← Тафсир

Тафсир · id 37071

زهرة التفاسير

محمد أبو زهرة

Полный текст (8 373 стр.). Показаны 3886–3925 · переход к 3891.

стр. 3886

(حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ... (١٠٥) (حَقِيق): فعيل من الحق، وفيها مبالغة في التمسك، أي حقا عليَّ ألا أقول على الله إلا الحق، أي أنه حق عليَّ ألا أقول على الله إلا أنه رب العالمين، وإني لَا أعترف لك بشيء مما تدعيه لنفسك، وهذه مجابهة لمن هو في حال فرعون

стр. 3887

الذي يقول: ما علمت لكم من إله غيري، فهذا صدع بالحق من غير أي مواربة، وقال ذلك موسى، ولم ينتظره حتى يطلب دليلا، بل قال له موقنا مفحما (قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَة مِّن رَبِكُمْ) أي قد جئتكم بحجة مثبتة مبينة من ربكم، وخاطبة بقوله: (مِّن رَّبِّكُمْ) سالبا منه كل معاني الربوبية، وقاصرا لها على رب العالمين، فهو ربي وربكم، وأول طلب طلبه رفع الظلم القائم، وابتدأ بما يخصه فقال: (فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ) الفاء للإفصاح عن شرط، أي إن كنت قد أرسلت إليك وملئك من رب العالمين، فأطلق معي بني إسرائيل من الذل الذي هم فيه. ونلاحظ بعض إشارات بيانية: الأولى - أنه حصر الألوهية في الله تعالى وأن فرعون ليس بإله، وأن الله وحده هو الإله الحق في قوله: (أَن لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ) أي في ألوهيته وعدله، ولتكن أنت ما تكون. الثانية - أنه أفرد الخطاب لفرعون في قوله: (يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ)، وجمع في قوله: (قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ)، وأفرده في قوله: (فَأَرْسِلْ مَعِيَ بنِي إِسْرَائِيلَ)؛ لأنه بسلطانه أسرهم، وما كان ملؤه له إلا معاونين. وجمعهم في قوله: (قَدْ جِئْتُكُم)؛ لأن الدعوة الموسوية، لهم جميعا، ولأنهم أعوانه المشاركون له في ظلمه. الثالثة - الإشارة بالرسالة بأنه حق عليه أن يبلغها صادقا. أجابه فرعون، ولم يفرط عليه أو يطغى، كما توقع أولأ لأنه أحس برهبة الحق، ولأن الله تعالى ألقى في روع فرعون مع طغيانه رهبة الحق، أجابه بقوله: وقال:

стр. 3888

(قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٠٦) إن ذا الجبروت إذا وجد في الموقف ما يرهبه اتزن في القول ولم يشطط في الخطاب، ومعنى قوله: إن كنت قد جئت إلينا بآية أي معجزة تدل على أنك رسول، أو على صحة ما تدعو

стр. 3889

إليه، فأتنا بها إن كنت من الصادقين، أي إن كنت من زمرة الصادقين الذين لا يفترون ولا يكذبون. أمر الله تعالى موسى ﵇ بأن يجيب جوابا عمليا، والعمل يبهت الظالمين،

стр. 3890

(فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (١٠٧) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (١٠٨). معجزتان من المعجزات التسع التي أيد الله تعالى بها موسى أمام فرعون الطاغية، لعنه الله تعالى، ولعن كل من حاكاه من الطغاة، أما المعجزة الأولى فإنها العصا، ألقاها على الأرض، وهي في يده عصا، فإذا هي على الأرض حية تسعى، أذهلت وأفزعت، وأثارت العجب. هذه هي الأولى، وقد جاءت على الصورة من انقلاب العصا إلى ثعبان واضح مبين، وذلك في مظهره قريب من السحر، وقد كان أهل مصر اشتهروا بالسحر، فالسحرة علماؤهم وكهنتهم، وما كان فرعون يحكمهم إلا بهذه الأوهام، وكذلك تجد كل الطغاة الذين حاكوه وخصوصا في مصر يستجلبون كل من يتعاطون السحر، ويقربهم زلفى إليهم. وعلم السحرة - كما سيأتي - أن ما جاءهم به ليس من السحر في شيء، وإن بدا أمام الناظرين في صورته.

стр. 3891

الآية الثانية أو المعجزة الثانية أنه أدخل يده في جيبه، فخرجت من الجيب ساطعة البياض لها نور، ولها لمعان من غير سوء أي مرض، كما قال تعالى: (وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ. . .)، ولقد روي عن ابن عباس أنه قال: " كان ليده نور ساطع يضيء ما بين السماء والأرض " أفزع فرعون هذا، ولم يتكلم، ولكن تكلمت الحاشية متحدية الحق والرسالة، تأكيدا لولائهم، وتشجيعا على الإنكار، وما كان لهم أن يتكلموا عن بياض اليد؛ لأنه فوق ما يستطيعون وما يعلمون، وحاولوا إبطال الأولى؛ لأنها تتعلق بنوع علم

стр. 3892

عندهم، والعاجز عن رد الحجة يختار ما يحسبه أسهل في الاستدلال عليه فيتكلم فيه، ليشغل الناس عن الآخر، وما كان كلام الحاشية إلا تشجيعا على الإنكار؛ لأنهم طوعوا أنفسهم على العيش بجوار فرعون، وقد رأوا دعوة موسى اعتداء على ألوهية فرعون في زعمهم، فسبقوه إلى الإنكار مرضاة له، حتى رموه في البحر

стр. 3893

(قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (١١٠) اتجهوا إلى الإنكار سابقين فرعون ليرضوه بالإنكار، وليشجعوه عليه، ولم يكتفوا بتحريض فرعون، ورميه بأنه ساحر عليم بل أرادوا أن يحرضوا الشعب عليه،

стр. 3894

وشعب مصر، وإن لم يحافظ على حريته أمام فرعون يحافظ على استقلال بلده، وأن يحكمه حاكم من أهله، ولو كان مستبدا عاتيا، كفرعون؛ ولأن موسى من بني إسرائيل جاءوهم من قبل استقلالهم، فقالوا يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره، أي يفقدكم استقلالكم ويجعلكم محكومين ببني إسرائيل كما حكمكم الهكسوس من قبل، (فَمَاذَا تَأْمُرُونَ) أي فماذا ترون وتأمرون يا معشر شعب مصر، فدَبِّروا الأمر لهذا الذي يفقدكم استقلالكم، وعبر عن ذلك بقولهم: (يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ) لأن من يفقد استقلاله يخرج عن أرضه، ويتسلمها من يتحكم فيها؛ إذ يتصرف فيها كما يشاء، وليس لأهلها فيها أمر، كأنما أخرجوا. قال الممثلون للشعب، أو الحاضرون منه، أو من جمعوهم ليؤلبوهم على موسى وهارون.

стр. 3895

(قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (١١١) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (١١٢) كان أمرا خطيرا ذلك الذي جاء به موسى، فما تعودوا من فرعون إلا أن يأمر وحده، وأن يطاع وحده فيجيء من تربى في بيته، ويصدع بين يديه بالحق، يشتد في دعوته، ويجيء الكبراء يحرضون الشعب عليه، إنه لأمر خطير، لم يعهدوه، فلابد أن تجمع الجموع لتتضافر في مقاومته.

стр. 3896

قال الذين تكلموا من الشعب: (أَرْجِهْ وَأَخَاهُ) أي أرجئه وأخاه، أي أجِّله زمنا، وأرجه أصلها أرجئه وأخاه، فحذفت الهمزة تخفيفا، والضمير يعود على موسى، وأخوه هو هارون الذي أرسله الله تعالى مع موسى ردءا له يعضده، ويعاونه - أرجئهما، أي أجلهما، وقيل أرجه بمعنى احبسه، ونرى أن (أَرْجِهْ) معناه تأجيلهما، والشعب أو المتكلمون باسمه كانوا أقرب إلى الحصفة؛ لأنهم يقولون لَا تتعجل أمرهما حتى ندرسه مع أهل الخبرة بالسحر (وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ) في قرئ مصر وريفها (حَاشِرِينَ) اسم فاعل من حشر، أي جامعين الناس لمشهد عظيم،

стр. 3897

(يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ) أي يأتوك بالمهرة من السحرة، وعبروا عن أولئك المهرة، ووصفوا أيضا بأنه (عَلِيمٍ) مدرك لألاعيب السحر، وأفانينه، فهو عمليا (سَاحِرٍ)، وعلميا (عَلِيمٍ) ذو خبرة. تضافرت القوي ضد موسى وهارون، إذ جابها فرعون بإنكار ألوهيته الموهومة، وحرض ملؤه الناس بأنهما يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما. اجتمعوا، وهنا يظهر الفرق بين المخلص الذي يدعو إلى الحق احتسابا لله، والمأجور الذي يطلب الأجر. استمع إلى قول الله تعالى عنهم:

стр. 3898

(وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (١١٣) ساوموه قبل أن يبدأوا يطلبون الأجرة، وهذا يدل على أنه مع طغيانه كان أرفق من بعض الحكام الذين حاكوه وساروا على طريقته. أجابهم فورا:

стр. 3899

(قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ) ذكر لهم أجرين أحدهما مادي، والثاني معنوي، أما الأول فهو المال الذي طلبوه، والثاني رضاه عنهم، وتقريبه لهم، ولذا أكد الثاني بالجملة الاسمية وبـ " إنَّ " وباللام، وبإدخالهم في ضمن المقربين منه كحاشيته. وهذا ما كان يعبر في حكم اللوك بالرضا السامي، وعبر به الطغاة في كل زمان بعد أن ضمنوا الأجر والقرب، إن كانوا هم الغالبين. اتجهوا إلى موسى في المشهد العظيم:

стр. 3900

(قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (١١٥) خيروا موسى ﵇ بين أن يبدأواهم بإلقاء حبالهم وعصيهم أو ما معهم بشكل عام، وبين أن يلقي هو، وقدموا التخيير بإلقائه هو عن إلقائهم لأنهم يريدون أن يعرفوا ما عنده من طاقة ويقدروا طاقتهم على قدرها، وعبروا عن إلقائه بقولهم: (إِمَّا أَن تلْقِيَ) معبرين بالفعل استهانة بإلقائه غرورا وتعصبا، وليرضوا فرعون بأنهم فوق موسى في الحلبة، وعبروا عن أنفسهم بقولهم: (وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ) بالجملة الاسمية وتأكيدها بلفظ " نحن " وبقولهم " نكون "، وثوقا بأنفسهم وليثبتوا لفرعون أنهم الغالبون. ولكن فطنة النبوة عند موسى جعلته يقدمهم عليه في الإلقاء، ليعرف ما عندهم:

стр. 3901

(قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦) ألقوا حبالهم وعصيهم، والسحر لَا يغير حقائق، فلا يجعل العصي والحبال حيات، ولكنه يؤثر في الرائي في نفسه؛ ولذا قال: (سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ) جعلوهم يرون غير الحقيقة، (وَاسْتَرْهَبُوهُمْ) أي طلبوا رهبتهم بذلك السحر، وقد قلنا عند الكلام في السحر: إنه نوع من استهواء النفس، والسيطرة عليها بحيث يجعله في يد المستهوي، أو ما يعبر عنه بالتنويم المغناطيسي، فيغير إحساسها من محبة إلى بغض، ومن بغضٍ إلى محبة؛ ولذلك قال الله تعالى عما يفعله الذين يسحرون: (. . . يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ. . .) فيغيرون حال المحبة بينهما بهذا الاستهواء. فكل ما فعله السحرة الذين نازلوا موسى ﵇ أنهم استطاعوا أن يموِّهوا على الأنظار، ويسحروا الأعين لَا أن يغيروا حقائق الأشياء، فلم يجعلوا الحبل ثعبانا، ولكن العيون مسحورة، وأرهبوا الناس بعملهم وجاءوا في هذا بسحر عظيم في بابه الذي أتقنوه، إرادة الأجر من فرعون وإرضائه، ليكونوا من المقربين عنده.

стр. 3902

عندئذ أثر الحس في نفس موسى، وخاف ألا ينتصر، فأوحى الله إليه (أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ) ولقد صرحِ الله سبحانه في آية أخرى بما أوجس في نفس موسى خيفة فقال تعالى: (فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (٦٧) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (٦٨). في وسط هذا المظهر السحري، أوحى الله تعالى إلى موسى أن يلقي عصاه.

стр. 3903

(وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (١١٧) ألقى موسى عصاه، فإذا هي حية تسعى، وإذا هي تلقف وتبتلع حبالهم وعصيهم، (تَلْقَفُ) مضارع لقف بمعنى تلقم وتبتلع، وقد لقفت الحبال والعصي كان يراها الذين سحرت أعينهم حيات وأفاعي، وقد قال تعالى: (تَلْقَفُ مَا يَأفِكُونَ)، أي ما يصرفون به أعين الناس كاذبين، وقد أطلق على الحبال والعصي، أنها (مَا يَأفِكُونَ)؛ لأنها مادة إفكهم وكذبهم وتمويههم، وتضليلهم. وقد رأى السحرة أن هذا ما ليس بسحر؛ لأن يعلمون أن السحر لَا يغير الأشياء، ولكن يموه على الأنظار، ولكن هذا يغير الأشياء، وليس تمويها على الأنظار، فأدركوا أن آيته تعالى حق، ولقد رأى بحس الأعين المستيقظة أن حبالهم، وعصيهم لَا وجود لها، إذ ابتلعتها العصا.

стр. 3904

(فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨) (فَوَقَعَ الْحَقُّ) أي ثبت وتبين وظهر، (وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُون)، أي ظهر أنه كان باطلا، لَا حقيقة، وأن آية الله في العصا ثابتة لَا ريب فيها. وبدل أن يطلبوا أجرا وتقربا، غلبوا، وقال الله تعالى:

стр. 3905

(فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ (١١٩) غُلب أولئك السحرة، وعادوا صاغرين أذلهم الحق وغلبهم، وبعد أن كانوا يعتزون بسحرهم أحسوا بصغار الهزيمة يذهب بافتخارهم.

стр. 3906

ولكنهم إذا كانوا قد خسروا المعركة، فقد ظفروا بما هو أعظم وهو الإيمان، إذ علموا أنها معجزة حقا وصدقا، وإن موسى وهارون صادقان بالبرهان والدليل، ولذا قال الله تعالى:

стр. 3907

(وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (١٢٠) أي ألقوا بأنفسهم خارين سجودا لله رب العالمين

стр. 3908

(رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ)، أي رب العالمين العاقلين، وذكر موسى وهارون على أنه ربهما لَا للاختصاص به، بل لأنهما دعوا إليه. * * * فرعون يعذب السحرة الذين آمنوا (قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (١٢٣) لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (١٢٤) قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (١٢٥) وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ (١٢٦) * * * إن الطاغية لَا يفكر إلا في نفسه، ولا يحس بحق غيره إلا من زاوية استقامة الأمر لأهوائه وشهواته، لقد ثارت نقمة فرعون لأمور: أولها - إنكار موسى ألوهيته. ثانيها - تحديه بآياته، وكان يرجو ويتوهم أنه يقضى على موسى بحجته، فاستعان بالسحر والسحرة، فما أسعفوه بحجة، فكان الغلب عليه، فأثاره ذلك. ثالثها - ثم كان من بعد ذلك أن من استعان لهم ليغلبوا موسى وهارون خذلوه. رابعها - وأيدوهما، وآمنوا بهما، وتشايع بين الناس إيمانهم، فغلت بالشر نفسه، والمعاند لَا تزيده الآيات البينات إلا كفرا، رأى فرعون ما رأى، فلم يؤمن؛

стр. 3909

لأن نفسه لم تكن نفس مؤمن، بل طغى وبغى، وقد رأى ملكه يزول، وأوهامه تضمحل فطغى وبغى وآثر الملك والحياة الدنيا على الآخرة، واتجه إلى السحرة، يعذبهم، ويصب جام غضبه عليهم.

стр. 3910

(قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ). يوبخهم على إيمانهم قبل إذنه، فالاستفهام إنكاري لإنكار الواقع، وإنكار الواقع توبيخ، وموضع التوبيخ أنهم آمنوا قبل أن يأذن لهم!!، وكان طاغوته قد سول له أنه ملك قلوبهم وألسنتهم فلا تتحرك إلا بإذنه، وقد رأينا ذلك من فرعون دونه عقلا، وفوقه طغيانا. ولم يذهب إلى نفسه أنه حق أدركوه، وإيمانا صدقوا به موسى وهارون، بل حكم على أساس من وهمه أنه مؤامرة عليه، وهو الذي اصطفاهم واختارهم من بين رعيته وهم مختارون من الشعب فَموَّه على الشعب بباطله أنها مؤامرة عليه وعلى الشعب، فقال: (إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مكَرْتُموهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا)، أي لتفرضوا على أهلها سلطانا غير سلطانها، فتفقد استقلالها، ولا تكون لها أرضها، ردف ذلك بالتهديد الشديد، والعذاب العتيد، قال: (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ)، أي سننزل بكم عذابا تعلمونه بالعيان، لَا بالبيان، و (سوف) هنا لتأكيد الكلام. أصدر الحكم بخياله وهواه، لَا بعقله والبرهان وهو أغلظ عقاب:

стр. 3911

(لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (١٢٤) أقسم الطاغي بما يُقسم به عنده أن يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، أي يقطع من جانب يدا، ويقطع من الجانب الآخر رجلا، وأقسم أيضا ليصلبنهم أجمعين، ولا يستثني أحدا، وقد صرح في آية أخرى بأنه يصلبهم في جذوع النخل. وهكذا يبتكر الطغيان هذا العقاب الشديد، روى الحسن البصري عن ابن عباس ﵄: إن فرعون أول من عاقب بقطع اليد والأرجل من

стр. 3912

خلاف والصلب. وقد كنا نقرأ ذلك ونعجب من أن يكون هذا من فرعون، ويرضى به الشعب المصري، ولكن رأينا ما يقرب منه؛ من طاغية يحاكيه في غير عصره، ورأينا من الشعب المصري من يهلل ويكبر، ويعاون!! هذا ما هدد به فرعون ونفذ واختص السحرة بذلك، لأنهم أول من تمرد عليه من الشعب، وخشي أن يسري التمرد فشدد العقاب، وترك موسى وأخاه مؤقتا؛ لأنهما لم يكونا من المصريين، بل كانا من بني إسرائيل، ومع ذلك سينتبه إليهم. وماذا كان موقف من آمنوا عن بينة، وعرفوا الفرق بين السحر والمعجزة لقد قوي إيمانهم؛ لأن الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب، سكن فيها، ولا يستطيع أحد ولو كان فرعون، ومن يحاكيه أن يخرجه من الصدور، لأنه وديعة القوي الجبار الرحمن الرحيم.

стр. 3913

(قالوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ). (مُنقَلِبُونَ) أي عائدون إلى ربنا، وهو القوي، فنحن قد لجأنا إلى ركن لا تقوى عليه أنت ومن معك ممن ألفناهم أتباع ظلم وظغيان، إنا عائدون إليه، وسيكون لنا النعيم الخالد، وهو يعوضنا من أذاك، وقد تحررت قلوبنا ورقابنا من طغيانك، يا من ألعن مَن في هذه الأرض، ومعك من يحاكيك عن جهل (أو عن علم) في غير عصرك. ثم عللوا طغيان فرعون فقالوا:

стр. 3914

(وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا ... (١٢٦) أي ما أخذوا علينا إلا حقا، نقموه علينا هو أننا آمنا بالمعجزة أو هي من آيات الحق التي جاء بها موسى، وهي آيات ربنا. وأعلنوا صبرهم على الأذى ضارعين إلى ربهم قائلين: (رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ) ربنا أفرغ علينا صبرا، أي أنزل علينا صبرا يملأ فراغ قلوبنا، وتوفنا مسلمين مخلصين لك يا رب العالمين. * * *

стр. 3915

الملأ من حاشية فرعون يحرضونه (وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (١٢٧) قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (١٢٨) قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٢٩) * * * ذكرنا أن حاشية الطغاة لَا تقف من الطاغي موقفا سلبيا، أو محايدا، بل إنهم يحرضونه مرضاة له، وطلبا لما ينفذه إجابة لهم، فهم لَا يهمهم إلا أن يأخذوا منه ما يشبع نهمتهم، وليسوا مخلصين له يمنحونه النصيحة، إنما هم المالئون له في باطله، لم يكف الملأ والحاشية ما أنزله بالسحرة، أو ما هم أن ينزله بهم، بل نبهوه إلى موسى وقومه من بني إسرائيل، وأرادوا اجتثاثهم من الأرض، قالوا محرضين:

стр. 3916

(أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ) أي أتترك موسى وأخاه وقومه من بني إسرائيل ومآل ذلك الترك أن يفسدوا في الأرض بإشاعة التمرد عليك، والانتقاض على حكمك والخروج عليك، وذلك فساد أي فساد، فاللام في قوله تعالى: (لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ) هي ما تسمى لام العاقبة، أي أتتركهم لتكون عاقبة الترك أن يؤلبوا الناس عليك، وينتفضوا على حكمك.

стр. 3917

والاستفهام هنا إنكاري لإنكار الواقع، وهو بمعنى لَا ينبغي لك أن تترك موسى وقومه يؤلبون عليك. هكذا حرضوا فرعون على بني إسرائيل ذلك التحريض الخبيث ليزدلفوا إليه، وكذلك الحاشية المفسدة تسبق إلى فكر الطاغي، ليتوهم إخلاصهم له، وما هم إلا الممالئون المنافقون الكذابون، ولم يكتفوا بالتحريض على بني إسرائيل، بل علا التحريض إلى موسى، وجاءوه من جهة ما، فقالوا عن موسى: (وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ). أي بتركك موسى، فيخرج عليك غير طائع لك، بل معاند، ومجاهر بالمخالفة وإنكار ألوهيتك، في أول دعوته ويترك آلهتك، ولقد كان لأهل مصر عدة آلهة كبيرهم الإله رع، وقالوا: إنه يحل في فرعون، وينتقل بينهم من سلف إلى خلف، والمعنى لَا ينبغي أن تتركه وقد تركك بالخروج عليك، وعلى آلهتك المقدسة، وقال: إن الله واحد أحد. استجاب فرعون الطاغي لهم، لأنها رغبته، وقد سبقوه إلى ذكرها، ممالئين مزدلفين إليه بالباطل. (قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ) قال سنقتل الأبناء ونترك النساء، وسمي تركه النساء استحياء لهن، وهو لا يحيي ولا يميت، تركهن ليكُنَّ جواري وخدما في البيوت، وأكد قدرته على ذلك وإذلاله لهم بقوله وإنا فوقهم، المسيطرون عليهم، الذين نستطيع استئصال من نحب، وإبقاء من نحب أذلاء مقهورين، وهنا قد يسأل سائل: لماذا ترك موسى وهو الرأس فلم يقتله وأخاه؟. ونقول في الإجابة عن ذلك: إن موسى تربى في قصر فرعون، فكان له فيه أولياء، وكان على رأسهم امرأة فرعون، فكانوا يخذلونه عن أن ينزل به أذى، أو يقتله مثلا.

стр. 3918

وإن لموسى لهيبة ورهبة في نفس فرعون تمنعه من أن ينزل به ما يريد، وهو يرى الآيات تجري على يديه وهو إن لم يؤمن بها أفزعته، وأرهبته. وإن مثل أوليائه من آل فرعون، كمثل أبي طالب في حمايته للنبي ﷺ من أذى قريش وأن ينالوا منه، وهكذا يؤيد الله تعالى رسله ببعض خلقه. لم يكن لموسى وقد رأى الإرهاب لبني إسرائيل إلا أن يثبتهم، فقال لهم:

стр. 3919

(اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (١٢٨) أي اجعلوا استعانتكم بالله واتكلوا عليه، واصبروا على ما ينزل بكم، ولا تحسبوه الشر الذي لَا ينتهي فإن ملك فرعون زائل، وطغيانه منته، ولن يخلد أو يبقى، فإنه ستزول دولته. والأرض تكون لمن يرثها من الصالحين، والعاقبة والنهاية للمتقين، قال ذلك تثبيتا لقلوب بني إسرائيل، ومن اتبعه من المؤمنين: فقد حكى الله تعالى قولهم فقال:

стр. 3920

(قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٢٩) كان بنو إسرائيل متمليلين من عذاب فرعون من قبل موسى ﵇ ورجوا من مجيئه أن يرحمهم الله تعالى من عذابه على يد موسى ﵇ وقد غلبه بالحجة الباهرة، وكان هو وقومه صاغرين أمام حجة الحق وقوته. ومن يكون من عذاب يتلهف على الرحمة، ويطلبها سريعا، ولكن فرعون قرر استمرار عذابهم فقالوا متململين: قد أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا، قال: عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض. طمأنهم موسى بأن الله لَا يخلف وعده، وأنه وعده بهلاك الطاغية العاتي؛ ولذا قال: (عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَذوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) يتضمن كلام موسى الكليم ﵇ أمورا ثلاثة:

стр. 3921

أولها - رجاء هلاك فرعون؛ لأن الله أعلمه بذلك، وأن لذلك وقتا معلوما، لم يحن حينه، ثانيها - أنهم يرثون الأرض من بعده، وأنهم سيكونون مستقلين أحرارا ليس لأحد عليهم سلطان إلا الله، ثالثها - أنه قد تكون مخالفات، ومناقضات، ولذا قال: (فَيَنظُرَ كيْفَ تَعْمَلُونَ)، أي فيرى منكم عملكم أو يقدر لكم من الجزاء بمقدار عملكم، والله بكل شيء عليم. وإن سياق القصص القرآني قد يشير إلى أن فرعون عندما كان يقتل الأبناء، ويستحيي النساء - ما كان يستأصل، بل فرض فيهم هذه العقوبة يستعملها ما يشاء. هذا، وإننا نرى آل فرعون وسكان مصر، لم يدفعوا طغيانه، وإن الله تعالى لا يأخذ العامة بظلم الخاصة إلا إذا رأوا الظلم ولم ينكروه، والمصريون لم ينكروا فعل فرعون؛ ولذا عاقبهم الله تعالى بعقوبات دنيوية مختلفة، فقال الله تعالى في ذلك: * * * (وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٣٠) فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣١) وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (١٣٣) وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٣٤)

стр. 3922

فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (١٣٥) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (١٣٦) * * * إن المصريين شاركوا فرعون فيما أوقع من مظالم ومآثم ببني إسرائيل؛ لأنهم رأوا الظلم ولم ينكروه، فكانوا مسئولين، وما استمكن فرعون منهم ومن بني إسرائيل إلا بهم، لأنهم لم يقولوا: ظلمت. ولذا قال الله تعالى:

стр. 3923

(وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ). وآل فرعون هنا ليسوا حاشيته ولا خاصته إنما هم أهل مصر جميعا؛ لأنهم أيدوه، ولو بالرضا، أو على الأقل بالصمت من غير نكير، والدليل على أنه أريد أهل مصر جميعا، أن السنين ونقص الثمرات لم يكن خاصا بفرعون وحاشيته؛ لأنه بلاء إذا جاء يعم ولا يخص، وقوله تعالى: (وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ)، أي آل مصر الذين هم آل فرعون، ومن يقوم بهم وبالحكم فيهم، وأخذناهم معناه اختبرناهم بالسنين، أي بالجدب والقحط، فيقال: أُصبت بالسنة، أي بالجدب والنقص والجوع. وقد أصابهم الله بسنين جدب وقحط، ونقص من الثمرات، ويقال: أخذنا فلانا بالرفق والإكرام، وأخذناه باللوم، والتأنيب بمعنى عاملنا، وتأويل القول أخذناه وضممناه معاملين له بالرفق أو معاملين له باللوم أو التأنيب. فأخذ الله آل فرعون معاملا بالسنين بحدبة تصيبهم، ونقص الثمرات، يختبرهم سبحانه بذلك لعلهم يذكرون، أي لعلهم يتذكرون أن هناك مدبرا غير فرعون، وأن الأمر ليس بإرادتهم ولا بإرادة فرعون، إنما هو بإرادة من خلق فرعون، وخلق الزرع والثمار، وأنشأها جنات معروشات، وغير معروشات ولكنهم لم يتذكروا لفنائهم في فرعون وملئه، وكذلك أهل فرعون دائما، لَا ينفصلون في نفوسهم

стр. 3924

عن حكامهم، وإن كانت قوتهم عليهم، يقودون إلى النكسات نكسة بعد نكسة، وهم من ورائهم راضون راغبون فيهم على سوءاتهم غير راغبين عنهم. وكانت معاملتهم لموسى الهادي الرشيد، معاملة غير رفيقة يحملونه إثم ما ينزل بهم من شر، وما ينزل بهم من حسن يحسبونه استحقاقا لهم؛ ولذا قال الله تعالى فيهم:

стр. 3925

(فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣١) (الْحَسَنَةُ) هي الحال الحسنة التي يستحسنونها، ويستطيعونها، ويرون فيها مسرة لهم، لم يذكروا أنها من عند الله تعالى؛ أفاض بها عليهم من عنده، إنما يحسبون أنها جاءتهم لأنها لهم ويستحقونها وجاءتهم من غير معط؛ ولذا وصفهم الله تعالى بقوله: (فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ)، أي لنا نستحقها، ولا يتصورون معطيا يستحق الشكر، والطاعة، والرضا بما أعطى، وإذا جاءتهم السيئة، أي الأمر المسيء لهم من تمحط وجدب وطوفان اطيروا بموسى ومن معه أي تشاءموا. وأصل الطيرة في الاستعمال العربي أنهم كانوا يزعجون الطير، فإذا اتجه إلى اليمين تيمنوا به وسموه السانح، وإذا اتجه إلى الشمال تشاءموا به وقالوا البارح. ولقد جاء في تفسير القرطبي ما يتعلق بالتطير " وكانوا يتطيرون أيضا بصوت الغراب، ويتأولونه البيْن، وكانوا يستدلون بمجاوبات الطيور بعضها بعضا على أمور وبأصواتها في غير أوقاتها المعهودة على مثل ذلك، وهكذا الظباء إذا مضت سانحة أو بارحة، ويقولون: إذا برحت بالسانح بدل البارح، إلا أن أقوى ما عندهم كان يقع في جميع الطير فسموا الجميع تطيرا من هذا الوجه، وتطير الأعاجم إذا رأوا صبيا يذهب يه إلى المعلم بالغداة، ويتيمنون برؤية صبي يرجع من عند المعلم إلى بيته، ويتشاءمون بروية السَّقاء على ظهره قربة مملوءة مشدودة، ويتيمنون برؤية فارغ السِّقاء (مركبة) مفتوحة ". وهكذا كما جاء في ذلك التفسير، وعلى أي حال التطير في اللغة العربية التشاؤم.
следующие страницы →