونه، وأولها وأقواها عهد الفطرة الذي أخذه الله تعالى في الأصلاب.
وإذا كانوا لَا عهد لهم، وخالفوا فطرة الله التي فطرهم، فهو فاسقون خارجون عن قضايا العقل البديهية؛ ولذا قال تعالى: (وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ) إن هنا هي المخففة من الثقيلة وضمير الشأن اسمها، وقوله تعالى: (وَجَدْنَا أَكثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ)، والمعنى إنه أي الحال والشأن وجدنا.
واللام في قوله (لَفَاسِقِينَ) لام التوكيد، واقعة في خبر إن.
ونجد هنا حكم الله تعالى العادل، يحكم بالكثرة الغالبة، لَا بالكلية الشاملة، فمنهم صالحون ومنهم فاسقون وإن الأمم لَا توصف كلها بالفسوق؛ لأنها تفسق كلها، إنما توصف بالفسق، لأن كثرتها الغالبة المسيطرة، الفاسقة فهي الظاهرة البارزة، وهي المسيطرة على الجماعة، وهي التي توجد رأيا عاما فاسدا، يسوده الشر، ويختفي فيه الخير والله رءوف بالعباد.
* * *
ذكر الله تعالى أخبار الأنبياء الذين أشرك أقوامهم، ودعوة الأنبياء لهم فذكر نوحا وقومه، وما نزل بهم، وذكر عادا، ونبيهم هود، وثمود ونبيهم صالحا، وذكر لوطا وقومه وما كانوا عليه من مفاسد لم يسبقهم بها أحد من العالمين.
وقد بين سنته في هداية الأقوام، وكيف يضلون.
ومن بعد ذلك ذكر موسى ﵇ وأنه لقي أكبر طاغية في عصره، وإن وجد من حاول محاكاته من بعده ومع موسى وفرعون ذكر لأحوال بني إسرائيل، بعد أن أنقذهم موسى ﵇ من فرعون الذي كان يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم.
وإن هؤلاء في الزمن بعد من سبق ذكرهم في القرآن من نوح إلى شعيب، وأكثر أولئك كانوا في البلاد العربية. وموسى ﵇ نشأ في مصر، وبعث في أرض مصر، وتقدم هو وأخوه هارون لدعوة فرعون.
قال تعالى:
стр. 3882
(ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِم مُّوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ).
والتعبير بـ (ثُمَّ) يدل على بعد الزمان والمكان ما بين هؤلاء الذين جاء ذكرهم من الأنبياء، وموسى ﵇ فأولئك كانوا قبله بقرون وكانوا في أرض العرب، وموسى في أرض مصر، وأولئك خاطبوا أقوامهم في صحراء أقرب إلى البادية ولم تعرف لهم حضارة، وموسى ﵇ كان في أرض فرعون، وفيها ملك ثابت، وإن لم يقم على الإيمان، وكانت مصر ذات علوم وفنون.
ويقول الله تعالى في بعث موسى: (إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ) فلم يكن إلى فرعون وحده، بل كان إليه وإلى الكبراء من قومه فذكرهم مع أنه إذا ذكر جاءوا في ذكره ضمنا، ونقول: إن كل ذي طاغوت لَا يكون طاغوته من شخصه وحده،
стр. 3883
بل منه ومن حاشيته فهم مطبوعون بطابعه، يزينون له ما يفعل، ويحسنونه ويؤيدونه، ويشجعونه، ولولا أنهم حوله ما طغى وبغى، أو ما كان طغيانه بالمقدار الذي وصل أو يصل إليه كل طاغية، ولقد رأينا بعض الطواغيت في هذا الزمان يتخذ حاشية تعينه على الظلم، بل تطغى عليه وهو لَا يشعر، رأينا ذلك رأي العيان؛ ولذا خص الله تعالى ملأ فرعون بالذكر، وسنجد من سياق القصص الحكيم في أمر فرعون أنه ملأه كان يعاونه بالقول والفعل، ويسكت عن جرائمه من اعتراض دائما.
وقد نسب الله تعالى الظلم إليهم مع فرعون ولم يفرده بالظلم، فقال: (فَظَلَمُوا بِهَا) فلم يكن الظلم من فرعون وحده بل كان منه ومن هذا الملأ والشعب مأكول فيهما ومأسور بظلمهما.
والظلم يشمل ظلم الرعية، ويشمل الظلم في العقيدة بالشرك، وإن الشرك لظلم عظيم، والظلم يؤدي الفساد، فالشرك في العقيدة إفساد للعقل والفكر والنفس بالضلال، والضلال أبلغ أنواع الشرك، والشرك ينشأ من الأوهام ويؤدي إلى كثرة الأوهام والضلال، ألم تر أنهم كانوا يعبدون العجل، والظلم يؤدي إلى فساد الرعية بالخنوع والطاعة للظالم، والرضا بالهون، وفقد الحرية والاندفاع في الظلم، حتى ساغ له أن يقول لهم: مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى.
ولذا قال تعالى بعد أن ذكر الظلم: (فَانظُرْ كيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ) انظر يا محمد مآل الذين أفسدوا في الأرض بشركهم وإرهاقهم للرعية، واستبدادهم إني عاقبتهم أن أغرقوا في اليم، ولم يُجْد فرعون وملأه أن قالوا: آمنا برب هارون وموسى.
فلننظر إلى ما كان من فرعون أكبر طاغية في عصره، ويحاكيه الطغاة في كل عصر، وقد كان فرعون جاهل في أرض مصر، وسام أهلها سوء العذاب، لجنونه وحمقه وجهله، حتى أرداها فيما لم تترد فيه شيء أي عصر من عصورها.
стр. 3884
أيد الله موسى بمعجزات كثيرة، عدها الله تعالى آيات، أيده بالعصا، وباليد البيضاء من غير سوء والسنين، ونقص الثمرات، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم آيات مفصلات، وكانت هذه الآيات الكثيرة لإمعانهم في الضلال والطغيان، وكانت كل آية تأتي في حال تناسبها، ووقت الحاجة إليها.
* * *
موسى يواجه فرعون
стр. 3885
(وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٤)
* * *
" الواو " عاطفة على (بَعَثْنَا) وهذا الكلام تفصيل لمعنى بعثة موسى، واجه فرعون ومعه أخوه كما جاء في سورة طه، وكما سيجيء في هذه، وتقدما إليه، وهما في وجل بَشَرى (قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى)، والطاغي يرهب لأنه لَا قيد من حق أو دين أو إيمان أو خلق، ولكن الله أيدهما، فقال: (. . . لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى).
تقدم موسى إذ علم أن الله معه، وهو فوق الجبارين قاهر فوقهم.
(وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ) يُشعر فرعون بالخوف من الله كما شعر أولا بالخوف من فرعون حتى ثبته الله وإشعاره بالخوف بذكر الحق، وهو أنه رسول من الذي خلق الناس ورباهم وهو المسيطر على كل من في الوجود، ولست المسيطر.
وقد جابه فرعون بأنه يخاطبه بالحق الذي لَا ريب فيه، وأنه يطالب برفع الظلم عن قومه بني إسرائيل، قال له:
стр. 3886
(حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ... (١٠٥)
(حَقِيق): فعيل من الحق، وفيها مبالغة في التمسك، أي حقا عليَّ ألا أقول على الله إلا الحق، أي أنه حق عليَّ ألا أقول على الله إلا أنه رب العالمين، وإني لَا أعترف لك بشيء مما تدعيه لنفسك، وهذه مجابهة لمن هو في حال فرعون
стр. 3887
الذي يقول: ما علمت لكم من إله غيري، فهذا صدع بالحق من غير أي مواربة، وقال ذلك موسى، ولم ينتظره حتى يطلب دليلا، بل قال له موقنا مفحما (قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَة مِّن رَبِكُمْ) أي قد جئتكم بحجة مثبتة مبينة من ربكم، وخاطبة بقوله: (مِّن رَّبِّكُمْ) سالبا منه كل معاني الربوبية، وقاصرا لها على رب العالمين، فهو ربي وربكم، وأول طلب طلبه رفع الظلم القائم، وابتدأ بما يخصه فقال: (فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ) الفاء للإفصاح عن شرط، أي إن كنت قد أرسلت إليك وملئك من رب العالمين، فأطلق معي بني إسرائيل من الذل الذي هم فيه. ونلاحظ بعض إشارات بيانية:
الأولى - أنه حصر الألوهية في الله تعالى وأن فرعون ليس بإله، وأن الله وحده هو الإله الحق في قوله: (أَن لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ) أي في ألوهيته وعدله، ولتكن أنت ما تكون.
الثانية - أنه أفرد الخطاب لفرعون في قوله: (يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ)، وجمع في قوله: (قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ)، وأفرده في قوله: (فَأَرْسِلْ مَعِيَ بنِي إِسْرَائِيلَ)؛ لأنه بسلطانه أسرهم، وما كان ملؤه له إلا معاونين.
وجمعهم في قوله: (قَدْ جِئْتُكُم)؛ لأن الدعوة الموسوية، لهم جميعا، ولأنهم أعوانه المشاركون له في ظلمه.
الثالثة - الإشارة بالرسالة بأنه حق عليه أن يبلغها صادقا.
أجابه فرعون، ولم يفرط عليه أو يطغى، كما توقع أولأ لأنه أحس برهبة الحق، ولأن الله تعالى ألقى في روع فرعون مع طغيانه رهبة الحق، أجابه بقوله: وقال:
стр. 3888
(قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٠٦) إن ذا الجبروت إذا وجد في الموقف ما يرهبه اتزن في القول ولم يشطط في الخطاب، ومعنى قوله: إن كنت قد جئت إلينا بآية أي معجزة تدل على أنك رسول، أو على صحة ما تدعو
стр. 3889
إليه، فأتنا بها إن كنت من الصادقين، أي إن كنت من زمرة الصادقين الذين لا يفترون ولا يكذبون.
أمر الله تعالى موسى ﵇ بأن يجيب جوابا عمليا، والعمل يبهت الظالمين،
стр. 3890
(فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (١٠٧) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (١٠٨).
معجزتان من المعجزات التسع التي أيد الله تعالى بها موسى أمام فرعون الطاغية، لعنه الله تعالى، ولعن كل من حاكاه من الطغاة، أما المعجزة الأولى فإنها العصا، ألقاها على الأرض، وهي في يده عصا، فإذا هي على الأرض حية تسعى، أذهلت وأفزعت، وأثارت العجب.
هذه هي الأولى، وقد جاءت على الصورة من انقلاب العصا إلى ثعبان واضح مبين، وذلك في مظهره قريب من السحر، وقد كان أهل مصر اشتهروا بالسحر، فالسحرة علماؤهم وكهنتهم، وما كان فرعون يحكمهم إلا بهذه الأوهام، وكذلك تجد كل الطغاة الذين حاكوه وخصوصا في مصر يستجلبون كل من يتعاطون السحر، ويقربهم زلفى إليهم.
وعلم السحرة - كما سيأتي - أن ما جاءهم به ليس من السحر في شيء، وإن بدا أمام الناظرين في صورته.