← Тафсир

Тафсир · id 37071

زهرة التفاسير

محمد أبو زهرة

Полный текст (8 373 стр.). Показаны 3921–3960 · переход к 3926.

стр. 3921

أولها - رجاء هلاك فرعون؛ لأن الله أعلمه بذلك، وأن لذلك وقتا معلوما، لم يحن حينه، ثانيها - أنهم يرثون الأرض من بعده، وأنهم سيكونون مستقلين أحرارا ليس لأحد عليهم سلطان إلا الله، ثالثها - أنه قد تكون مخالفات، ومناقضات، ولذا قال: (فَيَنظُرَ كيْفَ تَعْمَلُونَ)، أي فيرى منكم عملكم أو يقدر لكم من الجزاء بمقدار عملكم، والله بكل شيء عليم. وإن سياق القصص القرآني قد يشير إلى أن فرعون عندما كان يقتل الأبناء، ويستحيي النساء - ما كان يستأصل، بل فرض فيهم هذه العقوبة يستعملها ما يشاء. هذا، وإننا نرى آل فرعون وسكان مصر، لم يدفعوا طغيانه، وإن الله تعالى لا يأخذ العامة بظلم الخاصة إلا إذا رأوا الظلم ولم ينكروه، والمصريون لم ينكروا فعل فرعون؛ ولذا عاقبهم الله تعالى بعقوبات دنيوية مختلفة، فقال الله تعالى في ذلك: * * * (وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٣٠) فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣١) وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (١٣٣) وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٣٤)

стр. 3922

فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (١٣٥) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (١٣٦) * * * إن المصريين شاركوا فرعون فيما أوقع من مظالم ومآثم ببني إسرائيل؛ لأنهم رأوا الظلم ولم ينكروه، فكانوا مسئولين، وما استمكن فرعون منهم ومن بني إسرائيل إلا بهم، لأنهم لم يقولوا: ظلمت. ولذا قال الله تعالى:

стр. 3923

(وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ). وآل فرعون هنا ليسوا حاشيته ولا خاصته إنما هم أهل مصر جميعا؛ لأنهم أيدوه، ولو بالرضا، أو على الأقل بالصمت من غير نكير، والدليل على أنه أريد أهل مصر جميعا، أن السنين ونقص الثمرات لم يكن خاصا بفرعون وحاشيته؛ لأنه بلاء إذا جاء يعم ولا يخص، وقوله تعالى: (وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ)، أي آل مصر الذين هم آل فرعون، ومن يقوم بهم وبالحكم فيهم، وأخذناهم معناه اختبرناهم بالسنين، أي بالجدب والقحط، فيقال: أُصبت بالسنة، أي بالجدب والنقص والجوع. وقد أصابهم الله بسنين جدب وقحط، ونقص من الثمرات، ويقال: أخذنا فلانا بالرفق والإكرام، وأخذناه باللوم، والتأنيب بمعنى عاملنا، وتأويل القول أخذناه وضممناه معاملين له بالرفق أو معاملين له باللوم أو التأنيب. فأخذ الله آل فرعون معاملا بالسنين بحدبة تصيبهم، ونقص الثمرات، يختبرهم سبحانه بذلك لعلهم يذكرون، أي لعلهم يتذكرون أن هناك مدبرا غير فرعون، وأن الأمر ليس بإرادتهم ولا بإرادة فرعون، إنما هو بإرادة من خلق فرعون، وخلق الزرع والثمار، وأنشأها جنات معروشات، وغير معروشات ولكنهم لم يتذكروا لفنائهم في فرعون وملئه، وكذلك أهل فرعون دائما، لَا ينفصلون في نفوسهم

стр. 3924

عن حكامهم، وإن كانت قوتهم عليهم، يقودون إلى النكسات نكسة بعد نكسة، وهم من ورائهم راضون راغبون فيهم على سوءاتهم غير راغبين عنهم. وكانت معاملتهم لموسى الهادي الرشيد، معاملة غير رفيقة يحملونه إثم ما ينزل بهم من شر، وما ينزل بهم من حسن يحسبونه استحقاقا لهم؛ ولذا قال الله تعالى فيهم:

стр. 3925

(فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣١) (الْحَسَنَةُ) هي الحال الحسنة التي يستحسنونها، ويستطيعونها، ويرون فيها مسرة لهم، لم يذكروا أنها من عند الله تعالى؛ أفاض بها عليهم من عنده، إنما يحسبون أنها جاءتهم لأنها لهم ويستحقونها وجاءتهم من غير معط؛ ولذا وصفهم الله تعالى بقوله: (فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ)، أي لنا نستحقها، ولا يتصورون معطيا يستحق الشكر، والطاعة، والرضا بما أعطى، وإذا جاءتهم السيئة، أي الأمر المسيء لهم من تمحط وجدب وطوفان اطيروا بموسى ومن معه أي تشاءموا. وأصل الطيرة في الاستعمال العربي أنهم كانوا يزعجون الطير، فإذا اتجه إلى اليمين تيمنوا به وسموه السانح، وإذا اتجه إلى الشمال تشاءموا به وقالوا البارح. ولقد جاء في تفسير القرطبي ما يتعلق بالتطير " وكانوا يتطيرون أيضا بصوت الغراب، ويتأولونه البيْن، وكانوا يستدلون بمجاوبات الطيور بعضها بعضا على أمور وبأصواتها في غير أوقاتها المعهودة على مثل ذلك، وهكذا الظباء إذا مضت سانحة أو بارحة، ويقولون: إذا برحت بالسانح بدل البارح، إلا أن أقوى ما عندهم كان يقع في جميع الطير فسموا الجميع تطيرا من هذا الوجه، وتطير الأعاجم إذا رأوا صبيا يذهب يه إلى المعلم بالغداة، ويتيمنون برؤية صبي يرجع من عند المعلم إلى بيته، ويتشاءمون بروية السَّقاء على ظهره قربة مملوءة مشدودة، ويتيمنون برؤية فارغ السِّقاء (مركبة) مفتوحة ". وهكذا كما جاء في ذلك التفسير، وعلى أي حال التطير في اللغة العربية التشاؤم.

стр. 3926

وإن المصريين قد قالوا هذا المعنى مواجهين موسى ﵇ وعبر عنه بذلك التعبير العربي، وكأنه ترجمة لتعبيرهم في لغتهم. ولقد أجابهم بقوله كما حكى القرآن الكريم: (إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عندَ اللَّهِ)، أي إن ذلك قضاء الله تعالى وقدره فيكم. وعبر عنه بطائركم تشبيها للقدر المحتوم بالطائر المشئوم؛ لأنه في معناه لاحق بهم، فإن تَعُدُّوه شؤما فهو من سوء عملكم، وختم الآية بقوله تعالى: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُون) أي لَا يعلمون أن كل شيء عند ربك بمقدار، فيتشاءمون؛ ولذا نفى النبي ﷺ الطيرة، وقال: " لا عدوى ولا طيرة " (١) أي لَا عدوى إلا بإذن الله تعالى العلي القدير. ومع أن الله تعالى قد ابتلاهم (بالسِّنِينَ وَنَقْصٍ منَ الثَّمَرَات لَعَلَّهُم يَذَّكَّرُونَ) ويطمئنون إلى الله الذي هو منشئ العالم، وأنه ليس لفرعون أَية ألوهية، ومع ذلك أصروا على كفرهم، ورموا موسى بأن هذا الابتلاء سحر يسحرهم به موسى، وأنهم لَا يؤمنون؛ ولذا قال الله تعالى عنهم:

стр. 3927

(وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢) مهما تأتي من معجزة باهرة قاهرة، فإنها لَا تعدو أن تكون سحرتنا بها، فما نحن بمؤمنين لك، أي بمسلمين لله بالحق الذي تدعو إليه، نفوا إيمانهم مؤكدين النفي بالباء الدالة على استغراق النفي، وبالجملة الاسمية وتقديم الجار والمجرور " لك " على " مؤمنين "، وقولك مؤمنين لك، أي إجابة لدعوتك منضمين لك، فلن نخرج عن صفوف الفرعونية الكافرة الجاحدة إلى صفك المؤمن المذعن لله تعالى. نزلت عليهم آيات قاهرة أشد من الأولى بسبب إصرارهم على الكفر، وقد ذكرها الله تعالى بقوله:

стр. 3928

(فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (١٣٣) وأرسلنا: بمعنى أنزلنا قاصدين كأن هذه مرسلة من عندنا، والطوفان هو المطر الشديد، وفيضان النيل الطاغي الذي أغرق الزرع، وأهلك النسل، وهدم البيوت، وما كان لفرعون طاقة على إنجائهم والسيل قد طم، وحزب، وصار عبثًا، لَا غيثًا.

стр. 3929

والجراد، وهو الطير الصغير المعروف الذي يأكل الزرع، ويفسده، وخصوصا ما كان قوتا، فإنه يسلط على القمح، والشعير، والأرز، ويتعدى طعام الإنسان إلى طعام الحيوان. وبعد البلاء في زرعهم وحرثهم ونسلهم كان البلاء في أجسامهم، فسلّط عليهم القمل، وهي دويبة صغيرة، وقال ابن عباس: القمل السوس، وهو يصيب الزرع المخزون لأكلهم فيصيبهم، وقيل: إنه القمل المعروف الذي هو داء في الأجسام ومرض من الأمراض. والضفادع جمع ضفدع، وهي الحيوان المعروف، كثرت وكثر ضجيجها حتى أزعجتهم، وأفسدت زرعهم وملأت أرضهم فكانت الحياة مع هذه الكثرة حياة شاقة شديدة لَا تحتمل. والدم، قالوا: إن النيل صار ماؤه دما، ومات السمك فيه، فأصبح لا يسقي، بل يميت، وإنا لَا نعترض على ذلك التفسير، وقد روي عن بعض الصحابة، ولم نر فيه حديثا صحيحا، يذعن المفسر لمثله، ولكن صريح اللفظ أنه الدم، ولعل الله تعالى اختبرهم بذلك وقتا وإن لم يكن طويلا، ولكنه أراهم آياته مفصلات، ويصح تفسير الدم بمرض أصيبوا به كرعاف ونزيف وضغط. ولقد قال الكثرة من المفسرين: إن الله تعالى اختبرهم أولا بالطوفان الذي خرب ديارهم، وأفسد زرعهم فدعوا الله أن يكشف ذلك عنهم، ودعا لهم موسى ووعدوه بأن يؤمنوا إذا كشف عنهم الضر، فكشف فلم يؤمنوا، فأصيبوا بالجراد فطلبوا أن يدعوا لهم فاذا كشف عنهم آمنوا، فكشف فلم يؤمنوا، ثم اختبرهم بالضفادع كذلك، وبالدم كذلك ولم يؤمنوا فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين. والاستكبار عن الحق سبيل الضلال والوقوع في الذل، وقوله تعالى: (وَكانُوا قَوْمًا مّجْرِمِينَ) فيه تسجيل الإجرام والعتو عليهم، وقد أكد إجرامهم واستمرارهم على الإجرام، وسيطرة الأخلاق الفرعونية عليهم، وإنها فساد كلها،

стр. 3930

يصيب النفس، فلا تنخلع منه، والنوازل تصيب نفوسهم، ولا تصل إلى أعماقها ولا تجتث الشر منها، ككل من امتلأت نفوسهم بالشر، فإنه يكون لونا من ألوانها لا تمحوه عظة ولا يدفعه بلاء. ولقد قال تعالى في ذلك:

стр. 3931

(وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٣٤) (الرِّجْزُ): هو العذاب، وهو يشمل ما سبق أو هو هو، وإن ذكر هذا يدل على أن طلبهم من موسى كان بعد أن نزل بهم الرجز جملة وتفصيلا وتوالى عليهم نزوله، وأن التجاءهم إلى موسى ﵇ بعد ذلك التوالي. أو نقول إن الله حكم عليهم بالاستكبار والإجرام، ثم بين بعد ذلك كيف كانوا مجرمين، وقد ذكر إجرامهم إجمالا، ثم فصل كيف كان ذلك العتو والاستكبار. لما نزل بهم هذا الابتلاء آيات مفصلات وغيره، اتجهوا إلى موسى ﵇ وكأن الشك قد عراهم بالنسبة لما كانوا عليه (قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ) أي يعهده عندك وإيمانك به، ووعده لك بالنصرة والتأييد (لَئن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ)، طلبوا كشف الرجز من موسى، مع أنهم طلبوا أن يدعو ربه، ونسبوا إليه كشفه، لأنهم اطمأنوا إلى أن الله سيجيبه، ولأنهم تعودوا أن يكون الأشخاص هم ذوي السلطان، ولا سلطان إلا لشخص (لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ)، أي لنؤمن بما تدعو إليه مسلمين لك بالحجة والدليل وأن كلامك الحق، ومع إيماننا لنرسلن معك بني إسرائيل، أكدوا إيمانهم بالقسم

стр. 3932

ومؤكداته، وأكدوا إرسالهم بني إسرائيل بالقسم ومؤكداته من نون التوكيد، ولام القسم. ولعلهم كانوا في ذلك صادقين في أنفسهم، لوقع الرجز عليهم، ولإحساسهم بالضعف أمام جبروت الله تعالى الذي تخاذل أمامه جبروت فرعون، وطغيانه، ولكن الحق لم يصب قلوبهم، وليس لهم إذعان صادق، بل هو عارض عرض لهم، ولم يكونوا مؤمنين. وما هؤلاء الذين طلبوا من موسى ذلك الدعاء يظهر أنهم الكبراء والسادة من ملأ فرعون، ولعله كان معهم، أو طلبوه بأمره بدليل أنهم وعدوا موسى بأن يرسلوا معه بني إسرائيل، فما كان يملك ذلك إلا فرعون وقادته وملؤه، والكبراء، معه ومع هذا القسم الذي أقسموه، ما وفوا، ولذا قال سبحانه:

стр. 3933

(فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (١٣٥) الفاء للإفصاح عن شرط مقدر تقديره إذا كانوا قد أقسموا ذلك القسم فقد نكثوا، فلما كشفنا عنهم الرجز إذا هم ينكثون فلا يؤمنون، ولا يرسلون بني إسرائيل، والتعبير عن زوال الرجز بـ (كَشَفْنَا) تشبيه له بالغمة التي تَغم عليهم، وتكشف. وقوله تعالى: (إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ) إشارة إلى أنه سينزل بهم ما هو أشد، فالإزالة للرجز لم تكن دائمة، بل هي إلى أجل محدود، فإن الله خبأ لهم في قدره ما هو أشد وأقوى، وهو إغراقهم في البحر؛ ولذا قال تعالى:

стр. 3934

(فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ)، أي جازيناهم بذنوبهم، وسمى الله تعالى عقابه لهم بأنه انتقام، لأنهم مردوا على الشر، وعقابه لهم استئصال، والله تعالى هو المنتقم الجبار فعاملهم

стр. 3935

معاملة المنتقم؛ ولذا قال. (فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (١٣٦) أي عاملناهم معاملة من ينتقم ممن أعلن الحرب على الله ورسوله موسى ﵇ اختبرناهم ثم كشفنا عنهم ما اختبرناهم به رجاء أن يتذكروا ويعتبروا، فما زادوا إلا ظلما واستكبارا وعتوا وفسادا، فليس لهم إلا أن ينزل بهم العذاب الأكبر، الذي يكون استئصالا، وهو الإلقاء في البحر، واليم هنا البحر، وذلك بسبب تكديبنهم بالآيات التي توالت لهم آية بعد آية وغفلتهم عن مغزاها ومعناها؛ ولذا قال (وكانوا عَنْهَا غَافِلِينَ)، أي أنها كانت لهم بمرأى العين والحس ولكنهم غفلوا عنها، واستهواهم الشيطان فضلوا. * * * بنو اسرائيل بعد الإنقاذ (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (١٣٧) وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٩) قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٤٠) وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ

стр. 3936

أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (١٤١) * * * كان بنو إسرائيل مستضعفين في أرض مصر، ومن يكون تحت فرعون يكون مستضعفا ذليلا ولو كان من أهلها، ولكن بني إسرائيل استضعفوا لغربتهم، ولحكم فرعون. خرجوا من ذل فرعون وملئه، وأورثهم الله تعالى مشارق الأرض ومغاربها بعد أن استضعفوا بذل فرعون، وأرهقهم ظلما خاصا بهم، وقد صار لهم بعد خروجهم من مصر مُلك عريض: شرق وغرب، وخصوصا في حكم داود وسليمان، والملوك، ووصف الأرض بأن الله بارك فيها، ويشير هذا إلى أنها الأرض المقدسة، فقد أخذوا شرقها وغربها، وما أحاط بها، وكانت أرضا قد بارك الله فيها بالخصب، وأنها يجتمع فيها النبيون في إسراء النبي ﷺ والمعراج.

стр. 3937

(وَتَمَّتْ كلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا) وكلمة الله هي ما وعد به تعالى بنصرهم، إذ قال: (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةَ وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ). ووصف الله - سبحانه - الكلمة بأنها الحسنى - وهي مؤنث - لأن هذه الكلمة المباركة أوصلتهم إلى أحسن أحوالهم، وأبركها عليهم. (بِمَا صَبَرُوا)، هذا ما كان لبني إسرائيل، أما ما كان لفرعون وملئه، فقد دمر الله تعالى ما كان يصنع فرعون من بناء وما كان من جنات، وما كانوا يعرشون فيها زراعات وغروس تكون بالعرش والسقف على الأرض، فلا يرى سوداؤها من خضرائها، كما قال تعالى: (كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ (٢٨).

стр. 3938

هذه نعم أنعم الله بها على بني إسرائيل بسبب صبرهم على ظلم فرعون، وإنه لبلاء عظيم. ولكن هل قدروا النعمة حق قدرها، ذلك ما ستبينه الآيات التالية: قال تعالى: (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٩) قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٤٠) وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (١٤١). أنهى الله تعالى قصص فرعون بهلاكه وابتدأ بقص قصص بني إسرائيل، ونرى في هذا القصص الحكيم ما أحدثوه بعد أن منَّ الله تعالى عليهم بإخراجهم من استعباد فرعون وظلمه لهم، ومعاينتهم الآيات الكبرى بفلق البحر بعصا موسى، وكيف عبدوا العجل، وكيف أرادوا أن يجعل لهم موسى إلها غير الله يعبدونه، وما استرسلوا فيه من كفر ومعاص، وقال الزمخشري: ذلك ليعلم حال الإنسان، وأنه كما وصفه الله تعالى ظلوم كفار جهول كنود، إلا من عصمه الله تعالى: (. . . وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ). يقول تعالى:

стр. 3939

(وَجَاوَزنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهًا) جاوز بمعنى اجتاز، والبحر هو البحر الأحمر كما نسميه الآن، وكما كان يسمى بحر القلزم اجتازوه حتى وصلوا إلى اليابس (فَأَتَوْا) أي أقبلوا على قوم يعكفون، أي يقيمون على عبادة أصنام لهم، وقالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، إن المقام الطويل الذي أقاموه في مصر هزع (١) فيهم الوحدانية التي كانت دين آبائهم، وإنهم وإن كانوا لم يعبدوا ما عبد

стр. 3940

المصريون فقد لانت عقيدتهم، وصاروا مترددين لَا يؤمنون بشيء ولذلك قالوا لما قالوا؛ لأنه لم يثبت في قلوبهم التوحيد الذي جاءهم به موسى، وصاروا كالأعراب الذين قالوا لرسول الله محمد ﷺ آمنا، فأمر الله تعالى نبيه بأن يقول: (. . . قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ. . .). والقوم الذين أتوا عليهم قيل إنهم كانوا بالسويس، إذ كانت أول يابسة جاءوا إليها، والله أعلم ما هؤلاء الأقوام، ولكن نستبعد أن تكون السويس؛ لأن ظواهر الأخبار تبين أنها كانت تحت حكم فرعون، وجزءا من مصر. (قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ)، أي تجهلون العقائد السليمة، والعقائد الباطلة، والمتردد جاهل، غير مدرك، وإنهم خرجوا من حال كافرة إلى حال مؤمنة موحدة، ولما يدخل الإيمان قلوبهم. وأكد لهم موسى ببيان بطلان هذه العبادة، فقال:

стр. 3941

(إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ) هالك ما هم فيه، والتعبير يتضمن معنى التخريب والفساد، كما قال تعالى: (. . . وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبيرًا)، أي أنه عمل فاسد، لَا أصل له من الحق، فهم في ضلال (وَبَاطِلٌ ما كَانُوا يَعْمَلُونَ) وقدم الخبر على المبتدأ لتأكيده الحكم بالبطلان على ما يعملون، ثم أخذ رسول الله ﷺ يوبخهم على ما طلبوا من ناحية بطلانه في ذاته، ومن ناحية أنه كفر بالنعمة التي أنعم بها عليهم، فقال في توبيخهم في الأولى:

стр. 3942

(قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا)، أي أطلب لكم إلها وحذفت اللام، وذلك توبيخ بالاستفهام الإنكاري، أي لَا يمكن أن أفعل ذلك وأنا الذي دعوت فرعون إلى التوحيد، وبيَّن أن ذلك كفر بنعمة الله تعالى، وهو يزيد الأمر استنكارا فقال: (وَهُوَ فَضَّلَكمْ)، أي جعل لكم فضلا (عَلَى الْعَالَمِينَ) بأن تولى هو إنقاذكم من ذل فرعون واستعباده. وهو دال على استنكار موسى بسبب ما أعطاهم الله من نعم لم ينعم بها أحد من العالمين، وهي آية عظيمة من آيات رب العالمين تدل على كمال توحيده، وأنه المتفرد بالإيجاد والخلق والتدبير، فقال:

стр. 3943

(وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ ... (١٤١) أي اذكروا نعمة الله

стр. 3944

عليكم، وآياته فيكم، إذا نجاكم من آل فرعون وذكر آل فرعون؛ لأن آل فرعون وحاشيته هم المعاونون المُحَسّنون لما ارتكب من طغيان وظلم، والذين يسولون له كل ظلم، ويبررون ما يفعل من شر، وذكرهم ذكر له لأنه رأس الفساد، وغيره تابع له محسن، ومسول وهم كالشياطين حوله يشاركونه في الإثم، ولا يعفى منه. (يَسُومُونَكُم)، أي يذيقونكم سوء العذاب، ثم بينه سبحانه بقوله: (يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ). أي ويل شديد اختبرتم به أشد اختبار، فهل تكفرون بالله تعالى الذي نجاكم، وتشركون به. * * * تلقى موسى الألواح من ربه (وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (١٤٢) وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣) قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) * * *

стр. 3945

ذهب موسى إلى جبل الطور ليتلقى تعاليم ربه على موعد منه، وكانت المدة ثلاثين ليلة، أي ثلاثين يوما، وذكرت في القرآن الليالي دون الأيام؛ لأن الأشهر القمرية أمارة ظهورها بالليل، إذ يبزغ القمر هلالا، ويتدرج في النمو حتى يصير بدرا، وتعرف الأوقات من الشهر بمقدار الهلاك. وقد قيل: لماذا ذكر الثلاثين ثم أتم الأربعين بعشر ليال أخر؛، فقالوا: إن موسى عندما ذهب إلى التجلي استشعر روحانية، وقالوا: إنه استنشق ريح المسك، فطلب تلك العشر الزيادة، فأتمها الله تعالى أربعين ليلة، والتصريح بالأربعين مع أن العدد مفهوم من ذكر العشر بعد ثلاثين، وذلك لبيان استجابته سبحانه لما طلب موسى، وذكر ذلك من شعائر الإنعام. خلَّف موسى بني إسرائيل، وفيهم عناصر متضاربة متباينة وهم أهواء مختلفة وفيهم تردد، كما ظهر عندما أتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم، فطلبوا أن يكون لهم إله كما لهؤلاء آلهة. مع هذه الحال، خَلَفَهُ فيهم أخوه هارون، فهو رِدءُ موسى ومعينه وهو نبي، ولكن الذي تلقى التوراة أو الألواح هو موسى. قال موسى لأخيه هارون

стр. 3946

(اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي)، أي كن خليفتي في قومي، ترعاهم وتصلح أمرهم؛ ولذا قال في تحقيق الخلاقة: (وَأَصْلِحْ) أقم فيهم الحق، والعدل والإصلاح بينهم، فاحفظ وحدتهم وحارب دعاة التفرق؛ ولذا قال له: (وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ)، أي تجنب أن تساير المفسدين، بل اقطع عليهم الطريق، ولا تمكنهم من فسادهم، وكأنه بفطنة النبوة أدرك أنهم سيحدثون أحداثا من بعده - كما سيجيء - باتخاذهم العجل، وإن لم يكن قد توقع ذلك بالذات، ولكن توقع غيره وسبل الشيطان مثارات مختلفة.

стр. 3947

ذهب موسى - كليم الله تعالى - إلى الجبل في الميقات الذي وقته الله تعالى، وقيل: إنه ذو القعدة وعشر من ذي الحجة، والله أعلم بالميقات. قال تعالى:

стр. 3948

(وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ ... (١٤٣) استأنس كليم الله بربه وطمع الكليم في أن يرى حبيبه (قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ)، أي افتح بصري بالرؤية لأنظر إليك، أو تبين لي أنظر إليك. قال الله الذي كلم موسى، وحسب موسى أن الرؤية كالكلام، وإن كان الكلام من وراء حجاب، وقد شجعه على طلب الرؤية أنه سمع الكلام، ومن سمع الكلام الجميل الجليل طمع في رؤية من يكلمه. قال الله - تعالى - له: (لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي). لن للنفي، المؤكد، وقال الزمخشري: إنها للنفي المؤبد، أي لن تراني أبدا، وهذا على مذهبه من أن رؤية الله تعالى غير ممكنة، ونحن إذا قلنا: إنها لتأبيد النفي، فإن ذلك موضوعه في الدنيا، أما في الآخرة، فأمرها عند علم الله وهو العليم بما فيها، والحياة فيها غير الحياة في الدنيا، وما يكون مستحيلا في الدنيا، أو ما يُرى كذلك لَا يكون مستحيلا في الآخرة والله بكل شيء عليم، وفسر بعضهم قوله تعالى: (لَن تَرَانِي)، أي لن تستطيع رؤيتي. وفد استدل الجماعة على أن رؤية الله ممكنة وإلا ما طلبها موسى، وقد علقها الله تعالى على استقرار الجبل وهو أمر ممكن فهي ممكنة. ولنترك الأقوال في ذلك، فليس القرآن موضع جدل، وهو منزه عن ذلك، وفوق جدال المتجادلين.

стр. 3949

قال تعالى: (لَن تَرَانِي) وقد علمت قول الناس في ذلك، ثم كان الاستدراك تلطف لموسى، وتقريب له لمعنى نفي الاستطاعة، فقال: (وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي)، والجبل أقوى وأشد وأضخم من موسى فإن استقر حين تجلى الله وبزوغ النور الإلهي فسوف تراني، ولكنه إن لم يستقر فإنك لن تراني. (فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا) أي فلما ظهر نور الله على الجبل متجليا له (جَعَلَهُ دَكًّا)، أي مستويا بالأرض، وكان لذلك ما يثير الفزع في نفس موسى (وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا)، كأنما أصابته صاعقة، وغشى، (فَلَمَّا أَفَاقَ) أحسَّ بأنه طلب ما ليس له، وما هو فوق طاقته البشرية، وما لَا يتحقق في الدنيا - استغفر ربه، وسبحه، فقال: (سُبْحَانَكَ تُبْتُ إلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ). تاب موسى من هذا الطلب الذي تبين له أن الله لَا يجيبه في الدنيا، وما كان ذلك خطيئة ارتكبها، ولكنه خطأ لَا ذنب، ولكن النفس المؤمنة التي تحس تستكثر خطأها، وتستقل صوابها، أحس أنه ذنب يتاب منه، وما هو بذنب، وكذلك استتابة المرسلين تكون من أخطاء تغتفر، بل لَا حساب عليها، ولكن يعظم أمرها في نفوسهم فيتوبون. وأكد ﵇ استغفاره، وكمال إيمانه فقال: (وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ)، أي ببعدك عن الشبيه، وأنك منزه عن كل نقص، وأول المؤمنين بأنك لَا تُرَى في هذه الدنيا. وقد استجاب الله تعالى لاستغفاره وتوبته النصوح وقال تعالى: (قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)

стр. 3950

نادى الله تعالى نبيه موِسى، ويبين ما ميزه به على أهل جيله، وعلى كثير من الأنبياء ناداه (يَا مُوسى) وفي النداء بالاسم نوع إدناء وتقريب، وإبداء للمحبة، والدنو منه. (إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ)، أي اخترتك مفضلا لك على الناس، فـ (اصْطَفَيْتُكَ) متضمنة معنى التفضيل، ولذا تعدى بـ (عَلَى)، وقوله: (بِرِسَالاتِي)، وهي جمع رسالة، وجمعت لشمول شريعة التوراة التي نزلت على موسى ﵇ من عقائد التوحيد والتنزيه وشرائع الزواجر الاجتماعية من قصاص وحدود، وشرائع مدنية في معاملات الناس وتحريم الربا، وأحكام الأسرة؛ وبعبارة أعم في التوراة شرائع كثيرة جامعة ضمت رسالات. وقوله تعالى: (وَبِكَلامِي)، أي بكوني اختصصتك من بين الأنبياء بأن كلمتك من وراء حجاب، وليس ذلك دليلا على فضله المطلق عليهم، بل هو من هذه الناحية وليس فضلا من كل النواحي. وقال تعالى بعد بيان اختصاص موسى بأنه كليم الله، واختياره للرسالات كاملة وإن لم تكن النهائية (فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ) (الفاء) هنا فاء الإفصاح، أي فإذا كنت قد اخترتك من بين الناس بالرسالات وبكلامي، فخذ ما أعطيتك، واقنع به، (وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ) الذين تظهر النعم عليهم، ولا تطلب الزيادة على ذلك بالرؤية، فإن هذا ليس لك. * * * (وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (١٤٥) سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا

стр. 3951

وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (١٤٦) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤٧) * * * ذكر الله ما أرسله الله لموسى من رسالات فقال:

стр. 3952

(وَكتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ) الألواح هي ما اشتملت عليه التوراة. وقوله تعالى: (وَكتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ)، فسر بعض رواة الحديث بأن الله تعالى كتب على هذه الألواح، فقد ذكر الترمذي أنه قبض عليه جبريل بجناحه فمر به في العلا وأدناه حتى سمع صريف القلم حين كتب الله تعالى له الألواح. وإنا لَا نرد خبرا إذا ثبتت صحته عن الرسول، ولا نعلم مقدار صحة هذا، وإن الذي نراه في هذا أن (كَتَبْنَا) معناه فرضنا وشرعنا شرعا ثابتا مقررا ومفروضا في الألواح، وقد تكون قد ألقيت عليه مكتوبة في الألواح. وقوله: (مِن كلِّ شَيْءٍ) " مِنْ " فيها بيانية، أي كتبنا له كل شيء في أمر الشرع من حيث العقيدة، ومن الشرائع المختلفة. وتكون موعظة، وتفصيلا لكل شيء فيها بيان لنوع ما في هذا الذي كتب وفرض، ففيه العظة والاعتبار بما فيها من أصل التكوين، والإخبار عن الأنبياء الذين سبقوه، وفيه تفصيل أحكام الشرائع تفصيلا مبينا موضحا، لَا يخفى على الذين يدركون، ويطلبون الحق. وقوله تعالى: (وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأخذُوا بِأحْسَنِهَا) أي يختاروا أحسنها، وكل حسنٌ، وأحسن، أي اطلبوا الأحسن فيها، فإذا كان واجبا فيه تخيير، فاختاروا الأحسن، فإذا خيرتم بين العقاب والعفو فاختاروا العفو، أو نقول: إن الأحسن وصف للتكليفات كلها، إذ كلها بلغ الأفضل في ذاته، وأفعل التفضيل ليس على بابه بل المراد الأخذ بها كلها، لأن كلها أحسنها، كقوله تعالى: (وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا

стр. 3953

أُنزِلَ إِلَيْكم. . .)، وقوله: (. . . يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ. . .)، أي يتبعون الحسن وهو القرآن أحسن القول. وقوله تعالى: (فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ)، أي خذها بعزم صادق على تنفيذ أحكامها من غير هوادة، والمراد بالأخذ بقوة لازمها، وهو العمل بقوة وصدق، والأمر لموسى هو أمر لأمته، وصرح بأمر حسن بلغ أعلى درجات الحسن، كما ذكر فقال: (وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأخُذُوا بِأَحْسَنِهَا) وأشار - سبحانه - إلى أنه سيكون من يفسق عنها من قومه، وذلك ببيان أنه سَيُرى موسى وخاصته الفاسقين ومكانهم، فقال تعالى: (سَأُرِيكمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ) أي: الفاسقين من بني إسرائيل، ومؤدى القول: ستعلم منازلهم وفسقهم ودرجاته. ويصح أن يقال (١): (دَارَ الْفَاسِقِينَ) هي دار فرعون ومن سبقه من الفاسقين، وعندي أن التخريج الأول أوضح، ويؤكده قوله تعالى بعد ذلك:

стр. 3954

(سَأصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ... (١٤٦) التكبر في الأرض بغير الحق ولا يكون التكبر بحق قط، وهذا وصف كاشف لبيان مضرة الكبر وفساده أن التكبر يجعل التكبر لَا يفكر إلا في نفسه وما يستعلى به على الناس، فإذا غمره كبره في هذا لَا يرى إلا من ورائه، فلا يتجه نظره إلى ما يجب عليه، بل يتجه إلى ما يحسبه حقا له، وبذلك ينصرف عن الخير منصرفه فيصرفه الله عنه، وهذا قوله تعالى: (سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ)، فصرْف الله تعالى للمتكبرين نضيجة حتمية لانصرافهم لغمرتهم في الكبر، فهو سبب هذه النتيجة وقوله تعالى: (بِغَيْرِ الْحَقِّ)، هو كشف لحقيقة المستكبرين من الطغاة والحكام، وكل المفسدين في الأرض. ولقد صور الله تعالى تفكيرهم فقال في نظرهم إلى الحق وإلى الباطل تعالت كلماته: (وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا)، لأن قلوبهم صرفها هواهم عن الحق، فصارت متدرنة بالباطل لَا تستسيغ الحق. إن كل آية، أي آية مهما تكن

стр. 3955

واضحة الدلالة بينة الهداية (لا يُؤْمِنُوا بِهَا) لَا يصدقون بها، لأنهم عميت عن الحق أبصارهم، وأصبحوا في صمم عنه، فإن القلب إذا أعمي كره الحق، وغفل عن آياته، ومثل ذلك آل فرعون، جاءتهم العصا فكفروا بها، وجاءت يد موسى بيضاء تلمح بالنور، فأعرضوا، وأصابهم الله بالعذاب، وأصاب أنفسهم وأموالهم وزروعهم، ورأوا آيات فيهم رأي العين، وخضعوا بالحس لله، ولكن ما زالت قلوبهم كافرة فاتجهوا إلى الله رب موسى وربهم، وطلبوا إلى موسى أن يدعو الله ليكشف عنهم، فلما كشف ذهب نور الإيمان، وبقي ما استقر في نفوسهم بسبب الكفر. وقال تعالى في تصوير نزوعهم إلى الباطل: (وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا) إن الرشد يحتاج إلى عزيمة وقوة نفس، وسيطرة على الشهوات، وحمل على الإيثار، ومنع للأثرة، والذين يستكبرون ويطغون فيهم أثره، وفيهم شهوات مستحكمة، وهو غالب، وكما قال محمد خاتم النبيين ﷺ : " حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات ". فلهذا إذا رأى المكذبون سبيل الرشد الذي يعطي لله وللناس حقوقهم فإنهم لَا يتخذونه سبيلا لسلوكهم، وطريق حياتهم لأنه يحتاج إلى بصيرة مدركة، وعزيمة صادقة، وإرادة عاقلة. (وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا)، أي إن يروا سبيل الضلال وهو الغي يتخذوه مسلكا لهم؛ لأنه سبيل الأثرة والهوى والشهوات والطغيان فهو يتفق مع نزعة التكذيب لآيات الله تعالى، والغفلة عن هدايتها، والاستكبار الذي أعماهم عن التأمل فيها، وتعرف أسرار الله في مكنونها. ولقد ذكر الله تعالى سبب ذلك الضلال الذي يحولهم من الرشد إلى الغي، فقال سبحانه: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ).

стр. 3956

الإشارة في (ذَلِكَ) إلى الحال التي آلوا إليها من استحسانهم للشر وسبيله، واستهجانهم للخير وطريقه (بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا)، أي بسبب أنهم كذبوا بآيات الله، سارعوا بتكذيب آيات الله، فاجتالهم الشيطان عنها، وساروا منحرفين عنها غافلين عن معانيها، ومن سار في طريق منحرفا عن الخط المستقيم أوغل في الانحراف حتى يضل ضلالا بعيدا، وكلما أمعن في السير أمعن في الضلال، حتى لا تكون هداية، أخذهم الكبر فكذبوا بآيات الله (وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ)، ففسدت نفوسهم وأذواقهم حتى صاروا يذوقون المر فيحسبونه حلوا، وفسدت مداركهم، فصاروا لَا يفرقون بين الخير والشر، ولا بين الحسن والقبيح، فإن رأوا سبيل الرشد لا يختاروه وإن رأوا سبيل الغي اختاروه وهكذا إيفت مشاعرهم، وضلت أفهامهم، وإنما يستقيم الفكر إذا استقامت النفس. ولقد قال تعالى في جزاء الذين كذبوا بآيات الله، فقال عز من قائل:

стр. 3957

(وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤٧) هذا النص السامي وصف عام لكل المكذبين لآيات الله ولقائه وأخصّ من ينطبق عليهم المشركون الذين كفروا بمحمد ﷺ . قوله تعالى؛ (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الآخِرَةِ). أنكر هؤلاء أمرين وكذبوهما. أولهما - آيات الله تعالى أي معجزاته القاهرة الباهرة، فلم يؤمنوا بموجبها ولم يصدقوا ما تدعوا إليه من إيمان، وأهملوها، وافتاتوا عليها، فقالوا: سحر مبين، وكذبوا بدلائل الوحدانية فيها فغفلوا عن إدراك ما تهدي إليه. وثانيهما - كذبوا بلقاء الآخرة، أي بلقاء الله تعالى في الآخرة، أو كذبوا بلقاء الآخرة بأن كذبوا بالبعث وما يعقبه، وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نلهو ونلعب، وما نحن بمبعوثين، وحسبوا أن الإنسان يترك سدى، ونزلوا به عن مكانته

стр. 3958

التي خلقه الله تعالى عليها، وجعل الملائكة يسجدون له خاضعين، وحسبوا أن الله خلقهم عبثا، وأنهم إليه لَا يرجعون. وبسبب هذا التكذيب لهذين الأمرين أصدر الله تعالى الحكم، فقال: (حَبِطَتْ أَعمالهُمْ)، أي بطلت أعمالهم فلا ثواب لهم على عمل، ولو كان فيه نفع ظاهر أو ظاهره النفع؛ وذلك لأن الأعمال ثوابها بحسب القلوب، وما دامت القلوب ممتلئة بالشرك، مدرنة بتكذيب الحق فلا خير فيها، ولا خير منها، فإن إشراق الحكمة لَا يكون إلا من قلب سليم. ومع أن أعمالهم تكون باطلة لَا ثواب فيها، إلا أن عليهم العقاب فيما يرتكبون، ولذا قال تعالى: (هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانوا يَعْمَلُونَ). الاستفهام هنا إنكاري لإنكار الوقوع بمعنى النفي، وفيه معنى تأكيد النفي بمعنى أنه لَا يتصور إلا أن يجزون بعملهم، فهو نفي فيه معنى حصر العقاب فيهم. وفى قوله تعالى: (يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا) فيه بيان عدل الله تعالى في جزائه، فالجزاء من العمل ذاته، فهو الذي يقرره، وكأن الجزاء هو ذات العمل لتساويهما وتلازمهما، إنه العليم العدل الحكيم. * * * عبادة العجل في بني إسرائيل (وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ (١٤٨) وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (١٤٩)

стр. 3959

وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١٥٠) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (١٥١) * * * عاشر بنو إسرائيل أهل مصر زمانا فأثروا فيهم بأخلاقهم، وإن الضلال يعدى كما تعدى الأمراض البدنية، وقد سرت إليهم عدوى تقديس العجل، وعبادته، كما انحلت عقيدة الوحدانية منهم، وقد أكدها موسى - كليم الله ﵇ ولكنهم لما رأوا قوما عكفوا على أصنام لهم طلبوا من نبيهم موسى ﵇ إلها كما لهم آلهة. وقد ذكر الله تعالى عبادتهم العجل في آيات كثيرة، وكان يذكرها في أكثر الأحيان بالإشارة العابرة، بيانا لضلالهم، وفي هذه يذكرها ببعض التفصيل، ويذكر وقتها وهو أنه كان، وقد غاب موسى لتلقي الألواح، ومناجاة ربه، فجاءهم، وقد اتخذوا العجل، صنعوه من حلي صناعة محكمة وعبدوه، صنعوه بحليهم، وجعلوه على صورة جسد عجل، ومهارتهم في الصناعة التي اشتهرت بها مصرفي ذلك الإبان، وضعوه في وضع إذا مرّت الريح في موضعه من الخلف صار له صوت يشبه خوار البقر وادّعوه إلهًا، ولنتلُ الآيات الكريمة في ذلك:

стр. 3960

(وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ). (وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى)، أي فعل بعضهم ذلك وسكت عنه سائرهم، فنسب الفعل إلى كلهم، فقد كان فيهم هارون، وما كان ليرضى ولم يسكت، حتى استضعفوه وكادوا يقتلونه وفيهم صفوة من الفضلاء، كان منهم النقباء.
следующие страницы →